Indexed OCR Text

Pages 621-640

وقالَ : إنَّ الشُّلطانَ قد مَنعَ الْمُغَنِّينَ فقالَ: أحْسَنَ والله، فقالَ: فَنَعمَلُ العُرسَ
بِالْمُغَيِّرينَ، وقد دُلِلتُ عَليكَ فقالَ: لنا رَفيقٌ ، فإنْ جاءَ، جئتُ ، وهو ذاكَ ، وأشارَ
إلى هِشامٍ بِنِ عمَّار فقامَ الرجُلُ إليه ، وهو عندَ الْمِحرابِ مُتِكِّىءٌ ، فقالَ الرجلُ لِهِشامٍ :
أبو مَنْ أَنَتَ ، فردَّ عَليه رَداً ضَعيفاً ، فقالَ: أبو الوليد ، فقالَ : يا أبا الوَليد : أنا من
الحُرْجُلَّة ، قالَ : ما أُبالي من أينَ كُنتَ قالَ إِنَّ أخي يَعملُ عُرسَه ، فقالَ : فمَاذا
أصْنَعُ؟ قالَ : قد أرْسَلني أطلُبُ له الْمُخَتَِّينَ قالَ : لا بارَكَ اللهُ فيهم ولا فيكَ قالَ :
وقد طَلبَ الْمُغَبِّرِينَ فَأُرشِدتُ إليكَ قالَ : ومَنْ بَعثَك؟ قالَ: هذا الرجلُ، فَرَفَعَ هِشَامٌ
رِجلَه ورَفسَه، وقالَ: قُمْ، وصَاحَ بابنٍ ذَكْوانَ: أَقَد تَفرَّغتَ لهذا؟ قالَ : إي والله
أنتَ رَئيسُنا، لَوْ مَضَيتَ مَضَينا (١) .
ورَوَىْ يَمُوتُ بنُ الْمُزَرَّعِ، عن الْمُبَرِّد، عن أحمَدَ بنِ الْمُعَذَّل ، قالَ: كُنْتُ عندَ
ابنِ الماحِشُونَ ، فجاءَه بَعضُ جُلسَائِه، فقالَ: يا أبا مَرْوانَ أُعْجُوبَة، خَرجتُ إلى
حائطي بالغابة ، فعَرضَ لي رَجلٌ ، فقالَ : اخْلَعَ ثِيابَك قُلتُ: لِمَ ؟ قالَ : لأنِّي
أخُوكَ ، وأنا عُرْيانٌ قُلتُ فالْمُواسَاةُ ؟ قالَ : قد لَبستها بُرْهَة قُلْتُ فَتُعَريني ؟ قالَ : قد
رَوَيْنا عن مَالِك أنَّه قالَ: لا بأسَ للرجُلِ أنْ يَغْتَسِلَ عُرياناً قُلتُ : تَرَى عَوْرَتِي قالَ : لَوْ
كانَ أحَدٌ يَلقَاكَ هُنا، ما تَعرَّضتُ لك قُلتُ : دَعْني أدْخُلُ حائِطِي، وأبْعَثُ بها إليكَ،
قالَ : كَلاَّ، أَرَدتَ أنْ تُوجِّهَ عَبِيدَكَ، فَأُمْسَكُ قُلتُ : أحْلِفُ لك قالَ: لا تَلزَمُ يَمِينُك
لِلِصِّ فحَلَفتُ له: لأبْعَثنَّ بها طَيَِّةً بها نَفَسِي فَأَطْرَقَ ثم قالَ : تَصَفَّحتُ أمْرَ اللُّصُوصِ
من عَهدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلى وَقتِنا ، فلَمْ أجِدْ لِصَّأَ أخَذَ بنَسِيئَة، فأكْرَهُ أنْ
أَبْتَدعَ ، فخَلَعتُ ثِیابِي لَه(٢) .
وقال محمدُ بنُ مُظفَّر الحافظُ ، حدَّثنا القاسِمُ المُطرِّز، قال : دخلتُ على عبَّاد
بالكُوفَة ، وكان يَمتحِنُ الطَّلبَة ، فقال: مَنْ حَفرَ البَحرَ ؟ قلتُ: اللهُ قال : هو كَذاك ،
ولكن مَنْ حَفْرَه؟ قلتُ يَذْكُرُ الشَّيخُ ، قال حَفرَه عليٌّ، فمَنْ أجْراهُ ؟ قلتُ: اللهُ قال :
(١) انظر السير: (هِشامُ بنُ عَمَّارِ) ١١/ ٤٢٠ -٤٣٥، وانظر النزهة: ٢/٩٥٨.
(٢) انظر السير: (أحمَدُ بنُ الْمُعَذَّل) ٥١٩/١١-٥٢١، وانظر النزهة : ٤/٩٦٤.
٦٢١

هو كَذلك ، ولكن مَنْ أجْراهُ؟ قلتُ: يُفيدني الشَّيخُ قال : أجراهُ الحُسَينُ ، وكان
ضَريراً، فرأيتُ سَيفاً وحَجَفَةً (١) فقلتُ: لمنْ هذا؟ قال: أعْدَدتُه لأقاتل به مع
المَهدي ، فلمَّا فَرغتُ من سَماع ما أردْتُ ، دَخلتُ عليه ، فقال: مَنْ حَفْرَ البَحرَ ؟
قلتُ حفَرَهُ مُعاويةُ رَضيَ اللهُ عنه، وأجْراهُ عَمرو بنُ العاص ، ثم وَثَبتُ وعَدَوْتُ فجعلَ
يَصيحُ : أدْركوا الفاسِقَ عَدوَّ الله، فاقْتُلُوه. إسْنادُه صَحيح ، وما أدري كيف تَسَمَّحوا
في الأخذِ عمَّن هذا حالُه ؟ وإنَّما وَثِقوا بصِدْقِهِ .
قال البُخاريُّ : ماتَ عبَّادُ بنُ يَعقُوب في سنة خمسين ومئتين .
ورأيتُ له جُزءاً من كتاب (( المَناقِب))، جَمِعَ فيها أشياءَ ساقِطَة قد أغْنَى اللهُ أهلَ
البَيتِ عنها، وما أعتقده يَتعمَّدُ الكذبَ أبداً (٢).
وقالَ إسْحاقُ بنُ إبراهيمَ القَزَّاز: كُنَّا عندَ بُنْدار، فقالَ في حَديثٍ عن عائشَةَ :
قالَ : قَالَت رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ له رَجلٌ يَسْخَرُ منه: أُعيذُكَ بالله ،
ما أفْصَحَك !! فقالَ: كُنَّا إذا خَرَجنا من عندِ رَوْحِ دَخَلنا إلى أبي عُبَيْدَة ، فقالَ: قد بانَ
ذلكَ عَليكَ(٣) .
وقالَ عبدُ الله الدَّراِمِيُّ، حذَّثنا يَحْيَى بِنُ حَسَّان، حدَّثنا سُليمانُ بنُ بِلال ، عن
هِشامِ بنِ عُرْوَة، عن أبيه ، عن عائشَةَ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: ((نِعْمَ
الإِدَامُ الْخَلُّ ».
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : هذا حَديثٌ صَحِيحٌ غَريبٌ فرَدٌّ على شَرطِ الشَّيْخين ،
وانْفَردَ مُسلمٌ به ، ورَواهُ أيضاً أبو عيسَى في ((جامِعِه)) كِلاهُما عن أبي محمَّد
الدَّارِميِّ .
وقد كانَ الدَّرامِيُّ يَقصِدُ في رِوايَة هذا الحَديثِ لتَفَرُّده به ، قالَ : فكانَ يَدقُ علي
(١) الحجفة : هي الترس.
(٢) انظر السير: (الرَّواجنيّ) ٥٣٦/١١-٥٣٨، وانظر النزهة: ٣/٩٧٠.
(٣) انظر السير: (بُنْدار) ١٢ / ١٤٤-١٤٩، وانظر النزهة: ٥/٩٨٩.
٦٢٢

البابِ وأنَا بَبَغْدادَ، فأَقُولُ: مَنْ ذا؟ فيُقالُ: يَحْيَىُ بنُ حَسَّان: ((نِعْمَ الإِدَامُ
الْخَلُّ))(١).
وقال الْمُبَرِّدُ: لَمْ يَكِنْ أحَدٌ بعدَ سِيبَوَيه أعْلمَ بالنَّحْوِ من الْمَازِنِيِّ، قالَ : وذَكرَ لنا
الْمَازِيُّ أَنَّ رَجُلاً قَرأ عليه (( كتابَ)) سِيبَوَيه في مُدَّةٍ طَوِيلَة فلمَّا بَلِغَ آخِرَه قالَ: أما إنِّي
ما فَهِمتُ منه حَرْفاً ، وأمَّا أنتَ فجزاكَ اللهُ خَيراً .
وقالَ الْمَازِنِيُّ : قَرأْتُ القُرآنَ علىْ يَعقُوبَ، فلمَّا خَتمتُ رَمَى إليَّ بخَاتَمِه ، وقالَ:
خُذْهُ ، لَيسَ لكَ مِثلٌ(٢) .
وعن الزُّبَير بنِ بَكار ، قالَ : قالت بنتُ أَخْتي لأهلنا : خالي خَيرُ رجلٍ لأَهْلِه ،
لا يَّخذُ ضرَّةً وسريّة، قال : تَقولُ المَرأةُ: والله هذه الكُتبُ أَشَدُّ عليَّ من ثلاثٍ
ضَرائِر(٣) .
وقالَ محمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ الصَّيْرَفيُّ: سَألْتُ الزُّبَيْرِ : مُنْذُ كَمْ زَوجَتُك مَعَك ؟ قالَ :
لا تَسْألني، لَيسَ تَرِدُ القيامَة أكثر كِباشاً منها، ضخَّيتُ عنها سَبعينَ كَبْشاً(٤) .
وقالَ الحاكمُ : حذَّثنا محمَّدُ بنُ صالح بنِ هانىء ، سَمعتُ أحمَدَ بنَ سَلمَة يَقُولُ :
بَكَّرتُ يَوماً على عبدِ الرحمَنِ بنِ بِشْر في تَزَوِجِ أَخْتِ امْرأةٍ مُسْلمٍ بنِ الحَجَّاجِ ، فَرَأيتُه
فِي الْمَسجِدِ ، فقالَ: ما بَكَّرَ بك اليَومَ؟ قُلتُ: عبدُ الواحدِ الصَّفَّارِ سَأَلَني أنْ أجيئَكَ
لِتُزَوِّجَ ابنَتَه فقالَ: ما حَضَرتُ تَزويجاً قَطُّ إذا كانَ فِي وَقتٍ قَولِهِم للخَاطِب : قَبَلتَ
هذا النِّكَاحَ ولَهَا من الْمَهْرِ عَليكَ كَذا وكذا فإذا قالَ : نَعَم ، قُلتُ في نَفَسِي : شَقيتَ
شَقاءً لا تَسعَدُ بعدَه أبداً(٥) .
قال عُثمانُ بنُ خُرَّزاذ : سَمعتُ الشَّاذَكُونِيَّ يقولُ: جاءَني محمَّدُ بنُ مُسْلم فقَعدَ
(١) انظر السير: (الدَّارميُّ) ٢٢٤/١٢ -٢٣٢، وانظر النزهة: ٢/٩٩٧.
(٢) انظر السير: (الْمَازِنيُّ) ٢٧٠/١٢-٢٧٢، وانظر النزهة: ٤/٩٩٧.
انظر السير: ( الزُّبَير بن بكَّار) ٣١١/١٢ -٣١٥، وانظر النزهة: ٢/١٠٠٤.
(٣)
(٤) انظر السير: (الزُّبَيْر بن بكار) ١٢/ ٣١١ -٣١٥، وانظر النزهة: ٣/١٠٠٤.
(٥) انظر السير: (عبدُ الرحمن بنُ بِشْر) ١٢/ ٣٤٠ -٣٤٤، وانظر النزهة: ٦/١٠٠٦.
٦٢٣

يَتَقَعَّرُ(١) فِي كَلامِه، فقلتُ له : مِنْ أيِّ بلدٍ أنتَ ؟ قال : مِنْ أهْلِ الرَّيِّ ، أَلَمْ يأْتِكَ
خَبري؟ أَلَمْ تَسمَعْ بِنَبَي ؟ أنا ذُو الرِّحْلَتين قُلتُ : مَنْ رَوَى عن النَّبِيِّ صلى الله عليه
وسلم: ((إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكمَةً)) فقالَ: حدَّثَني بعضُ أصْحابِنا قلتُ : مَنْ؟ قال :
أبو نُعَيم وقَبَيْصَة قلتُ: يا غُلامُ! اثْتِنِي بالدِّرَّة، فأتاني بها ، فأمَرتُه ، فضَربَه بها
خَمسينَ ، قلتُ: أنتَ تَخرُجُ من عِندي، ما آمَنُ أن تقولَ: حَدَّثني بَعضُ غِلْمانِنا (٢).
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ محمَّدٍ بنِ داوُدَ : قالَ أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ : سَمعتُ
أبا العَبَّاسِ الخُضَريَّ قالَ: كُنتُ جالِساً عندَ أبي بكر محمَّدِ بنِ داوُد، فجاءَته امرأةٌ ،
فقالَت : ما تَقُولُ في رَجُلٍ له زَوجَةٌ ، لا هو يُمسِكُها، ولا هو يُطَلِّقُها ؟ فقالَ
أبو بكر : اخْتَلفَ في ذَلكَ أهْلُ العِلمِ ، فقالَ قائلون: تُؤْمَرُ بالصَّبرِ والاحْتِسابِ ،
وتَبَعَثُ على الطَّلبِ والاكْتِساب وقالَ قائلونَ: يُؤْمَرُ بالإنْفَاقِ، وإلاَّ حُملَ على الطَّلاقِ
فَلَمْ تَفْهَمِ الْمَرأةُ قَولَه، فأعادَت سُؤالَها عَليه، فقالَ: يا هذه أجَبتُك ولَستُ بِسُلطَانٍ
فَأَمْضِي ، ولا قَاضٍ فَأَقْضِي ، ولا زَوْجٍ فَأُرضي فانْصَرِ في(٣) .
وقالَ ابنُ أبي حاتم الرَّازي : وسَمعتُ أبي يَقُولُ: خَرَجنا من الْمَدينَةِ ، من عندِ
دَاوُدَ الجَعْفَرِيِّ، وصِرْنا إلى الجَارِ ورَكِبنا البَحرَ ، فكانَت الرِّيحُ في وُجُوهِنا ، فبقينا في
البَحرِ ثَلاثَةَ أشْهُر، وضاقَت صُدُورُنا، وفَنِيَ ما كانَ مَعَنا، وخَرَجنا إلى البَرِّ نَمْشي
أيّاماً، حتَّى فَنِيَ ما تَبَقَّى مَعَنا من الزَّادِ والْمَاءِ ، فمَشينا يَوماً لَمْ نأْكُلْ ولَمْ نَشْرَبْ ، ويَومُ
الثاني، ويومُ الثالث ، فلمَّا كانَ يَكونُ الْمَساءُ صَلَّينا، وكُنَّا نُلِقِي بأنْفُسِنا حَيثُ كُنَّا ،
فلمَّا أَصْبَحنا في اليَومِ الثَّالثِ ، جعَلنَا نَمشي علىْ قَدرِ طَاقَتِنا، وكُنَّ ثَلاثَةَ أَنْفُس: شَيخٌ
نِيسَابُورٌّ، وأبو زُهَيرِ الْمَرْوَرُوذيُّ، فسَقطَ الشَّيْخُ مَغشِياً عَليه، فجِئْنَا نُحرِّكُه وهو
لا يَعِقِلُ، فَتَركِنَاه، ومَشَينا قَدرَ فَرْسَخ، فضَعُفتُ ، وسَقَطْتُّ مَغْشِيّاً عَليَّ، ومَضَىُ
صَاحِبِي يَمْشِي فَبَصُرَ من بُعدٍ قَوْماً، قَرَّبوا سَفينَتَهم من البَرِّ ، ونَزَلُوا عَلىَ بِئِ مُوسَىْ ،
(١) التقعير : أن يتكلم بأقصى قعر فمه .
(٢) انظر السير: (ابن وارَة) ٢٨/١٣-٣٢، وانظر النزهة: ١/١٠٤٨.
(٣) انظر السير: (محمَّدُ بنُ داوُد) ١٠٩/١٣ -١١٦، وانظر النزهة: ٣/١٠٦١.
٦٢٤

فلمَّا عايَنَهم ، لَوَّحَ بَثَوِهِ إِلَيْهِم، فجَاؤُوهُ مَعَهُم مَاءٌ وإِدَاوَةٌ(١) ، فسَقُوهُ وأخَذُوا بِيَدِهِ ،
فقالَ لهم : الْحَقُوا رَفيقَيْنِ لي، فمَا شَعُرتُ إلَّ برَجُلٍ يَصُبُّ الْمَاءَ على وَجْهي ،
فَفَتَحتُ عَينَيَّ ، فَقُلتُ : اسْقِنِي، فصَبَّ من الْمَاءِ في مَشرَبَة قَليلاً ، فشَرِبتُ ، وَرَجَعَتْ
إليَّ نَفْسِي، ثم سَقاني قَليلاً، وأخَذَ بيَدي ، فَقُلتُ: وَرائي شَيخٌ مُلْقَى، فَذَهبَ
جَماعَةٌ إليه، وأخَذَ بيَدي ، وأنا أمْشي وأجُرُّ رِجلِي، حتَّى إذا بَلِغْتُ إلى عندِ
سَفيَتِهِم ، وأتَوا بالشَّيْخِ، وأحْسَنُوا إِلَيْنَا، فَبَقِينَا أتَاماً حتَّى رَجَعَتْ إلَينا أنْفُسُنا، ثم
كَتَبُوا لَنَا كِتاباً إِلى مَدينَةٍ يُقالُ لها : رَايَة(٢) إلىُ وَالِيهِم، وزَوَّدونا من الكَعْكِ والسَّويقِ
والْمَاءِ فَلَمْ نَزَلْ نَمْشِي حَتَّى نَفَذَ ما كانَ مَعنا من الْمَاءِ والقُوتِ ، فجعلنا نَمشي جِياعاً
على شَطِّ البَحْرِ ، حتَّى دَفَعَنا إلى سُلَحْفَاةٍ مثلُ الُّرْسِ، فَعَمَدنا إلى حَجَرٍ كَبِيرٍ ، فَضَرَبْنا
علىْ ظَهْرِها ، فانْفَلقَ ، فإذا فيها مثلُ صُفْرَةِ البَيْضِ ، فَتَحسَّيْنَاهُ حتَّى سَكنَ عَنَّ الجُوعُ ،
ثم وَصَلْنا إلى مَدينَةِ الرَّايَةِ، وأَوْصَلْنا الكتابَ إلى عامِلِها ، فَأَنْزَلَنا في دارِهِ ، فكانَ يُقدِّمُ
لَنَا كُلَّ يَومِ القَرْعَ، ويَقُولُ لِخَادِمِه: هاتِ لَهم اليَقْطِينَ الْمُبارَك، فيُقَدِّمُه مع الخُبزِ
أيّاماً، فقالَ واحدٌ منَّا: ألا تَدعُو باللَّخْمِ الْمَشؤُومِ ؟! فَسَمعَ صاحِبُ الدَّارِ، وأتَانا بعدَ
ذَلَكَ باللَّحمِ ثم زَوَّدَنا إلى مِصْرَ (٣).
وقالَ ابنُ عَبدُوسَ الطَّرائفيُّ: لَمَّا أَرَدتُ الخُروجَ إلى عُثْمانَ بنِ سَعيد - يَعني إلىّ
هَاةَ - أَتَيْتُ ابنَ خُزَيْمَة، فَسَألْتُه أنْ يَكُتُبَ لي إِلَيه، فَكَتبَ إلَيه، فدَخلتُ هَرَاةَ فِي رَبِيعِ
الأوَّل، سَنةَ ثَمانِينَ ومئتَين، فأوْصَلْتُه الكتَابَ، فقَرأَه، ورَخَّبَ بي ، وسَألَ عن ابنِ
خُزَيْمَة ، ثم قالَ : يا فَتَى! متَى قَدِمتَ ؟ قُلْتُ : غَداً قالَ: يا بنَيَّ! فَارْجِعْ اليَومَ ، فإنَّك
لَمْ تَقَدُمْ بَعدُ ، حتَّى تَقَدَمَ غَداً (٤).
وقيلَ : جاءَه رجلٌ ، فقالَ : قد عَشِقتُ جاريَةً ، وثَمنُها خَمسونَ ديناراً ، وما مَعي
إلَّ ثلاثون فوَهَبَه مئةَ دينار ، فسَمعَ به آخَرُ ، فجاءَه وقال : إنِّي عاشقٌ قال : فما تَجِدُ ؟
الإداوَة: الْمِطَهَرَة، وهي إناءٌ صَغيرٌ يُحمَلُ فِيهِ الْمَاءُ .
.(١)
(٢) رايَة: مَحِلَّة عَظيمَةٌ بفُسْطَاطٍ مِصْرَ وهي المحلة التي في وَسَطِها جامِعُ عَمْرو بنِ العَاص .
(٣) انظر السير: (أبو حاتم الرَّازي) ٢٤٧/١٣ -٢٦٣، وانظر النزهة: ١/١٠٧٦.
(٤) انظر السير: (الدَّارميُّ) ٣١٩/١٣-٣٢٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٩١.
٦٢٥

قال : لَهِيباً قال : اغْمِسُوهُ في الماء ، فَغَمَسوهُ مَرَّات، وهو يَصيحُ : ذَهبَ العِشْقُ
فِضَحِكَ ، وأمَرَ له بِثَلاثينَ ديناراً .
ثم إِنَّه تَسَوْدَنَ، وقَتلَ إِخْوَتَه، ثم عُوفِيَ ، وتابَ ، وتَصدَّق .
ثم ظَهرَ عليه الشِّيعيُّ داعي عُبَيَدِ الله المَهْدي ، وحارَبه ، وجَرَتْ أمُورٌ طويلة ،
بَعضُها في (( تاريخ الإسلام)»(١) .
وقيلَ : إنَّ القاسِمَ بنَ عُبَيَد الله الوَزيرَ كانَ يَخافُ من هُجُومِ ابنِ الرُّومِيِّ، فدَسَّ
عَليه مَنْ أَطْعَمَه خُشْكُنانَةً(٢) مَسمُومَة، فَأَحَسَّ بالسُّمِّ، فوَتبَ ، فقالَ الوَزِيرُ : إلى
أين ؟ قالَ : إلى مَوضِعِ بَعثتَني إليه قالَ: سَلُّم على أبي، قال: ما طَريقي إلى النَّار
فَبَقَيَ أيّاماً وماتَ(٣) .
قال الصُّوليُّ : كنتُ أقرأُ على أبي خَليفة كتابَ: ((طَبَقات الشُّعَراء)) وغيرَ ذلك ،
قال : فوَاعَدَنا يوماً وقال : لا تُخْلِفوني فإنِّي أَنَّخِذُ لكم خَبيصةً فتأخّرْتُ لشُغلٍ عَرضَ
لي ، ثم جئتُ والهاشِمِيُّون عندَه ، فلمْ يَعرفْني الغُلامُ، وحَجَبَتِي ، فكتبتُ إليه :
وتؤثرُ الغُرَّ مِن أولادٍ عباسٍ
أبا خليفةَ تجفو مَنْ لهُ أدبٌ
وفي العلومِ وما الأذنابُ كالراسِ
وأنتَ رأسُ الورى في كلِّ مَكرُّمةٍ
فيه فيختلطُ الأشرافُ بالناسِ
ما كانَ قدرُ خبيص لو أذِنتَ لنا
فلمَّا قَرأها صاحَ على الغُلام ، ثم دخلتُ ، فقالَ : أَسَأْتَ إلينا بتَغَيِّيكَ ، فظلَمْتَنا في
تَعَثُّبك، وإنَّما عُقدَ المجلسُ بك، ونَحنُ فيما فاتَنا بتأخيرك كما أنْشَدني التوزيُّ لِمَنْ
طلَّقَ امرأتَه ثم نَدِمَ فَتَزَوَّجَت رجلاً ، فماتَ حين دَخَلَ بها ، فَتَزَوَّجَها الأولُ فقال :
على خير أحوال كأنْ لم تُطلَّقِ
فعادتْ لنا كالشمسِ بعد ظلامها
(١) انظر السير: (ابن الأغْلَب) ٤٨٧/١٣-٤٨٩، وانظر النزهة: ١/١١١١.
(٢) في الوَفيات: ((خُشْكُنانجَة))، والخُشْكُنان: خُبزَةٌ تُصنَع من خالص دقيق الحِنطَة وُتملأ بالشُّكر واللَّوز
أو الفُستُق وتُغلَى ( فارسي ) .
(٣) انظر السير: (ابنُ الرُّوميّ) ٤٩٥/١٣ -٤٩٦، وانظر النزهة: ٥/١١١١.
٦٢٦

ثم صَاحَ : يا غُلام! أعدَّ لنا مثلَ طَعامِنا، فأَقَمْنا عندَه يومَنا(١).
وقالَ خَلفُ بنُ محمَّد الخَيَّامِ : حدَّثنا سَهلُ بنُ شَاذوَيه : أنَّه سَمِعَ الأميرَ خالدَ بنَ
أحمدَ يَسألُ أبا عَليٍّ صالحَ بنَ محمَّد الأسَدِيَّ: لِمَ لُقُبتَ جَزَرَة ؟ قالَ : قَدمَ عَلينا
عُمَرُ بنُ زُرارَة ، فحدَّثهم بحَديثٍ عن عبدِ اللهِ بنِ بُسر : أنَّه كانَ له خَرَزَة للمَرِيضِ ،
فجِئتُ وقد تَقَدَّمَ هذا الحَديثُ ، فَرَأيتُ في كتابٍ بَعضِهم وصِحْتُ بِالشَّيْخِ : يا أبا
حَفْص! يا أبا حَفْص! كَيفَ حَديثُ عبدِ اللهِ بنِ بُسر : أنَّه كانَت له جَزَرَةٌ يُداوي بها
الْمَرْضَى ، فصاحَ الْمُحدِّثونَ الْمُجَّان ، فبقيَ عليَّ حتَّى السَّاعَة .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: قد كانَ صالحٌ صاحِبَ دُعابَة ، ولا يَغْضَبُ إذا وَاجَهَهُ
أَحَدٌ بَهَذا اللَّقَب(٢).
وقالَ بَكرُ بنُ محمَّد الصَّيْرَفيُّ: سَمعتُ صالحَ بنَ محمَّد قالَ : كُنتُ أُسايرُ الجَملَ
الشَّاعِرَ بِمِصْرَ، فاسْتَقْبَلَنَا جَمَلٌ عَليه جَزْرٌ ، فقالَ : ما هذا يا أبا عَليّ ؟ قُلتُ : أنا
عَليكَ(٣) .
وقالَ ابنُ أبي حاتم : سَمعتُ أبي يَقُولُ لأبي زُرْعَة: حَفظَ اللهُ أخانا صالحَ بنَ
مُحمَّد ، لا يَزالُ يُضْحِكنا شاهِداً وغائباً ، كَتبَ إليَّ يَذْكُرُ أنَّه مَاتَ محمَّدُ بنُ یَحَْی
الذُّهْلِيُّ، وجَلسَ للَّحديثِ شَيخٌ يُعرَفُ بمحمَّد بنِ يَزيد محمش فحدَّث أنَّ النَّبِيَّ
صلى الله عليه وسلم قالَ (( يَا أبَا عُمَيْرِ، مَا فَعَلَ الْبَعِيرُ؟))(٤).
وأن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((لا تَصْحَبُ الْمَلائِكَةُ رِفْقَةً فيها خُرْس))(٥)
فأَحْسَنَ اللهُ عَزَاءَكم في الْمَاضي ، وأعْظَمَ أجْرَكُم في الباقي(٦).
(١) انظر السير: (أبو خَليفَة) ٧/١٤ -١١، وانظر النزهة: ٢/١١٢٢.
(٢) انظر السير: (صالحُ بنُ محمَّد) ٢٣/١٤ -٣٣، وانظر النزهة : ٢/١١٢٣.
(٣) انظر السير: (صالحُ بنُ محمَّد) ٢٣/١٤ -٣٣، وانظر النزهة: ٣/١١٢٣.
(٤) انظر السير: (صالحُ بنُ محمَّد) ٢٣/١٤ -٣٣، وانظر النزهة: ٢/١١٢٤.
(٥) هذه اللفظة محرَّفة عن ((جَرَس)) وهو ما يُعلَّقُ في رَقبَةِ الدَّوابُّ.
(٦) انظر السير: (صالحُ بنُ محمَّد) ٢٣/١٤-٣٣، وانظر النزهة : ٣/١١٢٤.
٦٢٧

ورُويَ عن صالِحِ بنِ محمَّد قالَ : الأحْوَلُ في البَيتِ مُبَارَكٌ، يَرَى الشَّيءَ
شَيئَين(١) .
وقالَ بَكرُ بنُ محمَّد الصَّيرَفي : سَمعتُ صالح بنَ محمَّد يَقُولُ : كانَ عبدُ الله بنُ
عُمَرَ بنَ أبَان يَمتحِنُ أصْحابَ الحَديثِ ، وكانَ غالياً في التَّشُّعِ، فقالَ لي : مَنْ حَفرَ بِئِرَ
زَمْزَمِ ؟ قُلتُ : مُعاويَةُ ، قالَ: فَمَنْ نَقَلَ تُرابَها؟ قُلتُ: عَمرُو بنُ العَاص ، فصَاحِ فِيَّ
وقامَ(٢) .
وقالَ أبو النَّضْرِ الفَقيهُ: كُنَّا نَسمَعُ من صالِحِ بنِ مُحمَّد وهو عَليلٌ فَبَدَتْ عَورَتُه ،
فَأَشَارَ إليه بَعضُنا بأنْ يَتَغَطَّى، فقالَ: رَأيتَه؟ لا تُرمَدُ أَبَداً(٣).
وقالَ بَكرُ بنُ محمَّد الصَّيرَفي : سَمعتُ أبا عَليٍّ صالِحَ بنَ مُحمَّد قالَ : دَخلتُ مِصْرَ
فإذا حَلقَةٌ ضَخمَةٌ ، فقُلتُ : مَنْ هذا؟ قالُوا : صاحِبُ نَحْو فقَربتُ منه ، فسَمعتُه
يَقُولُ : ما كانَ بصادٍ ، جازَ بالسِّينِ فدَخَلتُ بينَ النَّاسِ وقُلتُ : صَلامٌ عَلِيكُم يا أبَا
سَالِحِ ، سَلَيْتُم بَعدُ؟ فقالَ لي: يا رَقِيعُ! أيُّ كَلام هذا؟ قُلتُ : هذا من قَولِكَ الآنَ،
قالَ : أَظُنُكَ من عَيَّاري بَغْدادَ قُلتُ : هو ما تَرَى(٤).
ويُحكَى عن ابنِ الجَصَّاصِ بَلَهٌ وَتَغْفيلٌ، مَرَّ به صَديقٌ فقالَ له : كَيفَ أنتَ ؟ فقالَ
ابنُ الجَصَّاص: الدُّنيا كُلُّها مَحْمُومَة ، وكانَ قد حُمَّ(٥) .
ونَظَرَ مَرَّةً فِي الْمِرَآَةِ فقالَ لِصَاحِبِه : تَرَى لِحْيَتِي طَالَت؟ فقالَ : الْمِرآةُ فِي يَدِك قالَ
الشَّاهِدُ يَرَى ما لا يَرَى الغَائبُ(٦) .
ودَخلَ يَوماً عَلى الوَزيرِ ابنِ الفُرات فقالَ : عندَنا كِلابٌ يَحْرِمونَنَا نَنَام فقالَ الوَزِيرُ :
(١) انظر السير: (صالحُ بنُ محمَّد) ٢٣/١٤ -٣٣، وانظر النزهة : ٤/١١٢٤ .
(٢) انظر السير: (صالحُ بنُ محمَّد) ٢٣/١٤ -٣٣، وانظر النزهة : ٥/١١٢٤.
(٣) انظر السير: (صالحُ بنُ محمَّد) ٢٣/١٤ -٣٣، وانظر النزهة : ٦/١١٢٤.
انظر السير: (صالحُ بنُ محمَّد) ٢٣/١٤ -٣٣، وانظر النزهة : ٨/١١٢٤.
(٤)
انظر السير : ( ابنُ الجَصَّاص) ٤٦٩/١٤-٤٧٣، وانظر النزهة : ٤/١١٦٥.
(٥)
(٦) انظر السير: (ابنُ الجَصَّاص) ٤٦٩/١٤-٤٧٣، وانظر النزهة: ٥/١١٦٥.
٦٢٨

لَعَلَّهم جِراء؟ قالَ : بَلْ كُلُّ واحِدٍ فِي قَدِّي وَقَدِّك(١) .
ودَعَا ابنُ الجَصَّاصِ فقالَ: حَسْبيَ اللهُ وأنْبياؤُه ومَلائِكَتُه، اللَّهُمَّ، أعد من بَرَكَة
دعائنا على أهْلِ القُصُورِ في قُصُورِهم ، وعلىُ أهْلِ الكَنائسِ في كَنائسِهم(٢) .
وفَرغَ من الأكلِ فقالَ: الحَمدُ لله الذي لا يُحلَفُ بأعظَمَ منه(٣).
وكانَ مع الخاقاني في مَركب وبيَدِه كرة كافُور ، فبَصقَ في وَجْهِ الوَزير وألْقَى
الكافُورَة في دِجَلَة ، ثم أفاقَ واعْتَذْرَ ، وقالَ : إنَّما أرَدتُ أنْ أبصُق في وَجهِك وأُلْقِيَها
فِي الْمَاء فغَلطتُ فقالَ : كانَ كَذلكَ يا جاهِلُ (٤) .
وقالَ التَّنُوخِيُّ : اجْتَمعتُ بأبِي عَليٍّ - وَلِدِ ابنِ الجَصَّاص - فسَألتُه عمَّا يُحْكَى عن
أبيه من أنَّ الإمامَ قَرأ: ﴿ وَلَ الضَّالِّينَ﴾ فقالَ: ((إِي لَعَمري)) بدلاً من (( آمين))(٥).
وأنَّه أرادَ أنْ يُقْبِّلَ رَأْسَ الوَزيرِ ، فقالَ: إنَّ فيه دُهْناً فقالَ : أُقَبِّلُهُ ولَوْ كانَ فيه خرا ،
فقالَ : ما كانَت فيه سَلامَةٌ (٦) تُخرِجُه إلى هذا، وكانَ من أدْهَى النَّاسِ ، ولكنْ كانَ
يَفْعَلُ بحضْرَة الوَزِيرِ ، وكانَ يُحِبُّ أنْ يُصَوِّرَ نَفَسَه بَبَلَهٍ لِيَأْمَنَه الوُزَراءُ لكَثْرَةِ خَلوَتِه
بالخُلَفَاءِ(٧).
وقالَ أبو الفَتْحِ يُوسُفُ القَوَّاس : سَمعتُ أبا بكر النِّيسابُوريَّ يَقُولُ: تَعرِفُ مَنْ أَقَامَ
أَرْبَعِينَ سَنةً لَمْ يَنَمِ اللَّيلَ ، ويَتَقْوَّتُ كُلَّ يَومٍ بِخَمسٍ حبَّاتٍ ، ويُصلِّي صَلاةَ الغَداةِ على
طَهَارَةِ عِشَاءِ الآخِرَة ؟ ثم قالَ: أنا هُوَ، وَهذا كلُّه قبلَ أنْ أعْرِفَ أُمَّ عبدِ الرحمَن ،
أيشٍ أَقُولُ لِمَنْ زَوَّجَني ؟ ثم قالَ : ما أرادَ إلَّ الخَيرَ .
(١) انظر السير: (ابنُّ الجَصَّاص) ٤٦٩/١٤-٤٧٣، وانظر النزهة: ٦/١١٦٥.
انظر السير : ( ابنُ الجَصَّاص) ٤٦٩/١٤ -٤٧٣، وانظر النزهة: ١/١١٦٦.
(٢)
(٣)
انظر السير: ( ابنُّ الجَصَّاص) ١٤/ ٤٦٩-٤٧٣، وانظر النزهة : ٢/١١٦٦.
انظر السير: ( ابنُّ الجَصَّاص) ٤٦٩/١٤ -٤٧٣، وانظر النزهة : ٣/١١٦٦.
(٤)
(٥) انظر السير: (ابنُ الجَصَّاص) ٤٦٩/١٤-٤٧٣، وانظر النزهة: ٥/١١٦٦.
(٦)
أي : غَفلة .
(٧) انظر السير: (ابنُ الجَصَّاص) ٤٦٩/١٤-٤٧٣، وانظر النزهة: ٦/١١٦٦.
٦٢٩

قالَ الإمامُ الذهَبيُّ: قد كانَ أبو بَكر من الحُفَّاظ الْمُجوِّدين(١).
وكان محمَّدُ بنُ زَيْدِ الوَاسِطِيُّ المُتَكلِّمُ يُؤذِي نِفْطَوَيْه ، وهَجاهُ ، فقالَ :
فليجتنبْ مِنْ أن يرىْ نِفْطَوَيْهْ
من سرَّهُ ألا يرى فاسقاً
وصير الباقي صراخاً عليه
أحرقَه اللهُ بنصفِ اسمهِ
وقال أيضاً : مَنْ أرادَ أنْ يَتَناهَىْ في الجَهْل ، فليَعْرِفِ الكَلامَ على مَذْهَبٍ
النَّاشِىء(٢)، والفِقْهَ على مَذْهَبِ دَاوُدَ، والنَّحْوَ علىْ مَذْهَب سِيبَوَيْه ثم يقولُ: وقد
جَمَعَ هذه المَذاهِبَ نِفْطَوَيْه، فإليه المُنْتَهَى(٣).
وقالَ ابنُ زُوْلاق: وحدَّثني عليُّ بنُ حَسَن ، قالَ : سَمعتُ ابنَ الحَدَّاد يَقُولُ :
كُنتُ في مَجلِسٍ ابنِ الإِخْشِيذِ ، يَعني : مَلكَ مِصْرَ ، فلمَّا قُمنا أمْسَكَنِي وَحْدي ،
فقالَ : أَيُما أفْضَلُ أبو بَكر ، وعُمَر ، أو عَليّ ؟ فَقُلتُ: اثنَينِ حِذاءَ واحِد، قالَ :
فأُّما أفْضَلُ أبو بَكر، أو عَليٌّ ؟ قُلتُ: إنْ كانَ عندَك فعَلَيٌّ، وإنْ كانَ بَرّا (٤)
فأبو بكر ، فضَحكَ(٥).
وقالَ أبو عبدِ الله الحاكِم : حَضَرتُ أبا العَبَّاس الأصَمَّ يَوماً في مَسجِدِهِ ، فخَرجَ
لِيُؤْذِّنَ لِصَلاةِ العَصْرِ، فَوَقَفَ مَوضِعَ الْمِئْذَنَةَ، ثم قالَ بصوتٍ عالٍ: أخْبَرَنا الرَّبِيعُ بنُ
سُليْمانَ، أَخْبَرنا الشَّافِعِيُّ، ثم ضَحِكَ، وضَحِكَ النَّاسُ، ثم أَذَّن(٦).
وقالَ ابنُ مَندَه: وبَلغَني أنَّ الطَّبَرانيَّ كانَ حَسَنَ الْمُشاهَدَة طَيِّبَ الْمُحاضَرَة، قَرأَ
(١) انظر السير: (ابنُ زِياد النُّسابوريُّ) ٦٥/١٥-٦٦، وانظر النزهة: ٣/١١٨١.
(٢) هو عبد الله بن محمد، أبو العبّاس، المعروف بابن شرشير الناشىء، شاعرٌ متكلُّمٌ يُعَدُّ في طبقة ابن
الرُّومي والبُخْتري ، أصله من الأنبار ، وأقام ببغداد مدة طويلة ، وخرج إلى مصر فسكنها ، وتُوفِّيَ بها
سنة ٢٩٣ هـ .
(٣) انظر السير: (نفطوَيْه) ٧٥/١٥ -٧٧، وانظر النزهة: ٣/١١٨٢.
(٤) بَرّا: كلمة مولدة بمعنىُ عَلانية، ومنه: (( مَنْ أَصْلحَ جوانيه أصْلحَ الله برّانيه)) أي: مَنْ أَصْلِحَ سَریرته
أصلح الله علانيته .
(٥) انظر السير: (ابنُ الحَدَّاد) ٤٤٥/١٥-٤٥١، وانظر النزهة: ٢/١٢٤٧.
(٦) انظر السير: (الأصَمُّ) ١٥/ ٤٥٢-٤٦٠، وانظر النزهة: ١/١٢٤٩.
٦٣٠

عَليه يَوماً أبو طاهِرِ بنُ لُوقا حَديثَ : كانَ يَغْسِلُ جِمارَه(١) فصَخَّفَه ، وقالَ : خِصيَّ
حِمَارِه، فقالَ: ما أرادَ بذلكَ يا أبا طاهِر قالَ: التَّواضُعِ، وكانَ هُذا كالْمُغفَّل ، قالَ
له الطَّبَرانيُّ يَوماً : أنتَ وَلَدي ، قالَ: وإيّاكَ يا أبا القاسِم، يَعني وأنتَ(٢).
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ صاحِبِ الأغاني، أبي الفَرَجِ الأَصْبَهانيِّ: ولَه
حِكَايَةٌ مع الجُهَنيِّ الْمُحَتَسِب : كانَ يُجازِفُ، فقالَ مرَّة : بالبَلِدِ الفُلاني نَعْنَعٌ يَطُولُ
حتَّى يُعمَل منه سَلالم فبَدرَ أبو الفَرَج وقالَ : عَجائبُ الدُّنيا ألْوان ، والقُدرَةُ صالِحةٌ ،
فِعِندَنا ما هو أعْجَبُ من هذا، زَوجُ حَمَامِ ، يَبيضُ بَيَضَتَيْن ، فنَأْخُذهُما ، ونَضَعُ
بَدَلَهُما سِنْجَتِينٍ (٣) نُحاساً، فَتَفْقِسُ عنَ طَسْتٍ ومسينَه، فَتَضَاحَكُوا وخَجِلَ
الجُهَنيُّ(٤) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ قِرْواش بنِ مُقَلَّد: وكان أديباً شاعراً، جَواداً
مُمَدَّحاً ، نهَاباً وَهَّاباً، فيه جاهليّة وطَبعُ الأعْرابِ ، يُقالُ إنَّه جَمعَ بين أُختَين ،
فلامُوهُ، فقالَ : حَدِّثوني ما الذي نَعمَلُ بالشَّرع حتَّى تَذْكُرُوا هذا؟ وقالَ مَرَّة ما في
عُنُفِي غَيرُ دمٍ خَمسَةٍ سِتٍ من العَرَب، فأمَّا الحاضِرَةُ، فمَا يَعبأ الله بهم(٥) .
وقيلَ : إِنَّ أبا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيّ دَفعَ خُفّاً له إلى مَنْ يُصلِحُه ، فمَطَلَه وبَقِيَ كُلَّما جاءَ،
نَفَعَه فِي الْمَاءِ ، وقالَ : الآنَ أُصْلِحُه، فلمَّا طَالَ ذلك عَليه قالَ: إنَّما دَفَعتُه إليكَ
لِتُصلِّحَه لا لِتُعلِّمَهِ السِّبَاحَةِ(٦).
وقال خَطيبُ الْمَوْصِلِ أبو الْمُفَضَّل: حدَّثني أبي قالَ : تَوجَّهتُ من الْمَوْصِلِ سَنةً
(١) في ((مُصنَّفَ ابنِ أبِي شَيْبَة)) (٢٧/٤): حدَّثنا وَكيعٌ عن زَمعَة عن ابنِ طاؤُوسَ ، عن أبيه أنه كان
يَغْسِلُ حصى الجمار .
(٢) انظر السير: (الطَّبَرانيُّ) ١١٩/١٦ - ١٣٠، وانظر النزهة: ٣/١٢٧٢.
(٣) ما يُوزَنُ به .
انظر السير: ( صاحِبُ الأغاني) ٢٠١/١٦ -٢٠٣، وانظر النزهة: ٢/١٢٨٧.
(٤)
(٥)
انظر السير: (قِروَاش) ٦٣٣/١٧ - ٦٣٤، وانظر النزهة: ٢/١٣٧٠.
(٦) انظر السير: ( أبو الطَّيِّب الطَّبَريّ) ٦٦٨/١٧ -٦٧١، وانظر النزهة: ٢/١٣٧٣.
٦٣١

تِسْعٍ وخَمْسينَ وأربع مئة إلى أبي إسحاقَ الشِّيرازي فلمَّا حَضرتُ عندَه رَخَّبَ بي ،
وقالُ : مِنْ أين أنْتَ؟ فقُلتُ : من الْمَوْصِلِ قالَ : مَرْحباً أنتَ بَلِدِييَّ ، قُلتُ :
يا سيدنا! أنتَ مِنْ فَيْرُوزَاباد قالَ: أَمَا جَمعَتنا سَفينَةُ نُوحٍ؟ فشاهَدتُ من حُسْنِ أخْلاقِهِ
ولَطافَتِهِ وزُهدِه ما حَبَّبَ إليَّ لُزُومَه فصَحبتُه إلى أنْ ماتَ .
تُوفِّيَ سنة ستٍّ وسَبعين وأربع مئة ببغداد ، وأُحضِرَ إلى دارِ أمير المؤمنينَ الْمُقْتَدي
بالله فصلَّى عليه(١) .
وقالَ الحافِظُ محمَّدُ بنُ طاهِر : سَمعتُ أبا إسْحاقَ الحَبَّالَ يَقُولُ : كُنَّا يَوماً نَقْرأ
على شَيخِ ، فَقَرأنا قَولَه عليه السلام: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَّاتٌ)) وكانَ في الجَماعَة رَجُلٌ
يَبيعُ القَتَّ - وهو عَلِفُ الدَّوابِّ - فقامَ وبَكَى، وقالَ : أَتُوبُ إلى الله فقيل له : لَيسَ هو
ذَاكَ، لكنَّ النََّّامُ الذي يَنقُلُ الحَديثَ من قَومِ إلى قَومِ يُؤذيهم قالَ : فسَكنَ وطابَت
نَفَسُه(٢) .
وقيلَ : دخلَ الغَزاليُّ إليه ، وجلسَ بينَ يَديه ، فقال : من أين أنتَ ؟ قال : من
المدرسة ببغداد قال الغَزاليُّ : لو قُلتُ : إنِّي من طوس لذكَر تَغْفيلَ أهلِ طوس ، ومن
أنَّهم سألوا المأمونَ ، وتَوسَّلوا إليه بقبرِ أبيه عندهم ، وطلبوا أن يُحوِّلَ الكعبَةَ إلى
بلدِهم ، وأنَّه جاء عن بعضِهم أنَّه سُئلَ عن نَجْمِهِ ، فقال : بالتَّيْسِ ، فِقِيلَ له ، فقال :
كان من سنتينٍ بالجَديِ ، والساعةَ قد كَبِرَ .
وقال ابنُ ناصر : مات سنةَ ثمانٍ وثمانين وأربع مئة(٣).
وقالَ أحمَدُ بنُ ثابِت الطَّرْقِيُّ : سَمعتُ جَماعَةً أنَّ عبدَ الوَهَّابِ الفَامِيَّ أَمْلَى عَليهم
بَبَغْدَادَ: ((صَلاةٌ فِي أَثَرِ صَلاةٍ كِتَابٌ في عِلِِّين)) فصَخَفَها ((كنَارِ فِي غَلَس)) فكلَّمُوهُ ،
فقالَ : النَّارُ في الغَلَس تَكونُ أضْوَأْ .
(١) انظر السير: (أبو إسحاق الشيرازي) ٤٥٢/١٨-٤٦٤، وانظر النزهة: ١/١٤٣١.
(٢) انظر السير: (الحَبَّال) ٤٩٥/١٨-٥٠٣، وانظر النزهة: ١/١٤٣٦.
(٣) انظر السير: (أبو يوسف القزوينيّ) ٦١٦/١٨-٦٢٠، وانظر النزهة: ٢/١٤٤٩.
٦٣٢

قالَ الطَّرْقِيُّ: وسَألَه صَديقٌ لي: هَلْ سَمعتَ ((جَامِعَ أبي عِيَسى))؟ فقالَ:
ما الجَامِعُ؟ ومَنْ أبو عيسَى؟ ثم سَمعتُه بَعدُ يَعُدُّه في مَسْمُوعاتِهِ(١) .
ولَمَّا أَرَادَ أنْ يمُليَ بجامع القَصرِ ، قُلتُ له: لَوْ اسْتَعِنْتَ بحَافِظٍ ؟ فقالَ: إنَّما يَفْعَلُ
ذا مَنْ قَلَّتْ مَعرفَتُّه ، وأنا فحِفَظي يُغْنيني، فامْتُحنتُ بالاسْتِملاءِ عَليه ، فرأيتُه يُسقِطُ من
الإسْنادِ رَجُلاً، ويزيدُ رَجُلاً، ويَجعَلُ الرجُلَ اثنَيَن، فَرَأيتُ فَضِيحَةً ، فِمِنْ ذلكَ :
الحَسَنُ بنُ سُفْيَانَ ، حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زريع، فأمْسَكَ الجَماعَةُ، ونَظَرَ إليَّ وَتَكَلَّمُوا ،
فقُلتُ : قد سَقطَ إمَّا محمَّدُ بنُ مِنْهَال، أو أُمَيَّةُ بنُ بسْطَامِ، فقالَ : اكْتُبُوا كَمَا في
أصْلِي وجاءَ : أخبرنا سَهلُ بنُ بَحر ، أنا سَألتُه، فصَخَّفَها، فقالَ : أنا سالِبُه ،
وقالَ : سَعيدُ بنُ عَمْروِ الأَشْعَتِيُّ، فقالَ: والأشْعَنْيُّ، جَعلَ وَاو ((عَمرو)) للعَطْف،
فرَدَدْتُهُ ، فأبى ، فقُلتُ: فمَنْ الأَشْعَنِيُّ؟ قال: فُضُولٌ منكَ، وجاءَ وَرْقاءُ بنُ قَيس بنِ
الرَّبيع، فقُلتُ: هو ((عَنْ)) بدَلَ ((ابنْ)) وقالَ في حَديثِ حُمَيْلِ بنِ بَصْرَةَ : لَقِيتُ أبا
هُرَيْرَة وهُوَ يَجيءُ من الطُّورِ، فقَالَ: ((الطَّوْدِ)) وفَسَّرَ مرَّة ((الخِشفَ)) (٢)، فقالَ:
طَائِرٌ، وقالَ في: ﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا﴾(٣) انتَصَبَ على الحَالِ (٤).
وقالَ أبو سَعْد بنُ أبي عمامة : كُنتُ لَيلةً جالِساً في بيتي ، وقد نامَ النَّاسُ ، فدُقَّ
البابُ، فإذا بفَرَّاشٍ وخادِمِ مَعَه شَمعَةٌ ، فقالَ : بِسْمِ الله فأُدخِلتُ على الْمُسْتَظِهِرِ ،
وعَليه أثَرُ غَمِّ ، فأخَذتُ في الحِكَاياتِ والْمَواعِظِ وتَصغيرِ الدُّنيا وهو لا يَتغيّرُ، وأخَذْتُ
في حِكايات الكِرامِ وغَيرِ ذلكَ ، فقُلتُ : هذا لا يَنامُ، ولا يَدَعُنِي أَنَامُ ، فُقلتُ :
يا أميرَ الْمُؤمنينَ، لَي مَسألَةٌ قالَ : قُلْ قُلتُ : ولا تَكْتُمني؟ قالَ : لا ، قُلْتُ : بالله
حَلَّ عَليكَ نقدةٌ للبائع، أو انْكَسَر زَوْرَقُك ، أو وَقَعوا علىْ قَافِلَةٍ لَكَ ، وضَاقَ وَقْتُك ؟
عندي طَبَقُ خِلافٍ أنا أُقْرِضُه لَك، وتَبَقَى بارِزياً في الدُّروبِ وما يُخلي اللهُ من رِزْقٍ ،
انظر السير: ( الفَامِيُّ) ٢٤٨/١٩ -٢٥٢، وانظر النزهة : ١/١٤٧٤.
(١)
(٢)
الخشف : هو الظبي أوَّلَ ما يُولَد .
(٣)
سورة الكهف ، الآية : ١١٠ .
انظر السير: ( الفَامِيُّ) ٢٤٨/١٩ -٢٥٢، وانظر النزهة: ٢/١٤٧٤.
(٤)
٦٣٣

فَهَذا هَمٌّ عَظيمٌ، وقد مَرَسْتَنِي اللَّيْلَةَ، فضَحِكَ حتَّى اسْتَلقَى، وقالَ: قُمْ، فَعَلَ اللهُ
بِكَ وصَنعَ فقُمتُ، وتَبِعَني الخادِمُ بدَنانيرَ وتَخْتِ ثياب(١) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أبي الحُسَينِ الزَّاهِد : قالَ الضِّياءُ : وبَلغَني عنه أنَّه
كانَ يُلْبِسُ سَراويلَه حِمَارَه ، ويَقُولُ: نُواري عَوْرَتَه ، فيَضحَكُ النَّاسُ(٢) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ ابنِ الخَشَّابِ : قيلَ : عَرضَ اثنَانِ عليه شِعراً لَهُما ،
فسَمِعَ للأوَّلِ ، ثم قالَ: أنتَ أرْدُ شِعْراً منه، قالَ: كَيفَ تَقُولُ هذا ولَمْ تَسمَعْ قَولَ
الآخَرِ ؟ قالَ : لأنَّ هذا لا يَكُونُ أزْدَاً منه(٣).
وقالَ لرَجُلٍ : ما بِكَ؟ قالَ : فُؤَادِي قالَ: لَوْ لَمْ تَهْمِزْهُ لَمْ يُوجِعْكَ .
قالَ حَمْزَةُ بنُ القُبَيطي : كانَ ابنُ الخَشَّابِ يَتعَمَّمُ بالعمَامَة ، وتَبَقَى مُدَّةٍ حَتَّى تَسْودّ
وتَتَقَطَّعَ من الوَسَخِ وعَليها ذَرَقُ العَصافير .
وقالَ ابنُ الأَخْضَر : ما تَزَوَّجَ ابنُ الخَشَّابِ ولا تَسَرَّى ، وكانَ قَذِراً يَستَقِي بجَرَّةٍ
مَكْسُورَة ، عُدناهُ في مَرَضِه ، فوَجَدناهُ بأسْوَءِ حَالٍ ، فَنَقَلَه القاضي أبو القاسِم بنُ
الفَرَّاء إلىْ دَارِه، وألْبَسَه ثَوباً نَظيفاً، وأحْضَرَ الأشْرِبَةَ والْمَاوَردَ، فَأَشْهَدَنا بوَقفٍ
كُتُبِه ، فَتَفرَّقَتْ، وباعَ أكثَرَها أوْلادُ العَطَّارِ حتَّى بَقِيَ عُشْرُها، فَتُرِكَ برِباطِ
الْمَأْمُونِيَّة .
قالَ ابنُ النَّجَّارِ: كانَ بَخيلاً مُتَبِذِّلاً، يَلعَبُ بالشَّطرَنج على الطَّريقِ ، ويَقفُ على
الْمُشَعوِذِ، ويَمزَحُ، أَلَّفَ في الرَّدِّ عَلى الحَريريِّ في ((مَقَامَاتِهِ))، وشَرحَ «اللُّمَعَ ))
وصَنَّفَ في الرَّدِّ على أبي زَكريًّا التَّبْريزي .
وقالَ القِفْطيُّ : عِبَارَتُهُ أجْوَدُ من قَلِمِهِ، وكانَ ضَيِّقَ العَطَن ما كَمَّلَ تَصْنِيفاً(٤) .
(١) انظر السير: (الْمُسْتَظهرُ بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة: ١/١٤٨٩.
(٢)
انظر السير: ( أبو الحُسَين الزَّاهِد) ٢٠/ ٣٨٠-٣٨٤، وانظر النزهة : ٦/١٥٦٧.
(٣) انظر السير: (ابنُ الخَشَّابَ) ٥٢٣/٢٠-٥٢٨، وانظر النزهة: ١/١٥٧٨.
(٤) انظر السير: (ابنُ الخَشّاب) ٥٢٣/٢٠-٥٢٨، وانظر النزهة: ٢/١٥٧٨.
٦٣٤

الأكلَة :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ سُليْمانَ بنِ عبدِ الْمَلِك : كانَ من الأكَلَةِ، حتَّى قيلَ :
إنَّه أكلَ مرَّةً أَرْبَعِينَ دَجَاجَةً ، وقيلَ : أَكَلَ مَرَّة خَرُوفاً وسِتَّ دَجَاجَاتٍ وسَبعينَ رُمَّانَةٌ ،
ثم أُتِيَ بِمَكُوكِ(١) زَبِيبٍ طائِيٍّ فَأكَله(٢) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ مَيْسَرَة التَرَّاس: قالَ الأصْمَعيُّ: قالَ ليَ الرَّشيدُ :
كَمْ أكثَر ما أكَلَ مَيْسَرَةُ ؟ قُلتُ: مئة رَغيفٍ ونِصْف مُوك مِلْح ، فأمَرَ الرَّشيدُ فطُرِحَ
للفِيلِ مةُ رَغيفٍ ، فَفَضَّلَ منها رَغيفاً(٣) .
وقيلَ: إنَّ بَعضَ الْمُجَّانِ قالوا له : هَلْ لكَ في كَبشٍ مَشويٍّ؟ قالَ : ما أكْرَهُ
ذلكَ، ونَزَلَ عن حِمارِهِ فأخَذُوا الحِمَارَ ، وأَتَوهُ - وقد جَاعَ - بالشِّواءِ ، فأقبَلَ يَأْكُلُ ،
ويَقُولُ : أهَذا لَحمُ فيلٍ ؟! بلْ لَحمُ شَيطان، حتَّى فرغَه ، ثم طَلبَ حِمارَه ،
فَتَضاحَكُوا، وقالُوا: هو والله في جَوْفِك وجَمَعوا له ثَمَنَه(٤) .
وقيلَ : نَذَرَت امرأةٌ أنْ تُشْبِعَه ، فَرَفَقَ بها ، وأكلَ ما يَكْفِي سَبعينَ رَجُلاً(٥) .
(١) الْمَكُوكُ : مِكيالٌ يَختلف مقداره باختلاف اصْطلاح النَّاس عليه في البلاد يُقالُ إنه يَسعُ صاعاً ونصفاً .
(٢) انظر السير: (سُلِيْمانُ بنُ عبد الْمَلك) ١١١/٥-١١٣، وانظر النزهة: ٧/٥٨٥.
(٣)
انظر السير: (مَيْسَرَةُ التَرَّاس) ١٦٤/٨_١٦٥، وانظر النزهة: ٤/٧٤٠.
انظر السير: ( مَيْسَرَةُ التَرَّاس) ١٦٤/٨-١٦٥، وانظر النزهة: ١/٧٤١.
(٤)
(٥) انظر السير: (مَيْسَرَةُ التَرَّاس) ١٦٤/٨ -١٦٥، وانظر النزهة: ٢/٧٤١.
٦٣٥

(١٧) قَصَص
١ - قِصَّةُ النَّجَاشيّ :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَتِهِ : اسْمُه أصْحَمَة مَلكُ الحَبَشَةِ مَعدُودٌ في الصَّحابَة
رَضيَ الله عنهم، وكانَ ممَّن حَسُنَ إِسْلامُه ولم يُهاجِر ، ولا لَه رُؤيَة ، فهو تابِعِيٌّ من
وَجْه ، صاحِبٌ من وَجْه ، وقد تُوفِّيَ في حياة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فصلَّى عليه
بِالنَّاسِ صَلاةَ الغائب ، ولم يَثْبُت أنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى علىُ غائبٍ سِواه ،
وسَبَبُ ذلك أنَّه مَاتَ بَيْنَ قَومِ نَصارَى، ولَمْ يَكنْ عندَه مَنْ يُصلِّي عليه، لأنَّ الصَّحابَةَ
الذين كانوا مُهاجِرينَ عندَه خَرَجُوا من عندِهِ مُهَاجِرِينَ إلى الْمَدينَة عامَ خَيْبَرَ(١) .
عن أُمّ سَلمَة زَوجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قالَت: لَمَّا نَزَلتُ أرْضَ الحَبَشَة
جاوَرْنا بها خَيرَ جَارِ النَّجاشِيَّ، أَمِنَّا علىْ دِينِنا، وعَبَدْنا اللهَ تَعالَى لا نُؤْذَى ولا نَسمَعُ
شَيْئاً نَكرَهُه، فلمَّا بَلغَ ذلكَ قُرَيْشاً ، انْتَمَروا أنْ يَبْعَثوا إلى النَّجاشيِّ فينا رَجُلين
جَلدين، وأنْ يُهْدُوا للنَّجاشيِّ هَدايَا مِمَّا يُستَطْرَف من مَتَاع مَكة ، وكانَ من أعْجَب
ما يَأتيه منها إليه الأدمُ، فجَمَعوا له أدماً كَثيراً، ولَمْ يَترُكوا من بَطارِقَتِهِ بِطْرِيقاً إلاَّ أَهْدوا
إليه هَديَّة، ثم بَعثوا بذلكَ عبدَ الله بنَ أبي رَبِيعَة بنَ الْمُغيرَةِ الْمَخْزوميّ، وعَمرَو بنَ
العاصِ السَّهميّ، وأمَرُوهُما أمْرَهم ، وقالوا لهما: ادْفَعوا إلى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَديتَه قَبَلَ أنْ
تُكلُّمُوا النَّجاشي فيهم ، ثم قدِّموا له هداياه ، ثم سَلُوهُ أنْ يُسلِّمَهم إليكم قبلَ أنْ يُكلِّمَهم
قالَت : فخَرَجا ، فقَدِما على النَّجاشيِّ، ونَحنُ عندَه بخَيرِ دارٍ عندَ خَيرِ جارٍ فَلَمْ يَبقَ من
بَطارِقَتِهِ بِطْرِيقٌ إلَّ دَفَعا إليه هَديتَه، وقالا له: إنَّه قد ضَوَى (٢) إلى بَلِدِ الْمَلِكُ منَّا غِلْمَانٌ
سُفَهَاءُ ، فارَقوا دينَ قَومِهِم ، ولَمْ يَدخُلوا في دِينِكم، وجَاؤُوا بدينٍ مُبْتَدَعَ لا نَعرِفُه
نَحْنُ ولا أنتم ، وقد بَعَثَنا إلى الْمَلِك فيهم أشْرافُ قَومِهِم لِيَرُدَّهم إليهم ، فإذا كلِّمنا
(١) انظر السير: (أخبارُ النَّجاشي) ٤٢٨/١-٤٤٣، وانظر النزهة: ١/١٨٦.
(٢) وقال السُّهَيَليُّ في ((الرَّوْضِ الأنُّف)»: ضَوَى إليك فِتِيَةٌ: أي أووا إليك ولاذوا بك.
٦٣٦

الْمَلِكَ فيهم ، فأَشِيروا عَليه بأنْ يُسلِّمَهم إلينا ولا يُكلِّمَهم، فإنَّ قَومَهُم أعلَى بهم
عَيناً(١) وأعلَمُ بما عَابُوا عَليهم ، فقالُوا لهم: نَعَم ثم إنَّهما قَرَّبَا هَدايا النَّجاشيِّ، فقَبَلَها
منهم ، ثم كلَّماه ، فقالا له : أيّها الْمَلِكُ إِنَّهَ ضَوَى إلى بَلِدِك منَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ ، فَارَقوا
دِينَ قَومِهِم ، ولَمْ يَدخُلوا في دينِك، وجَاؤُوا بدينٍ مُبْتَدَع لا نَعرِفُه نَحنُ ولا أنتَ ، وقد
بَعثَنَا إليكَ أشْرافُ قَومِهم من آبائهم وأعْمَامِهِم وعَشائرِهم لِتَرُدَّهم إليهم ، فهم أعلَى بهم
عَيناً ، وأعلَمُ بما عَابُوا عَليهم فيه ، قالَت(٢): ولَمْ يَكنْ شَيءٌ أبغَضَ إلى عبدِ الله،
وعَمرو منْ أنْ يَسمَعَ النَّجاشيُّ كلامَهم فقالَ بَطارِقَتُه حَولَه : صَدَقوا أيُّها الْمَلِكُ
فأسْلِمْهِم إلَيْهما فَغَضبَ النَّجاشيُّ، ثم قالَ : لا ها الله (٣) إذاً لا أُسْلمُهم إلَيْهِما،
ولا أُكادُ(٤) ، قَومٌ جاوَرُونِي ، ونَزَلوا بلادي واخْتَارُوني على مَنْ سِوايَ حتَّى أَدْعُوَهم
فأسْألَهم ثم أرْسَلَ إلى أصْحابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فدَعاهم ، فلمَّا جاءَهم
رَسُولُه اجْتَمَعوا ، ثم قالَ بَعضُهم لبَعضٍ: ما تَقُولُونَ الرَّجُلِ إذا جِئْتُمُوه؟ قالوا: نَقُولُ
والله ما عَلِمْنا ، وما أمَرَنا به نَبينا صلى الله عليه وسلم ، كائناً في ذلكَ ما كانَ فلمّا
جاؤُوهُ، وقد دَعَا النَّجاشيُّ أساقِفَتَه، فَنَشَروا مَصَاحِفَهم حَولَه ، سَأَلَهم فقالَ: ما هَذا
الدينُ الذي فارَقْتُم فيه قَومَكم ولَمْ تَدخُلوا في دِينِي ولا في دِينِ أحَدٍ من هَذه الأُمَم ؟
قالَت : وكانَ الذي يُكلِّمُه جَعْفَرُ بنُ أبي طَالِب ، فقالَ له : أَّها الْمَلِكُ، إنَّا كُنَّا قَوماً
أهلَ جَاهِلِيَّة: نَعَبُدُ الأصْنَامَ، ونَكُلُ الْمَيْتَةَ، ونَآَتي الفَوَاحِشَ، ونَقَطَعُ الأرْحَامَ ،
ونُسيءُ الجِوَارَ ، ويَأْكُلُ القَويُّ مِنََّ الضَّعيفَ، فَكُنَّا على ذلكَ حتَّى بَعثَ اللهُ إِلَينا رَسُولاً
مِنَّا، نَعَرفُ نَسَبَه وصِدقَه وأمانَتُه وعَفافَه، فدَعَانا إلى الله لِنُوَحِّدَه ونَعَبْدَه ، ونَخلَعَ
ما كُنَّا نَعَبُدُ وآباؤنا من دُونِه من الحِجَارَة والأوْثانِ، وأمَرَنا بصِدقِ الحَديثِ ، وأداءِ
(١) قال السُّهَيليُّ : أي أبصَرُ بهم ، أي عينهم وإبصارهم فوق عيون غيرهم في أمرهم .
(٢) أي أُمُّ سَلمَة رَضيَ اللهُ عنها.
(٣) لاها الله: قَسَم، وأهل العربية يقولون: لاها الله ذا والهاء بدل من واو القسم ، أي : والله لا يكون
ذا .
(٤) ولا أُكَادُ: بضم الهمزَة، فعل مبني للمجهول، أي ولا يَكيدُني أحد قال في ((اللِّسان)): يقولون - إذا
حُملَ أحدُهم على ما يَكرَه : لا والله لا كيداً ولا هَمَّاً : يُريدُ : لا أُكادُ ولا أُهَمُّ .
٦٣٧

الأمانَة، وصِلَةِ الرَّحِم، وحُسنِ الجِوَارِ، والكَفِّ عن الْمَحارِمِ والدِّماءِ ، ونَهانا عن
الفَوَاحِشِ، وقَولِ الزُّورِ ، وأَكْلِ مَالِ اليَتِيمِ ، وقَذْفِ الْمُحْصَنَةَ، وأمَرَنا أنْ نَعبُدَ اللهَ
لا نُشْرِكَ به شَيئاً، وأمَرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ - قالَت: فعَدَّدَ له أمُورَ الإسْلام -
فصَدَّقناهُ وَآمَنَّا به واتَّبَعْناه، فعَدا عَلينا قَومُنا فعَذَّبونَا وَفَتَنونا عن دِينِنا لِيَرُدُّونا إلى عِبَادَةِ
الأوْثانِ ، وأنْ نَسْتَحِلَّ ما كُنَّا نَستَحِلُّ من الخَبَائثِ ، فلمَّا قَهَرونا وظَلَمُونا وشَقُّوا عَلينا ،
وحَالُوا بَيْنَنا وبينَ دِينِنا، خَرَجْنا إلى بَلِك، واخْتَرْنَاكَ على مَنْ سِواكَ، وَرَغِبْنا في
جِوارِك ، ورَجَوْنا أنْ لا نُظْلَمَ عِندَكَ أيُّها الْمَلِك .
قالَت : فقالَ : هَلْ مَعكَ مِمَّا جاءَ به عن الله من شَيء ؟ قالَ : نَعَم ؟ قالَ : فاقْرَأْه
عليَّ، فقَرَأْ عَليهِ صَدْراً من ﴿كَهِيعَصَ﴾(١) فَبَكَى واللهِ النَّجاشيُّ حتى أخضَلَ لِحْيتَه ،
وبَكَتْ أساقِفَتُه حتَّى أَخْضَلوا مَصَاحِفَهم حينَ سَمعوا ما تُليَ عَليهم ، ثم قالَ النَّجاشيُّ:
إِنَّ هَذا والذي جاءَ به مُوسَى لَيَخرُجُ من مِشْكَاةٍ واحِدَةٍ انْطَلِقًا، فوالله لا أُسْلِمُهم إلَيْكُم
أبداً ولا أكادُ(٢).
فلمَّا خَرجَا قالَ عَمرٌو: والله لأنَثَنَّه غَداً عَيبَهم ثم أسْتأصِلُ خَضراءَهم ، فقالَ
عبدُ الله بنُ أبي رَبِيعَة ، وكانَ أتْقَى الرَّجُلَينِ فينا: لا تَفَعَلْ ، فإنَّ لهم أرْحاماً وإنْ كانوا
قد خالَفُونا قالَ: والله لأُخْبِرنَّه أنَّهم يَزْعُمون أنَّ عِيسَى عَبدٌ ثم غَدا عَليه ، فقالَ : أيُّها
الْمَلِكُ! إنَّهم يَقُولُونَ في عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَولاً عَظيماً ، فأرْسِلْ إلَيهم فسَلْهم عمَّا يَقولُونَ
فيه فأرْسَلَ يَسألُهم .
قالَت : ولَمْ يَنْزِلْ بنا مثلُها ، فاجْتَمعَ القَومُ، ثم قالوا : نَقُولُ والله فيه ما قالَ اللهُ
تَعالَى كائناً ما كانَ فلمَّا دَخلوا عَليه قالَ لهم : ما تَقولُونَ في عِيسَى؟ فقالَ له جَعْفَرٌ :
نَقُولُ فيه الذي جاءَ به نَبِيُّنا هو عَبدُ اللهِ ورَسُولُه ورُوحُه وكَلمَتُه ألْقَاهَا إِلَىْ مَرْيَمَ العَذْراءَ
البَقُول فضَربَ النَّجاشيُّ يدَه إلى الأرضِ، فأخَذَ عُوداً، ثم قالَ : ما عَدا عِيسَى ما قُلتَ
هذا العُودَ فَتَنَاخَرَت بَطارِقَتُه حَولَه، فقالَ: وإنْ نَخَرْتُم واللهِ ، اذْهَبُوا فَأَنْتُم
(١) أول سورة مريم.
(٢) انظر السير: ( أخْبارُ النّجاشي) ٤٢٨/١-٤٤٣، وانظر النزهة: ٢/١٨٦.
٦٣٨

سُيومٌ(١) بأرضي مَنْ سَبَّكم غُرِّمَ، ثم مَنْ سَبَّكم غُرَّمَ ، ما أُحِبُّ أنَّ لي دَبرى(٢) ذَهباً
وأنِّي آذَيتُ رَجُلاً منكم - والدَبر بلِسَانهم الجَبَلِ - رُدُّوا عليهِما هَداياهُما ، فواللهِ
ما أخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حينَ رَدَّ عليَّ مُلكِي، فَآخُذُ الرِّشْوَةَ فيه ، وما أَطَاعَ النَّاسَ فيَّ ،
فأُطِيعُهم فيه فخَرجَا مَقْبُّوحَين ، مَرَدُوداً عَليهِما ما جاءا به، وأقَمْنا عندَه بخَيرِ دَارٍ مع
خَيرٍ جَارِ فوالله إنَّ على ذلك ، إذ نَزَل به ، يَعني مَنْ يُنازِعُه في مُلكِه ، فوالله ما عَلَمْنا
حَرْباً قَطُّ كَانَ أَشَدَّ من حَربٍ حَربْناهُ(٣) ، تَخْوُّفاً أنْ يَظهَرَ ذلكَ على النَّجاشيِّ، فَيَأْتِيَ
رَجلٌ لا يَعرِفُ مِنْ حَقِّنا ما كَانَ النَّجاشيُّ يَعرِفُ منه، وسَارَ النَّجاشيُّ وبَينَهما عَرضُ
النِّيلِ ، فقالَ أصْحابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، مَنْ رَجلٌ يَخرُجُ حتَّى يَحضُرَ
وَقَعَةَ القَومِ ثم يَأْتِيَنا بالخَبَر؟ فقالَ الزُّبَيْرُ : أنا، وكانَ من أحْدَثِ القَومِ سِنّاً ، فَنَفَخُوا له
قِرِبَةً، فجَعَلَها في صَدرِهِ ، ثم سَبحَ عَليها حتَّىُ خَرِجَ إِلى مَكانِ الْمُلْتَقَى، وحَضَرَ ،
فدَعَوْنا اللهَ للنَّجاشيِّ بالظُّهورِ علىُ عَدُوِّه والتَّمْكينِ له في بِلادِهِ واسْتَوسَقَ(٤) له أمْرُ
الحَبَشَةِ ، فَكُنَّا عندَه في خَيرِ مَنزِل حتَّى قَدِمنا على رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ،
وهو بمكة .
وقولها : ( حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ) عنت نفسها
وزوجَها(٥) .
ومن مَحاسِن النَّجاشيِّ أنَّ أُمَّ حَبيبَة رَمْلَةَ بنتَ أبي سُفْيانَ بن حَرْب الأُمَويَّة أُمَّ
الْمُؤمنينَ أُسْلَمَت مع زَوجِها عُبَيد الله بنِ جَحْش الأسَدي قَديماً ، فهاجَرَ بها زَوجُها ،
فانْمَلَسَ بها إلى أرضِ الحَبَشَة ، فَوَلَّدَتْ له حَبيبَة رَبيبَة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، ثم
إِنَّه أدْرَكَه الشَّقاءُ فأعْجَبَه دينُ النَّصْرانيَّةِ فَتَنَصَّرَ ، فَلَمْ يَنْشَبْ أنْ ماتَ بالحَبَشَة ، فلمَّا
وَفَتِ العِدَّةِ، بَعثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، يَخطِبُها ، فأجابَت ، فنَهضَ في
(١) السيوم : الآمنون .
(٢) قالَ ابنُ الأثير: هو بالقَصر: اسمُ جَبل .
(٣)
الحَربُ : الغضَبُ والنّزاع ، والخصومة .
(٤) استوسق له أمرُ الحَبَشَة: أي اجتمعوا على طاعته، فاستقرَّ له الْمُلك فيهم .
(٥) انظر السير: ( أخْبارُ النّجاشي) ٤٢٨/١ -٤٤٣، وانظر النزهة: ١/١٨٨.
٦٣٩

ذلكَ النَّجاشيُّ، وشَهدَ زَواجَها بالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وأعْطَاهَا الصَّدَاقَ عن
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، من عندِه أرْبَع مئة دينار، فحَصلَ لها شَيءٌ لَمْ يَحصُلْ
لِغَيْرِها من أُمَّهاتِ الْمُؤمنينَ، ثم جَهَّزَها النَّجاشيُّ(١).
وأصْحَمَة بالعَربي : عَطِيَّة ولَمَّا تُوفِّيَ ، قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، للنَّاسِ :
((إِنَّ أَخَاً لَكُمْ قَدْ مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ)) فخَرجَ بهم إلى الصَّحراءِ وصَفَّهم صُفوفاً ، ثم
صلَّى عَليه فَنَقلَ بَعضُ العُلماءِ أنَّ ذلكَ كانَ فِي شَهرِ رَجَبَ سَنةَ تِسعٍ من الهِجرة (٢).
٢ - قِصَّةُ سَلْمَان :
قصَّةُ سَلْمان الفارسيّ رضي الله عنه :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَتِهِ : قالَ الحافِظُ أبو القاسِمِ بنُ عَسَاكِرِ : وهو سَلْمانُ
ابنُ الإسْلام، أبو عبدِ الله الفَارِسيُّ سابِقُ الفُرسِ إلى الإسْلامِ، صَحِبَ النَّبِيَّ صلى الله
عليه وسلم وخَدمَه وحدَّثَ عنه .
وكانَ لَبِيباً حازِماً من عُقَلاءِ الرِّجالِ وعُبَّادِهم ونُلائهم(٣).
عن عُرْوَةَ بن رُويم ، عن القاسِم أبي عبدِ الرحمَن حدَّثه قالَ : زارَنا سَلمانُ
الفارسيُّ فصلَّى الإمامُ الظُّهرَ ، ثم خَرجَ وخَرجَ النَّاسُ، يَتلقَّوْنَه كما يُتْلَقَّى الْخَليفَةُ ،
فَلَقيناهُ وقد صلَّى بأصْحابِهِ العَصرَ ، وهو يَمشي فوَقَفْنا نُسلِّمُ عليه ، فَلَمْ يَبقَ فينا شَريفٌ
إلاَّ عَرضَ عَليه أنْ يَنْزِلَ به ، فقالَ : جَعلتُ على نَفْسِي مرَّتي هذه أنْ أنزلَ علىْ بَشيرِ بنِ
سَعْد فلمَّا قَدمَ ، سَألَ عن أبي الدَّرْداء ، فقالوا: هو مُرابطٌ، فقالَ : أينَ مُرابَطُكم ؟
قالوا : بَيرُوت ، فَتَوجَّه قِبَلَه، قالَ : فقالَ سَلمانُ : يا أهلَ بَيْرُوتَ : ألا أُحدِّثُكم
حَديثاً يُذهِبُ الله به عَنكم عَرضَ الرِّباط سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
يقولُ: ((رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَصِيَامٍ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ ، وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطَاً أُجِيرَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ ،
(١) انظر السير: ( أخبارُ النَّجاشي) ٤٢٨/١-٤٤٣، وانظر النزهة: ١/١٨٩.
(٢) انظر السير: ( أخْبارُ النَّجاشي) ٤٢٨/١-٤٤٣، وانظر النزهة: ١/١٩٠.
(٣) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارسيُّ) ١/ ٥٠٥-٥٥٨، وانظر النزهة: ٢/١٩٨.
٦٤٠