Indexed OCR Text

Pages 21-40

فمن لم يحفظ سنن
٦٥
أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ ◌َسَلِيمًا
النبي ◌َّل ولم يحسن تمييز صحيحها من سقيمها. ولا عرف الثقات من
المحدثين ولا الضعفاء من المتروكين، ومن يجب قبول انفراد خبره ممن لا
يجب قبول زيادة الألفاظ في روايته، ولم يحسن معاني الأخبار، والجمع
بين تضادها في الظواهر، ولا عرف المفسر من المجمل، ولا المختص من
المتقضى [المفصل]، ولا الناسخ من المنسوخ، ولا اللفظ الخاص الذي يراد
به العام، ولا اللفظ العام الذي يراد به الخاص، ولا الأمر الذي هو فريضة
وإيجاب، ولا الأمر الذي هو فضيلة وإرشاد، ولا النهي الذي هو حتم لا
يجوز ارتكابه من النهي الذي هو ندب مباح استعماله مع سائر فصول السنن
وأنواع أسباب الأخبار على حسب ما ذكرناها في كتاب فصول السنن. كيف
يستحل أن يفتي؟ أم كيف يسوغ لنفسه تحريم الحلال وتحليل الحرام تقليداً
ج إِنْ هُوَ
منه لمن يخطىء ويصيب؟ رافضاً قول من ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَعَّ
إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى
وقد أخبر المصطفى ول# كيفية نقص العلم الذي ذكر في خبر أبي
هريرة، وأن ذلك ليس برفع العلم نفسه، بل هو موت العلماء الذين
يحسنون ذلك.
ذكر السنة المصرحة بذلك
حدثنا أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا عبيد الله بن
عمر القواريري، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا هشام بن عروة،
قال: حدثني أبي، قال: سمعت عبدالله بن عمرو من فيه إلى فِيَّ، يقول:
سمعت رسول الله وَل﴿ل يقول: ((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً
يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً أَتَّخَذَ النَّاسُ
رُؤَسَاءَ جُهَّالاً، [فِآسُئِلُوا فَأَفْتُوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا))(١) .
(١) ورواه البخاري (١٠٠) ومسلم (٢٦٧٣) والمصنف في صحيحه (٤٥٧١ و ٦٧١٩
و ٦٧٢٣) وغيرهم.
٢١

قال أبو حاتم: في هذا الخبر دليل على أن رفع العلم الذي ذكرنا قبل
ونقصه عند تقارب الزمان لا يكون برفع يرفع من الأرض، ولكنه بموت
العلماء الذين يحسنون علم السنن على حسب ما ذكرنا فصولها حتى لا يبقى
منهم إلا الواحد بعد الواحد، ثم يتخذ عند ذلك الناس رؤساء لا يحسنون
ذلك، فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون، نعوذ بالله من حالة تقربنا إلى
سخطه وأليم عقابه .
وإنما نوينا في بث ما خرجنا من هذه الكتب التي لم يمعن أئمتنا
الكلام فيها، ولا فرعوا الفروع عليها اعتماداً منا على اكتساب الذخر في
الآجل، لأنه من خير ما يخلف المرء بعده بحكم النبي وَالارد.
ذكر خبر ثان يدل على استحباب معرفة الضعفاء من المحدثين
حدثنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة،
قال: حدثنا عبدالوهاب [الثقفي]، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن أبي
بكرة، عِن أبي بكرة، عن النبي وَّل قال: ((إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْأَتِهِ يَوْمَ
خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ، ذُو القَعْدَةِ
وَذُو الحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ - ثم قال : -
((أَيُّ شَهْرِ هَذَا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير
اسمه، قال: (([أ] لَيْسَ ذُو [ذَا] الْحِجَّةِ؟)) قلنا: بلى، قال: ((أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟))
قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال:
((أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ الْحَرَامَ؟)) قلنا: نعم، قال: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ
عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلّ
فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِيٍ ضُلََّلاَ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ
بَعْضٍ، أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ
مِنْ بَعْضِ مَنْ يَسَّمَعُهُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟ أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟))(١).
قال أبو حاتم: في قوله: ((أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ)) دليل على
(١) رواه المصنف في صحيحه (٥٩٧٥) بهذا الإسناد واللفظ فراجعه.
٢٢

استحباب معرفة الضعفاء من المحدثين، إذ لا يتهيأ للشاهد أن يبلغ الغائب
ما شهد إلا بعد المعرفة بصحة ما يؤدي إلى من بعده، وإنه متى ما أدى إلى
من بعده ما لم يصح عن رسول الله وَالر، فكأنه لم يؤد عنه شيئاً، وأن من
لم يعتبر [يميز] الثقات من الضعفاء ولم يحط علمه بأسبابهم [بأنسابهم] لا
يتهيأ له تخليص الصحيح من بين السقيم، فإذا وقف على أسمائهم وأنسابهم
والأسباب التي أدت إلى نفي الاحتجاج بهم تنكب حديثهم، ولزم السنن
الصحيحة، فيرويها حينئذ، حتى يكون داخلاً في جملة من أمر النبي وَّر بأن
يبلغ الشاهد منهم الغائب، جعلنا الله من المتبعين لسنته والذابين الكذب عن
نبيه ◌َّر، إنه رؤوف رحيم.
ذكر خبر توهم الرعاع من الناس ضد ما ذهبنا إليه
حدثنا الفضل بن الحباب بالبصرة، قال: حدثنا القعنبي، قال: حدثنا
عبدالعزيز بن محمد، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة،
أنه قيل لرسول الله وَله: ما الغيبة؟ قال: ((ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ)) قيل:
أفرأيت إن كان فيه ما نقول؟ قال: ((إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ
يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَنَّهُ))(١) .
قال أبو حاتم: احتج بهذا الخبر جماعة ممن ليس الحديث صناعتهم،
وزعموا أن قول أئمتنا: فلان ليس بشيء، وفلان ضعيف، وما يشبه هذا من
المقال غيبة إن كان فيهم ما قيل، وإلا فهو بهتان عظيم.
ولو تملق قائل هذا إلى باريه في الخلوة، وسأله التوفيق لإصابة الحق
لكان أولى به من الخوض فيه، إذ ليس من صناعته، لأن هذا ليس بالغيبة
المنهي عنها، وذاك [ذلك] أن المسلمين قاطبة ليس بينهم خلاف أن الخبر
لا يجب أن يُسْمَعَ عند الاحتجاج إلا من الصدوق العاقل، فكان من [في]
إجماعهم هذا دليل على إباحة جرح من لم يكن بصدوق في الرواية، على
(١) ورواه مسلم (٢٥٨٩) والمصنف في صحيحه (٥٧٥٨ و٥٧٥٩) وأبو داود (٤٨٧٤)
والترمذي (١٩٣٤) وغيرهم من طرق عن العلاء به.
٢٣

أن السنة تصرح عن المصطفى بضد ما انتحل مخالفونا فيه.
ذكر الخبر الدال على صحة ما ذهبنا إليه
حدثنا الحسن بن سفيان الشيباني، قال: حدثنا محمد بن المنهال
الضرير، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: أخبرنا روح بن القاسم، عن
محمد بن المنكدر، عن عروة، عن عائشة، قالت: أقبل رجل، فلما رآه
النبي ◌َّ فقال: ((بِئْسَ أَخُو الْعَشِيِرَةِ - أو قال - ابْنُ الْعَشِيرَةِ)) فلما جاء
النبي ◌َّ كلمه وانبسط إليه، فلما وَلَّى، قالت عائشة: يا رسول الله لما رأيته
قلت ما قلت، فلما جاء كلمته وانبسطت إليه؟ فقال: ((يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ أُمَّتِي
عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتَّقَاءَ فُحْشِهِ))(١).
قال أبو حاتم: وفي هذا الخبر دليل على أن إخبار الرجل ما في
الرجل على جنس الديانة [الإبانة] ليس بغيبة، إذ النبي ◌َّ قال: ((بِئْسَ أَخُو
الْعَشِيرَةِ أَو ابْنُ الْعَشِيرَةِ)) ولو كان هذا غيبة لم يطلقها رسول الله بِمَّةٍ، وإنما
أراد بقوله هذا أن تعتد ترك الفحش لأنه أراد ثلبه، وإنما الغيبة ما يريد
القائل به القدح في المقول فيه.
وأئمتنا رحمة الله عليهم فإنهم إنما بينوا هذه الأشياء وأطلقوا الجرح
في غير العدول لئلا يحتج بأخبارهم، لا أنهم أرادوا ثلبهم والوقيعة فيهم،
والإخبار عن الشيء لا يكون غيبة إذا أراد القائل غير الثلب.
حدثنا عمر بن محمد بن بجير بن راشد، قال: حدثنا عمرو بن علي،
قال: حدثنا عفان، قال: كنت عند إسماعيل بن علية، فحدث رجل عن
(١) ورواه البخاري (٦٠٣٢) من طريق روح به.
ورواه المصنف في صحيحه (٤٥٣٨) وأحمد (٣٨/٦) والحميدي (٢٤٩) والبخاري
(٦٠٥٤ و٦١٣١) ومسلم (٢٥٩١) وأبو داود (٤٧٩١) والترمذي (١٩٩٦) وغيرهم
من طريق سفيان عن محمد بن المنكدر به.
ورواه عبدالرزاق (٢٠١٤٤) ومن طريقه مسلم (٢٥٩١) من طريق معمر عن ابن
المنكدر به.
ورواه المصنف في صحيحه (٥٦٩٦) من طريق عبدالله بن دينار عن عروة به.
٢٤

رجل بحديث، فقلت: لا تحدث عن هذا، فإنه ليس بثبت، فقال: قد
اغتبته، فقال إسماعيل: ما اغتابه، ولكنه حكم أنه ليس بثبت(١).
حدثنا محمد بن زياد الزبادي، قال: حدثنا أحمد بن علي، قال:
حدثنا مكي بن إبراهيم، قال: كان شعبة يأتي عمران بن حُدَيْرٍ، فيقول:
تعال حتى نغتاب ساعة في الله عز وجل، نذكر مساوىء أصحاب
الحديث (٢) .
حدثنا لقمان بن علي [السرخسي]، قال: حدثنا عبدالصمد بن الفضل،
قال: حدثنا مكي [بن إبراهيم]، قال: كان شعبة يجيء إلى عمران بن
حُدَيْر، فيقول: قم بنا حتى نغتاب في الله تبارك وتعالى.
قال أبو حاتم: أجمع الجميع على أن الشاهدين لو شهدا عند الحاكم
على شيء من حطام هذه الدنيا، ولم يعرفهما الحاكم بعدالة أن عليه أن
يسأل المعدل عنهما، فإن كتم المعدل عيباً أو جرحاً علم فيهما أثم، بل
عليه الواجب أن يخبر الحاكم بما يعلم منهما من الجرح أو التعديل حتى
يحكم الحاكم بما يصح عنده، فإذا كان ذلك جائزاً لأجل التافه من حطام
هذه الدنيا الفانية، كان ذلك عند ذب الكذب عن رسول الله وَلل أولى
وأحرى، فإن الشاهد إذا كذب في شهادته لا يعدوه كذبه، والكاذب على
رسول الله ◌َي يحل الحرام ويحرم الحلال ويتبوأ مقعده من النار.
وكيف لا يجوز القدح فيمن تبوأ مقعده من النار بفعل فعله؟
ولقد حدثنا عمر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن علي،
قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: سألت سفيان الثوري وشعبة بن
الحجاج ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة عن الرجل يكون واهي الحديث،
(١) ورواه مسلم (٢٦/١) في المقدمة ومن طريقه وغيره رواه الخطيب في الكفاية
(ص ٤٣) ورواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل (٨٥٣) ابن أبي حاتم في الجرح
والتعديل (٢٣/١).
(٢) ورواه الخطيب في الكفاية (ص ٤٥).
٢٥

يأتيني الرجل فيسألني عنه، فأجمعوا أن أقول: ليس هو بثبت، وأن أبين
(١)
أمره(١) .
حدثني محمد بن المنذر بن سعيد، قال: حدثنا أبو زرعة، قال:
سمعت أبا مسهر يسأل عن الرجل يغلط ويهم ويصحف، فقال: بَيِّنْ أمره،
قلت لأبي مسهر: أترى ذلك من الغيبة؟ قال: لا(٢).
حدثنا الحسن بن سفيان، قال: سمعت معاذ بن شعبة يقول: قال أبو
داود: جاء عباد بن صهيب إلى شعبة، فقال: إن لي إليك حاجة فقال: ما
هو؟ فقال: تكف عن أبان بن أبي عياش، فقال: أنظرني ثلاثاً، فجاءه بعد
الثالثة فقال: يا عباد نظرت فيما قلتَ فرأيت أنه لا يحل السكوت عنه (٣).
حدثنا محمد بن عبدالرحمن [الفقيه] قال: حدثنا الحسين بن الفرج،
عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، قال: جاءني أبان بن أبي
عياش، فقال: أحب أن تكلم شعبة أن يكف عني، قال: فكلمته فكف عنه
أياماً، فأتاني في بعض الليل، فقال: إنك سألتني أن أكف عن أبان، وإنه لا
يحل الكف عنه، فإنه يكذب على رسول الله وَاليوم (٤) .
حدثنا محمد بن عبدالله الهجري بالأبلة، قال: حدثنا عبدالله بن
جنيق، قال: قال سفيان الثوري: من هم أن يكذب في الحديث سقط
حديثه .
حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: حدثنا أبو قدامة، قال: سمعت
ابن مهدي يقول: مررت مع سفيان الثوري برجل، فقال: كذاب، والله لولا
أنه لا يحل لي أن أسكت لسكت.
(١) ورواه مسلم في المقدمة (١٧/١) والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٨٥٠ و٨٥١)
والخطيب في الكفاية (ص ٤٣) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢٤/٢).
(٢) ورواه الخطيب في الكفاية (ص ٤٥).
(٣) سيأتي في ترجمة أبان بن أبي عياش.
(٤) سيأتي كذلك في ترجمة أبان.
٢٦
٠

حدثني محمد بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن عبدالله بن سليمان،
عن أبي الحارث الزبيري [الزبيدي ]، قال: سمعت الثوري يقول: ما سترت
على أحد يكذب في حديثه(١).
قال أبو حاتم: فهؤلاء أئمة المسلمين وأهل الورع في الدين أباحوا
القدح في المحدثين وبينوا الضعفاء والمتروكين، وأخبروا أن السكوت عنه.
ليس مما يحل، وأن إبداءه أفضل من الإغضاء عنه، وقد تقدمهم فيه أئمة
قبلهم ذكروا بعضهم، وحثوا على أخذ العلم من أهله.
حدثنا الحسين بن إسحاق الأصبهاني بالكرج، قال: حدثنا حميد بن
الربيع الخزاز، قال: حدثنا محمد بن زياد، عن ميمون بن مهران، عن ابن
عباس، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم(٢).
حدثنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا عبدالله بن محمد بن أسماء،
قال: حدثنا مهدي بن ميمون، عن ابن سيرين، قال: إن هذا العلم دين،
فانظروا عمن تأخذون(٣) .
حدثنا محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا الحسن بن عبدالرحمن
المصري، قال: حدثنا ابن بكير، قال: حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم،
قال: إن هذا العلم دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم.
حدثنا الحسين بن إسحاق الأصبهاني، قال: حدثنا عقيل بن يحيى
الطهراني، قال: حدثنا أصرم بن حوشب، عن الواقع بن سويد، عن أبي
هريرة، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
(١) هو عند ابن الجوزي في الموضوعات من طريق محمد بن عبدالله بن سليمان مطين
عن جمهور بن منصور عن أبي الحارث الزبيدي به ولفظه: ما ستر الله عز وجل أحداً
يكذب في الحديث. وجمهور هذا ذكره ابن حبان في الثقات، ولا أعرف أبا الحارث
هذا هل هو محمد بن مصعب الدمشقي أو غيره.
(٢) في إسناده كذاب وآخر متهم بالكذب.
(٣) ورواه مسلم في مقدمة صحيحه (١٤/١).
٢٧

حدثنا محمد بن عبدان بن هارون الأزرق بواسط، قال: حدثنا
محمد بن عبدالملك الدقيقي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل السكري
الكوفي، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: دخلنا على أنس بن سيرين في
مرضه، فقال: اتقوا الله يا معشر الشباب، وانظروا ممن تأخذون هذه
الأحاديث، فإنها دينكم.
حدثنا الضحاك بن هارون بجنديسابور، قال: حدثنا محمد بن
أحمد بن زيد المذاري. قال: حدثنا الأنصاري، عن الأشعث، عن الحسن،
قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه.
حدثنا الحسن بن محمد بن مصعب، قال: حدثنا سليمان بن معبد،
عن يونس بن محمد، قال: قال أبو المهلب المغيرة بن محمد، قال: حدثنا
الضحاك بن مزاحم، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه(١).
حدثنا محمد بن عبدالله بن المهدي بإسفرايين، قال: حدثنا أحمد بن
عبدالله الحداد، قال: حدثنا داود بن سليمان القصار، قال: حدثنا سويد بن
عبدالعزيز، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن
تأخذونه .
حدثنا محمد بن المنذر، قال: حدثنا ربيعة بن الحارث قاضي
حمص، قال: حدثنا محمد بن زياد الحمصي، قال: حدثنا هشيم، عن
مغيرة، عن إبراهيم، قال: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون
دینکم .
قال مغيرة: كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه نظرنا إلى سمته وإلى
صلاته، ثم أخذنا عنه.
حدثنا عبدالملك بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال:
حدثنا أبو غسان زنيج الرازي، قال: قال بهز: دين الله أحق من طُلِبَ له
العدول .
(١) ورواه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١٥/٢).
٢٨

سمعت إبراهيم بن نصر العنبري، يقول: سمعت علي بن خشرم،
يقول: سمعت ابن إدريس يقول: لا يسمع الحديث ممن يشرب المسكر لا
ولا كرامة .
حدثنا ابن قتيبة بعسقلان، قال: حدثنا محمد بن المتوكل بن أبي
السري، قال: حدثنا يحيى بن سليم، قال: حدثنا عبيدالله بن عمر، قال:
قال ابن سيرين: إن الرجل ليحدثني بالحديث فما أتهمه، ولكن أتهم من
حدثه، وإن الرجل ليحدثني بالحديث فما أتهم من حدثه، ولكن أتهمه هو.
حدثنا أبو المعافي أحمد بن محمد بن إبراهيم الأنصاري بِجُبَيْل، قال:
حدثنا يوسف بن بحر الجبلي، قال: سمعت سَلْم بن ميمون الخواص،
يقول: كنت آتي الرجل أريد أن أسمع منه، فأسأل: من أين خبره؟ فإن كان
خبره من جهته سمعت منه، وإلا لم أسمع منه.
سمعت إبراهيم بن نصر العنبري، قال: سمعت محمد بن بحير
الهمداني، يقول: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سمعت أبا أسامة،
يقول: قد يكون الرجل كثير الصلاة، كثير الصوم، ورعاً، جائز الشهادة في
الحدیث لا یسوی ذِه، ورفع شيئاً ورمی به.
قال إبراهيم بن الأشعث: إذا وجدتم رجلاً معروفاً بشدة الطلب
ومجالسة الرجال فاكتبوا عنه.
سمعت يعقوب بن يوسف بن عاصم ببخارى، يقول: سمعت أبا قلابة
الرقاشي، يقول: سمعت أبا صفوان القديدي، يقول: قال شعبة بن
الحجاج: الأشراف لا يكذبون.
حدثنا عبدالملك بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال:
حدثنا الوليد بن شجاع، قال: حدثنا الأشجعي، قال: سمعت سفيان يقول:
لو هَمَّ الرجل أن يكذب في الحديث وهو في جوف بيت لأظهر الله عليه.
قال أبو حاتم: ما كلف الله عباده أخذ الدين عمن ليس بثقة، ولا
أمرهم بالانقياد للحجاج بمن ليس بعدل مرضي.
٢٩

وقد روي عن النبي 18َّ في نفي جواز أخذ العلم عمن لا يجوز
شهادته خَبَرٌ غير محفوظ .
حدثنا به الحسن بن سفيان، قال: حدثنا محمد بن بكار بن الريان،
قال: حدثنا حفص بن عمر قاضي حلب، عن صالح بن حسان، عن
محمد بن كعب، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَلّ: ((لاَ تَأْخُذُوا
الْعِلْمَ إِلا مِمَّنْ تُجِيزُونَ شَهَادَتَهُ»(١) .
قال أبو حاتم: هذا خبر باطل رفعه، وإنما هو قول ابن عباس، فرفعه
حفص بن عمر هذا، ولسنا بخير أن نحتج بخبر لا يصح من جهة النقل في
شيء من كنبنا، ولأن فيما يصح من الأخبار بحمد الله ومنه كاف يغني عنا
عن الاحتجاج في الدين بما لا يصح منها، ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه
الطائفة له لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم،
وذاك أنه لم تكن أمة لنبي قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت
هذه الأمة، حتى لا يتهيأ أن يزداد في سنة من سنن رسول الله وَالر ألف ولا
واو، كما لا يتهيأ زيادة مثله في القرآن، لحفظ هذه الطائفة السنن على
المسلمين وكثرة عنايتهم بأمر الدين، ولولاهم لقال من شاء ما شاء.
حدثنا محمد بن عبدالرحمن، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال:
حدثنا عبدان بن عثمان، قال: سمعت ابن المبارك يقول: الإسناد من
الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فإذا قيل: عمن بَقِيَ(٢).
حدثني محمد بن المنذر، قال: حدثنا أبو الحسين الأصبهاني، قال:
حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: سمعت أبا سعيد الحداد، يقول: الحديث درج،
والرأي مرج، فإذا كنت في المرج فاذهب كيف شئت، وإذا كنت في درج
فانظر أن لا تزلق فيندق عنقك.
حدثنا محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا أبو رفاعة العدوي، قال:
(١) سيأتي في ترجمة حفص بن عمر.
(٢) انظر تعليقنا على بغية الملتمس (ص ٣٧).
٣٠
٠

حدثنا يوسف بن سلمان، قال: حدثنا سفيان، قال: قال الزهري لأبي بكر
الهذلي: إني أراك يعجبك الحديث، فقال: أجل، قال: أما إنه لا يعجب
إلا ذكور الرجال.
حدثنا محمد بن أحمد بن أبي عون، قال: حدثنا أحمد بن الحسن
الترمذي، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا بكر بن سلام، عن أبي
بكر الهذلي، قال: قال لي الزهري: يا هذلي أيعجبك الحديث؟ قال:
قلت: نعم، قال: أما إنه يعجبه ذكور الرجال، ويكرهه مؤنثوهم.
حدثنا محمد بن المسيب بن إسحاق، قال: حدثنا عبدالله بن سعيد
الكندي، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: ربما حدث الأعمش بالحديث ثم
يقول: بقي رأس المال حدثني فلان، قال: حدثنا فلان عن فلان.
حدثنا محمد بن عبدالرحمن، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، عن
عبدالصمد بن حسان، قال: سمعت الثوري يقول: الإسناد سلاح المؤمن،
إذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟
حدثنا مكحول، قال: حدثنا النضر بن سلمة، قال: حدثنا مؤمل بن
إسماعيل، قال: سمعت شعبة يقول: كل حديث ليس فيه حدثنا وحدثنا فهو
مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام.
حدثنا الحسن بن سفيان، قال: سمعت صالح بن حاتم بن وردان،
يقول: سمعت يزيد بن زريع، يقول: لكل شيء فرسان، ولهذا العلم
فرسان .
قال أبو حاتم: فرسان هذا العلم الذين حفظوا على المسلمين الدين،
وهدوهم إلى الصراط المستقيم، الذين آثروا قطع المفاوز والقفار على التنعم
في الدمن والأوطار في طلب السنن في الأمصار، وجمعها بالرحل والأسفار
والدوران في جميع الأقطار، حتى إن أحدهم ليرحل في الحديث الواحد
الفراسخ البعيدة وفي الكلمة الواحدة الأيام الكثيرة، لئلا يُدْخل فصل في
السنن شيئاً يضل به، وإن فعل فهم الذابون عن رسول الله صل# ذلك
الكذب، والقائمون بنصرة الدين.
٣١

وإن من التفتيش والبحث عن هذا الشأن ما:
حدثنا عبدالله بن قحطبة بِفَم الصلح، قال: حدثنا أحمد بن زكريا
الواسطي، قال: سمعت أبا الحارث الوراق(١)، يقول: جلسنا على باب
شعبة نتذاكر السند، فقلت: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن
عطاء، عنِ عقبة بن عامر، عن النبي بََّ، قال: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ
دَخَلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ)) فخرج شعبة بن الحجاج وأنا أحدث بهذا
الحديث فصفعني، ثم قال: يا مجنون سمعتُ أبا إسحاق يحدث عن
عبدالله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، فقلتُ: يا أبا إسحاق سمعت
عبدالله بن عطاء يحدث عن عقبة بن عامر؟ [قال:] سمعت عبدالله بن
عطاء، قلت: عبدالله سمع عقبة بن عامر، فقال: اسكت، فقلت: لا
أسكت، فالتفت إليَّ مسعر بن كدام، فقال: يا شعبة عبدالله بن عطاء حي
بمكة، فخرجت إلى مكة، فلقيت عبدالله بن عطاء، فقلت: حديثَ
الوضوء، فقال: عقبة بن عامر، قلت: يرحمك الله سمعته منه؟ قال: لا،
حدثني سعد بن إبراهيم، فمضيت فلقيت سعد بن إبراهيم، فقلت: حديثَ
الوضوء، فقال: من عندكم خرج، حدثني زياد بن مخراق، فانحدرت إلى
البصرة، فلقيت زياد بن مخراق وأنا شحب اللون وسخ الثياب كثير الشعر،
فقال: من أين؟ فحدثته الحديث، فقال: ليس هو من حاجتك، قلت: فما
بد، قال: حتى تذهب تدخل الحمام وتغسل ثيابك، ثم تجيء فأحدثك به،
قال: فدخلت الحمام وغسلت ثيابي، ثم أتيته فقال: حدثني شهر بن
حوشب، قلت: شهر بن حوشب عمن؟ قال: عن أبي ريحانة، قلت: هذا
حدیث صعد، ثم نزل، دمروا علیه، ليس له أصل.
حدثنا إسحاق بن أحمد القطان بتستر [بتنيس]، قال: حدثنا محمد بن
سعيد بن غالب، قال: حدثنا نصر بن حماد، قال: كنا بباب شعبة ومعي
جماعة وأنا أقول لهم: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن
عطاء، عن عقبة بن عامر في الوضوء عن النبي ◌َّ قال: فلطمني شعبة
(١) قال أبو الحسن الدارقطني: اسمه نصر بن حماد.
٣٢

لطمة ودخل الدار ومعه عبدالله بن إدريس قال: ثم خرج بعد ذلك وأنا قاعد
أبكي، فقال لعبدالله بن إدريس: بعد هو يبكي، فقال عبدالله: إنك لطمت
الرجل، فقال: إنه لا يدري ما يحدث، إني سمعت أبا إسحاق يحدث بهذا
الحديث عن عبدالله بن عطاء، فقال لأبي إسحاق: من عبدالله هذا؟
فغضب، فقال مسعر: إن عبدالله بن عطاء حي بمكة، قال: فخرجت من
سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث، فأتيت مكة فسألت عن عبدالله بن
عطاء، فدخلت عليه، فإذا فتىّ شاب، فقلت: أي شيء حدثني عنك أبو
إسرائيل؟ فقال لي: نعم، قلت: لقيت عقبة؟ قال: لا، ولكن سعد بن
إبراهيم حدثنيه، قال: فأتيت مالك بن أنس وهو حاج، فسألته عن سعد بن
إبراهيم، فقال لي: ما حج العام، فلما قضيت نسكي مضيت إلى المدينة،
فأتيت سعد بن إبراهيم، فسألته عن الحديث، فقال لي: هذا الحديث من
عندكم خرج، فقلت له: كيف؟ قال: حدثني زياد بن مخراق، قلت: دَمِّر
على هذا الحديث، مرة كوفي، ومرة مكي، ومرة مدني، قال: فقدمت
البصرة، فأتيت زياد بن مخراق، فسألته عن الحديث، فقال: لا تُرِدْه،
فقلت: ولِمَ؟ قال: لا ترده، فقلت: ليس منه بد، قال: حدثني شهر بن
حوشب، قلت: دَمِّر على هذا الحديث، والله لو صح هذا الحديث كان
أحب إلي من أهلي ومالي.
حدثنا محمد بن عبدالرحمن بن محمد، قال: حدثنا قطن بن إبراهيم،
قال: حدثنا محمد بن جعفر المدائني، قال: حدثنا ورقاء بن عمر، قال:
قلت لشعبة: ما لك تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يُركض دابة فتركت
حديثه .
قال أبو حاتم: فهذا كان دأب شعبة في تفتيش الأخبار والبحث عن
سقيم الآثار، ولم يكن يعد السماع من الشيخ إلا بعد أن يسمعه مراراً،
وكذلك كان زائدة بن قدامة إذا سمع الحديث مرة لم يُجز عليه، فإذا سمعه
أخرى لم يُجزه، فإذا سمعه ثالثة أجاز عليه، وقال: قد صح.
حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: سمعت أبا قدامة يقول: قال
٣٣

أبو الوليد: سألت شعبة عن حديث، فقال: والله لا حدثتك به، لم أسمعه
إلا مرة.
أخبرنا عبدالملك بن محمد، قال: حدثنا أبو زرعة الرازي، قال:
حدثنا مقاتل بن محمد، قال: سمعت وكيعاً يقول: إني لأرجو أن يرفع الله
عز وجل لشعبة درجات في الجنة بِذَّبِّه عن رسول الله وَ له.
حدثني محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا الأخفش، قال: حدثني
بعض البصريين، قال: رأيت أبا سعيد الحداد يكتب أصناف حماد بن سلمة
عن هذا، ثم يجيء فيعرضها على شيخ آخر، فقلت له في ذلك، فقال:
اسكت أُخرِجُ جِزعاً أُدخِلُ ساجةً .
سمعت أحمد بن إسحاق السني الدينوري يقول: رأى أحمد بن حنبل
رحمة الله عليه يحيى بن معين في زاوية بصنعاء وهو يكتب صحيفة معمر،
عن أبان، عن أنس، فإذا طلع عليه إنسان كتمه، فقال أحمد بن حنبل
رحمه الله له: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، وتعلم أنها موضوعة؟
فلو قال لك القائل: أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه؟ قال:
رحمك الله يا أبا عبدالله، أكتب هذه الصحيفة عن عبدالرزاق عن معمر، عن
أبان، عن أنس، وأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء بعدنا
إنسان فيجعل بدل أبان ثابتاً، ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس، فأقول
له: كذبتَ، إنما هي أبان لا ثابت.
سمعت محمد بن إبراهيم بن أبي شيخ الملطي، يقول: جاء يحيى بن
معين إلى عفان ليسمع منه كتب حماد بن سلمة، فقال له: ما سمعتها من
أحد؟ قال: نعم، حدثني سبعة عشر نفساً عن حماد بن سلمة، فقال: والله
لا حدثتك، فقال: إنما هو دِرْهَمٌ، وأنحدر إلى البصرة، فأسمع من
التبوذكي، فقال: شأنك، فانحدر إلى البصرة، وجاء إلى موسى بن
إسماعيل، فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب عن أحد؟ قال: سمعتها
على الوجه من سبعة عشر نفساً وأنت الثامن، فقال: وما تصنع بهذا؟ فقال:
إن حماد بن سلمة كان يخطىء، فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره، فإذا
٣٤

٨
رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا
اجتمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافهم علمت أن الخطأ منه لا
من حماد، فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه وبين ما أخطىء عليه.
حدثنا عبدالملك بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن علي المحرمي،
قال: حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، عن نعيم بن حماد، قال: قلت
لعبدالرحمن بن مهدي: كيف نعرف صحيح الحديث من خطئه؟ قال: كما
يعرف الطبيب المجنون.
سمعت هارون بن عيسى بن السُّكَين ببلد، قال: سمعت أحمد بن
منصور الرمادي، يقول: كنا عند أبي نعيم نسمع مع أحمد بن حنبل
ويحيى بن معين، قال: فجاءني يوماً يحيى ومعه ورقة قد كتب فيها أحاديث
من أحاديث أبي نعيم وأدخل في خلالها ما ليس من حديثه، وقال: أعطه
بحضرتنا حتى يقرأ، وكان أبو نعيم إذا قعد في تيك الأيام للحديث كان
أحمد على يمينه ويحيى على يساره، فلما خف المجلس ناولته الورقة فنظر
فيها كلها، ثم تأملني ونظر إليهما، ثم قال وأشار إلى أحمد: أما هذا فأدين
من أن يفعل مثل هذا، وأما أنت فلا تفعلن، وليس هذا إلا من عمل هذا،
ثم رفس يحيى رفسة رماه إلى أسفل السرير، وقال: علي تعمل؟ فقام إليه
يحيى وقبله، وقال: جزاك الله عن الإسلام خيراً، مثلك من يحدث، إنما
أردت أن أُجَرَِّكَ.
أخبرنا عبدالملك بن محمد، قال: سمعت عباس بن محمد يقول:
سمعت يحيى بن معين يقول: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما
عقلناه .
قال أبو حاتم: فهذه عناية هذه الطائفة بحفظ السنن على المسلمين
وذب الكذب عن رسول الله وَلّ، ولولاهم لتغيرت الأحكام عن سننها حتى
لم يكن يعرف أحد مخرج صحيحها من سقيمها، والملزق بالنبي وَل
والموضوع عليه مما روى عنه الثقات والأئمة في الدين.
فإن قال قائل: فكيف جرحت من بعد الصحابة وأبيت ذلك في
٣٥

الصحابة؟ والسهو والخطأ موجودان في أصحاب رسول الله الحملة كما وجد
فيمن بعدهم من المحدثين.
يقال له: إن الله تبارك وتعالى نزه أقدار أصحاب رسول الله وعضو ئية عن ثلب
قادح، وصان أقدارهم عن وقيعة منتقص، وجعلهم كالنجوم يقتدى بهم، وقد
قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنَهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٦)﴾ ثم قال: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُمٍ ﴾
فمن أخبر الله عز وجل أنه لا يخزيه في القيامة، وقد شهد له باتباعه ملة
إبراهيم حنيفاً لا يجوز أن يجرح بالكذب، لأنه يستحيل أن يقول الله تبارك
وتعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اللَّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَةٌ﴾ ثم يقول النبي ◌َّ: ((مَنْ
كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) فيطلق النبي ◌ِّ إيجاب النار لمن
أخبر الله عز وجل أنه لا يخزيه في القيامة، بل الخطاب في الخبر وقع على من
بعد الصحابة، وأما من شهد التنزيلَ وصحب الرسولَ وَ﴿ فالثلب لهم غير
حلال، والقدح فيهم ضد الإيمان، والتنقص لأحدهم نفس النفاق، لأنهم خير
الناس قرناً بعد رسول الله وَل بحكم من ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَ جَ إِنْ هُوَ إِلَّا
وَ الر وأن من تولى رسول الله وَسّ إيداعهم ما ولاه الله بيانه
وحىٌ يُوحَى
للناس، لبالحري أن لا يجرح، لأن رسول الله وَ لو لم يودع أصحابه الرسالة
وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب إلا وهم عنده صادقون جائزوا الشهادة، ولو لم
يكونوا كذلك لم يأمرهم بتبليغ من بعدهم ما شهدوا منه، لأنه لو كان كذلك
لكان فيه قدحاً في الرسالة، وكفى بمن عَدَّلَهُ رسول الله وَّ شرفاً، وأن من بعد
الصحابة ليسوا كذلك، لأن الصحابي إذا أدى إلى من بعده يحتمل أن يكون
المبلغ إليه منافقاً أو مبتدعاً ضالاً لا ينقص من الخبر أو يزيد فيه ليضل به العالم
من الناس، فمن أجله ما فرقنا بينهم وبين الصحابة، إذ صان الله عز وجل أقدار
الصحابة عن البدع والضلال، جمعنا الله وإياهم في مستقر رحمته بمنه.
ذكر أول من وقى الكذب على رسول
صَلى الله
وسلم
حدثنا الهيثم بن خلف الدوري ببغداد، والحسين بن عبدالله القطان
بالرقة، قالا: أخبرنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن بن
٣٦

عيسى القزاز، عن مالك بن أنس، عن ابن إدريس، عن شعبة، عن سعد بن
إبراهيم، عن أبيه، قال: بعث عمر بن الخطاب إلى عبدالله بن مسعود وأبي
الدرداء وأبي مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا الحديث الذي تكثرون عن
رسول الله ◌َي فحبسهم بالمدينة حتى استشهد.
حدثنا محمد بن عبدالله بن عبدالسلام المعروف بمكحول ببيروت، قال:
حدثنا محمد بن يحيى بن كثير، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، عن سعد بن
إبراهيم، عن أبيه، قال: قال عمر لابن مسعود وأبي ذر وأبي الدرداء ولعقبة بن
عامر: ما هذا الحديث عن رسول الله وَّل وحبسهم بالمدينة حتى أصيب.
ذكر بعض السبب الذي من أجله منع عمر بن الخطاب
أصحابه من إكثار الحديث
حدثنا عمر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا أبو الطاهر، قال: حدثنا
ابن وهب، قال: سمعت سفيان يحدث عن بيان، عن عامر الشعبي، عن
قَرَظَة بن كعب، قال: خرجنا نريد العراق، فمشى معنا عمر بن الخطاب إلى
صِرَار، فتوضأ ثم قال: أتدرون لِمَ مشيت معكم؟ قالوا: نعم نحن أصحاب
رسول الله وَّر مشيت معنا، قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن
كدويِّ النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جَرِّدوا القرآن وأقلوا
الرواية عن رسول الله وَر، امضوا وأنا شريككم، فلما قدم قَرَظة قالوا:
حدثنا، قال: نهانا عمر بن الخطاب.
قال أبو حاتم: لم يكن عمر بن الخطاب يتهم الصحابة بالتقول على
النبي ◌ّلولا ردهم عن تبليغ ما سمعوا من رسول الله وصله وقد علم أنه وَالّ
قال: ((لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ)) (١) وأنه لا يحل لهم كتمان ما سمعوا من
رسول الله وَالر، ولكنه علم ما يكون بعده من التقول على رسول الله وله
(١) رواه البخاري (٦٧ و ١٠٥ و١٧٤١ و ٣١٩٧ و ٤٤٠٦ و ٤٦٦٢ و٥٥٥٠ و ٧٠٧٨
و ٧٤٤٧) ومسلم (١٦٧٩) وغيرهما من حديث أبي بكرة.
٣٧

لأنه وَلِّ قال: ((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُنْزِلُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِه))(١).
وقال: ((إِنْ يَكُنَ فِي هَذِهِ الأُمّةِ مُحَدَّثُونَ فَعُمَرُ مِنْهُمْ))(٢).
فعمد عمر إلى الثقات المتقنين الذين شهدوا الوحي والتنزيل، فأنكر
عليهم كثرة الرواية عن النبي ◌َلّ لئلا يجترىء من بعدهم ممن ليس في
الإسلام محله كمحلهم فيكثروا الرواية فينزلوا فيها أو يتقول متعمداً عليه واله
لنوال الدنيا، وتبع عُمَرَ عليه عليُّ بن أبي طالب رضوان الله عليهما
باستخلاف من يحدثه عن رسول الله و ﴿ وإن كانوا ثقات مأمونين، ليعلم
بهم توقي الكذب على رسول الله وَّر فيرتدع من لا دين له عن الدخول في
سخط الله عز وجل فيه، وقد كان عمر يطلب البينة من الصحابي على ما
يرويه عن رسول الله وَّلخير مخافة الكذب عليه، لئلا يجيء مَنْ بعد الصحابة
فيروي عن النبي ◌َّ لّر ما لم يقله.
حدثني أبو يعلى، قال: حدثنا خلف بن هشام البزار، قال: حدثنا
حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الله بن أبي سلمة،
أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاث مرات، فلم يؤذن له فرجع، فبلغ ذلك
عمر، فقال: ما ردك؟ فقال: إني سمعت رسول الله وَلّ يقول: ((إِذَا اسْتَأْذَنَ
أَحَدُكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ)) فقال: لتجيئن على هذا بينةً وإلا -
قال حماد [بن زيد] توعده، قال: فانصرف فدخل المسجد، فأتى مجلس
الأنصار فقص عليهم القصة، ما قال لعمر، وما قال له عمر، فقالوا له: لا
يقوم معك إلا أصغرنا، فقام معه أبو سعيد فشهد، فقال له عمر: إنا لا
نتهمك، ولكن الحديث عن رسول الله وَ له شديد(٣).
(١) رواه أحمد (٤٠١/٢) وابنه في زوائد فضائل الصحابة (٣١٥) وابن حبان (٦٨٨٩) وأبو
نعيم في فضائل الخلفاء الأربعة (٣) من حديث أبي هريرة، وصح من حديث ابن عمر
أيضاً.
(٢) رواه البخاري (٣٦٨٩) من حديث أبي هريرة ومسلم (٢٣٩٨) من حديث عائشة.
(٣) رواه المصنف في صحيحه (٥٨٠٦) بهذا الإسناد واللفظ وانظر التعليق عليه وعلى
الحديث (٥٨٠٧ و٥٨١٠).
٣٨

قال أبو حاتم: قد أخبر عمر بن الخطاب أنه لم يتهم أبا موسى في
روايته، وطلب البينة منه على ما أراد تكذيباً له، وإنما كان يشدد فيه لأن
يعلم الناس أن الحديث عن رسول الله وَجار شديد، فلا يجيء مِن بعدهم مَنْ
يجترى فيكذب عليه وقال ويتقول عليه ما لم يقل حتى يدخل بذلك في
سخط الله عز وجل.
وهذان أول من فتشا عن الرجال في الرواية، وبحثا عن النقل في
الأخبار، ثم تبعهم الناس على ذلك.
والدليل على صحة ما تأولنا فعلهما ذلك ما:
حدثني محمد بن عبدالرحمن السامي، قال: حدثنا علي بن الجعد،
قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول:
كنا إذا أتينا زيد بن أرقم، فنقول: حدثنا عن رسول الله وَله فيقول: إنا قد
كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله وقليل شديد(١).
حدثنا أحمد بن علي بن المثنى بالموصل، قال: حدثنا هارون بن
معروف، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاووس،
عن ابن عباس، قال: إنا كنا نحدث عن رسول الله وَلل إذ لم يكذب عليه،
فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه(٢).
قال أبو حاتم: قد أخبر ابن عباس أن تركهم الرواية وتشديدهم فيها
على أصحاب رسول الله وَّلي كان منهم ذلك توقياً للكذب عليه من بعدهم،
لا أنهم كانوا متهمين في الرواية على ما ذكرنا قبل، ثم أخذ مسلكهم واستن
بسنتهم واهتدى بهديهم فيما استنوا من التيقظ في الروايات جماعة من أهل
المدينة من سادات التابعين منهم سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن
(١) ورواه أحمد (٣٧٠/٤ و٣٧٠ - ٣٧١ و ٣٧٢) وابن ماجه (٢٥) والرامهرمزي في
المحدث الفاصل (ص ٥٥٠) والطبراني في الكبير (٣٩٧٨) والخطيب في الكفاية
(ص ١٧١).
(٢) رواه مسلم في مقدمة صحيحه (١٢/١ - ١٣).
٣٩

أبي بكر، وسالم بن عبدالله بن عمر، وعلي بن الحسين بن علي، وأبو
سلمة بن عبدالرحمن بن عوف، وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة، وخارجة بن
زيد بن ثابت، وعروة بن الزبير بن العوام، وأبو بكر بن عبدالرحمن بن
الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، فجدوا في حفظ السنن والرحلة فيها
والتفتيش عنها والتفقه فيها ولزوم الدين، ووعوه على المسلمين.
ثم أخذ عنهم العلم وتتبع الطرق وانتحاء الرجال، ورحل في جمع
السنن جماعة بعدهم، ومنهم الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري،
وهشام بن عروة، وسعد بن إبراهيم في جماعة معهم من أهل المدينة، إلا
أن أكثرهم تيقظاً وأوسعهم حفظاً وأدومهم رحلة وأعلاهم همة الزهري
رحمه الله .
حدثنا محمد بن عمرو بن سليمان، قال: حدثنا محمد بن يحيى،
قال: حدثنا أبو صالح، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، قال: قلت
لعراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أما أعلمهم بقضايا
رسول الله وَل﴿ وأبي بكر وعمر وعثمان وأفقههم فقهاً وأبصرهم بما مضى من
أمر الناس فسعيد بن المسيب.
وأما أغزرهم حديثاً فعروة بن الزبير، ولا تشاء أن تفجر من
عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بحراً إلاَّ فجرته.
قال عراك: وأعلمهم جميعاً عندي ابن شهاب، لأنه جمع علمهم إلى
علمه .
حدثنا الحسين بن عبدالله القطان بالرقة، قال: حدثنا نوح بن حبيب،
قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن برد، عن مكحول،
قال: ما رأيت أحداً أعلم بسنة ماضية من الزهري.
حدثني محمد بن المنذر، قال: حدثنا يحيى بن أيوب التجيبي، قال:
سمعت ابن بكير، يقول: سمعت الليث بن سعد، يقول: سمعت الزهري،
يقول: ما استودعت قلبي شيئاً قط فنسيت.
٤٠