Indexed OCR Text

Pages 661-680

النُّعْمَانُ إليَّ، فأمَرتُهُ بمُحارَبَتِهِ ، فَسَارَ الثُّعْمَانُ، ووَافَاهُ اليَهودِيُّ فِي جَمَاعَتِهِ ، فَسَأْلَه
التُّعْمَانُ الانْصِرافَ، فَأَبَى، وقالَ : بارِزْني ، وإِنْ شِئتَ ، بَرَزتُ وَحْدي إليكَ وإلى
جُندِك فقالَ نُعمانُ : يا يَحْيِى، وَيْحَك أنتَ حَدَثٌ قد بُليتَ بالعُجبِ ، ولَوْ كُنتَ من
أَنْفَسِ قُرَيش لَمَا أمْكَنكَ معارَّة السُّلطان، وهذا الأميرُ هو أخُو الخَلِيفَةِ ، وأنا - وإنْ
افْتَرَقنا في الدين - أُحِبُّ أنْ لا يُقتَل على يَدَيَّ فارسٌ، فإنْ كُنتَ تُحبُّ السَّلامَةَ، فَابْرُزْ
إليَّ ولا يُبْتَلَى بنا غَيْرُنا، فَبَرَزَ له العَصْر، فما زَالا في مُبارَزَةٍ إلى اللَّيلِ ، فَوَقَفَ كُلٌّ
منهما علىُ فَرَسِه مُتَكِئاً على رُمْحِه، فَنَعَسَ النُّعْمَانُ ، فَطَعَنَه اليَّهُودِيُّ ، فَيَقعُ سِنانٌ
رُمِهِ فِي الْمِنْطَقَةِ، فَدَارَت، وصَارَت السِّنانُ يَدورُ مَعها، فاعْتَنْقَهُ النُّعْمَانُ ، وقالَ :
أغَدْراً يا بنَ اليَهُودِيَّة؟ فقالَ: أوَمُحاربٌ يَنامُ يا بنَ الأمَة ؟! فاتَّكَأ عليه النُّعْمَانُ ،
فسَقَطَ فَوقَه، وكانَ الثُّعْمَانُ ضَخْماً، فصارَ فَوقَه، فَذَبَحَ اليَهوديَّ، وبَعثَ إليَّ
بِرَأْسِه ، فاطْمأنَّتِ البِلادُ ، ثم وَلِيَ بَعْدي عَمِّي سُليمانُ، فانْتُهبَهُ أهلُ دِمَشْقَ ، وسَبَوا
حُرَمَهِ(١) .
١٥ - قِصَّةُ هِشام بن عمَّار مع الإمام مالك :
قالَ أبو بَكر محمَّدُ بنُ سُليْمانَ الرَّبَعي: حدَّثنا محمَّدُ بنُ الفَيْضِ الغَسَّانِيُّ ، سَمعتُ
هِشَامَ بنَ عَمَّار ، يَقُولُ : بَاعَ أبي بَيْتاً له بعِشرينَ دِيناراً وجَهَّزَني للحَجِّ فلمَّا صِرتُ إلى
الْمَدِينَةِ ، أَتَيْتُ مَجلِسَ مَالِك، ومَعي مَسائلُ أريدُ أنْ أسألَه عنها فأتَيْتُه ، وهو جَالسٌ
فِي هَيئَةِ الْمُلوكِ ، وغِلْمَانٌ قِيامٌ، والنَّاسُ يَسألُونَه، وهو يُجِيبُهم، فلمَّا انْقَضَى
الْمَجلِسُ ، قالَ لي بَعضُ أصْحابِ الحَديثِ : سَلْ عن ما مَعكَ ؟ فقُلتُ له : يا أبا
عبدِ الله ما تَقُولُ فِي كَذا وكذا؟ فقالَ : حَصلنا على الصِّبْيانِ ، يا غُلامُ ، احْمِلهُ
فحَمَلَني كمَا يُحْمَلُ الصَّبِيُّ، وأنا يَومَئذ غُلامٌ مُدْرِكٌ ، فضَرَبَنِي بِدِرَّةٍ مثل دِرَّةِ الْمُعلِّمينَ
سَبعَ عَشرَةَ دِرَّةً ، فوَقَفْتُ أبْكِي ، فقالَ لي : ما يُبكِيكَ؟ أَوَجَعَتْكَ هذه الدِّرَّة ؟ قُلْتُ:
إِنَّ أبي بَاعَ مَنزِلَه، ووَجَّهَ بِ أَتَشْرَّفُ بِكَ وبالسَّمَاعِ مِنْكَ، فضَرَبَتَنِي؟ فقالَ : اكْتُبْ ،
(١) انظر السير: (إبراهيمُ بنُ الْمَهْدي) ٥٥٧/١٠-٥٦١، وانظر النزهة: ٢/٨٩٢.
٦٦١

قالَ: فحدَّثنِي سَبعَةَ عَشرَ حَديثاً، وسَألتُه عمَّا كانَ مَعي من الْمَسائِلِ فَأَجَابَني(١).
١٦ - قِصَّةٌ في الإِيثَار :
قالَ يُوسُفُ بنُ البُهْلول الأزرق : حدَّثنا يَعقُوبُ بنُ شَيبَة ، قالَ : أظلَّ العيدُ
رجلاً ، وعنده مئةُ دينار لا يَملكُ سِوَاها ، فَكَتبَ إليه صَدِيقٌ يَستَرْعي منه نَفَقَة فأنْفَذَ إليه
بالمئة دينار ، فلَمْ يَنْشَبْ أنْ وَرَدَ عليه رُقْعَةٌ من بَعضٍ إخْوَانِهِ يَذْكُرُ أَنَّه أيضاً في هذا
العيدِ في إضاقَة، فوَجَّهَ إليه بالصُّرَّةِ بعَيْنِها قالَ: فبَقِيَ الأول لا شَيءَ عندَه ، فاتَّفَقَ أنَّه
كتبَ إلى الثالث وهو صَديقُهُ يَذْكُرُ حالَه، فَبَعثَ إليه الصُّرَّةَ بِخَتْمِها قال فعَرَفَها ، ورَكِبَ
إليه ، وقالَ : خَبِّرْني ما شَأنُ هذه الصُّرَّة؟ فأخْبَرَه الخَبرَ ، فرَكبا معاً إلى الذي
أرْسَلَها ، وشَرحُوا القِصَّةَ ، ثم فَتَحوها واقْتَسَمُوها .
قالَ ابنُ الْبُهْلول : الثَّلاثَةِ، يَعْقوبُ بنُ شَيْبَة، وأبو حَسَّان الزِّيادي، وَآخَرُ نَسيتُه
إِسْنادُها صَحيح .
وقيلَ عاشَ الزِّياديُّ تِسْعاً وثَمانِينَ سَنةً ، ماتَ فِي سَنةِ اثْنَتَينٍ وأرْبَعِينَ ومئتين(٢).
١٧ - قِصَّةُ اللِّصِّ الفَقِيه:
ورَوَىْ يَمُوتُ بنُ الْمُزَرَّع، عن الْمُبَرِّد، عن أحمَدَ بنِ الْمُعَذَّل ، قالَ : كُنْتُ عندَ
ابنِ الماجِشُونَ ، فجاءَه بَعضُ جُلسَائِه، فقالَ: يا أبا مَرْوانَ أُعْجُوبَة، خَرجتُ إلى
حائطي بالغابة ، فعَرضَ ليِ رَجلٌ ، فقالَ : اخْلَعْ ثِيابَك قُلتُ: لِمَ؟ قالَ : لأنِّي
أخُوكَ، وأنا عُزْيانٌ قُلتُ فالْمُواسَاةُ ؟ قالَ : قد لَبستَها بُرْهَة قُلتُ فَتُعَريني ؟ قالَ : قد
رَوَيْنا عن مَالِك أنَّه قالَ : لا بَأْسَ للرجُلِ أنْ يَغْتَسِلَ عُرياناً قُلتُ: تَرَى عَوْرَتِي قَالَ : لَوْ
كانَ أحَدٌ يَلقَاكَ هُنا، ما تعرَّضتُ لك قُلتُ : دَعْني أدْخُلُ حائِطِي، وأبْعَثُ بها إليكَ ،
قالَ : كَلاَّ، أردتَ أنْ تُوجّهَ عَبِيدَكَ فَأُمْسَكُ، قُلتُ : أحْلِفُ لك قالَ : لا تَلزَمُ يَمِينُك
لِلِصِّ فحَلَفتُ له : لأبْعَثنَّ بها طَيَِّةً بها نَفْسِي فَأَطْرَقَ ثم قالَ : تَصَفَّحتُ أمْرَ اللُّصُوصِ
(١) انظر السير: (هِشامُ بنُ عَمَّار) ٤٢٠/١١ -٤٣٥، وانظر النزهة: ٣/٩٥٧ .
(٢) انظر السير: (أبو حَسَّان الزِّياديّ) ٤٩٦/١١ -٤٩٨، وانظر النزهة: ٤/٩٦٢.
٦٦٢

من عَهدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلى وَقِتِنا، فَلَمْ أجِدْ لِصَّأَ أخَذَ بنَسِيئَة، فَأكْرَهُ أنْ
أَبْتَدعَ ، فخَلَعتُ ثِيابي لَه (١).
١٨ - قِصَّةٌ تُقَوِّي الإِيْمَان :
قال يوسُفُ بنُ الحُسين الرَّازيّ : حَضرْتُ ذا النُّونِ فقيل له : يا أبا الفيض ، ما كان
سَببُ تَوَبَتِكَ؟ قال: نِمتُ في الصحراء ، ففتحت عَينَيَّ فإذا قُتْبُرَةٌ(٢) عَمياءُ سقطتْ من
وكْر ، فانشقت الأرضُ ، فخرجَ سُكُرُّجَتان فأكَلَت وشَربَت فقلتُ : حَسبي ، فتُبتُ
ولَزِمتُ البابَ إلى أن قَبِلَني(٣).
١٩ - قِصَّةُ المَرْأة المُصَابَة بالحِنِّ :
وقالَ عُمَرُ بنُ بَحْر : سَمعتُ أحمَدَ بنَ أبي الحَوَارِيِّ يَقُولُ : بَيْنا أنا فِي قُبَّه بِالْمَقَابِر
بلا بابٍ إلَّ كسَاءَ أسْبَلتُه، فإذا أنا بامرأةٍ تَدُقُّ على الحائطِ فَقُلتُ : مَنْ هذا؟ قالَت :
ضَالَّةٌ ، فدُلَّني على الطَّريقِ فقُلتُ: رَحِمَكِ الله، أيُّ الطَّريقِ تَسْلُكِينَ ، فَبَكَت ، ثم
قالَت : علىْ طَريقِ النَّجاةِ ، يا أحمَدُ قُلتُ : هَيْهاتَ! إنَّ تَبْنَنَا وَبَيْنَها عقاباً، وتلكَ
العقابُ لا تُقْطَعُ إلَّ بالسَّيرِ الحَثيثِ، وتَصْحيحِ الْمُعامَلَة، وحَذْفِ العَلائقِ الشَّاغِلَة ،
فَكَتْ، ثم قالَت : سُبحانَ مَنْ أمْسَكَ عَليكَ جَوارِحَك فَلَمْ تَتَقَطَّعْ، وفُؤْادَكَ فَلَمْ
يَتْصَدَّعْ ثم خَرَّتْ مَغْشِياً عَليها فقُلتُ لِبَعضِ النِّساءِ : أَيُّ شَيءٍ حالُهَا؟ فَقُمنَ ،
ففَتَشْنَها ، فإذا وَصِيَّتُها في جَيْبِها : كَفِّنُوني في أثْوابي هذه، فإنْ كانَ لي عندَ اللهِ خَيرٌ
فهو أسْعَدُ لي ، وإنْ كانَ غَيرَ ذَلكَ فبُعداً لِنَفْسِي ، قُلتُ : ما هيَ ؟ فحَرَّكوها ، فإذا هي
مَيَِّة فقُلتُ : لِمَنْ هذه الجارِيَة؟ قالوا: جاريَةٌ قُرَشِيَّة مُصابةٌ، وكانَ قَرينُها يَمنَعُها من
الطَّعامِ ، وكانَتْ تَشْكُو إلَيْنَا وَجَعاً بجَوْفِها، فكُنَّا نَصِفُها للأطِبَّاء، فَتَقُولُ : خَلُّوا بَيْنِي
(١) انظر السير: (أحمَدُ بنُ الْمُعَذَّل) ٥١٩/١١-٥٢١، وانظر النزهة: ٤/٩٦٤.
(٢)
القُنْبُرة والقُنْبَرة والقُبَّرَة والقُنْبُراء والقُنْبَراء : عصفورة من فصيلة القُبَّريات ، ورتبة الجواثم المخروطية
المناقير ، سُمر في أعلاها ضاربة إلى بياض في أسفلها ، وعلى صدرها بقعة سوداء ، دائمة التغريد .
(٣) انظر السير: (ذو النون المصري) ٥٣٢/١١ -٥٣٦، وانظر النزهة: ٣/٩٦٧.
٦٦٣

وبَيْنَ الطَّيبِ الرَّاهِب - تَعْنِي أحمَدَ بنَ أبي الحَوَارِيّ - أَشْكُو إليه بَعضَ ما أجِدُ من
بَلائي ، لَعَلَّه أنْ يَكونَ عندَه شِفَائي(١) .
٢٠ - قِصَّةٌ تَدُلُّ على المَرُوءَة :
قال أحْمَدُ بنُ مَهْدي : جاءَتني امرأةٌ بَبَغْدَادَ ليلةً ، فذَكرَت أنَّها من بَناتِ النَّاس وأنَّها
امتُحنَت بِمِحْنَة ، وأسْألُكَ بالله أنْ تَسْتُرَني فقَد أكْرِهْتُ على نَفَسِي وأنا حُبْلَى ، وقُلتُ
إِنَّكَ زَوْجي فلا تَفْضَحْني فنَكَّبتُ عنها ومَضَيْت فَلَمْ أشْعُر حتَّى جاءَ إمَامُ الْمَحِلَّة
والجيران يُهَنُِّوني بالوَلَدِ الْمَيْمُونِ فَأَظْهَرتُ التَّهْلِيلَ ووَزَنتُ في اليَومِ الثاني للإمامِ
دينارَين ، وقُلتُ : أعْطِها نَفَقَة فقَد فارَقْتُها وكنتُ أُعْطيها في كُلِّ شَهرِ دينَارَين حتَّى أَتَّىَ
علىُ ذَلِكَ سَنتانِ فمَاتَ الطِّفْلُ وجاءَنِي النَّاسُ يُعَزُّونَنِي فَكُنتُ أُظهِرُ لهم التَّسْلِيمَ والرِّضَا
فجاءَتني بعدَ أيَّام بالدَّنانيرِ فَرَدَّتها ودَعَتْ لي ، فقُلتُ : هذا الذَّهَبُ كان صِلَةً لِلوَلَدِ وقد
ورِثْتيه وهو لك(٢).
٢١ - قِصَّةُ أبي حاتِمِ الرَّازي وانْقِطاعِه في رِحْلَتِهِ :
وقالَ ابنُ أبي حاتم الرَّازي : وسَمعتُ أبي يَقُولُ: خَرَجنا من الْمَدينَة ، من عندِ
دَاوُدَ الجَعْفَرِيِّ، وصِرْنا إلى الجَارِ ورَكِبنا البَحرَ ، فكانَت الرِّيحُ في وُجُوهِنا ، فبقينا في
البَحرِ ثَلاثَةَ أَشْهُر، وضاقَت صُدُورُنا، وفَنِيَ ما كانَ مَعَنا، وخَرَجنا إلى البَرِّ نَمْشي
أيّاماً ، حتَّى فَنِيَ ما تَبَقَّى مَعَنا من الزَّادِ والْمَاءِ، فمَشينا يَوماً لَمْ نأْكُلْ ولَمْ نَشرَبْ ، ويَومَ
الثاني ، ويومَ الثالث ، فلمَّا كانَ يَكونُ الْمَساءُ صَلَّينا، وكُنَّا نُلِقِي بأنْفُسِنا حَيثُ كُنَّا ،
فلمَّا أصْبَحنا في اليَومِ الثَّالثِ، جعَلنَا نَمشي علىْ قَدرِ طَاقَتِنا، وكُنَّا ثَلاثَةَ أَنْفُس: شَيخٌ
نِيسَابُوريٌّ، وأبو زُهَير الْمَرْوَزُوذيُّ، فسَقطَ الشَّيْخُ مَغْشِياً عَليه، فجِئْنَا نُحرِّكُه وهو
لا يَعِقِلُ، فَتَركِنَاه، ومَشَينا قَدرَ فَرْسَخ ، فضَعُفتُ ، وسَقَطَتُّ مَغْشِيّاً عَليَّ، ومَضَى
صَاحِبِي يَمِشِي فَبَصُرَ من بُعدٍ قَوْماً، قَرَّبوا سَفينَتَهم من البَرِّ ، ونَزَلُوا عَلىْ بِئْرِ مُوسَى ،
(١) انظر السير: (أحمَدُ بنُ أبي الحَوَاريّ) ٨٥/١٢-٩٤، وانظر النزهة: ١/٩٨٧.
(٢) انظر السير: (أحْمَدُ بنُ مَهْدي) ٥٩٧/١٢-٥٩٨، وانظر النزهة: ٣/١٠٣٨ .
٦٦٤

فلمَّا عايَنَهم، لَوَحَ بَثَوِهِ إِلَيهِم، فجَاؤُوهُ مَعَهُم مَاءٌ وَإِدَاوَةٌ(١) ، فسَقَوهُ وأخَذُوا بِيَدِه ،
فقالَ لهم : الْحَقُوا رَفيقَيْنِ لي، فمَا شَعُرتُ إلاَّ برَجُلٍ يَصُبُّ الْمَاءَ على وَجْهِي ،
ففَتَحتُ عَينَيَّ ، فَقُلتُ : اسْقِني، فصَبَّ من الْمَاءِ في مَشرَبة قَليلاً ، فَشَرِبتُ ، ورَجَعَتْ
إليَّ نَفْسِي، ثم سَقاني قَليلاً، وأخَذَ بيَدي، فقُلتُ : وَرائي شَيخٌ مُلْقَىْ، فَذَهبَ
جَماعَةٌ إليه، وأخَذَ بَيَدي، وأنا أمْشي وأجُرُّ رِجِلِي، حتَّى إذا بَلِغْتُ إلى عندٍ
سَفِينَتِهِم، وأتَوا بالشَّيْخِ ، وأحْسَنُوا إِلَيْنا، فبَقِينَا أَيَاماً حتَّى رَجَعَتْ إلَينا أنْفُسُنا، ثم
كَتَبُوا لَنَا كِتَاباً إلى مَدينَةٍ يُقالُ لها : رَايَةٍ (٢) إلىُ وَاليهِم، وزَوَّدونا من الكَعْكِ والسَّويقِ
والْمَاءِ فَلَمْ نَزَلْ نَمْشي حتَّى نَفَذَ ما كانَ مَعنا من الْمَاءِ والقُوتِ ، فجَعلنا نَمشي جِياعاً
علىُ شَطِّ البَحْرِ ، حتَّى دَفَعَنا إلى سُلَحْفاةٍ مثلِ الثُّرْسِ ، فَعَمَدنا إلى حَجَرٍ كَبِيرٍ ، فَضَرَبْنا
علىْ ظَهْرِها، فانْفَلقَ ، فإذا فيها مثلُ صُفْرَةِ البَيْضِ ، فَتَحسَّيْناهُ حتَّى سَكنَ عَنَّا الجُوعُ ،
ثم وَصَلْنَا إلى مَدِينَةِ الرَّايَة، وأوْصَلْنا الكتابَ إلى عامِلِها، فَأَنْزَلَنا في دارِهِ ، فَكانَ يُقدِّمُ
لَنَا كُلَّ يَومِ القَرْعَ، ويَقُولُ لِخَادِمِه: هاتِ لَهم اليَقْطِينَ الْمُبارَك، فيُقَدِّمُه مع الخُبزِ
أيّاماً، فقالَ واحدٌ منَّا: ألا تَدعُو باللَّحْمِ الْمَشؤُومِ ؟! فسَمعَ صاحِبُ الدَّارِ ، وأَتَانا بعدَ
ذَلكَ بِاللَّحمِ ثم زَوَّدَنا إلى مِصْرَ(٣) .
٢٢- قِصَّةٌ عجيبة لابن أبي حاتم :
وقال الحُسَينُ بنُ أحمد الصفَّار : سَمعتُ عبد الرحمن بنَ أبي حاتم يقولُ : وقعَ
عندنا الغَلاءُ ، فأنفَذَ بعضُ أصْدقائي حُبوباً من أصْبَهانِ ، فِعْتُه بعشْرينَ ألفاً ، وسألَني
أنْ أشْتَريَ له دَاراً عندَنا ، فإذا جاءَ ينزِلُ فيها ، فأنفَقْتُها في الفُقَراء ، وكَتَبتُ إليه :
اشْتَرِيتُ لك بها قَصْراً في الجَنَّةَ ، فَبَعثَ يقولُ : رَضيتُ ، فاكتُبْ على نفسِكَ صَكّاً ،
ففَعَلتُ ، فَأُرِيتُ في المَنامِ : قد وقَّيْنا بما ضَمِنْتَ، ولا تَعُدْ لمثلِ هذا(٤) .
الإداوَة: الْمِطْهَرَة، وهي إناءٌ صَغِيرٌ يُحمَلُ فِيهِ الْمَاءُ .
(١)
رايَة : مَحِلَّة عَظيمَةٌ بفُسْطَاطٍ مِصْرَ وهي المحلة التي في وَسَطِها جامِعُ عَمْرو بنِ العَاص .
(٢)
(٣)
انظر السير: ( أبو حاتم الرَّازي) ١٣ / ٢٤٧ - ٢٦٣، وانظر النزهة : ١/١٠٧٦.
انظر السير: (عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي) ١٣/ ٢٦٣ -٢٦٩، وانظر النزهة: ١/١٠٨٠.
(٤)
٦٦٥

٢٣ - قَصَصٌ من سِيرَةِ الخَليفَة المُعْتَضِد :
جاءَ في تَرجَمَتِهِ الْمُعْتَضِدِ بالله العَبَّاسيِّ، قال أبو علي الْمُحْسنِ التَّنُوخِيُّ : بَلَغَني
عن الْمُعْتَضِدِ أنه كان جالساً في بَيتٍ يُبنَى له فرأى فيهم أسْوَدَ مُنْكَرَ الخِلقَة يَصْعَدُ السَّلَالِمَ
دَرَجَتينِ دَرَجَتينِ ، ويَحمِلُ ضِعْفَ ما يَحْملُه غَيرُه، فأنْكُرَ ذلك، وطلَبَه ، وسَأَلَه عن
سَببٍ ذلك، فتَلَجْلَجَ فكلَّمَه ابنُ حَمْدونَ فيه ، وقالَ : مَنْ هذا حتىْ صَرَفْتَ فِكْرَكَ
إليه ؟ قالَ : قد وَقَعَ في خَلَدي أمْرٌ ما أحْسَبُهُ باطِلاً، ثم أمَرَ به ، فضُربَ مئةً، وتَهدَّدَه
بالقَتلِ ودَعَا بالنَّطَعِ(١) والسَّيْفِ، فقالَ: الأمانَ، أنا أعْمَلُ في أَتونِ الآجُرِّ ، فدَخلَ من
شُهورِ رَجلٌ فِي وَسَطِه هِمْيَانٌ(٢)، فأخْرَجَ دَنانيرَ فوَثبتُ عليه ، وسَدَدتُ فاه ، وكَثَّفْتُه
وألْقَيتُه في الأُتُونِ ، والذَّهَبُ مَعي يَقْوَى به قَلبي، فاسْتَحْضَرَها ، فإذا عَلى الهِمْيانِ
اسْمُ صاحِبِه ، فُنُودِيَ في الْبَلِدِ ، فجاءَت امرأةٌ ، فقالَت : هو زَوْجي ولِيَ منه طِفلٌ ،
فسَلَّمَ الذَّهَبَ إليها ، وقَتَلَه(٣).
وقالَ أبو عَلَيّ الْمُحْسنِ التَّنُوخِيُّ : وبَلغَني عنه أيضاً أنَّ خادِماً أتاه فأخْبَرَه أنَّ صيَّاداً
أخْرَجَ شَبكتَه، فَثَقُلت، فجَذَبها ، فإذا فيها جِرابٌ ، فظَنَّه مالاً ، فإذا فيه آجُرُّ بِينَهَ كَفتّ
مَخْضُوبَةٍ ، فَهَالَ ذاكَ الْمُعْتَضِدَ وأمَرَ الصَّيَّدَ ، فعاوَدَ الشَّبَكَة ، فخَرجَ جِرابٌ آخَرُ فيه
رِجْلٌ ، فقالَ : مَعي في بَلِدِي مَنْ يَفْعَلُ هذا؟ ما هذا بمُلكِ! فلَمْ يُفطِرْ يومَه ، ثم
أحْضَرَ ثقةً له ، وأعْطاهُ الجِرابَ، وقالَ: طُفْ به علىُ مَنْ يَعمَلُ الجُرُبَ: لِمَنْ باعَه ؟
فَغَابَ الرجلُ ، وجاءَ وقد عَرفَ بائِعَه ، وأنَّه اشْتَرَى منه عَطَّارٌ جِراباً ، فَذَهبَ إليه ،
فقالَ : نَعَم ، اشْتَرى مني فُلانٌ الهاشِمِيُّ عَشرَةَ جُرُبٍ ، وهو ظالِمٌ إلى أنْ قالَ : يَكفيكَ
أنَّه كان يَعْشَقُ مُغَنِيَّةً، فَاكْتَراها من مَوْلاها، وادَّعَىْ أَنَّها هَرَبَت! فَلَمَّا سَمِعَ الْمُعْتَضِدُ
ذلك سَجدَ ، وأحْضَرَ الهاشِميَّ، فأخْرَجَ له اليَدَ والرِّجْلَ، فاصْفَرَّ واعْتَرفَ ، فدَفَعَ إلى
(١) النَّطَعِ: بفتح النُّونِ وكَسْرِها، وفَتْحِ الطَّاءِ وكَسْرِها وسُكونِها: بساطٌ من جلد، كثيراً ما كان يُقْتَلُ فوقه
المحكوم عليه بالقتل .
(٢) الهمْيان: كيسٌ للنّفَقَة يُشدُّ في الوَسَط .
(٣) انظر السير: (الْمُعْتَضد بالله) ١٣/ ٤٦٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٤/١١٠٣.
٦٦٦

صاحِبِ الجاريَةِ ثمَنها ، وسَجنَ الهاشِميَّ، فيُقالُ: قَتْلَهُ (١).
قِيلَ : كان لتاجِرٍ على أميرٍ مالٌ، فماطَلَه، ثمَّ جَحَدَه ، فقال له صاحبٌ له : قُمْ
معي ، فأتى بي خَيَّطاً في مَسْجِدٍ ، فقامَ مَعَنَا إلى الأميرِ ، فلمَّا رَآه ، هابَه ، ووَفَّاني
المالَ ، فَقُلتُ للخَيَّاطِ : خُذْ مِنِّي ما تُريدُ ، فَغَضِبَ ، فقُلتُ له : فحَدِّثني عن سَبَبِ
خَوفِهِ مِنْكَ، قال: خَرَجتُ ليلةً ، فإذا بتُزْكِيِّ قد صادَ امرأةً مَلِيحَةً وهي تَتَمَنَّعُ منه
وتَسْتَغِيثُ ، فَأَنْكَرْتُ عليه فَضَرَيَتِي ، فلمَّا صَلَّيْتُ العِشاءَ جَمَعْتُ أصْحَابِي وجِثْتُ بابَه ،
فخَرَجَ في غِلْمَانِهِ وعَرَفَنِي ، فَضَرَبَنِي وشَجَّنِي، وحُمِلتُ إلى بَيْتِي، فلمَّا تَنَصَّفَ
الليلُ، قُمتُ فَأَذَّنتُ في المَنَارَةِ ، لكي يَظُنَّ أنَّ الفَجْرَ طَلَعَ فِيُخَلِّيَ المرأةَ ، لأنَّها قالت
زَوْجِي حالِفٌ عليَّ بالطَّلاقِ أَنِّي لا أَبِيتُ عن بَيْتِي، فما نَزَلتُ حتى أحاطَ بي بدرٌ
وأعْوانُه ، فأُدْخِلتُ على المُعْتَضِد، فقال: ما هذا الأذانُ؟ !! ، فحَدَّثْتُه بالقِصَّةِ ،
فِطَلَبَ الُّرِكِيَّ، وجَهَّزَ المرأةَ إلى بَيْتِها ، وضَرَبَ التُّركِيَّ في جوالق حتى ماتَ ، ثم قال
لي : أَنْكِرِ الْمُنْكَرَ ، وما جَرَى عَلَيْكَ فأذِّن كما أَّنتَ ، فَدَعَوْتُ له ، وشَاعَ الخَبَرُ ، فما
خاطَبْتُ أحداً في خَصْمِه إلاَّ أطاعَنِي وخَاف(٢).
٢٤ - قِصَّةٌ جَميلَةٌ للقاضِي أبي خَازم :
عن مُكْرم بنِ بَكْر ، قالَ : كُنتُ في مَجلسٍ أبي خازِمِ القاضي ، فَتَقدَّمَ شَيخٌ مَعه
غُلامٌ، فَاذَّعَى عَليه بألفِ دِينارٍ ، فأقَرَّ الحَدَثُ ، فقالَ القاضي للشّيخ: ما تَشاءُ؟
قالَ : حَبسُه فقالَ للحَدَثِ : قد سَمعتَ فهلْ تُوفِّيه البَعضَ؟ قالَ: لا ففَكَّر ساعَةً ، ثم
قالَ : تَلَازَما حتَّى أَنْظُرَ فَقُلتُ: لِمَ أَخَرَّ القاضي الحَبسَ ؟ قالَ : وَيْحَك! إنِّي أَعْرفُ في
أكثرِ الأحوالِ وَجْهَ الْمُحِقِّ من الْمُبْطِلِ ، وقد وَقِعَ لي أنَّ سَمَاحَتَه بالإِقْرارِ شَيءٌ بَعيدٌ من
الحَقِّ ، أمَا رَأيتَ قِلَّه تَغاضُبِهما في الْمُحاوَرَة مع عِظَمِ الْمَالِ؟ فَبَيْنا نَحنُ كذلك، إِذْ
اسْتَبَانَ الأمرُ ، فأسْتَأَذَنَ تاجِرٌ مُوسِرٌ، فأذنَ له القاضي ، فدَخلَ ، وقالَ : قد بُلیتُ بابنٍ
(١) انظر السير: (الْمُعْتَضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ١/١١٠٤.
(٢) انظر السير: (المعتضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٤/١١٠٦.
٦٦٧

لِي حَدَثٍ ، يُتِلِفُ مالي عنَدَ فُلانِ الْمُقَبِّن ، فإذا مَنعتُه مالي احْتَالَ بحِيَل يُلجِتُني إلى
الْتِزام غُرْم ، وأقْرَبُه أنَّه نَصَبَ الْمُقَبِّنَ اليَومَ لِمُطالَبَتِهِ بألفِ دينارٍ وأقَعُ مع أمِّه - إِنْ حُبِسَ -
فِي نَّكَدٍ فَتَبَسَّمَ القاضي، وطَلبَ الغُلامَ والشَّيخَ، فَأُدخِلا، فوَعَظَ الغُلامَ، فأقَرّ
الشَّيخُ ، وأخَذَ التَّاجِرُ بيدِ ابنِهِ ، وانْصَرَفَ .
قالَ الإمامُ الذهَبيُّ : قد كانَ الْمُعتَضِدُ يَحتَرمُ أبا خازِمِ ويُجلُّه، قيلَ: إنَّ أبا خازم
لَمَّا احْتُضرَ بَكَى، وجَعلَ يَقولُ: يا رَبِّ! من القَضاءِ إلى القَبرِ . وله شِعرٌ رَقيقٌ .
ماتَ بَبَغْدَادَ سَنةَ اثْتَينِ وتِسْعينَ ومئتين(١).
٢٥ - قِصَّةُ ابنِ جَرير وابنٍ خُزَيْمَة في مِصْرَ :
قالَ محمَّدُ بنُ أحمَدَ الصَّخَّافُ السِّجِسْتَانِيُّ، سَمعتُ أبا العَبَّاسِ البَكْرِيَّ يَقُولُ :
جَمِعَت الرِّحلَةُ بينَ ابنِ جَرِير ، وابنٍ خُزَيْمَة ، ومحمَّدٍ بنِ نَصْر الْمَؤُّوزيِّ ، ومحمَّدِ بنِ
هَارُونَ الرُّويانيِّ بِمِصْرَ، فَأَرْمَلوا ولَمْ يَبْقَ عندَهم ما يَقُوتُهم، وأضَرَّ بهم الجُوعُ
فاجْتَمَعوا لَيلَةَ في مَنزِلٍ كَانُوا يَأْوُونَ إليه، فاتَّفَقَ رَأْيُهم على أنْ يَسْتَهِمُوا ويَضْرِبُوا
القُرعَةَ، فمَنْ خَرجَتْ عليه القُرعَةُ سَألَ لأَصْحابِهِ الطَّعامَ فخَرَجَتِ القُرعَةُ على ابنِ
خُزَيْمَة ، فقالَ لأصْحابِهِ أمْهِلُوني حتَّى أُصَلِّي صَلاةَ الخِيَرَةِ ، قالَ : فانْدَفَعَ في الصَّلاةِ ،
فإذا هم بالشُّمُوعِ وخَصِيٍّ من قِبَلٍ وَالِي مِصْرَ يَدُقُّ الْبَابَ، ففَتَحُوا، فَقَالَ : أَيُّكُم
مُحمَّدُ بنُ نَصْر؟ فقيلَ: هُو ذَا، فأخْرَجَ صُرَّةً فيها خَمسُونَ ديناراً ، فدَفَعَها إليه ، ثم
قالَ : وأيُّكُم مُحمَّدُ بنُ جَرِير؟ فأعْطَاهُ خَمسينَ ديناراً ، وكَذلكَ للُّویانِيِّ ، وابنِ
خُزَيْمَة ، ثم قالَ: إِنَّ الأميرَ كانَ قائلاً(٢) بالأمسِ ، فَرَأىَ في الْمَنامِ أنَّ الْمَحامِدَ جِيَاعٌ
قد طَوَوْا كَشْحَهُم ، فأنْفَذَ إلَيكُم هذه الصُّرَرَ ، وأقْسَمَ عَليكُم : إذاَ نَفِذَت فابعَثُوا إليَّ
أحَدَكُمْ(٣) .
(١) انظر السير: ( القاضي أبو خازِم) ٥٣٩/١٣ -٥٤١، وانظر النزهة : ٤/١١١٤.
(٢) قائلاً: أي نائماً في القائلة ، وهي نصف النهار ، وفعلُه : قالَ ، يَقيلُ .
(٣) انظر السير: (محمَّدُ بنُ جَرير) ١٤/ ٢٦٧ -٢٨٢، وانظر النزهة: ٢/١١٥٠.
٦٦٨

٢٦ - قِصَّةُ قاضٍ مع امرأةٍ فاسِقَة :
وفي سَنةِ خَمسٍ وأربع مئة ظَفرَ الحاكمُ بنساءٍ علىٌ فَسادٍ ، فغرَّقَهُنَّ ، وكانت الغاسِلَةُ
لا تَخرُجُ إلى المَرأةِ إلَّ مع عَدْلين، ومَرَّ القاضي مَالكُ بنُ سَعيد الفارقيُّ، فنادَتْه صَبيَّة
مِن رَوْزَنَةٍ : أقسَمتُ عليكَ بالحاكمِ أنْ تَقَفَ ، فَوَقَفَ ، فبكَتْ ، وقالَت : لي أخٌ
يَموتُ، فبالله إلاَّ ما حَمَلتَني إليه لأَراهُ ، فرَقَّ لها وبَعثَ معها عَدْلَيْن ، فأَتَتْ بَيْتاً ،
فدَخَلَت ، والبيتُ لعاشِقِها، فجاءَ الزَّوْجُ، فسألَ الجيرانَ، فحدَّثوه، فجاءَ إلى
القاضي وصاحَ ، وقالَ : لا أخَ لها ، وما أفارقُكَ حتى تَرُدَّها إليَّ، فحارَ القاضي
وطلع بالرجُل إلى الحاكم، ونادَى العَفْوَ ، فأمرَه أنْ يَركَبَ مع الشَّاهِدين ، فوجدوا
المرأةَ والشَّابَّ في إزارٍ واحد على خُمار ، فحُمِلا على هَيْئِهِما فسألها الحاكمُ فأحالَت
على الشَّابِّ، وقالَ : بلْ هَجَمَتْ عليَّ، وزَعَمت أنَّها بلا زَوْجٍ ، فَلُفَّت في باريّةٍ ،
وأُحْرِقَت ، وضُربَ الشَّابُّ ألفَ سَوْطٍ .
ووَليَ دِمَشْقَ للحاكم عدَّةُ أُمَراء ما كان يَدَعُ النَّائبَ يَسْتقرُّ حتى يَعزِلَه(١).
٢٧ - قِصَّةُ دَعْلَج المُحَدِّثِ الغَنيِّ :
وقال أحمدُ بنُ الحُسَينِ الوَاعِظُ : أَوْدَعَ أبو عبد الله بنُ أبي مُوسَى الهاشِميُّ عَشرةَ
آلافٍ دينارٍ ليتيم ، فضاقَت يَدُه فأنْفَقَها وكَبِرَ الصَّبيُّ ، وأُذنَ له في قَبضِ مالِهِ ، قال ابنُ
أبي موسى : فضاقَت عليَّ الأرضُ ، وتَحيَّرتُ ، فَبَكرتُ علىْ بَغْلَتي، وقَصدتُ الكَرْخَ
فانْتَهتْ بي البَغْلةُ إلى دَرْبِ السلولي ووَقَفَتْ بي على بابِ مَسجِدٍ دَعْلَج ، فدَخلتُ
فِصَلَّيْتُ خلفَه الفَجرَ ، فلمَّا انْفْتَلَ رَحَّبَ بي ، وقُمنا فدَخلنا دَارَه، فقُدِّمَت لنا هَرِيسَةٌ ،
فأكَلتُ وقَصَّرتُ ، فقالَ : أراكَ مُنقَبضاً، فأخْبَرَتُه ، فقالَ : كُلْ فإنَّ حاجَتَك تُقْضَى ،
فلمَّا فَرَغْنا، اسْتَدعَى بالذَّهَبِ والمِيزانِ ، فوَزَنَ لي عَشرة آلافِ دينارٍ وقُمتُ أطيرُ
فَرحاً ، ثم سَلَّمتُ المالَ إلى الصَّبِيِّ بحَضرةِ قاضي القُضاة ، وعَظُمَ الثَّناءُ عليَّ، فلمَّا
عُدتُ إلى مَنِزِلِي اسْتدعاني أميرٌ من أولادِ الخَليفَة فقال: قد رَغبتُ في مُعامَلَتِك
(١) انظر السير: (الحاكم) ١٥/ ١٧٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٩.
٦٦٩

وتَضْمينِك أمْلاكي ، فضَمنّتُها فرَبحتُ في سَنَتَي رِبحاً عظيماً وكَسبتُ في ثلاث سنين
ثلاثينَ ألفَ دينار، وحَملتُ لدَعْلَج المالَ، فقالَ: سُبحانَ الله ، والله ما نَوَيتُ
أخْذَها ، حَلِّ بها الصِّبْيانَ ، فقلتُ : أَيُّها الشَّيخُ، أيشْ أصْلُ هذا المال حتى تَهبَ لي
عشرةَ آلافِ دينار؟ فقال : نَشأتُ، وحَفظتُ القُرآنَ، وطَلبتُ الحَديثَ ، وكُنتُ
أَتَبَزَّزُ ، فوافاني تاجرٌ من البَحْرِ فقال : أنْتَ دَعْلَج ؟ قلتُ : نَعَم قال : قد رَغبتُ في
تَسليمٍ مالي إليك مُضارَبةٌ ، فسلَّمَ إليَّ برنامجات بألفِ درهم، وقال لي : ابْسُطْ يَدكَ
فيه ولا تَعلمْ مَكاناً يُنفَقُ فيه المَتَاعُ إلَّ حَمِلْتَه ، ولمْ يَزِلْ يَتردَّدُ إليَّ سَنةً بعدَ سَنةٍ يَحملُ
إليَّ مثلَ هذا والبضاعَةُ تَنْمَىُ ثم قال: أنا كثيرُ الأسْفارِ في البَحرِ ، فإنْ هَلكتُ فهذا
المالُ لكَ على أنْ تَصدَّقَ منه، وتَبني المَساجدَ، فأنا أفعلُ مثل هذا، وقد ثمَّرَ اللهُ
تعالى المالَ في يَدي ، فاكْتُم عليَّ ما عِشْتُ .
قال الحاكمُ : كان السُّلطانُ لا يَتعرَّضُ لتَركَةٍ ، ثم لمْ يَصْبرْ عن أموالِ دَعْلَج ،
وقيلَ : لمْ يكنْ في الدُّنيا أيْسَرُ منه من الثُّجَّار، وتَركوا أوْقافَه ، رَحمَه الله .
ماتَ سنةً إحْدَى وخَمسينَ وثلاثٍ ومئة (١) .
٢٨ - قِصَّةُ محمود بن سُبُكتكين مع صَنَم سُومَنات :
وبَلَغَ الشُّلطانَ أنَّ الهُنودَ قالوا: أَخْرَبَ أكثرَ بلادِ الهِنْدِ غَضَبُ الصَّنَمِ الكبيرِ سُومَنات
على سائِرِ الأصْنامِ ومَنْ حَوْلَها ، فعَزَمَ علىُ غَزْوِ هذا الوَثَنِ ، وسَارَ يَطْوِي القِفَارَ في
جَيشِه إليه ، وكانَوا يقُولونَ: إِنَّه يَرْزُقُ ويُخِي ويُميتُ ويَسْمَعُ ويَعِي، يَحُجُّون إليه
ويُتْحِفُونَه بالنَّفَائِس، ويَتَغَازَلُون فيه كثيراً، فَتَجَمَّعَ عند هذا مالٌ يَتَجَاوَزُ الوَصْفَ ،
وكانوا يَغْسِلُونَه كلَّ يومٍ بماءٍ وعَسَلٍ ولَبَن، ويَنْقُلُونَ إليه الماءَ من نَهْرِ حيل مَسِيرَةَ
شَهرٍ ، وثلاثُ مِئَةٍ يَحْلِقُونَ رُؤُوسَ حُجَّاجِه ولِحَاهُم، وثلاثُ مِئَةٍ يُغَنُّونَ فِسَارَ الجَيشُ
من غَزْنة، وقَطَعُوا مَفَازَةً صَعبَةً وكانوا ثلاثينَ ألفَ فارسٍ وخَلْقاً من الرَّجَّالَةِ
والمُطَّوَّعَة ، وقَوَّى المُطَّوِّعَةَ بِخَمْسِينَ ألفَ دينارٍ ، وأَنْفَقَ في الجَيْشِ فَوقَ الكِفَايَةِ ،
(١) انظر السير: (دَعْلَج) ٣٠/١٦ _٣٥، وانظر النزهة: ٤/١٢٦٦.
٦٧٠

وارْتَحَلَ من المُليا ثانِيَ يوم الفِطْرِ سنةَ أرْبَعمائة وستَّةَ عَشَر، وقاسُوا مَشَاقَّ وبَقُوا
لا يَجِدُونَ الماءَ إلَّ بعدَ ثلاثٍ، غَطَّاهُم في يومٍ ضَبَابٌ عظيمٌ ، فقالت الكَفَرَةُ : هذا
مِن فِعْلِ الإِلَهِ سُومَنات .
ثمَّ نازَلَ مدينةَ أَنْهَلْوَارَة، وهَرَبَ ملِكُها إلىْ جَزِيرَةٍ ، فأخْرَبَ المُسلِمُونَ بِلَدَه ،
ودَكُّوها ، وبينَها وبَيْنَ الصَّنَمِ مَسِيرَةُ شَهرٍ في مَفَاوِزَ ، فسَارُوا حتى نَازَلُوا مدينةَ
دَبُولوارة ، وهي قَبْلَ الصَّنَمِ بِيَوْمَيْن، فَأُخِذَت عُنْوَةً، وكُسِرَتْ أصْنَامُهَا ، وهي كثيرةُ
الفَوَاكِه ، ثمَّ نَازَلُوا سُومَنات في رابعٍ عَشَرَ ذي القِعدَة ، ولها قَلْعَةٌ مَنِيعَةٌ على البحرِ ،
فوَقَعَ الحِصَارُ فَنُصِبَتِ السَّلَالِمُ عليهاَ، فَهَرَبَ المُقاتِلَةُ إلى الصَّنَمِ وتَضَرَّعُوا له ، واشْتَدَّ
الحالُ وهم يَظُنُّون أنَّ الصَّنَمَ قد غَضِبَ عليهم ، وكان في بيتٍ عظِيمٍ مَنِيعٍ علىْ أبْوَابِهِ
الشُّتُورُ الدِّيَاجُ وعلى الصَّنَمِ من الخُليِّ والجَوَاهِرِ ما لا يُوصَف والقَنَادِيلٌ تُضِيءُ ليلاً
ونهاراً ، علىُ رَأْسِه تاجٌ لا يُقَوَّمُ، يَنْدَهِشُ منه النَّاظِرُ ويَجْتَمِعُ عندَه في عِيدِهم نَحْوُ مِئَةٍ
ألفِ كافِرٍ ، وهو على عَرْشٍ بَدِيعِ الزَّخْرَفَةِ عُلُوَّ خَمسةٍ أَذْرُعٍ ، وطُولُ الصَّنَمِ عَشرَةُ
أذْرُع، وله بَيْتُ مالٍ فيه من النَّفَائِسَ والذَّهَبِ ما لا يُحْصَىْ ، فَفَرَّقَ مَحمُودٌ في الجُنْدِ
مُعْظَمَ ذلك، وزَعْزَعَ الصَّنَمَ بالمَعَاوِلِ ، فخَرَّ صَرِيعاً، وكانت فِرِقَةٌ تَعْتَقِدُ أنَّه مَنَات ،
وأنَّه تَحَوَّلَ بنفسِه في أيَّامِ النُّبُوَةِ من سَاحِلِ جُدَّة ، وحَصَلَ بهذا المَكَان لِيُقْصَدَ ويُحَجَّ
إليه مُعَارَضَةً للكَعْبَةِ ، فَلَمَّا رَآهُ الكُفَّارُ صَرِيعاً مَهِينَاً، تَحَسَّرُوا وسُقِطَ في أيدِيهِم ، ثمَّ
أُحْرِقَ حتىْ صَارَ كلساً، وأُلِقِيَّت النِيرَانُ فِي قُصُورِ القَلْعَة، وقُتِلَ بها خَمسُونَ ألفاً ، ثمَّ
سارَ مَحمُودٌ لِأَسْرِ المَلِكِ بهيم، ودَخَلُوا بالمَرَاكِبِ ، فَهَرَبَ، وافْتَحَ مَحمُودٌ عِدَّةَ
حُصُونٍ ومَدَائِنَ ، وعادَ إلىُ غَزْنَةً فَدَخَلَها في ثامِنٍ صَفَرَ سَنَّةً سَبْعَ عَشْرَةَ ، ودَانَتْ له
المُلُوكُ ، فكانت مُدَّةُ الغَيْبَةِ مِئَةً وثلاثَةً وستِّينَ يوماً .
وقد خُطِبَ له بالغُورِ وبخُراسَان والسِّنْدِ والهِنْدِ وناحِيَةٍ خَوَارِزْم وبَلْخ ، وهي من
خُرَاسَان، وبجُرجان وطَبَرِستان والرَّيِّ والجِبَال، وأَصْبَهَان وأذْرَبِيجان وهَمَذَان
وأرْمِينية .
وكان مُكْرِماً لأُمَرَائِهِ وأصْحابِهِ ، وإذا نَقَمَ عَاجَل ، وكان لا يَفْتُرُ ولا يَكَادُ یَقِرُ وكان
٦٧١
٣

يَعْتَقِدُ في الخَلِيفَةِ، ويَخْضَعُ لجَلالِهِ ، ويَحْمِلُ إليه قَنَاطِيرَ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ ، وكان
إِلْباً على الفَرَامِطَة والإِسْمَاعيليَّة وعلى المُتَكَلِّمين، على بِدْعَةٍ فيه فيما قَبْل ، ويَغْضَبُ
للكرّاميّة، وتَصَرُّفه على الأخْلاقِ الزَّكِيَّة، وكان فيه شِدَّةُ وَطْأٍ على الرَّعِيَّة ، ولكن
كانوا في أَمْنٍ وإقامَة سِياسَة .
وقال مَحمُودٌ يوماً للأميرِ أبي طاهِرِ السَّامانيّ : كَمْ جَمَعَ آبَاؤُك من الجَوْهَرِ ؟ قال :
سَمعتُ أنَّه كان عند الأميرِ الرَّضي سَبْعَةُ أرْطالٍ فسَجَدَ شُكراً وقال : أنا في خِزَانَتِي
سَبْعُون رَطْلاً(١).
٢٩ - قِصَّةُ ابن عَقيل وعُقْدِ اللُّؤُلُوْ:
قالَ أبو الْمُظَفَّرِ سِبطُ ابنِ الجَوْزيَّ : حَكَى ابنُ عَقيل عن نَفَسِه قالَ : حَجَجْتُ
فالْتَّقَطتُّ عُقدَ لُؤْلُؤْ في خَيطِ أحْمَر ، فإذا شَيخُ أعْمَى يَنْشُدُه ، ويَبَذُلُ لِمُلْتَقِطِه مئةَ دينار ،
فرَدَدْتُهُ عَليه ، فقالَ: خُذْ الدَّنانيرَ ، فامْتَنعتُ وخَرجْتُ إلى الشَّام ، وزُرتُ القُدسَ ،
وقَصَدتُ بَغْدَادَ، فَأَوَيتُ بحَلَبَ إلى مَسجِدٍ وأنا بَرْدانُ جائعٌ،َ فَقَدَّموني ، فصَلَّيْتُ
بهم، فأطْعَمُوني، وكانَ أوَّلُ رَمَضانَ فقالوا: إمامُنا تُوفِّيَ فَصَلِّ بنا هذا الشَّهْرَ ،
ففَعلتُ : فقالُوا : لإِمَامِنَا بِنتُ، فَزُوَّجْتُ بها، فَأَقَمتُ مَعَها سَنةً، وأوْلَدَتُهَا وَلَداً ذَكَراً
فَمَرِضَتْ في نِفَاسِهَا ، فَتَأَمَّلتُها يَوماً فإذا في عُنُقِها العُقْدُ بعَيْنِهِ بِخَيْطِهِ الأحْمَر فقُلتُ لها :
لِهَذا قِصَّةٌ وحَكَيتُ لها ، فبَكَتْ ، وقالَت : أنتَ هُوَ ، والله لَقَدْ كانَ أبي يَبْكِي ،
ويَقُولُ : اللَّهُمَّ ارْزُقْ بِنْتي مثلَ الذي رَدَّ العُقدَ عَليَّ وقد اسْتَجابَ اللهُ منه، ثم ماتَتْ ،
فأخَذتُ العُقدَ والْمِيراثَ، وعُدتُ إلىُ بَغْدَادَ(٢).
٣٠ - قِصَّةُ الرَّجُل الصَّالح والچِنِّيِّ:
وحكى ابنُ عَقيل عن نَفْسِه قالَ : كَانَ عِندَنا بالظَّفَرِيَّة دَارٌ، كلَّما سَكنَهَا نَاسٌ
أصْبَحُوا مَوْتَى فجَاءَ مرَّة رَجلٌ مُقرىءٌ، فاكْتَراها، وارْتَضى بها، فبَاتَ بها وأصْبحَ
(١) انظر السير: (السُّلطان) ٤٨٣/١٧-٤٩٥، وانظر النزهة: ٣/١٣٥٣.
(٢) انظر السير: (ابنُ عَقيل) ٤٤٣/١٩-٤٥١، وانظر النزهة: ٣/١٤٩٨.
٦٧٢

سالِماً ، فعَجِبَ الجِيرانُ ، وأقامَ مُدَّة ، ثم انتقلَ، فسُئلَ فقالَ : لَمَّا بِتُّ بها ، صَلَّيْتُ
العِشاءَ ، وقَرأْتُ شَيئاً ، وإذا شَابٌّ قد صَعدَ من البِتْر، فسَلَّمَ عليَّ، فبُهِتُّ ، فقالَ :
لا بأسَ عَليكَ، عَلِّمْني شَيئاً من القُرآنِ، فشَرَعتُ أُعلِّمُه، ثم قُلتُ: هذه الدَّارُ كيفَ
حَديثُها ؟ قالَ : نحنُ جِنٌّ مُسْلمونَ ، نَقرأُ ونُصَلِّي ، وهذه الدَّارُ ما يكتَريها إلاَّ الفُسَّاقُ
فَيَجْتَمِعونَ على الخَمرِ ، فَنَخْنُقُهم، قُلتُ: ففي اللَّيلِ أَخَافُك، فَجِىءْ نَهاراً، قالَ :
نَعَم ، فكانَ يَصْعَدُ من البئرِ في النَّهارِ ، وأَلِفْتُه فَبَينَما هو يَقرَأ، إذا بِمُعَزِّم في الدَّربِ
يَقُولُ : الْمُرْقِي من الذَّبيبِ ، ومنَ العَينِ ومن الجِنِّ ، فقالَ : أيشٍ هذَا؟ قُلتُ :
مُعَزِّمٌ ، قالَ : اطْلُبُهُ ، فقُمتُ وأدْخَلتُه، فإذا بالجِنِّيِّ قد صارَ تُعباناً في السَّقفِ ، فَعَزَّمَ
الرَّجُلُ ، فمَا زَالَ الثُّعْبَانُ يَتَدَلَّىَ حتَّى سَقطَ فِي وَسَطِ الْمِندَل، فقامَ لِيَأْخُذَه ويَضَعَه في
الزَّنْبِيلِ، فمَنَعتُه، فقالَ: أَتَمنَعُني من صَيْدي ؟! فأعْطَيْتُه ديناراً ورَاحَ ، فَانْتُفضَ
الثُّعْبانُ، وخَرَجَ الجِنِّيُّ، وقد ضَعُفَ واصْفَرَّ وذَابَ ، فقُلتُ : مَا لَك ؟ قالَ : قَتَنِي
هذا بهَذه الأسَامي، وما أظُنُني أُفِلِحِ ، فَاجْعَلْ بِالَكَ اللَّيْلَةَ مَتَى سَمعتَ في الْبِئْرِ
صُراخاً ، فانْهَزِمْ ، قالَ : فسَمعتُ تِلكَ اللَّيِلَة النَّعْيَ فَانْهَزَمتُ قالَ ابنُ عَقيل : وامْتَنعَ
أحَدٌ أنْ يَسكُنَ تِلكَ الدَّارَ بَعدَها (١).
(١) انظر السير: (ابنُ عَقيل) ٤٤٣/١٩-٤٥١، وانظر النزهة : ١/١٤٩٩.
٦٧٣

(١٨) كوارثُ حَدَثَتْ في بَعضِ الأَقْطَار
١ - كوارثُ كوْنيّة :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ الخَليفَة العَبَّاسيِّ الْمُتَوَكل على الله: وفي سَنة أَرْبَعينَ
ومثتَين فيها سَمعَ أهْلُ خِلاط (١) صَيْحَةً من السَّماءِ ماتَ منها جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ(٢) .
وفي سَنةِ إِحْدَى وأرْبَعِينَ ومئتَين ماجَت النُّجُومُ، وتَنَاثَرَت شِبْهَ الجَرادِ أكثرَ اللَّيلِ
فَكَانَ ذَلِكَ آيَّةً مُزْعِجَةٌ(٣).
ودَخلَ الإمامُ أبو بَكر الطُّرْطُوشِيُّ بَغدادَ في حَياةِ أبِي نَصْر الزَّيْنَبِيِّ، وأظنُّه سَمعَ
منه ، وقالَ : رَأيتُ بها آيَةً في سَنةِ ثَمانٍ وسَبعينَ بعدَ العَصرِ ، فسَمِعنا دَوِياً عظيماً
وأقْبلَ ظَلامٌ ، فإذا رِيحٌّ لَمْ أَرَ مِثلَها ، سَوْداءُ ثَخِينَةٌ ، فَاسْوَدَّ النَّهَارُ ، وذَهَبَت آثارُه ،
وذَهَبَ أثرُ الشَّمسِ ، وبقينا كأنَّنا في أشَدِّ ظُلمَة، لا يُبْصِرُ أحَدٌ يَدَهُ، ومَاجَ النَّاسُ،
ولَمْ نَشُكَ أنَّها القِيَامَةُ أوْ خَسْفٌ ، أوْ عَذَابٌ قَد نَزَلَ ، وبَقِيَ الأمْرُ كَذلكَ قَدْرَ ما يَنصُجُ
الخُبزُ، ورَجَعَ السَّوادُ حُمْرَةً كَلَهَبِ النَّارِ ، أوْ جَمْراً يَتَوقَّدُ ، فَلَمْ نَشُكَّ حينئذ أنَّها نَارٌ
أَرْسَلَهَا اللهُ عَلَى العِبَادِ ، وَأَبِسْنَا مِنْ النَّجَاةِ، ثمَّ مَكَثتْ أقَلَّ مِنْ مُكْثِ الظَّلام، وتَجَلَّتْ
بِحَمِدِ الهِ عَنْ سَلامَةٍ ، ونَهَبَ النَّاسُ بَعضُهُم بَعْضاً في الأسْوَاقِ، وخَطَفُوا العَمَائمَ
والْمَتَاعَ ، ثمَّ طَلَعَتِ الشَّمسُ، وبَقِيَتْ سَاعَة إلى الغُرُوبِ .
وللُّرْطُوشِيِّ مُؤْلٌَّ في تَحْرِيمِ الغِناءِ ، وكتابٌ في الزُّهْدِ ، وتَعليقة في الخِلافِ ،
ومؤلَّفٌ في البِدَع ، والحَوادِث، وبرِّ الوَالِدَينِ ، والرَّدِّ على اليَهُودِ ، والعمد في
الأُصُولِ ، وأشياءَ .
هي قصبة أرمينية الوسطى .
(١)
(٢) انظر السير: (الْمُتَوَكلُ على الله) ١٢/ ٣٠-٤١، وانظر النزهة: ٤/٩٧٨.
(٣) انظر السير: (الْمُتَوَكلُ على الله) ٣٠/١٢-٤١، وانظر النزهة : ٥/٩٧٨.
٦٧٤

تُوفِّيَ بِالإِسْكَندَرَّة سَنةَ عِشْرِينَ وخَمسٍ مئة، رَحمَهُ الله(١) .
وفي سَنةِ ثَلاثٍ وعشْرينَ وسِتٌ مئة زُلْزِلَت الْمَوْصِلُ وشَهْرزور، وتَرَدَّدَت الزَّلْزَلَةُ
عَليهِم نَيِّاً وثَلاثينَ يَوماً، وخَربَ أكثَرُ قُرَى تلكَ النَّاحِيَة، وانْخَسَفَ القَمَرُ في السَّنَةِ
مرَّتَيْنِ ، وجاءَ بالْمَوْصِلِ بَرَدِّ عَظيمٌ زِنَّةُ الوَاحِدَة مِثْنَا دِرْهَم وأقَل فأهْلكَ الدَّوابَّ .
وفي رَجَبَ منها تُوفِّيَ أميرُ الْمُؤمنينَ الظَّاهِرُ، فكانَت خِلافَتُه تِسْعَة أشْهُر ونِصْفاً ،
رَحمَهُ الله ، وعاشَ اثنَيْنٍ وخَمسينَ سَنةً، وبايَعوا وَلَدَه الْمُسْتَنْصِرَ بالله أبا جَعْفَر(٢).
٢- زَلازِل :
وفي سَنةِ اثنتَيْنِ وأرْبَعِينَ ومئتَين كانَت الزَّلْزَلَةُ بِقُومِس، والدَّامَغَانِ، والرِّيَّ ،
وطَبَرِسْتَانَ، ونيسَابُورَ، وأصْبَهَانَ، وهَلكَ منها بِضِعَةٌ وأرْبَعونَ ألفاً ، وانْهَدَّ نِصفُ
مَدينَةَ الدَّامَغَان(٣).
وفي سَنةِ خَمْسٍ وأرْبَعِينَ ومئْتَين عَمَّت الزَّلْزَلَةُ الدُّنيا ، وماتَ منها خَلائقُ وبَنَى
الْمُتَوَكَلُ الْمَاحوزَةَ، وسَمَّاها الجَعْفَريَّ، وأنْفَقَ عَليها بَعدَ مُعَاوَنَةَ الجَيشِ له ألْفَي ألفَ
دينارِ ، وتَحوَّلَ إليها، وفيها (٤) وقعَ بناحِيَة بَلْخ مَطَرُّ كالدَّمِ العبيط(٥) .
وفي سَنةِ ثَلاثٍ وعشْرينَ وسِتٌ مئة زُلْزِلَت الْمَوْصِلُ وشَهْرزور، وتَرَدَّدَت الزَّلْزَلَةُ
عَليهِم نَّاً وثلاثينَ يَوماً، وخَربَ أكثَرُ قُرَىُ تلكَ النَّاحِيَة، وانْخَسَفَ القَمَرُ في السَّنَةِ
مرَّتَيْنِ ، وجاءَ بالْمَوْصِلِ بَرَدٌ عَظيمٌ زِنَةُ الوَاحِدَة مِئْنَا دِرْهَم وأقَل فأهْلكَ الذَّوابَّ .
وفي رَجَبَ منها تُوفِّيَ أميرُ الْمُؤمنينَ الظَّاهِرُ، فكانَت خِلافَتُه تِسْعَة أشْهُر ونِصْفاً ،
رَحمَهُ الله ، وعاشَ اثنَتَينٍ وخَمسينَ سَنةً، وبايَعوا وَلَدَه الْمُسْتَنْصِرَ بالله أبا جَعْفَر(٦).
(١) انظر السير: (الطُّرْطُوشِيُّ) ٤٩٠/١٩-٤٩٦، وانظر النزهة: ١/١٥٠١.
انظر السير: ( الظّاهِرُ بأمْرِ الله) ٢٢/ ٢٦٤-٢٦٨، وانظر النزهة: ٣/١٦٩١.
(٢)
انظر السير: (الْمُتَوَكلُ علَى الله) ١٢/ ٣٠ -٤١، وانظر النزهة : ٦/٩٧٨ .
(٣)
(٥) انظر السير: (الْمُتَوَكلُ على الله) ٣٠/١٢ -٤١، وانظر النزهة: ٧/٩٧٨.
(٤)
أي في سَنَةٍ خَمْس وأَرْبَعينَ ومئتَين .
(٦) انظر السير: (الظّاهِرُ بأمْرِ الله) ٢٦٤/٢٢ -٢٦٨، وانظر النزهة: ٣/١٦٩١.
٦٧٥

٣ - حَرائق :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أميرِ الْمؤمنينَ الْمأمون : وفي سَنةِ سَبعَ عَشْرَةَ ومثَيْنِ
وَقَعَ حَرِيقٌ عَظيمٌ بِالبَصْرَةِ أَذْهَبَ أكثَرَها(١).
٤ - غَرَق :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ أميرِ الْمؤمنينَ القائِ العَبَّاسِيّ: وفي سَنةِ أرْبع
وخَمسينَ وأرْبَع مئة زَوَّجَ أميرُ الْمُؤمنينَ القائمُ بِنَتَه بطُغْرُلْبَك بعدَ اسْتِعْفاءٍ وكُرْهِ ،
وغَرِقَتْ بَغْدَادُ ، وبَلِغَ الْمَاءُ أَحَداً وعِشْرِينَ ذِراءً(٢) .
وفي سَنةِ سِتٍّ وسِتِّينَ وأرْبَع مئة غَرِقَتْ بَعْدَادُ ، وأُقيمَت الجُمُعَة في الشُّفُن مرَّتَيْنِ ،
وهَلِكَ خَلقٌ لا يُحْصَوْنَ ، حتَّى لِقِيلَ: إِنَّ الْمَاءَ بَلِغَ ثَلاثينَ ذراعاً، حتَّى لَقَالَ سِبْطُ ابنُ
الجَوْزِيّ : وانْهَدَمت مئةُ ألف دارٍ(٣).
٥- مَجَاعَاتٌ وأَوْبِئَة :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الْمُعْتَصِم: وفي سَنةِ ثَمانِ عَشْرَة ومئْتَين كانَ الوَباءُ
الْمُفرِطُ والقَخْطُ بِمِصْر ، وماتَ أكثَرُهم(٤) .
وفي سَنةِ إِحْدَى وثَمانينَ ومئتَين : غارَت مياهُ طَبَرِسْتَانَ ، حتَّى لِأَبُيعَ الْمَاءُ ثَلاثَةُ
أرْطَال بدِرهَم، وجاعُوا، وأكَلُوا الْمَيتَةِ(٥) .
وفي سَنة ثَمَانٍ وأَرْبَعِينَ وأَرْبَعِ مثَّة كانَ بالأَنْدَلُسِ القَخْطُ ما سُمعَ بمثِلِه ، ويُسمُّونَهَ
الجُوعَ الكَبير، وكان بمِصْرَ القَحْطُ والفَنَاءُ(٦).
(١) انظر السير: (الْمَأمون) ٢٧٢/١٠ -٢٩٠، وانظر النزهة: ٣/٨٧٨.
(٢) انظر السير: (القائم) ٣٠٧/١٨-٣١٨، وانظر النزهة: ١/١٤١٨.
(٣) انظر السير: (القَائم) ٣٠٧/١٨ -٣١٨، وانظر النزهة: ٢/١٤١٨.
انظر السير: ( الْمُعْتَصِم) ١٠/ ٢٩٠ -٣٠٦، وانظر النزهة: ٧/٨٧٨.
(٤)
(٥) انظر السير: (الْمُعْتَضِدُ بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٣/١١٠٧.
(٦) انظر السير: (المُسْتَنصر بالله) ١٨٦/١٥ -١٩٦، وانظر النزهة: ١/١٢١٢.
٠
٦٧٦

وكان غَلَاءٌ مُفْرطٌ بَبَغْدَادَ وفَنَاءٌ، وأمَّا بما وَراءَ النَّهْرِ فَتَجاوَزَ الوَصْفَ .
وفي سَنةِ إحْدَى وستِينَ وأرْبَع مثَّة كان حَريقُ جامِع دِمَشْقَ ، ودُثِرَت مَحاسِنُه
واحْتَرِقَتِ الخَضْراءُ مَعَه - وكانَت دَارَ المُلْك - من حَربٍ وَقعَ بينَ عَسْكَرِ العِراقِ ،
وعَسْكَرٍ مِصْرَ .
وفي سَنة اثنَتَين وستِّينَ وأرْبَع مئَة ، قُطِعَت من مَكَّة الدَّعْوَة المُسْتَنْصِرِيَّة وخُطِبَ
للقَائِ بِأمْرِ الله، وتُرُكَ الأَذَانُ بـ ((حَيٍّ عَلِي خَيْرِ العَمَلِ)) وذلكَ لِذِلَّةُ المِصْرِيِّينَ بالقَحْطِ
الأكْبَرَ وفَنَائِهِم وأكَلَ بَعضُهم بَعضاً وتَمزَّقُوا في البلادِ من الجُوعِ ، وتَمَثَّقَتْ خَزائنُ
المُسْتَنْصِر ، وافْتَقَرَ، وتَعثَّر(١).
وفي هذه النَّوْبَة نَقْلَ صاحبُ ((المِرْآة )) أنَّ امْرأةً خَرجَتْ وبيَدِها مُدُّ لؤلؤْ لِتَشْتَري به
مُدَّ قَمْح ، فَلَمْ يَلتَفِتْ إليها أحد، فرَمَتَهُ فما كانَ له مَنْ يَلتَقطُه، فكادَ الخَرابُ أنْ
يَسْتَولي علىُ سَائِرِ الأقَاليمِ ، حتى لأُبيعَ الكلبُ بسِتَّة دَنانيرَ والقِطُّ بِثَلاثة دَنانيرَ ، حتى
أُبيعَ الإِرْدَتُ بمثَة دينار(٢).
قال ابنُ الأثير : اشْتَّ الغَلاءُ حتى حُكِيَ أنَّ امْرأةً أكَلَت رَغیفاً بألفِ دِینار ، باعَت
عروضاً تُساوي ألفَ دِينار بثَلاثِ متَّة دِينَار، فاشْتَرَت به جُوالِقَ(٣) قَمْح، فانْتُهَبَهُ
النَّاسُ ، فَتَهَبَت هيَ منه فحَصَلَ لهَا ما خُبِزَ رَغيفاً (٤) .
وفي دَولة المُسْتَنْصِر وَقِعَ القَحْطُ المَذْكورُ لاحْتراقِ النِّيلِ الذي ما عُهدَ مثله بِمِصْرَ
من زَمَنِ يُوسُفَ عليه السلام، ودامَ سَنواتٍ بحَيثُ إنَّ والدَةَ المُسْتَنْصِر وبنَاتِهِ سَافَرْنَ من
مِصْرَ خَوفاً من الجُوعِ، وَآلَ أمْرُهُ إلى عَدمِ كُلِّ الذَّوابِّ ببلادِ مِصْرَ ، بحَيثُ بَقِيَ له فَرسٌ
يَركَبُها ، واحْتَاجَ إلى دابَّة يَركَبُها حَامِلُ الجِتْر(٥) يَومَ العِيدِ وَرَاءَهم، فمَا وَجَدوا سِوَى
(١) انظر السير: (المُسْتَنصر بالله) ١٨٦/١٥-١٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٢١٢.
(٢) انظر السير: (المُسْتَنصر بالله) ١٨٦/١٥-١٩٦، وانظر النزهة: ٣/١٢١٢.
(٣)
وعاء من صوف أو غيره ، جمعُه : جَوالق - بفتح الجيم ، وهو عند العامَّة ( شِوال )
(٤) انظر السير: (المُسْتَنْصِر بالله) ١٨٦/١٥ -١٩٦، وانظر النزهة: ٤/١٢١٢.
(٥) الجِتْر: بكسر الجيم ، المظلَّة.
٦٧٧

بَغْلَة ابنِ هِبَة كاتبِ السِّرِّ فوَقَفَتْ على بابِ القَصْرِ، فازْدَحَمَ عَليهَا الحَراشِفَةُ(١) وَذَبَحُوها
وأكَلُوها في الحَالِ ، فَأَخَذَهُم الأعْوَانُ وشُنِقُوا ، فَأَصْبَحَتْ عِظامُهم على الجُذُوعِ قَد
أُكِلُوا تَحْتَ اللَّيلِ .
ماتَ المُسْتَنِصِرُ سَنةَ سَبع وثَمانين وأرْبَع مئَّة ، وقد قَارَبَ السَّبْعينَ ، وكانَ سَبُّ
الصَّحَابَة فاشِياً في أيَّامِه، والسُّنَّةُ غَرِيبَةٌ مَكتومَةٌ، حتى إنَّهم مَنَعوا الحَافظَ أبا إسْحاقَ
الحبَّالَ من رِوايَة الحَديث، وهَذَّدُوه فامْتَنَعَ، ثم قامَ بعدَ المُسْتَنِصِرِ ابنُه أحمَدُ (٢) .
وفي سَنةِ ثَمَانٍ وأرْبَعِينَ وأرْبَع مئة ، كانَ القَخْطُ عَظيماً بِمِصْرَ وبالأنْدَلُسِ ،
وما عُهِدَ قَحطٌ ولا وَبَاءٌ مثلُه بِقُرْطُبَةَ، حتَّى بَقِيَتِ الْمَساجِدُ مُغلَقَةً بِلا مُصَلِّ وسُمَِّ عَامَ
الجُوعِ الكَبيرِ (٣).
وفي سَنةٍ تِسْعِ وأَرْبَعينَ وأَرْبَع مئة أخَذَ طُغْرُلْبَك الْمَوْصِلَ، وسَلَّمَها إلى أخيه يَنَالَ
وكَتبَ في ألْقَابِهِ : مَلِكُ الْمَشْرقِ والْمَغْرِبِ ، وفيها كانَ الجُوعُ الْمُفرِطُ بَبَغْدَادَ وِالفَنَاءُ ،
وكَذلكَ بِيُخَارَىُ وسَمَرْقَنْدَ حتَّى يُقَالُ: هَلكَ بما وَراءَ النَّهرِ ألفُ ألفٍ وسِتُّ مئةٍ
ألْفِ (٤) .
واشْتَدَّ بإفْريقيَّةَ القَحْطُ ، لا بَلْ كانَ القَحْطُ عامّاً ، فقالَ الْمُؤيَّدُ عِمادُ الدِّين : فيها
كانَ الغَلاءُ العامُّ من خُراسَانَ إلى العِراقِ إلى الشَّامِ إلى بلادِ الْمَغْرِب(٥) .
(١) كالشُّطار والعيارين في بغداد .
(٢) انظر السير: (المُسْتَنصر بالله) ١٨٦/١٥-١٩٦، وانظر النزهة: ٥/١٢١٢.
(٣) انظر السير: (القائم) ٣٠٧/١٨-٣١٨، وانظر النزهة : ٥/١٤١٧.
(٤)
انظر السير: ( القَائم) ٣٠٧/١٨ -٣١٨، وانظر النزهة : ٦/١٤١٧.
(٥) انظر السير: ( الْمُقْتَفي الأمْرِ الله) ٣٩٩/٢٠ -٤١٢، وانظر النزهة: ٥/١٥٦٨ .
٦٧٨

(١٩) عُيُونُ السُّلْطَان
١ - شِدَّةُ تَحَرُّزِ الإنْسَان في الكلامِ أمامَهم :
عن حاتِمِ الأصَمِّ قالَ: لَوْ أنَّ صاحِبَ خَبَرٍ جَلسَ إلَيكَ، لَكُنتَ تَتَّحَرَّزُ منه،
وكَلامُكَ يُعرَضُ على الله فلا تَحْتَرِزْ !! (١).
٢- الحَذَرُ منهُم :
قالَ ابنُ الأثيرِ في أوَّل ((جامِع الأصُولِ)) وكانَ الإمامُ النَّسائيُّ شافِعياً ، له مَناسِك
على مَذْهَب الشَّافِعِيِّ، وكانَ وَرِعاً مُتَحرِّياً، قيلَ: إنَّه أتَى الحَارِثَ بنَ مِسْكِينَ في زِيٌّ
أَنْكَرَه، عليه قَلنْسُوة وقَباء، وكان الحارثُ خائفاً من أُمُورِ تَتَعلَّقُ بالسُّلطانِ فخَافَ أنْ
يَكُونَ عَيْناً عَليه ، فمَنَعَه ، فكانَ يَجِيءُ فَيَقعُدُ خَلفَ البَابِ ويَسمَع ، ولِذلكَ ما قالَ :
حدَّثنا الحارِثُ ، وإنَّما يَقُولُ: قالَ الحارِثُ بنُ مَسْكِين قِراءَةً عَليه وأنا أسْمَعُ .
قالَ ابنُ الأثيرِ : وسَألَ أميرٌ أبا عبدِ الرحمَن عن سُنَتِهِ : أَصَحيحٌ كلُّه ؟ قالَ :
لا قالَ : فاكْتُبْ لنا منه الصَّحيحَ ، فجَرَّدَ الْمُجْتَنَى (٢).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: هَذا لَمْ يَصِحَّ، بَلِ ((الْمُجْتَنَى)) اخْتيارُ ابنُ السّنِّي.
قالَ الحافِظُ ابنُ طاهِرِ : سَألتُ سَعدَ بنَ عَليٍّ الزَّنْجَانيَّ عن رَجلٍ، فوَثَّقَه فقُلتُ : قد
ضَعَّفَه النَّسَائِيُّ، فقالَ: يا بُنيَّ! إنَّ لأبي عبدِ الرحمَن شَرطاً في الرَّجالِ أشَدُّ من شَرطِ
البُخَارِيِّ ومُسْلِم .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: صَدَقَ ، فإنَّه لَيَّنَ جَماعَةً من رِجالٍ صَحيحَي البُخاريِّ
ومُسْلِم .
قالَ محمَّدُ بنُ الْمُظَفَّرِ الحافِظُ : سَمعتُ مَشايخَنا بِمِصْرَ يَصِفُونَ اجْتَهَادَ النَّسائيِّ في
(١) انظر السير: (حاتمُ الأصَمُّ) ٤٨٤/١١ -٤٨٧، وانظر النزهة: ١/٩٦١.
(٢) كذا الأصْلُ ((الْمُجتَنَّى)) بالنون، وهو في ((جامع الأصول)) الْمُجتَبى بالباء، وكلاهما صحيح.
٦٧٩

العِبَادَة باللَّيلِ والنَّهارِ ، وأنَّ خَرَجَ إلى الفِداءِ مع أميرٍ مِصْرَ فَوُصِفَ من شَهامَتِهِ وإِقَامَتِهِ
السُّنَ الْمَأثورَةَ في فِدَاءِ الْمُسلِمِينَ، واحْتِرازِهِ عن مَجَالِسِ السُّلطَانِ الذي خَرِجَ مَعه ،
والانْبِساطِ فِي الْمَأْكَلِ، وأنَّه لَمْ يَزَلْ ذَلكَ دَأَيُّه إلى أنْ اسْتُشهِدَ بدِمَشْقَ من جِهَة
(١)
الخَوارِجِ(١) .
٣ - صُوَرٌّ على انْبِثائِهم بين النَّاس :
حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يَزيد بنِ جابِرِ ، قالَ: كُنَّا مع رَجاءَ بنِ حَيْوَة فَتَذَاكَرْنا شُكرَ
النِّعَم فقالَ: ما أحَدٌ يَقُومُ بشُكرِ نِعْمَة، وخَلفَنَا رَجلٌ علىْ رَأْسِه ◌ِسَاءٌ ، فقالَ :
ولا أميرُ الْمُؤمنينَ؟ فقُلنَا: وما ذِكْرُ أميرِ الْمُؤمنينَ هنا وإنَّما هو رَجُلٌ من النَّاسِ قالَ
فَغَفَلنا عنه، فالْتَّفتَ رَجاءُ فَلَمْ يَرَه فقالَ : أُتَيْتُم من صَاحِبِ الكِسَاءِ فإِنْ دُعيتُم
فاستُحلِفِتُم فاحْلِفُوا ، قالَ: فما عَلمْنا إلاَّ بحَرَسيٍّ قد أقبَلَ عَليه ، قالَ: هيه يا رَجَاءُ ،
يُذكَرُ أميرُ الْمُؤمنينَ، فلا تَحْتَجُّ له ؟ قالَ: فقُلتُ : وما ذَاكَ يا أميرَ الْمُؤمنينَ ؟ قالَ :
ذَكرٌّتم شُكرَ النِّعَم ، فقُلتُم : ما أحَدٌ يَقُومُ بِشُكرِ نِعْمَةٍ ، قيلَ لَكُم : ولا أميرُ الْمُؤمنينَ ،
فقُلتَ: أميرُ الْمُؤمنينَ رَجُلٌ من النَّاسِ فقُلتُ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ، قالَ: اللهِ ؟ قُلتُ اللهِ
قالَ: فأمَرَ بذَلِكَ الرَّجُلِ السَّاعي، فضُربَ سَبعينَ سَوْطاً فخَرَجتُ وهو مُتَلَوِّثٌ بَدَمِهِ
فقالَ : هَذا وأنْتَ رَجَاءُ بنُ حَيْوَة !! ؟ قُلتُ: سَبعينَ سَوْطاً في ظَهرِكَ خَيرٌ من دَمِ مُؤمنٍ
قالَ ابنُ جابِرٍ : فكانَ رَجاءُ بنُ حَيوَةَ بَعدَ ذَلكَ إذا جَلسَ في مَجلِسٍ يَقُولُ ويَتَلَفَّتُ :
احْذَرُوا صَاحِبَ الكِسَاءِ(٢).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الحَكمِ بنِ هِشامِ بنِ عبدِ الرحمَن الدَّاخِلِ الأمَويّ
الأَنْدَلُسيّ: وكَثُرت العُلماءُ بالأنْدَلُسِ في دَولتِهِ ، حتَّى قيلَ : إِنَّه كانَ بِقُرْطُبَةَ أربعة
آلاف مُتَقلِّس مُتَزَيِّين بزيِّ العُلماءِ ، فلمَّا أرادَ الله فناءَهم ، عَزَّ عليهم انْتِهاكُ الحَكَم
للحُرُماتِ، وائتَمَروا لِيَخْلَعوه، ثم جَيَّشوا لِقِتالِه، وجَرَت بالأَنْدَلُسِ فِتْنَةٌ عَظيمَةٌ على
الإسْلامِ وأهْلِه ، فلا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ ، فَذَكرَ ابنُ مُزين في تاريخِه طَالوتَ بنَ عبدِ الَجِبَّارِ
(١) انظر السير: (النَّسَائيُّ) ١٢٥/١٤-١٣٥، وانظر النزهة: ١/١١٣٨.
(٢) انظر السير: (رَجاءُ بنُ حَيْوَة) ٥٥٧/٤- ٥٦١، وانظر النزهة: ١/٥٥٩.
٦٨٠