Indexed OCR Text

Pages 21-40

٠
- ١١ -
حجر زهرة الحياة الدنيا وبهجة نعيمها الزائل وعزم الهجرة عن أسرته ومنشأه
ومنماه إلى الحرم النبوى على صاحبه صلوات طيبة وتحيات مباركة ، ولله در
القائل :
٠
طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
إن لله عباداً فطنا
أنها ليست لحى وطنا
نظروا فيها فلما علموا
صالح الأعمال فيها سفنا
جعلوها لجة واتخذوا
٨
إقامته بـ "دار العلوم الديو بندية" وتوظيف التدريس بها .
فبلغ إلى "ديوبند" يريد زيارة شيخه الشيخ العالم مولانا محمود الحسن
قدس سره ووداعه ، فأخبره بما يريد من الهجرة إلى الحرمين - زادهما الله
تشريفاً وتعظماً - وكان شيخه رحمه الله تفرس فيه آثار النجابة الباهرة ،
وآنس منه مخائل الكرامة من قبل ، وسابر علمه وفضله وتقواه وورعه ،
وشاهد ما فطر عليه من الأخلاق الفاضلة والمناقب العالية ، من حسن صورته
وسيرته ، ونقاء طويته وسريرته ، ورأى أن معالم الحديث على وهى كاد أن
ينقض منارها ، وأن مراسم العلوم الدينية على خفاء عسى أن تعفو آثارها،
وأنه لم يبق اليوم من حقائق العلوم الإسلامية وروح المعارف الشرعية إلا نقعها
ومثارها ، فلو لم يقم باعباء هذا الأمر الجليل ضليع عسى أن يحكم عليها
بالزوال والدثور ، وأن الفائت لا يستدرك ، وأنى يؤوب القارظ الغنزى ،
وكيف يرد الدر فى الضرع ؟ فلا جرم أن يؤخذ الأمر بقوابله ، فهكذا قشر
له العصا وأبصر أن الشيخ ممن يرتجى منه أن ينجبر منه الكسر وتنسد به
الثلمة ، ويقوم به هذا الأود ، نعم ! وفى بعض القلوب عيون ، وأحس أن
أهل الهند أحوج إليه من غيرهم ، فأمل وجوده المبارك لخدمة الدين ومصائب
المسلمين ، فتكلم معه فى دواعى الإقامة بديوبند ومصالح فسخ العزيمة ،

..-
- ١٢ -
ورغبه فى ذلك حتى أبرم عليه الأمر ، وكان رحمه اللّه لا يجتاز من أمره أدباً
واحتراماً ، فألقى الشيخ عصاه واستقر بالإقامة رأيه ، وكان شيخه رحمه الله
يدرس فى تلك الأيام " صحيح الإمام البخارى" و"سنن الإمام أبى داؤد
السجستانى " و" الجامع للترمذى " من الصحاح الستة ، وفوض إلیه درس
الكتب الثلاثة الباقية من الستة من " صحيح مسلم " و " سنن النسائي" و" سنن
ابن ماجه " فكانت هذه فاتحة درسه بدار العلوم الديوبندية إلى أن عزم شيخه
الرحلة إلى الحرمين . وكان من أمره ما كان ، فاستخلفه على مقامه ، وجعله
شيخ الحديث وصدر المدرسين بها ، فودع الأمانة أهلها ، وأعطى القوس
باريها ، فبقى أعواماً مكباً على مطالعة الكتب ، سابحاً فى بحارها ، متنزهاً فى
رياضها بورع وتقوى وقناعة وزهد ، مؤثراً للخمول فى الناس ، ومستنكفاً
عن نباهة الدنيا و وجاهتها ، فاستأنس بمرابع التوحيد والتفريد فى عزلة
وتجريد ، فكان ربه تبارك وتعالى أنيسه ، والكتاب سميره وجليسه ، وكان
كما قيل :
٧
١٠
ألقى الصحيفة كثی يخفف رحله
داعية تأهله بديوبند .
والزاد حتى نعله ألقاها
ثم إنه لم يكن أهل دار العلوم على ثقة بإقامته ، وحاذروا منه أن يهاجر
هذه المشغلة ، وعسى أن يقبل إلى ما أدبر إليه اليوم من الهجرة إلى الأرض
المقدسة من الحجاز ، فخطب له حضرة ناظم الجامعة الديوبندية ومديرها
خطبة فى بيئة شرف وفضل من بيت السيادة الفاطمية ، ليكون سداً دون
عزائمه وشعباً لصدع الخطرة التى كانوا يحسونها ، فزوجوه بعد ما انقضت
برهة وجعلوه صاحب أهل وعيال ، بل صاحب شكال وعقال (١).
نعم: ع بذا قضت الأيام ما بين أهلها مصائب قوم عند قوم فوائد
(١) قد اصر على الشيخ رحمه اللّه مراراً قبله للتزويج ولم يرض به .
٨١٥
م)
الصحي

- ١٣ -
فهكذا غلب القدروحان القضاء رجف القلم بما هو كائن ، فقضى فيها ثلث
عمره ، والثلث كثير ، فجرت من قلبه وفيه ينابيع الحكمة ومناهل العلم
والمعرفة ، حتى استفاد منها رجال من الأفاضل وأماثل العصر ، وتضلع من
لا يحصى عدداً من الأصاغر والأكابر ، وتمتعوا بما وصل إليه كابراً عن كابر،
وتخرج عليه فى تلك البرهة نحو ألفى خريج ونيف ممن قرأ عليه أسفار الحديث .
وبالجملة خدم الحديث والسنة ، وبث الجواهر والدرر بها ، وذب عن حوزة
الملة الإسلامية ، ودافع عن حريم الديانة ، وسل فى عهد إقامته بديوبند
صارمه العضب لكمع عروق الثلة الباغية الطائفة المرزائية القاديانية (١) بلاغاً
وإرشاداً ودرساً وتأليفاً ، واستحث الهمم المتوانية ، وحرض الجهود المتقاعدة
من العلماء والطلبة وعامة الأمة المسلمة إلى مقاومة هذه الفئة الضالة المضلة ،
ومكامعة هذه الكارثة الدهياء والبلية العمياء حتى أيقظ الرقود ونبه الغفلة من
أصحاب الجرائد والمجلات بمكائد هذه الحادثة الفظيعة ودسائسها ، وسأعود إلى
إيضاح هذه الأثرة الجليلة التى بها له منة عظيمة على رقاب الأمة المحمدية
ما لا ينسى على تقادم الأزمان وتمادى الأعصار ، وكيف لا ؟ وقد عصم
الدين عن فتنة عظيمة ، وداهية مفظعة ، وحمى حماه عن رزء مجحف وطامة
كبرى ، والله المستعان فى سائر طوارق الحدثان .
رحيله من دار العلوم الديوبندية ،
ووصوله إلى الجامعة الإسلامية السورتية .
ثم نشأ نوع تشاجر فى ساحة دار العلوم الديوبندية ، وأصبح سبباً لأمور
رأينا تركها أولى حذار أن يفرط القلم أو أن يطغى فنزل قدم بعد ثبوتها ،
وصيانةً لعجالتنا هذه عن صمات وكس أوشطط فيتخذها الناس مهجورة
(١) طائفة" تعتزى الى زعيمها الدجال الكبير المرزا غلام احمد القاديانى وستشعر بعجرها
وبجرها فيما سيلقى ان شاء الله تعالى.

- ١٤ -
ولم يكد أن يأمن الملهوف فى إظهار شكاته عن شطط أو فرط ، كيف ؟
وقد قيل: ((إذا قرح الجنان بكت العينان))، ((وإنما الأعمال بالنيات))، والقلوب
عنا محجوبة ، فنكل إلى اللّه ذوات الصدور . وقد قال عز من قائل: ((ألا
إلى الله تصير الأمور)). علا أن القلب لا يحتمل ذكر تلك الملمات التى نزلت
بساحتها ، فإنها فجعت قلوباً وأكباداً ، بيد أن على ذلك تدور رحى الأيام،
وتجول دون قطبها نوائب الزمان ، وإليه المفزع والمشتكى : ولله در القائل :
عسى وعسى يثنى الزمان عنانه بتصريف حال والزمان عثور
فتقضى لبانات وتشفى حسائك ويحدث من بعد الأمور أمور
وقد تأذى الشيخ رحمه اللّه بتلك النوائب الكارثة ، وتألم بها قلبه حتى
لم يلتئم جروحه الثاعبة إلى آخر عمره ، وكان لا ينبس بها إلا قليلاً ، ومع
هذا إذا ذكر منها شيئاً تراه كأن قلبه يقطر دماً ، مع كونه صبوراً وقوراً،
يقاسى الملمات ، ويعانى المرمات ، لم نر له نظيراً ولا مثيلا فى هذه المزية كسائر
مزياه . وإلى هذا أشار فى بعض أشعاره فيما أرى ، حيث قال :
وهل من كسير البال آذاه دهره لقاءك إلا بالدموع السوائل
ولم ألق إلا ريب دهر تصرما
وقال: فقدت به قلبى وصبرى وحياتى
ومن غلبات الوجد ما كان همهما
ومن عبرات العين ما لا أسيغه
وقال :
ومن فجعات الدهر ما قد تهجما
وقال: ومن نفئات الصدر ما لا أبثه
وصار يجارى الدهر حتى تقدما
وقال: تكففت دمعى أو كففت عنانه
وأظن أن فتنة الثلة المرزائية كانت أذابت مهجته من قبل ، ثم أذاب ما
بقى منها هذه الوقائع الداهية ، فصار ضغثاً على إبالة ، وجميع ذلك أصبح
سبباً - إن شاء اللّه تعالى - لرفع درجاته فى مقعد صدق عند مليك مقتدر.
فاستقال الشيخ رحمه اللّه لأجله منصب درسه ، واستغفى عنه وانزوى

- ١٥ -
عازماً للعزلة والتجريد ، ولكن لم يقتض القدرة الإلهية أن تذره ، والناس
أصدى إلى علومه ، والقلوب مجدبة مشتاقة إلى صوب مزنته ، فأكب
عليه الناس من كل جهة ، وتهافتوا عليه من كل صوب، وكيف لا! وشعاع
الشمس لا يخفى، ونور الحق لا يطفئ إلى أن علمنا، واطمئنت به قلوبنا ، إن
ذلك التشاجر والتفرق كان من المصالح الكونية والأسرار الربانية ، وخير الأمور
أحمدها مغبة ، فبزغت شمس السعادة فى فلك الكونيات ، واقتضت الحكمة
الأزلية أن تسقى مزنته بسيطة "الكجرات" .
كانت بسيطة "الكجرات" بقعة جرت منها ينابيع الحديث، وكانت هى
أول بقعة تميزت بهذه المزية العظمى من بين سائر بقاع الهند وخططها ، وهذه
البقعة هى التى جادت بـ: الشيخ العارف بالله المحدث مولانا على بن حسام الدين
المتقى المتوفى سنة ٩٧٥ الهجرية ، صاحب "كنز العمال"، وهو كتاب حافل
فى متون الأحاديث النبوية، رتب فيه "جمع الجوامع" للشيخ الإمام
جلال الدين السيوطى على الأبواب ترتيباً أنيقاً ، والشيخ رحمه اللّه تلميذ
الشيخ ابن حجر المكى صاحب " الصواعق المحرقة" أولاً وشيخه آخراً ،
وليس ابن حجر الخرقة بيده .
ومن تلامذته : الشيخ عبد الحق الدهلوى المحدث ، صاحب "اللمعات"
و "أشعة اللمعات" و"مدارج النبوة" وغيرها من زبر نافعة. ثم: الشيخ
المحدث محمد طاهر الفتى (١) الشهيد المتوفى سنة ٩٨٦ الهجرية ، صاحب
"تذكرة الموضوعات" و"المغنى" فى أسماء الرجال، و" مجمع البحار" فى
غريب الحديث بل فى لطيف شرح الأحاديث ، وهو حنفى لا شافعى ، كما
زعمه بعض الأفاضل . ثم الشيخ المحقق الشيخ وجيه الدين الكجراتى المتوفى
(١) الفتنى - بفتح الفاء وتشديد التاء المفتوحة"المثناة الفوقانيه"- نسبه" الى: "پيران
بتن" موضع بغرب احمدآ بادمن بلاد كجرات .

- ١٦ -
سنة ٩٩٨ الهجرية ، صاحب التصانيف والحواشى على "المطول" و"التلويح "
و "تفسير البيضاوى" و"شرح التجريد" للإصفهانى و"شرح المواقف"
و "شرح المقاصد" و"شرح المختصر" للعضد وغيرها. وغير هؤلاء العلماء
الأعلام من العرفاء والمحدثين حتى غارت وغاضت هذه البحار الزاخرة
يبقعتها ، وفقدت هذه الجواهر الفاخرة بساحتها ، فكان من سعادتها وحسن
حظها أن عادت إليها الإرادة الأزلية منعطفة فأنزل عليها مزنة الحديث هطلاء
بعد ما ظلت محلاء ، فأصبحت ناضرة خضراء تترنم بحدائقها الزاهرة طلبة
العلوم النبوية يضربون إليها أكباد الإبل من كل فج عميق مستفئئين بمناهلها
العذبة ونميرها السائغ لواعج هيامهم وغرامهم، فيا لزهائها وبهائها، ويا لروائها
وروائها، وكيف لا؟ وقد نهضت بعد كبوتها الطويلة وآلت إلى سالف مجدها
الباهر ، وكان كما قال الإمام حجة الإسلام الغزالى قدس سره :
وعدت إلى مصحوب أول منزل
تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل
منازل من تهوى رويدك فأنزل
ونادتنى الأشواق مهلاً فهذه
لغزلى نساجاً فكسرت مغزلى
غزلت لهم غزلاً رقيقاً فلم أجد
فكانت فى قرية " دابهيل" من مديرية " سورت" مدرسة تدعى
بـ "تعليم الدين"، فأصر بعض أصحاب الهمم العالية والعزائم السامية على الشيخ
رحمه اللّه بأن يشتغل بها فى خدمة الملة ودرس الحديث حتى أجاب الشيخ رحمه الله
مأمولهم وأسعفهم بمرامهم .
ومن المبشرات المباركة ههنا: أن مولانا الأمجد الورع العابد الشيخ أحمد
مدير تلك المدرسة ( طالت حياته ) رأى فى المنام - (١) بعيد تعزل الشيخ
رحمه الله عن دار العلوم الديوبندية وقبيل عزم أهل الكجرات بدعوته إلى
(١) فى أواخر العشرة الأخيرة من شهر رمضان سنة" ١٣٤٦ الهجريه".

- ١٧ -
تلك المدرسة -: أن سيدنا ومولانا محمد الهاشمى رسول اللّه عَ ظٍ قدمات بدهلى
ونعى إلى سائر الأقطار والناس فى هياط ومياط، حواهم اضطراب شديد ،
ووضع وَّلَ على النعش، فبينا هو فى ذلك إذ يرى أنه وجَ لّ حى مستلق على
سرير فى بقعة بين قريتى "دابيل" و"سملك" لكنه مريض، فحاول أن .
يرفعه بِلٍ فى حجره استحصالاً لليمن بمساس بدنه المقدس، فكلما يرفعه شيئاً
ينوء به بدنه المبارك حتى يعبى بأعبائه ، بيد أنه رفعه وناء به شيئاً يجهد
ومعاناة . فقص رؤياه هذه على الشيخ العارف الورع الزاهد شيخنا ومولانا
المفتى عزيز الرحمن الديوبندى قدس سره فقال: يا أسفى! مات علم الحديث
بديوبند، وعسى أن يكون له نشأة بـ "دابيل" و"سملك" (١) فكان كما قال،
فكانت هذه النائبة ثم قدوم الشيخ رحمه الله تأويل رؤياه وبشراه ، وكان هذا
الشيخ أحمد - زادت مآثره - ذهب بعده بشهر إلى ديوبند لأجل دعوة
الشيخ ، حتى فاز بأربه السامى ، ونال ما نال ، فبارك اللّه له فى هذه السعادة
الباهرة والمزية الزاهرة . وأولئك أولو العزائم العزيزة الحاج الفاضل محمد بن
موسى السورتى ثم الإفريقى، ووالده صاحب الشهامة والهمة العالمة ، والحاج
يوسف الكاردى من مشاهير أهل الثروة والدثور ذو الصدر الرحيب والسماحة
الغالية ، كلهم تكفلوا ألوف روبية كل شهر لمرافق المدرسة ومصالحها ، ولم
تلبث تلك المدرسة حتى سميت واشتهرت بـ "الجامعة الإسلامية"، وأصبحت
اليوم من أكبر الجوامع العلمية وأشهر المعاهد الدينية بساهرة الهند ، وامتازت
من بين سائر المجامع الدينية بحسن نظامها وإجادة أبنيتها وتشييد قصورها فى
بهاء منظر وزهاء ساحة ناضرة ، وأضحت اليوم مشيدة المبانى رفيعة المغانى
تنبعث أشعة قماقتها البرقية فى الدياجر نوراً وضياءً ، وتهتز بها أفنان الشجر
(١) وكان هذا بعد شهراذ ذعب بعزم دعوة الشيخ فقصها عليه مستعبراً اياها.
( نفحة العنبر م - ٣ )
٥
-
٠١١
١٠
E M)

- ١٨ -
2
٢٠
٨
٣٠٠
نضرة وبهاء ، وهبت فى زوايا الهند روائح نسيمها حتى سمت بكمال درسها.
وحسن تعليمها ، لا يوازيها ولا يدانيها جامعة علمية دينية غير "دار العلوم
الديوبندية"، ولا غرو فتلك دوحتها وهذى فروعها ، وتلك أدمهاً وهذى
نسوعها ، وكيف لا؟ فمنها طالت فروعها ومنها نبوعها ، وقد أصبحت
- والحمد لله - مطمح الآمال ومسرح همم الرجال ، ينثال إليه الطلبة بل
العلماء والفضلاء، يشدون إليها الرحال ويضربون لها أكباد الإبل ، وأفئدة من
السياحين تهوى إلى حج حرمها ، ورؤس من المشتاقين تقنع لمشاهدة علمها .
ونحن نشكر عن جذر القلوب وصميم الأفئدة مساعى هؤلاء الكرام الذين
أسدوا إلى جميع الأمة الإسلامية بإسناء هذه المدرسة وإعلاء منارها ونشر العلوم
الدينية وإخراج ضارها ، ولا سيما حسن تولية مدير الجامعة بنقاء نية ، فشكر
اللّه مسعاهم الجميل وإنفاقهم الجزيل ، وزادهم توفيقاً إلى الخيرات
والبركات ( آمين ) .
هذا، وبقى الشيخ - رحمه الله - فيها خمس سنين، يجود بحره الزاخر.
بحقائقه ومعارفه الإلهية ، وتجرى ينابيع السنة النبوية من فيه وصدره ، ويعظ
الناس فى الجمعات والمجامع الحافلة بعظات بليغة مؤثرة فى النفوس ، حتى كنا
نشاهد أن العيون تذرف دموعها ، وأن القلوب تكاد تطير صدوعها ، إلى
أن أصبح كثير من الرسوم والبدعات المحدثة ببركته هباءً منثوراً، ونبتت فى
كثير من القلوب محبة أهل العلم وخدمة الدين والذب عن حريمه بما تيسر
وأمكن ، وكيف لا؟ وقد حضض الناس على الخير ، ودعاهم إلى الحق ،
وأضحى نفسه لهم أسوة ، ورعاً وتقوى ، وعلماً وعملاً ، وزهداً فى الدنيا
وإيثاراً للآخرة ، فرحمه الله رحمة واسعة .
مرض الشيخ وأجله المحتوم .
وفى أثناء إقامته بهذه الجامعة غلب عليه داء الباسور ونزفه الدم ، فاستولت
٠

٠٠
٧
١)
.5
- ١٩ -
الصفراء ووهنت القوى وسقطت شهوة الغذاء إلى أن حان أجله المحتوم، وتاقت
نفسه إلى مرابع الحق وأحب لقاء الله ، فانتقل إلى الرفيق الأعلى بديوبند حين
كان ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ليلة الإثنين الثالثة من صفر سنة
١٣٥٣ الهجرية، فهكذا حان القضاء وضاق الفضاء وأصبحت الأمانى المنوطة
بوجوده غثاءً وهباءً، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم ارحمه ، وعافه ،
واعف عنه ، وأكرم نزله ، ووسع مدخله ، وأفض عليه شآبيب قدسك ،
وآنسه بجوار أنسك . ع (١) :
من لا نظير له فى الناس يخلفه
مضى فأعظم مفقود فجعت به
فالطرف تسهره والدمع تنزفه
تلك الرزية تستوهى قوى جلدى
وما له شبهة فى العلم تعرفه
فماله خلة فى الزهد منكرة
وصلى عليه بالناس صلاة الجنازة فى ساحة "دار العلوم" الشيخ الورع الزاهد
الفقيه المحدث مولانا السيد أصغر حسين الديوبندى طالت حياته النافعة ، شيخ
" سنن أبى داؤد" بدار العلوم ، وشيعت جنازته فى عويل يذيب القلوب،
وصياح يزعج الأحشاء ، قل ما شاهده الناظرون مثله ، وكانت قاعة "دار
العلوم" ونواحيها خاصة بعصائب الواردين من بلاد شاسعة ، مثل " لا هور"
و"وزير آباد" و"أمر تسر" و"دهلى" وغيرها. ووصل إليهم هذا النبأ المفظع
والرزء المجحف بوسائل التليفون والأسلاك التلغرافية فى دلج الليالى ، فأزعجهم
على الفرش الوطيئة والمضاجع الوثيرة ، وقل مثل هذا المزدحم على صلاته
بديوبند ، وكان كما قال هو نفسه (٢) :
سرى علمه فوق الركاب ورفعا
سرى نعشه فوق الرقاب وطالما
فلم أر إلا الفضل كان مودعا
وشيعه المخلوق من كل جانب
وما كان دمع القوم دمعاً مضيها
ولم أر مثل اليوم كم كان باكياً
(١) هذه الابيات من قصيدة رثى بها ابو المظفر الا بيوردى الامام حجة الاسلام الغزالى.
(٢) فى قصيدة طويلة فى رثاء شيخه مولانا شيخ الهند رحمه الله .

- ٢٠ -
فدفن هذا البحر الخضم بـ "ديوبند"، بالجانب الجنوبى من المصلى، فى
بقعة كان وصى بشرائها . وحدثنى صديقى الحبر التحرير النطاسى الفاضل
مولانا عبد الحق، المدعو . بـ " نافع"، أستاذ فنون الهيئة (١)، وكتب الكلام
وغيرها بدار العلوم الديوبندية: أنى كشفت عن محيا الشيخ رحمه اللّه عند صلاة
الجنازة فرأيت أن أسارير جبهة الشيخ تتهلل فى طلاوة وبهاء ، كأنه يتبسم
ويكاد يفتر ضاحكاً ، ويخيل أن سيفتح فاه بالنطق ، قال: فأعجبنى هذا المنظر
الرائع الجميل .
قال الراقم : وكأنه يتبسم من بشارة الملأ الأعلى بروح وريحان ،
وبلقاء رب غير غضبان ، ولا أدرى هل ذلك كان شأناً مثالياً من شئون عالم
المثال فأوثر به صديقنا الفاضل ، أو لمعة انجلت فى عالم الشهادة . ومن بدائع
ما اتفق أن الفاضل الأديب الطبيب محمد يامين أحد أساتذة الجامعة الإسلامية
كان أنشد فى حق الشيخ رحمه الله قوله من قصيدة طويلة له هذا :
مستسلماً لقضاء الله فرحانا
لبي مجيباً لداعى الموت مبتسماً
وما كان له من علم بهذه الواقعة ، وليكن عجز الشعر عندى هكذا :
مستبشراً بلقاء الله فرحانا
١١٠ ٢٠
ورثاه فضلاء العلم والأدب وأماثل العصر وأصحابه بقصائد رنانة ترق القلوب
وتهيج اللواعج ، وسأزف للفضلاء من عرائسها ما يستجلب الدموع ويجذب
للقلوب والله الموفق. فهذه حياة جميلة لهذا الإمام عبقرى الأيام، وشذرة من
مآ ثره الجليلة، وعبرة من عبرات العين، وبعد فعبرات حارة فى العين وحسرات
فى القلب وزفرات فى النفس ستهدى منها شذرات للأفاضل إن شاء الله،
وقد حان لى أن أشير إلى نبذة من مزاياه وخصائصه التى صار بها فرداً وحيداً
فى الأمة الحاضرة، وبالله التوفيق .
(١) هذه الفنون اكثر ما يدرسها والافقد يدرس كتب التفسير وغيره ايضاًكـ"البيضاوى"
واجزاء من "ابن كثير)".
+ـ
الـ

٥٠كاظم
= Y
Ji)
إماض إلى مزاياه ورشحة من مآثره .
٢
٨
- ٢١ -
ايماض الى مزاياه ، صلاحه الفطرى وعزلته عن
الملاهى، قوة ذكائه فى ايام طفولته، وبشارة بعض
العرفاء باله سيكون غزالى عصره ورازى دهره، افتاء
الشيخ، وشروعه مطالعة" الشروح، استبحاره المدهش
وحافظته المحيرة، وسرعة" مطالعته ودقة" نظره ودابه
فى المطالعة": الشيخ و"مشكلات القرآن)"، الشيخ
وخصائصه فى الحديث، ذكر بعض الوقائع وسرد مقاله"
للشيخ، الشيخ واسانيده فى الحديث، الشيخ والفقه،
الشيخ والمذهب الحنفى، درجته فى سائر العلوم و
مطالعة كتب اكابر المحققين، وعلمه "بالتوراة"
و"الاناجيل".
وليعلم أن للشيخ رحمه الله مزايا نبيلة ومآثر جليلة فطرية وكسبية من
الصلاح، والزهد ، والورع، والتقوى ، والصبر على المكاره، وحسن السمت،
وعظيم الوقار ، والمواساة مع أهل الدين وحملة العلم ، والنفور من أهل الدنيا
وأصحاب الثروة ، والقناعة على الكفاف ، وقوة الحافظة ، وكياسة الذهن ،
وفرط الذكاء ، والاستبحار المدهش فى العلوم المتداولة القديمة والجديدة ،
والإطلاع التام على العلوم الغريبة، واستحضار جميع مشكلات العلوم
وغرامضها ، والعلم الحافل الواسع بدقائق الكتب النادرة الغريبة المطبوعة
والمخطوطة ، وعلو كعبه فى الحقائق العالية والمعارف الإلهية التشريعية ، والملكة
الراسخة فى صياغة الشعر المعجب الرائع فى العربية والفارسية ، وإدمان النظر
فى الكتب ليلاً ونهاراً، وحسن إلقاء الكلام فى الدرس ، كأنه در منثور
ولؤلؤ مكنون يتناثر من مبسمه ، والإنصاف البديع فى اختلافات مذاهب
الأئمة المتبوعين والمحتهدين من علماء الأمصار، وظرافة الطبع مع مهابة وجلالة ،
هـ
ر7

- ٢٢ -
وغيرها من مآثر بديعة فائقة لا ينتطح فيها عنزان من غير مدافع ومزاحم بحيث
لا يفرى فريه ولا يبارى عبقريه ، وحقاً أنه لايناضل ولا يبارى ولا يساجل
ولا يجارى ، ولو سردنا نماذج من جميعها لطال بنا الخطب ، وأعيانا الحصر
ولا تسع المجال ، وضاق نطاق البيان ، ولشططت مما أنا بصدده من الإيماضات
والإيماءات إلى نفحاته وفوحاته محاولاً للإختصار ، وكيف فإن ذلك يفتقر
إلى سفر كبير، وأنى يتسنى فى عجلة المستوفز وفرصة المستنجز، بيد أنى لما
وجدت مكان القول ذا سعة حاولت أن أبث القول فى مآثره السامية ، وهذا
كما قال الجاحظ فى "بيانه": " ولكن المعانى إذا كثرت والوجوه إذا افتنت
كثر عدد اللفظ وإن حذفت فضوله بغاية الحذف". فأنا الآن أستغنى بالطل
من وابله والبرض من عده، بل بقطرة من حياه ، ورشحة من داماء فضائله
ومزاياه . ولله در القائل :
إن الذى قلت بعض من مناقبه ما زدت إلا لعلى زدت نقصانا
وأجاد القائل :
ما كل ماشية بالرحل شملال
إنما يبلغ الإنسان غايته
وفقنى الله الإيفاء الموعود وبذل المجهود لنيل المقصود ، وهو حسبى
ونعم الوكيل .
صلاحه الفطرى ، وعزلته عن الملاهى من بدء نشأته .
سمعت عن إخوان الشيخ دام فضلهم : أن الشيخ لم يرتع ولم يلعب فى
أيام صباه كعادة الصبيان ، ويكون صامتاً مطرقاً رأسه لم ينازع أحداً ولم
يشتمه ، وإذ شرع فى القراءة يكون مجتهداً فيها مشتغلاً ليلاً ونهاراً ، من
غير أن يعروه سآمة وملال ، فكان الناس يتحيرون من شغفه بالعلم ورغبته
عما يرغب إليه الصبيان ، حتى اشتهر فيهم أنه سيكون مهدياً موعوداً .
:
*
ء

١٠
١١
- ٢٣ -
أقول : فإن لم يكن مهدياً وعوداً فلعمرى كان مجدداً لعلوم القرآن
والسنة وسائر فنون الرواية . نعم ! إذا أراد الله أمراً يسر له أسباباً وأقام له
رجالاً يذبون عن حوضه ويحمون حوزته ، فهكذا شهرته بالصلاح وشغفه
بالعلم كانت من بدأ نشأته وصغره .
نعم نفس عصام سودت عصاماً * وبغير اللهو ترتق الفتوق
طفولته وبشارة بعض العرفاء بعاقبته السامية .
سمعت عن بعض إخوان الشيخ رحمه الله تعالى أن والده - أطال بقاؤه -
انطلق به وبأخيه الأكبر " يسين شاه " إلى عارف معتكف فى بعض نواحى
"كشمير" ليدعولها بالبركة، فلما رآه قال لوالده: ولدك هذا - مشيراً
إلى الشيخ رحمه الله - سيكون عالماً كبيراً، وعسى أن يكون له شأن ، وقال
مشيراً لأخيه : وسيكون هذا شاعراً عظيماً . فكان الأمر كما قال العارف
رحمه الله . فصار الشيح أعلم عصره فى العلوم لا يشق غباره ، وكان أخوه أشعر
وقته فى العربية والفارسية لا يدرك شأوه ، حتى سمعت من بعض إخوانه
- ولعله المولى المحترم عبد الله شاه طال بقاؤه -: أنه نظم متن "السراجى"
فى الفرائض فى بضع وعشرين شعراً .
قوة ذكائه فى أيام طفولته ، وبشارة عالم ذى فراسة
وبصيرة بأنه سيكون غزالى عصره و رازى دهره .
سمعت من والد الشيخ - رحمه الله فما أحفظ - : أنه لما افتتح عندى
" مختصر القدورى " فكان يسأل عن مسائل كنت أعبى عن جوابها من غير
أن أراجع الكتب المبسوطة ، فكنت أمنعه عن إلحاح الأسئلة حتى أعيانى
صنيعه، وفوضت أمره إلى عالم آخر ، فهكذا كان يشتكى منه . وبلغنى أنه
حين كان يقرأ رسائل النحو والمنطق مر أمام عالم مضطبعاً كتبه التى يقرؤها
1

- ٢٤ -
فدعاه وأخذ كتبه فرأى على هوامش رسائله أنه كتب عليها حواشى ما يورث
العجب من شأنه ، فتحير من قوة ذكائه وحدسه ، وجودة فهمه وبراعته ،
فجرى مرتجلاً على لسانه : بأنه سيكون غزالى عصره ورازى وقته ، فصدق
الله فيه فراسته الايامية ، وبصيرته ونوره . ومما قلت : .
زمخشري عصره بل شيخ جرجان
رازى عصر لنا حاشاى اطراء
الشيخ والإفتاء ، ومطالعة الشروح .
أخبرنى الفاضل المحترم الورع مولانا بدر عالم دام فضلهم (١) أحد
أساتذة الجامعة عن الشيخ رحمه الله نفسه أنه قال : كنت أفتى للناس بكشمير
حين بلغت من عمرى اثنتى عشرة سنة ، وكنت أطالع الشروح من كتب
الفقه والنحو حين ثم من سنى " تسع حجج" . نعم ذلك فضل الله يؤتيه
من يشاء ،
استبحاره المدهش فى علوم الرواية والدراية ، وحافظته
المحيرة للألباب ، وسرعة مطالعته ، ودقة نظره .
كان الشيخ رحمه الله آية من آيات الله العظام ، ونادرة من نوادر العصر،
إماماً فى الحقائق والمعارف ، لا يساهم ولا يزاحم ، وقدوة الأماثل العصر
الحاضر فى حل الدقائق ومشكلات العلوم وغوامض الأبحاث العلمية والعرفانية،
بحيث لا يناضل ولا ينازع ، كان إماماً حجة فى علوم القرآن وعلوم الحديث،
متقناً فى كشف مغزاها ومرماها ، وكان مداراً للأمة الإسلامية فى إيضاح
معناها ومبناها ، كان حافظاً موعياً لمذاهب علماء الأمة المحمدية مع التغلغل فى
تخريجها وتنقيحها ، واعياً لأقوالهم المختلفة الشتيتة ، قادراً على اختيار بعضها
+
(١) وقد توفى رحمه الله قبل هذا الطبع الجديد فى سنه"٣٨٥ ١ الهجرية" فى المدينة" المنورة
على صاحبها الف الف تحية".
-
2
لا

- ٢٥ -
من بعض بترجيحا ، أحاط بالعلوم العقلية والفنون الحكمية الحديثة والقديمة
بالرأى الثاقب والحكم النافذ ، كان نقيب العلوم العربية والفنون الأدبية غائصاً
فى بحارها وعمارها ، فكم من عوارف هو أبو عذرتها ، وكم من معارف هو
ابن يجدتها ، وكم من لطائف وغوامض قد أبدعها ، وكم من أسرار وحكم قد
اخترعها ، وكيف لا ؛ وقد نشأ فى بيت التقوى والعلم ، وامتاز بسلامة
الطبع وفرط الذكاء وبراعة الفهم ، بل رزق أعدل الطبائع فى بقعة تعد من
أقاليم البسيطة ، ثم غذى بلبان الحكمة والعلم ، وساعدته سائر الأسباب المحتاج
إليها للعلم . وقاده التوفيق الربانى إلى مهاد العلماء الربانيين ، فارتدى من
مطارف أنواع العلوم والكمالات ، واعتم عمائم الفضل والمزية ، وتضلع من
بحار الفضائل والفواضل فى سائر أقطار الهند ، حتى ترعرع شاباً إماماً فى
العلوم ، بل بحراً ذخاراً ومزنة هاطلة، فنال من علوم التفسير وعلوم الحديث
ثرياها ، وبلغ فى علوم اللغة أمداً بعيداً، وسامى فى العلوم الحكمية وفنون
الدراية مكانة الجوزاء ، ووصل فى علوم البلاغة على طرف شاسع ، ورزق
من علوم الحقائق حظاً عظيماً . ع :
شرف ينطح النجوم بروقيه = وعز يقلقل الأجبالا
وبالجملة كان إماماً فى التفسير والحديث، إماماً فى الأصول والفروع،
مجتهداً فى علوم الدراية ، حافظاً مستوعباً للطبقات والتاريخ والسير ، حتى
صار رحلة فى الأقطار لشرح مشكل الآثار ، ومسنداً ثبتاً لمعانى منتقى الأخبار،
فأصبح لكل علم وفن عذيقه المرجب ، وجذيله المحكك ، لو كان فى عصر
الغزالى أو الرازى أو ابن دقيق العيد أو ابن تيمية الحرانى أو ابن حجر العسقلانى
لكان درة فاخرة من عقد تلك القرون المباركة ، بل شمساً نيرة من الشموس
( نفحة العنبر م - ٤ )

٠٠
٠٫٠٠
- ٢٦ -
المستنيرة اليوم على سماء التاريخ الإسلامى فى عهد الإرتقاء وعروج العلوم ،
فجمع الله له من شمل الفضائل والفواضل ما نكل الألسنة عن تفصيلها ،
وتتلعثم عن بيانها، ويتكفكف سنا المزبر عن تسطير جميعها ، فآثره اللّه بالقريحة
الوقادة ما خلت القرون عن أمثالها ، وأردفه بقوة الحافظة ما بلغ غاية "ليس
دونها غاية ، حتى علمنا علم يقين ما أثر لنا من قوة الحافظة للمحدثين وسائر
السلف الصالح فى العهد الغابر فى كتب الطبقات والرجال والتاريخ ، بل كأنا
رأيناهم رأى العين ، فلم تبق لنا ريبة ولا خطرة من الوهم ، فقد أبدى الصريح
لنا عن الرغوة . بلغنى عن الشيخ الفقيه المحدث مولانا حسين أحمد المهاجر
المدنى - شيخ الحديث اليوم بدار العلوم الديوبندية دام فضلهم - أنه قال :
سمعت حضرة الشيخ رحمه الله أنه قال : إذا طالعت كتاباً مرتجلا ولم أرد ادخار
مباحثه يبقى فى حفظى إلى نحو خمس عشرة سنة ، ثم مع هذه الحافظة وفق
لغزارة المطالعة وسرعتها ما يتحير منها العقول ، حتى تطوى من بين يديه
ذخائر من المكنونات العلمية كل يوم ، حتى سمعت من بعض خواص معارفه :
أنه أول ما كان يطالع " مسند أحمد" المطبوع بمصر ، كان يطالع كل يوم
نحو مائتى صفحة منه ، مع غور وإمعان فى أسانيده وحل مشكلاته . وسمعت
من حضرة الشيخ رحمه الله: أنى طالعت أولاً "مسند أحمد" فلخصت منه أدلة
الحنفية والأحاديث المفيدة لهم فى عدة أيام ، ولكن مع هذه السرعة كان
ينقل أحاديثه أينما احتاج له فى المشكلات والمعضلات مع ضبط تام الأحوال
رواتها وطبقاتها ، ثم طالع " مسند أحمد" مرة ثانية فى أواخر عمره لإلتقاط
أحاديث نزول سيدنا عيسى على نبينا وعليه السلام منه ، ثم مكنه الله من
حسن الإلقاء على الطلبة والإملاء على الإشهاد بجزالة التعبير ونفاسة التحبير .
وهاك أمثلة بسيرة من سرعة مطالعته ودقة نظره واستبحاره فى سائر
العلوم النقلية والعقلية :
٩٠٠
٢
٢
1.9
٤

- ٢٧ -
١- طالع فى سنة ١٣٢١ من الهجرة كتاب " فتح القدير " للشيخ
المحقق العارف كمال الدين ابن الهمام رحمه اللّه مع التكملة فى بضع وعشرين يوماً،
وكتب تلخيصه إلى كتاب الحج ، وأجاب عن إيراداته التى أوردها على
صاحب "الهداية"، وناقش فيها فى جزء لطيف، كل ذلك فى تلك البرهة
القصيرة ، ثم استغنى عن المراجعة لنقل مباحثه فى جميع المسائل مدة عمره ،
وكان رحمه الله حكى لنا هذه الواقعة فى سنة ١٣٤٧ الهجرية تحديثاً بنعمة
ربه ، وحثاً لأشواق الطلبة ولو أعجبهم إلى مطالعة الكتب ومقاساة الشدائد
فيها . ولفظه بالهندية :
« چھبیس سال هوئے پھر مراجعت کی ضرورت نھیں پى ،
اور جو مضمون اسكا بيان كرون كا اكر مراجعت كروحـ تفاوت كم
پاؤگے ،" انتهى.
راء
7
۔
هكذا سمعته أذناى ووعاه قلبى ، هذا وأنت تعلم أن كتاب " تفتح
القدير " من أصعب كتب الفقه وأدقها ، يغوص مؤلفه المحقق رحمه الله فى
مسائل أصول الفقه والجدل والخلاف ومباحث الكلام وغيرها من نفائس
العلوم بتخريج وتنقيح كتاب لا نظير له فى مزاياه وخصائصه ، قادره الآن
تذقه فإن من لم يذق لم يدر ، وكان الشيخ رحمه الله يقول : إنه ليس أصولياً
نظاراً فى علماء المذاهب الأربعة مثل المحقق ابن الهام ، وكتابه "التحرير "
فى أصول الفقه من أصعب كتب الأصول .
٠ ٢- اختلف علماء "كشمير" فى جواب مسألة وأفتوا بعضهم خلاف
بعض، وكان من حسن الاتفاق أن ورد الشيخ رحمه الله بـ "كشمير" (١) فحضر
(١) ولاارى باساً بان اشير الى شئ من حكايه" هذه الواقعة": كان علماء كشمير
انقسموا فرقتين، فرقة" إلى جهة" فى مساله" وفرقة" الى جهة" اخرى، والمساله"
كانت مساله" وقوع الطلاق وعدمه، وكان فصل الامر يحتاج الى تحقيق
الواقعة، وكان اراده الشيخ وجاء الفرقتان الى حضرته يرجو كل فريق الموافقة"،
٥٠٧
حرية

- ٢٨ -
الفريقان منهم لزيارته ثم انفصام تلك المعضلة التى تشتتت فيها آرائهم وعرض
كلا الفريقين فتاواهما مكتوبة فى حضرته ، فأمرنى الشيخ رحمه الله بتحرير
الجواب بعد ما فصل لى الأمر ونقح ووضح ، وكان فريق منهم استدلوا
لفتواهم بعبارة كانوا يأثرونها عن "الفتاوى العمادية" (المخطوطة)، فقال
لى الشيخ رحمه الله: واكتب فيه : " إنى قد طالعت " الفتاوى العمادية ".
بنسخة مخطوطة صحيحة فى " مكتبة دار العلوم الديوبندية " فليس فيها هذه
"العبارة قط ، فلعل ما يأثرونه إما تصحيف لعبارتها أو تدليس منهم لتأييد
فتواهم " فكتبت ذلك ، فتحير الناظرون ، وبهت المستدلون بها . وأمثاله
هذه الواقعة أكثر من أن يحصر ويستقصى ، ولو أردنا استيعابها لأعيانا
الالتزام وستم الناظرون ، وإنما أردنا رشحة من رشحاته ونموذجاً من بدائع
خصائصه . ولله در العالم العامل الورع الزاهد الشيخ المحدث مولانا محمد
ادريس الكاند هلوى شارح " المشكاة " حيث قال فى وصف حافظته وأجاد :
وقد صح عند الناس آثار حفظه . وقد حسنوها جل أهل التفضل (١)
وكان مضطراً إلى السفر من كشمير، وما كان ينتهز فرصة" للبقاء وتحقيق
الواقعة"، فرايته متفكراً إلى الغاية، فقلت للشيخ: ان وقتكم لا يتسع للقضاء
حيث يحتاج الى تحقيق الواقعة" فى نفس الامر، فاكتفوا بالافتاء ، فتهلل
وجه الشيخ وزال تفكره، ودعانى، وبين تحقيق الحكم فى الجانبين بادله"
من ظهر قلبه على راس لسانه ، فكتبت ما اراده الشيخ بتفصيل ، فأعجبه
ولم يغير فيه حرفاً وإنما غير ماكتبت من وصف الشيخ بقولى : 'وقد طالع
الشيخ الحبر البحر مولانا محمد انورشاه " الفتاوى العماديه"،"، وقال
فيه: الخ". فقال: هات القلم؟ واخذه فمحا سنه كلمه": "الحبر البحر"، وقال
بلهجة" الغضب : لا اسمح لك فى كتابه" وصف لى غير " مولانا محمد انور
شاه"، ولفظه : (آپ کو صرف " مولانا محمد انور شاه" لکھنے کی اجازت
حـ) سبحان الله العظيم، هكذا كان تواضعه، فلم يمح شيئاً غير وصفه. فرحمه
الله ورفع قدره . منه .
(١) ولو قال مقامه: "وحسنها الاعلام اهل التفضل"اكان احسن.
ti

حكيم
.13
راء
2
- ٢٩ -
ولكن أرى فيه الغرابة واضحاً" . أقول كقول الترمذى المحلل
حديث غريب ما عرفناه أسندا . سوى وجه شاه الأنور المتهلل
وفى الباب عمن لا يعد ويحصر " ولا خلف فيه للمحق ومبطل
٣- سمعت من حضرة الأستاذ محقق العصر الحاضر المفسر الحاذق
والمحدث البارع مولانا ومقتدانا الشيخ شبير أحمد العثمانى - طال بقاؤه ، شيخ
الحديث اليوم بـ " الجامعة الإسلامية" صاحب " فتح الملهم شرح مسلم "
وغيره - أنه قال : قد اعتاص على حل فتنه سيدنا داؤد على نبينا وعليه
الصلاة والسلام عند تحرير " فوائد التنزيل العزيز" فتصفحت أسفار القوم
من جميع مظانها، وأجلت قداح النظر فى أنجادها وأغوارها، واستنفدت جهدى
فى الاستقراء البالغ ، حتى بقيت فى حل هذه العقدة العويصة نحو خمسة
عشر يوماً ، فما صادفت ما يشفى صدرى وينقع غلتى بما يناسب جلالة
شأن الأنبياء عليهم السلام وعصمتهم ووجاهتهم ، وما يلائم نظم التنزيل
المعجز وسياقه البليغ ، حتى عييت بها فراجعت حضرة الشيخ الأنور - رحمه
اللّه - وكان مريضاً ذا فراش، وكشفت له عن الحال والداء العضال،
فقال رحمه الله مرتجلاً مقتضباً :
أخرج أبو عبد الله الحاكم فى " مستدركه" أثراً لابن عباس رضى الله عنه)،
وهو يفيد فى انحلال هذه العقدة ، فراجعه لعله يشفى صدرك ، وهو أحسن
ما روى فى هذا الباب وأقرب إلى سياق التنزيل . قال شيخنا المحقق :
فراجعته وتأملته، فسفى غلى وشفى على وانحلت به عقدنى، وجعلت فى فوائد
التنزيل عليه مدار حل العقدة ، وقررته وفصلته ، ثم أريته الشيخ رحمه الله
ففرح واستبشرواستحسن تطبيقى له بنظم التنزيل العزيز . هذا وكم حل من
مثل هذه العقد المعضلة أشكل انحلالها على الأفاضل والأذكياء من المدرسين
والمؤلفين ، بل على شيوخه وأكابره ، فله منة عظيمة على رقابهم ، وكم
اچے

٠۴ -. ۵٣ ,٠
- ٣٠ -
هكذا أصاب المحز، وطبق المفصل ، فكفى وشفى ، وروى وأروى ، ولله
در صديقنا الفاضل مولانا محمد يوسف الكاملفورى ، حيث قال فى حقه :
كم هكذا صدرت خوارق عادة : عنه وجاحدها من العميان
فهذا أكبر مؤلف فى العالم فى العصر الحاضر ، تربو مصنفاته على مئين.،
حتى فاق فى كثرة التصانيف على الشيخ جلال الدين السيوطى حكيم الأمة الشيخ
الفقيه العابد الزاهد مولانا الشاه محمد أشرف على التهانوى طال بقائه (١)، كان
يسئله عن أمور فى غوامض المسائل ومشكلات الفتاوى ، وسنشير إلى شىء
منها . وهذا الشيخ الفقيه الحبر المحدث مولانا خليل أحمد السهار نفورى ثم
المدنى رحمه الله (٢) صاحب "بذل المجهود شرح سنن أبى داؤد" كان يسأله فيما
يشكل عليه فى تأليفه شرحه هذا من باب الرواية والدراية ، وهذا شيخه المحقق
العارف مولانا محمود الحسن الديوبندى قدس سره، المعروف بـ "شيخ الهند" (٣)
كان ربما يقول له: هل لأحد فى ذلك قول؟ وهل عثرت لأحد على حل هذه
المشكلة ؟ اعترافاً بسعة علمه وغرارة مطالعته وتبحره واطلاعه الواسع . وهذا
الشيخ مولانا محمد ظهير حسن النيموى (٤) رحمه الله المحدث الشهير، صاحب " آثار
السنن" كان يستفيد من الشيخ رحمه الله بالتراسل والتكاتب فى غوامض الحديث،
وكان يستعين منه فى تأليف كتابه " آثار السنن»، وكان يعرض عليه ما يؤلفه
قطعة قطعة ، هكذا سمعت عن حضرة الشيخ رحمه الله . وقال فى كتابه " نيل
الفرقدين "(٥) :
جية
١٨
"وقد كان الشيخ (النيموى) المرحوم حين تأليفه ذلك الكتاب
يرسل إلى قطعة قطعة حتى إنى كنته مرافقاً فيه، وزدت عليه أشياء
(١) وقد توفى رحمه اللّه قبل هذا الطبع الجديد فى سند" ١٣٦٢ الهجرية".
(٢) المتوفى سنة" ١٣٤٦ الهجرية".
(٣) المتوفى سنه ١٣٣٩ الهجريه" .
(٤) وقد توفى رحمه الله فى حدود سنة" ١٣٢٢ الهجرية".
(٥) ص = ٥٦
١٠
٢ !
٠٠قية
١٠