Indexed OCR Text

Pages 221-240

- ٢١٠ -
واصل الرحم مع الأقارب ، يقرى الضيف ويعين على نوائب الحق .
وكان رحمه الله تنقضى أوقاته إما فى المطالعة وإما فى الدرس، أو فى فكر
لاستخراج معارف وحقائق من كلام الشارع ، فلا يغفل لحظة ، ولا يفتر
لمعة برق، فكان ذا غوص فى المشكلات، وصاحب خوض فى المسائل المعضلة،
كان يطالع كتب المحققين ليلاً ونهاراً عشياً وإبكاراً ، لا يلحقه الونى والفتور،
ولا يعروه الكسل والملال ، فإذا ترك المطالعة كان يتفكر فى تحقيق الحقائق
بتدبر غائر وإمعان غريق ، لا يخل فكره سعة عيش أوضيق حال ، فكان
معتدلاً سوياً فى البؤس والرخاء ، لا يظهر مكابدته على أحد ، وكان لا يفزعه
أمر ولا يجزع عن شئ، كلما سمع شيئاً غير مرضى جرى على لسانه: "حسبنا
الله ونعم الوكيل". وكانت هذه الكلمة أكثر ما يجرى على لسانه فى الأندية
والمحافل ، وكان كثير الصمت ، دائم الفكرة ، غير مستريح فى وقت من
الأوقات . وقد سمعنا عنه كثيراً: أنى تفكرت فى مسألة كذا وكذا نحو خمس
عشرة سنة فسنح لى كذا وكذا، نعم صدق من قال: " لا يعطيك العلم بعضه
حتى تعطيه كلك " . ومن طلب عظيماً خاطر بعظيم . وقد صدق من قال :
فإن للمجد تدريجاً وترتيباً
لا يؤيسنك من مجد تباعده
تنموا فتنبت أنبوباً فأنبوبا
إن القناة التى شاهدت رقعتها
وكان فى قلبه ضرام حزن وأسف من ملمات دهت الملة الإسلامية فى القرون
الخالية والعصور الماضية كأن ألمت تلك الدواهى الأمس بين عينيه ، حتى قد
تفيض عيناه دمعاً عند ذكرها فى الدروس والحفلات فوق المنائر على
رؤس الأشهاد ، وكان يعظ الناس موعظات بليغة مؤثرة ، فكان يبكى
ويبكى ، وكان ينصح الطلبة بأن يقنعوا بالكفاف ، وأن لا يجعلوا العلم ذريعة
معاشهم ، ويرغبهم فى أن يحصلوا مع اللّه تعالى تقرباً وتعلقاً، وأن يبتغوا
تراد
ء
ءَ
*

- ٢١١ -
إليه وسيلةً ، ويتخذوا إليه سبيلاً ، وكان يتمثل كثيراً فى مواعظه بقول
أبى الطيب :
إلا على شجب والخلف فى شجب
تخالف الناس حتى لا إتفاق لهم
وقيل تشرك جسم المرء فى عطب
فقيل تخلص نفس المرء سالمة
أقامه الفكر بين العجز والتعب
ومن تفكر فى الدنيا ومهجته
وكان رحمه الله حسن المجلس، ذا وقار وهيبة ، وإذا عاشره أحد أحبَّه ،
حتى يكون عنده أحب من نفسه ، وكان أحسن الناس منطقا ، وأنبههم على
ما يريده ، وكان أحلاهم نغمةً عند قراءة الحديث، فيتمنى المرأ أن لا ينقطع
قراءته ، وكان رحمه الله ربعاً من الرجال ، ليس بالقصير ولا بالطويل، واسع
الجبهة ، متهلل الجبين ، مكتنز اللحم ، متناسب الآراب ، قوياً شجاعاً، وكان
محيَّاه كأنه قطعة نور تنبعث منه الأشعة، وتنجذب إليه القلوب ، كانجذاب
الحديد إلى المقناطيس .
وكان رحمه اللّه متواضعاً يحب العلماء والطلبة ، وكان لا يمل من أسئلة فى
تحقيق المسائل، وإذا سأله أحد عن مسألة لطيفة وكلام دقيق فكان ينبسط بسؤاله
ويتهلل به جبينه ، ثم يجيبه باهتزاز ومسرة ، فكان كما قال زهير:
تزاه إذا ما جئته متهللا = كأنك تعطيه الذى أنت سائله
لم أرأحداً يسمح مثله بجواهر علومه ، حتى كان يفوض إلى المعارف من
العلماء والمدرسين والمؤلفين برنامجته العلمية التى تكون مشحونة بذخائر مستنبطة
من ألوف كتب ما لو صرفت الأعمار فى تحصيل بعض منها لم يتيسر ، وكانت
أوراق تذكرته تحتوى على فوائد سامية ، أدناها يساوى أن تضرب إليه أكباد
الإبل ، فكانت فيها مضنوناته العلمية التى هى ذخيرة عمره فى كل علم من
!؟
٧

م
- ٢١٢ -
العلوم ، ولكن مع هذا فكان يسمح بهذه المضنونات والسماحة بمضنون من
مثل هذه المضنونات الثمينة أكبر عندى من السماحة بألوف دينار من الإبريز
والعسجد بمراتب، وعسى أن لا ترى فى تذكرة أحد من علماء الأمة أنه سمح
هكذا بتفويض تذكرته إلى غيره ، فكما إن اللّه تعالى خصصه بمزايا عالية
أخرى لم تجتمع إلا فى أفراد من الأمة ، فهذه مزية أخرى صاربها فريداً فى
القرون ، ولله در القائل :
لو نال حى من الدنيا بمنزلة . وسط السماء لنالت كفه الأفقا
وسمعت عن الشيخ الورع الزاهد المحدث مولانا سراج أحمد دام فضلهم (١)
أستاذ "سنن أبى داؤد" وغيره من كتب الحديث بالجامعة الإسلامية، سمعت من
الشيخ رحمه الله تعالى أنه يقول : كان رجل أخذ أستار الكعبة - زادها الله
مجداً وكرامةً - ملتجأ إلى الله تعالى، ودعا لنفسه أن يرزقه الله علم الحديث
كعلم الحافظ ابن حجر رحمه الله، فاستجيب له . قال مولانا المحترم : ظننت
أنه يحكى حال رجل آخر ، ولم أتنبه أنه كنى عن نفسه ، ثم تبين لى بعد
برهة أنه رحمه الله أراد نفسه اهـ. قال الراقم: وهذا أوضح من فرق
الصديع لمن علم هدى الشيخ إن شاء الله تعالى . وكان رحمه اللّه يقول : ١٠
طلبنا العلم للدنيا، ولكن يا للأسف أنه ما طلبنا للآخرة أيضاً، نشأنا فى بيت
العلم ، فأخذنا فى العلم، ثم كانت الطبيعة مولعة بتنقيب آراء العلماء والبحث
عنها ، فصرفنا العمر فى الجدال والنضال ، بل أضعناه ، فيالهفى لم نتخذ
إلى الله سبيلاً. وسمعت من صديقنا المحترم مولانا الطبيب القارى محمد يامين،
أحد أساتذة الجامعة : قدم رجل من العرفاء بدار العلوم الديوبندبة فتأثر جداً
من لقاء الشيخ رحمه الله ولقاء الشيخ الورع العارف الفقيه ، ولانا وشيخنا.
(١) توفى رحمه الله ١٣٥٦ه.
ء

:
- ٢١٣ -
عزيز الرحمن النقشبندى المجددى رحمه الله، وتعجب من قوة نسبتها (١) ولطاقتها،
وقال: إن للشيخ رحمه الله نسبة قوية وهبية عجيبة ، وقد بائع جم غفير من
الصلحاء والعلماء بكشمير بيده ، وقد رأيت أنه كان يلقن أشغال الطريقة
الحشتية ، وربما لقن للبعض أعمال السادة النقشبندية ، وكان يلقن للطلبة
أوراد الحديث النبوى ، وبعين لهم حزباً مختصراً صالحاً لإنشاء النسبة
بعد المواظبة .
وسمعت منه نفسه : أن لى إجازة من شيخنا وشيخ العالم مولانا شيخ
الهند محمود الحسن رحمه اللّه، وبلغنى عن بعض الأصدقاء: أن الشيخ رحمه اللّه
اعتزل نحو ستة أشهر فى الخلوة بكشمير مشتغلاً فى التزكية والتصفية بالأعمال
والأوراد والأشغال على طريقة السادة الحشتية ، وهذا روض أنف فى حقى
لم أرتع فى حماه ، وبحر خضم لم أخض فيه ، فلا يحری بی الخوض فى عماره،
وقد قيل : لا تقعن البحر إلا سابحاً، وكيف يدرى من بالساحل بل من لم يصل
بعد إلى الساحل! اللآلى المكنونة فى قعر البحور، وكيف يرى من بعيد جواهر .
أجواف الصخور؟ ! فلا أملك فيه شروى نقير، ولا أملك شداً ولا إرخاء، فكيف
الحداء بغير بعير؟ فهذا باب نفوض الكلام فيه إلى أهله، وإنما أوردنا هذه الكلمات
المنتشرة إشارة إلى أن الشيخ كان ممن جاب هذه العقبات ، وقطع هذه الأودية
(١) النسبة": كيفية" نفسانية" راسخة"، تحصل للعارف وتنشأ بها له علاقة"
مع الله قوية"، يترتب عليها آثار بديعة"، من دوام الحضور والشوق اليه
والطهارة الكاملة ظاهراً وباطناً، وملكة التواضع والانقياد لأوامر
الله، وفناء النفس حتى يظن نفسه كالميت فى يد الغسال ويسميها السادة
الصوفية " قدس الله اسرارهم، وكثر امثالهم بالنسبة" مرة وأخرى بالسكينه"
وتارة بالنور وغيرها ، وهى تختلف قوة وضعفاً ، وتتفاوت نوعاً وصنفاً ،
والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. ثم رايته من الشاه عبد العزيز وحـ
فى "فتح العزيز" من قوله: "صبغه" الله" فراجعه.
2
٠٫٠

- ٢١٤ -
الصعبة على طريقة أهلها ، وهذا وإن لم ندر شيئاً من هذه المزايا والوقائع فإن
حياته الطيبة بين أيدينا ، ومحك السنة النبوية بين أعيننا ، فمن شاء انتقدها
بهذا المحك يرى إن شاء تعالى عسجداً وإبريزاً خالصاً من الغش والرداءة ،
فكان سليم الصدر من البغضاء والشحناء ، فارغ القلب من الغل والحقد ،
لطيف الرأفة ، حزين القلب ، حسن المواساة ، سليم اللسان من الكذب والغيبة ؛
بل لم يكن بمجلسه الغيبة ، لم يسب ولم يشتم ، لم يغادر المستحبات ، فكيف
الفرائض والواجبات ؟ إذا اغتاب أحد فى مجلسه يقول : دع هذا وشأنك ،
ملئ قلبه بالخشية الإلهية ، فكان يحقر نفسه ويعظم كل أحد ، فكانت مشاغله
إما الكتاب ، أو ضبط السوائح، أو الصمت ، أو الذكر والفكر، أو الرشد
والنصح . وبالجملة كان عالماً عاملاً عابداً زاهداً ورعاً تقياً خاشعاً متضرعا ،
ذا وقار وسكينة ، يخاف الله فى الغيب والشهادة، ويتحرى القصد فى الفقر
والغنى، وينطق بالحق فى الغضب والرضى ؟ إذا رؤى ذكر الله ، وخيار
عباد الله إذا رؤا ذكر الله، كان لصحبته ومجسله تأثير فى القلوب من الرغبة
إلى اللّه والإعراض عما سواه ، وكان كما قال هو نفسه فى حق قطب العالم
مولانا رشيد أحمد الكنكوهى قدس الله سره :
بهپ
لقد فرع الورى عملاً وعلماً
مكارم ساعدت كرم النجار
ونور مستبین کالنهار .
إمام قدوة ، عدل ، أمين
فقيه حافظ علم شهير
وأصبح فى الورى صدراً وبدراً
وأصبح مفرداً علماً رفيعاً
وآية رحمة فيضاً وفضلاً
وغرة دهره علماً وديناً
وأما فضله ذوقاً وحالاً
كصبح مستنير هدى سار
منيراً دارئاً حلك التوارى
كرفع المفرد العلم المنار
عباباً مستطاباً للقوارى
طراز زمانه مثل النضار
ففرد فيه لا أحد يجارى
٠٠)
2

ء
- ٢١٥ _
وحاتم عضره عند امتيار
فضيل زمانه ورعاً وزهداً
تهلل نوره عند الزوار
كأن جبينه بدر مبين
وأشرق نوره عند اعتكار
لقد نفع الورى شرقاً وغرباً
فلو لم يكن رجل وشأنه ما وصفنا ولياً عارفاً فليس فى الدنيا ولى ، بل
كأن لم يسلف لنا ولى فى الأمة المحمدية، وأثرت له رحمه اللّه كرامات عديدة،
وقد شاهدت بعضها فى سفر كشمير إذ تشرفت بالمزاملة ، ولا نطول الكلام
بذكرها فإنه لا اعتداد لها عندى كثيراً بإزاء تلك الكرامات العلمية والعرفانية،
ما هى فروع للولاية المعنوية ، وماذا يكون قدر الخوارق بجنب غوامض التقوى
ومعارف الخشية الإلهية، ما هو برهان ساطع على المنزلة السامية والمكانة
العلياء من الولاية المحمدية .
ومن أكبر كراماته عندى ما وصفته من حصول الرغبة إلى الله بزورة
محياه، وتأثير مجلسه وصحبته، وسائر أحواله المتواردة من القيام والقعود والصمت
والفكر والوعظ والدرس وغيرها فى القلوب تأثيراً عجيباً ، هذا ، والله يقول
الحق وهو يهدى السبيل ، وكان رحمه اللّه كثير الأدب مع العلماء والسلف ،
محتاطاً فى التعقبات عليهم غاية الاحتياط ، مراعياً لهم غاية الأدب حتى أول
ما أراد أن يناقش الحافظ ابن حجر العسقلانى فى غزوة ذات الرقاع حيث
اختار ما ذهب إليه الإمام البخارى من أنها وقعت بعد غزوة خيبر ، مكث
نحو أربعة أشهر يفكر فى أنه: هل يجوز لى المناقشة معه؟ وهل يسوغ لى التعقب
عليه ، حتى ألقى فى قلبه جوازها له ، وقد سمعت عن بعض الأصدقاء داءت
عواطفهم (١): إنى سمعت عن الشيخ رحمه اللّه لما اضطربت فيه ذهبت إلى
(١) هو صديقى المحترم مولانا فضل الرحمن الفاضل الفشاورى ثم الكابلى المقيم
اليوم بدهلى . منه .
٧٠٠

- ٢١٦ -
ضريح الإمام الربانى قطب الشريعة والحقيقة مجدد الألف الثانى مولانا الشيخ
أحمد النقشبندى السرهندى قدس الله سره ، فكنت أتوجه مراقباً إلى روحه
الشريف فى ذلك حتى أذن لى ، سبحان الله هذا حال أدبه مع أكابر الأمة
والسلف الصالح .
قال الشيخ رحمه اللّه : فكتبت أوراقاً فى التعقب عليه فى هذا المقام ،
ثم صار ديدنى التعقبات والإستدراكات على جميع الأعيان والأعلام ، فلم
أغادر أحداً إلا ولى تعقبات على أبحاثهم يقبلها سليم الذوق صحيح الوجدان
إن شاء الله تعالى ، ومع هذا فكان ينبه الطلبة تنبيها على أدب علماء الأمة ،
ويقول : إياكم والمناقشات والتعقبات على هؤلاء الأئمة ، فليست أهليتها
فيكم ، فاعرفوا فضلهم وقدرهم ، واعرفوا أنفسكم ، هذا وصلى الله تعالى
على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه أجمعين .
مقالة تاريخية فى مائر الشيخ رحمه الله
لمولانا الفاضل محمد يوسف الكاملفورى دام فضله (١)
())
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى ، وسلام على عباده الذين اصطفى ، وبعد ، فلا يخفى
على من ألقى السمع وهو شهيد: أن علم الحديث من أشرف علوم الإسلام ،
كثير الأنواع والأفنان، غزير الأقسام والأغصان ، وهو مدار العلوم
(١) كنت اقترحت منه ان يقيد شيئاً من سوانح هدى الشيخ وسير حياته
الطيبة - فاجاب لمقترحى دام فضله وارسل مكتوباً يحتوى على تلك المقالة
فى مآثر الشيخ رحمه الله قيد شواردها بغاية" ارتجال واقتضاب ، ونحن
ندرجها بنصه رمتها بكل مسرة وحبور بجميل الثناء له ، وقد وصل مكتوبه .
هذا بعد ما فرغت من الابحاث السالفة" فكانت مقالته هذه لبنة ملات
الفراغ والموضع الخالى ، فكانت راس الزاديه ان شاء الله تعالى. منه.
ءـ

- ٢١٧ -
الإسلامية ، تفسيرها وفقهها وكلامها ، وهو أجدى من تفاريق العصا ،
وكل الصيد فى جوف الفرا ، وقام له عباد موفقون من هذه الأمة ، وانتهضوا
له كل انتهاض ، فشرقوا وغربوا ، واشأموا وأيمنوا ، وغاروا وانجدوا ،
وتركوا الأوطان لنيل أشرف الأوطار ، وقطعوا البلاد ونقبوها فى استقراء
الحديث ، حتى كان الرجل يقطع مسيرة شهر أو شهرين لطلب حديث
واحد ، وكان مناله عنده أحلى من حمر النعم ، وأوقع فى قلبه من ماء الحياة
وسوابغ النعم ، وكان قصارى مقاصدهم وحمادى مطالبهم أن ينالوا سنداً
عالياً وبيناً خالياً ، ولا يخفى على كل أريب لبيب أن تواتر الإسناد فى الدين
عطية الله أكرم بها هذه الأمة، ولو لا الإسناد لقال المحرفون ما شاءوا ،
كما وقع فى دين اليهود والنصارى ، فكانوا شرَّ أخلاف لأسلافهم ، وكان
أول من انتهض لهذه الأمانة القرن الأول المشهود لها بالخير ، وهم أصحاب
محمد عٍَّ، الذين قال فيهم ابن مسعود رضى الله عنه: ((من كان منكم
متأسياً فليتأس بأصحاب رسول اللّه عَل ل﴾ ، فإنهم أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقهم
علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً ، قوم اختارهم اللّه
لصحبة نبيه بَّظلٍّ وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوا فى آثارهم ،
فإنهم ورب الكعبة على الهدى المستقيم)). وأكثر الصحابة روايةً أبو هريرةُ
رضى الله عنه، كان يغتنم صحبة النبى عَلّ على شبع بطنه، والناس يصفقون
فى الأسواق ، ففاز بدعوته عليه الصلاة والسلام حين أمره يبسط ردائه،
فدعا له ثم أمره أن يضمه إلى صدره ، فما نسى بعده شيئاً . وسيدة النساء
عائشة رضى الله عنها أم المؤمنين أعلم من دبَّت ودرجت من النساء على ظهر
الأرض ، فاقت على كثير من الرجال بفقه الحديث والحكمة المانية ، حتى
( نفحة العنبر م - ٢٨ )
ft
٠٠

- ٢١٨ -
استفتى منها كبار الصحابة فى مهمات الأمور ، فيا لها من شرف وافتخار .
ومنهم عبد اللّه بن مسعود ، صاحب الوسادة والنعلين ، صاحب رسول الله
◌َّهُ والمختص به وحلس بيته ، حتى عد من أهل بيته ، شب على هديه وسمته
ودله ، وتخلق بأخلاقه رضى الله عنهم ورضوا عنه ، وقام مقامهم فى الهدى
والإرشاد من اتبعوهم بإحسان ، حتى ضرب الدين بالجران ، وقام فى الأرض
واستوى، ولم تر عين السماء قرناً كهذا القرن فى الأمم الحالية ، إذ كان الدين
مستوياً فى بهجته واعتلائه .
وسادة هذا القرن وأئمتهم : سعيد بن المسيب، وابن سيرين ، ونافع
وغيرهم . فلما قضوا نحبهم سد مسدهم تبع التابعين ، كمالك بن أنس إمام
دار الهجرة ، وسفيان الثورى ، وأبى حنيفة ، والأوزاعى ، ومن عاصرهم
من أعيان هذه الأمة وأركان الحديث ، حتى إن جاء الإمام الشافعى أمير
المؤمنين فى فقه الحديث، وصاحبه الإمام أحمد بن حنبل، والبخارى ، ومسلم
ابن الحجاج القشيرى ، وعلى بن المدينى ، ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم،
فأطبقوا الأرض علماً ورشداً ، وأشرقت الأرض بنور ربها ، وسارت
الركبان بمفاخرهم ، وحدى الحادون بمآثرهم ، وكان طلب الحديث فى
أولئك الأيام غاية كل شرفٍ ومنتمى كل عز وفخار ، وتغلغل هذا الشوق
فى جذر قلوبهم ، فكأنهم مفطورون عليه ، وغذوا بلبانه ، وكانوا إذا سمعوا
نزول محدث من بلد غريب طاروا إليه زمراً تتبعهم زمر ، وكان يجتمع فى
مجلس إملاء القاضى الحسين بن اسماعيل المحاملى ببغداد عشرة آلاف من
أصحاب المحابر وحملة الحديث، وقيل: إن البخارى سمع منه "جامعه الصحيح"
تسعون ألفاً من رجال الحديث ، ثم جاء بعدهم أبو الحسن الدار قطنى ،
والحاكم النيسابورى ، والخطيب البغدادى المجود فى التصانيف ، والبيهقى
صاحب "السنن"، وابن حزم صاحب " المحلى"، وابن دقيق العيد صاحب
(0)
ء
**** .

+
أ.
4
- ٢١٩ -
" الإلمام " الخواض فى معانى الأخبار بما لم يستطعه الأوائل، وابن قدامة
صاحب "المغنى"، والبغوى صاحب " شرح السنة"، وابن عبد البر صاحب
"التمهيد" و "الإستذ كار"، وغيرهم من أعلام الأمة ، فتجردوا الخدمة
علوم الحديث ، وصنفوا فى كل فن فن منه ، وكانوا أسوة لكل من أتى
من بعدهم واهتدى بدلالتهم من خلفهم :
إن المكارم بالمكاره * والمغانم بالمغارم
حتى انتهى سيادة العلم وشرفه الباذخ العالى إلى الحافظ الحجة الرحلة
راوية العصر وبقيمة الدهر نابغة الزمان ونادرة الأوان ، الثقة الثبت المسند
والقدوة العلم المفرد أبى الفضل ابن حجر العسقلانى، ولم ير عديله حفظاً وتيقظاً
فى بسيطة الأرض ، وكانت أويقاته معمورة مهاركة فيها ، وصنف مصنفات
غاية فى المتانة والإتقان ، ودرة نظامها "فتح الباري شرح صحيح البخارى"،
فهذا كوثر من خيره الجارى ، فأدّى به ديناً كان على ذمة هذه الأمة ،
فجزاه الله خير الجزاء ، وكان سلف هذه الأمة معجزة تعجز كل الورى فى
كثرة التصانيف ، حتى أعجز كل من سلف من خلف . وهذا الحافظ ابن
عساكر الدمشقى ألف " تاريخ دمشق" فى ثمانين مجلداً فضلاً عن غيره
من التصانيف ، وكانوا كما قلت :
وهم قدوة الأمجاد غر أكارم ـ بهم قام دين الله فى الأرض واستوى
وأولئك الأعلام أشرقت أنوار علومهم وبدور فيوضهم على الممالك
الإسلامية ، وكانت الهند عاطلة من تلك الحلى ، مجدبة مقفرة ، وكان أهلها
فى معرض عن الحديث حتى إن دخل الإمام حسن بن محمد بن حسن الصغانى
من طريق كابل إلى بلاد الهند ، وكان حافظاً لغوياً، فلما تولى من الهند خلّف
كتابه " مشارق الأنوار" أثراً بعد عين، فاشتغل أهل الهند بكتابه ، وقدم
٠٠

- ٢٢٠ -
قبله الشيخ اسمعيل، وتوطن لاهور، ثم لما توسعت مملكة سلاطين الهند إلى سواحل
الهند فدخل فى بلاد الهند كثير من المحدثين من طريق البحر ، حتى حان عصر الشيخ
على المتقى وصاحبه محمد بن طاهر الفتنى، وبعده الشيخ عبد الحق الدهلوى رحمهم الله،
فكانوا من ناصرى علوم الحديث وحاملى ألوية هذا العلم ، حتى أن تنشأ إمام
النهضة العلمية الحديثية فى الهند ومديرها ومدارها الشيخ أحمد ولى الله الدهلوى ،
فإنه قد فجر أنهار هذا العلم شرقاً وغرباً ، فشدت إليه الرحال ، وقام على
قدم كالطود أرسى وأرسخ ، وحمى حمى الدين بعلمه وتصانيفه البديعة النظام ،
كـ "حجة الله البالغة" و"إزالة الخفاء" و "الخير الكثير"، وهو منتهى
الإسناد فى ديار الهند ، فلاحت أنوار الهدى ، واعتلى الدين على ذروة العلى ،
وإن شئت حقاً وآثرت صدقاً فإن الهند لم تلد فيها والدة مثل الأحمدين ، أحمدهما
من الدهلى، والآخر الشيخ أحمد السرهندى مجدد الألف الثانى ، تنشأ فى زمان
شاعت فيها البدع والفتن والرفض ، فجدد معالم الدين وشعائر الإيمان ،
جزاهما الله إحساناً بإحسان . وقام بعد الشاه ولى الله الدهلوى أولاده وحفدته
الكرام لخدمة الهدى المحمدى سيفاً وسناناً وقلماً ولساناً وسنةً وقرآناً ، وكثر
فى أصحابهم العلم والفضل حتى مضت برهة من الزمان وتسلطت النصارى على
بلاد الهند ، فطغوافى البلاد وأكثروا فيها الفساد ، وماجت الفتن وعمت البلايا ،
وتفرقت طوائف فى الإسلام، وانتحلوا ببدع اتخذوها ديناً، وقل أنصار الإسلام،
وصار غريباً كما بدأ ، فانتخب اللّه لتلك المهمة العظيمة من أبصر بنور الله
من صدق فراسته ، وقام لنصرة الإسلام وحمى حوزة خير الأديان ، وذب عن
حياضه مولانا محمد قاسم النانوتوى، وشيخ الحديث مسند الوقت مولانا رشيد
أحمد الكنكوهى قدس الله أسرارهما ، وكانا شريكى عنان ورضيعى لبان
وخليلى صفاء، فأحسا عاقبة هذه الداهية العمياء التى تخبط فى الهند خبط عشواء،
وكانا مؤيدين بنصر الله، فهجس فى خواطرهما أن يغرس غراس العلم على هيئة
4

- ٢٢١ -
مدرسة العلوم بديوبند ، حمايةً للإسلام ومحافظةً للملة ، فطاوعهما على هذا
خيار هذا العصر ، فطالت شجرتهما وسمقت ، وأينعت ثمارها وذللت قطوفها
لكل دان وقاصٍ ، وتخرج منها رجال أى رجال حماة الدين وحملة الشريعة
الغراء ، حتى نبغ نابغة هذا الزمان وراوية هذا العصر والأوان ، آية من آياته
الكبرى ، وبينة من بيناته العظمى ، أعلم من أظلته الخضراء وأقلته الغبراء ،
أخير ناف على الأوائل ، جميل المحيا جم المكارم وكريم الشمائل الحجة الرحلة
القدوة طود من العلم راسخ ، وجبل من الحلم شامخ ، شيخ الإسلام مولانا الشاه
السيد محمد أنور الكشميرى نور الله ضريحه وسقته الغوادى والسوارى من
قد جمع إلى الدين الحنيفى العلم الحنفى والحلم الأحنفى أصدق لهجة كأبى ذر ،
وكان شعاره: " قل الحق وإلا فذر"، ولو رآه أبو حنيفة لتجمل به :
هذا هو الآخر السامى على الأول
هذا الذى باهت الدنيا بعزته
يحتاج فيها إلى التهذيب بالعمل
مفطورة فيه أخلاق الكرام فلا
ليس التكحل فى العينين كالكحل
فى الخلق والكسب بون إذجرى مثل
وكان منبت ذلك الغصن النامى ، وأصل ذلك الفرع السامى من بلاد
"كشمير" من أرومة المجد وجرثومة الفضل من بيت طاهر، روى حديث المجد
متواتراً متصلاً كابراً عن كابرٍ وهمام عن همامٍ ، وكيف ؟ ولا ينبت النضار
إلا من معادنه ، ولا يوجد الشرف الأعلى والحسب الأسمى إلا فى مواطنه .
اشتغل بالعلوم فى بلاد كشمير أولاً ، ثم ارتحل إلى بلاد الهند ، فحط رحله
بديوبند عند مسند الوقت مولانا محمود الحسن قدس سره، يقتبس من علومه
النخب ، وكان من صفوة أصحابه حتى أن توفاه الله، فكانت وفاته ثلمةً فى
الدين ، فكان شيخنا لبنة سدت تلك الثلمة ، وتصدى لإعادة رواء العلم ،
حتى صارت رياض الدين أخصب وأمرع، وأدى ما عنده من أمانة الله
٢

١,pt
- ٢٢٢ -
وأفاض ، وماجت بحار فيوضه حتى غزر العلم وفاض وغار ذكره وأنجد
وأذعن لفضله كل حبر أمجد ، فشدت إليه الرحال من كل فج عميق ، وسار
حديث مجده سير الأمثال وهو به حقيق :
ر٠
وشاد دروس العلم بعد دروسها
وزاد به الدين الحنيفى رفعة
وأحيى موات العلم منه بهمة
يلوح على الإسلام نور شموسها
وكان يجرى على طراز الأولين فى تحقيق الحديث ، وكان بحاثة نقادة
للحديث ، لم يكن فوق أديم الأرض أعلم منه قرآناً وحديثاً وفقهاً وكلاماً ولغةً
وعربيةً وتصوفاً ، وكان حاذقاً فى علوم المعقول بأنواعها ، وكان يحض
أصحابه على مطالعة كتب فحول الحفاظ وشراح الحديث ، وكان كلمة الحكمة
ضالته ، فاستفاد منه رجال لا يحصيهم العد، واستفاض منه فحول عصره فى
الفتاوى والمشكلات ، فاغتبط العلماء بحاله وجروا على محجته ، فازدادوا
تحقيقاً ومطالعةً للحديث ، وتركوا الجمود فارتقوا إلى ذروة العلى ، فكان
خاتم المحدثين فى الهند وإمام هذه النشأة العلمية الحديثية فيها ، وكان الناس
قبيل هذا العصر يكتفون بأدنى الحظ فى الحديث ، وكان غاية سعيهم أنهم
إذا اطلعوا على حديث يخالف مذهب واحد من أئمة الإجتهاد تصدوا لتأويله
من دون أن يستقروا طرق ذلك الحديث وما فى طرقه من الاختلاف ، وكان
باب التحقيق عليهم مسدوداً ، فمن اللّه على الهند بنهضته ، فهداهم إلى علوم
الجديث ، وكيف يردون ويصدرون، فانتبه من كان موفقاً للسعادة بدلالته
ولا يهتدي للخير إلا خير ، ومن أهم خدماته فى الدين الإنتصاب لدين الله عند
الفتنة العمياء التى انبعثت من أرض القاديان من فنجاب ، فتصدى رجل
فدعا : أنه نبى أعطى شريعة ، وانتشر دعاة دعواه فى أكناف الأرض کجراد.
منتشر ، فكان هذا مصيبة عظمى للدين وأهله ، وقام لنصر دين الله حينئذ
ے
٧
=

٩
- ٢٢٣ -
خيار عباد الله من خيار العلماء ، وممن بذل جهده فى إطفاء تلك النائرة قلماً
ولساناً وتحريراً وبياناً شيخنا المنعوت ذكره ، وكان ذا وجاهة عظمى عند الله
وعند العلماء ، ونبه كل من كانت له أذنان وعينان تبصران ؛ وحث علماء
زمانهم أن يتجردوا لدفع تلك الفتن، وقام ولم يخش إلا اللّه، وصنف كتباً
عديدة ، وصنف أصحابه ، وحث أهل البلدتين "لاهور" و " أمرتسر "
علماءهم وأمراءهم ، وأنهضهم لهذه المدافعة ، فأفحموا الزنادقة وألقموهم،
حجراً قلماً ولساناً، وكان ممن قال بجَ ◌ٍّ فى حقه : يحمل هذا العلم عن كل
خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، فمضى على
هذا برهة من الدهريروى كوثره المعالم من خيره الجارى ، حتى استعفى من
دار العلوم الديوبندية لوجوه ، فاستدعى منه كثير من أهل المدارس أن ينحاز
إليهم فلم يقبل منهم وانحاز إلى " جامعة تعليم الدين " بقرية "دابيل"، من
من مضافات "سورت"، وكان انحيازه غاية شرف لأهل تلك البقعة، وكانت
تلك الديار محطاً للمحدثين فى سالف الأزمان، فأشرقت تلك المعاهد بوروده،
فقام لنشر السنة يدور مع السنة حيث دارت، فاستفاض من هديه وسمته أهل
تلك النواحى، فحازوا أعلام المكارم وغايات المآثر ، وصنف الشيخ فى هذا
الزمان رسائل عديدة بعضها انطبعت وبعضها لم تنطبع، ونضر الله امرءاً قام
لنشر مصنفاته المختارة ، فتكون له منة على المسلمين ، وجرى الأيام على هذا
إلى أن حجم عليه الأمراض فعاد إلى مسكنه بلدة ديوبند فناداه الرضوان والنعيم
المقيم واشتاقت إليه الجنان ، فتولى إلى الملأ الأعلى، فبكت عليه السماء والأرض
وأظلمت الأرض بعد ما أشرقت، فمضى ولم يخلف على آثاره مثله ، أللهم أكرم
نزله ، وأنزله جنات عدن وأعظم أجرنا بعده ، ووفقنا للسنة والسداد ،
وصلى الله تعالى على خير خلقه سيدنا محمد وآله الأمجاد والسلام . هذه عجالة ما
قدرت عليه مع اشتغال القلب وقلة الفرص ، فإن رضيتم فيها وإلا فهو من
a

- ٢٢٤ -
سقط المتاع". انهى مكتوبه السامى .
الشيخ وثناء أماثل العصر عليه .
أحاول أن أذكرشيئاً من ثناء أماثل العصر على الشيخ رحمه اللّهَ ليعرف
نباهته ووجاهته من لم يقدر على معرفته بمناقبه السامية التى سبق الإيماء إليها،
ولله در القائل :
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها . فليس إلى حسن الثناء سبيل
رأى الجهبذ المحقق أستاذ العالم مولانا محمود الحسن
الديوبندى الملقب بـ " شيخ الهند" قدس سره .
شاهدت فى سند الإجازة ما كتبه العارف المحقق شيخ العالم مولانا
محمود الحسن رحمه الله لشيخنا رحمه الله :
٠
"إن الله قد جمع له العلم، والعمل، والسيرة ، والصورة ،
والورع ، والزهد ، والرأى الصائب ، والذهن الثاقب" ..
ولعله كانت فيه كلمات أخرى لا أحفظها ، وناهيك من رأيه فى حقه
ما عامل معه فجعله خليفة له فى التدريس ورئاسة المشيخة فى دار العلوم الديو بندية
كما سلف منا ، وربما كان يشعر عن رأيه فى بعض المشكلات ويسأله عن أقوال
السلف فى بعض المهمات فکثیراً یرتاح له شیخه إذا أجاب ، وربما كان شیخہ یری
رأياً فی بعض المسائل خلاف ما علیه الجمهور ، فمشائخنا كان يؤيده بقول من سبق،
فيسر شيخه جداً .
ولتعلم أن هذه كلمات ممن لم يكن دأبه التكلف ولا الإطراء فى المدح ،
وكان حبراً عميق العلم أبر القلب ، فلا تقسها بمبالغات المطرين وتخمينات
المجازفين ، وليكن منك على ذكر أنه قال فى حقه هذه الكلمات، وكان الشيخ
an

- ٢٢٥ -
شاباً يافعاً لم تنبغ فضائله، ولا بزغت فى العالم جواهره ، فما ظنك بشأنه الباهر
فى آخر أطوار حياته الطيبة؟ فهذا حاله فى البداية، فماذا يكون شأنه فى النهاية؟
وقد سبق منى قول القائل :
تناهت علاء والشباب ردائها = فماظنكم بالفضل والرأس أشيب
رأى الشيخ العارف الفقيه المحقق المبرز فى العلوم قاطبة حكيم الأمة مولانا
أشرف على التهانوى ، أكبر مؤلف العالم الإسلامى، طالت حياته الطيبة .
كان الشيخ العارف حكيم الأمة مولانا أشرف على التهانوى (رحـ) يسأل
الشيخ رحمه اللّه فيما أشكل عليه من معضلات الفقه أو الحديث وغيرهما ،
وعندى كتاب له مكتوب بيده الشريفة: سئل الشيخ رحمه الله فى معضلة وعقدة
تعسر عليه انحلالها، والكتاب طويل لاحاجة لنا فى سرد جميعه فنكتفى بإقتباس
فاتحة كتابه وخاتمته بلفظه مع ترجمته بالعربية ، لينجلى للناظرين رأيه فى حق
الشيخ رحمه الله .
نص كتابه باللغة الأردوية
"ازنا كاره آواره اشرف على عفى عنه
بخدمت با بركت جامع الفضائل العلميه
والعمليه حضرت مولانا سيد انور شاه
صاحب - داست انوارهم ، السلام عليكم
ورحمة الله ، تحقيق سابق ـے متعلق
بضرورت مكرر تكليف دينا بى امد هے
کە سعاف فرمائیںگے، ایک حادثه خود
مجكو بيش آيا أسكر متعلق جداكانه
تكليف ديتا هوى الخ (وقال فى خاتمته)
أسمي روايت يا درايت سم كچي حكم
فرما ئیں ۔،،
ترجمته باللغة العربية
"من الأحقر أشرف على عفى عنه إلى
حضرة المحترم جامع الفضائل العلمية
والعملية حضرة مولانا السيد أنورشاه
دامت أنوارهم ، السلام عليكم ورحمة الله،
دعت الضرورة إلى أن تراجع إليكم
ثانياً فيما يتعلق بالتحقيق السابق، وقعت
واقعة مما يتعلق بنفسى ولذا كلفتكم مرة
أخرى على حدة، فنرجوا العموالخ. وقال
فى خاتمته: فأفتونا فى هذه المعضلة إما
من الرواية وإما بالدراية اهـ" .
( نفحة العنبر ٢ - ٢٩ )

- ٢٢٦ -
وسمعت من العالم الحافظ السيد عطاء اللّه شاه البخارى خادم الملة
الإسلامية طالت حياته (١): إنى سمعت من حضرة الشيخ التهانوى طال بقاؤه
أنه كان يقول : "ومن آيات حقية دين الإسلام عندى وجود الشيخ الأنور
فى الأمة المسلمة ، فإنه لو كان فى دين الإسلام شئ من العوج والأود لم يبق
الشيخ الأنور على دين الإسلام" ، سبحان الله ؟ تأمل هذا القول من هذا
الشيخ فى حقه ، ثم تأمل ، وكفى لك دليلاً على رجاحة عقله ورزانة طبعه
وإصابة فكره وصلاح فطرته، فهذا رأى أكبر علماء عصره فى عقله ، وذلك
می علمه فذقه ، ومن لم يذق لم يدر .
رأى محقق العصر الحاضر الحبر التحرير المفسر الحاذق والمحدث
الجهبذ مولانا الشيخ شبير أحمد، صاحب "فتح الملهم شرح صحيح
مسلم" شيخ الحديث بالجامعة الإسلامية بدابيل (سورت).
قال العلامة الحبر المفسر الحاذق والمحدث الناقد البصير شيخنا ومولانا
الشيخ شبير أحمد العثمانى أطال الله بقاءه فى "فتح الملهم شرح صحيح مسلم" (٢):
(١) فلما عرضت الكتاب على الشيخ العلامة شبير احمد العثمانى فهش لذلك
وقال : سمعت ايضاً هذا من حضرة حكيم الامة" شفاهاً ولكن فيما سمعته
زيادة وهى انه شاع فى بعض الجرائد عن بعض المستشرقين انه من دلائل
حقية " دين الاسلام وكونه ديناً سماوياً وملة" حنيفية" وجود الامام الغزالى فى
الاسلام ، ولو كان فى الاسلام شىء من العوج لكان من المحال ان يبقى
مثل الغزالى علماً . ثم قال حكيم الامة بعد نقل هذا الكلام : وعندى
وجود مثل مولانا الشيخ محمد انور فى الأمة المسلمة" دليل من دلائل
حقانية الاسلام. ثم سمعته من ارشد خلفاه الشيخ حكم الامة التهانوى
الشيخ المفتى محمد احسن رحمه الله ايضاً ، فاذن كلام الشيخ التهانوى
بلغنى من هؤلاء الثقات الاثبات رحمهم الله جميعاً . منه .
(٢٠) ص - ٣٣٥ ج - ١
ے
١٠
's
.

- ٢٢٧ -
سألت الشيخ العلامة التقى النقى الذى لم تر العيون مثله ولم ير هو مثل
نفسه ، ولو كان فى سالف الزمان لكان له شأن فى طبقة أهل العلم عظيم ،
وهو سيدنا ومولانا الأنور الكشميرى أطال الله بقاءه عن: تفسير أوائل "سورة
النجم"، وتحقيق رؤية النبى عَّ ربه ؟ فقرر الشيخ تقريراً حسناً بليغاً جامعاً
الأشتات الروايات وأطراف الكلام منبها على أغوار القرآن ، فالتمست منه
أن يقيده بالكتاب لتعم الفائدة، فاستجاب لملتمسى، وعلى الله أجره مع وجود
الشواغل الكثيرة ، وهذا نص ما كتبه بقلهه متعنا الله بطول حياته .
وأيضاً قال أطال بقاءه فى تقريظه على تأليف الشيخ "إكفار الملحدين":
" الشيخ العلامة الجليل فقيد المثيل فى زمانه وعديم العديل
فى أوانه ، بقية السلف وحجة الخلف ، البحر المواج والسراج
الوهاج ، الذى لم تر العيون مثله فى العهد الحاضر ، ولم ير هو
مثل نفسه، قد رزقه الله تعالى من العلم والنهى والفقه والتفى الحظ
الأوفر، وهو سيدنا ومولانا الشيخ الأنور، مد الله ظله على رؤس
المسترشدين والمتعلمين ١ هـ" .
بـ٠
يخـ
:
وسمعت منه أطال الله بقاءه فى بعض الحفلات: "أن موت الشيخ الأنور
عندى من أشراط الساعة ، فإنه كان أهلاً للأمانة الإلهية ".
لطيفة بديعة : أقول : ومن العجائب والعجائب جمة أن تلك الكلمة
الفريدة البديعة : " لم تر العيون مثله ولم ير هو مثل نفسه " التى قالها شيخنا
المحقق العثمانى فى حق شيخنا إمام العصر أصدق كلمة دار معها الصدق حيثما
.دارت حيث صدقت أينما وقعت، وقعت فى محلها فيما أستحضره من كتب التراجم
والطبقات ، فدونك من محالها وشاهد حسنها فى مجالها ، حيث تبدى من
جمالها رافلة متبخترة فى أذيالها ، فأول من قيلت فيه هو الشيخ عثمان بن سعيد
:
١- ٠٠٠٠٠١٠

- ٢٢٨ -
الدارمى ، قالها فيه أبو الفضل الفرات ، كما فى "اجتماع الجيوش الإسلامية"
لابن القيم ، ثم العارف المحدث المحقق الأستاذ أبو القاسم القشيرى المتوفى سنة
٤٦٥ الهجرية صاحب " الرسالة"، ولا غرو فإنه مع وجوده فى العصر
المحتفل بجبال العلم وبحاره كان أجمع رجل فى العلم الظاهر والباطن والورع
والتقوى والمعارف الشرعية والحقائق الكونية .
١
ثم قيلت فى الإمام حجة الإسلام محمد بن محمد بن محمد الغزالى المتوفى
سنة ٥٠٥ الهجرية: ولا ريب أنه لم تر العيون مثلة فى جمع علم الشريعة والطريقة
والقدم الراسخ فى علوم القوم مع الذكاء المفرط وحل المشكلات وإفهام
المعضلات ببيان رائق معجب وتقرير بارع مطرب .
ثم الإمام المحقق الفقيه المحدث موفق الدين عبد الله بن قدامة الحنبلى
صاحب " المغنى" توفى سنة ٦٨٢ هجرية. قال ابن حاجب المالكى: لم تر
العيون مثله ولم ير هو مثل نفسه ، وقد صدق حيث كان إماماً محققاً فى
مذاهب علماء الأمة ، بصيراً على مآخذها بتخريج وتنقيح وتحقيق مع مزاياه
الوافرة من الورع والصلاح والتقوى وغيرها .
ثم الإمام تقى الدين أبو الفتح محمد بن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢
هجرية ، قال الإمام أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمرى: لم تر العيون مثله، وقد
أصاب فيه حيث لم تر العيون مثله . حافظا دقيق النظر ، متقنا للحديث فى
استنباط الفوائد والأسرار الدقيقة . قال الشاه عبد العزيز الحجة الدهلوى
فى " بستان المحدثين": لم يجئء مثله من عهد الصحابة إلى عصره فى بيان
معانى متون الحديث واستخراج فوائدها بتدقيق حتى استنبط أربع مائة فائدة
من حديث البراء بن عازب: ((أمرنا رسول اللّه ◌َ ليل بسبع ونهانا عن
سبع الخ)) بنهج أنيق فيما شرح نبذة من كتابه " الإلمام"، هذا مع جمعه بين
رہ

- ٢٢٩ -
الورع والزهد والكشف والكرامات والخوارق .
ثم قيل مثله فى حق شيخ الإسلام ونادرة الأيام أبى العباس الحافظ أحمد
ابن تيمية الحرانى الذى توفى سنة ٧٢٨ هجرية . وقد أصاب المرمى فإنه لم ير
له نظير فى الاستبحار والاستحضار فى سائر العلوم من الرواية والدراية
والإطلاع الواسع المدهش على مذاهب السلف والخلف والجرأة وقوة الجنان،
بيد أن استعجاله وظن رأيه كالوحى السماوى ، نقص قدره السامى فى قلوب
المعاصرين ومن بعده من كثير من العلماء ، وصدق ما قيل فيه : "غلب علمه
عقله"، وأعدل كلمة فيه ما قال شيخنا هذا المترجم له : " إنه بحر ذاخر
لکنه یقول ولا يسمع "(اینی کنتے ھیں دوسےکی نهین سنتر) وكان يقول: "غير
حاذق فى العربية والفقه والمعقول" .
وقال الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبى شافعى المذهب حنبلى المعتقد فى
شيخه الحافظ أبى الحجاج المزى الشافعى محدث الشام المتوفى سنة ٧٤٢ هجرية:
("لم تر العيون مثله"، وقد أصاب الغرض فإنه كان نظير نفسه فى علم الحديث
ورجاله، ثم قيل فى حق الحافظ ابن حجر العسقلانى المتوفى سنة ٨٥٢ هجرية :
ولا ريب فإنه كان وحيداً فى عصره فى سعة الإطلاع على الحديث والخبرة
الواسعة بمعرفة الرجال والعلل والأوهام مع براعته فى صناعة التأليف وقوة
عارضته فى الإنشاء والعربية والشعر وما إلى ذلك . رحمهم الله أجمعين ورحمنا
ببركة أرواحهم القدسية فى الدنيا والدين آمين . هذا وصلى الله على سيدنا
ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم .
رأى المحدث البارع الفقيه المفسر مولانا حسين أحمد
المهاجر المدنى شيخ الحديث بدار العلوم الديوبندية .
قال الشيخ المحدث الفقيه العارف مولانا حسين أحمد المدنى فى حفلة