Indexed OCR Text

Pages 1-20

الإمام الذهَيِي وَكتَابُ المغْني
هو الامام الكبير سيد النُّقاد في عصره ، صاحب التآليف الكثيرة
النافعة : شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قاماز الذهبي
الدمشقي الحنبلي ، محدث الشام ومؤرخه .
ولد سنة - ٦٧٣هـ ـ في كفر بطنا من غوطة دمشق ، وطلب
الحديث وله ثماني عشرة سنة ، تلقى من العلماء أنواع العلوم
والفنون ، ورحل إلى أقطار كثيرة شتى ، وسمع من العلماء الأكابر :
سمع بدمشق من أبي حفص عمر بن القواس ، وأبي الفضل بن
عساكر ، وخلق كثيرين .
وسمع بمصر الأبرقوهي ، وبالقاهرة الدمياطي ، وبالاسكندرية
الغرّافي ، وبحلب سنقر الزيني ، وبنابلس العماد بن بدران ، وبمكة
- ١ -

التوزري ، وأجاز له خلق من أصحاب ابن طبرزد والکندي وحنبل
وابن الحرستاني ، وغيرهم من شيوخه في معجمه الكبير أزيد من ألف
ومائتي نفس بالسماع والإِجازة .
ولم يلبث الذهبي أن بزغ نجمه ، وعَلا كعبه في فنون الحديث ،
لا سيما علوم الرجال والتواريخ ، فقصده ورحل إليه خلق كثير
للإفادة منه والتلقّي عليه ، وصار لهم ذهب عصره العلمي ، يلجأون
إليه إذا نزلت المعضلة ، ويعوّلون في حلها عليه .
ولي مشيخة الظاهرية قديماً ، ومشيخة النفيسية والفاضلية
وغيرها . وعكف على التأليف والتصنيف ، فكتب علمًا كثيراً،
وصنف الكتب المفيدة ، فمن أطولها تاريخ الاسلام ، ومن أحسنها
ميزان الاعتدال ، والمغني في الضعفاء ، وهو من مؤلفاته المختصرة .
ومصنفاته وتخريجاته ، ومختصراته لكتب المتقدمين والمتأخرين تقارب
المائة ، وتمتاز مصنفاته بغزارة الفائدة والتحقيق المفيد النافع ، مع
حسن الأسلوب ، وعذوبة السبك ، ومن قرأ كتبه لمس ذلك فيها ،
وقد كان أديباً شاعراً مجيداً ، ومن شعره في أواخر حياته قوله :
وأقبل شيب علينا تولَّى
تولى شبابي كأن لم يكن
فما بعد هذين إلا المُصلَّى(١)
ومن عاين المنحنى والنَّقى
(١) طبقات الشافعية الكبرى : ٥ : ٢١٧ .
- ٢ -

وقد سار بجملة من تأليفه الركبان في أقطار البلاد ، ولم يزل ينتقي
ويصنف حتى أضِرّ في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة ، ثم توفي ليلة
الاثنين ثالث ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة بدمشق رحمه
الله تعالى .
قال العالم الفقيه شمس الدين محمد بن علي الحسيني في ترجمته من
ذيله على تذكرة الحفاظ(٢): ((الشيخ الامام العلامة ، شيخ
المحدثين ، قدوة الحفّاظ والقراء ، محدِّث الشام ومؤرِّخه ومفيده
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان ، كان أحد الأذکیاء
المعدودين ، والحفاظ المبرزين ... ، حمل عنه الكتاب والسنة
خلائق ، والله تعالى يغفر له )).
وقال التاج السبكي(٣): ((أما أستاذنا أبو عبد الله فبصير لا نظير
له ، وكبير هو الملجأ إذا نزلت المعضلة ، إمام الوجود حفظاً ، وذهب
العصر معنى ولفظاً ، وشيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال في كل
سبيل، ... ، جزاه الله عنا أفضل الجزاء ، وجعل حظّه من الجنان
موفر الإِجزاء)).
(٢) ص ٣٤ .
(٣) في طبقات الشافعية الكبرى: ٩ : ١٠٠ .
- ٣ -

وقال العلامة محمد بن شاكر الكتبي في فوات الوفيات(١):
((أتقن الحديث ورجاله ، ونظر علله وأحواله ، وعرف تراجم
الناس ، وأزال الإِبهام في تراجمهم والإِلباس ، جمع الكثير، ونفع
الجّم الغَفير، وأكثر من التصنيف ، ووَفّر بالاختصار مؤنة التطويل
في التأليف )).
ومن المراثي التي قيلت عند وفاته ، قول الامام السبكي في قصيدة
طويلة :
مَنْ بعد موت الامام الحافظ الذهبي
مَنْ للحديث وللسارين في الطّلب
بين البرية من عُجْم ومن عرب
مَنْ للرواية للأخبار ينشرها
بالنَّقد من وضع أهل الغي والكذب
مَنْ للدِّراية والآثار يحفظها
في النقل أصدق أنباء من الكتب(٢)
ثبْت صَدُوق خبير حافظ يَقِظ
وكتاب ((المغني في الضعفاء)) الذي نقدمه الآن من الكتب الذهبية
القيمة ، جمع فيه مؤلفه ما تفرَّق في أمهات كتب الضعفاء قبله جمعاً
عظيمًا ، جعل الكتاب ينفرد بكثير من التراجم لا نجدها في غيره من
المطولات حتى ميزان الاعتدال للذهبي نفسه ، ولسان الميزان للحافظ
(١) : ٢ : ١٨٣.
(٢) طبقات الشافعية : ٩ : ١٠٠
- ٤ -

ابن حجر ، على الرغم من أنه ألفه قبل ميزان الاعتدال(١) ، وصوب
أشياء وقعت في الميزان على غير وجهها(٢) ، ولعل ذلك لما أتيح له من
مراجعة الكتاب بعد تأليف الميزان .
وقد قصد الإمام الذهبي في هذا الجمع إيراد من تكلم فيه ، ولو
كان ثقة حافظاً لا وجه للكلام فيه ، ولا مورد للطعن عليه . وهو
المنهج الذي سلكه في كتاب الميزان أيضاً .
وهو صنيع تبع فيه ابن عدي في كتابه ((الكامل في الضعفاء)) خشية
أن ينتقد عليه إن لم يذكر هؤلاء ...!!
قال في ترجمة الحافظ الثقة بُنْدار محمد بن بشار رقم ٥٣٢٧ :
«قلت : لم أُذکر بنداراً وأمثاله في كتابي لِلین فیه عندى ، ولکن لئلا
يتعقب عليَّ فيهم ، فيقول قائل : فيهم مقال)) .
ولهذا السبب فان القارىء يجد في كتابيه هذين جماعة من الأئمة ،
والحفاظ ما كان ينبغي أن يذكرهم فيها ، ولو خشي الملامة !!
ويمتاز كتاب المغني هذا بسلوك سبيل الايجاز في الكلام على
الرواة ، وتحرير أقوال الأئمة فيهم ، مما يقدم لمطالعة زبدة أقوال أئمة
الجرح والتعديل في كل راوٍ بأيسر سبيل ، وييسر الإِفادة من الأبحاث
المطوّلة في الرواة بالقاء الضوء على الاتجاه فيها .
(١) انظر على سبيل المثال رقم : ٤٣٠٣، و٤٣١٤.
(٢) انظر مثلاً رقم ٢٨٦٢، و٥٥١٤ .
- ٥ -

وقد أبان الامام الذهبي رأيه في كثير من هؤلاء الرواة ، وترك كثيراً
منهم للقارىء ، كي يجري فيهم على قواعد علم الجرح والتعديل .
ويجد القارىء في تعقيبات الذهبي الموجزة فوائد قيمة ، يحتاج في
تحصيلها إلى كثير من الجهد .
لذلك حَظِي كتاب ((المغني في الضعفاء)) بعناية العلماء وثنائهم ،
حتى جعله الامام جلال الدين السيوطي(١) مثالاً لكتاب ((صغير
الحجم ، نافع جداً ، من جهة أنه يحكم على كل رجل بالأصح فيه
٠٠٠)
:
بكلمة واحدة .
وحسبنا من الدليل على أهمية هذا الكتاب ومكانته العلمية أن نجد
إمامين من أئمة العلم هما : الامام محمد السّفَاقُسِي وأخوه الإِمام
إبراهيم يشغلان في الكتاب وقتاً طويلاً من رحلتهما ، ينسخه أولهما
بخطه ، ثم يقرؤه على مؤلفه يتلقاه هو وأخوه الامام إبراهيم عن
المؤلف نفسه . رحم الله الجميع ورضي عنهم .
طبقات الكتاب والرُّواة المتكلم فيهم :
تتفاوت مراتب الرُّواة الذين اشتمل عليهم كتاب ((المغني في
الضعفاء)) تفاوتاً كبيراً، أجمله الامام الذهبي في ديباجة كتابه هذا
فقال :
(١) في كتابه ((تدريب الراوي شرح تقريب النواوي)) ص ٥١٩.
- ٦ -

((قد احتوى على ذكر الكذّابين الوضّاعين ، ثم على ذكر المتروكين
الهالكين ، ثم على الضعفاء من المحدِّثين والنَّاقلين ، ثم على الكثيري
الوهم من الصَّادقين ، ثم على الثّقات الذين فيهم شيء من اللِّين ،
أو تعنَّتَ بذكر بعضِهم أحدٌ من الحافظين ، ثم على خلق كثير من
المجهولين ... ))
وهذا إجمال وإيجاز لطبقات الرواة الذين اشتمل عليهم الكتاب ،
وقد أوضحه الذهبي نفسه بتبيان قيِّم في آخر نسخة الضعفاء ، نورده
لك ههنا بتمامه ، لأهميته البالغة في مطالعة كتاب المغني خاصة ،
وغيره من كتب الرجال عامة ، وفي الافادة منها :
قال الامام شمس الدين الذهبي رحمه الله في ختام كتاب
((الضعفاء)): إعلم ( ألهمك الله التقوى ) أنّ رجال هذا المصنف على
طبقاتٍ عِدَّة)):
الطبقة الأولى : قوم ثقات وأئمة من رجال البخاري ومسلم ،
تكلم فيهم بعض الحفاظ بلا برهان ، فلم أذكر هذا النوع للقدح
فيهم ، بل لِيُعْلَمَ في الجملة أنه قد تُكُلَّم فيهم بحقِّ ، أو بباطل ،
أو باحتمال .
الطبقة الثانية : قوم من رجال البخاري ومسلم والنسائي ، يغلب
على الظن أن حديثهم حجة ، وأقل أحوالهم أن يكون حديثهم
حسناً ، والحسن حجة ، لأنهم صادقون لهم أوهام قليلة في جنب
- ٧ -

ما قد رووا من السنن ؛ كابن عجلان ، وسهيل بن أبي صالح ،
وعمرو بن شعيب ، ومحمد بن عمرو ، وأشباههم .
الطبقة الثالثة : قوم من رجال السنن ، ليسوا بحجة لغلطهم ،
وليسوا بمطروحين لما فيهم من العلم والخير والمعرفة ، فحديثهم دائر
بين الحُسْن والضعف ، يصلح للاعتبار والاستشهاد ، وتحِلّ رواية
أحاديثهم ، كمجالد بن سعيد ، وابن لهيعة ، وقيس بن الربيع ،
وأمثالهم .
الطبقة الرابعة : قوم أجمع على ضعفهم وطرح رواياتهم لسوء
ضبطهم وكثرة خبطهم ، فهؤلاء لا تركن نفس عالم إلى ما يباشرونه
من الأحاديث ، وربما تحرَّج(١) العالم الورع من سماع مارووه
وإسماعه ، والله المستعان . وهم مثل : فَرَج بن فَضَالة الحمصي ،
وجابر الجعفي ، وجعفر بن الزبير، والواقدي(٢).
الطبقة الخامسة : قوم متفق على تركهم ، لكذبهم وروايتهم
الموضوعات ومجيئهم بالطامَّات ، (قوم متفق على تركهم ، لكذبهم
وروايتهم الموضوعات ومجيئهم بالطامات)، كأبي البختري وهب
بن وهب القاضي ، ومحمد بن سعيد المصلوب ، ومقاتل بن
سليمان ، والكلبي ، وأشباههم . فهؤلاء إذا انفرد الرجل منهم
(١) في المخطوطة (يخرج) وهو تصحيف أثبتنا صوابه .
(٢) في المخطوطة: «الواقدي))، بدون واو ، وهو سهو .
- ٨ -

بحديث عن رسول الله وَعليه، فلا تحل روايته إلا بشرط أن يُهْتَكَ
راويه ، ويُبَيَّن سقوطُه ، وأن خبره ليس بصحيح . فان حفَّت متنه
قرائن دالة على أنه موضوع نبه على ذلك وحذر منه .
وأما المجهولون من الرواة ؛ فان كان الرجل من كبار التابعين
أو أوساطهم احتمل حديثه ، وتُلُقّي بحسن الظن إذا سلم من مخالفة
الأصول ، ومن ركاكة الألفاظ . وإن كل الرجل منهم من صغار
التابعين فسائغ رواية خبره ، ويختلف ذلك باختلاف جلالة الراوي
عنه وتحريه ، وعدم ذلك ، وإن كان المجهول من أتباع التابعين فمن
بعدهم فهو أضعف خبره سيما إذا انفرد به .
وينبغي التثبت في الأحاديث الضعيفة ، فلا يبالغ الشخص في
ردها مطلقاً ، ولا في استعمالها والأخذ بها مطلقاً ، بخلاف الأحاديث
السَّاقطة والموضوعة فلا يجوز العمل بها أصلاً . ويتعذَّر الحد الفارق
بين الحديث الضعيف الذي يعمل ويحدث به ، وبين الحديث الواهي
والساقط والموضوع(١).
والله الموفق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. ))
انتھی .
وهذا تقسيم نفيس وقيِّم للرواة الذي طُعِن فيهم ، تفرد به الامام
(١) ورقة ٢٢٧ من مخطوطة دار الكتب الظاهرية .
- ٩ -

الذهبي ، وأودعه فوائد وحدوداً تميز هؤلاء الرواة : بعضهم عن
بعض ، وتعين قارىء كتاب ((المغني في الضعفاء)) وسائر كتب رجال
الحديث على إعطاء / كل راو حقه ، دون حيف ، وخصوصاً الرواة
المقبولين الثقات ، فكم وقع الحيف عليهم بسبب الاغترار بالجرح
الوارد فيهم من بعض الحفاظ ، مع كونه لا يضيرهم ، وخصوصاً في
عصرنا هذا حيث كثر ( من بعض الناس الذين أقحموا أنفسهم على
علم الحديث ) رد الأحاديث الصحيحة ، وتقوية الأحاديث الضعيفة
أو الشاذة تبعاً للهوى ، وقصداً للتجوّه ، فضلاً عن فساد
الاستنباط ، ووضع النصوص في غير مواضعها .
لکن الذهبي رحمه الله قد غلا في قوله في آخر تقسیمه هذا « ويتعذر
الحد الفارق بين الحديث الضعيف الذي يعمل به ، ويُحَدَّثُ به ،
وبين الحديث الواهي والساقط والموضوع)).
ولعله أراد التنبيه إلى الاحتياط وعدم التسرع في الأخذ بالحديث
الضعيف ، لئلا يؤدي إلى العمل بما لا يسوغ العمل به ... مما يقع
كثيراً من الضعاف المشتغلين بمطالعة كتب الحديث ومصادر الرجال ،
الذين قد يغتر أحدهم بنفسه ، ويتطاول على هذا المنصب - لخلو
الزمان من أهله - اغتراراً بمجرد الحصول على مؤهل في العلوم
الشرعية ، بل في غير العلوم الشرعية .. ؟! بل من غير مؤهل سوى
تقليب الأوراق ... ؟!
- ١٠ -

وقد بين العلماء المحققون حدّ الحديث الضعيف الذي يعمل به .
وأن من شروطه - وهذا هو الذي نحتاج إليه هنا - أن لا يكون ضعفه
شديداً. والضعف الشديد هو ما كان ناشئاً عن فسق الراوي
أو اتهامه بالكذب ، أو الطعن فيه بالغلط الفاحش . إلى آخر
ما ذكروا من شروط العمل بالحديث الضعيف(١).
على أنا نرى هذا التقسيم الذي أورده الذهبي نفسه يصلح قاعدة
لبيان حدِّ الحديث الضعيف الذي يُعمل به في فضائل الأعمال ،
ويُحَدَّثُ به ، فان رجال الطبقة الثالثة عنده ينطبق عليهم قانون
العمل بالحديث الضعيف . لأن ضعفهم غير شديد .
ونزيد المسألة إيضاحاً وتيسيراً فنقول :
ان الرواي المتكلم فيه الذي يصلح حديثه للعمل به هو مَنْ كان
من المراتب التي يُحْكَمْ لها بهذا الحكم : ((يُعْتَبر به)). والذي
لا يصلح للعمل بحديثه هو الذي يحكم عليه بأنه ((لا يعتبر به)).
وكذا الحديث الذي حُكِمَ عليه بالغلط والإِنكار لشذوذه ومخالفته
روايات الثقات .
وقد حققنا المسألة ودفعنا ما أثير حولها من إشكال في كتابنا ((منهج
النقد في علوم الحديث)) فليرجع إليه ، فانه هام(٢).
(١) انظر تدريب الراوي ص ١٩٦، وعلوم الحديث لابن الصلاح وتعليقنا عليه ص ١٠٣ وانظر
للتوسع قواعد التحديث للقاسمي ص ١١٣ - ١٢١ .
(٢) ص ٢٩١ - ٢٩٧، وانظر فيه تحرير مراتب الجرح والتعديل وأحكامها ص ١٠٥ - ١١٥.
- ١١ -

منهج تحقيق الكتاب :
يهدف عمل المحقق إثبات نص الكتاب كما صدر عن مؤلفه ، وقد
واجهتنا في عملنا صعوبات كثيرة اقتضت الكثير من الجهد الحثيث
المتواصل .
ذلك أن النسخ التي تحمل اسم ((المغني في الضعفاء)) تختلف فيما
بينها اختلافاً كثيراً ؛ بعضها مطول يكثر من إيراد التراجم ((أسماء
الرواة)) ويأتي ببعض الزيادات في الكلام على الراوي ، كما هو الحال
في النسختين السفاقسية والمصرية اللتين اعتمدناهما ، وبعضها الآخر
على العكس من ذلك في الأمرين ، يورد من التراجم أقل من هاتين
النسختين ، ويقتضب الكلام عليها أيضاً ، وذلك وصف النسخة
الثالثة التي سنتكلم عنها .
وهناك نسخ تبدأ بمقدمة مختصرة جداً ثم تبدأ بحرف الألف
الأحمدون ، وتختتم بخاتمة جيدة تتكلم عن محتوى الكتاب . وذلك
مالم نجده في نسخة المغني الكبيرة الكاملة التي بين أيدينا ، وإنما نجد
كلاماً موجزاً عن ذلك في مقدمته . ومنها نسخة في تركيا مصورة عند
الشيخ حماد الأنصاري من مدرسي الجامعة الاسلامية بالمدينة
المنورة ، وهي نسخة سقيمة بخط مهمل من الضبط والاعجام ،
مغفلة من رموز التخرج للراوي في الكتب الستة .
والذي نراه في هذا أن للذهبي رحمه الله كتابين :
- ١٢ -

الأول : كتاب الضعفاء ، جمع فيه كثيراً من الرواة ، واختصر
الكلام عليهم ، ثم جمع زيادات جعلها ذيلاً للضعفاء استدركها
عليه ، ثم إنه أدرج هذه الزيادات وغيرها في صلبه وسماه ((المغني في
الضعفاء))، وهو الكتاب الثاني .
وقد وجدنا نسخة من كتاب الضعفاء في دار الكتب الظاهرية
تطابق النسخة التركية ، ومعه في الجلد نفسه كتاب صغير هو ((ذيل
الضعفاء))، قال الذهبي في ديباجته : ((هذا ذيل على كتابي ديوان
الضعفاء ، التقطته من عدة تواليف ، وهذا شيء لا سبيل إلى
استيعابه ، وإنما هو بحسب ما عرفتُ، أو اطلعتُ عليه)).
ولدى المقارنة وجدنا هذه الاستدراكات التي احتواها الذيل
مستوفاة في المغني إلا نبذاً يسيرة جداً اثبتناها في التعليق على الكتاب .
ويبدو أن الحافظ الذهبي قد استمر في الاستدراك بعد ذلك على
كتاب المغني ، حيث إنا وجدنا الحافظ ابن حجر ينقل شيئاً ينسبه إلى
((ذيل المغني)) للمصنف ، لم نجده في المغني ولا في ذيل ديوان
الضعفاء ، لكن لم نعثر على ذيل المغني هذا(١) .
وهكذا يتبين أن كتاب المغني في الضعفاء غير كتاب الضعفاء ،
ويبدو أن النسخة الحقيقية لهذا الكتاب هي النسخة السفاقسية التي
(١) وفي تعجيل المنفعة: ((ابراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب .. ذكره الذهبي
في المغني في الضعفاء ولم يذكر لذكره فيه مستندا)) .. مع أن إبراهيم هذا غير مترجم في
المغني . وانظر كذلك تعليقاً على رقم ٤٣ و ٥٣ .
- ١٣ -

نسخت وقرئت على المؤلف في أواخر عهده بالتأليف والتصنيف - كذا
النسخة المصرية - وأن تسمية النسخ المقتضبة باسم ((المغني)) إنما نشأ
من تصرف النساخ لظنهم الكتابين واحداً .. !
ثم واجهنا بعد ذلك مصاعب ضبط الكتاب وتقويم ألفاظه على
الصواب ، وهو عمل دقيق وخطير جداً بالنسبة لكتب الرجال ،
لما يقع فيها للناسخين من السهو ، الذي يهون من أثره في غير هذه
الكتب مالا يهون في هذه الكتب ولا يحتمل ، ولما وجدناه في المراجع
من الغلط والتصحيف . ومن الواضح أن أسماء الرواة لا مجال
للاجتهاد والرأي في تصحيحها ، واختلاف الرسم فيها بحرف
أو أعجام أو ضبط كثيراً ما يؤدي إلى تغيير هوية الراوي . وقد وفقنا
بحمد الله وفضله إلى أداء هذا الجانب حقه ، على غاية من الدقة بما .
اعتمدناه من النسخ الخطية ، لا سيما الأولى منها ، ثم فيما اتبعنا من
خطة العمل في التحقيق كما نوضحه فيما يلي :
النسخة الأولى : نسخة قيمة جداً محفوظة في المكتبة الأحمدية من
المكتبة الوقفية بحلب الشهباء برقم ٣٢٧ تقع في مائتين وعشرين ورقة
١٨,٥ ×١٣,٥ سم، ورقها جيد جداً أصابته رطوبة أثرت في كعب
الكتاب وأضرت بالورقة الأولى ، فألصق على ظهرها ورقة أخرى
غطتها تماماً وأخفت عنوان الكتاب للأسف . وقد ثُّبِّتَت بعض
كلمات الصفحة الثانية والثالثة من الكتاب بخط آخر وقع لصاحبه
سهو يسير ، فاعتمدنا فيهما على النسخة الأزهرية .
- ١٤ -

وهذه النسخة من نفائس المخطوطات العزيزة النادرة ، في الغاية
من الصِّحة والعناية بالضبط كأنها المصحف ، كتبها بخطه الامام
الحافظ محمد بن محمد بن إبراهيم القيسي السفاقسي ، من خط
مصنّفه الامام الذهبي ، ثم قرأها على المؤلف الامام ، وسمع
الكتاب بقراءته أخوه الامام الفقيه إبراهيم بن محمد بن إبراهيم
السفاقسي ، وفي آخر النسخة خط الامام الذهبي بذلك مع إجازته
للإِمامين بالرواية عنه إجازة عامة .
وخط النسخة مغربي جميل ، مضبوطاً ضبطاً كاملاً ، راعى فيه
الامام السفاقسي أصول المحدثين الدقيقة في كتابة الحديث ، ووضع
علامات التصحيح والتضبيب وغيرها مثل كلمة ((صح)) من فوق -
الاسم أو التعبير غير المعهود - وهي كثيرة جداً في الکتاب لا تكاد تخلو
منها صفحة. وكلمة ((خف)) إشارة إلى أن الكلمة غير مشدودة .
و «معاً)) للإشارة إلى أنه يصح في الكلمة الوجهان أو الأوجه التي
ضبطت بها . وقد أثبتنا كثيراً من هذه العلامات(١).
وتمتاز هذه النسخة بمزايا نذكر منها :
١ - صحتها البالغة ، وحسبك أن قد تعاهدها ثلاثة من فحول
أئمة العلم ، أحدهم مصنف الكتاب .
(١) انظر مثلاً الأرقام: ١٠٧، ١١٣، ١١٩٤، ٢١٢٦، ٢٦٨١، ٢٧٥٠، ٢٧٩٠،
٥٦٠٩ .
- ١٥ -

٢ - أنها نسخت وقوبلت على المؤلف في أواخر حياته
سنة - ٧٣٧هـــ كما هو مثبت بخطه رحمه الله ، فهي تمثل الوضع
الأخير للكتاب الذي ارتضاه المؤلف ، فان الذهبي أنهى تبييضه
سنة - ٧٢٠ هـ - ثم شرع بعده في كتابه ميزان الاعتدال وفرغ من
تبييضه سنة ٧٢٨هـ .
٣ - أن في هامش النسخة بخط الحافظ السفاقسي تراجم رواة
تكلم فيهم الحافظ الكبير الامام أبو الحجاج يوسف المزي ، وهي
تراجم نادرة جداً لا يوجد منها في المراجع الميسورة حالياً إلا بعض منها
قليل ، وهي فائدة هامة حرصنا على إثباتها في التعليقات .
وقد اعتمدنا هذه النسخة أصلاً أساسياً ، وعبرنا عنها في الحاشية
بكلمة الأصل . ورمزنا لها بالحرف (ل) .
النسخة الثانية : وهي محفوظة في مكتبة الأزهر تقع في / ٢٩٩/
ورقة خُرمت منها الورقة الأخيرة فانتهت النسخة في أثناء الترجمة
رقم ٧٧٩٥ ، كتب على ظهر الورقة الأولى بخط جديد العبارة
التالية: «تم كتابة سنة ٧٩٩ بخط أحمد بن علي بن أبي بكر
الشجري)) . وهو تاريخ قريب من عهد المؤلف رحمه الله .
ويوجد على ظهر الورقة الأولى أيضاً من الأعلى إلى اليسار ختم
- ١٦ -

مكتوب عليه : ((الواثق بالله سليمان بن عبد الله))، وهو الشيخ
سليمان ابن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب النجدي المعروف .
كما هو موضح بالخط المشطوب تحته ، ويوجد عليها خطوط أخرى
أيضاً .
وتدل مطالعة النسخة على صحتها وأنها نسخة جيدة ، حيث نجد
بهامشها تصحيحات ، وبلاغات بمقابلتها على الأصل المنقولة عنه .
وهذه النسخة أقرب ما عثرنا عليه من نسخ المغني إلى النسخة
الأصل السابقة ، لا تخالفها إلا مخالفة محتملة بزيادات يسيرة أحياناً ،
أو نقص يسير أحياناً في الكلام على بعض الرواة ، أو في إثبات بعض
التراجم .
وتمتاز النسخة بما في حاشيتها من التعليقات المفيدة ، وأكثرها
تراجم منقولة من الميزان للامام الذهبي ، أو من تقريب التهذيب
للحافظ ابن حجر رحمهما الله .
وفي بعض هذه التعليقات تحقيقات حديثية قيمة أثبتناها في
تعليقاتنا على الكتاب وعزوناها إلى النسخة ، وفاء لصاحبها الذي
بذل فيها جهداً ملحوظاً .
وقد تكرم بتصوير النسخة باذن إدارة مكتبة الأزهر الشريف العالم
الفاضل الأخ الأستاذ الشيخ محمد بشير الادلبي حفظه الله . وتفضل
- ١٧ -

فنسخ التعليقات التي في حواشي النسخة خشية ألّ تظهر بتمامها في
الصورة ، فله منا جزيل الشكر، ومن الله تعالى عظيم الأجر .
وقد رمزنا لهذه النسخة بالحرف (هـ) .
النسخة الثالثة : وهي محفوظة في المكتبة الأحمدية في حلب الشهباء
برقم ٣٢٦ وتقع في ١٧٨ ورقة ٢٦×١٩ سم .
. كتب على ظهر الورقة الأولى منها ((المغني في الحفظ)) وشطب الناسخ
كلمة ((الحفظ))، وهذه النسخة ينطبق عليها وصف ((كتاب الضعفاء))
من حيث الاقتضاب في الكلام على الرواة ، ومن حيث إنها لم تتعرض
لكثير من الرواة الذين ذكروا في نسختَيْ المغني الصحيحتين
السابقتين . وهي نسخة قديمة ومصححة ، لكنها مغفلة من الضبط
والاعجام في كثير من الأحيان . وقد رمزنا لهذه النسخة بالرمز (أ) .
واتبعنا في تحقيق الكتاب على هذه النسخ الخطة التالية :
١ - اتخذنا النسخة السفاقسية أصلاً أثبتنا مضمونه كاملاً في صلب
الكتاب ، واعتمدنا عليها وجعلنا ما فيها من زيادة ليست في النسخة
الأزهرية بين قوسين هكذا ( )(١) ورمزنا لهذه النسخة بالرمز :
ل . وهي المرادة بقولنا : الأصل .
(١) اقتبسنا هذه العلامات من مصطلحات المحدثين في بيان الزائد على الكتاب ، فجعلناها
لزيادة نسخة على أخرى. انظر تدريب الراوي ص ٣٠٠ - ٣٠١ .
- ١٨ -

٢ - أثبتنا في الصلب ما في النسخة الأزهرية من الزيادات بين
معكوفين ودائرتين صغيرتين هكذا [٥ ٥](٢) ورمزنا لهذه النسخة
بالرمز : هـ .
٣ - رجعنا إلى النسخة الثالثة في مواطن الاشتباه فقط للاستئناس
بها في تحرير كلمة ، أو ضبط لفظ ورمزنا لها بالرمز : (أ) .
٤ - عنينا بضبط الأسماء المشكلة ، وقد أسعفتنا النسخة الأصل
لتحقيق هذا الغرض ، ورجعنا أيضاً إلى المصادر الخاصة بضبط أسماء
الرجال .
٥ - اعتمدنا في بیان الراجح عند اختلاف النسخ على مصادر کتب
الرجال وقد عثرنا على أخطاء فاحشة في المصادر المطبوعة سيما لسان
الميزان ، فانه قلما تخلو صفحة منه من غلطة أو أغلاط كثيراً ما تُغَيرِّ
معالم الراوي وترجمته ، فلجأنا إلى بعض المصادر المخطوطة لمزيد
التثبت والتحري ، مثل : الكاشف للامام الذهبي ، وتذهيب
التهذيب له أيضاً ، وتقريب التهذيب للحافظ ابن حجر .
وأثبتنا في التعليق بعض ما وقع من مخالفة المطبوعات لنسخ المغني
على سبيل التذكرة ، ولو قصدنا التنبيه على كل ما في كتب الرجال
المطبوعة لكانت بحجم كتاب المغني كله .
(١) اقتبسنا هذه العلامات من مصطلحات المحدثين في بيان الزائد على الكتاب ، فجعلناها
لزيادة نسخة على أخرى . انظر تدريب الراوي ص ٣٠٠ - ٣٠١ .
- ١٩ -

٦ - فصلنا التراجم التي يوردها المصنف رحمه الله للتمييز بقوله :
وأما فلان ... فكذا ، وجعلناها مستقلة بنفسها . وقد وقع لناشري
كتب الرجال إيهام بل وهم أيضاً بسبب ذلك ، فَعُنِينا بتمييزها عِناية
تامة .
٧ - اعتمدنا غالباً في ترتيب التراجم على النسخة الأزهرية ، حيث إنه
أقرب إلى الترتيب الألف بائي ، ونبهنا على الفروق الهامة بين
النسختين في تقديم التراجم وتأخيرها ، وأكثرنا من التنبيه على ذلك
في أوائل الكتاب ليكون مثلاً يوضح للقارىء وضع ترتيب التراجم في
النسختين .
٨ - يصادف القارىء أثناء بعض التراجم مواضع بياض كتب
عليها كلمة ((بيّض))، مثل رقم ١٤٢٧ و٣٢٤١ . هذه البياضات
وقعت في أصل الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي رحمه الله ،
حيث إنه أثناء التأليف كان يترك مواضع بيضاء ليملأها فيما بعد ، ثم
بقي كثير منها على حاله ، فنبه العلماء في نقلهم عن الكتاب على
ذلك . وكذلك يجد القارىء بياضات لم يكتب عليها كلمة ((بيض))،
وهذه بعضها وقع من الذهبي نفسه في أصل الكتاب(١) ، وبعضها في
الجرح والتعديل(٢).
(١) مثل الأرقام : ٥٤٦ و ١٢٤٨ و١٥١٥.
(٢) مثل الأرقام : ١٥١١ و ١٥١٧ .
- ٢٠ -