Indexed OCR Text

Pages 41-60

- ٣١ -
٤٠
كثيرة بعده ١هـ" (١).
فناهيك بأمثال هؤلاء أعلام العصر شهوداً عدولاً: قولاً وعملاً،
وكثيراً ما رأينا فى جملة من أسفاره فى بلاد الفنجاب أنه كان يجتمع لزواره
طوائف من المشائخ والعلماء المدرسون المكبون على مطالعة الفنون ليلاً ونهاراً،
ويسألونه حل ما أشكل عليهم فى أى كتاب من أى علم كان ، فرجل
يسأل فى الفقه ، ورجل فى الحديث ، وعالم فى معضلات النحو، وآخر فى
دقائق العلوم الإلهية والطبيعية وغيره فى، العلوم الآلية"، وواحد فى التاريخ بل
فى مبهاته ومشكلاته ، وآخر فى سير المصنفين وعاداتهم ، هكذا واحد بعد .
واحد ، فتارة يخاطب هذا وتارة يجاوب هذا ، وتارةً ذلك ومرة ذاك ،
فيشتفى ويشفى ، حتى ترى أنه بحر يموج ، أو مزنة تهمى ، أو واد يسيل ،
إذا شرع فى الحديث خلت أنه لا يحسن غيره ، وإذا شرع فى استطراد
غوامض الفقه ظننت أنه لا يعلم غيره ، وإذا شرع فى البلاغة ودقائقه حسبت
أن الشيخ عبد القاهر رحمه الله عاد منشوراً، هكذا كان حاله فى دقائق العلوم
ومعارفها ، فما ظنك بقواعدها العامة ومسائلها المشهورة ، وذكرنى حاله هذا
ما ذكر الحافظ ابن القيم فى " هداية الحيارى" (٢) فى حق حبر الأمة
عبد الله بن عباس حيث قال : قال عطاء بن أبى رباح : ما رأيت مجلساً قط
أكرم من مجلس ابن عباس أكثر فقهاً وأعظم جفنة ، إن أصحاب الفقه عنده ،
وأصحاب القرآن عنده وأصحاب الشعر، يصدرهم كلهم فى واد واسع .
٠١
وقال (٣): وقال الأعمش : كان ابن عباس إذا رأيته قلت : أجمل الناس ،
(١) كان الشيخ رحمه الله اذ ذاك شاباً لم يظهر للناس صيته، والمحدث النيموى كان شيخاً
بازلاً ، ومع هذا كان هذه معاملته، ويدل هذا على تواضعه العلمى وتقديره للرجال، فرفع
الله قدرهما . منه.
(٢) ص - ١١٨ المطبوع بمصر.
(٣) فى ص - ١٩٩
۔۔

- ٣٢ -
فإذا تكلم قلت : أفصح الناس ، فإذا حدث قلت : أعلم الناس . وقال الحافظ
ابن القيم نفسه فى حق هذا الخبر (١): وكان بحراً لا ينزف ، لو نزل به.
أهل الأرض لأوسعهم علماً ، وكان إذا أخذ فى الحلال والحرام والفرائض
يقول القائل : لا يحسن سواه ، فإذا أخذ فى تفسير القرآن ومعانيه بقول
السامع: لا يحسن سواه، فإذا أخذ فى السنة والرواية عن النبي ◌ُِّ الج يقول القائل:
لا يحسن سواه ، فإذا أخذ فى القصص وأخبار الأمم وسير الماضيين فكذلك،
فإذا أخذ فى أنساب العرب وقبائلها وأصولها وفروعها فكذلك ، فإذا أخذ
فى الشعر والغريب فكذلك، انتهى كلامه .
ولعمرى ما وجدت أحسن ولا أوضح مثالاً بالشيخ رحمه اللّه ومآ ثره
وخصائصه من هذه العبارة الجامعة لهذا الحافظ فى حق حبر الأمة ، فلا ريب
أن شيخنا رحمه اللّه كان حبر الأمة وبحرها ، فكان عالماً بمنابت القصيص
جمع الله له شمل الفضائل والفواضل، ولقد صدق القائل :
أن يجمع العالم فى واحد
ليس على الله بمستنكر
نعم! لو لم تكن هذه النظائر بين أعيننا لما تيقنا ما أسلف لنا علمائنا الغابرون
فى حق السلف ، والآن بحمد الله كشف الغطاء عن أبصارنا فبصرنا اليوم
حديد ، نرى صدق جميع ذلك ، وثلجت بها صدورنا ويلم بها شعثنا ،
فيالها من أمة هذه الأعلام والأحبار فى آخرها ، فماذا يكون الظن بأولها ،
وهذا معنى قوله بحَ الجُ: ((مثل أمتى كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره )) رواه
الترمذى عن أنس رضى الله عنه، أو كما قال، فنظر ◌ٍَّ إلى مآثر هذه
الأمة وفضائلها فى آخرها فاستكثرها فأعجبته فتناسى فضائل أولها ، وكيف
لا يكون فضل باهر وشرف زاهر لعهد النبي ◌َّ وقد قال ◌َّ: ((خير
القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، فالسابقون السابقون أولئك.
(١) فى ص - ١١٦
٢
4
T
١
2

- ٣٣ -
المقربون)) فسبحان من أقام فى الأمة لخدمة كتابه ودينه والذب عن حريمه
وحماه رجالاً فى بدء هذه الأمة المختارة ونهايتها ظاهرين. على الحق ينشرون
العلم ويخدمون الإسلام ويصلحون ما أفسده الناس حتى يأتى أمر اللّه ، هذا
وكانت قد انعقدت حفلة تأبين عظيمة بالجامعة الإسلامية بعد وفاة الشيخ رحمه الله
تعزية ورثاء، وقد ألقى شيخنا محقق العصر مولانا العثمانى - طالت حياته (١) -
فيها خطبة باللغة الأردية مؤثرة بليغة ناجعة، فبكى وأبكى حتى ذرفت العيون ووجلت
القلوب، وقد قيل: ((عين عرفت فذرفت))، أريد أن أهدى للناظرين
طرفها وأزف إليهم عرائس أبكار الكلمات التى التقطتها من تلك المقالة الناجعة ،
فإنها كلمة كشفت عن وجوه مخدرات مآثر الشيخ لتام الشك والارتياب ،
بحيث يرتاح لها أولو البصائر والألباب ، فدونك كلمة جامعة ملخصة مترجمة
إلى العربية ترفل فى أذيالها وتبدو المشتاقين بحسنها وجمالها . قال أطال بقاؤه :
أيها السادة ! قد أرخيت اليوم على العلم والفضل سدول
الظلام ، إذ قد نزلت داهية عظيمة أصبحت أرباب الفضل والعلم
قاطبة بها يتامى ، ما أريد أن الطلبة وأصحاب التحصيل أصبحوا .
يتامى بل العلماء والشيوخ وأساتذة الطلبة أضيروا يتامى ، فقدوا من
يقوم بحل مشكلاتهم، بلية قد غشيت العالم الإسلامى بأسره ، لم يبق .
لنا اليوم من يحل لنا مشكلات القرآن وغوامض الحديث ، فإلى من
-رجع فى المعضلات، وممن نستطب سقامنا ، قد تزلزل اليوم أساس
العلم ، وانهد عمود الملة الإسلامية ، فهذه ثلمة لا يرجى سدادها .
رب مسائل معضلة قد أعوزنى دوائها فاستقريت لها أسفار القدماء
(١) وقد توفى رحمه اللّه قبل هذا الطبع الجديد فى سنة" ١٣٦٩ الهجرية" فرحمه
الله ورضى عنه وارضاه .
( نفحة العنبر م - ٥ )

- ٣٤ -
وتصفحت بها زبر كبار المحققين، فلم أفز بما يشفى غليل صدرى،
فراجعت حضرة الشيخ الأنور - أنار الله مرقده - فشفى صدرى
بكلمات مختصرة جامعة منقحة تطمئن به النفوس وتقر به الأعين
وتسكن إليه القلوب ، أو أرشدنى إلى زبر وأسفار يكون هنا
المحيص عنها ، فيكون الأمر كما يقول ، وهكذا كلما كان يسأل
عن دقائق المسائل ما بلغ الغاية دقتها ومما تعسر على الأذكياء
المتبحرين انفصامها ، يجيب عنها ارتجالاً من غير روية وإمعان
نظر ، كأن قد حل جميع هذه المشكلات من زمان مديد ،
وفرغ عنها مطمئن القلب ، فقد رزقه الله علماً وسيعاً أحاط بسائر
مشكلات العلوم من جميع جهاتها . اشتهر فى الناس أنه كان قوة
حافظته ومواظبته المطالعة ليلاً ونهاراً وتبحره فى العلوم فقيد المثل
وحيداً ، ولكن الذى هو أكبر مزاياه عندى أنه كان خبيراً
مطلعاً على أرواح العلوم وحقائقها ، وهذه هى غاية معارج العلم
ونهاية مدارجه . لو سألنى أحد : هل رأيت الحافظ ابن حجر
العسقلانى ؟ وهل لاقيت الحافظ تقى الدين ابن دقيق العيد ؟ أو
سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام رحمهم الله ؟ فلو أجبته
يقولى : نعم ، لكنت صادقاً تشبيهاً واستعارةً، ولا غرو ،
فإنه كان متصفاً بتلك المزايا التى امتازوا اليوم بها فى الأمة ، ولو
سمحت الأيام بوجوده فى تلك القرون المباركة لعد فى طبقتهم ،
ولكان مثلهم اليوم فى الأمة الحاضرة ، فأحس أن اليوم قد توفى
الحافظ ابن حجر ، والحافظ ابن دقيق العيد ، وسلطان العلماء ،
وأحرمنا من استفادة علومهم وبركاتهم اليوم .
ثم فوق ذلك ما جمع الله فيه من الورع والزهد والتواضع وحسن
٠
x
٣
٤

- ٣٥ -
الخلق شمائل كريمة قلما تجتمع فى عالم ، وإن اتصف بها أحد
واجتمعت فيه هذه الملكات والشمائل الحسنة فمن أين لنا وجه
كوجه الشيخ الأنور ؟ حيث تنبعث أشعته ويتهلل جبينه ، وتقر
العيون بمرآه ، وتنشرح الصدور بزورة محياه ، وكثيراً ما رأينا
فى الأسفار أن الناظرين فى الحفلات والمواعظ والمناظرات كما
كانوا يتحيرون من تلاطم علومه وسعة معلوماته كذلك يندهشون
9
من حسنه البارع وجماله المعجب،، بل الكفرة والمشركون كانوا
يتأثرون من نظرة إلى محياه . ولقد صدق القائل :
أن يجمع العالم فى واحد
ليس على الله بمستنكر
١٠
كان فى بدء عمره لا يتوجه كثيراً إلى حقائق التصوف، ولكن
غلب عليه فى آخر العمر الإنهاك والاستغراق فى بيان الحقائق
والمعارف ، حتى قد يصدع بحقائق عالية ومعارف مضنونة
تحير البصائر وألباب الفحول ، ثم فوق جميع ذلك مصابرته على
الشدائد ومكابدته فى المصائب ، وقد جربنا ذلك فى فتنة اختلافات
"دار العلوم الديوبندية" فتحيرنا لضبط نفسه وشدة صبره واستقامته
واستقلاله ، فاعتقدنا كمالاته بعد المسابرة والتجارب أزيد مما كنا
نعتقدها من قبل . وقد صدق القائل :
الصدر من يلقى الخطوب بصدره = وبصبره وبحمده و بشكره
1
انتهت كلمة الشيخ العلامة الحبر العثمانى دامت بركاته ملخصة وقد استوعبت
فنصعت وجمعت فأوعيت، وكشفت الحجب فصدعت ، ولا تلحقك غفلة
من أن هذه المقالة ليست من أحد تلامذة الشيخ رحمه الله ولا من مسترشديه
وأصحابه ، بل هذه مقالة من بلغ الغاية القصوى فى كمالاته وفضائله ، ومن
7

٢ سب ـ
- ٣٦ -
هو مساعمه فى شيخ ومعاصره ، فى عمر شجرتان من روض واحد ، سقيتا
بماء واحد (١)، فلله دره ثم لله دره ، كيف صدع بالحق وكشف بالصدق،
جزاه الله عنى أولاً ثم عن سائر المسلمين خير ما يجازى به عباده المحسنين ،
وسنذكر كلمته الجامعة الأخرى مما ذكره فى " فتح الملهم شرح الصحيح
المسلم" فى سياق آخر إن شاء اللّه تعالى .
الشيخ ودأبه فى المطالعة . » :
لم يكن دأبه فى المطالعة كأكثر علماء هذا العصر من أن يطالعوا الكتب
عند الافتقار إليها فى الفتوى أو التأليف أو التدريس ، فيراجعون فيما يحتاجون
إليها من ذلك الموضوع خاصة ، أو يتفقدون ما أرادوه من مظانه ، بل كان
دأبه فى المطالعة أنه كلما تيسر له كتاب ، مخطوطاً كان أو مطبوعاً ، سقماً كان
أو سليماً ، فى موضوع علمى، أى موضوع كان ، من أى مصنف كان ،
فيأخذه ويطالعه من أوله إلى الآخر بتمامه ، من غير أن يبقى شيئاً أو يذر ،
نعم كان حل جهده ومسعاه فى أن يطالع كتب المتقدمين ثم كتب أكابر
المحققين من القرون الوسطى . وقد حان أن ألقى على الناظرين نماذج من علومه
وتوغله فى المضائق .
الشيخ رحمه الله ومشكلات القرآن .
قد أومضت إلى دأب الشيخ رحمه اللّه فى المطالعة، وحاولت بحول الله
أن أبدى شيئاً من دأبه فى حل مشكلات القرآن وبيان المشكل منه ، ثم
إهداء نقحات مسكية من معدنه وفوحات شذية من حديقته الغناء لانتشاق
أرواح الناظرين، والله الموفق والمعين .
(١) اشارة الى تفاوت المراتب مع كون منبعهما واحداً مشياً على ما أراده الله
سبحانه فى تنزيله العزيز فى قوله: " يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض
فى الأكل" . منه .
1
ء
١
١٠
H

- ٣٧ -
وليعلم أن "القرآن المجيد" كلام الله، خضعت لعلومه ومعارفه أعناق عقلاء
العالم فى كل عصر من الأعصار ، وسحدت لآياتها جباه الفضلاء من أولى
الألباب والأفكار ، فأبصار العلماء قد قصرت دون معارفها ، وبصائر العرفاء
قد حسرت وراء عوارفها ، فإنه لعلو شأنه الأسمى فى الغاية القاصية التى
ليست ورائها غاية ، فأصبح عزيز المنال صعب المدارك وراء الإدراك ، وأعيان
من الأمة قد بذلوا جهودهم المثمرة وجدودهم المنجحة فى شرحه ما يتعلق
ببلاغته المعجزة ، وغريب اللغة ، وعلوم العربية ، والفقه ، والرواية ،
والأسرار التكوينية، والحقائق الإلهية، ما لا يكاد يحصر ويستقصى ، وأتوا
يبدائع وروائع ما يخرع العقول ويشده الفحول ، بيد أن الكلام كلام الله .
أين مقدور البشر من إيفاء حق كلام خالق القوى والقدر ، وقد قال
نبينا عَلّ: ((كتاب اللّه فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو
الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى فى
غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط
المستقيم ، وهو الذى لا زيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه
العلماء ، ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، وهو الذى لم تنته الجن
إذ سمعته حتى قالوا : "إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدى إلى الرشد فآمنا به"، من
قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدى
إلى صراط مستقيم)) رواه الترمذى فى " جامعه" من حديث الحارث
الأعور (١) . فانظر إلى هذا الوصف الجامع الذى خرج من مشكاة النبوة ،
فلم يترك رسول اللّه عَ لٍ شيئاً من وجوه محاسنه إلا وقد أشار إليه ، فالذى
هذا شأنه كيف تنقضى بدائعه وعلومه .
وكان شيخنا رحمه الله هذا إمام العصر، يقول: لا ريب أن حق القرآن
(١) كذا فى "جمع الفوائد" للفاضل المغربى.
=
مري

- ٣٨ -
ليس مما يقوم بإيفائه المخلوق ، ولكن مع هذا لم ينفذ، وأوسعهم فيه ما كان
أحق هو به وأهله .
وكان يقول : والأعنى فى تفسيره هو حل نظمه الجزيل بحيث يستغنى
عن تكلفات وتقديرات، ويبقى تعبيره المعجز على سذاجة فطرية، أو فى بالغرض
بما يقتضيه جزالة التنزيل وفخامة شأنه الجليل .
وكان يقول: حوار القرآن لم يجئ على سرد الجزئيات على نسق كتب
"الفتاوى أو تقسيمها على المواد والتعداد ، كما فى الكتب الجديدة من مؤلفات
العصر ، وإنما جاء على حوار العرب بعطف بعض على بعض ، فكثر
الاختلاف فى أن موضوع الآية الثانية مثلاً أهو موضوع الأولى ؟ أو أعم ؟
أو أخص ؟ أو متعلق به بتعلق آخر ؟ ولا يخفى أن الأمر المهم فيه هو هذا .
وكان يقول : ليس موضوع القرآن استيعاب التاريخ والوقائع كلها ،
فالإيجاز فى مقام والإطناب فى آخر ، والتقديم فى أجزاء الواقعة فى موضع
والتأخير فى آخر لحكم وأسرار ربما تقصر عنها الأفكار ، والتنزيل فى ذلك
خصائص دقيقة تحتاج إلى غور بعيد وتدبر طويل .
وكان يقول : إن مشكلات القرآن تربو على مشكلات الحديث ، بيد
أنى أتأسف على أنه لم تخدم الأمة "القرآن" مثل خدمة الحديث، وكان الاعتناء
به أهم منه بالحديث .
وكان يقول : إعجاز نظم القرآن أقطع عندى من طلوع ذكاء حين ذر
شارقها ، لا يتزعزع بتشكيك مشكك، وهذا لأن الذكاء ينجلى قرصها
للأبصار قبيل شروقها من الأفق الحقيقى بعدة دقائق ، كما حققه أهل الفلسفة
الجديدة ، فيحتمل أن الذكاء لم تطلع عند شروقها ، غير أن القرآن لا يحتمل
لدى شيئاً مما يأبى عن إعجازه .
وكان يقول : إعجاز القرآن عندى يحوى إعجاز تراكيبه وأساليبه فى
٨
:
٣
ญ่
ء
٢٨
1

- ٣٩ -
إيجازه وإطنابه ودلالته على المغزى وافتنانه على وجوه شتى ، ليس فيه للشبهة
مساغ ولا للريبة مجال ، فإعجاز القرآن عندى يقين لا يدوره شك ، وثلج
صدر لا يشوبه ريبة ، " وليست وراء عبادان قرية"، بل اللفظ المفرد الذى
نزل به القرآن لو اجتمع الثقلان وتظاهر عليه أهل الأكوان بأنّ يأتوا بالأوفى
منه فى موضعه لعجزوا وخابوا .
وأن القرآن ربما يكشف الحقائق الغامضة بتغيرات مفردة يتحيرلها أولو
الأذواق السليمة العالية (١):
إذا ذاقها من ذاقها يتمطق
فيجل شأنه الجليل من أن يكون فيه حرف زائد أو تقديم وتأخير من
غير رعاية نكات دقيقة تدق عن الافهام ، فحاشاه ثم حاشاه عن ركاكة لفظ
أو زيادة حرف ، وحقاً ما يقول الشيخ رحمه الله: فإنه كان من البلاغة بمنزلة
علياء شامخة، تشخص دونها الأبصار والبصائر ، فكانت البلاغة خلطت بلحمه
2
(١) وكان يقول: نظم القرآن العزيز لا يستوفى الالفاظ لمحض العبارة والتعبير بعد ما
فهم المقام والمصداق . وقال فى "تحية" الاسلام" ص - ٣٩: ومن رزقه
الله ذوقاً فى القرآن وحظاً فى العربية" يعلم انه ليس يجرى على الحوار العامى
بل له طريقة تميزة فى انتقاء الالفاظ، واللحظ فيها الى اصل وضعها ورعايه"
حقائق ما وضع لها ، ولذا يتعذر وضع لفظ فيه بدل لفظ ، وذلك للجهل
بحقائق الاشياء وما يفى بحق المقام اهـ. وكان يقول : التكرار فى القرآن
انما يكون بقدر مشترك وبقدر مغاير، وقلما يكون مكرراً محضاً، ولو لم يكثر
الاول لما سهل تفسير بعضه ببعض ولا توفير مآخذ الاحكام والفوائد، اربد
به انه يؤخذ من لفظ حكم ومن لفظ آخر آخر فى موضوع مشترك فيصير
كمتن صرف، ويؤخذ من التكرار الاعتناء والاهتمام بشان ذلك المضمون
كما يقال : ذكرت الصلاة ازيد من تسع مائة" مرة . وكان يقول : ويدل
القرآن العزيز بما لا يرتبط بعضه ببعض علماً وهو ان الامور التى قصر
علمنا عن ابداء المناسبة" فيها بينها ارتباطات وعلائق لا يحيط بعلمها الاعلام
العيوب ، ونظيره الادون قصورنا عن فهم مناسبات بين احكام الفقه، وان
بينها سلسلة" ويفهمها المجتهد الفقيه ، فهى عندنا جزئيات منتشرة وعنده
منضبطة" تحت اصل . منه .

- ٤٠ -
ودمه ، وأضحت له صفة نفسانية سرت فى عروقه حتى أصبحت غذاء
لروحه السامى .
وكان يقول : قد أودع الله فى طبيعتى معياراً لمعرفة البلاغة، فلا أقلد
فيها أحداً، وربما إذا حكى قولهم: "لم يدر إعجاز القرآن إلا الأعرجان "
عقبه بقوله: "وأنا ثالثها"، وربما قرنه بسجعة: أحدهما من زمخشر والآخر
من جرجان (١) .
ثم اعلم أن الشيخ رحمه اللّه كان يثنى كثيراً على "نظم الدرر فى تناسب
الآى والسور " للشيخ إبراهيم بن عمر البقاعى الشافعى، من أرشد تلامذة
الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر العسقلانى، وكان يرشدنا إلى مزاياه البارعة،
وينوه بشأنه ويقول : لا يوازى خدمته للقرآن فما أرى خدمة غيره له ، وهو
فى ذلك سباق غايات وصاحب آيات بينات ، وكذا كان يثنى على "كشف
الأسرار" لبعض أفاضل المعتزلة ( وكلاهما غير مطبوعين).
وكان يثنى على " مفاتيح الغيب" أى " التفسير الكبير" للإمام فخر
الدين خطيب الرى ، ويقول (٢): إن الإمام يغوص فى علوم القرآن
ومشكلاته ، لم أر مشكلاً من معضلاته إلا والإمام تنبه له، غير أنه ربما
لا يظفر بما تقنع به النفوس الصادية وتنشرح به الصدور الصافية . فهكذا
كان الشيخ رحمه الله ينبهنا على تلك التحقيقات المتينة والتدقيقات الرصينة.
سألته عما قيل فى تفسير الإمام : " فيه كل شئ إلا التفسير " كما حكاه الشيخ
جلال الدين السيوطى فى " إتقانه " ؟ فقال : لعله قول من غلب عليه الرواية،
كان يريد رحمه اللّه كأنه قول محدث همه استطراد الروايات من الأخبار
والآثار فقط ، من غير ملاحظة إلى سائر مزايا التنزيل العزيز. ولفظه
بالأردية: ((كسى راوى مزاج شخص كا قول هوكا)). وبلغنى أنه قال مرة:
(١) قد جاء هذا البيان بابسط من هذا فى مقدمتى المشكلات القرآن": "يقيمه"
البيان" فلتراجع منه . منه .
(٢) ومن لفظه بالهندية": "قرآن كے مشكلات بين كهبتاث". منه.
١
ے
١
=
٨ ٢
،'
2

٤
٢
- ٤١ -
ذلك القول ظلم فى حق الإمام ، هذا ، فلعلكِ دريت من هذا التفصيل شدة
عناية الشيخ رحمه الله بمشكلات التنزيل العزيز والغوص فى حقائقه الفائقة
ومزاياه الرائقة ، فهكذا صرف برهة من عمره فى حل مشكلاته .
وكان يتلو القرآن فى رمضان بغاية تدبر ، فكان يمضى يوماً قيطاً من
بعد صلاة الفجر إلى الأصيل فى جزء واحد ، وربما كان يتوقف فى آية عدة
ساعات يمرى اخلاف فكره ، وربما كان يبقى سنين فى التأمل فى بعض
المشكلات حتى يبلغ إلى درك البحر فيخرج اللآلى المكنونة ، وكان من
شريف دأبه إذا عن له مشكل من مشكلاته يتوخى لحله أسفار أعيان من
الأمة الذين لهم عناية قوية بأمثال هذه العويصات ، فإن فاز بشئ أحال عليه
فى مذكرته ، وإلا فكان يطيل الفكر ويرسل النظر ويبعد الغور والتأمل ،
فإذا سنح له سائح أو بدا بارح قيده، فاجتمعت فى "مذكرته الخاصة بالقرآن"
مادة جمة غزيرة . ولم أحاول ههنا استقصاء الكلام واستيفاء الجهد واسترسال
القلم ، بل أردت أن آتى بشذرات من صريفها ، تمثيلاً لما أسلفته ، ودليلاً
لما ألقيته . وقد عزم "المجلس العلمى" القائم بـ "دابيل" أن يخرج للأمة هذا
العلق النفيس والمضنون الغالى ، بعد أن يقاسى العناء ويبلغ العنت فى ترتيبه
وجمع حوالاته الغزيرة ، بيد أن ذلك أمر خطير يحتاج إلى سعة المدة، فترتقب
متى يسطع هذا البدر اللامع على جبين العلم فى دياجر الهند (١) .
والآن أريد أن أذكر ههنا مثالين من ذخيرة مذكرته بلفظه على الهيئة
الموجودة فى مذكرته ، ليكون للناظر حجة وبرهاناً على ما ذكرته ، وإنما
(١) والحمد لله قد ظهر ذلك العلق النفيس وسمى بـ "بشكلات القرآن"، ولى
عليه مقدمة" مبسوطة" فى نصف حجم "نفحة" العنبر"، ولكن بالاسف فقدت
نسخه ويحتاج الى اعادة الطبع . منه .
( نفحة العنبر م - ٦ )

- ٤٢ -
اقتنعت بالمثالين منها فقط، ثم ما كان فيها مختصراً اختصاراً للبحث . والله
الموفق والمعين .
١- قوله تعالى: ((وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين))
هو بالنصب ، عطف على المغسولات ، بتقدير فعل يصل إليه، "
أو باختيار التضمين، كما خرجوا عليه آيات ، وأسلوب القرآن .
عليه كثير بالإحالة على الفهم فى تقدير ما يصدق فى المقام ويرتبط
به الكلام، لا استيعاب ما لا يحتاج إليه لمحضر تصحيح الإطلاق .
وإن كان بالجر فالمسح هو الإفضاء بالماء إلى المحل ويصدق
على الغسل ، وليس ههنا اشتراك لفظى بل معنوى يعين جزئياته
خصوصية المحال ، كالنضح للبحر بموج بالنسبة إليه ، وللبعير
وللثوب مثلاً ، ومنه النقل عن أبى زيد الأنصارى: "تمسحنا"،
أى توضأنا، وقول العرب: "مسح الأرض المطر". والباء
للإبماء إلى الماء ، كما فى "فتح البارى" عن " القرطبى".
وأما إمرار اليد المبتلة فعرف حادث بعد ما تعورف المسح على
الرأس والخفين ، وإنما عبر بالمسح ليدل على أن هذا القدر لابد
منه ، وإنه أقل ما يجب فى وظيفة الرجلين ، وليبقى مادة لمسحهما
فى بعض الحالات، وهو حال التخفف والوضوء على غير حدث
للقيام إلى الصلاة، وكان حَ تٍّ يتوضأ لكل صلاة ، فلذا لم يقيد
الآية بالحدث ليبقى مادة له ، وهو قول على رضى الله عنه عند
الطحاوى وغيره : (( وهذا وضوء من لم يحدث)) ، وأصله عند
"البخارى" (١) - من الأشربة من باب الشرب قائماً - فقسم
الأربعة إلى مغسولين وممسوحين، وهذان سقطا فى التيمم . وفى
(١) ص = ٠٩٣٤
٨٠
L
۔
ہے
،
م
٠۶

۔۔۔
.٢
- ٤٣ -
وضوء بين وضوئين فى لفظ عند "مسلم" (١) فى صلاة الليل عن
ابن عباس رضى الله عنه، وفى لفظ: ((ثم غسل وجهه ويديه ثم
نام)» ، فحسن جمع الرجلين مع الرأس فى العنوان ليبقى مادة هذه
الصور ، فوظيفة الرجلين الغسل، ولهذا غياه بقوله: "إلى الكعبين"،
ولا يرتبط بالمسح أصلاً، لكن عبر عنه بالمسح ، وهذا العنوان
أثر وظهر فى صور، لا أن المراد فى قراءة الجر هو حالة التخفف
إبتداءً ، نعم لو لم تكن هذه القراءة وكان صرح بلفظ "الغسل"
كان فيه توهم إن لم تبق للمسح صورة ، ثم لو جاءت الأحاديث
بعد التصريح به فى الآية بالمسح كانت معارضة وجرى تشاجر ، فأبقى
بالعنوان مادة له وعدة وإيماء يظهر فى محله، وهذا أسلوب معجز .
والحاصل أنه لو لا هذه القراءة لم يذهبوا إلى المسح فى
بعض الصور أيضاً ، كما لو لم يكن قوله تعالى: (( وعلى الذين
يطيقونه فدية طعام مسكين)) - وإن كان منسوخاً - لم يذهبوا إلى
الفدية فى بعض الصور، فإبقاءه ولو منسوخاً يفيد ويظهر فيها،
فما من منسوخ إلا وفى إبقاءه فى التلاوة فوائد. ثم إن فريضة
غسل الرجلين كان قبل نزول الآية بنحو ثمانية عشر سنة، فأتت
بالإيماء إلى صور ، وقد تردد بعض السلف بعد نزولها فى المسح
على الخفين حتى بلغهم الأمر فلم يفهموا غير الغسل ، وأخذوا
المسح من الأحاديث (١). هذا ويجوز على تقدير الجر إضمار فعل
مناسب أو اعتبار التضمين أيضاً ، وقيل : النصب على المعية ،
وتكون أمراً واحداً معتبراً بين اثنين فى القيام أو الوقوع لا أمرين .
# نرمى جميعاً ونرامى معا
وکنت ویحی کیدی واحد
(موارد)
(٢) ص = ٥٦ خ
(١) ص = ٦٢٠
ے

- ٤٤ -
ومنه: "جاء محمد والخميس" و"جاء البرد والجبات" و" استوى
الماء والخشبة" و "لو تركت الناقة وفصيلتها""لوخلى وطبعه" و"مالك
وزيداً" و"لو خلى وشأنه"، مما اعتبر فيه المجموع من حيث
المجموع لا الجميع. ولعله منه: ((إن أراد أن يهلك المسيح"
عيسى بن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعاً)) وجميعاً بمعنى معاً.
(فأجمعوا أمركم وشركاءكم)) (١). (يا جبال أوبى معه والطير)) (٢).
كأنه على مسألة القدوة عندنا بالجواب بعده ، ونحوه من سورة
"ص". ولعله منه: ((فذرهم و ما يفترون ))، ( ذرنی و مں
خلقت وحيداً))، ((فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث)) و((ذرنى
والمكذبين)). ولعل من هذا الباب: إياك والأسد ، نحو ما فى
"جمع الجوامع"، شأنك والحج، إغراءً وتحذيراً، ولم يسند الإستواء
إلى الخشبة والطريق والنيل لكونها من قبل كذلك فنصب ..
وبالجملة هو فى النصب على المفعول معه ، وفى الجر أيضاً على
المعية لا التشريك فاعلمه، وتكون فى عطف المفردات أيضاً كما فى واو
الصرف والمعية كما فى: "ولما بلغ معه السعى" وكما فى "أسلمت مع
محمد". ثم رأيت سيبويه صرح به (٣). فتدل على أنها قرينان
تثبتان معاً وتسقطان كذلك ، وقد ظهر هذا الاعتبار فى حديث:
: ((يكفيك الوجه والكفان)) عند البخارى وغيره . ولعل الجر
على الجوار لمثل هذه النكتة، لا مجرد توجيه إعراب، بل على حد:
"أنت أعلم ومالك"، بالرفع، نحو مالك وزيداً، من حذف الخبر
فى "المغنى" وبحث الواو، و"العمدة" من إيجاب التكبير وافتتاح
(١) !"البحر،" ص = ١٧٩ ج - ٥
(٣) فى صفحة" ١٥١ و ١٣٨
(٢) "البحر،، ص - ٢٦٣ ج - ٧

هے
يم
- ٤٥ -
الصلاة، والقسطلانى. وراجع "الفوائح"(١) و"تنوير الحوالك" (٢)
مرفوعاً من كتاب عمرو بن حزم. و"المسند" (٣). وإنما اختار
لفظ "المسح" لأن الغسل على صرافة معناه ، وقد كان معمولاً
عندهم فى الوجه واليدين من قبل ، وليس تعبدياً بخلاف الرأس
والرجلين، فإنهما تعيديان ، فيناسب هناك لفظ يقرب الإصطلاح
كالوضوء، فيقال: تمسح بالماء اغتسل ، والصلاة توضأ . قال
أبوزيد: المسح فى كلام العرب يكون مسحاً ، وهو إصابة الماء،
ويكون غسلاً ، يقال : مسحت يدى بالماء إذا غسلتها ، فهو
كالألفاظ الشرعية المصطلحة عليها ، لأنه لم يكن مسح الرأس
وغسل الرجلين معمولاً عندهم، ولا يقال أن الإعتبار لمناط الحكم
لا لصورة اللفظ كما فى "التحرير" (٤)، لأنه قد يكون خلاف
ذلك كما فى "المسلم" (٥) وهو فى "التحرير" (٦). والغسل باب
واحد، والمسح يخرج على وجوه من إزالة الأثر ( والتبريك كما
فى ((فسبح باسم ربك العظيم))، (اجعلوها فى ركوعكم)) مع أن الأسماء
الحسنى كثيرة ، ذكره فى " نيل الأوطار"، وكاختيار صاحب
"الهداية"، أستعيذ بالله، ويراجع "المسند" (٧)، وهو توسع
وإختصار) "على وجه مى مسحة من ملاحة"، راجع "المستصفى" (٨)
ولابد وذلك كلفظ الصلاة، وفى "الفتح" من الوتر: واستحباب
غسل الوجه واليدين لمن أراد النوم وهو محدث ، ولعله المراد
بالوضوء لجنب (٩).
(١) ص = ٣٨٥ ج - ١
(٣) ٢٢٣ و ٣٦٦ ج - ١
(٢) ص = ٢٠٤
(٤) ص = ٢٢٥ ج - ٣
(٥) ص - ٢١٨ و ٢٢٧ ج = ١
(٦) ص = ٢٢٠ ج - ١
. (٧) ص = ٧٨ ج - ١ (٨) ص - ٣٣١ ج - ١
(٩) ص - ٣٣١ ج - ٣
٧١
٠١
٠

- ٤٦ -
٢- قوله تعالى: ((قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم
صادقين)). وهو نحو قوله تعالى فى "المائدة": ((قل يا أهل
الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ،
وما أنزل إليكم من ربكم))، ونحوه لا يرد على من قال: أن .
التحريف قد وقع فى كتب العهد القديم والجديد ، لأن القرآن
العزيز مهيمن على الكتب السابقة ، فما صدقه منها كالنبوات
وأحكام الجنايات وغير ذلك فهو صادق ، وما كذبه منها كقولهم :
عزير ابن الله، والمسيح ابن الله فهو كاذب، وما سكت عنه
نسكت عنه ، وكذا علمنا فى الحديث . ثم لو قال تعالى : إيتوا
بالحصة الفلانية من "التوراة" لكان تطويلاً بلا طائل ولم يكن نافعاً
فى الإلزام ، إذ كانوا يقولون: يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ،
ولو أعلن أنا لا نسميه "توراة" لمكان التحريف فيه لا نسحب على
كلها وهو خلاف الواقع ، فكان الأنفع الأخصر أن يلزموا بما
كان صحيحاً من تلك الكتب ، ويكذبوا فيما حرفوا منها لا ترك
أسمائها. وراجع "ذيل الفارق"(١) و" الفتح" (٢) و " هداية
الحيارى " (٣) من هامش " الذيل". والحاصل أن المراد:
فأتوا بالتوراة من هذا المقام . وقال قبله فى " المائدة " أيضاً :
(( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديد من
الكتاب ومهيمناً عليه)) ، ولعله لهذا جمعهما البخارى فى التفسير
وفى ما نحن فيه ولا يريد جميعها ، واسمها يطلق على الكل والجزء
كاسم القرآن فاعلمه . والواقع أنها إسم لكتاب الله الحق من
جانبه لا للصحيفة الموجودة فى أيديهم ، فكل موضع كان منها
(١) ص = ٤١ ج - ٢٨ (٢) ص - ٤٣٦ ج - ١٣ (٣) ص - ٤ و ١٠
"
#. .
?
2
ve
ء

3
=
- ٤٧ -
حقاً استشهد به ، وما كان مدسوساً كشف حاله ، أو الكتاب
نوع من علمه وكلامه تعالى لا الصحيفة ، كما ذكر فى قوله
تعالى: ((وقضينا إلى بنى إسرائيل فى الكتاب)) أو المراد
أحكامها بعضها ، كما ذكره فى مقدمة " الحقانى". والوجه فى
تعظيم "التوراة" حين أتى بها كالوجه فى طواف عمرة القضاء
مع كون الصور فيه ، وكتعظيم كتاب من الفنون الباطلة فيه
آيات من القرآن ، لا كما زعمه صاحب "أنوار أحمدى" وعلى
هذا فمن استدل على اطلاق الإبن بالكتب السابقة فقد ألحد .
وراجع "الفتح" (١) و"الرسالة الأولى" من رسائل الحافظ
ابن تيمية (٢)، وراجع " الفتوحات" (٣) و"اليواقيت" (٤)
و "روح المعانى "(٥).
هذا ، وياليت شعرى بمن يقدر فى سويداء قلبه هذه المكابدة البالغة
والتفقد الأقصى ، والتصفح الذى ينتهى إليه مقدرة البشر ويستوقف لديه مطايا
الفكر ، فهل فى النادية من يقع ذلك فى قلبه موقعاً عظيماً ؟ وهل من مقسط
يحكم بالعدل ؟ فكم من ليال بات فيها مسهداً لمشاهدة دقاق الكواكب من سماء
التحقيق ! وكم من ساعات أصبح فيها مضطرباً متململاً لحل هذه العقد،
واستقادة هذه الشوارد القاصية ، بتدقيق أنيق وحدس مصيب ! فمن لى بقلب
ذكى حساس أحاطت به أضلاع حنية فيحس أنه كيف استخرجها من
مدافنها ؟ وكيف أثارها من أماكنها ؟ وكيف نسقها ونضدها ؟ وأرجع كل
شبه إلى موقعه الملائم ، فيا لمجهود بشرى استغرق فى بحار كلام اللّه جل شأنه
وعظم برهانه ، فجزاه الله عنا وعن سائر المستفيدين خير ما يجازى عباده
(١) ص-٣٧٦ ج - ٣ (٢) ص- ٨٠ (٣) ص- ٤٦١ ج- ٣ (٤) ص - ١٠٥
(٥) ص = ٦١٥ ج - ١
ء

- ٤٨ _
المحسنين ، وصلى الله تعالى على خاتم النبيين وصفوة الخلائق سيدنا محمد وآله
وصحبه أجمعين .
الشيخ والحديث .
م
+
طالع رحمه الله من الحديث وما يلحق به ما تيسر له من كتب متون الحديث
بعد الصحاح الستة من: " مسند الدارمى" و"مسند أحمد" و" منتقى ابن
الجارود" و"مستدرك الحاكم" و" سنن الدار قطنى" و"مصنف ابن أبى شيبة"
و " مجمع الزوائد" لحافظ نور الدين الهيثمى و " جامع الصغير" السيوطى
" وكنز العمال " للشيخ العارف المحدث حسام الدين على المتفى ، وما قدر له
الله مطالعته من كتب الحديث من المطبوعات والمخطوطات فى زوايا الهند
وديار الحرمين مالا يعلمه إلا الله .
علا أنى لم أرد الإحصاء والحصر ، ولو أريد حصر جميع ما وصل علمى
إليه من سماعى عن الشيخ صراحة أو إشارة ، أو ثبت عندى من إلقائه
وإملائه فى الدروس ، أو الحوالة عليه فى رسائله ومؤلفاته لضاق بنا النطاق ،
وإنما أردنا إبراز جمل وقطع منتشرة تنظيراً وتمثيلاً ، ليكون المشتاقين
الغافلين عن هديه وهداه هدايةً وبرهاناً ودليلاً .
وطالع من شروح الحديث ما يربو عددها على مئين . وقد طالع مما
يتعلق بـ "الصحيح" للإمام البخارى فقط نحو ثلاثين شرحاً بين كبير ذى
أجزاء ضخيمة وبين صغير وبين ناقص وكامل ومطبوع ومخطوط ، وفيها مثل
"فتح البارى" فى ثلاثة عشر جزءً، وجزء من مقدمته، و"عمدة القارى"
للحافظ العينى فى أحد عشر جزءً، و"إرشاد السارى" القسطلانى فى عشرة
أجزاء . وكان طالع " العمدة" فى شهر رمضان من العام الذى أراد قراءة
"الصحيح " على شيخه من شهر الشوال بـ "ديوبند". ثم كان يطالع مع
٠٢
0

2
2
- ٤٩ -
درس الصحيح فى عهد تعلمه " فتح البارى " درساً درساً ، وكانت مطالعته
تجرى مع الصحيح سواء بسواء ، بل قد كان يسبق مطالعة " الفتح" على
درس الصحيح بكثير ، وسمعت من الشيخ رحمه الله نفسه: أنى مرضت فى تلك
الأيام سبعة عشر يوماً ولكن لما حضرت فى الدرس رأيت أنه لم يصل الدرس
إلى موضع بلغت إليه مطالعتى . وكان طالع "الصحيح " للإمام البخارى
ثلاث عشرة مرة متنه من غير أن يلاحظ ما بين السطور وما فى الهوامش،
فكان يطلع كل مرة على علوم وحقائق لم تخطر بباله فى المرة السابقة ، وكان
يحسب كل مرة أن نفدت دقائقه ومزاياه ، وكانت ما لها من نفاد، حتى عجز
عن استنباط حقائقه محصاة محصورة ، إذ كان بحيث تفتح عليه كل مرة
أبواب علم ومعرفة ما لم تفتح سابقاً ، كان يقول رحمه الله : فكأنه (أى
" صحيح البخارى ") كانت عيناً ثرثارة من المعارف والعلوم تنبع منها ساعة
فساعة، فتركته إذ أييست عن نفادها ، فسبحان الله ذى الآلاء يعطى ما
يشاء لمن يشاء ، فجرى المذكيات غلاء ، وقطعت جهيرة قول كل خطيب .
ولله در القائل :
جناته
لا تحسب المجد تمراً أنت تأكله * لن تلعق المجد حتى تلعق الصبرا
وكان يثنى كثيراً على " شرح الحافظ ابن حجر" ويفضله على سائر
الشروح على "الصحيح " للحفاظ المتقنين من الحنفية والشافعية، وكان يقول
له : حافظ الدنيا ، وهذا اللفظ اشتهر اليوم بألسنة الطلبة والمدرسين ، وكان
تعجبه سعة اطلاعه ، ثم تناسق كلماته ونظام تحريره واتقان صناعته ، ومع سعة
اطلاعه وتبحره المحير للأنظار يتعقب عليه بأمور لا تحصر مما يتعلق بالرواية،
ويستدرك عليه أشياء نفيسة فى أكثر المباحث ، ثم قد يتعجب من ذهوله
( نفحة العنبر م - ٧ )

- ٥٠ -
وغفلته فى بعض المواضع ، وربما يقول : ههنا شئ كذا وكذا لم يذكره
الحافظ فى "الفتح"، وتنبه له فى " التلخيص الحبير" فقال كذا وكذا ،
أو يقول : تنبه له فى "تهذيب التهذيب" فى ترجمة فلان. وهكذا كان
صنيعه فى الدرس والتأليف ما تحار له العقول والأفهام ، ولكن كان يشكو
ويشتكى منه صنيعه فى اعتصام مذهبه فى كل صحيح وخطأ ، والتزام إحقاق
رأى الشافعية فى كل مقام ، وكان يستنكره من جلالة قدره ونباحة أمره ،
وهذا مع أنه ينكر فى مواضع على الحافظ البدر العينى بأنه لم يصب فى الرد
على الحافظ، حتى إنه رأى فى المنام فيما يراه النائم الحافظ البدر العينى فشكا إليه
صنيعه مع الحافظ ابن حجر وقال : لم تنتفع الأمة بصنيعك هذا مع الحافظ .
ولفظه :
2ے
م
« آپ کے اس طرز سے است كوكچه نفع نهين يهنجا".
فأجابه الشيخ العينى بأن سل عن الحافظ (ابن حجر) أولاً : لماذا
اختار صنيعه ذلك ؟ يعنى أنا الدافع وهو البادى ، فقال الشيخ : فسكت
إذن، وكان يجيب الحافظ فى المواضع التى لم يقدر الشيخ العينى على الجواب،
أو لم يوف حق الإيفاء ؟ وكان يقول: الحنفى لا يستغنى عن "العمدة". وكان
يقول : إنه يأتى بغرر النقول من كتب القدماء ما تقر به الأعين . وكان
يقول : إن المجلدات الأول تحتوى على علوم وحقائق ومزايا لا توجد فى أى
شرح . وكان يقول : لم يقدر عالم على أن يأتى من عنده بشئ جيد نفيس،
فليأت بنقول من كتب أعيان الأمة مثل ما يفعله البدر العينى .
بـ
5