Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
المقدمة
السّابة والوسطى - ويقول: ((أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الهَذْي هَذِي مُحَمَّدٍ،
وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُتَها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِذْعَةٌ، وَكُلَّ بِذْعَةٍ ضَلالَةٌ)) ثم يقول: ((أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ
مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالاَ فَلأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنَا أَوْ ضَيَاعاً فَإِلَيَّ وَعَلَّيَّ))(١).
ومن وسائل إيضاحه لل أنه كان يضرب لهم الأمثال الرَّائعة التي تجلّس لهم المعاني
ضرب لأصحابه المثل في ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخطر إهمالهما فقال:
((مَثَلُ الْقَائِمِ فِي حُدُودِ اللَّهِ، وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمِ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَصَارَ بَعْضُهُمْ
أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أُسْفَلَهَا وَكَانَ الَّذِينَ فِيَ أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقُوْا مِنَ المَاءِ مُرُّوا على مَنْ فَوْقَهُمْ،
فَقَالُوا: لو أَنَّا خَرَّقْنَا فِي نَصِيبَنا خَزْقاً ولم نُؤْذِمَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً،
وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجُوا، وَنَجَوْا جميعاً)(٢).
ومن وسائل إيضاحه قلي أسئلته التي كان يلقيها على أصحابه، ونأخذ مثالاً واحداً من
ذلك :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَة - رضي الله عنه- أن رسول اللهِ ﴿وقال: ((أَتَذْرُونَ مَنِ المُفْلِسُ))؟ قالوا:
المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار ولا متاع، فقال: ((إِنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ
القِيَامَةِ بِصَلاَةٌ وصِيَّامٍ وَزَّكَاةٍ، ويَأْتِي وَقَدْ شَتَمَّ هذا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وسَفَكَ دَمَ
هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَّاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ
أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِ حِتْ عَلَيْهِ ثم طُرْحَ في النّارِ))(٣).
وكان ◌َّلم يستعين بالرّسم في توضيح المعاني وتقريبها إلى الأذهان رغم أنه كان أميًّا لا
يقرأ ولا يكتب ولم يتعلم الهندسة ولا غيرها.
= ١٩٩/٤، ٤٣٣/٥، ١٢١/٧ وابن سعد ٩٨/٢/١ - والبخاري في التاريخ الكبير ٣٥٥/٣
والخطيب في التاريخ ٢٨١/٦ - وذكره المنذري في الترغيب ٨٣/١ والهندي في كنز العمال حديث
رقم ٣٨٣٤٨، ٣٨٣٤٩، ٣٨٣٥٠، ٣٩٥٧١ - والهيثمي في الزوائد ٣١٤/١، ٣١٥.
(١) أخرجه مسلم في الصحيح ٢/ ٥٩٢ كتاب الجمعة (٧) باب تخفيف الصلاة والخطبة (١٣) حديث رقم
(٨٦٧/٤٣) والبيهقي في السنن ٢٠٧/٣ . وذكره ابن حجر في فتح الباري ٢/ ٤٠٥ . والتبريزي في
مشكاة المصابيح حديث رقم ١٤١.
(٢) أخرجه البخاري في الصحيح ٢٧٨/٣ كتاب الشركة باب هل يقرع ... حديث رقم ٢٤٩٣ وأحمد في
المسند ٢٦٩/٤ - والبيهقي في السنن ٢٨٨/١٠ وذكره المنذري في الترغيب ٢٢٥/٣ وابن كثير في
التفسير ٢٢٥/٣ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٥٥٣٣.
(٣) أخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ١٩٩٧ كتاب البر والصلة والآداب (٤٥) باب تحريم الظلم (١٥) حديث
رقم (٢٥٨١/٥٩) والترمذي في السنن ٥٢٩/٤ - ٥٣٠ كتاب صفة القيامة والرقائق والورع (٣٨) باب
ما جاء في شأن الحساب والقصاص (٢) حديث رقم (٢٤١٨) وقال أبو عيسى هذا حديث حسن
صحيح والطبري في التفسير ٩٩/٢٨ . وذكره التبريزي في مشكاة المصابيح حديث رقم ٥١٢٧,

٤٢
المقدمة
روى البُخَارِي في صَحِيحِهِ عن أبْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه- قال: ((خط لنا رسول الله عَل
خطًّا سريعاً، وخَطَّ وسطه خطًّا، وخطّ خطوطاً إلى جنب الخطّ ـ أي الذي في الوسط- وخط
خطًّا خارجاً فقال: ((أَتَدْرُونَ مَا هَذَا))؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((هَذَا الإنْسَانُ)) يريد الخط
الّذي في الوسط . ((وَهَذَا الأجَلُ مُحِيطٌ بِهِ- يريد الخط المربع - وهَذِهِ الأَعْرَاضُ تَنْهَشُهُ -يشير إلى
الخطوط التي حوله - إِنْ أَخْطَأَه هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وهَذَا الأَمَلُ)) يعني الخطّ الخارج.
من سياسته الحكيمة في التّربية والتّعليم أنه كان ينتهز فرصة الخطأ ليصحح لهم الفكرة
في چيْنِها.
من ذلك ما يقصّه علينا سيدنا أنس - رضي الله عنه- قال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت
أزواج النّبيّ وَّ﴿ يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها (١)، وقالوا: أين نحن من
رسول الله وَ ﴿ وقد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أَمَّا أنا فأصلّي الليل أبداً
وقال الآخر: وأنا أصوم الدّهر أبداً، وقال الآخر: وأنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبداً، فجاء
رسول الله ◌َله إليهم فقال: ((أَنْتُمُ الّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا !! أما واللَّهِ إِنِي أَخْشَاكُمْ لِلّهِ وَأَتْقَاكم
◌ِلَّهِ، وَلَكِنِّي أَصُومُ وَأَفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَجُ النِّسَاءِ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ
مِنِّي))(٢) .
وكان من وسائل إيضاحه ◌َ ﴿ تمثيله بالعمل يصلّي ويقول: ((صَلُوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي
أُصَلِّي)،(٣) ويحج ويقول: ((خُذُوا عَنِّي مناسِكَكُمْ)) (٤) ويشير بأصبعيه السَّبابة والوسطى
ويقول: ((بُعِثْتُ أَنَا والسَّاعَة كهاتَيْنِ)).
(١) أي عدوها قليلة.
(٢) متفق عليه أخرجه البخاري في الصحيح ٩/ ١٠٤ ، کتاب النكاح (٦٧) باب الترغيب في النكاح (١) حديث
رقم (٥٠٦٣)، ومسلم في الصحيح ٢/ ١٠٢٠ كتاب النكاح (١٦) باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه
إليه ووجد مؤنه (١) حديث رقم (١٤٠١/٥)، وعند عبد الرزاق أن الرهط الثلاثة هم علي بن أبي طالب
وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون والرهط في اللغة من ثلاثة إلى عشرة والبيهقي في السنن
٧٧/٧ - وذكره القرطبي في التفسير ٦/ ٢٦١، ٣٢٨/٩ - والتبريزي في مشكاة المصابيح حديث رقم ١٤٥.
(٣) أخرجه البخاري في الصحيح ٢٥٨/١ كتاب الآذان باب الأذان للمسافرين ... حديث رقم ٦٣١، ٨/
١٦ كتاب الأدب باب رحمه الناس والبهائم حديث رقم ٦٠٠٨° والدارقطني في السنن ٢٧٣/١، ٣٤٦
والبيهقي في السنن ٣٤٥/٢ - وذكره ابن عبد البر في التمهيد ١١٧/٥، ٢١٣/٩ - والقرطبي في التفسير
٣٩/١، ١٧١، ١٧٣، ١١٢/٩ - وابن حجر في تلخيص الحبير ١٢٢/٢ - والتبريزي في مشكاة
المصابيح حديث رقم ٦٨٣ - والزبيدي في الاتحاف ٧١/٣، ٢٠٣، ٣٩٦.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن ٥/ ١٢٥ وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٦٩/٢، ٩١، ٩٨، ٣٣٣/٤، ٥/
١١٧، ٢٧٢/٧ وابن حجر في فتح الباري ١/ ٢١٧، ٤٩٩ والزيلعي في نصب الراية ٣/ ٥٥ وابن كثير
في البداية والنهاية ١٨٤/٥، ٢١٥ والقرطبي في التفسير ٣٩/١، ١٨٣/٢، ٤١٠، ٥/٣، ٨٥/٥
والزبيدي في الاتحاف ٤٣٧/٤.

٤٣
المقدمة
العَامِلُ الحَادِي عَشَرَ
التَّرغيب والتّرهيب الّذان يفيض بهما بحر الكتاب، والسُّنَّة، ولا ريب أن غريزة حب
الإنسان لنفسه تدفعه إلى أن يحقق لها كلّ خير، وأن يحميها كل شرّ، سواء ما كان فيهما من
عاجل أو آجل، ومن هنا تحرص النّفوس الموفقة على وَغي هداية القرآن وهدي الرّسول،
وتعمل جاهدة على أن تحفظ منها ما وسعها الامكان .
ولسنا بحاجة أن نلتمس شواهد التّرغيب والتّرهيب من الكتاب والسُّنّة، فمددها فیاض
بأوفى ما عرف العلم من ضروب التَّرغيب والتَّرهيب، وفنون الوعد والوعيد، وأساليب
التّبشير والإنذار، على وجوه مختلفة، واعتبارات متنوّعة في العقائد والعبادات والمعاملات
والأخلاق على سواء.
وهذا نموذج من ترغيبات القرآن وترهيباته على سبيل التذكرة، والذكرى تنفع
المؤمنين :
يقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَمِنَالَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ
كَافِرونَ قُلْ يَتَوَفَّكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكُلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبَّكُمْ تُرْجَعُونَ وَلَوْ تَرَى إِذِ
الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُؤوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلِّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَآَنَ جَهَنَّمَ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
فَذُوقُوا بِمَّا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِيْنَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّمَا
يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى
◌ُثُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَذْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَّقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلاَتَعْلَمُ نَفْسٌ مَا
أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرّةٍ أَعْيُنَّ جَزَاءٌ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ أَمَّا
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى تُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا
فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلِّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ
◌ِهِ تُكَذِّبُونَ وَلَنُذِيقَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَذْنَى دُونَ العَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن
ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثم أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾(١) .
فانظر بعين البصيرة في هذه الأساليب، والقرآن مَلِيٌ كلّه من هذه الأنوار على هذا
الغرار.
ولا تَحْسَبَنَّ السُّنَّة النّبوية إلا بَخْراً متلاطم الأمواج في هذا الباب، وهاك نموذجاً بل
نماذج منها .
(١) السجدة: ١٠ - ٢٢.

٤٤
المقدمة
ها هو ◌َّ يبشر واصل رحمه بسعة الرزق والبركة في العمر فيقول: ((مَنْ سَرّهُ أَن يُبْسَطَ
لَهُ فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ في أَثْرِهِ فَلْيَصِلْ رَحَمِه)»(١).
وها هو ◌َّ﴿ يتحدث بالوعد لمن جعل الآخرة همَّه، وبالوعيد لمن جعل الدّنيا همَّهُ
فيقول :
((مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ. جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ
رَاغِمَّةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْتَيهِ، وَفَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ
الدُّنْيَا إِلاَّ ما قُدِّر لَهُ)) (٢).
وهاهو مَّل# يحرض المؤمنين على القتال فيقول:
((تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّ جِهَادٌ فِي سَبيلِي، وَإِيمَانٌ بِي،
وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُذْخِلَهُ الجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَج مِنْهُ نَائِلاً
مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، وَالَّذِي تَفْسُ مُحَمَّدٍ بَيدِهِ، مَا مِنْ كَلْم يُكُلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتَهِ يَوْمَ كُلِمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ، وَرِيحُهُ رِيحُ مِسْكِ، وَالَّذِي نَفْسٍ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلا أَنْ
أَشُقَّ عَلَى المُسْهِينَ مَا قُعَدْتُ خِلاَفَ سَّرِيَّةٍ تَغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَبَداً وَلَكِنَ لاَ أَجِدُ سَعَةً
فَأَحْمِلَهُمْ، وَلاَ يَجِدُونَ سَعَةً فَيَتْبَعُونِي وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّقُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ
بِيَدِهِ لَوْدِدْتُ أَنْ أَغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَقْتَلَ ثُمَّ أَغْزُو فَأَقْتَلَ))(٣).
فأنت ترى في هذه الكلمات النَّبوية قوة هائلة محولة تجعلها ماثلة في الأذهان كما
تجعل النّفوس رخيصة هيّنة في سبيل الدفاع عن الدين والأوطان، حتى لقد كان الرّجل
يستمع إلى هذه المرغبات والمُشوّقات وهو يأكل، فما يصبر حتى يتم طعامه، بل يرمي بما
في يده، ويقوم فيجاهد متشوقاً إلى الموت، متلهفاً على أن يستشهد في سبيل الله.
(١) أخرجه البخاري في الصحيح ١١٩/٣ كتاب البيوع باب من أحب البسط ... حديث رقم ٢٠٦٧، ٨/
٨ كتاب الأدب باب من بسط له ... حديث (٥٩٨٥) ومسلم في الصحيح ١٩٨٢/٤ كتاب البر
والصلة والآداب (٤٥) باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (٦) حديث رقم (٢٥٥٧/٢٠)، (٢١/
٢٥٥٧) - وذكره المنذري في الترغيب ٣٣٥/٣ والقرطبي في التفسير ٣٣٠/٩ - والدولابي في الأسماء
والكنى ١٠٨/١ . والهندي في كنز العمال حديث رقم ٦٩٦٥.
(٢) أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٥٥٤ كتاب صفة القيامة والرقائق والورع (٣٨) باب (٣٠) حديث رقم
٢٤٦٥ وابن حبان في الموارد حديث رقم ٧٢ وذكره المنذري في الترغيب ١٢١/٤ والزبيدي في
الاتحاف ٦/ ٣٩٠، ٨/١٠ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٦٦١٨٦
(٣) أخرجه مسلم في الصحيح ٣/ ١٤٩٥ - ١٤٩٦ كتاب الامارة (٣٣) باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله
(٢٨) حديث رقم (١٨٧٦/١٠٣) والنسائي في السنن ١١٩/٨-١٢٠ کتاب الایمان وشرائعه (٤٧) باب
الجهاد (٢٤) حديث رقم ٥٠٣٠ وأحمد في المسند ٣٩٩/٢، ٤٢٤ - وابن أبي شيبه ٢٨٧/٥ والبيهقي في
السنن ٣٩/٩ . وذكره المنذري في الترغيب ٢٦٩/٢ - والقرطبي في التفسير ٢٧٧/٥.

٤٥
المقدمة
العَامِلُ الثَّانِي عَشَرَ
اهتداء الصّحابة -رضوان الله عليهم- بكتاب الله وسنة رسوله * يحلّون ما فيهما من
حلالٍ، ويحرّمون ما فيهما من حرام، ويتبعون ما جاء فيهما من نصح ورشد. ويتعهدون
ظواهرهم وبواطنهم بالتربية والآداب الإسلامية دستورهم القرآن، وإمامهم الرسول عليه
الصّلاة والسّلام .
وما من شك أن العمل بالعلم يقرّره في النّفس أبلغ تقرير وينقشه في صحيفة الفكر أثبت
نقش، على نحو ما هو معروف في فن التّربية وعلم النّفس، من أن التّطبيق يؤيد المعارف
والأمثلة تقيد القواعد، ولا تطبيق أبلغ من العمل، ولا مثال أمثل من الاتباع، خصوصاً
المعارف الدِّينية، فإنها تزكو بتنفيذها، وتزيد باتباعها .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلَ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾(١) أي هداية ونوراً
تفرقون بين الحق والباطل، وبين الرشد والغيّ كما جاء في بعض وجوه التفسير.
وذلك أن المُجاهَدّة تؤدي إلى المشاهدة، والعناية بطهارة القلب وتزكية النفس تفجر
الحكمة في قلب العبد، قال الغزالي: أما الكتب والتّعليم فلا تفي بذلك. أي بالحكمة تتفجّر
في القلب بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعدّ إنّما تتفتح بالمجاهدة ومراقبة الأعمال
الظاهرة والباطنة، والجلوس مع الله عز وجل من الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة،
والانقطاع إلى الله عزّ وجلَّ عما سواه فذلك مفتاح الإلهام ومنيع الكشف فكم من متعلّم طال
تعلّمه ولم يقدر على مجازاة مسموعه بكلمة وكم من مقتصر على المهم في التّعليم، ومتوفر
على العمل ومراقبة القلب، فتح الله من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوي الألباب،
ولذلك قالرَّه: ((مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَالَمْ يَكُنَ يَعْلَمُ))(٢) .
العَامِلُ الثالثُ عَشَرَ
وجود الرَّسول وَّه بينهم يحفظهم الكتاب والسُّنة ويعلمهم ما لم يتعلموه، ويفقههم
في أمور دينهم.
قال الشّيخ الزُّزْقَانِيُّ: ((ولا ريب أن هذا عامل مهمٌّ ييسر لهم الحفظ ويهون عليهم
الاستظهار ... )).
(١) الأنفال: ٢٩.
(٢) قال الحافظ العراقي، في هذا الحديث: رواه أبو نُعَيْمٍ في ((الحلية)) لكن بسند ضعيف. الحلية ١٠/

٤٦
المقدمة
عوامل خاصّة بالقرآن الكريم:
وهذه العَوَامِلُ - الخاصَّة - توافرت في حفظ الصَّحابة للقرآن الكريم دون السُّنَّة النّبوية
المطهرة .
أوّلها: تحدّي القرآن للعرب بل لكافَّة الخلق.
قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾(١)، ولما عجزوا قال: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرٍ سُوَرٍ
مِثْلِهِ﴾(٢)، ولما عجزوا قال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾(٣)، ولما عجزوا سجّل عليهم
هزيمتهم وأعلن إعجاز القرآن فقال عزّ اسمه:
﴿قُلْ لَيْنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلٍ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (٤).
ثانيها: عنايته ◌َ له بكتابة القرآن فيما تيسر من أداوات الكتابة، إذا اتخذ كُتّاباً للوحي من
أصحابه، وأقر كل من يكتب القرآن لنفسه في الوقت الذي نهى فيه عن كتابة السنة ففي
الحديث («لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئاً غَيْرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ))(٥).
ثالثها: تشريع قراءة القرآن في الصّلاة، قرضاً كانت أو نفلاً. سرًّا أو جهراً .. وتلك
وسيلة فعّالة جعلت الصحابة يقرءونه ويسمعونه ويحفظونه .
رابعها: الترغيب في تلاوة القرآن في كل وقت، واقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَثْلُونَ
كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وعَلاَنِيَّةً يَرْجُونَ تِجَارَةَ لَنْ تَبُورِ﴾(٦).
ويقول النبيّ ◌َ ◌ّ: «الّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ، وَهُوَ مَاهِرٌ بهِ معَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ وَالَّذِي يَقْرأُ
القُرْآنَ وَهُوَ يَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌ لَهُ أَجْرَانٍ))(٧) ..
وغير هذا الكثير والكثير مما حفل به القرآن والسُّنة .
(١) الطور: ٣٤.
(٢) هود: ١٣.
(٣) يونس: ٣٨.
(٤) الإسراء: ١٧.
(٥) أخرجه مسلم في الصحيح ٢٢٩٨/٤ - ٢٢٩٩ كتاب الزهد والرقائق (٥٣) باب التثبت في الحديث
وحكم كتاب العلم (١٦) حديث رقم (٣٠٠٤/٧٢) وأحمد في المسند ١٢/٣، ٢١، ٣٩، ٥٦
والدارمي في السنن ١١٩/١ - والحاكم في المستدرك ١٢٧/١ وابن عدي في الكامل ٩٢٦/٣، ٥/
١٧٧١ وذكره ابن حجر في فتح الباري ٢٠٨/١، ١٢/٩، ١٤ والهندي في كنز العمال حديث رقم
٢٩١٦٨.
(٦) فاطر: ٢٩.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٠/ ٤٩٠.

٤٧
المقدمة
فهل يعقل أنّ أصحاب محمد والز يتوانون لحظة بعد سماع ذلك عن قراءة القرآن؟ !!
خامسها: عناية الرّسول والله بتعليم القرآن وإذاعته ونشره إذ كان يقرؤه على الناس على
مُكْثٍ كما أمره الله .. وكان يرسل بعثات القرّاء إلى كل بلد يعلّمون أهلها كتاب الله .. قال
عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: كان الرّجل إذا هاجر دفعه النبرّ ◌َ لّه إلى رجل منا يعلّمه القرآن.
سادسها: القداسة التي امتاز بها كتاب .بله «ن كل ما سواه .. تلك القداسة التي تلفت
الأنظار إليه، وتخلع همم المؤمنين به عليه، فيحيطون به علماً، ويخضعون لتعاليمه
عملاً ..
قَالَ الشَّيْخُ الزُّزْقَانِيُّ :
((ونحن نتحدّى أمم العالم بهذه الدواعي التي توافرت في الصّحابة حتى نقلوا الكتاب
والسنة وتواتر عنهم ذلك خصوصاً القرآن الكريم. [الطويل]
إِذَا جَعَتْنَا يَا جَرِيرُ المَجَامِعُ
أُولَئِكَ آبائي فچِئْنِي بِمِثْلِھم
غمرهم الله برحمته ورضوانه . . آمين.
ثَانِياً: عَوَامِلُ تَبّتِ الصَّحَابَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
بعد أن ألقينا الضَّوء على عوامل حفظ الصّحابة للكتاب والسنة، تعرج على بيان
عوامل تثبتهم - رضوان الله عليهم. فيهما.
قال الشَّيْخُ الزّزْقَانِيُّ :
((إنّ النّاظر في تاريخ الصّحابة يروعه ما يعرفه عنهم في تثبتهم أكثر مما يروعه عنهم في
حفظهم؛ لأن التثبت فضيلة ترجع إلى الأمانة الكاملة والعقل الناضج من ناحية، ثم هو في
الصحابة بلغ القمة من ناحية أخرى.
ولهذا التّثبّت النادر في دقته واستقصائه بواعث ودواع أو أسباب وعوامل إليك بيانها:
العَامِلُ الأَوَّلُ
أمر الله تعالى في محكم كتابه بالنََّبْت والتَّحَرّي، وحذّر من الطّيش والتَّرّع فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنِبَاءٍ فَتَنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى
مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾(١).
وكذلك نهى الله عن اتباع ما لا دليل له فقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ
وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أَوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مُسْئولاً﴾(٢) .
(١) الحجرات: ٦.
(٢) الإسراء: ٣٦.

٤٨
المقدمة
وقد عاب القرآن على من يأخذون بالظّن فقال جلّ شأنه:
﴿إِنْ يَشِْعُونَ إِلَّالظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً﴾(١).
وكان الصّحابة هم المخاطبين بهذه التعاليم والمشافهين بها فلا ريب أن تكون تلك
الآداب الإسلامية من أهم العوامل في تثبيتهم وحذرهم خصوصاً فيما يتصل بكتاب ربهم
وسنة نبيهم، وبعيد كل البعد أن يكونوا قد أهملوا هذا النصح السّامي وهم خير طبقة أخرجت
للناس.
العَامِلُ الثّانِي
الترهيب الشديد، والتهديد والوعيد لمن يكذب على الله أو يفتري على رسوله له .
قال عزّ اسمه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مُمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أو قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحٍ إِلَيْهِ
شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢) .
والآيات في هذا الشأن كثيرة.
ونقرأ في السنة النبوية قوله ێت :
(مَنْ كَذَبَ عَلَيٍّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) وهو حديث مشهور، بل متواتر، ورد
أنه قد رواه اثنان وستون صحابيًّا منهم العشرة المبشرون بالجنّة .
والسُّنَّةُ أيضاً مليئةٌ بأحاديثَ من هذا النوع.
فهل يستبيح عاقل مُنْصِفٌ أن يقول: إن الصَّحابة الذين سمعوا هذه النَّصائح وتلك
الزَّواجر يقدمون على كذب في القرآن والسُّنّة أو يقصرون في التّئَبَّت والتّحَرّي
والاحتياط .. ؟ !!
العَامِلُ الثَّالِثُ
أَمر الإسلام لهم بالصّدق ونهاهم عن الكذب إطلاقاً فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا اتَّقُوا
اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾(٣).
ففي هذا إشارة إلى أن الصدق من مقتضيات الإيمان، ويفهم منه أن الكذب سبيل
الكفر والطغيان، وقد صرح الله سبحانه بذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ
يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمْ الكَاذِبُونَ﴾(٤).
(١) النجم: ٢٨.
(٢) الأنعام: ٢١.
(٣) التوبة: ١١٩.
(٤) النحل: ١٠٥.

٤٩
المقدمة
ويقول النبيّ ◌َّ (عَلَيْكُمْ بِالصّدْقِ فَإِنَّهُ مِنَ الْبِرِّ وَهُمَا فِي الجَنَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالَكَذِبَ فَإِنَّهُ
مِنَ الفُجُورِ وَهُمَا فِي النَّارِ))(١) .
وفي الكِتَابِ والسُّنَّةِ أضعاف أضعاف ما ذكر في الموضوع فهل بعد ذلك ترضى هذه
الطبقة ـ الصحابة - أن تركب رأسها وتنكص على أعقابها فتكذب على الله ورسوله أو لا تتحرى
الصدق في كتاب الله وسنة رسوله !! ذلك شطط بعيد لا يجوز إلا على عقول المغفلين.
العَامِلُ الرَّابِعُ
أن الصّحابة - رضوان الله عليهم . كانوا مغرمين بالتَّفقه والتعلّم مولعين بالبحث
والتنقيب، مشغوفين بكلام الله وكلام رسوله روى البُخَارِيُّ ومسلم أن ابن مسعود قال: قال
لي رسول اللهِوَ له: ((اقْرَأُ عَلَيَّ الْقُرْآنَ))(٢) قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال:
(إِنِّي أُحُبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)) فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ
إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤْلاَءٍ شَهِيداً﴾ قال: ((حَسْبُكَ الآنَ)) فالتفت إليه فإذا
عيناه تذرفان .
وكذلك كان الصَّحابة همّتهم أن يقرءوا القرآن ويستمعوه روى الشَّيْخَانِ عن أَبِي مُوسَى
- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله وحثّهُ: ((إِنِّي لأَغْرِفُ أَضْوَاتَ رُفْقَةِ الأَشْعَربين باللّيْلِ حِينَ
يَدْخِلُون، وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآن باللَّيْلِ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا
بالنَّهَارِ))(٣) أليس هذا الولوع بالكتاب والسُّنة من دواعي تثبتهم فيهما، كما هو من دواعي
(١) أخرجه ابن ماجة في السنن ٢/ ١٢٦٥ كتاب الدعاء (٣٤) باب الدعاء بالعفو والعافية (٥) حديث رقم
٣٨٤٨ وأحمد في المسند ٣/١، ٥ - والحميدي في مسنده ٧ وابن حبان في الموارد حديث رقم ١٠٦
والبخاري في الأدب المفرد ٧٢٤ - وابن عساكر ١٥٦/٣.
(٢) متفق عليه أخرجه البخاري في الصحيح ٨/ ٢٥٠ كتاب التفسير (٦٥) تفسير سورة النساء (٤) باب فكيف
إذا جئنا من كل أمة بشهيد (٩) حديث رقم ٤٥٨٢، وفي ٩/ ٩٣ كتاب فضائل القرآن (٦٦) باب من أحب أن
يستمع القرآن من غيره (٣٢) حديث رقم (٥٠٤٩) ومن ٩/ ٩٤ باب قول المقرىء للقارىء حسبك (٣٣)
حديث ٥٠٥٠) وأخرجه مسلم في الصحيح ١/ ٥٥١ كتاب الصلاة المسافرين (٦) باب فضل استماع
القرآن ... (٤٠) حديث رقم (٨٠٠/٢٤٧)، (٨٠٠/٢٤٨) والترمذي في السنن ٢٢٢/٥ كتاب تفسير
القرآن (٤٨) باب (٥) ومن سورة النساء حديث رقم ٣٠٢٥ وابن ماجة في السن ١٤٠٣/٢ كتاب الزهد
(٣٧) باب الحزن والبكاء (١٩) حديث ٤١٩٤ - وأحمد في المسند ١/ ٣٨٠، ٤٣٠ والبيهقي في السنن
٢٣١/١٠ - والطبراني في الكبير ٧٩/٩ وابن أبي شيبه ٥٦٣/١٠، ٢٥٤/١٣، ١٠/١٤، ١١ وابن سعد
١٠٤/٢/٢ - وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٠٣ وذكره الهندي في كنز العمال حديث رقم ٢٨٢٦.
(٣) أخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ١٩٤٤ كتاب فضائل الصحابة (٤٤) باب فضائل الأشعريين رضي الله
عنهم (٣٩) حديث رقم (٢٤٩٩/١٦٦) والبخاري في التاريخ الكبير ١٧٥/٥ وذكره ابن حجر في فتح
الباري ٧/ ٤٨٥ وابن كثير في البداية والنهاية ٢٠٦/٤ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣٣٩٧٤.
أسد الغابة / ج٤٢/١

٥٠
المقدمة
حفظهم لهما، لان اشتهار الشّيء وذيوعه ولين الالسنة به يجعله من الوضوح والظّهور بحيث
لا يشوبه لبس ولا يخالطه زيف، ولا يقبل فيه دخيل.
العَامِلُ الخَامِسُ
يسر الوسائل لدى الصَّحابة إلى أن يتثبتوا، وسهولة الوصول عليهم إلى أن يقفوا على
جليّة الأمر، فيما استغلق عليهم معرفته من الكتاب والسُّنّة، وذلك لمعاصرتهم رسول الله
وَّ يتصلون به في حياته، فيشفي صدروهم من الرّيبة والشّك، ويربح قلوبهم بما يشع عليهم
من أنوار العلم وحقائق اليقين.
أما بعد غروب شمس النّبوة، وانتقاله وَل إلى جوار رَبِّه، فقد كان من السَّهل عليهم
أيضاً أن يتّصلوا بمن سمعوا بآذانهم من رسول الله وّ﴿ والسامعون يومئذ عدد كثير وجَمِّ غفير،
يساكنونهم في بلدهم، يجالسونهم في نواديهم فإن شك أحدهم في آية من كتاب الله تعالى،
أو خبر عن رسول الله أمكنه التثبت من عشرات سواء دون عَنَتٍ ولا عُشْرٍ .
العَامِلُ السَّادِسُ
الشجاعة الفطرية للأَصحاب، والصّراحة الطَّبيعية لهم، حتى لقد كان الرَّجل منهم
يقف في وسط الجمهور يرد على أمير المؤمنين وهو يلقي خطاب عرشه ردًا قويًّا صريحاً
خشناً، بل كانت المرأة تقف في بهوةٍ المسجد الجامع فتقاطع خليفة المسلمين وهو يخطب،
وتعارض رأيه برأيها، وتقرع حجته بحجتها فيما تعتقد أنه أخطأ فيه شاكلة الصّواب.
فهل يرضى العقل والمنطق أن تجرح هذه الأمّة الصريحة القوية وتتهم بالكذب أو
بالسكوت على الكذب في كلام الله، وفي سنة رسول الله؟!
ثم ألا يحملهم هذا الخلق المشرق فيهم على كمال التَّثبت ودقة التّحرِّي في كتاب الله
وسنة رسول الله؟؟
العَامِلُ السَّابِعُ
تكافل الصّحابة تكافلاً اجتماعياً فرضه الإسلام عليهم. لقد کان كل واحد منهم يعتقد
أنه عضو في جسم الجماعة، عليه أن يتعاون هو والمجموع في المحافظة على الملّة، ويعتقد
أنه لبنة في بناء الجماعة، عليه أن يعمل على سلامتها من الدغل والزغل والافتراء والكذب
خصوصاً في أصل التّشريع الأول وهو القرآن وأصله الثّاني وهو سنّة الرّسول عليه الصّلاة
والسَّلام.
واقرأ آيات الأمْرِ بالمعروف والنّهي عن المنكر التي تقرر ذلك التَّكافل الاجتماعي

٥١
المقدمة
الإسلامي بين آحاد الأمّة بما لا يدع مجالاً لمفترٍ على الله، ولا يترك حيلة لحاطب ليلٍ في
حديث رسول الله له .
يقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهُونَ عَنِ
المُنْكَرٍ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيْنَاتِ
وَأُولَئِكَّ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ﴾ إلى أن قال جلّ ذكره: ﴿كُنْتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرِ جَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهُونَ عَنِ المُنْكّرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... ﴾(١).
وهكذا قدّم الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله، تنويها
بجلالتهما، وحثًّا على التمسّك بحبلهما، وإشارة إلى أن الإيمان بالله لا يصان ولا يكون إلا
بهما .
وأما السّنة فيقول ◌َّه: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنكّرِ أَوْ
لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ، ثُمَّتَذْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ)(٢) .
فهل بعد هذا كلّه يعقل أن يعبث الصّحابة، أو يقرون من يعبث بكتاب الله تعالى وسنّة
رسوله صل.
العَامِلُ الثَّامِنُ
تعويدهم الصّدق وترويضهم عليه عملاً، كما أرشدوا إليه وأدبوا به فيما سمعت
علماً، والتّربية غير التّعلم، والعلم غير العلم، ونجاح الفرد، والأمّة مرهون بمقدار ما ينهلان
من رحيق التّربية، وما يقطفان من ثمرات الرّياضة النفسية والقوانين الخلقية.
أما العلم وحده فقدیکون سلاح شقاء، ونذیر فناء، كما نرى ونسمع.
ولقد أدرك الإسلام هذه النّاحية الجليلة في بناء الأمم فأعارها كل اهتمام، وعُنِيّ
بالتَّنفيذ والعمل أكثر مما عني بالعلم والكلام.
انظر إلى قول الرَّسول وَ لمن يدرسون العلم في مسجد قباء «تعلّمُوا ما شِئْتُمْ أَنْ
تَعلّمُوا فَلَنْ يَأْجُرَكُمُ اللَّهُ حَتَّى تَعْمَلُوا)).
ولقد مرَّ بناء قبل ذلك الحديث عن الكذب، وهو أنواع، وشرع الله عقوبة من أشنع
(١) آل عمران: ١٠٤ - ١١٠.
(٢) أخرجه الترمذي في السنن ٤٠٦/٤ - ٤٠٧ كتاب الفتن (٣٤) باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر (٩) حديث رقم ٢١٦٩ وقال أبو عيسى هذا حديث حسن وأحمد في المسند ٣٨٩/٥.
والطبراني في الكبير ١٠/ ١٨٠ وذكره السيوطي في الدر المنثور ٣٠١/٢، ٣٤١ والزبيدي في إتحاف
السادة المتقين ٧/ ١٢.

٥٢
المقدمة
العقوبات لمن اقترف نوعاً منه وهو الخوض في الأعراض، تلك العقوبة هي حدِّ القذف
الذي يقول الحقّ جلّ شأنه فيه: ﴿وَالّذِينَ يَرْمُونَ المُخْصَّئَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَاءَ
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةٌ وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾(١).
أفبعد هذه التربية العالية يصح أن يقال: إن الصحابة یکذبون على الله ورسوله، ولا
يتثبتون، ألا إن هؤلاء من إفكهم ليهرون بما لا يعرفون، ويسرفون في تجريح الفضلاء
واتهام الأبرياء ولا يستحون، فویل لهم من يومهم الّذي يوعدون.
العَامِلُ النَّاسِعُ
القدوة الصَّالحة، والأسوة الحسنة، التي كانوا يجدونها في رسول الله وتسلي ماثلة
كاملة، جذابة أخاذة، ولا شك أن القدوة الصَّالحة خير عامل من عوامل التّعليم والتربية
والتّأديب والتَّهذيب.
ولم يعرف التّاريخ ولن يعرف قدوة أسمى ولا أسوة أعلى ولا إمامة أسنى من محمد
وَّ في كافة مناحي الكمال البشري، خصوصاً خلقه الرّضي، وأدبه السَّني، ولا سيما صدقه
وأمانته وتحريه ودقته .
وكانت هذه الفضائل المشرقة فيه، من بواعث إيمان المُنصِفِين من أَهْلِ الجاهليّة به،
ولقد اضطر أن يشهد له بها أعداؤه الألِدَّاء، كما آمن بها أتباعه الأوفياء.
ومما يذكر بالإعجاب، والفخر لنبي الإسلام وَّ أنه عرض الإسلام على بني عامر بن
صَعْصَعَةً، وذلك قبل الهجرة، وقبل أن تقوم للدین شوكة، فقال کبیرهم: أرأيت إن نحن
تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك، فأجابه ◌َ ل# بتلك
الكلمة الحكيمة الخالدة: ((الأَمْرُ لِلَّهِ بِضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ))(٢)، فقال له کبیرهم: أفتهدف نحورنا
للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك.
وهنا تتجلّى سياسة الإسلام، وأنها سياسة صريحة مكشوفة، رشيدة، شريفة لا تعرف
الالتواء والكذب والتّضليل كما تتجلّى صراحة في نبيّ الإسلام وصدق، نبى الإسلام،
وشرف نبيّ الإسلام، عليه الصّلاة والسّلام.
العَامِلُ العَاشِرُ
سموُ تربية الصّحابة على فضائل الإسلام كلّها، وكمال تأدبهم بآداب هذا الدين
(١) النور: ٤.
(٢) أخرجه الدارقطني في السنن ٢٢١/٣ بلفظ الأمر إلى الله - وذكره العجلوني في كشف الخفاء ٢٢٤/١.

٥٣
المقدمة
الحنيف وشدة خوفهم من الله، وصفاء نفوسهم إلى حدٍ لا يتفق والكذب، خصوصاً الكذب
على الله تعالى، والتجنّي على أفضل الخليقة صلوات الله وسلامه عليه.
وإذا استعرضنا تاريخ الصّحابة - رضوان الله عليهم - نشاهد العجب في عظمة تأديب
الإسلام لهم، وتربيته إيّاهم تربية سامية جعلتهم أشباه الملائكة يمشون على الأرض لا سيما
ناحية الصّدق والأمانة، والتثبّت والتَّحرِّي والاحتياط، وذلك من كثرة ما قرر القرآن فيهم
لهذه الفضائل.
ومن عناية الرّسول وَ لربهم علماً وعملاً ومراقبة حتى أصبحوا بنعمة من الله وفضل
منطبعة قلوبهم على هذه الجلائل متشبعة نفوسهم بمبادىء الشرف والنبل تأبى عليهم
كرامتهم أن يقاربوا الكذب أو يقارفوا التّهجم لا سيما التَّهجّم على مقام الكتاب العزيز وكلام
صاحب الرسالة له.
قالت عائشة - رضي الله عنها ۔ «ما کان خلق أشد علی أصحاب رسول الله ێ من
الكذب، ولقد كان رسول الله و # يطلع على الرّجل من أصحابه على الكذب فما يتجلى من
صدره حتى يعلم أنه أحدث توبة لِلَّه عزَّ وجلَّ)(١) .
الصَّحَابَةُ وَالْفِقْهُ
الصَّحَابَةُ - رضوان الله عليهم .- كانوا يسألون عما يقع لهم من الحوادث، وحكم الله
فيها، يتوجَّهُون بالسؤال إلى النّبيّ ◌َّ فيفتيهم تَارَةً بالآية أو الآيات ينزل الوحي بها عليه وتارة
عندما لا يسعفه الوّخي يفتيهم باجتهاده.
وعندما لا يتيسَّر لهم سؤال الرَّسُولِوَ ل﴿يسأل الصَّحابة بعضهم بعضاً فيما يَعِنُّ لهم من
أمور وما يشكل عليهم من حوادث، علّه يعرف في الواقعة حكماً لم يعرفه، فهم ليسوا سواء
في العلم والفقه، فقد كان عِلْمُ التَّيمُّمِ عند عَمَّارٍ وغيره ولم يعلمه عمر، وكان حكم المسح
عند عَلِيٍّ وحذيفة ولم تعلمه عائشة وأبن عمر وأبو هريرة.
والنَّاسُ في البَلاَدِ البعيدة عن المدينة يسألون الصحابة الموفدين إليهم من قبل الرَّسُولِ
ځ فیما يعرض لهم من أُمور.
وبعد أن ألحق النَّبِيِ نَ ◌ّه بالرفيق الأعلى، وانتقلت السُّلْطَةُ التَّشريعية إلى الخُلَفَاءِ
الرَّاشدين وإلى كبار الصَّحابة من بعده، بدأ الفقه يظهر بوضوح ويأخذ في الظهور شيئاً فَشيئاً،
ذلك أن الفتوحات الإسلامية انتشرت وامتدت رقعة البلاد شرقاً وغرباً، وانتقل إلى هذه
البلاد المفتوحة الصّحابة يحكمون ويقضون، ويفتون على وفق ما يفهمون من كتاب الله
(١) مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ الزرقاني ص ٢٨٣ والصفحات التي بعدها بتصرف.

٥٤
المقدمة
وسنة رسوله و﴿ فإن لم يجدوا في كتاب الله ولا في سُنَّة رسول الله وَّه ما يسعفهم فيما يسألون
عنه أعملوا رأيهم واجتهدوا وحاولوا الوصول إلى حكم الله في المسائل التي تعرض عليهم
مُلَبِّين رغبات الناس وأهل البلاد المفتوحة واتسعت صدورهم ولم يتقيَّدوا بقيود في
المصلحة الواجب مراعاتها، وقبلوا من غير تفكير طويل الأمور الغريبة عنهم ما دام لا يوجد
ضدّها اعتراض ديني أو خلقي أو واقعة فقهية حصلت، وبهذا كان اجتهادهم فسيحاً متسعاً
لحاجات النّاس ومصالحهم، وكانت حريّة هذا الاجتهاد كَفِيلَةً بالتّقنين والتّشريع لكل
معاملاتهم وحاجاتهم، ومن هنا أخذ الفقه يتطور حثيثاً، ويخطو خطوات سريعة نحو التقدم
والازدهار.
كان عصر الخلفاء الراشدين، وعصر كبار الصحابة عصراً يحمل طابع التّقوى
والصَّلاحِ والتّمسك بروح الدِّين الفضيلة التي عرفوها من الرَّسُول ◌َ ◌ّ هذا العصر الذي أُمْتَازَ
بالهدوء والنّظام، ولم تختلف فيه وجهات النّظر كثيراً في الحكم بين الأُمَّة وحكامها، وكان
عصر انتصار يقود من نصر إلى نصر، ومن فتح إلى فتح، وأَتَّسعت به رقعة البلاد الإسلامية
وامتدت أطرافها وَنَعِمَ النَّاس فيه بنعمة الدِّين والدُّنيا.
ومن هذا يتّضح أن الصحابة - رضوان الله عليهم - تفرقوا في البلاد المفتوحة حاكمين
ومعلّمين حُرَّاساً ومُرَابطين قضاة ومُفْتِينَ، وآثر بعضهم البقاء في المدينة كزيد بن ثابت وعبد
الله بن عمر، ففي مكّة كان عبد الله بن عباس، وذهب إلى الكوفة عبد الله بن مسعود، وإلى
مصر عبد الله بن عمرو بن العاص، وإلى الشَّام معاذ بن جبل وعبادة بن الضّامت وأبو
الدَّرداء، وإلى البَصْرة أبو موسى الأشعريُّ، وأنس بن مالك، وكانت الأمصار مُتَعَطّشَةً إلى
معرفة تعاليم الدين الإسلاميّ الذي بزغْ نُوره منذ فجرٍ قريب، فأقبل أهل كل مصر على من
نزل بهم من الصّحابة يفترقون من بحورهم ويستفتونهم ويتعلّمون منهم، واكتفى كل مصر
بما عنده، ووثقوا به لقلة الاتّصال وصعوبة المواصلات.
ولم يكن الصَّحابة جميعاً في العلم والفهم ومعرفة أحاديث الرّسول وَ لو سواء، فمنهم
من لازم النّبيّ وَلّ مدّة طويلة، فسمع من الحديث أكثر من غيره ومنهم من لازمه في الغزوات
والأسفار، ومنهم من لم يظفر بذلك.
وقد كان لهؤلاء الصَّحابة آثارهم الخاصَّة في البلاد لتي استوطنوها أو نزلوا بها ممّا
تركوا فيها من ثروة تشريعية كبيرة، وبما كان لهم فيها من تلاميذ أخذوا عنهم علمهم وفقههم
وخلفوهم في التَّشريع وإفتاء الناس. وقاموا بما كان يقوم به أساتذتهم من الصَّحابة، وذلك
هُمُ التَّابِعُونَ كسعيد بن المسيّب بالمدينة ومجاهد وعطاء بن أبي رباح بمكّة وإبراهيم النّخَعي

٥٨
المقدمة
بالكوفة وابن سيرين والحسن البصري بالبصرتر يكحول وعمر بن عبد العزيز، وأبر إدريس
الخولاني بالشام وطاوس باليمن، ويزينبن حبيب بعصر.
وتبعاً لشخصيَّات الصَّحابة ومناحيهم في التشريع وتبعاً لشخصيّات تلامذتهم الّذين
ترسَّموا خطاهم، ونظراً لاختلاف عادات البلاد وتقاليدها واختلاف معيشتها وأحوالها.
الاجتماعية، والاقتصادية أخذت تبرز الخلافات التّشريعية في الأمصار المختلفة، وبدأت
تتكوَّن المدارس الفقهية في هذه الأمصار وتظهر آثارها واضحة جلية.
وفي مقدمة هذه المدارس ومكان الصدارة منها كانتا تقوم مدرسة المدينة ومدرسة
الكوفة، وبعبارة أخرى مدرسة الحِجَازِ، ومدرسة العراق، نظراً لما تركتاه من آثار تشريعية
كبيرة، وبما تميَّزَتْ به كل واحدة عن الأخرى من سمات ظاهرة كانت علماً عليها، وكانت
المنافسة بين هاتين المدرستين حامية الوطيسٍ، كل تعيب على الأخرى مسلكها في
التشريع، وكان لكل منهما رجالها وأعلامها المبرزون .
مَدْرَسَةُ المَدِينَةِ
كان المدرسة المدينة في العصر الأول للإسلام المكانة المرموقة إذ كانت الجامعة التي
يقصدها طلاب الفقه والحديث الرَّاغبُونَ في العلم والمعرفة؛ لأنَّها دار هجرة المصطفى وَ ه
والبلد الذي نزل فيها الوحي وعاش فيها الصّحابة - رضوان الله عليهم أجمعون- فضلاً عن
كونها العاصمة السّياسيّة للدولة الإسلامية، ومركز الخلافة بعد النّبِيّ م فكانت مجمع
العلماء ومثوى الفقهاء، ودار الأَتَّقِيّاء والصَّالحين، وبقيت كذلك وقتاً طويلاً.
وكان إمام هذه المدرسة سعيد بن المسيّب، يرى هو وأصحابه أن أهل الحرمين أثبت
النَّاس في الفقه، حيث الصَّحابة كثيرون والسُّنة متوافرة، فما وجدوه مجمعاً عليه بين علماء
المدينة فإنهم يتمسكون به، وما كان فيه اختلاف عندهم فإنّهم يأخذون بأقواه وأرجحه، إمّا
بكثرة من ذهب إليه أو لموافقته لقياس جليٍّ أو تخريج صريح من الكِتّاب والسُّنَّة أو نحو
ذلك، وإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألة، خرجوا من كلامهم وتتبّعوا الإيماء
والاقتضاء فحصل لهم من ذلك مسائل كثيرة في كل باب من أبواب الفقه.
أُصُولُ هَذِهِ المَدْرَسَةِ
الصَّحَابةُ الَّذين أثروا فيها هم: عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وأم
المؤمنین عائشة، و عبد الله بن عباس.
قال الشعبي: من سَرَّهُ أَنْ يأخذ بالوثيقة في القضاء فليأخذ بقول عمر.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، إذا اختلف النَّاس في شَيْءٍ فانظروا ما صنع عمر فخذوا به.

٥٦
المقدمة
وقال آبْنُ المُسيّبِ: ما أعلم أحداً بعد رسول الله وَ ل أعلم من عمر بن الخطاب
وقال بعض التَّابعين: دفعت إلى عُمَرَ فإذا الفُقّهاء عنده مثل الصِّبيان قد استعلى عليهم
في فقهه وعلمه .
وأما عن زيد بن ثابت فقد قال مسروق: قدمت المدینة فوجدت زيد بن ثابت من
الرَّاسخين في العلم، وصح عن النّبيِ وَّ أنه قال للصّحابة: «أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ».
وقال الشُّعبي: غلب زيد النَّاس على اثنتين: الفرائض والقرآن.
وقال سُلَيْمَانُ بْنُ يَسّارِ: ما كان عمر ولا عُثْمان يقدمان على زيد أحداً في القَضَاءِ
والفَتْوَى والفَرَائِضِ والقراءة، وبالجملة: فقد كان واسع الاطلاع ضليعاً في فهم تعاليم
الإسلام له القدرة الفائقة على استنباط الأحكام ذا رأي فیما لم یرِدْفیه أثر .
وأما عن ابن عمر وابن عبَّس، فكان ميمون بن مهران يقول عنهما إذا ذكرا عنده: ابن
عمر أورعهما، وابن عباس أعلمهما، وقال أيضاً: ما رأيت أفقه من ابن عمر ولا أعلم من ابن
عباس، وكان ابْنُ سيرين يقول: اللَّهم أَبْقِي ما أبقيت آبْنَ عُمّرَ أقتدي به.
وقال أَبْنُ الأَثِير: كان ابن عمر شديد الاحتياط والتوقِّي لدينه في الفَتْوَى، وكل ما
تأخذه به نفسه .
وقال الشُّعبي: كان جيد الحديث ولم يكن جيد الفقه، وقد حمله الوَرَعُ على أن لا
يكثر من الفَتْوَى، ومن مذهبه في الفقه تفرَّع مذهب المدنيين ثم مالك وأَتْبَاعه.
وقال أبْنُ عباس: ضمَّني رسول اللهِِّ وقال: ((اللّهُمَّ عَلَّمْهُ الحِكْمَةَ))، وقال أيضاً:
دعاني رسول الله ◌َّ﴿ فمسح على ناصيتي، وقال: «اللَّهُمَّ عَلَّمْهُ الحِكْمَةَ وَتَأْوِيلَ الكِتَابِ».
ولما مات أَبْنُ عَبَّاس قال مُحَمَّدُ ابْنُ الحَتَفِيَّةِ: مات رباني هذه الأمّة، وقال عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحداً أعلم بالسُّنّة ولا أجدد رأياً ولا أثقب نظراً حين ينظر مثل ابن
عباس.
وقال عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاح: ما رأيت مجلساً أكرم من مجلس ابن عباس، أصحاب الفقه
عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشّعر عنده يصدرهم كلهم من واد واسع.
وقال أَبْنُ عَبَّاسٍ: كان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - يسألني مع الأكابر من أصحاب
رسول الله گلله .
وقال الأَعْمَشُ: كان ابن عباس إذا رأيته قلت: أجمل النّاس، فإذا تكلم قلت: أفصح
النّاس، فإذا حدث قلت: أعلم النّاس.
وأما عائشة - رضي الله عنها. فكانت مقدمة في العلم والفرائض والأحكام والحلال

٥٧
المقدمة
والحرام، وكان من الآخذين عنها الَّذِين لا يكادون يتجاوزون قولها المتفقُّهُون بها القاسم بن
محمد بن أبي بكر ابن أخيها، وعروة بن الزبير ابن أختها أسماء.
قال مَسْرُوق لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ولا يسألونها عن الفَرَائِض.
وقال عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: ما جالست أحداً قطّ كان أعلم بقضاء ولا بحديث بالجاهلية ولا
أروى للشعر، ولا أعلم بفريضة ولا طِبٌّ من عائشة.
الفُقُهَاءُ السَّبْعَةُ بِالمَدِينَةِ
هُمْ عَلَى أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ:
سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأبو
بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود،
وسلیمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت .
عبد الله بن عمر
عبید الله
ابن عبد الله
عروة بن
الزبير بن
العوام
القاسم بن
محمد بن
أبي بكر
سعید
ابن
المسيب
سلیمان
ابن
يسار
خارجة
ابن عتیة
ابن مسعود
٩٤ هـ
٩٤ هـ
١٠٦ هـ
٩٤هـ
١٠٧ هـ
١٠٠ هـ
أبو بكر بن
عبد الرحمن بن
الحارث بن
هشام
٩٤ هـ
وقد ذاعت شهرة الفُقَهاء حتى سمّي عصرهم بعصر الفقهاء السَّبعة، وكان عملهم هو
تأسيس الفقه الإسلامي، وصبغ الحياة كلها، والعلم على نفاذها بأسرها على قواعد من
الدِّين والأخلاق.
مَدْرَسَةُ الْكُوفَةِ
وفي موازاة مدرسة المدينة، وفي النّصف الثاني من القرن الهجري الأوّل كانت تقوم
بالعراق مدرسة أخرى مركزها الكوفة تناهض مدرسة المدينة وتحاول جاهدة في إِفْساح
الطَّريق أمام مبادئها، وقد كان لهذه المدرسة قيمة فقهيّة كبيرة وشهرة ذائعة حصلت عليها
بفضل جهود فقهائها الّذين عملوا مخلصين في إرساء قواعدها، وكافحوا في سبيل إعلاء
منارتها، وإن كانت لم تصل إلى مركز مدرسة المدينة وشهرتها، بل ولم تتبوَّأ مركزها الممتاز
إلا في القرن الثّاني الهجري بفضل جهود تلامذتها، وعلى الأخصِّ في عصر وعلى يد أبي
حنيفة التُعمان وأصحابه وتلامذته.
ابن
زید

٥٨
المقدمة
مُؤَسِّسُ هَذِهِ المَدْرَسَةِ
ومؤسِّس هذه المدرسة من الصَّحابة هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهزليّ من
السَّابقين إلى الإسلام، وممَّن شهدوا بدراً، وأحد المبشّرين بالجنّة، أقرب الناس سمتاً ودلاً
وهدياً برسول الله ﴿ ﴿ كما قال حُذَيْفَةُ، معلّم أهل الكوفة وقاضیھا، ومؤسّس طريقتها، كان
ينحو منحى عمر بن الخطّاب-رضي الله عنه- وعلى منحاه كان يسير من الاعتداد بالژَّأي حيث
لا نَصَّ من كتاب أو سنة وهو الّذي يقول: لو سلك النّاس وادياً وشعباً وسلك عمر وادياً
وشعباً لسلكت وادي عمر وشعبه، وكان لا يخالفه إلا في القليل النَّادر، وكان ذلك القليل
النَّادر أقرب إلى القبول عند هذه المدرسة مما اجتمع عليه هو وعمر - رضي الله عنه ..
عن الأَعْمَشِ عن ابراهيم النّخَعِي أنه كان لا يعدل يقول عمر وعبد الله إذا اجتمعا، فإذا
اختلفا كان قول عبد الله أعجب إليه، لأنه ألطف، وقرأ القرآن فأحلِّ حلاله وحرم حرامه،
فقيه في الدين عالم بالسَّنة، ولي بيت المال بالكوفة لعمر وعثمان-رضي الله عنه- وقدم آخر
عمره المدينة ومات بها في خلافة أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه. سنة ٣٢ هـ.
تَلاَمِيذُ هَذِهِ المَدْرَسِ
وأشهر تلاميذ هذه المدرسة من أصحاب عبد الله بن مسعود الّذين أخذوا أقواله وتثقّفوا
بآرائه هم هؤلاء الفقهاء السِّتة: علقمة بن قيس النّخَعي، والأسود بن يزيد النَّخعي،
ومسروق بن الأجدع الهَمْدَانِي، وعبيدة بن عمرو السّلماني، وشريح بن الحارث القاضي،
والحارث الأعور.
مَدْرَسَةُ الكُوفَةِ
عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ
شریح بن
الحارث
الکندي
٧٨هـ
الأسود بن
یزید
النخعي
٧٥هـ
علقمة بن
قیس
النخعي
٦٢ هـ
مسروق بن
الأجدع
الهمداني
٦٣ هـ
عبيدة
السلماني
الحارث
الأعور
٧٢هـ
٦٥ هـ
إبراهيم النخعي
٩٥ هـ
عامر بن شراحيل الشعبي
١٠٤ هـ

٥٩
المقدمة
أُصُولُ مَدْرَسَةِ الكُوفَةِ
كان أهل الكوفة يرون أن عبد الله بن مسعود وأصحابه أثبت النَّاس في الفقه، واعتقدوا
أنّهم في الدَّرجة العليا من التَّحقيق وكانت قلوبهم أميل شيء إلى أصحابهم كما قال علقمة
لمسروق: ((هل أحدٌ منهم أَثْبَتُ من عبد الله)) وقال أبو حنيفة: إبراهيم أفقه من سالم، ولو
فضل الصّحبة لقلت علقمة أفقه من ابن عمر، وعبد الله هو عبد الله، وقد جمعوا من فتاوى ابن
مسعود وقضايا علي وفتاواه وكل ما تيسّر لهم جمعه، وصنعوا من آثار أصحابهم كما صنع
أَهْلِ المدينة، وخرجوا كما خرج هؤلاء ولم يكن عندهم من الأحاديث والآثار ما يقدرون به
على استنباط الفِقْهِ على الأصول التي اختارها أهل الحديث، ولم تنشرح صدورهم للنّظر في
أقوال علماء البلدان وجمعها، وكان عندهم من الفطانة والحَدّس وسرعة انتقال الذهن من
شيء إلى شيء ممَّا يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم ﴿وكلِّ
مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ﴾ و﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، فمهدوا الفقه على قاعدة التخريج.
مُقَارَةٌ بَيْنَ الْمَذْرَسَتَيْنِ
كان طابع كلتا المدرستين فقهيًّا، غير أن مدرسة المدينة كانت تعتمد في الاسْتِنْبَاط
الفقهي على النصوص لقيامها في المدينة تلك البلد التي عاش فيها النبيّ يَّ والخلفاء
الرَّاشدون وأكثر الصَّحابة، فالأحاديث فيها كثيرة والآثار متوافرة، وقد توجّهت هممهم
وانشرحت صدورهم لجمع أحاديث الرَّسول وآثار الخلفاء الرَّاشدين والصّحابة المقربين
بها، فحصل لهم من ذلك الشّيء الكثير أغناهم في كثير عن اسْتِعْمَال الرَّأي، فما من مسألة
مُسّائل إلا وجدوا فيها حديثاً مرفوعاً متَّصلاً أو مرسلاً أو موقوفاً صحيحاً أو حسناً أو صالحاً
للاغْتِبَار، أو وجدوا أثراً من آثار الخُلَفَاءِ الرَّاشدين والصَّحابة عندهم، وقلَّما تعرض مسألة
ليس فيها نَصِّ من كتاب أو سُنّة أو أثر صحابي ولم يكن عندهم من العمران ما تتّجه به المسائل
وتتكاثر فالحياة بمنأى عن المؤثّرات الخارجية والأعراف الأخرى فهي لا زالت يدويّة
متكررة، ما يحدث اليوم قد حدث بالأمس القريب أو البعيد، وإن وقعت حادثة ليس لها
سابقة وقلّما يكون أعملُوا رأيهم على نحو ما كان يفعل سلفهم من الصَّحابة مع مراعاة اقْتِضَاء
النّصّ وإيمائه، ولم يذهبوا بعيداً، فكانت بذلك أقرب إلى السُّنن النَّوية وإلى الحديث.
وأمَّا مدرسة الكوفة، فإنَّها وإن كانت تقليدية من حيث المبدأ واعتمادها على
الأحاديث، والآثار المروية عن طريق الصحابة الذين عاشوا بينهم ووثقوا بهم إلا أن
الأحاديث عندهم كانت قليلة، فقد روي أن عمر - رضي الله عنه - حينما بعث رَهْطاً من
الأنصار إلى الكوفة نهاهم عن كثرة التَّحديث وقال لهم: إنكم تأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن،

٦٠
المقدمة
فيأتونكم فيقولون: قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأقِلُوا الرّواية
عن رسول الله گلټ .
ونظراً لِشُيُوع الوضع في العراق من جانب الشّيعة وغيرهم وتهيبهم من رواية الحديث
كان بالتّالي ذخيرة الأحاديث عندهم قليلة، ونظراً لأن هذه المدرسة كانت تقوم في جوٍّ أوسع
من جوّ التَّقليد المدني، فالحياة في العراق مزدحمة بالعمران والحضارات متشَّعِّبة من
رومانيّة وفارسيّة والمسائل متشابكة كان لا بد من استعمال الرّأي كثيراً وكثيراً جدّاً، وكانوا لا
يكرهون المسائل ولا يهابون الفُتْيَا فخرجوا المسائل على أقوال أصحابهم وافترقوا وأجابوا
وساروا في هذا الاتّجاه شوطاً طويلاً(١). ولله الحمد والمنّة.
جُهُودُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِي نَشْرِ الإِسْلاَم
فإِنَّ الله حین اختار نبيَّه محمداً مُلّ لتبليغ رسالته اختار له أصحاباً على شاكلته، عزَّروه
ونصروه واتّبعوا النُّور الَّذِي أنزل معه، عاشوا تحت راية نبيِّهم سعداء، وماتوا صديقين أو
شهداء، كان التَّوحيد مبدأهم، والحب دَيْدَنَهُمْ، والسلام طبيعتهم، والصلاة والصيام
والصدقة وصلة الأرحام منهجهم، ورضا الله غايتهم. ملأوا الدنيانوراً، وأشاعوا في الكون
بهجة وسروراً، وقادوا الانسانية إلى ركب الحضارة المستنيرة وأرسوا قواعد الدين فلم.
يغيروا ولم يبدّلوا، حبب الله إليهم الإيمان وزنَّبه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق
والعصيان أولئك هم الراشدون فضلاً من الله ونعمة.
ولما اختار الله نبيه إلى جواره بعد أن ترك الناس على المحجّة البيضاء تألق في سماء
الإسلام نجم كان الوزير الأول في حياته وم ثم صار الخليفة بعد مماته، ذلكم هو أبو بكر
الصديق الذي سار على النَّهج المحمدي في غير تحريف ولا تبدیل.
فقضى على أول فتنة ظهرت بعد وفاة النّبي ◌َّ في سقيفة بني ساعدة .. تلك التي
أثارها وأشعل نارها سعد بن عبادة الخزرجي؛ بعد أن مَنَّ الله على أبي بكر بقوة الحجّة
والبرهان، ومنَّ على سعد بن عبادة ومن اتبعه بالطاعة والإذعان، ثم توجّه إلى مانعي الزّكاة
فأعادهم بقوة بأسه ورباطة جَأْشِهِ إلى ما كانوا عليه في عهد النبيّ عليه الصلاة والسلام،
وحارب المرتدين فعادوا إلى حظيرة الإسلام صَاغِرِينَ، وأنفذ جيش أسامة إلى الرّوم، وكان
قد جهزه رسول الله وَلو للخروج إليهم، ولتأديب الغَسَاسِنَةِ العرب الذين هجروا الجزيرة
العربية، واستقروا في الشام، وواجه أدعياء النبوة من أمثال مُسَيْلَمَّةَ الكَذَّاب والأسود
العَنسيّ وطليحة الأسديّ وسجاح التميمية وغيرهم فارتدوا خاسرين.
(١) المفصل للشيخ الخضراوي ص ٣٨ وما بعدها.