Indexed OCR Text

Pages 81-100

- ٨١ -
وقد كان أبو حنيفة وأصحابه يأخذون بالقياس والاستحسان والعرف ،
ومالك يأخذ بالاستحسان والمصالح المرسلة والعرف ، ولقد اشتهر الأخذ
بالمصالح المرسلة فى ذلك المذهب ، ولذلك كانت فيه مرونة وقابلية لكل
ما يجد فى شئون الناس فى العصور المختلفة ، مع أنه مذهب لم يكثر من
القياس ، كأبى حنيفة ، وكذلك الاستحسان قد اتسع له المذهب المالكى ،
حتى لقد قال فيه مالك : إنه تسعة أعشار العلم ، ولكن ذلك كله إذا لم يكن ،
نص ، ولا فتوى صحابى ولا عمل لأهل المدينة .
جاء الشافعى فوجد ذلك الاستدلال المرسل للأحكام من غير نص يعتمد
عليه ، فلم يأخذ بذلك الاتجاه غير المقيد فى استنباط الأحكام ، ورأى أنه
لا رأى فى الشريعة إلا إذا كان أساسه القياس ، بأن يلحق الأمر غير
المنصوص على حكمه بالأمر الآخر المنصوص على حكمه ، والرأى فى هذه
الحال حمل على النص ، وليس بدعاً فى الشرع ، أما الاستدلال المطلق
= بها أقوى ، وبذلك يتفق التعريف مع قول ابن العربى فى أحكام القرآن : ( ان
الاستحسان هو العمل بأقوى الدليلين ) وتعريف المالكية هذا ( فيه نظر )
يتقارب مع تعريف الحنفية ، ولقد قال الشاطبى فى الموافقات : ( ان مقتضى
الاستحسان الرجوع الى تقديم الاستدلال المرسل على القياس ، فان من
استحسن لم يرجع الى مجرد ذوقه وتشبيهه . وانما رجع الى ما علم من قصد
الشارع فى الجملة فى أمثال تلك الأشياء المعروضة ، كالمسائل التى يقتضى
فيها القياس أمرا الا أن ذلك الأمر يؤدى الى فوات مصلحة من جهة أخرى ، أو
جلب مفسدة لذلك ) .
والمصالح المرسلة هى المصالح التى يتلقاها العقل بالقبول ، ولا يشهد أصل
خاص من الشريعة بالغائها أو اعتبارها . فما يشهد له الشارع بالإلغاء مرفوض
بالاتفاق ، وما يشهد له بالاعتبار يكون من الأوصاف المناسبة المقبولة بالاتفاق ،
ويدخل فى باب القياس .
والاستحسان والمصالح المرسلة متقاربان فى المعنى فى نظر المالكية ، ألا
ترى أنهم يعرفونه بأنه الآخذ بمصلحة جزئية فى مقابل دليل كلى ،
فالاستحسان فى جملته ، معناه عند المالكية ليتقارب مع المصالح المرسلة ،
وبينهما فرق دقيق ، ولعل النص الذى روى عن مالك بأن الاستحسان تسعة
أعشار العلم المراد به ما يشمل المصالح المرسلة . ولهذا نحن نعدهما شيئين
متغايرين تمام التغاير على النظر الحنفى الذى يقبل أحدهما ويرد الآخر ،
أما فى نظر المالكية فهما متقاربان فيه ؛ وسنبين الفرق فى موضعه ان شاء
الله تعالى.
( م ٦ - الشافعى )

- ٨٢ -
والتعليل المطلق للأحكام من غير البناء على العلة فى المنصوص على حكمه ،
فهو البدع فى الشرع ، ولذلك قال من استحسن فقد شرع ، ولقد وضع
للقياس ضوابطه وموازينه ، ودافع عنه وأيده ، حتى فاق الحنفية فى تحريره
وإثباته، وحتى لقد قال الرازى فى ذلك: (( والعجيب أن أبا حنيفة
كان تعويله على القياس ، وخصومه كانوا يذمونه بسبب كثرة القياسات ،
ولم ينقل عنه ، ولا عن أحد من أصحابه ، أنه صنف فى إثبات القياس ورقة ،
ولا أنه ذكر فى تقريره شبهة ، فضلا عن حجة ، ولا أنه أجاب عن دلائل
خصومه فى إنكار القياس ، بل أول من قال فى هذه المسألة ، وأورد فيها
الدلائل هو الإمام الشافعى .
فتوى الصحابى والتابعى وما عليه أهل المدينة
٥٢ - وقد كانت من المسائل التى جرت حولها المناقشات ، وكان
أهل الحديث وأهل الرأى يميلون إلى الأخذ بها فتاوى الصحابة ،
لأن الاتباع أولى من الابتداع ، ولأن الصحابة هم الذين شاهدوا ، فلرأيهم
موضعه من الصواب ، أو مكانه من فهم الدين ، وأنهم أئمة يقتدى بهم ،
ولقد تأثر بآرائهم أكثر الفقهاء ، حتى لقد روى عن أبى حنيفة أنه كان
يقول : إذا لم أجد فى كتاب الله ، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
أخذت بقول أصحابه من شئت ، وأدع قول من شئت ، ثم لا أخرج من
قولهم إلى قول غيرهم ، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبى ، والحسن ،
وابن سيرين ، وسعيد بن المسيب ، فلى أن أجتهد . كما اجتهدوا ،
وإذا كان ذلك قول أبى حنيفة إمام أهل العراق فى آراء الصحابة وأقوالهم
فلا بد أن يكون غيره أكثر تأثراً بفتاويهم ، والمأثور عنهم رضوان الله
تبارك وتعالى عليهم . .
ولقد كثر المأثور من فتاوى الصحابة فى ذلك العصر كثرة عظيمة
شغلت عقول الفقهاء ، واتخذوها نبراساً لهم فى اجتهادهم ، فتأثروا بهم
فى اجتهادهم ، واتبعوا مثل طريقتهم ، وتأثروا بهم فاحترموا آرائهم ،
وجعلوها معتمداً إذا لم يكن كتاب ولم يكن سنة ، فإذا اجتمعوا على رأى

- ٨٣ -
التزم من بعدهم من المجتهدين الأخذ به ، وإن قال أحدهم رأياً لم يعرف له
مخالف ، أخذ الأكثرون من الفقهاء به ، وإن اختلفوا فيما بينهم سار
الكثيرون من المجتهدين على أن يختاروا من آرائهم ما يتفق مع نزعاتهم ،
على ألا يخرجوا من دائرة هذه الآراء إلى غيرها ، سار الفقهاء فى عصر
التابعين والمجتهدين على ذلك النمط وإن لم يتخذوه أصلا قائماً بذاته ،
ولا قاعدة فقهية مستمدة من أصول الدين وأحكامه ، ولعلهم إنما كانوا
يعملون ذلك لأنهم يرون أن الصحابة قد نزل القرآن على الرسول بشهودهم
وعيانهم، ولابد أن يكونوا اقتبسوا حملة آرائهم عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وليس لأحد اجتهاد فى أمر ينسب للرسول صلى الله عليه وسلم
أو يمت إليه بسبب ، فهم لم يجعلوا آرائهم مجرد اجتهاد فقهى ، بل هى
أقرب إلى السنة منها إلى الاجتهاد ، ثم إن اتباعهم كان باعتبارهم المعلمين
الأولين الذين بشروا بالفقه الإسلامى فى الآفاق ، وأنهم النجوم التى أضاءت
بنور الإسلام فى الآفاق .
٥٣ - جاء الشافعى فى ذلك العصر ، وتخرج على شيوخ الحجاز ،
فتخرج على مالك رضى الله عنه الذى كان يرى أن آراء الصحابة يجب
الأخذ بها ، بل آراء بعض كبار التابعين يجب أن تقدم على الرأى ، بل عمل
أهل المدينة يقدم على الرأى ، وهكذا فكان طبيعياً أن يتأثر بذلك ، وقد
تأثر به أبو حنيفة نفسه إمام الآخذين ، وقدمه على رأيه ، ولذلك أثر عن
الشافعى أنه كان يقول فى آرائهم : رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا . ولقد
جاء فى إعلام الموقعين : قال الشافعى فى الرسالة القديمة ، هم فوقنا فى كل
علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به عليهم وآراؤهم لنا أحمد وأولى
بنا من رأينا .
وينقل ابن القيم عن كتابه اختلاف مالك : العلم طبقات : الأولى
الكتاب والسنة ، الثانية الإجماع فيما ليس كتاباً ولا سنة ، والثالثة
أن يقول الصحابى ، فلا يعلم له مخالف، الرابعة اختلاف الصحابة والخامسة
القياس ، وهكذا .

- ٨٤ -
ولقد كان لرأى الصحابى مقامه فى اجتهاد الشافعى ، وسنبين ذلك عند
الكلام فى أصوله ، مهدنا له الآن .
أما مذهب الشافعى فإن فقهاء الحديث كانوا يؤثرونه أحياناً على القياس ،
وفقهاء الرأى قد رأينا قول شيخهم أبى حنيفة أن له أن يجتهد كما اجتهدوا .
وقد كان الشافعى من أصحاب المسلك الثانى على ما ستراه جلياً واضحاً
فى أصوله .
٥٤ - ولننتقل إلى المسألة التى أثارها مالك واستمسك بها أشد
الاستمساك رضى الله عنه ، وهى مسألة عمل أهل المدينة ، فقد أخذ بعملهم
لأن الناس تبع لأهل المدينة التى إليها كانت الهجرة ، وبها نزل القرآن ،
كما جاء فى رسالة مالك إلى الليث ورد الليث عليه ، وقد كانت هذه
المسألة مثار جدل كبير بين فقهاء هذا العصر ، ولقد ذكر ابن القيم أن أخذ
مالك رضى الله عنه بعمل أهل المدينة لم يكن منه إلزاماً لغيرهم من أهل
الأمصار ، ولا على أنه حجة فى الدين لا تصح مخالفته بحال ، بل على أنه
اختيار منه ، ولقد قال فى إعلام الموقعين : ومالك نفسه منع الرشيد من
حمل الناس على العمل بمذهبه وقد عزم عليه وقال : قد تفرق أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى البلاد، وصار عند كل طائفة منهم علم
ليس عند غيرهم ، وهذا يدل على أن عمل أهل المدينة ليس عنده حجة
لازمة لجميع الأمة ، وإنما هو اختيار منه لما رأى عليه العمل ، ولم يقل
قط فى موطنه ولا غيره لا يجوز العمل بغيره ، بل هو يخبر إخباراً مجرداً
أن هذا عمل أهل بلده فإنه رضى الله عنه وجزاه عن الإسلام خيراً ، ادعى
إجماع أهل المدينة فى نيف وأربعين مسألة ، ثم هى ثلاثة أنواع :
( أحدها ) لا يعلم أن أهل المدينة خالفهم فيه غيرهم .
( الثانى) ما خالف فيه أهل المدينة غيرهم ، وإن لم يعلم اختلافهم فيه .
( الثالث ) ما فيه الخلاف بين أهل المدينة أنفسهم ، ومن ورعه
رضى الله عنه أنه لم يقل إن هذا إجماع الأمة الذى لا يحل خلافه . وقد جعل

- ٨٥ -
القسم الأول ، مقدماً على الحديث الصحيح ، وجعل القسم الثانى
مقدماً على خبر الواحد وذلك فى الأمور النقلية ، أى الأمور التى
لا تکون بالاجتهاد .
٥٥ - وقد علمت من حياة الشافعى أنه كان تلميذاً لمالك ، وأنه مكث
الشطر الأكبر من حياته العلمية لا يناقضه ، وقد تخالفه . وأنه عندما رحل
إلى بغداد رحلته الأولى سنة ١٨٤ كان يعد من أصحاب مالك ، وكان يذود
عن فقه أهل المدينة وأنه قامت من أجل ذلك المناظرات بينه وبين محمد
ابن الحسن رضى الله عنهما ، وإذا كان كذلك فلابد أن يكون قد تأثر
برأى شيخه فى ذلك ، ولقد نقلت عنه أقوال فى احترام أهل المدينة ،
فلقد روى البيهقى فى كتابه مناقب الشافعى ، عن يونس بن عبد الأعلى قال :
ناظر الشافعى رضى الله عنه فى شىء ، فقال والله ما أقول لك إلا نصحاً ،
إذا وجدت أهل المدينة على شىء ، فلا يدخلن قلبك شك أنه الحق وكل
ما جاءك وقوى كل القوة ، لكنك لم تجد له أصلا ، وإن ضعف فلا تعبأ به
ولا تلتفت إليه ، ويرى من هذا أنه أخذ بعمل أهل المدينة ، وعد مخالفته
للحديث قدحاً فيه يوجب عدم الإلتفات إليه ، ويظهر أن ذلك القول كان
قبل أن يقرر لنفسه مذهباً فى الاجتهاد والاستنباط ، فإنه بعد تقرير ذلك
المذهب سترى أنه لا يقدم على الحديث شيئاً إلا كتاب الله ، وسنبين ذلك
فى موضعه إن شاء الله تعالى .
الجدل حول الإجماع
٥٦ - قد تبين مما سبق أن جمهور الفقهاء قد أخذوا بآراء الصحابة إذا
اجتمعوا على رأى ، ولم يكن له مخالف ، يستوى فى ذلك من فقهاء الجماعة
الإسلامية فقهاء الرأى وفقهاء الحديث ، ثم رأينا أن مالكا يأخذ برأى أهل
المدينة إذا اجتمعوا على أمر ، ويقدمه على الحديث الصحيح ، إذ يعتبر مخالفة
الحديث لذلك الإجماع النقلى من أسباب القدح فيه لهذا النقل ، ولحديث :
((لا تجتمع أمتى على ضلالة)) وحديث: ((إن الله أجاركم من ثلاث : أن

- ٨٦ -
يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا ، وأن ينصر أهل الكذب منكم على أهل
الصدق، وأن تجتمعوا على ضلالة)) انبعثت فكرة كون الإجماع حجة
فى الدين ، وكان سبباً فى أن الكثرة كانت تعتبر الإجماع دليلا تحتج به
فى مجادلتها ، فأحد المتناقشين يدعى الإجماع فى دعواه . والآخر ينكره عليه ،
ولم يكن الذين لم يأخذوا بالإجماع معترضين على مبدئه ، بل كانوا معترضين
على وجوده .
دخل الإجماع عنصراً من عناصر الجدل ، يتنازعه الطرفان فى بعض
القضايا سلباً وإيجاباً ، وكثر فى المناظرات ، وأخذ بعض المتعصبين
لآرائهم ينتحلونه كلما أضمحل بهم الدليل ، وأعوزتهم الحجة ، وكان
الشافعى هو الذى صال وجال مع المتناظرين من فرق الفقهاء المختلفة ، الغلاة
منهم والمقتصدون ، ممن كانوا يهاجمون فى جدالهم بالإجماع ، لذلك كان ذلك
الموضوع من الموضوعات التى احتلت مكاناً فى جدله ، ثم احتلت مكاناً
فى حو ثه .
أخذ الشافعى بمبدأ الإجماع ، وكان الناس قبله يلهجون به من غير أن
يتجهوا إلى معرفة أصله من الكتاب ، مكتفين بمعرفة أصله من السنة
فى الحديثين اللذين نوهنا عنهما من قبل ، فلما درسه الشافعى قيل إنه بين
أصله من الكتاب، وهو قوله تعالى: ((ومن يشاقق الرسول من بعد
ما تبين له الهدى ، ويتبع غير سبيل المؤمنين نولهما تولى ، ونصله جهنم ،
وساءت مصيراً)) (١) . وليس من اتباع المؤمنين الخروج بقول يخالف
ما عليه جماعة العلماء منهم .
وجد الشافعى الحقائق الشرعية تحمله على الأخذ بأن الإجماع حجة ،
فلم يجد مناصاً من أن يعترف به ، ثم يضبطه ، ويضع له المقاييس والموازين
التی تکشف بطلان دعوى من يدعيه من غير برهان ، ولكنه وجد مجوار
ذلك أن دعوى الإجماع فى المجالات لا تقوم على أى أساس علمى ، وأنه إن
ترك المجادلين والمحامين على المذاهب يدعونه ، أدى ذلك إلى الفوضى العلمية
(١) فى هذا الاستدلال نظر سنبينه .

- ٨٧ -
وسقط الاستدلال الفقهى ، فكل منتحل فكرة يدعيه ، فلا یطالب بدلیل
سواه ، ولذلك جعل الإجماع فى المرتبة بعد الكتاب والسنة ، فليس لأحد
أن يرفض الكتاب ، أو السنة ، ولو خبر آحاد بالإجماع .
ثم كان يثقل الوطأ على من يجادله ، ويستمسك بالإجماع لتأييد مدعاه ،
حتى لقد كان يذهب به فرط الحملة وشدة الوطأة على خصمه إلى إنكار
وجود الإجماع ، حتى لقد قال فى إحدى المناقشات : دعوى الإجماع
خلاف الإجماع ، وقد جاء فى الأم على لسان الشافعى : أو ما کفاك عيب
الإجماع أنه لم يرد على لسان أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم،
دعوى الإجماع ( إلا فيما لا يختلف فيه أحد ) إلا عن أهل زمانك ، فقال
( أى مناظره ) فقد ادعاه بعضهم ، قلت أفحمدت ما ادعى منه ؟ قال لا :
قال فكيف صرت إلى أن تدخل فيما ذممت فى أكثر مما عبت ، ألا تستدل
من طريقك أن الإجماع هو ترك ادعاء الإجماع ، ولا تحسن النظر لنفسك
إذا قلت : هذا إجماع ، فيوجد من سواك من أهل العلم من يقول لك معاذ الله
أن يكون هذا إجماعاً ، بل فيما ادعيت أنه إجماع اختلاف من كل وجه فى بلد
أو أكثر ممن يحكى لنا عنه من أهل البلدان (١). والشافعى مسلم بوجود
بعض الإجماع ، وليس منكراً لوجوده من كل الوجوه وقد سأله مناقشه
فى صدر مناظراته: ((فهل من إجماع؟ قلت نعم بحمد الله كثير فى حملة
الفرائض التى لا يسع أحداً جهلها ، فلذلك الإجماع هو الذى لو قلت أجمع
الناس لم تجد حولك أحداً يعرف شيئاً يقول لك ليس هذا بإجماع)»(٢) .
ولنكتف بهذا القدر فى هذا التمهيد ، مرجئين تمام القول فى ذلك إلى
الكلام فى أصول الشافعى .
(١) الأم الجزء السابع ص ١٥٨.
(٢) الأم الجزء السابع ص ١٥٧.

- ٨٨ -
عبارات النصوص
× ٥٧ - لم يكن الخلاف بين الفقهاء مقصوراً على أصول الأدلة
ومراتبها ، وقوتها ، بل كان أقوى وأعمق فى دلالات النصوص الفقهية ،
وقد جرهم ذلك إلى مناقشات حول الألفاظ ونوع دلالتها ، وإن المناظرات
إذا انتقلت إلى الألفاظ ومدلولاتها كان المضطرب واسعاً ، والميدان
مترامى الأطراف ، ولقد زاد المناظرة قوة واحتداماً اعتماد بعض الصيغ
العربية فى تعيين المراد منها - على القرائن ، وما يحف بالموضوع ، وقد
يستعان فى تعيين المراد بالسنة، أو عرف العرب، فمثلا ((لفظ الفعل
الآمر)) يدل بطريق الاشتراك على الإباحه وعلى الإرشاد ، وعلى الطلب
على وجه الندب . وعلى الطلب على وجه الحتم واللزوم ، وإذا جاء ذلك
اللفظ فى نص قرآنى ، أو نبوى ، كان محتملا لتلك المعانى فى ذاته ،
وتعيين إحداها بقرينة لفظية أو أثر ، أو تفسير للنبى أو قرينة المقام
والحال، فإذا قال الله تعالى: ((وإذا حللتم فاصطادوا)) فلفظ الأمر
فى ذاته يحتمل الإباحة ، والإرشاد والطلب ، ولكن اقترانه بإذا حللتم
مما يدل على أنه قبل الحل كان الصيد محرماً لإحرام الحج ، فكان المراد
الإباحة ، وهكذا يكون البحث فى كل صيغة أمر .
وقد جر هذا إلى نوعين من الخلاف ( أحدهما ) اختلاف فى قوة القرائن
ومدلوها ، فبعضهم يأخذ بقرينة والآخر يهملها ، وذلك خلاف فى فهم
النص الجزئى ( ثانيهما ) خلاف فى القاعدة العامة فى الأمر ، الأصل فيه
الطلب اللازم ، حتى يقوم الدليل على سواه ، أم الأصل الإباحة والإرشاد
حتى يقوم الدليل على الطلب لازماً أو غير لازم ؟ وكذلك النهى قد يكون
للتحريم أو الكراهة والإرشاد ، والقرائن هى التى تعين المراد ، فيختلف
العلماء فى النصوص الجزئية ، ثم يختلفون فى أصل دلالة النهى : أعلى التحريم
حتى يقوم الدليل أم على سواه ؟ .
ولا يقف الاختلاف فى دلالات النهى عنده ، بل يتعمقون ، فيختلفون

- ٨٩ -
فى النهى إذا ورد على عقد موصوف بوصف: أيلغيه ويبطله ؟ أله وجود إذا
عقد مع ذلك الشرط ، أم لا يبطل العقد ، ولكنه يكون عقداً منهياً عنه
يجب أن يفسخه عاقداه ، وإن لم يفعلا تحملا الإثم ، قال الحنفية إن العقد
ينعقد ولكن يجب فسخه ، وقال غيرهم العقد لا ينعقد ، وكذلك إذا نهى
الشارع. عن الطلاق فى حال معينة فأوقع الشخص الطلاق فى هذه الحال
أيقع مع إثم من أوقعه أم لا يقع ، لأن الشارع نهى عنه فيكون باطلا ؟
قال جمهور فقهاء الجماعة يقع مع الإثم ، وقال الشيعة لا يقع لمكان النبى ،
ثم كان الخلاف يجرى حول دلالات الألفاظ المشتركة فى تعيين أحدهما
دون الآخر ، كما جرى الخلاف بين الصحابة ، ثم التابعين ، ثم المجتهدين
فى تفسير معنى القرء فى قوله تعالى: ((والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة
قروء))، فقد فسر بعض الصحابة القرأ بالطهر ، وفسره بعضهم بالحيض،
واختلف التابعون والمجتهدون تبعاً لاختلاف الصحابة . ثم جرى الاختلاف
فى دلالة العام الذى يشتمل مدلوله على عدة آحاد : أدلالته عليه قطعية أم
دلالته ظنية ؟ كما اختلفوا فى الجمع بين النصوص إذا تواردت فى موضوع ،
وفى تقييد المطلق بالمقيد ، وهكذا فى كل هذه الأمور جرى الخلاف ،
وكان متسع الأفق مترامى المدى ، عميق الفكرة ، وقد كان الشافعى تجادل
الفقهاء فى هذه الموضوعات ، ولما اتجه إلى تدوين أصول الاستنباط ،
كان لهذه المسائل مكان كبير فيها ، وعاونه على تمحيصها علمه بالعربية
ودراسته لأساليبها ، وسترى ذلك واضحاً عندما نبين ذلك .
خلاصة القول عن عصره
٥٨ - هذا عصر الشافعى رضى الله عنه ، عصر التقت فيه الحضارات
القديمة ، حضارات الهند وفارس واليونان فى صقع واحد تحت ظل ذلك
الدين الجديد، وتم المزج بين تلك الحضارات المتباينة أصولها، فالتقت فى ذلك
الجيل متآ لفة النغمات ، غير مضطربة ولا متنازعة إلا فى بعض الأحوال

- ٩٠ -
عن بعض الناس ممن لم يندمجوا فى ذلك الجديد ويأتلفوا معه ، بل أرادوا به
خبالا ولم يرجوا له وقاراً .
وهو عصر الخصب العقلى المستقل المنتج ، فهؤلاء المحدثون يشمرون
عن ساعد الجد ، ليتميز الصحيح فى المروى عن رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم ، ويضعون ضوابط ومقاييس يتعرفون بها الثقات من
الرجال ، ويخرجون بها الشاذ من المرويات ، ويبينون ما يصح أن يكون
حجة فى الدين ، ومالا يصح ، ثم يدونون ما صح عندهم ورجح صدقه
على مقتضى مقاييسهم .
وهذه الفرق المختلفة كل فرقة تجرد سيف الحجة لتشق الطريق لدعايتها ،
وتعبد السبيل لآرائها . كل فرقة لها مذهبها الفقهى تنشره وتناظر فيه ، وتدعم
أصوله بحجج من الكتاب والسنة ، والشافعى يخالط الفرق المختلفة ، ويجتمع
بآحادها ، ويناقش المتصدين لبيان حججها الفقهية ، وأدلتها المذهبية ،
ويقبس من علمائها ما يراه صالحاً ، وما يرى الحجة فيه .
وهؤلاء العلماء من فقهاء ومحدثين ، ينتقلون فى البلاد ، وينتجعون
الأقاصى والأدانى طلباً للحديث ، وطلباً للفقه ، وطلباً للقرآن ، فيلتفى
الشافعى بهم ، وخصوصاً فى البيت الحرام الذى كان مؤتمراً علمياً
يلتقى فيه العلماء من كل فج عميق ، ويتبادلون فيه الأنظار العلمية
المختلفة ، يتناظرون فى تعرف صحيح الآراء من سقيمها ، ولقد كان الحرم
المكى مقام الشافعى فى نشأته الأولى ، عندما أخذ يدرس مستقلا بعد مزايلته
بغداد للمرة الأولى التى درس فيها فقه أهل الرأى واستمع إليهم وجادلهم ،
وسمع من محمد بن الحسن كتبه .
ثم ماهم أولاء فقهاء الرأى ، وفقهاء الحديث يلتقون فى مكان واحد ،
ويتناظرون طلباً للحقيقة ، فيأخذ كل مما عند الآخر ، وقد كانوا يظنون
كل الظن أن لا تلاقيا ، فنجد فقهاء الحديث يأخذون بالرأى ، وفقهاء
الرأى يؤازرون آراءهم بالحديث ، أو يهذبون آراءهم لتلتقى مع الحديث
الصحيح الذى وجدوه بعد ما تفقدوه ، أو يعدلون عن بعض هذه الآراء ،
لمباينتها لما علموا من حديث .

- ٩١ -
ثم هذا علم الصحابة الذين تفرقوا فى الأمصار فى عهد الخلفاء الراشدين
يلقى على الفقهاء جميعاً بسبب النجعة والارتحال ، فقهاء البلدان يجتمعون
ويتبادلون ما توارثوه عن الصحابة ، كل بما ورثه ، وما وصل إليه علمه ،
فيدرسون تلك الآراء ويختار كل فقيه من هذه الآراء ما يكون أقرب إلى
نزعته ، أو ما يكون أقوى دليلا فى نظره ، أو ما يراه أصلح للناس فى بيئته
وعصره . ثم يتناقشون فيما يرجح كل واحد منهم ، وفيما يدع ويذر .
ثم هذا الفقه يجمع فى الكتب ويدون فيها بعد أن دونت السنة ، فيرى
الفقيه آراء غير مدونة مبسوطة ، فيقرؤها ويدرسها وينقدها ، ويقبل ما يراه
أقرب إلى الكتاب والسنة .
ثم فى هذا العصر الذى كثرت فيه المناظرات كما رأيت ، أخذ الفقه
يتجه اتجاهاً كلياً بعد أن كان نظراً جزئياً ، فبعد أن كان المفتى أو الفقيه
يفتى فيما يقع من الحوادث وما يسأل عنها ، ثم يفتى فى صور جزئية
يفرضها ، أخذ الدرس يتجه إلى الأصول التى تتفرع منها الأحكام الجزئية ،
ويبنى عليها ، ثم أخذوا يشقون الطريق الذى يجب اتباعه ، ومكان الأدلة
بعضها بالنسبة لبعض ، وبعبارة جامعة اتجه تفكيرهم فى مناظراتهم إلى وضع
مقاييس الاستدلال الفقهى وأصول الاستنباط ، كانوا يتناقشون حول
الأحاديث التى يجب الأخذ بها : أيؤخذ بالمرسل مع الحديث المتصل
أم لا يؤخذ إلا بالمتصل ؟ ثم ما مقام السنة من الكتاب ، وما قوتها ،
أهى مبينة له أم تزيد بالأحكام على أحكامه ؟ وهل تبلغ من القوة درجة
أن تنسخ بعض أحكامه ، وأخذوا يتكلمون فى النسخ: متى يكون؟ وكيف
يكون ؟ وهكذا عرضت على بساط البحث المسائل الكلية فتجادلوا فيها ،
واختلفوا فى مسالكهم فيها ، كما اختلفوا فى الفروع ، ولكن الاختلاف
هنا لم يكن بكثرة الاختلاف فى الفروع ثم عرضت قوة الألفاظ فى الدلالة
وكيف تفهم النصوص الفقهية وتستخرج الأحكام من ثنايا العبارات .
جاء الشافعى فى ذلك العصر ، وفى وسط ذلك اللجب العلمى القوى

- ٩٢ -
عاش وخاض غمرات المناظرات وأخذ من تلك الثروة العلمية العظيمة ،
وبقوة مواهبه ودراساته ، وحسن اتجاهاته ، وفى ظل عصره خرج على الناس
بآرائه ومذهبه .
٥ - الفرق
٥٩ - التقى الشافعى بآحاد من المنتمين للفرق الإسلامية ، وتلقى الحديث
عن بعضهم ، ودرس آراءهم كما يدل على ذلك ما قاله عن مقاتل بن سليمان ،
كما بينا ، فكان من الحق أن نشير بإلمامة موجزة إلى الفرق التى عاصرته ،
ويظن أنه عرف آرائها ، وهى :
١ - الشيعة
٦٠ - الشيعة أقدم الفرق الإسلامية ، وقد ظهروا بمذهبهم السياسى
فى آخر عصر عثمان رضى الله عنه، ونما وترعرع فى عهد على رضى الله عنه ،
إذا كان كلما اختلط رضى الله عنه بالناس ازدادوا إعجاباً بمواهبه وقوة دينه
وعلمه ، فاستغل الدعاة ذلك الإعجاب وأخذوا ينشرون نحلهم بين الناس ،
ولما جاء العصر الأموى ووقعت المظالم على العلويين ، واشتد نزول أذى
الأمويين بهم ، ثارت دفائن المحبة لهم ، والشفقة عليهم ، ورأى الناس علياً
وأولاده شهداء هذا الظلم ، فاتسع نطاق المذهب الشيعى ، وكثرت أنصاره .
وقوام هذا المذهب :
١ - أن الإمامة ليست من مصالح العامة التى تفوض إلى نظر الأمة ،
ويتعين القائم بها بتعيينهم ، بل هى ركن الدين ، وقاعدة الإسلام ،
ولا يجوز لنبى إغفالها وتفويضها إلى الأمة ، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم ،
ويكون معصوماً عن الكبائر والصغائر))(١).
٢ - أن على بن أبى طالب كان هو الخليفة المختار من النبى صلى اللّه
عليه وسلم وأنه أفضل الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم ، وقيل إن
(١) مقدمة ابن خلدون .

- ٩٣ -
الشيعة ليسوا وحدهم الذين كانوا يرون تفضيل على رضى الله عنه على سائر
الصحابة ، بل إن من الشيعة من يدعى أن بعض السابقين من الصحابة
كان يرى ذلك ، ومنهم عمار بن ياسر ، والمقداد بن الأسود ،
وأبو ذر الغفارى ، وسلمان الفارسى ، وجابر بن عبد الله ، وأبى بن كعب ،
وحذيفة ، وبريدة ، وأبو أيوب وسهل بن حنيف ، وعثمان بن حنيف ،
وأبو الهيثم ، وخزيمة بن ثابت ، وأبو الطفيل عامر بن وائلة ، والعباس
ابن عبد المطلب وبنوه ، وبنو هاشم كافة ، وكان الزبير من القائلين به
فى بدء الأمر ثم رجع ، وكان من بنى أمية قوم يقولون ذلك ، منهم
خالد بن سعيد ابن العاص ، ومنهم عمر بن عبد العزيز (١) .
ولم يكن الشيعة على درجة واحدة ، بل كان منهم المغالون فى تقدير
على وبنيه ، ومنهم المعتدلون والمقتصدون ، وقد اختصر المعتدلون فى تفضيله
على بقية الصحابة من غير تكفير لأحد ، وقد حكى ابن أبى الحديد نحلة
المعتدلين، وهو منهم، فقال: ((كانوا أصحاب النجاة والخلاص والفوز
فى هذه المسألة ، لأنهم سلكوا طريقة مقتصدة ، قالوا : هو أفضل الخلق
فى الآخرة ، وأعلاهم منزلة فى الجنة ، وأفضل الخلق فى الدنيا ، وأكثرهم
خصائص ومزايا ومناقب وكل من عاداه أو حاربه أو أبغضه ، فإنه عدو
لله سبحانه وتعالى ، وخالد فى النار مع الكفار والمنافقين ، إلا أن يكون
ممن ثبتت توبته ، ومات على توليه وحبه ، فأما الأفاضل من المهاجرين
والأنصار الذين ولوا الإمامة قبله ، فلو أنكر إمامتهم وغضب عليهم ،
وسخط فعلهم ، فضلا عن أن يشهر عليهم السيف ، أو يدعو إلى نفسه ،
لقلنا إنهم من الهالكين ، كما لو غضب عليهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم وآله ، لأنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له :
((حربك حربى، وسلمك سلمى)) وأنه قال: ((اللهم وال من والاه ، وعاد
من عاداه))، وقال: (( لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)) ولكنا
رأيناه رضى إمامتهم وبايعهم وصلى خلفهم وأنكحهم ، وأکل فيئهم ،
فلم يكن لنا أن نتعدى فعله ، ولا نتجاوزما اشتهر عنه ، ألا نرى أنه لما برىء
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد .
٠

- ٩٤ -
من معاوية برثنا منه ، ولما لعنه لعناه ، ولما حكم بضلال أهل الشام ، ومن كان
فيهم من بقايا الصحابة كعمرو بن العاص وعبد الله ابنه وغيرهم ، حكمنا
أيضاً بضلالهم ، والحاصل أننا لم تجعل بينه وبين النبى صلى الله عليه وسلم
إلا رتبة النبوة ، وأعطيناه كل ما عدا ذلك من الفضل المشترك بينه وبينه ،
ولم نطعن فى أكابر الصحابة الذين لم يصح عندنا أنه طعن فيهم ، وعاملناهم
بما عاملهم به عليه السلام)) (١).
٦١ - أما المغالون المتطرفون من الشيعة، فقد رفعوا علياً إلى مرتبة
النبوة حتى لقد زعم بعضهم أن النبوة كانت له ، وأن جبريل أخطأ ،
وذهب إلى النبى صلى الله عليه وسلم (٢) بل إن منهم من رفع علياً إلى مرتبة
الإله، وقالوا له هو أنت (الله). ومنهم من زعم أن الإله جل فى الأئمة
على وبنيه ، وهو قول يوافق مذهب النصارى فى حلول الإله فى عيسى ،
ومنهم من ذهب إلى أن كل روح إمام حات فيه الألوهية تنتقل إلى الإمام
الذى يايه .
وقد أجمع أكثر الشيعة الروافض على أن آخر إمام يفرضونه لا يموت
بل هو حى يرزق باق ، حتى يرجع فيملأ الأرض عدلا ، كما ملئت
جوراً وظلماً . فطائفة قالت إن على بن أبى طالب حى لم يمت وهم السبئية ،
وطائفة قالت إن محمد بن الحنفية حى برضوى عنده عسل وماء ، وطائفة
قالت إن يحيى بن يزيد لم يصلب ، ولم يقتل بل هو حى يرزق ،
والإثنا عشرية يقولون إن الثانى عشر من أئمتهم وهو محمد بن الحسن
العسكرى ، ويلقبونه المهدى ، دخل فى سرداب بدارهم بالحلة وتغيب
حين اعتقل مع أمه ، وغاب هنالك ، وهو يخرج آخر الزمان ، فيملأ
الأرض عدلا ، وهم ينتظرونه لذلك ، ويقفون كل ليلة بعد صلاة المغرب
بباب هذا السرداب ، وقد قدموا مركباً ، فيهتفون باسمه ، ويدعونه للخروج
حتى تشتبك النجوم ثم ينفضون ؛ ويرجئون الأمر إلى الليلة الآتية ، وبعض
هؤلاء يقول إن الإمام الذى مات سيرجع إلى حياته الدنيا ، ويستشهدون
(١) شرح نهج البلاغة .
(٢) وهم الغرابية وسموا بذلك لأنهم قالوا انه يشبه النبى كما يشبه
الغراب .

- ٩٥ -
لذلك بما وقع فى القرآن الكريم من قصة أهل الكهف والذى مر على قرية ،
وقتيل بنى إسرائيل حين ضرب بعظام البقرة ، التى أمر بذبحها(١) .
وبعض الشيعة خلطوا بهذه الآراء آراء اجتماعية خطرة مفسدة للنسل
هادمة للأديان ، فاستحلوا الخمر والميتة ونكاح المحارم ، وتأولوا قوله تعالى :
«ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ، إذا ما اتقوا
وآمنوا وعملوا الصالحات )).
وزعموا أن ما فى القرآن من تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير كناية عن
قوم يلزم بغضهم ، مثل أبى بكر وعمر وعثمان ومعاوية ، وكل ما فى القرآن
من الفرائض التى أمر الله بها كنابة عمن تلزم موالاتهم مثل على والحسن
والحسين وأولادهم(٢).
٦٢ - ومن ذلك نرى أن الشيعة مزيج من الأراء وبعضها مرتع لكثير
من الأفكار ، وفيها نحلة قد ضلت بها أو هام كثيرة ، ودخلت عليها خواطر
باطلة ، ومبادىء من ملل قديمة ، وقد أرادوا أن يلبسوها بلباس
الإسلام ، فضاقت عن أن تسع بعضهم عقيدة الإسلام السامية النقية
وهى عقيدة التوحيد .
وقد تساءل بعض العلماء الأوربيين عن أصل الشيعة ، وفيها مبادىء
لاشك أن بعضها دخيل فى الإسلام ، فقد ذهب الأستاذ ( ولهوسن) إلى
أن العقيدة الشيعية نبعت من اليهودية (٣) أكثر مما نبعت من الفارسية ، مستدلا
بأن مؤسسها عبد الله بن سبأ وهو يهودى .
ويميل الأستاذ ( دوزى ) إلى أن أصلها فارسى، فالعرب تدين بالحرية ،
والفرس يدينون بالملك ، وبالوراثة فى البيت المالك ، ولا يعرفون معنى
لانتخاب الخليفة وقد مات محمد ولم يترك ولداً، فأولى الناس بعده ابن عمه
على بن أبى طالب فمن أخذ الخلافة منه ، كأبى بكر وعمر وعثمان والأمويين
فقد اغتصبها من مستحقها .
(١) مقدمة ابن خلدون بتصرف .
(٢) الملل والنحل الشهرستانى ، والخطط للمقريزى .
(٣) ان هذا رأى الشعبى كما جاء فى العقد الفريد.

- ٩٦ -
وقد اعتاد الفرس أن ينظروا إلى الملك نظرة فيها معنى إلهى ، فنظروا
هذا النظر نفسه إلى على وذريته ، وقالوا إن طاعة الإمام أول واجب ،
وإن طاعته طاعة اللّه (١) .
ويقول ( فان فلوتن ) ، قد ثبت بالفعل أن مذاهب الشيعة كان مباءة
للعقائد الأسيوية القديمة كالبوذية والمانوية وغيرهما (٢).
والحق الذى لا مرية فيه أن الشيعة كانت مع تقديسها لآل البيت كان
بعضها مستراداً لكثير من الديانات القديمة الأسيوية ، ففيها من المذاهب
الهندية مبدأ التناسخ الذى يقول إن روح الإنسان تنتقل إلى إنسان غيره .
فقد طبق بعضهم ذلك المذهب على أثمتهم ، وقالوا إن روح الإمام تنتقل إلى
الذى يليه ، وأخذ غير المسلمين من البرهمية القديمة والمسيحية مبدأ حلول
الإله فى الإنسان ، وأخذوا من اليهودية شيئاً كثيراً، وقال فى ذلك ابن حزم
فى بيان أن عقيدة رجوع الأئمة مأخوذة من اليهودية : سار هؤلاء فى سبيل
اليهود القائلين إن إلياس عليه السلام وفنحاس بن العازار بن هارون عليه
السلام أحياء إلى اليوم ، وسلك فى هذا السبيل بعض الصوفية ، فزعموا أن
الخضر وإلياس عليهما السلام حيان إلى الآن ، وادعى بعضهم أن إلياس
يلقى فى الفلوات ، والخضر فى المروج والرياحين وأنه متى ذكر حضر.
على ذكره .
وهكذا نرى الشيعة كان فيها خليط من أهواء وملل ونحل قديمة دخلت
على المسلمين لإفساد الإسلام ، أو تحت تأثير التربية والألف ، فدخلوا
فى الإسلام ولم يستطيعوا نزع القديم ؟
هذه إلمامة موجزة بينت أحوال الشيعة إجمالا ، ونزيد بعد ذلك أن
نذكر بعض فرقهم المشهورة وتاريخ نشأتها ، لنكون على بينة من أدوار
هذه الفرقة فنقول :
(١) فجر الاسلام للأستاذ أحمد أمين .
(٢) السيادة العربية .

- ٩٧ -
٦٣ - السبئية: هم أتباع عبد الله بن سبأ ، وكان يهودياًمن أهل الحيرة،
أظهر الإسلام ، وأمه أمة سوداء ، ولذلك يقال له ابن السوداء ، وقد كان
من أشد الدعاة ضد عثمان ، وقد تدرج فى نشر أفكاره ومفاسده بین
المسلمين وأكثرها موضوعة على علىٍ رضى الله عنه .
أخذ ينشر أولا بين الناس أنه وجد فى التوراة أن لكل نبي وصياً ،
وأن علياً وصى محمد ، وأنه خير الأوصياء ، كما أن محمداً خير الأنبياء ، ثم
ذكر أن محمداً سيرجع إلى الحياة الدنيا ، وكان يقول : عجبت لمن يقول
برجعة عيسى. ولا يقول برجعة محمد، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ((إن
الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد)) ثم تدرج من هذا إلى الحكم
بألوهية على رضى الله عنه ، ولقد هم على بقتله إذ بلغه عنه ذلك ، ولكن
نهاه عبد الله بن عباس ، وقال له إن قتلته اختلف عليك أصحابك ، وأنت
عازم على العود لقتال أهل الشام، فنفاه على إلى ساباط المدائن، ولماقتل رضى اللّه
عنه استغل ابن سبأ محبة الناس له كرم الله وجهه ، وأخذ ينشر الأكاذيب
التى تجود بها مخيلته إضلالا للناس وإفساداً ، فصار يذكر للناس أن المقتول
لم يكن علياً وإنما كان شيطاناً تصور للناس فى صورته ، وأن علياً صعد إلى
السماء كما صعد إليها عيسى ابن مريم عليه السلام ، وقال : كما كذبت اليهود
والنصارى فى دعواهما قتل عيسى ، كذلك كذبت الخوارج فى دعواهم قتل
على . وإنما رأى اليهود والنصارى شخصاً مصلوباً شبهوه بعيسى ، كذلك
القائلون بقتل على رأوا قتيلا يشبه علياً، فظنوا أنه على ، وقد صعد إلى
السماء ، وإن الرعد صوته والبرق تبسمه ، ومن سمع من السبئيين صوت
الرعد يقول : السلام عليك يا أمير المؤمنين . وقد روى عمر بن شرحبيل أن
ابن سبأ قيل له إن علياً قد قتل، فقال: ((إن جئتمونا بدماغه فى صرة لم
تصدق بموته ، لا يموت حتى ينزل من السماء، ويملك الأرض بحذافيرها(١).
(١) الفرق بين الفرق للبغدادى.
( م ٧ - الشافعى )

- ٩٨ -
٦٤ - الكيسانية : (١) هم أتباع المختار بن عبيد الثقفى . وقد كان
خارجياً ثم صار من شيعة على رضى الله عنه ، وقد قدم الكوفة حین قدم إليها
مسلم بن عقيل من قبل الحسين رضى اللّه عنه ، ليعلم حالها ، ويخبر ابن عمه
بأمرها وقد أحضر عبيد الله بن زياد المختار ، وضربه ثم حبسه إلى أن قتل
الحسين ، فشفع له زوج أخته عبد الله بن عمر ، فأطلق سراحه على أن يخرج
من الكرفة، فخرج إلى الحجاز ، وقد أثر عنه أنه قال فى أثناء سيره: ((سأطلب
دم الشهيد المظلوم المقتول سيد المسلمين ، وابن بنت سيد المرسلين الحسين
ابن على ، فوربك لأقتلن بقتله عدة من قتل على دم يحيى بن زكريا ، ثم لحق
بابن الزبير ، وبايعه على أن يوليه أعماله إذا ظهر، وقاتل معه أهل الشام ،
ثم رجع إلى الكوفة بعد موت يزيد، وقال للناس: ((إن المهدى ابن الوصى
بعثنى إليكم أميناً ووزيراً ، وأمرنى بقتل الملحدين ، والطلب بدم أهل بيته،
والدفع عن الضعفاء)).
وزعم أنه جاء من قبل محمد بن الحنيفة لأنه ولى دم الحسين رضى الله عنه،
ولأن محمداً رضى الله عنه كان ذا منزلة بين الناس امتلأت القلوب بمحبته ،
إذ كان كما قال الشهر ستانى: ((كثير العلم غزير المعرفة ، رواد الفكر، مصيب
النظر فى العواقب ، وقد أخبره أبوه أمير المؤمنين على رضى الله عنه أخبار
الملاحم)) ولكن أعلن محمد بن الحنفية البراءة من المختار على الملأ من الأمة
وعلى مشهد من العامة ، إذ بلغته أوهامه وأكاذيبه ،وعرف خبىء نياته، ومع
تلك البراءة فقد تبع المختار هذا بعض الشيعة ، وأخذ هو يتكهن بينهم .
ويسجع سجعاً يشبه سجع الكهان ، حتى روى أنه كان يقول : (( أما ورب
البحار ، والنخيل والأشجار، والمهامه والقفار ، والملائكة الأبرار، لأقتلن
(١) نسبة الى كيسان قيل انه مولى لعلى رضى الله عنه، وقيل أنه تلميذ
لمحمد بن الحنفية قيل أنه أبو عمرة مولى بجيلة كان يحرس المختار الثقفى ،
وقد شهدوا له بأن محمد بن الحنفية سمح بأن يدعو المختار باسمه، الشهرستانى
فى الملل والنحل يعد اتباع المختار فرقة كانت غير الكيسانية ، ولكنه يقول فى
المختار صار شيعيا كيسانيا . فكان المختار اتبع نحلة الشيعة الكيسانية .

- ٩٩ -
كل جبار ، بكل لدن خطار ، ومهند بتار .. حتى إذا أقمت عمود الدين ،
ورأيت شعب صدع المسلمين ، وشفيت غليل صدور المؤمنين ، لم يكبر
على زوال الدنيا ، ولم أحفل بالموت إذا أتى )) .
وقد أخذ المختار فى محاربة أعداء العلويين ، وأكثر من القتل الذريع
فيهم ، ولم يعلم أن أحداً اشترك فى قتل الحسين إلا أسكن نأمته ، فحببه ذلك
فى نفوس الشيعة فالتفوا حوله ، وأحاطوا به ، وقاتلوا معه ، ولكنه هزم
فى قتال مصعب بن الزبير وقتله جيش مصعب .
٦٥ - (١) وعقيدة الكيسانية لا تقوم على ألوهية الأئمة كالسبئية الذين
يعتقدون حلول الجزء الإلهى فى الإنسان كما بينا ، بل تقوم على أساس أن
الإمام شخص مقدس ، ويبذلون له الطاعة ، ويثقون بعلمه ثقة مطلقة
ويعتقدون فيه العصمة عن الخطأ ، لأنه رمز للعلم الإلهى .
(ب) ويدينون كالسبئية برجعة الإمام ، وهو فى نظرهم بعد على والحسن
والحسين ، محمد بن الحنفية ، ويقول بعضهم إنه مات وسيرجع، وبعضهم .
وهم الأكثرون ، يعتقدون أنه لم يمت ، بل هو يجبل رضوى عنده عسل وماء
وقد كان من هؤلاء كثير عزة إذ يقول :
ولاة الحق أربعة سواء
ألا إن الأئمة من قريش
على والثلاثة من بنيه
هم الأسباط ليس بهم خفاء
وسبط غيبته كربلاء
فسبط سبط إيمان وبر
يقود الخيل يتبعه اللواء
وسبط لا يذوق الموت حتى
برضوى عنده عسل وماء
تغيب لا يرى عنهم زمان
(جـ) ويعتقدون البداء ، وهو أن الله سبحانه وتعالى يغير ما يريد تبعاً
لتغير علمه ، وأنه يأمر بالشىء ثم يأمر بخلافه . وقد قال الشهر ستانى : وإنما
صار المختار إلى اختيار القول بالبداء ، لأنه كان يدعى علم ما يحدث من الأحوال
إما بوحى يوحى إليه ، وإما برسالة من قبل الإمام ، فكان إذا وعد أصحابه

- ١٠٠ -
بکون شىء ، وحدوث حادثة ، فإن وافق کونه قوله جعله دليلا على دعواه،
وإن لم يوافق قال قد بدا لربكم )) .
ويعتقدون أيضاً تناسخ الأرواح ، وهو خروج الروح من جسد
وحلولها فى جسد آخر ، وقد ثبت أن هذه الفكرة مأخوذة من الفلسفة الهندية
القديمة .
(د) وكانوا يقولون: (( إن لكل شىء ظاهراً وباطناً، ولكل شخص
روحاً ، ولكل تنزيل تأويلا ، ولكل مثال فى هذا العالم حقيقة ، والمنتشر
فى الآفاق من الحكم والأسرار مجتمع فى شخص الإنسان ، وهو العلم الذى
آثر على عليه السلام به ابنه محمد بن الحنفية ، وكل من اجتمع فيه هذا العلم
فهو الإمام حقاً))(١) .
وترى من هذا الذى ذكرناه ، وهو بعض محاريقهم ، أنهم جانبوا
مبادىء الإسلام ، وبعدوا عن روحه ؛ ورفعوا الأئمة إلى مراتب النبيين ،
وكأنهم اعتقدوا أن رسالة النبى صلى الله عليه وسلم ما انتهت بموته ، بل بقيت
فى بيته من بعده .
٦٦ - الزيدية : هذه الفرقة هى أقرب فرق الشيعة إلى الجماعة الإسلامية،
وهى لم تغل فى معتقداتها ، ولم يكفر الأكثرون منها أحداً من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم الأولين، ولم ترفع الأئمة إلى مرتبة الإله ،
ولا إلى مرتبة النبيين .
وإمامها زيد بن على بن الحسين رضى الله عنه ، خرج على هشام ابن
عبد الملك بالكوفة فقتل وصلب بكناسة الكوفة ، وقوام مذهبه ( وهو
مذهب هذه الفرقة إلى أن عراها التغيير ) :
(١) أن الإمام منصوص عليه بالوصف لا بالاسم ، وأوصاف الإمام
التى قالوا إنه لابد من وجودها حتى يكون إماماً يبايعه الناس هى كونه فاطمياً،
ورعاً عالماً سخياً ، يخرج داعياً الناس لنفسه ، وقد خالفه فى شرط الخروج
(١) الملل والنحل الشهرستانى .