Indexed OCR Text

Pages 1-20

الكواكبيُ الَيرازي
فِي مَعْرفَةٌ مَنِ اخْتَطْ مِنَ الُوَةِ الثَّاتْ
لأيِ لِرَكَاتْ مَّدُ بْنُ أَحْمَ المعروفُ
بُاسْجُ الكيان
٨٦٣ - ٩٣٩هـ
تحقيقْ وَدَراسَةْ
◌َعَبْد الْقَيُّوم ◌َعَيْد ◌َرَبّ النّبيّ
المَكْتِبَةُ الأَهْدَادِيَةُ

حقوق الطّبْعُ مَحِفُوظة لِلُحقّق
الطّبْعَة الثانِيَة
١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م
المَكتَبَةُ الأَمْدَادَ
بَابُ العُمْرة - مكّة المكرّمَة
تلفون : ٥٧٤٨٨٠٥

- ٣ -
مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله الذي أنزل على رسوله القرآن والسنة وامتن على
المسلمين بانزالهما . قال تعالى: ((وأنزل الله عليك الكتاب
والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم ، وكان فضل الله عليك
عظيما (١). وقال ((لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً
من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة
وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين))(٢).
والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد بن عبد الله الذي بلغ
ما أنزل الله إليه وأمر المؤمنين بتبليغ ما أرسله الله به وذلك قوله
وَله ((بلِّغوا عني ولو آية)) وقال ((ألا فليُبلغ الشاهد منكم الغائب)).
والحمد لله الذي تكفل بحفظ القرآن حيث يقول ((إنا نحن نزلنا
الذكر وإنا له لحافظون)(٣) والصلاة والسلام على الرسول الأمين
(١) النساء : ١١٣ .
(٢) آل عمران : ١٦٤ .
(٣) الحجر: ٩ .
.

- ٤ -
الذي بين للناس ما أنزله الله إليهم من الكتاب والحكمة ، ولمّا
كان الكتاب محفوظاً وأكد الله حفظه له ، وكان الحفاظ على السنة
متروكاً للرسول وللمسلمين من بعده وضع رسول الله لو أسس
المحافظة عليها وشدد النكير على من يحاول التغيير أو التبديل أو
التزيد فيها فقد حذر رسول الله وَ ليل من الكذب عليه تحذيراً بالغاً
حيث يقول فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه ((حدثوا عن بني
إسرائيل ولا حرج وحدثوا عني ولا تكذبوا علي)).
قال الشافعي رحمه الله وهذا أشد حديث روى عن رسول الله
** في هذا، فإن قال قائل وما في هذا الحديث من الدلالة على
ما وصفت ؟ قيل: قد أحاط العلم أن النبي ◌َّ لا يأمر أحداً
بحال أبداً أن يكذب على بني اسرائيل ولا على غيرهم فإذا أباح
الحديث عن بني اسرائيل فليس أن يقبلوا الكذب على بنسي
اسرائیل أباح ، وإنما أباح قبول ذلك عن من حدث به ممن يجهل
صدقه وكذبه ولم يبحه أيضاً عمن يعرف كذبه ، لأنه يروى عنه
أنه قال من حدث بحديث وهو يراه كذباً فهو أحد الكاذبين ،
ومن حدث عن كذاب لم يبرأ من الكذب لأنه يرى الكذاب في
حديثه كاذباً .
وإذ فرق رسول الله بین الحديث عنه والحديث عن بني إسرائيل
فقال : حدثوا عني ولا تكذبوا علي - فالعلم - إن شاء الله -
يحيط أن الكذب الذي نهاهم عنه هو الكذب الخفي وذلك الحدیث

- ٥ -
عمن لا یعرف صدقه ، لأن الكذب إذا کان منھیاً عنه على كل
حال فلا كذب أعظم من كذب على رسول الله صل﴾ (١) اهـ
وهذا ملحظ من الإمام الشافعي عميق واستنباط دقيق لحظه
واستنتجه ، وقد زاد قول الشافعي ايضاحاً أبو سليمان الخطابي في
معالم السنن حيث قال :
ليس معنى الحديث إباحة الكذب في أخبار بني إسرائيل ورفع
الحرج عمن نقل عنهم الكذب ولكن معناه الرخصة في الحديث
عنهم على معنى البلاغ ، وإن لم يتحقق صحة ذلك بنقل الاسناد
وذلك لأنه أمر قد تعذر في أخبارهم لبعد المسافة وطول المدة
ووقوع الفترة بين زماني النبوة ، وفيه دليل على أن الحديث
لا يجوز عن النبي إلا بنقل الاسناد والتثبت فيه فقوله (حدثوا عني
ولا تكذبوا علي) أي تحرزوا من الكذب علي بأن لا تحدثوا عني إلا
بما يصح عندكم من جهة الاسناد الذي يقع التحرز به من الكذب
علي (٢) اهـ .
وروى واثلة بن الأسقع (٣) أن النبي ◌َّ ه قال: إن أفرى
الفرى من قولني ما لم أقل .
(١) الرسالة (ص٣٩٧ - ٣٩٨)
(٢) في التعليقات على الرسالة (ص ٤٠٠)
(٣) الرسالة (ص٣٩٥)

-٦ -
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله و لقد قال: ((من
قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار))(١).
وروى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ◌َلو قال: إن الذي
یكذب علي یبنی له بيت في النار. (٢).
وقد حث رسول الله وتظهر أمته على استماع الحديث وحفظه
وتبليغه لمن بعدهم ودعا لهؤلاء المستمعين الحافظين المبلغين
بنضارة الوجه فيما رواه ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : قال
رَ لة : نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها ..
الخ . (٣) وقد دل هذا القول الموجز على أنه عليه السلام يأمر أن
لا یروی عنه إلا ما تقوم به الحجة علی من أدی إلیه لأنه إنما يروى
عنه حلال يُؤتى وحرام يجتنب وحد يقام ومال يُؤخذ ويعطى
ونصيحة في دین ودنيا .
وقال ابن حبان ؛ في قوله ((نضر الله امرأ)) لا يدخل فيه المحدثون
بأسرهم بل لا يدخل في ظاهر هذا الخطاب إلا من أدى صحيح
حديث رسول الله دون سقيمه (٤) ، وقد عني علماء المسلمين
بسنة رسول الله لل سنداً ومتناً وما كانت عنايتهم بالسند إلا من
(١) الرسالة (ص٣٩٦).
(٢) الرسالة (ص٣٩٦).
(٣) الرسالة (ص ٤٠١ - ٤٠٢).
(٤) المجر وحين (ص٦) .

- ٧ -
أجل المتن والتحقق من سلامته وصحته فألف كثير من العلماء
كثيراً من الكتب والأبحاث في علم الحديث ، بل جعلوا كل نوع
منه علماً مستقلاً فتكلموا عن معرفة الصحابة والتابعين وطبقات
العلماء والرواة وتحدثوا عن أوطانهم وبلدانهم كما تحدثوا عن
رواية الأكابر من الرواة عن الأصاغر ، ورواية الآباء عن الأبناء
ورواية الأبناء عن الآباء ومن ذكر بأسماء مختلفة أو نعوت متعددة
وأسماء الرواة وكناهم وألقابهم والمؤتلف والمختلف والمتفق
والمفترق والرواة المتشابهين في الاسم والنسب المتمايزين في التقديم
والتأخير في الابن والأب والمنسوبين إلى غير آبائهم ، وتاريخ
الرواة ووفياتهم والثقات والضعفاء منهم وصفة من تقبل روايته
وغير ذلك من الأمور المتعلقة برواة الأسانيد وبلغت عدة هذه
الأنواع عند الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك خمسين نوعاً وقد
بلغت عند ابن الصلاح خمسة وستين نوعاً وأوصلها بعضهم إلى
مائة نوع .
قال السيوطي : اعلم أن أنواع علوم الحديث كثيرة لا تعد ، قال
الحازمي في كتاب ((العجالة)) علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة
تبلغ مائة كل نوع منها علم مستقل(١) اهـ .
(١) تدريب الراوي (١ : ٥٣).

- ٨ -
وقد ألف العلماء في كل علم مؤلفات عدة .
وجعل ابن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣ النوع الثاني والستين
خاصاً بمعرفة من خلط في آخر عمره من الثقات (١) اهـ.
الاختلاط لغة
قال ابن منظور : اختلط فلان أي فسد عقله ، ورجل خلط بين
الخلاطة : أحمق مخالط العقل ، ويقال : خولط الرجل فهو مخالط
واختلط عقله فهو مختلط إذا تغير عقله(٢).
وقال الزبيدي : اختلط فلان فسد عقله واختلط عقله إذا تغير
فهو مختلط.(٣).
وقال ابن فارس : خلطت الشيء بغيره فاختلط .(٤).
وقال الفيروز ابادي : الاختلاط من الخلط ، خلطه يخلطه
وخلطه مزجه فاختلط ، واختلط : فسد عقله (٥).
وقال الزمخشرى ومن المجاز قولهم : خولط في عقله
واختلط .(٦) .
(١) علوم ابن صلاح (ص٣٥٢) .
(٢) لسان العرب (٧: ٢٩٤ - ٢٩٥).
(٣) تاج العروس (٥ : ١٣٤) .
(٤) معجم مقاييس اللغة (٢ : ٢٠٨).
(٥) ترتيب القاموس (٢: ٩٢).
(٦) أساس البلاغة (ص ١٧٢) .

- ٩ -
الاختلاط في عرف المحدثين
قال السخاوي : وحقيقته : فساد العقل وعدم انتظام الأقوال
والأفعال إما بخرف أو ضرر أو عرض أو مرض من موت ابن
وسرقة مال كالمسعودي أو ذهاب كتب كابن لهيعة أو احتراقها كابن
الملقن . (١).
أسباب الاختلاط
ويوضح الأمير الصنعاني هذا المعنى فيقول : قد يعرض
الراوي عارض من العوارض يجعله غير ثقة ، وذلك بأن يصيبه
الكبر الشديد بأسقامه فيدعه عرضة للاختلاط ، أو يذهب بصره
أو تضيع كتبه وهو معتمد على القراءة فيها ثم يحدث من حفظه بعد
ذلك فتضيع الثقة بحديثه . (٢). اهـ
حكم رواية المختلط رداً وقبولاً
يقول غير واحد من الأئمة : ان من كان هذا شأنه يقبل من
حديثه حديث من روى عنه قبل الاختلاط وتغيره ولا يقبل حديث
من أخذ عنه بعد اختلاطه أو أشكل أمره فلم يعلم أأخذ عنه قبل
الاختلاط أو بعده كما صرح بذلك ابن الصلاح في علومه . (٣).
(١) فتح المغيث (٣ : ٣٣١).
(٢) توضيح الأفكار (٢ : ٥٠٢).
(٣) علوم ابن صلاح (ص ).

- ١٠ -
وقال النووي في تقريبه : يقبل ما روي عنهم قبل الاختلاط
ولا يقبل ما بعده أو شك فيه . (١).
وقال السخاوي : فما روى المتصف بذلك في حال اختلاطه أو
أبهم الأمر فيه وأشكل بحيث لم يعلم أروايته صدرت في حال
اتصافه به أو قبله سقط حديثه في الصورتين بخلاف ما رواه قبل
الاختلاط لثقته ثم قال : هكذا اطلقوه . (٢).
وقال الأمير الصنعاني : قد رأى المحدثون أن من أصابه شيء
من ذلك يعني من أسباب الاختلاط ثم روى عنه راوٍ ما ، فإن
روی عنه بعد ما اختلط أو شککنا في أن روایته عنه کانت بعد
الاختلاط أو قبله فتلك الرواية على أحد هذين الاحتمالین هدر غير
معتبرة ، وإن أيقنا أنه روى عنه في حال ثقته قبل الاختلاط فهي
رواية صحيحة معتبرة . (٣) أهـ ..
وقال زكريا الأنصاري : فما روى المختلط في اختلاطه أو اشتبه
فلم يدر أحدث بالحديث قبل اختلاطه أو بعده سقط ما رواه مما
اعتمد فيه على حفظه بخلاف ما اعتمد فيه على كتابه. (٤) اهـ
(١) تقريب النووي مع تدريب الراوي (٢: ٣٧٢).
(٢) فتح المغيث (٣: ٣٣٢).
(٣) توضيح الافكار (٣ : ٥٠٣)
(٤) فتح الباقي في أسفل التبصرة والتذكرة (٣ : ٢٦٤)

- ١١ -
وبما سقنا من نصوص الأئمة تبين أنهم متفقون أن حديث من
أخذ عن المختلط بعد الاختلاط أو شك فيه حديثه مردود
لا يقبل .
ولا يسلم هذا بهذا الاطلاق ، لأن الاختلاط من حيث هو
ليس بجرح الراوي ما لم يكثر ذلك منه .
وقد فصل ابن حبان رحمه الله هذا الموضوع تفصيلاً دقيقاً في
مقدمة كتابه أثناء عرضه شروط صحيحه فقال : وأما المختلطون
في أواخر أعمارهم مثل الجريري وسعيد بن أبي عروبة وأشباههما
فإنا نروي عنهم في كتابنا هذا ، ونحتج بما رووا إلا أنا لا نعتمد
من حديثهم إلا على ما روى عنهم الثقات من القدماء الذين
نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم أو ما وافقوا الثقات في
الروايات التي لا نشك في صحتها وثبوتها من جهة أخرى ، لأن
حكمهم وإن اختلطوا في أواخر أعمارهم وحمل عنهم في
اختلاطهم بعد تقدم عدالتهم حكم الثقة إذا أخطأ ، إذ الواجب
ترك أخطائه إذا علم والاحتجاج بما يعلم أنه لم يخطئ فيه ،
وكذلك حكم هؤلاء الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات وما انفردوا
ما روى عنهم القدماء من الثقات الذين سماعهم منهم قبل
الاختلاط سواء. (١). انتهى .
(١) الاحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١ : ١٢١)
١٦١

- ١٢ -
فابن حبان لا يرد حديث من سمع منهم بعد الاختلاط بل يحتج
به إذا وافقوا الثقات .
ويؤ يد هذا ما نقل عن وكيع أنه قال : كنا ندخل على سعيد بن
أبي عروبة فنسمع فما كان من صحيح حديثه أخذناه وما لم يكن
صحيحاً طرحناه .(١) .
ونقل الخطيب بسنده عن ابن معين انه قال قلت لوكيع تحدث
عن سعيد بن أبي عروبة وانما سمعت منه في الاختلاط . قال :
رأيتني حدثت عنه الا بحديث مستو .
وخلاصة القول : إن حديث من روى عن المختلط بعد
الاختلاط لیس مردوداً اطلاقا بعد أن ثبتت عدالته بل يقبل من
حديثه حديث من روى عنه قبل الاختلاط وحديث من روى عنه
بعد الاختلاط إذا وافق الثقات ، أما إذا لم تظهر الموافقة أو
المخالفة للثقات بأن لم يوجد له طريق آخر يتوقف في قبولها أو
ردها حتی یدل علیه دليل آخر .
يقول الحافظ ابن حجر في شرح النخبة : والحكم فيه ، أن ما
حدث به قبل الاختلاط إذا تميز قبِل ، وإذا لم يتميز توقف فيه ،
وكذا من اشتبه الامر فيه(٣) | هـ
(١) تهذيب الكمال (٣: ل ٢٥١).
(٢) نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر (ص٩١).

- ١٣ -
حكم رواية صاحبي الصحيحين بطريق المختلط
يقول ابن الصلاح : واعلم أن من كان من هذا القبيل محتجاً
بروايته في الصحيحين أو أحدهما فإنا نعرف على الجملة أن ذلك
ما تميز وكان مأخوذاً عنه قبل الاختلاط. (١) اهـ.
ثم کل من جاء بعد ابن الصلاح داروا في فلكه فاختصروا
كلامه أو شرحوه وفصلوه .
يقول النووي ومن كان من هذا القبيل محتجاً به في الصحيح فهو
مما عرف روايته قبل الاختلاط . (٢) اهـ.
وقال الحافظ العراقي بعد أن نقل كلام ابن الصلاح
المذكور (٣):
فرأيت ما عرف في تلك التراجم ممن سمع منهم قبل الاختلاط
أو بعده وأذكر من روايته عن المذكورين في الصحيح حتى يعرف
أن ذلك مأخوذ عنه قبل الاختلاط كما ذكره المصنف وذلك من
تحسين الظن بهما لتلقي الأمة لهما بالقبول اهـ.
وهذا الذي ذكروه من أن كل من روى عن المختلط وأخرج
بطريقه صاحبا الصحيحين أو أحدهما فهو ممن سمع منه قبل
الاختلاط خلاف الواقع ومخالف لما صرح به أئمة الحديث .
(١) علوم ابن الصلاح (ص٣٥٦).
(٢) تقريب النووي مع التدريب (٢: ٣٨٠).
(٣) التقييد والإيضاح (ص ٤٤٢).

- ١٤ -
فقد أخرج البخاري ومسلم عن بعض المختلطين بطريق من
سمع منهم بعد الاختلاط .
أخرج البخاري عن حصين بن عبد الرحمن السلمي المختلط
بطريق حصين بن نمير الواسطي كما في هدى الساري ، (١) ، وقد
قال السخاوي ان حصین بن نمير سمع من حصین بن عبد الرحمن
بعد الاختلاط . (٢) .
وكذلك روى مسلم عن ابن اسحق السبيعي بطريق عمار بن
رزيق وقد ذكرنا روايته عن السبيعي تحت ترجمة أبي اسحق
السبيعي في هذا الكتاب ، وقد قال أبو حاتم : إن عمار بن رزيق
سمع منه بعد الاختلاط . (٣) اهـ.
والحقيقة أن صاحبي الصحيحين أخرجا كثيراً عن المختلطين
بوساطة من سمعوا منهم بعد الاختلاط والذي يحكم به في هذا
البحث هو أن صاحبي الصحيحين لما يخرجان عن المختلطين
بطريق من سمع منهم بعد الاختلاط ينتقيان من حديثهم
ولا يخرجان جميع أحاديثهم .
يقول الحافظ ابن حجر تحت ترجمة سعيد بن أبي عروبة في
هدي الساري : وأما ما أخرجه البخاري من حديثه عن قتادة
(١) هدي الساري (ص٣٩٨) .
(٢) فتح المغيث (٣: ٣٣٨).
(٣) علل ابن ابي حاتم (٢ : ١٦٦).

- ١٥ -
فأكثره من رواية من سمع منه قبل الاختلاط ، وأخرج عمن
سمع منه بعد الاختلاط قليلاً كمحمد بن عبد الله الأنصاري
وروح بن عبادة وابن أبي عدي فإذا أخرج من حديث هؤلاء
انتقى منه ما توافقوا عليه .(١).
وقد رجح البخاري رواية زهير عن أبي اسحق في الاستجمار
على رواية اسرائيل عنه ووضعه في صحيحه مع أن زهيراً سمع منه
بعد الاختلاط حتى اعترض عليه الدارقطني وقد بحث في هذا
المقام الحافظ ابن حجر في هدي الساري (٢) بحثاً دقيقاً طويلاً
وأثبت ترجيح رواية زهير على رواية إسرائيل وقال في الأخير : وبه
يظهر نفوذ رأي البخاري وثقوب ذهنه من شاء فليراجعه .
وقريب من هذا يقول السخاوي في فتح المغيث :
وما يقع في الصحيحين أو أحدهما من التخريج لمن وصف
بالاختلاط من طريق من لم يسمع منه إلا بعده فإنا نعرف على
الجملة أن ذلك مما ثبت عند المخرج أنه من قديم حديثه. (٣).
وقد افتتح ابن الصلاح كلامه عن هذا النوع بقوله : هذا فن
عزيز مهم لم أعلم أحداً أفرده بالتصنيف واعتنى به مع كونه
حقيقاً بذلك جداً .
(١) هدي الساري (ص٤١٦).
(٢) هدي الساري (ص٣٤٨ - ٣٤٩).
(٣) فتح المغيث (٣ : ٣٣٢).

:
- ١٦ -
وهم منقسمون : فمنهم من خلط لاختلاطه وخرفه ومنهم من
خلط لذهاب بصره أو لغير ذلك ، والحکم فیهم أنه یقبل حديث
من أخذ عنهم قبل الاختلاط ، ولا يقبل حديث من أخذ عنهم
بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط
أو بعده .
فمنهم عطاء بن السائب : اختلط في آخر عمره فاحتج أهل
العلم برواية الأكابر عنه مثل سفيان الثوري وشعبة ، لأن
سماعهم منه كان في الصحة ، وتركوا الاحتجاج برواية من سمع
منه آخراً ، وقال یحیی بن سعيد القطان في ((شعبة)) إلا حدیثین کان
شعبة يقول سمعتهما بأخرة عن زاذان (١) اهـ.
وعلى هذا النحو جرى ابن الصلاح في بحثه هذا الذي استغرق
قرابة خمس صفحات وقال في آخر النوع : واعلم أن من کان من
هذا القبيل محتجاً بروايته في الصحيحين أو أحدهما فإنا نعرف على
الجملة أن ذلك مما تميز وكان مأخوذاً عنه قبل الاختلاط .
إلا أن ابن الصلاح رحمه الله لم يستوعب الموضوع من حيث
الكم والكيف فذكر ستة عشر رجلاً فقط ممن اختلطوا في آخر
عمرهم دون أن يذكر في الذين ذكرهم أسماء الرواة الذين أخذوا
عنهم قبل الاختلاط أو بعده إلا نادراً وعذره في عدم الاستيعاب
(١) علوم ابن الصلاح (ص٣٥٢).

- ١٧ -
بين ، لأنه كتب كتابه في أنواع علوم الحديث خمسة وستين نوعاً ،
وفيما ذكره كفاية في التعريف بموضوع الاختلاط ولم يكن كتابه
خاصاً بالمختلطين حتى ننشد منه الاستيعاب والتفصيل وحسبه أنه
نبه بما كتب أذهان العلماء إلى العناية بهذا الموضوع ، وقد عني
الكاتبون على كتابه والشارحون له بشرح ما ذكره موجزاً في تراجم
ست عشرة فمثلاً نجد الحافظ العراقي يقول في كتابه التقييد
والايضاح في النكت على ابن صلاح : فرأيت أن أذكر ما عرف في
تلك التراجم ممن سمع منهم قبل الاختلاط أو بعده وأذكر من
روايته عن المذكورين في الصحيح حتى يعرف أن ذلك مأخوذ عنه
قبل الاختلاط كما ذكره المصنف وذلك من تحسين الظن بهما لتلقي
الأمة لهما بالقبول كما قيل فيما وقع في كتابيهما أو أحدهما من
حديث المدلسين بالعنعنة والله أعلم (١)
واني أذكر فيما يلي كلام ابن الصلاح في أحد هؤلاء الستة عشر ثم
أذكر عقبه كلام الحافظ العراقي ليتضح للقارىء منه عمل العراقي
في إكمال ما ذكر ابن الصلاح .
يقول ابن الصلاح : سعيد بن اياس الجريري : اختلط وتغير
حفظه قبل موته ، قال ابو الوليد الباجي المالكي : قال النسائي :
أنكر أيام الطاعون وهو أثبت عندنا من خالد الحذاء ما سمع منه
(١) التقييد والايضاح (ص٤٤٢).

- ١٨ -
قبل أيام الطاعون انتهى (١)
وعلق الحافظ العراقي على هذا بقوله (٢) : وفيه أمور أحدها
أن نقل المصنف بكلام النسائي بواسطة أبي الوليد الباجي ، لأن
الظاهر انه إنما رآه في كلام الباجي عنه .
وهو تحرز حسن ولكن هذا موجود في كلام النسائي ، ذكره في
كتاب التعديل والجرح رواية أبي بكر محمد بن معاوية بن الاحمر
عنه ، قال فيه : ثقة انكر ايام الطاعون ، وكذا ذكره غير
النسائي ، قال يحيى بن سعيد عن كهمس انكرنا الجريري أيام
الطاعون ، وقال أبو حاتم الرازي : تغير حفظه قبل موته فمن
كتب عنه قديما فهو صالح ، وقال ابن حبان : كان قد اختلط قبل
ان يموت بثلاث سنين مات سنة أربع واربعين ومائة .
الأمر الثاني : ان الذي عرف أنهم سمعوا منه قبل الاختلاط
اسماعيل بن علية ، هو ارواهم عنه والحمادان والسفيانان وشعبة
وعبد الوارث بن سعيد وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ومعمر
ووهيب بن خالد ويزيد بن زريع ، وذلك لان هؤلاء الاحد
عشر سمعوا من ايوب السختياني ، وقد قال ابو داود فيما رواه عنه
ابو عبيد الآجري : كل من ادرك ايوب فسماعه من الجريري
جيد .
(١) علوم ابن الصلاح (ص٣٥٣).
(٢) التقييد والايضاح (ص٤٤٧).

- ١٩ -
الامر الثالث : في بيان من ذكر ان سماعه منه بعد التغير ، وهم
اسحاق الازرق وعیسی بن یونس ومحمد بن ابي عدي ویحیی بن
سعيد القطان ويزيد بن هارون أما اسحاق الازرق ، فقال
يزيد بن هارون : سمع منه اسحاق الازرق بعدنا ، وسيأتي ان
يزيد سمع منه في سنة اثنتين وأربعين ومائة ، وليست روايته عنه
في شيء من الكتب الستة ، وأما عيسى بن يونس فقال يحيى بن
معين : قال يحيى بن سعيد لعيسى بن يونس أسمعت من
الجريري قال نعم ، قال : لا ترو عنه ، قال المزى في التهذيب
قال غيره لعله سمع منه بعد اختلاطه ، وروايته عنه في سنن ابي
داود وفي عمل اليوم والليلة للنسائي ، واما محمد بن ابي عدي
فقال يحيى بن معين عن محمد بن ابي عدي : لا نكذب الله سمعنا
من الجريري وهو مختلط ، وليست روايته عنه في شيء من الكتب
الستة ، وأما يحيى بن سعيد فقال ابن حبان : قد رآه يحيى القطان
وهو مختلط ولم يكن اختلاطه فاحشا ، وقال عباس الدوري عن
ابن معین قال : سمع یحیی بن سعید من الجريري وکان لا يروى
عنه ، قال صاحب الميزان : لانه ادركه في آخر عمره واما يزيد بن
هارون فقال محمد بن سعد عن يزيد بن هارون سمعت من
الجريري سنة اثنتين واربعين ومائة ، وهي اول سنة دخلت
البصرة ولم ينكر منه شيئا ، وكان قيل لنا انه قد اختلط ، وقال
احمد بن حنبل عن يزيد بن هارون ربما ابتدأنا الجريري ، وكان

- ٢٠ -
قد انکر ، وروايته عنه عند مسلم ، وقد يجاب عنه بأن یزید بن
هارون انكر اختلاطه حين سمع منه .
الامر الرابع : في بيان من اخرج له الشيخان او احدهما من
روايته عن الجريري ، فروى الشيخان من رواية بشر بن المفضل
وخالد بن عبد الله الطحان وعبد الاعلى بن عبد الاعلى وعبد
الوارث بن سعيد عنه .
وروى مسلم له من رواية اسماعيل بن علية وجعفر بن سليمان
الضبعي وحماد بن اسامة وحماد بن سلمة وسالم بن نوح وسفيان
الثوري وسليمان بن المغيرة وشعبة وعيد الله بن المبارك وعبد
الواحد بن زياد وعبد الوهاب الثقفي ووهیب بن خالد ویزید بن
زریع ويزيد بن هارون .
والذي غاب علمه عن ابن الصلاح تأليف الحازمي محمد بن
موسى ابو بكر صاحب كتاب شروط الائمة الخمسة المتوفى سنة
٥٨٤ .
يقول السخاوي : وافرد للمختلطين كتابا الحافظ - ابو بكر
الحازمي حسبما ذكره في تصنيفه ((تحفة المستفيد)) ولم يقف عليه ابن
الصلاح (١)
ألف فيه الحازمي تأليفاً لطيفاً
وقال السيوطي :
رأيته)) .
(١) فتح المغيث (٣٣٢:٣).