Indexed OCR Text

Pages 241-260

<nu٠ ۴
- ٢٣٠ -
تأبين كبرى انعقدت بديوبند بعد وفاة الشيخ رحمه اللّه فيما بلغنى عن الثقات:
"لم أرمثله فى الاستبحار والإحاطة بسائر العلوم النقلية والعقلية بالهند ولا بالحجاز
والعراق والشام ، مع أنى رأيت ولاقيت أعاظم رجال هذه البلاد وعلماءها
وفضلاءها .
رأى الفاضل المحقق مفتى الديار الهندية، ورئيس إدارة جمعية العلماء الإسلامية
الفقيه المحدث العلامة مولانا محمد كفايت اللّه الدهلوى أدام الله فيوضه.
١
قال الشيخ المحقق مفتى الديار الهندية المحدث الجهبذ العلامة محمد كفابت
الله فما أشاعه فى جريدة " الجمعية" عند وفاته رحمه الله، لسابع صفر سنة
١٣٥٢ هجرية وأول يونيو سنة ١٩٣٣ الميلادى بقلمه ما نصه مع تعريبه:
آه قدرت کے زبردست هاتھ ے حضرت
مولانا العلامة الفاضل الكامل ١ كمل
العلماء افضل الفضلاء التحرير المقدام ،
البحر الطمطام رحلة" العصر ، قدوة الدهر
استاذ الاساتذه رئيس الجهابذه محدث
وحيد ، مفسر فريد فقيه يكانه ساهر العلوم
النقلية" والعقلية" مولانا سيد محمد انورشاه. الجهابذة المحدث الوحيد والمفسر الفريد
قدس سره كو آغوش رحمت مين كهينچ.
لیا اور هم سے ظاهری طور پر همیشہ کے
لئح جدا كرديا (الى ان قال): حضرت شاه
صاحب كى وفات بلا شبه وقت حاضر کے
کامل ترین عالم ربائی کی وفات ے
جن کی نظیر مستقبل میں متوقع ذہیں،طبقه
علماء مين حضرت شاه صاحب كاتبحرو كمال
فضل وورع وتقوى جامعيت ، استغناء
مسلم تھا ، موافق و مخالف آن کے سامنے
تسلیم و انقیاد سے گردن جهكاتا تها ۔
يا للأسف! قد اختلست عنا القدرة
الإلهية إلى كنف رحمته العلامة الفاضل
أكمل الكملاء أفضل الفضلاء التحرير
المقدام والبحر الطمطام رحلة العصر
وقدوة الدهر أستاذ الأساتذة ورئيس
الفقيه الإمام ماهر العلوم النقلية
والعقلية مولانا السيد محمد أنور شاه
قدس سره ، لا ريب أن وفاة الشيخ
وفاة أكمل عالم ربانى فى العهد الحاضر
لا يرتجى له المثيل فى الغابر وقد اعترف
علماء عصره قاطبة بكمال فضله وورعه
وتقواه وتبحره الجامع فى العلوم
واستغناءه عن الخلق ( ثقة بالحق )
. حتى أذعن له كل ودود وحاسد" .
ها.
٧١
۔

- ٢٣١ -
وأيضاً قال فى حفلة تأبين انعقدت بدهلى ما تعريبه: ".قد ارتحل عنا
إمام العلماء الربانيين المحدث الكامل والفقيه المفسر جهبذ سائر العلوم النقلية
والعقلية فى بلاد الهند بل فى العالم الإسلامى حضرة الفضيلة سيدنا ومولانا الشاه
محمد أنور الكشميرى ، صدر شيوخ دار العلوم الديوبندية ، ثم شيخ الحديث
بالجامعة الإسلامية بدابيل "سورت". وفاة الشيخ ملمة كبرى لسائر الأمة
المسلمة فى أقطار العالم ، يا أسفى! حرم المسلمون اليوم فى الظاهر عن بركات
إمام ربانى ذى صفات قدسية، إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمه الله ورضى عنه"
وقرأت فى خطاب له إلى صديقنا القارى محمد يامين (المرحوم): "إنه لم يمت
ولكن مات العلم والعلماء ، فإنه رحمه اللّه كان إماماً أمة اه".
٩
+)
رأى الحبر الذكى المحقق الجهبذ اللوذعى تاج الأدباء مولانا حبيب
الرحمن العثمانى الديوبندى ، مدير دار العلوم الديوبندية رحمه الله .
قال الجهبذ الأديب العلامة الشيخ حبيب الرحمن الديوبندى رحمه الله مقرظاً
على رسالة للشيخ رحمه الله: " وممن قام لدمغ هذه الفتنة وقمع أباطيل هؤلاء
المردة الطغاة الذين ليسوا فى عداد فرق المسلمين - يعنى الفتنة المرزائية -
وتحقيق مسألة تكفير الملحدين والمتأولين من أهل القبلة الشيخ الثقة الورع التقى
الحافظ الحجة المفسر المحدث الفقيه المتبحر فى العلوم العقلية والنقلية رافع لواء
التحقيق فى المسائل الغامضة المهمة مولانا الشاه محمد أنور صدر المدرسين فى
دار العلوم بديوبند حرسها الله وحماها، فصنف رسالةً جمع فيها وأوعى الخ .
وبلغنى أنه كان يقول: "الشيخ رحمه الله مكتبة عظيمة حيّة ناطقة" (چلتا پهرتا
كتب خانه)، وذلك لكثرة علمه واستحضاره، وقد صدق فإنه كان لا يحتاج
أحد فى تحقيق مشكل عند وجوده إلى مراجعة الكتب ، وقريب منه ما بلغنى
... -
١٣٥٢

- ٢٣٢ -
عن الفقيه المحدث العارف مولانا السيد أصغر حسين الديوبندى شيخ " سنن
أبى داؤد " بدار العلوم : " إذا أشكل على مسألة فى الفقه فأتفقد. الكتب
لحلها فى مكتبة دار العلوم العظيمة باستقراء بالغ ، فإن فزت وإلا أراجع الشيخ
رحمه اللّه ، فإن بينها وأحال على كتاب فذاك وإن قال: لم أرها فى الكتب فأتيقن
أنه لا يوجد فى كتاب فلا أتعب النفس بعده فى تفقدها من الكتب ، ( فإن
الشيخ لم يغادر كتابا إلا وأحاط به علماً ).
٤
راى المتبصر الخبير المؤرخ الفاضل العلامة السيد سليمان الندوى .
قال العلامة الفاضل السيد سليمان الندوى مدير مجلة "المعارف" ما نصه:
"مرحوم کی مثال اس سمندرجيسى فى جسكر اوبركى سطح ساكن هو اور اندر
کی گہرائیاں گرانقدر موتیوی سے معمور ھوں" .
يعنى: مثال الشيخ رحمه الله كبحر محيط ترى أعلاه هادئاً ودركه الزاخر
مشحوناً بدرر غالية الأثمان .
فهذه كلمات هؤلاء الأكابر وأماثل العصر، هداة الملة وأساتها، وزعماء الأمة
ورعاتها فى حق هذا الشيخ البارع الحائز للمناقب العلمية ، والفائز بالمناصب
العملية المتحلى بالمآثر الباهرة ، والمتجلى بالمفاخر الزاهرة ، وناهيك بها قدوة
وأسوة. وبالجملة كان الشيخ رحمه الله سراجاً وهاجاً، سحاباً هاطلاً، وغيثا
وابلاً، علماً مفرداً، ورحلة مسنداً، فقيه النفس محقق علماء الملة الإسلامية ،
خاض الدقائق وغاص الحقائق ، بث الجواهر والدرر، ولذ المسامع والنواظر،
لقد نفع الأمة بعلومه، وأحيى علوم الحديث بعد ما كادت أن تندرس، وكان
مجدد طريقته العذراء فى درس الحديث ، بذر فى قلوب العلماء بذور تحقيق
المشكلات، وحل الغوامض والمبهات، وأنشأ فى قلوبهم شغفاً وولوعاً بالقرآن
والسنة وعلومها، فرضى الله عنه وأرضاه، وجازاه خير ما يجازى عباده المقربين

- ٢٣٣ -
فى جنات النعيم.
وما يتفوه به بعض الجهلة الحاسدين أو المتعاندين المتجاهلين من: أنه
كانت عنده المعلومات الصرفة والاطلاع الواسع والنقول المتكاثرةٍ ، ولم يكن
عنده دقة النظر وغور الفكر، فهو ظلم عظيم فى حق هذا الإمام البارع من كان
ابن دقيق العيد فى الأمة الحاضرة، ومنشأ هذا القول إما جهل مفرط بحال الشيخ
رحمه اللّه وهوآفة العقل، أو عناد بواح وهوآفة الديانة، نعم إن معرفة التبحر
وسعة الإطلاع أمر بديهى جلى يعرفه كل، أحد ممن له أدنى ذوق بالعلم، ومن
له علم بكتب القوم بادى الرأى، وإما مسابرة غور الفكر ومعرفة دقة النظر،
فهذا أمر لا يقوم بإدراكه إلا الحذاق من الأعيان والجهابذة من الأعلام ،
وقد سردنا كلمات الجهابذة بين يديك ، فمن عرف مثل معرفتهم أوجرب مثل
تجربتهم لشهد طوعاً أو كرهاً بمثل ما صدعوا به على رؤس الأشهاد وأعين
الناس، ولم يكن له عنه محيد ولامناص . هذا وقد قال الإمام محمد بن يحيى :
"الغزالى لا يعرف فضله إلا من بلغ أو كاد يبلغ الكمال فى عقله". وقال الشيخ
التاج السبكى فى "طبقاته" بعد نقله: "وأقول: لا بد مع تمام العقل من مداناة
مرتبته فى العلم لمرتبة الآخر ، وحينئذ فلا يعرف أحد ممن جاء بعد الغزالى قدر
الغزالى ولا مقدار علم الغزالى، إذ لم يجد بعده مثله، ثم المدانى له إنما يعرف قدره
بقدر ما عنده لا بقدر ما عند الغزالى فى نفسه " . وقال : "لا يعرف قدر
الشخص فى العلم إلا من ساواه فى رتبته وخالطه مع ذلك" إلى آخر ما قال
رحمه الله تعالى، فراجعه إن شئت . وقد صدق من قال :
إنما يقدر الكرام كريم * ويقيم الرجال وزن الرجال
@
ولكن الحسد يعمل العجائب، فيعمى البصر والبصيرة، وما يستوى الأعمى
( نفحة العنبر م - ٣٠ )
:

- ٢٣٤ -
والبصير ، ولا الظلمات ولا النور ، ولا الظل ولا الحرور ، ومن لم يجعل اللّه
له نوراً فماله من نور، ولله در أبى الأسود الدؤلى التابعى حيث قال :-
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالكل أعداء له وخصوم
وترى اللبيب محسداً لم يحترم شتم الرجال وعرضه مشتوم
وكذاك من عظمت عليه نعمة حساده سيف عليه صروم
فهذا شيخ الهند وإمامه أثنى عليه بما أثنى، وهذا حكيم الأمة الشيخ التهانوى
خاطبه بما خاطبه، وهذا محقق العصر العلامة العثمانى رأى فيه ما رأى، وهذا الجهبذ
المصرى تأثر منه ما تأثر، فهل بعد ذلك مساغ للمنصف البصير ؟ أو مجال
للناقد الخبير؟ علا أن الشيخ رحمه الله فى ذلك أسوة من قبله من العلماء وأفراد
الأمة ، فلا جرم يقال فيه كما قيل فيهم ، فهذا إمام الدين والدنيا فقيه الأمة
المحمدية، أبو حنيفة النعمان رحمه الله، قيل فيه ما قيل، وهذا الإمام مالك رحمه الله
قال فيه ابن أبى ذئب ما قال ، وهذا الإمام الهمام محمد بن ادريس الشافعى قال
فيه ابن معين ما قال، وهذا الإمام حجة الإسلام الغزالى، وقع فيه المغاربة حتى
أذكى المعاربة الإمام المازرى، ولم يكتفوا بالطعن بل أخرجوه من دائرة الإسلام،
وهذا شيخ الطريقة وقطب الحقيقة غوث الثقلين عبد القادر الجيلى قدس سره
قال فيه ابن الجوزى ما قال ، حتى التضليل والإكفار ، وهذا بحر الحقائق
والمعارف الشيخ الأكبر محى الدين ابن العربى الطائى الأندلسى قال فيه الحافظ
ابن تيمية ما قال ، وكذا تلميذه الحافظ ابن القيم ، وغيرهم من أفراد علماء
الأمة وأفذاذها . والعجب أن هذا طعن العلماء ، فكيف يشتكى بن الجهال ؟
نعم أتأسف تأسفاً ما لا أكاد أطيقة من الذين تزيوا بزى العلم والدرس
والتأليف، ينتحلون من مقالات الشيخ ويسرقون من رسائله، ویتنبهون لمآخذ
.
المشكلات من مؤلفاته، ثم يحملون ذكره ويتجاهاون قدره ، وكان كما قيل :

- ٢٣٥ -
٠٤
أحشك وتروثنى ، فيأكلونه بضرس ويطؤونه بظلف ، فالعناد والحسد داء أعيا
الأطباء دواءه ، قد سرى اليوم فى قلوب العلماء فأفسد عليهم العلم والديانة
إلا من شاء اللّه ، وقليل ما هم ، وخالات الناس بالدهناء قليلة ، ولكن
صدق من قال :
وفى تعب من يحسد الشمس نورها = ويجهد أن يأتى لها بضريب
R
فهم يريدون إطفاء نور الشمس بالأفواه ، ولم يتحصلوا إلا على إتعاب
الشفاه ، ومن جعل أنفه فى قفاه ولم يبلغ من البحر إلا شفاه ، فمن السوءة
أن يفتح فاه ، فهداهم الله وإيانا بفضله وكرمه، والله يهدى من يشاء إلى
صراط مستقيم ، وصلى الله تعالى على إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة
سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين .
ر۔
ه
,؟
٠١٣٠
:

- ٢٣٦ -
عبرات على سلمه وفات الشيخ. وفاة الشيخ ومراثى
فضلاء العصر واصحابه . ختام الرسالة ومعذرة
للجامع .
عبرات هامعة وحسرات فاجعة ونظرة مستأنفة على
تلك المآثر السامية وفذلكة للشئون الماضية .
فيا أيها الناظر الدارى والذكى الوارى، لعلك علمت مما بثثناه لك فى هذه
الوريقات من نبذة من مآثر الشيخ رحمه الله أن الشيخ رحمه الله صار عليه المدار
فى الأمة الحاضرة فى حل المشكلات والخوض فى الحقائق العالية والصدع
بالمعارف الغامضة ، فكان إماماً فى علوم القرآن ومعارف السنة ، بحراً فى
فنون الحديث ، غير أنه لم يكن له ساحل ، وصل إلى غاية قاصية فى مدارك
الفقه ، وإلى أمد أقصى فى مذاهب علماء الأمة المحمدية ، لا يلحق غباره
ولا يدرك شأوه فى العلوم العربية ، ولم يكن له منتهى فى العلوم الحكمية
والفنون الفلسفية ، كان خبيراً بخباياها وزواياها ، كاشفا حقائقها عن أباطيلها
ببصيرة نافذة ومعرفة راسخة . وكان ذا حظ عظيم من معارف الصوفية وعوارفها،
وذا ذوق صحيح من مواجيدهم المضنونة وأذواقهم العالية ، وذا بصيرة نافذة
بإشاراتهم اللطيفة ، وذا خبرة تامة وعلم حافل بالطبقات والرجال والتاريخ،
وكان معدناً للطائف المحاضرات وطرف الأمثال وذخائر الأشعار العربية
والفارسية ، وكان ذا قلب كئيب ونفس صبور على مضايق الدهر . وبالجملة .
لم يكن تحت أديم السماء أوسع علماً منه بعهده فيما نعلم قرآناً وسنةً ، وفقهاً

- ٢٣٧ -
وكلاماً ، وتاريخاً وأدباً، ولم يكن تحت هذه الخضراء أعرف منه بالمزايا العلمية
والمشكلات الخفية ، ولم يكن فوق بسيط الساهرة الغبراء أجمع رجل منه فيما
نرى ، علماً وورعاً، وزهداً وتقوى، وحسن صورة وبهاء منظر مؤنق،
واعتدال قامة رائقة ، ونظافة طبع ، ونقاء سريرة ، وذكاوة ذهن ، وبديهة
مطاوعة . فكان (وسبحان الله) أكمل إنسان جمالاً وكمالاً علماً وفضلاً،
خلقاً وخلقاً ، هدياً وسمتاً ، لم نر مثله ولم يرهو مثل نفسه ، فكان لكل مزية
باهرة زعيمها وأميرها ، ولكل كلمة، زاهرة حكيمها وظهيرها ، وكان
كما قيل :
فبأيما قدم سعيت إلى العلى = أدم الهلال لأخمصيك حذاء
فكان رحمه الله غاية وآية ، لم يكن واحداً بل أمة .
لو لا بدائع صنع الله ما نبتت = تلك الفضائل فى عظم ولا عصب
وناهيك شهادة بما شهد بمعاليه الباهرة التى بلغ فيها إلى المراتب القصية
أكابر علماء العصر وأجلة معاصريه ، مع أنه قيل أن المعاصرة أصل المنافرة ،
نعم لم ينج منها على شاكلة نظرائه الغابرين فى الديار على تعاقب الأدوار
والأعصار ، ولكن يكون جرى المذاكى غلاباً وغلاء ، أما الزبد فيذهب
جفاءً ، ووضع له القبول فى الأرض أينما سار . ودار فى الطول والعرض ،
أو أنجد وغار فى عال وخفضٍ ، وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض ،
نعم لأمر ما يسود من يسود ، ويعطى اللّه من يشاء ، فهو الرحيم الودود ،
وانظر ، فهل ترى فى كبار علماء الأمة وأعاظم رجال الملة من جمع بين العلوم
الدينية الإسلامية والعلوم الفلسفية والعقلية، وبلغوا فى الجميع شأواً بعيداً سواءً
بسواء إلا أفراداً معدودةً أقل عدداً ، فكم من عالم عظيم جليل تراه فى شعبة
دون ما يكون فى الأخرى، واعتبر بما سلف من الأفراد . فهذا حجة الإسلام

- ٢٣٨ -
الغزالى البحر المغدق ، وهذا فخر الدين خطيب الرى المحقق ، وهذا الشريف
المحقق الجرجانى، وهذا الشيخ العلامة التفتازانى، أنظر درجتهم فى علوم الحديث،
وهؤلاء أعلام المحدثين من الحافظ الخطابى والحافظ القرطبى والحافظ الذهبى
والحافظ أبى الحجاج المزى، أنظر إلى منازلهم فى المعقول والكلام، فالجامعون شمل
الأضداد ، والآخذون بمجامع العلوم العقلية والنقلية تراه كقطرات من بحار
زاخرة ، مثل الشيخ أبى بكر الباقلانى، وقيل فيه: بحر مغرق . وابن فورك،
وقيل فيه: صل مطرق، والإسفرائينى وقيل فيه: نار تحرق، وكإمام الحرمين
وعارف الأندلس ابن العربى، والحافظ ابن تيمية الحرانى ، وابن القيم ،
وكحجة الأمة الشاه ولى اللّه الدهلوى، وابنه الحجة الشيخ عبدالعزيز الدهلوى
بالهند رحمهم الله تعالى أجمعين. فالشيخ الأنور رحمه الله ضريب من أضراب
هؤلاء الأعلام أفذاذ الإسلام ، تبدوا مثاله بعد قرون فى أقطار البسيطة رحمة
من الله تعالى على الأمة المحمدية عند افتقارها واضطرارها ، فرحمه الله ورحمهم
وكثر أمثالهم .
فيا حسرتى ويا أسفى! رفعت عن أيدينا تلك الأمانة الإلهية ، وارتحل
عنا هذا الإمام الجليل الحانز لتلك المناقب الجليلة التى تأخذ بمجامع القلوب
فطبق المفصل فى كل ما حاول، وأراد وأصاب المخز فى جميع ما يحاول ويراد،
يتراءاى اليوم هذه المآثر أعز من الأبلق العقوق وأغرب من بيض الأنوق ،
فموت مثل هذا الإمام فى مثل هذا العصر المجدب الذى لا يرتجى أن تخفق
رأيات العلم على أمثاله داهية كبرى وأمر جلل ، لم تستغن الأمة عن نظرائه
فى العصور المخصبة الرائقة والأيام المخضبة المؤنقة ، فكيف فى الأعصر الممحلة
التى لا مطمع بها لدفعة من غادية أو سارية أو رشمة من صيب مدرار ؟ فيا
للأسف ، خطب مفظغ غشى الأمة المحمدية ، ورزء فادح جليل ما له من
زوال ، وانفتاق فى قصر العلم الشامخ واسع ما يخال له ارتناق وانصداع ماله
جار
٢٠
٨

- ٢٣٩ -
انشعاب، فلا جرم تصدعت به قلوب وانشقت به أكباد ، فأى ملمة مفظعة
تكون أدهى منها ؟ وأية رزية مدقعة كارثة تكون أكبر منها ؟ لقد عظمت
تلك الرزية الفاجعة وجلت ، وكان كما قال هو نفسه رحمه الله :
ودها النفوس ملمة ظلماء
نبأ عظيم ساءهم إذ جاءهم
أخذت بلاداً أزمة دهياء
تركت عباداً لا حراك لديهم
1.4,
4
والصدر غم والنفوس بكاء
أخذ النفوس قديمها وحديثها
٠
فمن المعارف القرآن ومزايا الحديث ؟ ومن الغوامض الأخبار ونكات
التحديث ؟ ومن لأسرار الفقه وفقه الحديث ؟، هبت العواصف على مغانى
الأخيار (١) ، وطارت أم غارت معانى الآثار ، من لسرد الحسان والصحاح ؟
ومن للصدع عن السقام والصحاح ؟ ومن لنقد الرواة على محك الأثبات ؟
ومن لوزن الرجال بميزان الإعتدال ؟ وأين الأحوذى للطائف الترمذى ؟
وأين " إرشاد السارّى» لمسالك البخارى بفتح البارى؟ ومن يرتجى
اليوم الإستذكار المذاهب علماء الأمصار بالرأى الصحيح وصحيح الاستبصار؟
ومن يوطأ لنا اليوم التمهيد لمعانى المسانيد ولطائف الأسانيد ؟ ومن لهداية القوم
إلى بدائع الفقه الجامع ونوادره ؟ ومن لكشف أسرار علم الأصول وتحرير
مستصفاه ، وإيضاح منهاجه وإعلاء مناره ؟ ومن لأسرار بلاغة القرآن ودلائل
إعجازه ؟ ومن لتحبير التحرير والتقرير بنهاية إنجازه وحسن طرازه ؟ ومن
لجمع جوامع النحو وقواعد الأدب ؟ ومن السماحة " بشذور الذهب "
(١) صدعت بمآثر الشيخ مورياً بها الى اسفار جمه" تبلغ الى نحو اربعين سفراً
وهاتيك الكتب فريدة فى بابها اشير بها الى تفرد الشيخ بها والى تفرده فى
اكابر معاصريه كما هى فريدة فى مواضيعها ولذا جاء تخصيص تلك الكتب،
وايضا اشارة الى اهمية العلوم التى الفت فيها تلك الزبر الشريفه"، وكانه
لم يعتن بجنبها بغيرها من العلوم، وراعيت فيها غيرها من المحاسن اللفظية"
والمعنوية" يقدرها البصير ان شاء الله تعالى. منه.

- ٢٤٠ -
واستفادة شوارد " لسان العرب "؟ ومن لاستخراج الدقائق من كلام سيبويه
وكتابه ؟ ومن للاشتقاق من " جمهرة علم اللغة" والغوص فى "قاموسه "
و "عبابه"، ومن لنظم الدرر فى سلك الأشعار وسمط الفقر ، كأنها عقود
الجمان أو يواقيت وجواهر ومرجان ؟ أين الحقائق التى كانت تحير الألباب
والعقول ؟ ، أين المعارف التى تطمئن بها النفوس وتقربها الأعين وتنشرح
بها الصدور ؟ فهذه الخصائص السامية كانت غرةً لجبين كماله ودرة التاج لهام
مجده ، طارت بها عنقاء مغرب ، هل تحس منها من عين أو تعلم له أثراً ؟
فلا أدرى على أى فضيلة أندب وأرثى؟ وعلى أى منقبة أرفع عقيرتى فأبكى ؟
فأتجرع غصصاً وأشرق بذوارف الدموع ، ونار الحزن تتوقد فى حنايا
الضلوع :
أذاقنى زمنى بلوى شرقت بها = لو ذاقها لبكى ما عاش وانتحبا
فاستفئأ سعير الوجد وضرام الألم بهوامع السلوان وغروب العبرات ،
واستطفأ لواعج العمد بنفئات الحسرات والزفرات :
دموع أجابت داعى الحزن همع = توصل منا عن قلوب تقطع
وقد كان يدعى لابس الصبر حازماً . فأصبح يدعى حازماً حين يجزع
فهل فى النادى من يرثى لنا فى هذه النوادى (١)، ويأوى لنا مجلبة
للعزاء ، أو تفيض دموعاً حارةً لانفتاء لوعات البرحاء :
وإن شفائى عبرة مهراقة = فهل عند رسم دارس من معول
نعم يبكيه العالم الإسلامى عالمه وجاهله ، صغيره وكبيره ، جليله وحقيره
بل الساهرة والسماوات العلى ، ومن يثوى فيها من الملأ الأعلى ؟ وهو القائل
:(١) النوادى المصائب . منه .

٢٤
- ٢٤١ -
فى رثاء شيخه :
بكته سماء ثم أرض كلاهما * وعين وقلب قاسياه فأجمعا
وهو القائل :
بكيت إماماً أو ولياً بربه * وإن شئت حقاً فالفضائل أجمعا
وهو القائل :
يجاوبنى جار ودار على البكى * ولم أر إلا باكياً ثم موضعا
قد وصل إلى الرفيق الأعلى ، وحال على ذلك حولان فصاعداً ، ولكن
لواعج الكمد مضطرمة ، وتباريح الوجد غير منصرمة ، حيث لم يترك لنا خلفه،
ومن يسد مسده ويملأ الفراغ ؟ ولو كان لكان أشفى للهيب الشجو ، وأذهب
للوعات الجوى ، ولطاب العيش وساغ ، ولكن انثلم الصرح انثلاماً لا يرجى
أن يرم ويحصن ، يا للأسف ! قضية ولا أبا حسن لها ، وصدق القائل :
وللزمان مسرات وأحزان
فجائع الدهر أنواع منوعة
وما لما حل بالإسلام سلوان
وللحوادث سلوان يسهلها
كما بكى لفراق الألف هيمان
تبكى الحنيفية البيضاء من أسف
نعم إذا حلت المقادير بطلت التدابير ، وإذا جاء الحين حارت العين ،
هذه سنة الله خلت فى عباده، ولن تجد لسنة اللّه تبديلاً، على هذا أبرم
قضاؤه وسبق قدره ، فماله من انفصام :
على ذا مضى الناس اجتماعاً وفرقة * وميت ومولود وقال ووامق
فإلى الله الموثل والمفزع ، وعليه التكلان فيما سيكون وما كان ، وأتعزى
بما قاله لبيد العامرى رضى الله عنه :
٤
:
( نفحة العنبر م - ٣١ )
٠٠

- ٢٤٢ -
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع
وقد كنت فى أكناف دار مضنة
فلا جزع إن فرَّق الدهر بيننا
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه
وما المرء إلا مضمرات من التفى
وما الناس إلا عاملان فعامل
فمنهم سعيد آخذ بنصيبه
فلا تبعدن أن المنية موعد
أعاذر ما يدريك إلا تظنيا
أتجزع مما أحدث الدهر بالفتى
لعمرك ما تدرى الضوارب بالحصى
وأتسلى بما قاله الشيخ رحمه الله فى مرئية :
سبحان من حقت له العلياء
صلح البقاء لوجهه وجلاله
بقضائه خير الأمور وضيرها
خشعت لهيبته الجبال وطأطأت
وصفاته سبحانه وجلاله
كتب الفناء على البرية كلها
قدر له جار وأمر نافذ
سمت الصفات وعزت الأسماء
فلغيره أياً يكون فناء
وبأمره السراء والضراء
خضعت له الخضراء والغبراء
والكبرياء إزاره ورداء
وله على أبد الدهور بقاء
ولحكمه فى العالمين مضاء
. فرحمه الله ورضى عنه وأرضاه، وتغمده الله بغفرانه وجعل له ما عنده
خيراً من الدنيا ومن عليها ، وسقى ضريحه الأنور بغوادى رحمته وسوارى
بركاته، وجعل روحه الطيبة محفوفة بالألطاف الخفية الربانية ، وقبره الشريف
وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
ففارقنى جار بارية " نافع
فكل امرئ يوماً له الدهر فاجع
يحور رماداً بعد ما هو ساطع
وما المال والأهلون إلا ودائع
يتبر ما يبنى وآخر رافع
ومنهم شقى بالمعيشة قائع
علينا فدانٍ للطلوع وطالع
إذا رحل السفار من هو راجع
وأى كريمٍ لم تصبه القوارع
ولا زاجرت الطير ما الله صانع
(1
٧٠٠
*

٤١
- ٢٤٣ -
محتفاً بالأنوار الإلهية، ووفقنا بالتأسى بآثار هدايته ، ونفعنا بمحبته فى الأولى
والأخرى، وأنأسى تعزيةً بكلمات من كتاب مولانا ونبينا وسيدنا محمد فعلا؟
إلى معاذ عند موت ابنه ، كما رواه الطبرانى فى " الكبير" و" الأوسط " عن
معاذ فأقول: ((أعظم اللّه لنا الأجر وألهمنا الصبر ورزقنا الشكر، فإن أنفسنا
وأهلنا من مواهب اللّه الهنيئة وعواريه المستودعة ، وإن الجزع لا يرد ميتاً ولا يدفع
حزنا وما هو نازل فقد كان ، وبما عزى سيدنا الخضر عليه السلام صحابة
رسول اللّه بَّ الجٍ بقوله: إن فى اللّه عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك،
وعوضاً من كل ما فات ، فإلى اللّه فأنيبوا، وإليه فارغبوا، فإنما المصاب من
لم يجبره الثواب)). رواه الطبرانى فى " الأوسط" عن أنس رضى الله عنه، كذا
فى " جمع الفوائد". هذا وصلى الله تعالى أوفى صلوات وأزكاها وأكمل
تسليماتٍ وأولاها على إمام الأنبياء وصاحب اللواء فى المحشر ، وآله الأطهر
وصحابته الأخيار الى يوم القرار .
وكنت قلت فى رسالتى "بغية الأربب فى مسائل القبلة والمحاريب" مبدياً
أسفى وحزنى على رزية وفاة الشيخ رحمه الله فلا بأس أن أتحف به الطلبة فقلت:
" ثم كانت فوق كل ذلك الطامة الكبرى التى دهتنا من موت شيخنا
وشيخ شيوخنا صاحب المآثر الباهرة والمفاخر الزاخرة ، ذى الآيات البينات،
والأحاديث المتواترات ، سيدنا وسندنا الشيخ الإمام مولانا إمام العصر محمد أنور
شاه الكشميرى شيخ الحديث بدار العلوم الديوبندية ، ثم الجامعة الإسلامية
( بدابهيل سورت ) فألهتنا كل شئ وأنستنا ، حتى كادت تتصدع القلوب
وتنشق الأكباد، فكان إماماً فى الحقائق والمعارف لا يجارى، وقطباً للعلماء والمشائخ
فى حل الدقائق والعوارف لا يبارى ، كان إماماً حجة فى علوم القرآن ،
: ومسنداً ثبتاً فى علوم الحديث بغاية الإتقان ، وكان مداراً فى كشف معارفها

- ٢٤٤ -
وإيضاح لطائفهما، حافظاً متقناً لمذاهب علماء الأمة مع تخاريجها بتنقيح وتحقيق،
أحاط بالعلوم العقلية والفنون الحكمية الحديثة والقديمة قاطبة بالرأى الصائب
والإجتهاد البالغ .
وہ
وكان نقيب العلوم العربية وأديب فنون الحوار الأدبية ، غواصاً فى
الدقائق خواضا فى الحقائق ، فكم من معارف هو أبو عذرتها ، وكم من عوارف
هو ابن بجدتها ، وكم من لطائف كلم قد أبدعها ، وكم من شرائف حكم قد
اخترعها ، وحق أن يتمثل له بما قيل :
وإنى وإن كنت الأخير زمانه * لآت بما لم تستطعه الأوائل
وكان تقوى الله وخشيته له شعاراً، والورع والزهد وإتباع السنة النبوية
له دثاراً ، نشأ فى بيت التقوى والزهد فى أعدل الأقاليم مجبولاً على الفطرة
السليمة والصلاح الفطرى والقلب السليم ، ففاز بأعدل الطبائع فى أعدل أقاليم
الأرض ، وغذى بلبان العلم والحكمة ، وربى فى حجر أمناء الله على عباده فى
الأرض ، ثم قاده التوفيق الإلهى والفيض الربانى إلى اكتساب سائر المآثر
العلمية والعرفانية بغاية الوجد والهيام ، ويسر له الوسائل والأسباب كيف
ما شاء ، ورام فتر عرع شاباً نقياً تقياً زاهداً ورعاً، إماماً فى العلوم والمعارف،
بارعا حتى صار رحلة فى الأقطار لشرح مشكل الآثار ، ومسنداً راوية
لحقائق شرح معانى الآثار ، ومنتهى الأخبار، يضيق نطاق المجال عن إحصاء
فواضله وفضائله وخصائصه ومزاياه ، وكيف لا ؟ وقد تنضرت بقاع الهند
بل أقطاع البسيطة من رشحات وابله وحياه .
فضى وقد أبقى مآثره * ومن الرجال معمر الذكر
فنال من علوم التفسير وعلوم الحديث الثريا ، وبلغ فى العربية الغابة
القصوى ، ووصل فى العلوم الحكمية بمكانة دونها الجوزاء ، وكان فى علوم
=

م ؟
١٠.
٠٠
-
١١٠
١
- ٢٤٥ -
الحقائق على أمد بعيد، ومن علوم البلاغة على طرف شاسع. وبالجملة - كان
إماماً فى التفسير "، إماماً فى الحديث ، إماماً فى الأصول ، إماماً فى الفروع ،
إماماً فى العلوم العقلية ، إماماً فى العربية وعلوم البلاغة ، إماماً فى الرجال
والطبقات والتاريخ ، فرداً وحيداً فى جودة نظمه وحلاوة نثره ، كان نظمه
لآلى منظومة، ونثره درار منثورة، ومع هذا الحسن الباطنى والبهاء آثره الله
بجمال معجب ينحدر من محياه النور ، تبرق أسارير جبهته كالبرق المتهلل ،
فكان ذا خلق بهيج كريم ووقار راسخ وسمت حسن وخلق عظيم ، ولقد
صدق القائل :
ليس على اللّه بمستنكر . أن يجمع العالم فى واحد
وكان كما قيل :
ولو أن ثوباً حيك من نسج تسعة وعشرين حرفاً فى علاه قصير
كنت أريد أن أعرض تأليفى هذا على حضرته، حيث أنه باكورة مؤلفاتى
وأنا فى الثالثة والعشرين من عمرى ، فأنى تدرب الفكرة ، وغور التفكير
ونضج التحقيق ، ما يحتاج إليه أمثال هذه المواضيع التي لا تخلو عن صعوبة
ودقة، وأضف إلى ذلك عدم تيسر الكتب التى تستذير منها أرجاؤها القاتمة، وكانت
طويتى ترقب ذلك الحين السعيد ، وترتجى ابتهاجاً ، وكانت نفسى تتمنى به
دعواته المباركة الطيبة، رجاء أن تهب على نسمات من قبوله، ولكن ياللأسف
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ، ما كنت أدرى أن القدر المبرم لم يقدر لى ذلك
الإبتهاج وتلك الفرصة المغتنمة ، التى طالما يودها القلب ويتمناها . وماكنت
أدرى أن القضاء الإلهى قيض لى بذلك الحبور ، ألما بفراق الشيخ قبل تبييض
الرسالة ألماً يتقطع له قلبى، ويتفتت له كبدى ، ألماً لا تكاد تقاوم نفسى الجلدة
حملته الشعواء ، ألماً تنبثق منه جفونى دموعاً سخينة بل دماً نجيعاً ، وتذوب
٠٠ ٣٫٠٠ ١١٠٠جم

- ٢٤٦ -
نفسى منه حسرات ، يا للحزن الفادح ، ويا لارزيئة والفجيعة عزيز على نفسى
أن تنعى إمامها وشيخها ، الذى اكتست حلل الحياة، وحلى النور من مواهب
رشحاته، وعزيز على قلمى أن ينعى إلى العالم إمام العصر الذى انفجرت عيون
ثرة من علومه برهة من الدهر ، ثم تغيض ولا تندى بقطرة من ماء.
سبحان الله الكبير ، طويت تلك الروح القدسية والنفس الذكية إلى عالم
الغيب كبرق يطوى فى مكامن السحب المتراكمة ، يا للرزء الجليل والخطب
الفادح ، ذهب المثل الأسمى لعلوم الشريعة ، والغاية القصوى من التحقيقات
الرصينة التى طالما بقيت العقول فيها حيارى لا تهتدى إلى سبيل .
فارقت عنا تلك الشخصية الوحيدة فى غرائزها وملكاتها ، من الورع
والتقوى والزهد والكفاف والعفاف والصبر والرضا ، ذلك المثل الصحيح
والمثل الحى لشمائل القدماء البارعين، فى سعة العلم ودقة النظر ، والحافظة
الخارقة فى القرن الحاضر، ذلك المثال الكامل للوقار والرزانة والمتانة والرصانة،
ذلك المنال الصادق لأولياء الله الصفوة من عباده ، فى صدق اللهجة والعفة
والحياء وخشية الله جل ذكره .
فلم يكن موته أمراً هيناً ، بل كان أمراً جللاً وخطباً أدهى ، ثلمة فى
العلم ومآ ثر المجد والكمال لا يرجى سدادها .
وكل ثلم فإن الدهر يجبره * وما لثلم مهيض العلم جبران
كان رحمه اللّه سليم القلب، زكى النفس ، ذكى الطبع، من أسرة معروفة
فى الفضل والكمال من بيت العلم والتقوى ، صلباً بعد صلب ، وبيتاً بعد بيت ،
رزق طبيعة نزاعة إلى الحلوة والوحدة ، نفوراً عن التنويه بشأنه ومنزلته ،
وبعد الفراغ من المبادئ والعلوم الضرورية، تسنى له شيوخ ذوى علوم فياضة
وأولى حقائق ناضجة . ورزق همة عالية فى الغوص والخوض فى المشكلات .
١
؛
4
ت

- ٢٤٧ -
ونشاطاً فى الرقى. إلى معارج العلم الرافية ، غير مقتنع بالأبحاث المطروقة،
فهكذا توفرت له الدواعى ، وتيسرت له الأسباب ، من شرف الأسرة ،
وكمال البيئة ، وعلو الطبيعة، وأتيحت له الفرصة وجرى بذلك القدر الأزلى
فأصبح فذالأفذاذ ، وواحد الآحاد، ما تسمح القرون بأمثاله إلا بعد أحقاب
من الدهر طويلة . ألا فلتجمد العين إذا لم تدمع على مثله ، وألا فليتحجر
القلب إذا لم يذب حزناً ممضاً على مثله، فلتنقطع نفسى حزناً وألماً بدلاً مما
كانت ترجو سروراً وابتهاجا على رغمها فقد خاب أملها ، وانقطع رجاؤها
وأصبحت كما قال هو نفسه رحمه الله :
a
فقدت به قلبى وصبرى وحيلتى * ولم ألق إلا ريب دهر تصرما
ءِ
فشخص عنى هذا العالم الكبير بل العالم الكبير الحائز لهذه المآثر الجليلة
وأبقانا على ضرام الجسرة نذرف دموعا حارة لاستفتاء نار البرحاء .
ولكن هذه سنة الله القديمة خلت فى عباده ، فلا نقول إلا ما يرضى به
ربنا تبارك وتعالى، ونتأسى بما قاله رسول اللّه بحّ الج، فنقول: العين تدمع والقلب
يحزن وإنا بفراقك يا شيخ لمحزونون ، فرحمه الله تعالى وأكرمه بنفحات أنسه،
وأفاض عليه شآبيب قدسه ، ونفعنا بعلومه وبركاته ، ولا يحرمنا أجر ما نلنا
بوفاته هذا .
بشرى ورؤيا بوفاة الشيخ رحمه الله .
كان كتب إلى صديقنا الكريم مولانا محمد يوسف الكاملفورى ذلك
الأديب البارع كتابا فى صفر سنة ١٣٥٦ مجرية ، وفيه :
"ذكرلى صدیقی المولوى عبد الواحدبن أخى المولوى عبد العزيز:
أنه رأى فى بعض الليالى جنازةً يشيعه المخلوق من كل جانب، وتتبعها
زمر، فسعيت إليها مثل ما يسعى الناس إليها فسأل بعض من حضر:
ء

- ٢٤٨ -
صَلى الله
من صاحب هذه الجنازة ؟ فقالوا : هى جنازة رسول الله :
وسام
يحملها الناس على أعناقهم تشرفاً وتبركا ، فقلت: دعونى دعونى
أحملها وأرى وجه صاحبها الميمون ، فوضعوها على الأرض ، «
فابتدرت إليها الناس ، فكشفت عن وجهه المبارك، فإذا هو وجه
شيخنا الأنور ، رضى الله عنه .
والمولوى عبد الواحد عندى ثقة ثبت سليم دواعى الصدور اه" .
٠
٢
وفاة الشيخ ورثاء أفاضل العصر و أصحابه .
. لما كانت داهية وفاة الشيخ حادثة لا تقابل بالصموت ، وكيف ؟
وقد صدعت أكباداً وحركت أحشاءً من أصحابه وتلامذته ، ومن عداهم من
أماثل العصر وأفاضله ، فزعزعتهم وأزعجتهم وأفاضت عيونهم ، وكيف لا ؟
وبعض الشر أفظع من بعض ، فأبدوا عويلهم وحنينهم حزناً بفراقه واستيحاشا
لفقد أنسه ، فبكوه ورثوه بقصائد رنانة بالعربية والفارسية والأردوية تزعج
القلوب وتثير الأحزان ، فكانت تلك عبرات دمعت بها عيونهم ، وزفرات
تفئت بها صدورهم ، عيون عرفت فذرفت ، وقلوب قدرت فزفرت ،
لست أحاول أن أسرد جميع مراثيه المزعجة الحنانة، وأنى تتيسر؟ فإنه أمر خطير
يفتقر إلى جزء مفرز، علا أن أكثرها قد شاعت فى الجرائد الهندية وذاعت،
غير أنى أذكر منها النزر القليل ما لم يفرغ فى قالب الطبع إلا اليسير، تسليةًّ
للأفئدة العميدة ، وإطفاءً لهيام الأكباد الملتهبة ، هذا مع أن استنكار هذا
الصنيع مما يستنكره الطبائع السليمة، بل يعافه الذوق الصحيح، كيف ؟ وإن
الأذواق الصحيحة العالية مولعة بأمثال هذه الفوائد العلمية واللطائف الأدبية،
وإنما وضعت رسالتى هذه لطلبة العلم وأصحاب الأدب والنهى ، فدع العوراء
تخطؤك ، وذرهم وشأنهم، فهم فى خوض يلعبون ، فخذها وأرح بها قلبك،

- ٢٤٩ -
ونفس بها عن كرب ضاق بها صدرك ، والله المستعان .
a
فتفة من لامية الرثاء: للمحدث الأديب الشيخ الورع الزاهد مولانا
محمد ادريس الكاندهلوى صاحب "التعليق الصبيح على مشكوة المصابيح".
وغيره ، من أصحاب الشيخ رحمه اللّه زادت معاليه .
سلام على حفظ الكتاب وسنة وحفظ وضبط بعد شيخ مبجل
کبدر مبین فی دجی الليل أليل
أريد به نور الهداية أنوراً
فقد كان إعجازاً لدين نبينا كمثل البخارى أو كنحو ابن حنبل
إليه انتهى شد المطايا وأرحل
معارف أعلام الهدى والتفضل
1
وكان إماما حافظا ومحدثا
وقد كان فرداً حافظ العصر جامعا
بكى عالم الإسلام طراً وأعولاً لخطب جليل قد أناخ بمنزل
بكاه مقام الدرس والوعظ حاسراً بكته نواحى الأرض والفلك العلى
فقد كان رمحا سمهريا مثقفا
لمثل مسيح القاديان المخبل
وكل مناغ فى نبوة مرسل
لفقدك أرويه بدمع مسلسل
وأبيض هنديا لكل مسلم
توفيت با رأس التقى وتركتى
شرحت لنا الآثارإذ هى أشكلت وفسرت آيات الكتاب المفصل
وعطر أفق الأرض من عرفك الشذى يبارى شذاه روح مسك ومندل
ورحمته تترى كودق مجلجل
عليك سلام الله يا قبر أنور
بفضلك یا مولی الوری قل لروحه
أبا روح عبدى هذه الجنة أدخلى
: ( نفحة العنبر م - ٣٢ )