Indexed OCR Text

Pages 41-60

دولة الإِسلام، وتتمدد حدود دولة الروم، فقد دخلوا الشام ونكلوا بأهله حتى
وصلوا إلى طرابلس (١).
وفي أيامه مات عضد الدولة (ت ٣٧٢ هـ) بعد ولايته للعراق أكثر من
خمس سنين(٢)، ثم توالى على السلطة من بعده أبناؤه الثلاثة : صمصام
الدولة (٣٧٢ - ٣٧٦ هـ)، وشرف الدولة (٣٧٦ - ٣٧٩ هـ)، وبهاء الدولة
(٣٧٩ - ٤٠٣ هـ)، وكان هذا الأخير قد اعتقل الخليفة الطائع سنة إحدى
وثمانين وثلاثمائة ، وأجبره على التنازل إلى القادر بالله أحمد بن إسحاق بن
المقتدر (٣٨١ - ٤٢٢ هـ)، وذلك لأنه حبس رجلاً من خواص بهاء
الدولة (٣) .
وكان القادر بالله من خيار خلفاء بني العباس، ومن سادات علماء
عصره، عقيدة ومذهباً، فأخذ يظهر مذهب أهل السنة وينتصر له (٤)، لذلك
كان عهده بداية ضعف لمذهب الرفض، وزوال لشبحه المخيف شيئاً فشيئاً
إلى أن تلاشى نهائياً في أيام السلاجقة .
ب - نظرة في الحالة السياسية لجرجان زمن المؤلف:
*
أما جرجان فقد انتابها من الاضطراب والفوضى، ما انتاب سائر
دويلات الخلافة العباسية، وذلك لأن كل دويلة كانت تحاول التوسع على
حساب الدويلة الأخرى، بالإضافة إلى أن بلاد الديلم وإلى جانبها جرجان
كانتا معقلاً هاماً للعلويين، ومرتعاً خصباً لدعوتهم .
ففي سنة ست وسبعين ومائة لجأ إلى الديلم، يحيى بن عبدالله بن
(١) نفس المصدر ٨/ ٦٨٠ - ٦٨١.
(٢) انظر: الكامل في التاريخ ٩/ ١٠. وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٥٠.
(٣) انظر: تاريخ الخلفاء ٦٥٢ - ٦٥٣. وتاريخ الإسلام العام ٤٥٦.
(٤) انظر: تاريخ بغداد ٤/ ٣٧. وتاريخ الخلفاء ٦٥٥ - ٦٦٠.
٤١

حسن بن علي متخفياً من هارون الرشيد(١) (١٧٠ - ١٩٣ هـ).
وفي سنة ثلاث ومائتين، مات بجرجان محمد الديباج بن جعفر
الصادق، وقبره بها مشهور بقبر الداعي (٢).
وفي جرجان أيضاً مات ابنه القاسم، وله عقب بها (٢).
وعلى بابها قتل محمد بن زيد بن محمد العلوي، إثر معركة ضارية بينه
وبين خصومه السامانيين ، سنة سبع وثمانين ومائتين(٤) .
ويبدو أن أهل جرجان كانوا يميلون إلى العلويين، ويقدمونهم على
غيرهم بالولاء والنصرة، يبرهنون على ذلك بتقديم أرواحهم في سبيل
قضیتهم .
ففي سنة عشر وثلاثمائة، قتل بجرجان من الديلم والجرجانية، نحو
أربعة آلاف رجل تحت لواء أبي الحسين بن الحسن بن علي الأطروشي
الناصر العلوي في حربه مع السامانيين (٥) .
كما بابع أهل جرجان أبا علي بن أبي الحسين الأطروشي والياً عليهم
بعد أن قتل أبا الحسن ماكان بن كالي الديلمي (٦) .
أما الفترة الزمنية التي عاصرها المؤلف، فإنها لم تكن أحسن حالاً من
سابقتها، حيث أصبحت ((جرجان)) ساحة للصراع المستمر بين السامانيين
(١) انظر: طبقات ابن سعد (القسم المتمم لتابعي المدينة) ترجمة ٣٠٢. وتاريخ الطبري
٨/ ٢٤٢.
(٢) وهو الذي بايعه الناس بالحجاز.
انظر: (تاريخ جرجان ٤٠٤. والكامل في التاريخ ٣٥٦/٦).
(٣) انظر: تاريخ جرجان ٣٧٢ .
(٤) انظر: الكامل في التاريخ ٧/ ٥٠٤. والبداية والنهاية ٨٣/١١.
(٥) انظر: الكامل في التاريخ ١٣١/٨.
(٦) المصدر السابق ٨/ ١٧٦ .
٤٢

أصحاب خراسان (٢٦١ - ٣٨٩ هـ)، وبين الديلم أصحاب طبرستان،
فكانت كل قوة تريد أن تثبت وجودها أمام القوة الأخرى، مما أدى إلى تتابع
الغارات على حساب سفك الدماء، ونهب الأموال، وسبي النساء،
واضطراب الحياة المعيشية . .
ففي سنة سبع وثمانين ومائتين، دخل إسماعيل بن أحمد الساماني
(ت ٢٩٥ هـ) خراسان، وتمكن من أسر عمرو بن الليث الصفاري أمير تلك
البلاد، ثم زحفت جيوشه إلى جرجان، فاستولى عليها وعلى طبرستان، إثر
انتصار قائد جيشه محمد بن هارون، على محمد بن زيد العلوي(١).
ولما آلت أمور البيت الساماني إلى السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل
(ت ٣٣١ هـ) الساماني سنة إحدى وثلاثمائة وهو ابن ثمان سنين، انتقض
عليه كثير من الأعمال لصغر سنه، وكان ممن خرج عن طاعته من الولاة،
ليلى بن النعمان (ت ٣٠٩ هـ) صاحب العلويين بطبرستان، وقراتكين،
وما كان بن كالي (ت ٣٢٩ هـ)، ومرداويج (ت ٣٢٣ هـ)، ووشمكير
(ت ٣٣٧ هـ أو ٣٥٦ هـ) ابنا زيَّار(٢). وجميع هؤلاء كانوا من الديلم، وكل
قد ظهر على جرجان وولي أمرها .
ففي سنة سبع وثلاثمائة دخل جرجان أحمد بن سهل أحد قواد
السامانيين، وأخرج عنها قراتكين، ثم عاد إلى خراسان(٣)، فدخلها ليلى بن
النعمان الديلمي سنة ثمان وثلاثمائة، وكان أحد قواد أولاد الأطروش
العلوي(٤) .
وفي سنة عشر استولى عليها أبو الحسين الأطروشي وأقام بها، فأزاله
(١) انظر: تاريخ الطبري ١٠/ ٨١. والكامل في التاريخ ٧ / ٥٠٤.
(٢) انظر: الكامل في التاريخ ٧٨/٨ - ٧٩.
(٣) المصدر السابق ٨/ ١١٩.
(٤) المصدر السابق ٨/ ١٣١ - ١٣٢.
٤٣

عنها سيمجور الدواتي قائد جيش السعيد نصر بعد مقتلة عظيمة ذهب ضحيتها
أربعة آلاف من الديلم والجرجانية، ثم خرج سيمجور إلى نيسابور، فدخل
ماكان بن كالي جرجان واستقل بها (١) .
وفي هذه المرحلة (٣١٠ - ٣٢٨ هـ) وقعت جرجان فريسة بأيدي
مجموعة من الطامعين المخادعين، مثل ماكان بن كالي، وأسفار بن
شيرويه (ت ٣١٦ هـ)، ومرداويج بن زيَّار من الديالمة، الذين أخذوا
يتناوبون عليها كل حسب اتقانه لنقض العهود، ونجاحه في إبرام المؤمرات
على خصومه ومعاهدیه (٢).
وأخيراً استطاع ما کان أن یعید جرجان إلى حوزته، وقد كان من قبل قد
دخل في طاعة السامانيين (٣)، ولكن لما قويت شوكته، واستقر له أمر جرجان
سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، عاد إلى سيرته الأولى، وخرج عن طاعة
السعيد نصر الساماني، فوجه إليه جيشاً من خراسان، على رأسه أبو علي بن
محتاج، فدخلها سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ، بعد حصار طويل، ضيق فيه
على أهلها، وقطع المؤونة عنهم، فأحدث مجاعة في البلد، وفي هذا
المأزق استطاع ما كان أن يهرب إلى طبرستان، بصلح دبره بينهما أحد قواد
وشمكير صاحب الري. ثم دخل ابن محتاج جرجان وأقام بها إلى المحرم من
السنة التالية يُصلح أمرها (٤)، وبنو بويه يصلحون أمرهم معه، فقد بدأ
موكبهم يتحرك في المنطقة، عن طريق اتصالاتهم به، يحرضونه على قصد
وشمکیر، ويعدونه بالمساعدة - لتحقيق مطامعهم في تلك البلاد - فاستجاب
(١) نفس المصدر.
(٢) انظر: تكملة تاريخ الطبري ٢٥١. والكامل في التاريخ ٨/ ١٧٥ - ١٧٦، ١٩٣ - ١٩٥، ١٩٧
- ١٩٨.
(٣) انظر: الكامل في التاريخ ٨/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٤) انظر: الكامل في التاريخ ٣٥٩/٨.
٤٤

لهم، واستخلف على جرجان إبراهيم بن سيمجور الدواتي، فاستنجد
وشمكير بماكان بن كالي، فقدم إليه في نفس السنة، وحدثت حرب شديدة،
انجلت عن مقتل ماكان، وهروب وشمكير ومن بقي معه إلى طبرستان
فملكها وكذلك جرجان. فتوجه إليه ركن الدولة بن بويه (ت ٣٦٦ هـ)
وأخرجه عنها سنة ست وثلاثين وثلاثمائة (١).
ثم استردها وشمكير، وهكذا صارت جرجان يتناوب عليها آل بویه،
ووشمكير وآله من بعده، حتى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، التي ترك فيها
فخر الدولة بن بويه (ت ٣٨٧ هـ) بلاد جرجان لأبي العباس تاش حسام
الدولة (ت ٣٧٣ هـ) إكراماً له ولمن معه، ولكنه كان إكراماً من جيب غيره،
دفع ثمنه أهل جرجان سنة سبع وسبعين، إذ أساء أصحابه السيرة معهم، فثار
بهم الجرجانية ، وجرى بينهما قتال عنيف، قتلوا فيه الكثير من أهل جرجان،
ونهبوا أموالهم، وأحرقوا بيوتهم، ثم خرج أصحابه عن جرجان وتفرقوا (٢).
وكان شمس المعالي قابوس بن وشمكير (ت ٤٠٣ هـ) قد فشل من
قبل في محاولات كثيرة بذلها لاسترداد جرجان من يد البويهيين رغم
الإمدادات العسكرية المتوالية التي كانت تصله من الحكام السامانيين . .
ولم يتمكن من الغلبة عليها إلا بعد سنة من وفاة فخر الدولة البويهي،
فدخلها سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة (٣) .
وقد آذنت السنة التالية بانقضاء العهد الساماني في خراسان، وظهور
النفوذ الغزنوي (٣٨٩ - ٥٨٢ هـ) مكانه (٤)، ومن ثم دخل آل وشمكير في
طاعتهم منذ بداية القرن الخامس (٥) .
(١) انظر: تكملة تاريخ الطبري ٣٢٤. والكامل في التاريخ ٨/ ٣٦٩ - ٣٧٠.
(٢) انظر: الكامل في التاريخ (٢٣٩/٩).
(٣) المصدر السابق (٩/ ١٣٩، ١٤١).
(٤) المصدر السابق (٩ / ١٤٦).
(٥) المصدر السابق (٩/ ٢٣٩).
٤٥

وهكذا جرى على الإِسلام في المئة الرابعة بلاء شديد، بسبب قيام
الدولة العبيدية بالمغرب، والدولة البويهية بالمشرق، والأعراب
القرامطة (١).
هذه هي صورة الحياة السياسية في العالم الإسلامي، وفي جرجان،
توضح أن الإسماعيلي عاش في عصر يموج بالفتن، عصر اضطراب وفوضى
وانقسام، قويت فيه شوكة أهل الرفض، وسيطروا على الحياة السياسية،
لأنهم أصبحوا حكام البلاد. وضعف فيه أمر أهل السنة، وصاروا مستضعفين
في الأرض، لا يجدون من يساندهم، ولا من يؤيدهم في اضطهادهم
المرير.
ولكن المصادر لا توضح موقف الإِمام أبي بكر الإسماعيلي من أحداث
عصره السياسية، فلعله كان معتزلاً لذلك كله، منصرفاً إلى التدريس
والتأليف .
ولعل الموقف من تلك الأحداث، كان لابنه أبي سعد (ت ٣٩٦ هـ)
من بعده، مما أدى إلى مصادرة جميع أملاكه (٢).
(١) انظر: السير (١٦/ ٢٥٢).
(٢) انظر: تاريخ جرجان ١٣٥. وسيأتي تفصيل ذلك أثناء ترجمته في الوسط العائلي للمؤلف.
٤٦

- ٢ -
عصره الثقافي
ويشتمل على :
أ - نظرة في الحركة الفكرية للعالم الإِسلامي زَمَنَ المؤلف.
ب - نظرة في الحركة الفكرية لجرجان زمن المؤلف .
*
أ - نظرة في الحركة الفكرية للعالم الإسلامي زمن المؤلف :
*
*
لم يكن من شأن هذا الانقسام، وتعدد الخلفاء، أن يؤدي إلى ضعف
في الحياة الثقافية، بل ولّد تزاحماً على تشجيع العلماء وتقريبهم، إذ كانت
الأطراف بعد استقلالها في حاجة ماسّة إلى دعم سلطانها، فلم تجد وسيلة
أقوى إلى تحقيق هذه الغاية من تشجيع العلماء ومناصرة الحركة العلمية،
فكان ذلك دافعاً هاماً لظهور نهضة فكرية واسعة النطاق، عمّ نفعها معظم
بقاع العالم الإسلامي. فلما كان الخليفة العباسي يعيش عصره المزدهر،
ويتفرد بإمرة المؤمنين، كانت بغداد أهم المراكز الفكرية .
ولكن لما تجزأت البلاد، وتعدد الأمراء، وتغلب كل أمير على إقليمه
وانفرد به، صار لكل إقليم شخصيته الثقافية المتميزة، وأصبحت عاصمة كل
إقليم مركزاً علمياً هاماً تنافس مثيلاتها من العواصم الأخرى.
فلما ظهرت الدولة البويهية - مثلاً - وقوي نفوذها، أخذت مراكز
٤٧

الحضارة تنتقل من بغداد إلى الريّ، وشيراز، وأصفهان، وجُرجان وغيرها،
مما جعل بغداد تفقد صفة الريادة الفكرية في تلك الفترة، بعد أن تعددت
المراكز الثقافية التي تضاهي بغداد في نشاطها العلمي والأدبي، إذ كان
الأمراء والوزراء يتنافسون على تشجيع العلماء وتقريبهم، ويبذلون لهم بذل
الخلفاء في بغداد .
فقد فرض الموفق راتباً جيداً لثعلب أحمد بن يحيى بن زيد (٢٩١ هـ)
النحوي الكوفي(١).
وأجرى المعتضد على الزجَّاج إبراهيم بن محمد (ت ٣١٠ هـ)
النحوي البصري، مرتباً شهرياً مقداره ثلاثمائة دينار (٢).
وكان المقتدر يصرف لمحمد بن الحسن بن دريد (ت ٣١٢ هـ)
اللغوي البصري خمسين ديناراً في كل شهر(٣).
أما وزيره علي بن محمد بن الفرات (ت ٣١٢ هـ) فكان يُجري
الرزق على خمسة آلاف من أهل العلم والدين والبيوت والفقراء (٤)، وكان
يبذل لطلاب الحديث خاصة، عشرين ألف درهم سنوياً. وسيرته مطولة عند
الصابي (٥) .
وكان وزيره الآخر علي بن عيسى بن داود (ت ٣٣٥ هـ) يحب أهل
العلم ويكثر مجالستهم ومذاكرتهم أيضاً(٦).
وهذا بجكم (ت ٣٢٩ هـ) أحد الأمراء الأتراك يقول: ((أنا إنسان وإن
(١) انظر: تاريخ بغداد (٥/ ٢١٠)، وإنباه الرواة (١/ ١٤٢).
(٢) انظر: الفهرست ٩٠.
(٣) انظر: وفيات الأعيان (٤ / ٣٢٦).
(٤) انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٤٢٣).
(٥) انظر: الوزراء للصابي ص ١١.
(٦) انظر: الوزراء للصابي ص ٣٠٥. وتاريخ بغداد (١٤/١٢). والمنتظم (٣٥١/٦).
٤٨

كنت لا أحسن العلوم والآداب، أحب ألا يكون في الأرض أديب ولا عالم
ولا رأس في صناعة إلا كان في جنبي وتحت اصطناعي وبين يدي لا
يفارقني))(١) .
وقد سار المتنبي إلى عضد الدولة فناخسرو الْبُوَيْهي (ت ٣٧٤ هـ)،
ومدحه، فنال صِلاته. كما صنف له أبو علي الفارسي ((الإِيضاح))
و ((التكملة)). ولعضد الدولة مكرمات كثيرة في هذا الجانب (٢).
وكان الصاحب بن عباد (ت ٣٨٥ هـ) وزير مؤيد الدولة بن بويه،
يحب العلماء والأدباء، ويخالطهم، ويقول لهم: نحن بالنهار سلطان
وبالليل إخوان. وكان ينفذ كل سنة إلى بغداد خمسة آلاف دينار تفرق على
الفقهاء (٣).
ولم يكن الحمدانيون في حلب أقل تكريماً للأدباء والشعراء من بني
بويه، فقد قيل : ما اجتمع بباب ملك من الشعراء ما اجتمع بباب سيف الدولة
الحمداني علي بن عبدالله بن حمدان (ت ٣٥٦ هـ). وكان يقول: عطاء
الشعراء من فرائض الأمراء (٤).
وكان من جملة ما أعطى ابن عمه أبا فراس (ت ٣٥٧ هـ) الشاعر
المشهور لقاء بيت من الشعر نال إعجاب سيف الدولة، ضيعة بأعمال منبج
قرب حلب. وأخباره كثيرة مع الشعراء، كالخالِدِيَيْن، والمتنبي، والسَّريّ
الرّفاء، وغيرهم(٥) .
ويقول أبو عبدالله البوشنجي (ت ٢٩١ هـ) شيخ المحدثين بنيسابور:
(١) الأوراق للصولي ص ١٩٥ .
(٢) انظر: السير (١٦ / ٢٤٩ - ٢٥٠).
(٣) انظر: المنتظم (٦/ ١٨٠).
(٤) انظر: السير (١٦ / ١٨٨).
(٥) انظر: وفيات الأعيان (٤٠٣/٣ - ٤٠٥).
٤٩

أخذت من الليثية - الأسرة الصفارية حكام فارس (٢٥٤ - ٢٩٠ هـ) - سبعمائة
ألف درهم - بمعنى أنهكان يتقاضى ما معدله حوالي عشرين ألف درهم سنوياً-،
ولما انقضت أيامهم، صار يتقاضى مرتبه من السامانيين (١).
وكان الأمير إسماعيل بن أحمد الساماني والي خراسان (ت ٢٩٥ هـ)
يصل محمد بن نصر المروزي (ت ٢٩٤ هـ) بأربعة آلاف درهم كل سنة،
ويصله أخوه إسحاق بمثلها، وکذلك أهل سمرقند بمثلها(٢) . فکان یصله اثنا
عشر ألف درهم سنوياً .
وقد اجتمع بالديار المصرية محمد بن نصر المروزي، والحسن بن
سفيان الشيباني (ت ٣٠٢ هـ)، ومحمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) في
رحلتهم لطلب الحديث، فبعث ابن طولون والي مصر إلى كل منهم مائة
دينار، ثم اشترى الدار التي نزلوا فيها، وجعلها لأهل الحديث، ووقف عليها
أوقافاً جزيلة (٢) .
كما مدح المتنبي كافور الإخشيدي صاحب مصر (ت ٣٥٧ هـ)، فأكرم
مثواه وأنزله عنده أربع سنين، وبذل له مالاً جزيلاً (٤).
وكذلك كان الوزير ابن كلس يحب العلماء ويقربهم، كما كان يصرف
بأمر العزيز بالله صاحب مصر (ت ٣٨٦ هـ) ألف دينار شهرياً على جماعة من
أهل العلم والوراقين والمجلدين (٥) .
وإلى جانب الخلفاء والوزراء، كان لعدد من مياسير العلماء دور
(١) انظر: طبقات الشافعية للسبكي (١٩٢/٢).
(٢) انظر: طبقات الشافعية للسبكي (٢/ ٢٤٨).
(٣) انظر: تاريخ بغداد (١٦٤/٢ - ١٦٥)، ومعجم الأدباء (١٨ / ٤٦ - ٤٧). والسير
(١٤ / ٢٧١، ٥٠٨). والبداية والنهاية (١١ / ٧٩).
(٤) انظر: السير (١٦ / ١٩١).
(٥) انظر: الحضارة الإسلامية لآدم متز (٣٣٠/١).
٥٠

ملحوظ في البذل والعطاء وتشجيع العلم والمشتغلين به .
فقد كان دعلج بن أحمد بن دعلج السجستاني المعدل (ت ٣٥١ هـ)
يجري صدقات على أهل الحديث بمكة والعراق وسجستان(١) . ويُروى أنه
بعث المسند إلى ابن عقدة لينظر فيه، وجعل بين كل ورقتين ديناراً. وأفضاله
كثيرة ومشهورة(٢) .
على أن بعض العلماء كانت نفوسهم تأبى أخذ العطايا، وصلات
الحكام مستغنين عن ذلك بكسب أيديهم .
ففي بغداد بعث المعتضد بعشرة آلاف درهم إلى إبراهيم بن
إسحاق بن بشير الحربي (ت ٢٨٥ هـ)، فردها له، فرجع الرسول وقال:
يقول الخليفة: فرقها على من تعرف من الفقراء، فقال: هذا شيء لم
نجمعه، ولا نُسأل عن جمعه، فلا نُسأل عن تفريقه، قل لأمير المؤمنين: إما
یترکنا و إما نتحول عن بلده(٣) .
وقال الإِمام الإسماعيلي: سمعت أبا عمران بن هانىء يقول: كان
إسحاق بن حنيفة یأکل من كسب يده (٤) .
وهذا محمد بن صالح بن هانىء بن زيد أبو جعفر الوراق
(ت ٣٤٠ هـ) أحد الثقات الزهاد، كان لا يأكل إلا من كسب يده (٥) .
وهناك صنف آخر من العلماء، قد يأخذ حقه من العطاء الذي يُفرض
له، إلا أنه لا يرضى أن يكون ذلك على حساب كرامته وعزة نفسه .
(١) انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٨١).
(٢) انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٣٨٧ - ٣٩٢). وتذكرة الحفاظ (٣/ ٨٨١ - ٨٨٢).
(٣) انظر: البداية والنهاية (١١/ ٧٩).
(٤) انظر: تاريخ جرجان ١٤٠ .
(٥) انظر: المنتظم (٦/ ٣٧٠).
٥١

ففي بغداد أراد الوزير علي بن عيسى أن يصلح بين أبي بكر بن أبي
داود (ت ٣١٦ هـ)، وأبي محمد بن صاعد (ت ٣١٨ هـ) - وكلاهما من
شيوخ الإِسماعيلي - فقال الوزير: يا أبا بكر، أبو محمد أكبر منك، فلو قمت
إليه، فقال: لا أفعل، فأثقل الوزير له القول، فرد قوله على خصمه، ثم قام
- ابن أبي داود -، وقال الوزير: تتوهم أني أذلّ لك لأجل رزقي، وأنه يصل
إلي على يدك؟! والله لا آخذ من يدك شيئاً(١).
فبأمثال هؤلاء العلماء الأجلاء ازدانت المساجد بحلقات العلم في
العصور الأولى، لما كانت القيود السياسية مرفوعة عن المساجد، ولما كان
العالِم حراً في تصوره، حراً في معتقده، يأكل من كسب يده، لا يخاف
الفقر، ولا يربطه أي اتجاه سياسي، بل كان يُعلّم ما يشاء، لا يتدخل في شأنه
أحد، ولا يأخذ على ذلك أجراً، راجياً المثوبة من الله عز وجل .
لذلك كانت المساجد من أهم مراكز الحياة الثقافية الحرة في ذلك
العصر، وفي العصور التي قبله .
ففي جامع المنصور ببغداد جلس إبراهيم بن محمد نفطويه
(ت ٣٢٣ هـ) إلى أسطوانة خمسين سنة لا يغير مكانه(٢) .
وكذلك كان للحافظ أحمد بن سلمان النجاد (ت ٣٤٨ هـ) حلقة قبل
الجمعة للفتوى، وأخرى بعدها لإِملاء الحديث في جامع المنصور أيضاً،
وكان إذا أملى الحديث يكثر الناس حتى يُغلَق البابان مما يليان حلقته (٣).
وكان يحضر درس أبي إسحاق بن محمد الإِسفراييني (ت ٤٥٦ هـ) ما
بين ثلاثمائة وسبعمائة فقيه في مسجد عبدالله بن المبارك ببغداد (٤).
(١) انظر: السير (٢٢٦/١٣).
(٢) انظر: الحضارة الإسلامية لآدم متز (٣٣٢/١).
(٣) انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٦٨).
(٤) انظر: تاريخ بغداد (٣٦٩/٤). وطبقات السبكي (٦٢/٤). وطبقات الحنابلة (٨/٢).
٥٢

وفي المسجد الجامع بالقاهرة، أحصى المقدسي (ت ٣٧٥ هـ) وقت
صلاة العشاء عشرة ومائة مجلس من مجالس العلم (١) .
كما كانت جُرجان مليئة بالمساجد، وكل مسجد يعرف بالعالم الذي
يحدث أو يملي أو يعظ فيه (٢).
على أن بعض الجوامع كانت تمتاز عن غيرها بوجود مكتبات بداخلها ،
إذ كان من عادة العلماء أن يوقفوا كتبهم على الجوامع (٣).
وقد امتازت هذه الفترة بظهور مؤسسات ثقافية جديدة، تعمل إلى
جانب المسجد لدعم الحركة الفكرية، في ظل تلك الانقسامات السياسية
المتنافسة، فُذلت الأموال الطائلة لشراء الكتب وتجميعها، مما أدى إلى
نشوء خزانات الكتب الكبيرة، والمكتبات الخاصة .
ففي بغداد كانت كتب أبي بكر الصولي (ت ٣٣٦ هـ) تملأ بيتاً عظيماً،
وهي مجلدة بألوان مختلفة قد صفها على حسب ألوانها، وكان يقول: هذه
الكتب كلها سماعي (٤).
كما كانت خزانة عضد الدولة (ت ٣٧٢ هـ) عبارة عن غرفة مستقلة
جمع فيها ما صُنِّف من أنواع العلوم إلى وقته، وهي مرتبة ومفهرسة على
المواضيع، يدير شؤونها وكيل ومعه خازن ومشرف، ولا يدخل إليها إلا كل
وجيه (٥) .
وهناك خزانة الكتب بمرو التي أُدخلت فيها كتب يزْدَجِرْد، منذ وقت
(١) انظر: أحسن التقاسيم ٢٠٥.
(٢) تقدم تفصيل ذلك أثناء الكلام عن خطط مساجد جرجان، ص ١٩ - ٢٨ .
(٣) انظر: وفيات الأعيان (١٤٣/١). وخطط الشام (١٨٥/١).
(٤) انظر: تاريخ بغداد (٤٣١/٣). وإنباه الرواة للقفطي (٢٣٥/٣).
(٥) انظر: أحسن التقاسيم للمقدسي ص ٤٤٩.
٥٣

الفتح الإسلامي، حيث حمل كتبه إلى مرو وتركها فيها (١).
وقد أنشأ سيف الدولة الحمداني (ت ٣٥٦ هـ) خزانته بحلب،
وزودها بأمهات الكتب، وكان من جملة خُزَّانها محمد وسعيد ابنا هاشم
الشاعران الخالديان المشهوران (٢).
كما كان في كل من معرّة النُّعمان، وكفرطاب، وطرابلس - من بلاد
الشام - خزانة كتب، كان قد زارها أبو العلاء المعرّي (ت ٤٩٩ هـ) في
أواخر القرن الرابع (٣).
وفي القاهرة، كانت للعزيز صاحب مصر، خزانة كتب كبيرة، قلما
يُذكر عنده كتاب إلا أخرج من خزانته عشرات النسخ منه إحداها بخط
المؤلف، ويقدر عدد ما كان فيها من الكتب بألف وستمائة ألف كتاب، مرتبة
على رفوف مقطّعة بحواجز، وعلى كل حاجز باب يحمل فهرساً بأسماء
الكتب الموضوعة خلفه، وكان فيها ناسخان وفراشان (٤) .
وكان الحكم صاحب الأندلس (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ)، يبعث رجالاً إلى
جميع بلاد المشرق لشراء الكتب له عند أول ظهورها، وكان فهرس مكتبته
ثمانين وثمانمائة ورقة (٤). فربما كانت تزيد على عشرين ألف كتاب .
وبعد أن بلغ المسجد ذروة سنامه في حمل رسالته العلمية، وانتشرت
خزانات الكتب والمكتبات، واكتظت رفوفها بالكتب المتنوعة، إزاء هذا
التنافس المستمر بين حكام الولايات، ازدحمت تلك الأقاليم بطلبة العلم
وروّاده، وكانت هذه المكتبات الخاصة محدودة الفائدة، لا يستطيع دخولها
كل أحد، لذلك كانت الحاجة ماسة إلى التطلع لإيجاد مؤسسات عامة تحقق
(١) انظر: كتاب بغداد لابن طيفور ٨٧.
(٢) انظر: خطط الشام (٦/ ١٨٥ - ١٨٦).
(٣) انظر: الخطط للمقريزي (١٢٧/٢ - ١٢٩).
(٤) انظر: الحضارة الإسلامية لآدم متز (٣٢٢/١).
٥٤

الفائدة المرجوة لكل دارس. فهيأ الله من أنشأ دوراً للعلم، فتحت أبوابها
لكل من أراد أن ينتفع بها، وسارت إلى جانب المسجد في العطاء الثقافي.
ففي بغداد ما زال بيت الحكمة الذي أنشأه الرشيد (١٧٠ - ١٩٣ هـ)
مفتّح الأبواب أشبه بجامعة، فيها دار كتب يجتمع فيها رجال يتدارسون
ويطالعون وينسخون(١) .
وبنى الوزير سابور بن أردشير دار العلم بالكرخ سنة ثلاث وثمانين
وثلاثمائة ، ونقل إليها كتباً كثيرة، وعمل لها فهرسة، وجعل فيها من يشرف
عليها ويرتب أمورها، ووقفها على من ينتفع بها من المسلمين(٢).
وقد أنشأ أبو علي بن سوّار الكاتب (ت ٣٧٢ هـ) داراً للكتب في
البصرة، وأخرى في رامهرمز بخوزستان، جعل فيها إجراءً على كل من لزم
القراءة والنسخ. وكانت دار الكتب في البصرة حافلة بعدد كبير من
الأسفار (٣).
وفي مصر اشترى العزيز بالله داراً إلى جانب الجامع الأزهر، سنة
ثمان وسبعين وثلاثمائة ، وجعلها لخمس وثلاثين من العلماء، كانوا يعقدون
مجالسهم العلمية بالمسجد بعد صلاة كل جمعة حتى العصر(٤).
كما أنشئت دور أخرى في الموصل، والبصرة، ونيسابور. وغيرها(٥).
لقد كانت تلك الحلقات العلمية التي كان العلماء يعقدونها حول
أساطين المساجد، وداخل دور العلم، هي النواة الأولى التي قامت عليها
المؤسسات التعليمية فيما بعد، فظهرت المدارس في أواخر القرن الرابع ،
وكان أول نشوئها في نيسابور(٣). ثم لحقتها المدن الأخرى في بداية القرن
(١) انظر: خطط الشام (٦/ ١٨٥).
(٢) انظر: المنتظم (٧/ ١٧٢). والكامل في التاريخ (٩/ ١٠١).
(٣) انظر: أحسن التقاسيم ٤١٣. وبلدان الخلافة الشرقية ٦٦ .
(٤) انظر: الحضارة الإسلامية لآدم متز (٣٣١/١).
(٥) سيأتي تفصيل ذلك أثناء الكلام عن الحركة العلمية لهذه المدن في رحلة الإسماعيلي.
٥٥

الخامس الهجري وقد تميزت هذه المدارس بأنها أكثر تنظيماً واختصاصاً في
المجال العلمي .
لا شك أن الحظ الأوفر من الفضل يعود إلى العلماء في ازدهار الحياة
الفكرية في هذه الفترة، بل وفي كل عصر من عصور هذه الأمة عبر تاريخها
الطويل، فهم الذين يترأسون بسعة علمهم حلقات المساجد ودور العلم،
وبنتاجهم الفكري دُوّنت المؤلفات المختلفة، وعلى أيديهم تتلمذ الدارسون
باختصاصاتهم المختلفة في التفسير، والحديث، والفقه، وسائر العلوم.
ويسجل لنا التاريخ في عصر الإِمام الإسماعيلي عدداً كبيراً من العلماء
والمفكرين والأدباء المبرزين، ففي هذه الفترة يترجم الذهبي لما يزيد على
ألف سيرة من سير الأعلام النبلاء (١)، الذين ما زالت آثارهم بين أيدينا،
تنبىء عن قدرهم الرفيع، ومنزلتهم العظيمة، وتدل على أن عصرهم عرف
بهم، حتى إن الباحث ليحار فيما يختار، ولا يدري كيف ينتقي نماذج من
هؤلاء العلماء الأجلاء الذين يتزاحمون في العلم والفضل، ويتنافسون في
إثراء العصر ببديع مصنفاتهم وثمار عقولهم .
فمن المحدثين: يذكر الذهبي ما يقارب ثلاثمائة ترجمة من تراجم
الأئمة الحفاظ المشهورين، الذين شاع ذكرهم في الأمصار الإِسلامية
المختلفة (٢)، وفيما يلي نستعرض بعض النماذج المقتضبة في هذه العجالة
السريعة ، فمنهم :
الإِمام أبو بكر البزار البصري (ت ٢٩٢ هـ) صاحب ((المسند الكبير
المعلل)).
ومحمد بن يحيى بن منده الأصبهاني (ت ٣٠١ هـ) صاحب ((تاريخ
أصبهان)) .
(١) لاحظ السير الأجزاء: (١٤ / ١٦/١٥).
(٢) لاحظ تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٨٠ - ٣ / ١٠٤٦).
٥٦

ومحدث خراسان، الحسن بن سفيان النسوي (ت ٣٠٣ هـ) صاحب
((المسند الكبير)) و((الأربعين)).
وشيخ الإسلام الحافظ النسائي نزيل مصر (ت ٣٠٣ هـ) صاحب
((السنن)) وغيرها. ومحدث الجزيرة أبو يعلى الموصلي (ت ٣١١ هـ) شيخ
الإسماعيلي، وصاحب ((الصحيح)). وأبو عوانة الإِسفراييني (ت ٣١٦ هـ)
شيخ الإسماعيلي، وصاحب ((الصحيح)) المخرج على صحيح مسلم. وأبو
القاسم البغوي البغدادي (ت ٣١٧ هـ) صاحب ((معجم الصحابة))
و «الجعديات))، وهو من شيوخ الإسماعيلي أيضاً. وحافظ الأندلس
خالد بن سعد القرطبي (ت ٣٥٢ هـ) صاحب ((رجال الأندلس))(١). والإِمام
الطبراني محدث الديار الشامية (ت ٣٦٠ هـ) صاحب المعاجم الثلاثة؛
((الكبير، والأوسط، والصغير)). وحافظ أصبهان أبو الشيخ الأنصاري
(ت ٣٦٩ هـ)(٢) صاحب ((طبقات المحدثين بأصبهان))(٣). وإمام زمانه في
الحديث وعلله ونقد الرجال، الحافظ أبو الحسن الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ)
صاحب ((السنن)) وغيره من المصنفات. وخاتمة ذلك العصر الحاكم
النيسابوري أبو عبدالله (ت ٤٠٥ هـ).
ويبرز في القراءات: ابن شنبوذ البغدادي شيخ الإِقراء في العراق
(ت ٣٢٨ هـ) صاحب ((اختلاف القراء)) و((شواذ القراءات)) (٤). وابن
الأخرم الدمشقي محمد بن النضر الربعي (ت ٣٤١ هـ)، كان عارفاً بعلل
القراءات بصيراً بالتفسير والعربية، وقد انتهت إليه رئاسة الإِقراء في بلاد
(١) انظر: تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي ١٣٠.
(٢) وانظر: ذكر أخبار أصبهان (٢/ ٩٠).
(٣) هذا الكتاب حققه الزميل عبد الغفور البلوشي، ونال به درجة الماجستير من الجامعة
الإسلامية بالمدينة المنورة .
(٤) انظر: القراء للذهبي (٢٢١/١). وغاية النهاية (٥٢/٢). ومعجم المؤلفين (٨/ ٢٣٦).
٥٧

الشام (١). وابن غلبون الحلبي عبد المنعم نزيل مصر (ت ٣٨٩ هـ) وكان
كثير التصنيف، من تصانيفه: ((المعدل)) و ((إرشاد المبتدي وتذكرة
لمنتھي)» (٢).
ويلمع في التفسير: إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري ثم
البغدادي (ت ٣١٠ هـ). واشتهر بالتاريخ والحديث أيضاً، من مصنفاته :
((جامع البيان)) في التفسير، و ((تاريخ الأمم والملوك))، و((تهذيب الآثار))(٢)
والنحاس النحوي أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي المصري
(ت ٣٣٧ هـ) صاحب ((تفسير القرآن)) و ((إعراب القرآن)) و ((الناسخ
والمنسوخ)) و ((معاني القرآن)) (٤). وابن عطية الدمشقي (ت ٣٨٢ هـ) مفسر
مقرىء ثقة، كان يحفظ خمسين ألف بيت شعر في الاستشهاد على معاني
القرآن. وله كتاب ((تفسير القرآن)) (٥).
وفي الفقه: إمام الحنفية أبو جعفر الطحاوي أحمد بن محمد بن
سلامة الحجري (ت ٣٢١ هـ)، كان قد انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي
حنيفة بمصر، وهو صاحب كتاب ((اختلاف العلماء)) و((الشروط الكبير))
و ((الأوسط)) و((الصغير))، و ((النوادر الفقهية)) (٦). وشيخ الظاهرية
(١) انظر: القراء للذهبي (٢٣٤/١). وغاية النهاية (٢/ ٢٧٠).
(٢) انظر: القراء للذهبي (٢٨٥/١). وغاية النهاية (١/ ٤٧٠).
ومعجم المؤلفين (٦ / ١٩٤).
(٣) انظر: طبقات المفسرين لكل من: السيوطي ٩٥. والداودي (٢ / ١٠٦) ومعجم المؤلفين
(٩ / ١٤٦) .
(٤) انظر: الوافي للصفدي (٧/ ٣٦٢). وطبقات المفسرين للداودي (١/ ٦٧).
ومعجم المؤلفين (٨٢/٢، ٨/ ٢٣٤، ٣٦٧/١٣).
(٥) انظر: طبقات المفسرين لكل من السيوطي ٥٦. والداودي (٢٣٩/١).
ومعجم المؤلفين؛ ٨٣/٦).
(٦) انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ١٤٢. والجواهر المضيئة (١/ ٢٧١).
ومعجم المؤلفين لكحالة (٢ / ١٠٧).
٥٨

عبدالله بن أحمد بن محمد بن المغلِّس (ت ٣٢٤ هـ)، عنه انتشر مذهب
داود بن علي الظاهري، وله مصنفات على مذهبه، منها: ((الموضح)) على
كتاب المزني (١). وأبو القاسم الخرقي عمر بن الحسين بن عبدالله الفقيه
الحنبلي (ت ٣٣٤ هـ)، صاحب ((المختصر)) المشهور، وله مصنفات كثيرة
لم تظهر، لأنه خرج من بغداد لما ظهر بها سب الصحابة وترك كتبه في دار
فاحترقت الدار (٢). والإِمام أبو بكر القفال الكبير محمد بن علي بن إسماعيل
الشاشي (ت ٣٦٥ هـ) الذي نشر فقه الشافعي فيما وراء النهر، له كتاب
((شرح الرسالة))، وآخر في أصول الفقه (٣). وأبو بكر بن علويه الأبهري
محمد بن عبدالله بن محمد القزويني (ت ٣٧٥ هـ) المالكي، كان من
الفقهاء المشهورين، وصاحب كتاب ((مسائل الخلاف)) وآخر في أصول
الفقه(٤) .
وفي التاريخ: محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) (٥)، والمسعودي
علي بن الحسين بن علي (ت ٣٤٥ هـ) صاحب ((مروج الذهب))
و((التاريخ في أخبار الأمم من العرب والعجم))، وغيرهما (٦).
ومن المصنفين من كَتَبَ في تاريخ الرجال وأحوالهم، مثل ابن علاَّن
الحافظ الحراني علي بن الحسن (ت ٣٥٥ هـ) محدث خراسان، وصاحب
((تاريخ الجزيرة)) (٢). والحافظ ابن زبر الربعي محمد بن عبدالله بن أحمد
(١) انظر: تاريخ بغداد (٣٨٥/٩). وطبقات الشيرازي ١٧٧ .
(٢) انظر: طبقات الشيرازي ١٧٢. وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٧٥ - ١١٨).
(٣) انظر: طبقات الشيرازي ١١٢. وطبقات السبكي (٣/ ٢٠٠ - ٢٢٢).
(٤) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٤٧٤/٤). والديباج المذهب لابن فرحون
(٣١٧/١). ومعجم المؤلفين (١٠/ ٢٤١).
(٥) تقدم ذكره في المفسرين، وانظر: تذكرة الحفاظ (٢/ ٧١١).
(٦) انظر: فوات الوفيات (٩٤/٢). ومعجم المؤلفين (٧/ ٨٠، ٤٠٦/١٣).
(٧) انظر: السير (٢٠/١٦).
٥٩

الدمشقي (ت ٣٧٩ هـ)، له كتاب ((الوفيات)) مرتب على السنين، وكتاب
((أخبار ابن أبي ذئب))، وغيرهما(١).
وفي الأخلاق والتصوف: شيخ الصوفية الجنيد بن محمد بن الجنيد
النهاوندي ثم البغدادي (ت ٢٩٧ هـ)، كان يقول: علمنا مضبوط الكتاب
والسنّة، ومن لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، ولم يتفقه لا يُقتدى
به (٢). وأبو عبدالله الجلاء أحمد بن يحيى الشامي (ت ٣٠٦ هـ) أحد أئمة
الصوفية(٢). والشيخ الزاهد محمد بن خفيف الضبي الشيرازي
(ت ٣٧١ هـ) (٤).
وفي علم الكلام: يظهر رأس المعتزلة، وشيخهم أبو عبدالله الجبّائي
محمد بن عبد الوهاب البصري (ت ٣٠٣ هـ)، صاحب ((الأسماء
والصفات)) و((الرد على المنجمين)) وغيرهما (٥). والبربهاري الحسن بن
علي بن خلف البغدادي شيخ الحنابلة (ت ٣٢٩ هـ)، كان قوالاً بالحق ،
داعية إلى الأثر، ومن أقواله: احذر صغار المحدثات من الأمور، فإن صغار
البدع تعود كباراً، فالكلام في الرب عز وجل محدث وبدعة وضلالة، فلا
تتكلم إلا بما وصف به نفسه، ولا نقول في صفاته: لم؟ ولا كيف؟ والقرآن
كلام الله، وتنزيله ونوره ليس مخلوقاً، والمراء فيه كفر (٦). وإمام المتكلمين
أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل بن إسحاق البصري (ت ٣٣٤ هـ)،
كان معتزلياً، ثم تبرأ وتاب إلى الله منه، وأخذ يرد على المعتزلة، واعتنق
(١) انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٩٦). ومعجم المؤلفين (١٠/ ١٩٦).
(٢) انظر: طبقات الصوفية للسلمي ١٥٥. وحلية الأولياء (١٠/ ٢٥٥).
ولواقح الأنوار (١/ ١٣٢).
(٣) انظر: طبقات الصوفية للسلمي ١٧٦. وحلية الأولياء (١٠/ ٣١٤).
(٤) المصدر ن السابقان ٤٦٢، و (٣٨٥/١٠).
(٥) انظر: السير (١٨٣/١٤). وطبقات الداودي (١٨٩/٢).
(٦) انظر: طبقات الحنابلة (١٨/٢ - ٤٥). والسير (٩٠/١٥).
٦٠