Indexed OCR Text

Pages 241-260

٨- شِعْرٌ في الحِكمَة :
كتب عُبَيْدُ الله بنُ عَبدِ الله بنِ عُثْبَة إلى عُمَرَ بنِ عبدِ العَزيز(١):
والحمدُ لله أمَّا بعدُ يا عمر
باسمٍ الذي أُنزِلت من عنده السورُ
فكنْ علىْ حَذَرٍ قَدْ ينفعُ الحذَرُ
إنْ كنت تعلمُ ما تأتي وما تَذَرُ
وإنْ أتاكَ بِما لا تشتهي القَدَرُ
واصبرْ على القَدَرِ المحتومِ وارضَ بهِ
إلا سيتبَعُ يوماً صَفْوَهُ الكدَرُ
فما صفا لامرءٍ عيشٌ يسرُّ بِهِ
مَدِحَ أبو العَتاهيَة المَهْديَّ، والخُلفاءَ بعده ، والوُزَراء ، وما أصْدَق قوله :
مفسدةٌ للمرءِ أيُّ مفسدةٌ
إن الشبابَ والفراغَ والجِدَةْ
ما أكثرَ القوتَ لمن يموتُ
حسبُك مما تبتغيهِ القوتُ
إنْ كنتُ أخطأتُ فما أخطا القدرْ
هي المقادير فَلُمْنِي أو فَذَرْ
تُوفِّي أبو العَتاهيَة في سنة إحْدَى ومئتَين ، وله ثلاثٌ وثمانونَ سَنةً ، أو نَحْوُها ،
ببغداد .
وتَحْتَمِلُ سيرةُ أبي العَتَاهِيَة أنْ تُعمَلَ في كَرارِيسَ(٢) .
(١) انظر السير: (عُبَيْدُ الله بنُ عَبدِ الله بن عُتْبَة) ٤٧٥/٤-٤٧٩، وانظر النزهة: ٤/٥٣٥.
(٢) انظر السير: (أبو العتاهية) ١٩٥/١٠-١٩٨، وانظر النزهة: ٥/٨٦٦.
٢٤١

الذَّكَاءُ والفِطْنَة
عن عبدِ الله بنِ سَلام ، قالَ : لَمَّا قدمَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدينَةَ ، انْجَفْلَ
النَّاسُ عليه ، وكنتُ فيمَنِ انْجَفلَ، فلمَّا رأيتُه، عَرفتُ أنَّ وَجهَه لَيسَ بوَجْهِ كَذَّاب
فكانَ أوَّلُ شَيءٍ سَمعتُه يَقولُ : ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ ،
وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ)) (١) .
عن خارِجَةَ ، عن أبيه ، زَيْدِ بنِ ثابت ، قالَ: أُتِيَ بِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم
مَقدمَه الْمَدينَةَ، فقالوا: يا رَسُولَ الله ، هذا غُلامٌ من بَنِي النََّجَّار، وقد قَرأَ مِمَّا أُنْزِلَ
عَليكَ سَبعَ عَشرَةَ سُورَة فقَرأْتُ علىْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فأعْجَبَه ذلك ،
وقالَ : (( يا زَيْدُ ، تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ ، فَإِنِّي وَاللهِ مَا آمَنُهُمْ عَلَى كِتَابِي)).
قالَ : فَتَعلمتُه ، فما مَضَى لي نِصفُ شَهرٍ حتَّى حَذقْتُه، وكُنتُ أكتُبُ لرَسُولِ الله
صلى الله عليه وسلم إذا كَتبَ إليهم .
عن ثابتِ بنِ عُبَيَد ، قالَ زَيدُ بنُ ثابِت : قالَ لي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم :
((أَتُحْسِنُ السُّرْيَانِيَّةَ؟)) قُلْتُ: لا، قالَ: ((فَتَعَلَّمْهَا)) فَتَعلَّمتُها في سَبعَةَ عَشرَ يَومً(٢).
قالَ إبراهيمُ بنُ هِشام الغَسَّانِيُّ: حدَّثني أبي، عن جَدِّي ، قال : وَقَعَتْ من رجلٍ
مئةُ دينارٍ فنادَىُ : مَنْ وَجَدَها ، فله عِشْرونَ ديناراً ، فأقبَلَ الذي وَجدَها فقال : هذا
مالُك ، فأعْطِني الذي جَعلتَ لي فقال : كان مالي عشرينَ ومئةَ دينار ، فاخْتَصَما إلى
فَضَالَةَ بنِ عُبَيد ، فقال لصاحبِ المال : ألَيْسَ كان مالُك مئة وعشرين ديناراً كما تذكر ؟
قال : بَلى وقال للآخر : أنْتَ وَجدْتَ مئة؟ قال: نَعَم، قال : فاحْبسْها ولا تُعْطِه ،
فليس هو بمالِه حتى يَجيءَ صاحبُهُ(٣).
(١) انظر السير: (عبدُ الله بنُ سَلام) ٤١٣/٢-٤٢٦، وانظر النزهة: ٢/٢٨٤.
(٢) انظر السير: (زَيْدُ بنُ ثابت) ٤٢٦/٢ -٤٤١، وانظر النزهة: ٢/٢٨٦.
(٣) انظر السير: (فَضالَة بن عُبَيد) ١١٣/٣ -١١٧، وانظر النزهة: ٤/٣٤٦.
٢٤٢

وقالَ ابنُ عَائِشَة : وَجَّهَ عبدُ الْمَلكِ بنُ مَرْوانَ الشَّعبيَّ إلى مَلكِ الرُّومِ - يَعني رَسُولاً
- فلمَّا انْصرفَ من عندِه قالَ: يا شَعْبيُّ، أَتَدري ما كَتبَ به إليَّ مَلكُ الزُّوم ؟ قالَ :
وما كَتبَ به يا أميرَ المؤمنينَ ؟ قالَ : كُنتُ أتَعجَّبُ لأَهْلِ ديانَتِك ، كيفَ لَمْ يَستَخلِفوا
عَليهم رَسُولَك قُلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ لأنَّه رَآني ولَمْ يَرَك . أوْرَدَها الأصْمَعِيُّ، وفيها
قالَ : يا شَعْبِيُّ ، إنَّما أرادَ أنْ يُغْريني بقَتلِكَ فَبَلغَ ذلكَ مَلكَ الرُّومِ فقالَ: لله أبوه ، والله
ما أرَدتُ إلاَّ ذاكَ(١).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ الإمام أبي حَنيفَة النُّعْمان : وابنُه الفَقيهُ حمَّادُ بنُ
أبي حَنِيفَة كانَ ذَا عِلمٍ ودينٍ وصَلاحٍ ووَرَعِ تَامٌّ، لَمَّا تُوِّيَ والدُه، كانَ عندَه وَدائعُ
كَثِيرَة ، وأهْلُها غائبون فنَقَلها حمَّدٌ إلى الحَاكِم لِيَتَسلَّمها ، فقالَ : بلْ دَعْها عندَك،
فإِنَّك أهلٌ فقالَ : زِنْها واقْبضْها حتّى تَبرأ منها ذِمَّةُ الوَالِدِ ، ثم افعل ما تَرَى ففَعَلَ
القاضي ذلك وبَقيَ في وزنِها وحِسابِها أياماً واسْتترَ حَمَّادٌ فمَا ظَهرَ حتَّى أَوْدَعَها القاضي
عندَ أمين .
تُوفِّيَ حمَّادٌ سَنةَ سِتُّ وسَبعينَ ومئة كَهْلاً(٢) .
وقالَ الحَسنُ بنُ يُوسُف بنِ مُلَيح : سَمعتُ أبا الحَسَن الخادِمَ ، قالَ : كُنتُ غُلاماً
الزُبَيْدَة ، وأُتَيَ باللَّيثِ بنِ سَعْد تَسْتَفتيه فكُنتُ واقفاً علىْ رَأْسِ سِتِّي زُبَيْدَة ، خَلفَ
السُّتَارَة ، فسَأَلَه الرَّشيدُ ، فقالَ لَه: حَلفتُ إنَّ لي جَنَّتَين، فاسْتحلَفَه اللَّيْثُ ثلاثاً: إِنَّكَ
تَخافُ اللهَ؟ فحَلفَ له، فقالَ: قالَ الله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنََّانٍ﴾(٣) قالَ: فأقْطَعَه
قَطائعَ کَثیرَة بِمِصْرَ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : إنْ صَحَّ هذا ، فَهَذا كانَ قَبلَ خِلافَة هارُون .
وقالَ ابنُ بُكَير : كانَ اللَّيْثُ فَقِيهُ البَدَن ، عَربيَّ اللِّسَان، يُحسِنُ القُرآنَ والنَّحْوَ ،
(١) انظر السير: (الشَّعْبيُّ) ٢٩٤/٤-٣١٩، وانظر النزهة: ٥/٥٠٢.
(٢) انظر السير: (أبو حَنِيفَة التُّعْمانُ) ٣٩٠/٦ -٤٠٤، وانظر النزهة: ٢/٦٦٤.
(٣) سورة الرحمن ، الآية : ٤٦.
٢٤٣

ويَحْفَظُ الحَديثَ، حَسَنَ الْمُذاكَرَةِ، فمَا زَالَ يَذكُرُ خِصالاً جَميلَةً ، ويَعْقِدُ بيَدِه ، حتَّى
عَقَدَ عَشرَةً : لَمْ أَرَ مِثْلَه .
وقالَ هارُونُ بنُ سَعيد : سَمعتُ ابنَ وَهْب يَقولُ : كُلُّ ما كانَ في كُتُب مَالِك :
وأخْبَرَني مَنْ أرْضَى من أهْلِ العِلمِ، فهو اللَيثُ بنُ سَعد (١).
وقالَ أبو سُليمانَ الجُوزَجانيُّ، سَمعتُ القاضي أبا يُوسُف يَقولُ: دَخلتُ على
الرَّشيدِ وفي يَدِهِ دُرَّتان يُقلِّبُهما، فقالَ: هَلْ رَأْيتَ أحْسَنَ منهما؟ قُلتُ : نَعَم يا أميرَ
المؤمنين قالَ : وما هو ؟ قُلتُ : الوِعَاءُ الذي هما فيه، فرَمَى بهما إليَّ، وقالَ :
شَأْنُكَ بهما(٢).
وقيلَ إنَّ عبدَ الرحمَن بنَ الحَكَمِ الْمَرْوانِيَّ صاحِبِ الأَنْدَلُس نَظَرَ إلى جارية له في
رَمَضانَ نَهاراً، فَلَمْ يَملِكْ نَفَسَه أنْ وَاقَعَها ، ثم نَدِمَ ، وطَلبَ الفُقَهَاءَ ، وسَأَلَّهُم عن
تَوَبَتِهِ ، فقالَ يَحْيَىُ بنُ يَحْبَى: صُمْ شَهْرَين مُتَتَابِعَين، فسَكتَ العُلَماءُ، فلمَّا خَرَجوا
قالوا ليَحْيَىُ: مَا لَكَ لَمْ تُفْتِهِ بِمَذْهَبنا عن مَالِك أنَّه مُخَيِّرٌ بينَ العِثْقِ والصَّوْم والإطْعَامِ ؟
قالَ : لَوْ فَتَحْنا له هَذا البَابَ ، لَسَهُلَ عليه أنْ يَطأْ كُلَّ يَومٍ، ويُعْتِقَ رَقَبَة ، فَحَمَلتُه على
أصْعَبِ الأُمُورِ لِئْلاَ يَعُودَ(٣).
وعن مُكْرم بنِ بَكْر ، قالَ : كُنتُ في مَجلسٍٍ أبي خازِمِ القاضي ، فتَقدَّمَ شَيخٌ مَعه
غُلامٌ، فَاذَّعَى عَليه بألفِ دِينارٍ ، فَأَقَرَّ الحَدَثُ ، فقالَ القاضي للشّيخ: ما تَشاءُ ؟
قالَ: حَبسُه فقالَ للحَدَثِ : قد سَمعتَ فهلْ تُوفِيه البَعضَ ؟ قالَ: لا ففَكَّر ساعَةً ، ثم
قالَ : تَلازَمَا حَتَّى أَنْظُرَ فَقُلتُ: لِمَ أخَّرَّ القاضي الحَبسَ ؟ قالَ : وَيْحَك! إنِّي أَعْرفُ في
أكثرِ الأحْوالِ وَجْهَ الْمُحِقِّ من الْمُبْطِلِ، وقد وَقعَ لي أنَّ سَماحَتَه بالإقْرارِ شَيءٌ بَعيدٌ من
الحَقِّ ، أمَا رَأيتَ قِلَّة تَغاضُبِهما في الْمُحاوَرَة مع عِظَمِ الْمَالِ ؟ فَبَينا نَحنُ كذلك، إذْ
اسْتَبَانَ الأمرُ ، فاسْتَأَذَنَ تاجِرٌ مُوسِرٌ، فأذنَ له القاضي ، فدَخلَ ، وقالَ : قد بُلیتُ بابنٍ
(١) انظر السير: (اللَّيثُ بنُ سَعْد) ١٣٦/٨-١٦٣، وانظر النزهة: ١/٧٣٩.
(٢) انظر السير: (القاضي أبو يُوسُف) ٥٣٥/٨-٥٣٩، وانظر النزهة: ٢/٧٨٩.
(٣) انظر السير: ( يَحْيَىُ بنُ يَحْيَىُ بنُ كَثير) ٥١٩/١٠-٥٢٥، وانظر النزهة: ١/٨٩١.
٢٤٤

لي حَدَثٍ ، يُتِلِفُ مالي عنَدَ فُلانٍ الْمُقَبِّن، فإذا مَنعتُه مالي احْتَالَ بحِيَل يُلجِثُني إلى
الْنِزام غُرْم ، وأَقْرَبُّه أنَّه نَصَبَ الْمُقَبِّنَ اليَومَ لِمُطالَبَتِهِ بألفِ دينارٍ وأقَعُ مع أمِّه - إنْ حُبِسَ -
فِي نَّكَدٍ فَتَبَسَّمَ القاضي، وطَلبَ الغُلامَ والشَّيخَ ، فَأُدخِلا، فوَعَظَ الغُلامَ، فأقَرّ
الشَّيخُ ، وأخَذَ التَّاجِرُ بيدِ ابنِهِ، وانْصَرَفَ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : قد كانَ الْمُعتَضِدُ يَحتَرمُ أبا خازِمِ ويُجلُّه ، قيلَ: إنَّ أبا خازم
لَمَّ احْتُضرَ بَكَىْ، وجَعَلَ يَقولُ : يا رَبِّ! من القَضاءِ إلى القَبرِ . وله شِعرٌ رَقيقٌ.
ماتَ بَغْدَادَ سَنَةَ اثْنَتَينِ وتِسْعِينَ ومئتين(١) .
قالَ القِفْطِيُّ: عَزْمَ المُعِزُّ علىْ بَعْث جَيشِه إلى مِصْرَ، فسألَتْهُ أُّهُ أنْ يُؤْخِّرَ ذلكَ
لتَحُجَّ خُفْيَةً فأجابَها ، وحَجَّتْ ، فأحَسَّ بقُدوِها الأستاذُ كافُورُ - يَعْنِي صاحِبَ مِصْرَ -
فحَضَرَ إليها وخَدمَها ، وحَملَ إليها تُحَفاً ، وبَعثَ في خِدْمتِها أجْناداً ، فلمَّا رَجَعَت ،
مَنْعَت ابنَها من قَصْدِ مِصْرَ ، فلمَّا ماتَ كافُورُ بَعثَ المُعِزُّ جَيشَه، فأخَذوا مِصْرَ .
وكانت مِصْرُ في القَحْط ، فأخَذَها جَوْهَرُ ، وأخَذَ الشَّامَ والحِجازَ ونفَّذَ يُعرِّفُ مَولاهُ
بانْتظامِ الأمْرِ .
وضُربَت السِّكةُ على الدِّينارِ بِمِصْرَ ( وهي: لا إلَهَ إِلَّ اللهُ محمَّدٌ رَسُولُ الله، عَليٌّ
خَيْرُ الوَصِيَّيْن ) والوَجهُ الآخَر اسْم المُعِزِّ والتاريخ، وأُعْلِنَ الأذانُ بـ (( حَيٍّ على خَيرِ
العَملَ)) ، ونُوديَ: مَنْ مَاتَ عن بنْت وأخ أو أُخْت فالمالُ كلُّه للبنْت فهَذا رَأيُ
هؤلاء(٢).
وقد سارَ القاضي ابنُ الباقِلاَّنِيِّ رَسُولاً عن أميرِ المُؤمِنِينَ إلى طاغِيَةِ الرُّومِ ، وجَرَتْ
له أمُورٌ ، منها أنَّ المَلِك أدْخَلَه عليه من بابِ خوخةٍ (٣) ليَدخُلَ راكِعَاً للمَلِكِ ففَطِنَ لها
القاضي، ودَخَلَ بظَهْرِه (٤).
(١) انظر السير: (القاضي أبو خازم) ٥٣٩/١٣ -٥٤١، وانظر النزهة: ٤/١١١٤.
(٢) انظر السير: (المُعِزُّ) ١٥٩/١٥ -١٦٧، وانظر النزهة: ٣/١٢٠٣.
باب خوجة : هو باب صغير ضمن باب كبير لا يتمكن الإنسان من دخوله إلاّ أن يحني رأسه .
(٣)
(٤) انظر السير: (ابن الباقلانيّ) ١٩٠/١٧ -١٩٣، وانظر النزهة: ٤/١٣٣٤.
٢٤٥

ومنها أنَّه قالَ لراهِبِهِم: كَيفَ الأَهْلُ والأوْلادُ ؟ !! ، فقالَ المَلِكُ: مَوْ !! ، أمَا
عَلَمْتَ أنَّ الرَّاهِبَ يَتَنزَّهُ عن هذا؟ فقالَ: تُتَزِّهُونَه عن هذا، ولا تُتَزِّهُونَ رَبَّ العَالَمينَ
عن الصَّاحِبَةِ والوَلَدِ !! (١).
وقِيلَ : إِنَّ الطَّاغِيَةَ سَألَهُ: كَيفَ جَرَىْ لِزَوْجَةٍ نَبِيِّكُم؟ - يَقْصِدُ تَوْبِيخاً - فقالَ: كَما
جَرَى لِمَرْيَمَ بنتِ عِمْرانَ ، وبَرَأْهُمَا اللهُ، لَكِنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَأْتِ بوَلَدٍ فأفْحَمَهُ .
قالَ الخَطيبُ : سَمعتُ أبا بَكْر الخَوارِزْمِيَّ يَقولُ: كُلُّ مُصَنَّ بَبَغْدَادَ إنَّما يَنْقُلُ من
كُتُبِ النَّاسِ سِوَى القاضي أبي بَكْر ، فإنَّمَا صَدْرُه يَحْوي عِلمَه وعِلمَ النَّاسِ(٢) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الخَطيبِ البَغْداديِّ: قد كان رَئيسُ الرُّؤساء تَقَدَّم إلى
الخُطَباءِ والوُقَاظِ أنْ لا يَرُؤُوا حَديثاً حتَّى يَعرِضُوه عليه ، فمَا صَخَحه أوْرَدوه ، وما رَدَّه
لَمْ يَذكُرُوهُ وأظْهَرَ بَعضُ اليَهُودِ كتاباً اذَّعَى أنَّه كتابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
بإسْقَاطِ الِجْزَيَة عن أهْلِ خَيْبَرَ، وفيه شَهادَةُ الصَّحابَة، وذكروا أنَّ خَطَّ عليٍّ رضي الله
عنه فيه وحُملَ الكتابُ إلى رَئيس الرُّؤساء فعَرضَه على الخَطيبِ ، فَتَأمَّله ، وقالَ : هذا
مُزَوَّر ، قيلَ : من أينَ قُلتَ؟ قالَ: فيه شَهادَةُ مُعاويَة وهو أسْلمَ عامَ الفَتْح ، وفُتْحَتْ
خَيْبَرُ سَنَةَ سَبعٍ ، وفيه شَهادَةُ سَعْدِ بنِ مُعاذ وماتَ يَومَ بَنِي قُرَيْظَة ، قبلَ خَيْبَرَ بِسَنَتَيْنٍ ،
فاستُحسِنَ ذلكَ منه(٣) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ خُوارزمْشاه : أبادَ مُلوكاً، واسْتولَى على عِدَّة
أقاليم، وخَضعَت له الرِّقابُ وقد حارَبَ الخَطَا غَيرَ مرَّة، فانْهَزَم جَيشُه في نَوْبَة وثبَتَ
هو ، فأُسِرَ هو وأميٌ ، أسَرَهما خَطائيٌّ، فصيّر نَفْسَه مَمْلوكاً لذلك الأميرِ ، وبَقيَ يَقِفُ
في خِدمَتِهِ ، فقالَ الأميرُ للخَطَائِيِّ: ابْعَثْ رَسُولَك مع غُلامي هذا إلى أهْلِي لِيُرْسِلوا
مَالاَ فِي فِكاكي ، ففَعَلَ وتَمَّت الحِيلَةُ ، وعادَ خُوارِزْ مشَاه إلى مُلكِه .
قالَ عِزُّ الدِّينِ عَلَيُّ ابنُ الأَثير : كانَ صَبوراً على الثَّعبِ وإِذْمانِ السَّيْرِ غَيْرَ مُتَنعِّمٍ
(١) انظر السير: (ابن الباقلانيّ) ١٩٠/١٧ -١٩٣، وانظر النزهة: ١/١٣٣٥.
(٢) انظر السير: (ابن الباقلانيّ) ١٧/ ١٩٠ -١٩٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٣٥.
(٣) انظر السير: (الخَطيبُ البَغداديُّ) ١٨/ ٢٧٠ -٢٩٧، وانظر النزهة: ٤/١٤١٢.
٢٤٦

ولا مُتْلَذِّذٍ إنما نِهْمِتُه الْمُلكُ وكانَ فاضِلاً، عَالِماً بالفِقْهِ والأصُولِ ، مُكْرِماً للُعلمَاءِ
يُحبُّ مُناظَرَتهم ، ويَتبرَّكْ بأهْلِ الدِّين ، قالَ لي خادِمُ الحُجْرَةِ النََّويَّة: أَتَيْتُه فاعْتَنَقَني ،
ومَشَىْ لي وقالَ : أَنْتَ تَخدِمُ حُجرَةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قُلتُ: نَعم، فأخَذَ
يَدِيَّ وأمَرَّها علىَ وَجْهِه ، وأعْطاني جُملةً .
كانت بلادُ ما وَراءَ النَّهْر في طاعَةِ الخَطَا، ومُلوك بُخارَىُ وسَمَرْقَنْدَ يُؤْدُّونَ الأَنَاوَةَ
إلى الخَطَا، وكانت هذه الأُمَمُ سَداً بينَ تُرْكِ الصِّينِ وبَيْنَنَا ففَتَحَ هذا السدَّ الوثيقَ وَظَنَّ
أنَّه لَمْ يَبْقَ مَنْ يُقاوِمُه، فانتقلَ إلى كِرْمانَ ثم العِراقِ، ثم أَذْرَبيجانَ ، وطَمعَ في الشَّامِ
ومِصْرَ ، وكان عَليهِ سَهْلاً لَوْ قَدِرَ باتَ صاحبُ حلبَ لَيْلَه مَهْمُوماً لِما اتَّصلَ به من أخْبارَ
هذا وطَمَعِه في الشَّامِ، وقِيلَ عنه: إنَّه يَبْقَىْ أرْبَعَةَ أيّام علىُ ظَهْرِ فَرَسِه لا يَنِزِلُ إِنَّما
يَنْتِقِلُ من فَرسِ إلى فَرْسٍ ويَطْوي البلادَ ويَهجِمُ المدينَةَ فِي نَفَرٍ يَسيرٍ ثم يُصَبِّحه من
عَسْكره عَشرةُ آلاف ويُمَسِّيه ◌ِشْرونَ ألفاً قَتَلَ عِدَّةَ مُلوكٍ وإنَّما أخْذُه البلادَ بالُّعْبِ
والهَيْبَة وبعدَ مَوتِ الظَّاهِرِ غازي جاءَ رَسُولُه إلى حَلبَ ، فقالَ : سُلطانُ السَّلَاطِينِ يُسلِّمُ
عَليكم ويَعْتِبُ إذْ لَمْ تُهَتُّوهُ بِفَتْحِ العِراقِ وأَذْرَبيجانَ ، وإنَّ عَددَ جَيشِه سَبعُ مئة ألفٍ ، ثم
تَوجَّه رَسُولُه إلى العادِلِ بدِمَشْقَ يَقولُ : تَعالَ إلى الخِدْمَة فقد ارْتَضَيْنَاكَ أنْ تَكونَ مُقَدَّمَ
الركاب! فبقيَ النَّاسُ يَهْزَؤُون منه وسَمِعنا أنَّه جَعلَ صاحِبَ الرُّومِ أميرَ عَلَم له والخَلِيفَةَ
خَطيباً! وأمَّا الْمُلوكُ الذين كانوا في خِدمَته فكان يُذِلُهم ويُهينُهم، وجَعلَهم يَضْرِبُونَ له
طُبُولَ الذَّهَب ولَمَّا أباد أُمَتَي الخَطَا والثّتَرِ وهُم أصْحابُ تُرْكِسْتَانَ وجَنْدُ وتَنْكُت ظَهرَت
أُمَّةٌ يُسَمَّونَ الثَّتَر أيضاً، وهم صِنْفَانِ وطَمِعوا في البلادِ فجَمعَ وعَزمَ علىَ لِقائِهِم فوَقَعَ
جِنْكيز خان رأسُ الطمغاجية علىْ كَمِينِهِ فطَحَنُوه، وانْهَزْمَ جَلالُ الدِّينِ ابنه إليه، وخُيِّلَ
إليه تَعِسُ الجَدِّ (١) أن في أُمَرائه مُخامِرِين فمَسَّكهم وضَربَ مع الثَّتَارِ مَصَافاً بعدَ آخَرِ
فَتَطَحْطَحَ، ورُدَّ إلى بُخَارَىْ مُنْهَزِماً ثم جاءَ من بُخَارَى لِيَجْمِعَ العَساكِرَ بنيسابُورَ فَأَخَذَت
التَّارُ بُخَارَىُ وهَجَموا خُراسان ففَّ، فما وَصَلَ إلى الرَّيِّ إلَّ وطلائعُهم على رأسِه ،
فانْهِزَمَ إِلى قَلعَة بَرَجِيْن ، ومعه ثلاثُ مئة فارِسٍ عُراةً مَضَّهم الجُوعُ فاسْتَطْعَموا من أكْرادٍ
(١) أي : سيىء الحظ.
٢٤٧

فَلَمْ يَحتَفلوا بهم، ثم أعْطَوهُم شَاتَين وقَصْعَتِي لَبن، ثم رَجعَ إلى نَهَاوَنْدَ ، ثم إلى
مازندران وقَعْقَعَةُ سِلاحِهم قد مَلأت سَمعَه وبَصرَه ، فَنَزَلَ بُبُخَيرَة هناك فانْسَهَلَ وطلَبَ
دَواءٌ فأعْوَزَه الخُبزُ وماتَ .
وقيلَ : كانَ عِدَّةُ جَيشِه في الدِّيوان ثَلاثَ مئة ألفٍ فارِسٍ ، وقيلَ : إنَّه استولى على
نَحْو أرْبَع مئة مَدينَة، وكانت أمُّه تُركان في عَظمَةٍ ما سُمعَ قَطُّ بِمِثْلِها ، وفي جَبَروت ،
فأسَرَها جنكيزخان ، وذَاقَت ذُلاَّ وُجُوعاً .
ماتَ في الجَزِيرَة سَنة سَبعَ عَشرَةَ وسِتٌ مئة وكُفِّنَ في عَمامَةٍ لفَرَّاشِهِ(١).
وقالَ القاضي ابنُ وَاصِل: وبَلغَني أنَّ رَجُلاً كَانَ يَرِىُ صِحَّةَ خِلافَةِ يَزِيد ، فأَحْضَرَه
لِيُعاقِبَه فسَألَه : ما تَقُولُ فِي خِلافَةِ يَزِيد؟ قالَ: أنا أقولُ لا يَنْعَزِلُ بارْتِكَابِ الفِسْقِ ،
فَأعْرَضَ عَنه، وأمَرَ بإِطْلاقِهِ، وخافَ من الْمُحاقَقَةِ(٢).
الشَّجَاعَة
١ - صُوَرٌ من الشَّجَاعَة :
قِيلَ: كَتَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إِلىْ أُمَرَاءِ الجَيشِ : لا تَسْتَعمِلُوا الْبَراءَ على جيشٍ فإنَّه
مُهْلِكَةٌ من المَهَالِكِ يَقْدُمُ بهم .
وبَلَغَنا أنَّ البَراءَ يومَ حربٍ مُسَيْلِمَةَ الكذَّب أمَرَ أصْحابَه أنْ يَحْتَمِلُوه علىُ تُرسِ ،
علىُ أَسِنَّةِ رِماحِهِم، ويُلْقُوا به في الحَديقةِ فَاقْتَحَمَ إليهم ، وشَدَّ عليهم ، وقاتلَ حتى
افْتَتَحَ بابَ الحديقةِ ، فجُرِحَ يومئذٍ بضْعةً وثمانين جُرحاً ، ولذلك أقامَ خالدُ بنُ الوَليدِ
عليه شَهراً يُداوِي جِراحَه ، وقد اشْتَهَرَ أنَّ البَراءَ قَتلَ في حُروِبِهِ مِئَّةَ نفسٍ من الشُّجعانِ
مُبارَزَةٌ(٣) .
(١) انظر السير: (خُوارزمشاه) ١٣٩/٢٢ -١٤٣، وانظر النزهة: ٣/١٦٧٧.
(٢) انظر السير: (النَّاصِرُ لِدين الله) ٢٢/ ١٩٢ -٢٤٢، وانظر النزهة : ٤/١٦٨٥.
(٣) انظر السير: ( البراء بن مالك) ١٩٥/١-١٩٨، وانظر النزهة: ٢/٧٤١.
٢٤٨

وعن صالِحٍ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمَنِ بنِ عَوْفٍ ، عن أبيه ، عن جَدِّه قالَ : إنِّي
لَوَاقِبٌ يَومَ بَدْرَ في الصَّفِّ فَنَظَرتُ ، فإذا أنا بَينَ غُلامَين من الأنْصَارِ حَدِيثَةٌ أَسْنانُهما ،
فَتَمِنَّيتُ أنْ أكُونَ بِينَ أَضْلَعَ منهما فَغَمَزَني أحَدُهما، فقالَ: يا عَمُّ! أتَعرِفُ أبا جَهْل ؟
قُلتُ : نَعَم وما حاجَتُك؟ قالَ : أُخبرتُ أنَّه يَسُبُّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ،
والذي نَفَسِي بَيَدِه إنْ رَأيْتُه لا يُفارِقُ سَوَادِي سَوادَه حتَّى يَمُوتَ الأعْجَلُ منَّا فَتَعَجَّتُ
لذلك، فَغَمَزَنِي الآخَرُ ، فقالَ مثلُها ، فَلَمْ أَنْشَبْ أنْ نَظَرتُ إلى أبي جَهْل وهو يَجُولُ
في النَّاسِ ، فَقُلتُ : ألا تَرَيان؟ هذا صاحبُكما قالَ: فَابْتَدراهُ بسَيْفَيْهِما حتَّى قَتَلاهُ ،
ثم انْصَرَفَا إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فأخْبَراهُ فقالَ صلى الله عليه وسلم: (( أَيُكمَا
قَتَلَهُ؟ )) فقالَ كُلٌّ منهما: أنا قتلتُه فقالَ صلى الله عليه وسلم: ((هَلْ مَسَحْتُمَا
سَيْفَيْكمَا؟)) قالا: لا فنَظَرِ فِي السَّيْفَينِ، فقالَ: ((كلاكمَا قَتَلَه)) وقَضَىُ بسَلبه
لِمُعَاذِ بنِ عَمرو والآخَرُ هو مُعَاذُ بنُ عَفْراء .
وعن مُعَاذِ بنِ عَمْرو قالَ: جَعلتُ أبا جَهْلِ يَومَ بَدْرِ من شَأني فلمَّا أُمْكَنَني ، حَملتُ
عليه ، فضَربتُه ، فقَطعتُ قَدمَه بنِصْفِ ساقِهِ ، وضَربَني ابنُهُ عِكْرِمَةُ بنُ أبي جَهْل على
عاتِقِي، فطَرِحَ يَدِي وبَقيَتْ مُعلَّقَة بجِلدَةٍ بجَنبي، وأجْهَضَني عنها القِتالُ ، فقَاتَلتُ
عامَّةَ يَوْمي وإنِّي لِأسْحَبُها خَلفي، فلمَّا آذَتْني ، وضَعْتُ قَدَمي عَليها ثم تَمَطَّأْتُ عليها
حَتَّى طَرَحْتها .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: هذه واللهِ الشَّجاعَةُ، لا كَآخَر من خَدشِ بسَهم يَنْقَطعُ
قلبُه، وتَخورُ قُواهُ ثم عاشَ بعدَ ذلكَ إلى زَمَن عُثْمَانَ (١) .
وعن ابنِ أبِي لَيْلَى، أنَّ ابنَ أُمِّ مَكْتوم قالَ: أي رَبِّي! أَنْزِلْ عُذْرِي فَأُنْزِلَت ﴿غَيْرٌ أُوْلِ
الضَّرَرِ﴾(٢) فكان بعدُ يَغزو ويَقولُ: ادْفَعوا إليَّ اللُّواءَ فإِنِّي أعْمَىُ لا أَسْتَطِيعُ أنْ أَفِرَّ ،
وأَقِيمُوني بينَ الصَّفَّين(٣).
(١) انظر السير: ( مُعَاذ بنُ عَمْرو بنِ الجَموح) ٢٤٩/١ -٢٥٢، وانظر النزهة: ٣/١٥٦.
(٢) سورة النساء ، الآية : ٩٥ .
(٣) انظر السير: (ابنُ أُمِّ مَكتوم) ١/ ٣٦٠ _٣٦٥، وانظر النزهة : ٦/١٧٧.
٢٤٩

قالَ قَيْسُ بنُ أبي حَازِمِ : سَمعتُ خَالدَ بنَ الوَلِيدِ يقولُ : مَنَعَنِي الْجِهَادُ كثيراً من
القِراءَةِ ورَأَيْتُه أَتَى بسُمِّ ، فقالوا : ما هذا؟ قالوا : سُمٌّ ، قال : بِاسْمِ الله وشَرِبِه .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: هذه والله الكَرَامَةُ، وهذه الشَّجَاعَةُ(١).
وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم تَلا هذه الآيَة ﴿ وَإِن
تَتَوَلَوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَّكُمْ﴾(٢) قالوا: يا رَسولَ الله! مَنْ هَؤلاء؟ قالَ رضي الله عنه:
فضَرَبَ عَلىْ فَخِذِ سَلْمانَ الفَارِسِيِّ، ثم قالَ صلى الله عليه وسلم: ((هَذا وَقَوْمُهُ، وَلَوْ
كانَ الدِّينُ عِنْدَ الثَُّيَّ لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ الفُرْسِ))(٣).
عن عُثْمانَ بنِ طَلْحَة ، قالَ : كانَ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيْرِ لا يُنَازَعُ فِي ثَلاثَة : شَجاعَةٍ ،
ولا عِبادَةٍ ، ولا بَلاغَةِ (٤) .
قال ابنُ الزُّبَيْرِ : هَجمَ عَلينا جُرْجيرُ في عِشرينَ ومئةِ ألْفٍ ، فأحاطُوا بنا ونَحنُ في
عِشرينَ ألفاً - يَعني : نَوبَةَ إِفْرِيقية .
قالَ : واخْتَلِفَ النَّاسُ على ابنِ أبي سَرْح، فدَخَلَ فُسْطاطَه، فَرَأيتُ غِرَّةً من
جُرْجیرَ ، بَصُرْتُ به خَلفَ عَساكِرِه على بِرْذَوْنٍ أَشْهَب ، معه جاریتان تُظَلّلانٍ علیه بِرِیشٍ
الطَّواويسِ ، بينَه وبينَ جَيشِه أرْضٌ بَيْضاء ، فأَتَيْتُ أميرَنا ابنَ أبي سَرْح، فنَدَبَ لِيَ
النَّاسَ ، فَاخْتَرتُ ثَلاثينَ فارِساً ، وقُلتُ لسَائرِهم : الْبَئوا علىْ مَصافِّكُم ، وحَمَلتُ :
وقُلتُ لهم : احْمُوا ظَهْري ، فخَرَقْتُ الصَّفَّ إلى جُرْجيرَ وخَرجتُ صامِداً ،
وما يَحْسِبُ هو ولا أصْحابُه إلاَّ أنِّي رَسُولٌ إليه، حتَّى دَنَوْتُ منه فعَرَفَ الشَّرَّ فثابَرَ
بِرْذَوْنَهَ مُوَلِياً، فأدْرَكتُه، فطَعَنتُّه، فسَقطَ ، ثم احْتَزَزتُ رَأْسَه فَنَصَبتُه علىُ رُمْحي ،
وكَبَّرتُ وحَمَلَ الْمُسلمونَ ، فارْفَضَّ العدوُ ومَنحَ اللهُ أَكْتَافَهُم(٥) .
انظر السير: ( خالد بن الوليد) ٣٦٦/١ -٣٨٤، وانظر النزهة: ٦/١٧٩.
(١)
(٢) سورة محمد ، الآية : ٣٨.
انظر السير: (سَلَمانَ الفارسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٢/٢٠٣.
(٣)
(٤) انظر السير: (عبدُ الله بنُ الزُّبَيْر) ٣٦٣/٣ - ٣٨٠، وانظر النزهة: ٤/٣٩٥.
(٥) انظر السير: (عبدُ الله بنُ الزُّبَيْر) ٣٦٣/٣ - ٣٨٠، وانظر النزهة: ٦/٣٩٥.
٢٥٠

وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ بنِ عبدِ الْمُطَّلِبِ : الهَاشِمِيُّ ، ابنُ
عَمِّ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وأُّه عاتِكَةُ بنتُ أبي وَهْب الْمَخْزوميّة ، من
مُسْلِمَةِ الفَتْح (١).
لا نَعَلَمُ له رِوايَة كانَ مَوْصُوفاً بالشَّجاعَة والفُروسيّة .
ولَمَّا تُوفِّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم كانَ لهَاذا نَحو من ثَلاثينَ سَنةً .
عن أبي الحُوَيْرِث قالَ: أوَّلُ مَنْ قُتْلَ يَومَ أجْنادينَ بِطْرِيقٌ ، بَرِزَ يَدعُو إلى البرازِ ،
فَبَرَزَ إليه عبدُ الله بنُ الزُّبَيرِ بنُ عبدِ الْمُطَّلِب ، فاخْتَلِفَا ضَرَباتٍ ، ثم قَتَلَه عبدُ الله ، ثم
بَرَزَ آخَرُ ، فضَربَه عبدُ الله على عاتِقِه وقالَ : خُذْها وأنا ابنُ عبدِ الْمُطَّلِب، فَأَثْبَتَه ،
وقَطعَ سَيفُهُ الدِّرعَ ، وأَشْرِعَ في مِنْكَبِهِ ، ثم وَلَّى الرُّومِي مُنْهَزِماً.
وعَزمَ عليه عمرُو بنُ العاصِ أنْ لا يُبارِزَ، فقالَ: لا أصْبرُ، فلمَّا اخْتلطَت
الشُّيوفُ ، وُجدَ في رِبِضَة من الرُّومِ عَشرةٍ مَقْتُولاً ، وهم حَولَه ، وقائمُ السَّيفِ فِي يَدِهِ
قد غَرِيَ(٢)، وإنَّ فِي وَجِهِه لِثَلاثِينَ ضَربَةً .
وأجْنادينُ كانت سَنةَ ثَلاثَ عَشرةٍ(٣) .
وقالَ أبو عِمْرانَ الجَوْني : قيلَ لعامِرِ بنِ عبدِ قَيْس : إنَّك تَبيتُ خارجاً ، أمَا تَخافُ
الأسَدَ؟ قالَ: إنِّي لأسْتَحي من رَبِّي أنْ أخافَ شَيئاً دُونَه وهَبطَ وَادياً به عابدٌ حَبَشيٌّ ،
فانْفَرَدَ يُصلِّي في ناحية ، والحَبَشيُّ في ناحية أَرْبَعينَ يَوماً لا يجتمعان إلاَّ في
فَرِيضَةٍ (٤) .
وقالَ جَعْفَرُ بنُ سُليمانَ: كانَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ من أشَدِّ النَّاسِ، وكانَ الْمُهَلَّب إذا
قاتَلَ الْمُشركينَ يُقدِّمُه(٥).
(١) انظر السير: (عبدُ الله بنُ الزُّبَيْرِ بنُ عبد الْمُطَّلِب) ٣٨١/٣-٣٨٣، وانظر النزهة: ١/٣٩٨.
(٢)
غَرِيَ : أي لَزِقَ .
انظر السير: (عبدُ الله بنُ الزُّبَيْرِ بنُ عبد الْمُطَّلِب) ٣٨١/٣-٣٨٣، وانظر النزهة: ٢/٣٩٨ .
(٣)
(٤)
انظر السير: ( عامِر بن عبد قيْس) ١٥/٤-١٩، وانظر النزهة: ١/٤٣٤.
انظر السير: ( الحَسَنُ البَصْريُّ) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ٧/٥٦١.
(٥)
٢٥١

جاءَ في تَرْجَمَةِ أحمَدَ بنِ إِسْحاقَ السُّرْماريِّ قال الإمامُ الذهَبِيُّ : الإمامُ الزَّاهِدُ ،
العَابِدُ المُجَاهِدُ ، فارِسُ الإسْلامِ أبو إسْحاقَ ، من أهْلِ سُرْماري ، من قُرى بُخَارَى
وكان أَحَدَ الثِّقَاتِ، وبشَجَاعَتِهِ يُضَّرَبُ المَثَلُ(١) .
وقال إبراهيمُ بنُ عَفَّنَ البَزَّار : كُنتُ عندَ أبي عبدِ الله البُخَارِيّ فَجَرَى ذِكرُ
أبي إسْحَاقَ الُّرْمارِيّ، فقال: ما نَعْلَمُ في الإسْلامِ مِثْلَه فخَرَجْتُ فإذا أُحَيْدُ رَئيسُ
المُطَّوِّعَة، فأخْبَرَتُه، فَغَضِبَ ودَخَلَ على البُخَارِيّ ، وسَأَلَه فقال ما كذا قُلتُ ، بل :
ما بَلَغَنَا أَنَّه كان في الإسْلامِ ولا في الجَاهِلِيَّةِ مِثْلُه .
وقال ابنُه أبو صَفْوَانُ : دَخَلتُ على أبي يوماً ، وهو يَأْكُلُ وحْدَه فرَأَيْتُ في مائِدَتِهِ
عُصْفُوراً يأكُلُ معَه، فلمَّا رَآنِي طَارَ(٢) .
وعن أحمَدَ بنِ إسْحاقَ قال : يَنْبَغِي لقائِدِ الغُزَاةِ أنْ يكونَ فِيه عَشْرُ خِصالٍ : أنْ
يكونَ في قَلبِ الأَسَدِ لا يَجْبُن ، وفي كِبْرِ النَمِر لا يَتَوَاضَعِ ، وفي شَجَاعَةِ الدُّبّ يَقْتُلُ
بِجَوَارِحِهِ كُلِّها، وفي حَمْلَةِ الخِنْزِيرِ لا يُؤَلِّي دُبُرَه، وفي غارَةِ الذِّتْبِ إذا أَيِسَ من وَجْهٍ
أَغَارَ من وَجْه ، وفي حَمْلِ السِّلاحِ كالنَّمَلَةِ تَحْمِلُ أكْثَرَ من وَزْنِها ، وفي الثَّبَاتِ
كالصَّخْرِ، وفي الصَّبرِ كالحِمارِ ، وفي الوَقَاحَةِ كالكَلْبِ لو دَخَلَ صَيْدُه النَّارَ لدَخَلَ
خَلفَه ، وفي التِماسِ الفُرصَةِ كالدِّيك .
وكانَ إبراهيمُ بنُ شِمَاسٍ يقولُ : كُنْتُ أُكاتِبُ أحمَدَ بنَ إِسْحَاقَ السُّرْمَارِيّ ، فَكَتَبَ
إليَّ : إذا أرَدْتَ الخُرُوجَ إلى بلادِ الغُزَيّة في شِراءِ الأَسْرَىُ ، فاكْتُبْ إليَّ فَكَتَبتُ إليه ،
فقَدِمَ سَمَرْقَنْدَ ، فخَرَجْنَا، فلمَّا عَلِمَ جَعْبَوَيْهِ، استَقْبَلَنا في عِدَّةٍ من جُيُوشِه ، فَأَقَمْنا
عِنْدَه ، فعَرَضَ يوماً جَيْشَه ، فمرَّ رجلٌ فعَظَّمَه وخَلَعَ عليه، فسَأَلَنِي عنه السُّرْمارِيّ
فقُلتُ : هذا رجلٌ مُبَارِزٌ، يُعَدُّ بألفِ فارسٍ قال: أنا أُبَارِزُه فسَكَتُ فقال جَعْبَوَيْه :
ما يقولُ هذا؟ قُلتُ يقولُ: كَذَا وَكَذَا قال:َ لَعَلَّه سَكْرانٌ لَا يَشْعُر، ولكن غَدَاً نَرَكَبُ
فلمَّا كان الغَدُ رَكِبُوا ، فَرَكِبَ السُّرْمارِيُّ معَه عَمُودٌ في كُمِّه فقامَ بإزاء المُبارِز فقَصَدَه ،
(١) انظر السير: (أحمد بن إسحاق السّرماري) ٣٧/١٣ -٤٠، وانظر النزهة: ١/١٠٤٨.
(٢) انظر السير: (أحمد بن إسحاق السّرماري) ٣٧/١٣ - ٤٠، وانظر النزهة: ١/١٠٤٩.
٢٥٢

فهَرَبَ أحمَدُ حتّى باعَدَهُ من الجَيْشِ ، ثمَّ كَرَّ وضَرَبَه بالعَمُودِ فقَتَلَه ، وتَبِعَ إبراهيمَ بنَ
شِمَاسِ ، لأنَّه كان قد سَبَقَه فَلَحِقَه، وعَلِمَ جَعْبَوَيْه، فجَهَّزَ في طلبِه خمسِينَ فارساً
نَقَاوةٌ، فأدْرَكُوه ، فثَبُتَ تحتَ تَلِّ مُخْتَفِياً حتّى مَرُوا كُلُّهم واحِداً بعدَ واحِد ، وجَعَلَ
يَضْرِبُ بعَمُودِهِ من ورَاءِهم إلى أنْ قَتَلَ تَسْعَةً وأربعِينَ، وأَمْسَكَ واحِداً ، قَطَعَ أَنْفَه
وأُذُنَيَّه ، وأَطْلَقَه لِيُخْبِر ، ثمَّ بعدَ عامَيْن تُؤُِّي أحمدُ ، وذَهَبَ ابنُ شِمَاسٍ في الفِداءِ ،
فقال له جَعْبَوَيْه : مَنْ ذَاكَ الذي قَتَلَ فُرْسانَنَا؟ قال : ذاكَ أحمدُ السُّرْمارِيّ قال : فِلِمَ لَمْ
تَحْمِلْهِ مَعَكَ؟ قُلتُ : تُؤُفِّيَ، فَصَكَّ فِي وَجْهِي، وقال: لَوْ أَعْلَمْتَنِي أَنَّه هو لكُنتُ
أُعْطِيهِ خَمْسُ مئةٍ بِرْذَوْن(١) وعَشْرَةَ آلافِ شاة .
وعن عِمْرانِ بنِ مُحمَّد المطّوعيّ : سَمعتُ أبي يقولُ: كان عَمُودُ المطَّوِّعيِّ
الشُّرْمارِيّ وزْنُه ثمانِيَةَ عَشْرَةَ مَنَا(٢) ، فلمَّا شَاخَ جَعَلَه اثنَيْ عَشْرَ مَنّاً ، وكان به
يُقاتِلُ (٣).
وعن عُبيد الله بنِ واصل ، سَمعتُ أحمدَ السُّرْماريَّ يقولُ ، وأخرِجَ سَيْفَه ، فقال :
أعلَمُ يَقيناً أنِّي قَتلتُ به ألفَ تُركيّ ، وإنْ عِشْتُ قَتَلتُ به ألفاً أخرى ، ولولا خَوْفي أن
يكونَ بدعةً لأمَرتُ أن يُدفَن معي .
وعن محمودِ ابنِ سَهْل الكاتب ، قال : كانوا في بعض الحروب يحاصِرون مكاناً ،
ورئيسُ العدوِّ قاعدٌ على صُفَّة(٤)، فرمى السُّرماريُّ سَهْماً، فغرزَه في الصُّفَّة ، فأوْماً
الرئيسُ لينزعه ، فرماه بسَهمٍ آخر خاطَ يدَه ، فتطاوَلَ الكافرُ لينزعَه من يده ، فرماه
بِسَهمٍ ثالثٍ فِي نَحرِهِ ، فانهزَمَ العَدوُّ ، وكان الفتح .
قالَ الإمامُ الذهَبيُّ مُعقِّباً : أخبارُ هذا الغازي تسُؤُّ قلبَ المسلم .
(١) البرْذَوْن: ضرب من الدواب، يخالف الخيل العراب، عظيم الخِلقة، غليظ الأعضاء.
(٢)
المَنّ : زِنَة رطلین .
(٣) انظر السير: (أحمد بن إسحاق السّرماري) ٣٧/١٣ -٤٠، وانظر النزهة: ٢/١٠٤٩.
(٤) الصُفَّة : الظُّلة، والبَهو الواسع العالي السقف.
٢٥٣

تُوقِّي في سنة اثنتين وأربعين ومئتين ، رحمه الله تعالى ، فإنه كان مع فَرْط شجاعته
من العلماء العاملين العُبَّاد(١).
وقال ابنُه أبو صَفْوَان : وَهَبَ المَأمونُ لأبي ثلاثينَ ألفاً ، وعَشرةَ أفْراسٍ وجارِيَةً ،
فلمْ يَقبَلْها(٢) .
وعن خَفيفِ السَّمَرْقَنديِّ: قالَ : خَرجتُ مع الْمُعْتَضِدِ بالله للصَّيدِ ، وانقَطعَ عنه
العَسكَرُ فخَرجَ علينا الأسَدُ ، فقالَ: يا خَفيفُ! أمْسِكْ فَرَسي ونَزَلَ، فَتَحزَّمَ ، وسَلَّ
سَيفَه، وقَصدَ الأسَدَ، فقَصَدَه الأسَدُ ، فَتَلقَّاهُ الْمُعْتَضِدُ، فقَطْعَ يَدَه ، فَتَشاغَلَ بها
الأسَدُ، فضَربَه فَلَقَ هامَتَه ، ومَسحَ سَيفَه في صُوفِه ، ورَكِبَ ، وصَحبتُه إلى أنْ ماتَ ،
فمَا سَمعتُه يَذكُرُ الأسَدَ ، لِقِلَّة احْتِفالِهِ بِه .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : كانَ في الْمُعْتَضِدِ حِرْصٌ، وجَمْعٌ للمَالِ ، حارَبَ الزُّنجَ ،
وله مَواقفُ مَشهودَةٌ ، وفي دَولَتِهِ سَكنَت الفِتَنُ، وكانَ فَتَاهُ بَدْر علىَ شَرِطَتِهِ ،
وعُبَيْدُ الله بنُ سُليمانَ علىُ وَزارَتِه، ومحمَّدُ بنُ شَاه علىُ حَرَسِه، وأسْقطَ الْمَكْسَ ،
ونَشْرَ العَدلَ، وقَلَّلَ من الظُّلمِ ، وكانَ يُسمَّى السَّفَّحَ الثاني، أحْيَا رَميمَ الخِلافَة التي
ضَعْفَت من مَقْتَل الْمُتَوَكل ، وأَنْشَأْ قَصْراً غَرَمَ عليه أرْبَع مئة ألفِ دِينارٍ ، وكانَ مِزاجُه قد
تَغْيَّرَ من فَرْط الجِمَاعِ وعَدَمِ الحِمْيَة .
وكانَ أبو العَبَّاسِ الْمُعْتَضِدُ شَهْماً، جَلداً، رَجُلاً بازلاً، مَوْصُوفاً بالرُّجْلَة
والجَزالَة، قد لَقِيَ الحُروبَ ، وعُرفَ فَضلُه، فقامَ بالأمْرِ أحْسَنَ قيام ، وهابَه النَّاسُ
ورَهُبُوه، ثم عَقدَ له الْمُعْتَمِدُ مَكانَ الْمُوَفَّق، وجَعلَ أوْلادَه تَحتَ يدِه ، ثم إنَّ الْمُعْتَمِدَ
جَلسَ مَجلساً عاماً ، أشْهَدَ فيه على نَفْسِه بخَلع وَلَدِهِ الْمُفَوِّض إلى الله جَعْفَرَ من وِلايَة
عَهِدِهِ ، وإفْرادِ أبي العَبَّاس بالعَهْد في الْمُحَرَّم (٣).
وقالَ الحاكِمُ : سَمعتُ محمَّدَ بنَ صالِحِ بنِ هانىءٍ يَقولُ : لَمَّا قُتْلَ يَحْيَىُ بنُ
(١) انظر السير: (أحمد بن إسحاق السّرماري) ١٣/ ٣٧ -٤٠، وانظر النزهة: ١/١٠٥٠.
(٢) انظر السير: (أحمد بن إسحاق) ٣٧/١٣ - ٤٠، وانظر النزهة: ٢/١٠٥٠.
(٣) انظر السير: (الْمُعْتَضِدُ بالله) ٤٦٣/١٣ -٤٧٩، وانظر النزهة: ٢/١١٠٤.
٢٥٤

الذُّهْليِّ، مُنعَ النَّاسُ من حُضور مَجالِسِ الحَديثِ من جهة أحمدَ الخُجُستاني فَلَمْ يَجْسِر
أحَدٌ يَحمِلُ مِخْبَرَةً إلى أنْ وَرَدَ السَّرِيُّ بِنُ خُزَيمَة ، فقامَ الزَّاهِدُ أبو عُثْمانَ الحِيري ،
وجَمعَ الْمُحدِّثينَ في مَسجِدِهِ ، وعَلَّقَ بِيَدِهِ مِخْبَرَةً وَتَقَدَّمَهم إلى أنْ جاءَ خان محمش ،
فأخْرَجَ السَّريَّ وأجْلسَ الْمُسْتَملي، فحَزَرْنا مَجلِسَه زيادة على ألفِ مِخْبَرَةً ، فلمَّا فَرِغَ
قاموا وقَبَّلوا رَأْسَ أبي عُثْمانَ ونَثْرَ النَّاسُ عليهم الدَّراهمَ والسُّكَّرَ سَنةَ ثَلاثٍ وسَبعينَ
ومئتين(١) .
وكانَ أميرُ المؤمنينَ العَبَّاسيُّ الرَّاشِدُ بالله أبيضَ مَليحاً، تامّ الشَّكلِ ، شَديدَ الأنْدِ ،
يُقالُ : إنَّه كانَ بِدَارِ الخِلافَةِ أئِلٌ عَظيمٌ اعْتَرَضَه في البُسْتَانِ ، فَأَحْجَمَ الخَدمُ ، فَهَجَمَ
على الأيْلِ ، وأَمْسَكَ بِقَرْنَهِ ورَمَاهُ ، وطَلبَ مِنْشاراً، فقَطْعَ قَرْنَيَه(٢).
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ محمدِ بن سَعْد: ابنُ محمَّدُ بنُ مَرْدَنيش الجُذاميُّ
الأَنْدَلُسيُّ ، الْمَلكُ أبو عبدِ الله صاحِب مُرْسِيَةً وَبَلَنْسِيَةَ(٣).
كان صِهْراً للمَلِكِ المُجاهِدِ الوَرِعِ أبي مُحمّد عبد الله بنِ عياض فلمَّا تُوفِيَ ابنُ
عِياض ، اتَّفَقَ رأيُ أجْنادِه على تَقْدِيمِ ابن مَرْدنيش هذا عليهم ، وكان صَغيرَ السِّنِّ
شاباً ، لَكنَّه كان مِمَّن يُضْرَبُ بِشَجاعَتِهِ المَثلُ وابتُلي بجَيشٍ عبدِ المُؤمن يُحَارِبُونَه ،
فاضْطَرَّ إلى الاسْتِعَانَةَ بالفِرَنْجِ فلمَّا تُؤُفِّي الخَليفَةُ عبدُ المُؤْمِن تَمَكَّنَ ابنُ مَرْدنيش ،
وقَوِيَ سُلطانُهُ وجَرَتْ له حُروبٌ وخُطُوبٌ .
ذَكَرَهُ الْيَسَعُ في (( تاريخِه)) وقال: نازَلَتِ الرُّومُ المَرِيَّةَ عندَ عِلمِهِم بِمَوتِ ابنِ
عِياض ، ولِكَونِ ابنِ مَرْدنيش شَاباً ، لَكنَّه عِندَهُ من الإقْدام ما لا يُوجَدُ في أحَدٍ حتى
أضَرَّ به في مَواضِعَ شاهَدْناها معه، والرَّأيُ قبلَ الشَّجَاعَةِ، وإلاَّ فهُو في القُوَّةِ
والشَّجاعَة في مَحلِّ لا يَتَمكَّنُ منه أحَدٌ في عَصْرِهِ ، ما اسْتَتَمَّ خَمسَةَ عَشَرَ عَاماً حتى
ظَهَرتْ شَجاعَتُه، فإنَّ العَدُوَّ نازَلَ إفراغة، فَقَرُبَ فارِسٌ منهُم إلى السُّورِ، فَخَرَجَ
٠٠٠
(١) انظر السير: (أبو عُثْمان الحِيري) ١٤ /٦٢ -٦٦، وانظر النزهة: ٤/١١٣١.
(٢) انظر السير: (الرَّاشدُ بالله) ٥٦٨/١٩-٥٧٣، وانظر النزهة: ٢/١٥١٦.
(٣) انظر السير: (محمد بن سعد) ٢٤٠/٢٩ -٢٤٢، وانظر النزهة: ١/١٥٤٨.
٢٥٥

مُحمّدٌ ، وأبُوهُ سَعدٌ لا يَعرِفُ، فالْتَّقَيَا علىْ حَاقَّةِ النَّهْرِ، فضَرَبَهُ مُحمّدٌ ألقَاهُ مع حِصانِهِ
في المَاءِ ، فلمَّا كان الغَدُ طَلَبَ فارِسٌ من الرُّومِ مُبارَزَتَه ، وقال : أيْنَ قاتلُ فارِسِنا
بالأمْسِ ؟ فامْتَنَعَ والِدُه من إخْراجِه له، فلمَّا كَان وَقتُ القَائِلَة وقد نَامَ أَبُوهُ رَكِبَ
حِصانَه، وخَرَجَ حتّى وَصَلَ إِلى خِيامِ العَدُوِّ، فِقِيلَ للمَلِك: هذا ابنُ سَعد فأحْضَرَهُ
مَجْلِسَه ، وأكْرَمَه وقال : ما تُريدُ ؟ قَالَ: مَنَعَنِي أبي من المُبارَزَةِ ، فَأيْنَ الذي يُبارِزُ ؟
فقال : لا تَعْصِ أبَاكَ فقالَ: لا بُدَّ فحَضَرَ المُبارِزُ فالْتَّقَيَا، فضَرَبَ العِلْجُ مُحمَّداً في
طارِقَتِهِ ، وضَرَبَ هو العِلْجَ ألْقَاهُ ثمَّ أَوْمَأَ إليه بالرُّمْحِ لَيَقْتُلَه ، فحالَتِ الرُّومُ بينَهُما ،
وأعْطاهُ المَلِكُ جَائِزَةً .
ومن شَجاعَتِهِ يَومَ نِوَلَةَ(١) : كانَ في مئة فارِس ، والرُّومُ في ألفٍ فحَملَ بِنَفْسِهِ ،
فَاجْتَمَعَت فيه أكثرُ من عِشْرينَ رُمحاً ، فمَا قَلبوهُ، ولَوْلا حَصَانَةُ عُذَّتِهِ لَهَلكَ، فَكَشِفَ
عنه أصْحابُه، وانْهزَمَ الرُّومُ، فاتََّعَهم من الظُّهرِ إلى اللَّيلِ، ثم هادَنَ الرُّومَ عَشرَ
سنين .
قالَ: ولَمْ تَزَلِ الأَامُ تَخدمُه، وقد اهتمَّ بجَمع الصُّنَّاعِ لآلاتِ الحُروب وللبناءِ
والتَّرْخيم ، واشْتَغْلَ بِناءِ القُصُورِ العَجِيبَة والتُّزَه والبَساتين الَعَظيمَة، وصَاهَرَ الرَّئيسَ
القائدَ أبا إسحاقَ بنَ هَمُشْك(٢) .
وقالَ سِبطُ الجَوْزِيِّ: كانَ الشَّيخُ اليُونينيُّ شُجاعاً ما يُبالي بالرِّجالِ قَلُّوا أو كَثُروا
وكانَ قَوْسُهُ ثَمانِينَ رَطلاً، وما فاتته غَزاةٌ (٣) .
٢ - أَبْطَالُ الإسْلام:
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ سَيفِ الله خالِدِ بنِ الوَليد : هاجرَ مُسلِماً في صَفَرَ سَنةً
ثَمانٍ ، ثم سَارَ غَازياً، فَشَهِدَ غَزْوَةَ مُؤْتَةٍ، واسْتُشْهِدَ أُمَراءُ رَسُولِ الله صلى الله عليه
وسلم، الثَّلاثةُ: مَوْلاهُ زَيْدٌ، وابنُ عَمِّه جَعْفَر ذو الجَناحَيْن ، وابنُ رَوَاحَة ، وبقيَ
(١) بكسر أوله وفتح ثانيه: حِصنٌّ من أعمال مَرْسية بالأنْدِلُس
(٢) انظر السير: (محمد بن سعد) ٢٩/ ٢٤٠ -٢٤٢، وانظر النزهة : ٢/١٥٤٨.
(٣) انظر السير: (اليُونيني) ٢٢/ ١٠١ - ١٠٣، وانظر النزهة: ٣/١٦٦٩.
٢٥٦

الجَيشُ بلا أميرٍ ، فَتَأمَّرَ عَليهم في الحالِ خَالدٌ، وأخَذَ الرَّايَةَ، وحَملَ على العَدوِّ ،
فكانَ النَّصْرُ، وسَمَّاهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، سَيفَ الله ، فقالَ صلى الله عليه
وسلم: ((إنَّ خَالِداً سَيْفٌ سَلَّهُ اللهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ)) وشَهِدَ الفَتحَ وحُنَيناً، وتَأَمَّرَ في أيَّامِ
النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، واحْتَبسَ أدْراعَه ولأمَتَه في سَبيلِ الله، وحارَبَ أهْلَّ
الرِّدَّة، ومُسَيْلِمَةَ، وغَزَا العِراقَ، واسْتَظهَرَ ، ثم اخْتَرَقَ البَريَّةَ السَّمَاوَّة بحَيثُ إِنَّه قَطعَ
الْمَفازَةَ من حَدِّ العِراقِ إلى أوَّلِ الشَّامِ في خَمسٍ لَيَالٍ فِي عَسْكَرٍ معه ، وشَهدَ حُروبَ
الشَّامِ ، ولَمْ يَبْقَ في جَسَدِهِ قَيَدَ شِيرٍ إلَّ وعليه طابَعُ الشُّهَداء(١).
عن أنَسٍ قالَ: لَمَّا كانَ يَومُ أُحُد ، انْهَزْمَ نَاسٌ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ،
وأبو طَلْحَةَ بِينَ يَدَيه، مُجَوِّباً عَليه بِحَجَفَةٍ (٢) ، وكانَ رَامياً شَديدَ النَّزْعِ ، كَسرَ يَومَئذ
قَوْسَين أو ثَلاثَة وكانَ الرَّجُلُ يَمُزُ مَعه الجُعْبَة من النَّبْلِ ، فَيَقُولُ صلى الله عليه وسلم :
((انْتُرْهَا لأبي طَلْحَة)) ثم يُشْرِفُ إلى القَوم، فَيَقُولُ أبو طَلْحَة: يا نَبيَّ الله،
بأبي أنْتَ ، لا تُشْرِفْ ، لا يُصيبُكَ سَهمٌ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِك .
قالَ : فَلَقد رَأيتُ عائشَةَ وأمَّ سُلَيم وإنَّهما لَمُشَمِّراتٍ، أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا(٣) ،
تَنْقُزان القِرَبُ على مُتونِهما(٤)، وتُفْرِغانِها في أفْوَاهِ القَوْم، وتَرْجِعَان ، فَتَمْلآّنِها فلقد
وَقَعَ السَّيفُ من يَدِ أبِي طَلْحَةَ مَرَّتَيْن أو ثَلاثاً من النُّعَاسِ (٥).
وقالَ أنَسٌ : كانَ أبو طَلْحَة أكثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدينَة مالاً من نَخْلِ ، فقالَ :
يا رَسُولَ الله، إنَّ أحَبَّ أمْوَالي إليَّ بَيْرُحَاءَ، وإنَّهَا صَدِقَةٌ لله، أرجُو بِرَّها وذُخْرَها ،
فضَعْها يا رَسُولَ الله حَيثُ أَرَاكَ الله، فقالَ صلى الله عليه وسلم: ((بَخِ! ذَلِكَ مَالٌ
(١) انظر السير: (خالِدُ بنُ الوَليد) ٣٦٦/١-٣٨٤، وانظر النزهة: ١/١٧٨.
٠
(٢)
الحَجَفَة : التُّرْس ومُجَوِّباً عليه : أي مُتَرِّساً عليه .
(٣)
خَدَم سُوقِهما : أي الخلاخيل ، جمع خَدمَة .
تَنْقُزان: أي تَتَبان، والنَّقْزُ: الوَثبُ كناية عن سُرعة السير، وجملة ((القِرَبُ على مُتونِها)) في موضع
(٤)
نصب على الحال .
(٥) انظر السير: (أبو طَلْحَة الأنْصاريّ) ٢٧/٢ -٣٤، وانظر النزهة: ٧/٢١٣.
٢٥٧

رَابِحٌ ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ )) (١).
عن أَنَسِ: أنَّ أبا طَلْحَةَ قَرَأَ: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾(٢) فقال: اسْتَنْفَرَنا اللهُ
وأَمَرَنَا، شُيُوخَنا وشَبابَنا، جَهِّزُونِي فقال بَنُوهُ: يَرحَمُك الله! إنَّكَ قد غَزَوْتَ علىْ عَهْدِ
رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكرٍ رضي الله عنه، وعُمَرَ رضي الله عنه ،
ونَحنُ نَغْزُو عَنكَ الآن قال : فَغَزَا البَحرَ ، فمَاتَ، فَلَمْ يَجِدُوا له جَزِيرَةً يَدِفِنُونَهُ فيها ،
إلَّ بعدَ سَبعَةٍ أَّامٍ ، فَلَمْ يَتَغَيَّر(٣) .
عن أبي قَتَادَةَ الأنْصاريِّ، قال: خَرَجْنا مع رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عامَ
حُنَيْن ، فلمَّا الْتَقَيْنا، رَأيتُ رَجُلاً قد عَلَا المُسلمينَ ، فاسْتَدَرْتُ له من وَرَائِه ، فضَرَبْتُه
بالسَّيفِ علىْ حَبْلِ عاتِقِه (٤) ضَربةً قَطَعَتُ منها الدِّرْعَ، فأقبَلَ عليَّ وضَمَّنِي ضَمَّةً وجَدْتُ
منها رِيحَ المَوتِ ، ثم أرْسَلَنِي ، وماتَ إلى أنْ قالَ : فقال رسُولُ الله صلى الله عليه
وسلم: (( مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ بََّةٌ فَلَهُ سَلَبُّهُ )) ، فقُمتُ ، فقلتُ : مَنْ يَشْهِدُلِي؟ وقَصَصْتُ
عليه ، فقالَ رَجُلٌ : صَدَقَ يا رسُولَ الله ، وسَلَبُ ذلك القَتِيل عِنْدِي فَأَرْضِهِ منه فقال
أبو بكرٍ رضي الله عنه: لا ها الله (٥)، إذاً لا يَعْمِدُ إلى أَسَدٍ من أُسْدِ الله يُقَاتِلُ عن اللهِ
ورسُولِه صلى الله عليه وسلم فيُعْطِيكَ سَلَبَه! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :
((صَدَق)) فأعْطانِيه، فبعْتُ الدِّرعَ، وابْتَعتُ به مَخْرَفاً(٦) في بَنِي سَلَمَة ، فإنَّه لأَوَّلُ مالٍ
تَأَثَّلْتُه(٧) فِي الإسْلام(٨).
وقالَ عكرمةُ بنُ عمَّار : حدَّثني عبدُ الله بنُ عُبَيَد بنِ عُمَير: أنَّ عُمَرَ بَعثَ أبا قَتَادَة
(١) انظر السير: (أبو طَلْحَة الأنصاريّ) ٢٧/٢-٣٤، وانظر النزهة: ٢/٢١٤.
(٢) سورة التوبة ، الآية : ٤١.
(٣) انظر السير: ( أبو طلحة الأنصاريّ) ٢٧/٢ -٣٤، وانظر النزهة: ٣/٤١٢.
((على حَبل عاتِقه)): حبلُ العاتِق : عصبه ، والعاتق : موضع الرداء من المنكب .
(٤)
(٥) لا ها الله : أي لا والله ، فالهاء هنا بمنزلة الواو .
(٦) المخرف : البستان، وسُمِّي بذلك لأنه يُخترف منه الثمر، أي: يُجْتَنَّى.
(٧) تأثَّلتُه : أي اقتنيته .
(٨) انظر السير: ( أبو قَتادَة الأنصاريّ السلمي) ٤٤٩/٢-٤٥٦، وانظر النزهة: ٤/٩٨٢.
٢٥٨

الأنْصاريّ ، فقَتلَ مَلكَ فارِس بيَدِهِ ، وعَليه مِنْطَقَة قيمَتُها خمسةَ عَشرَ ألفاً ، فَنَفَلها إِيَّاهُ
عُمَرُ .
ماتَ أبو قَتَادَة سَنةَ أرْبَع وخَمسين(١).
قال ابنُ الزُّبَيْرِ : هَجمَ عَلينا جُرْجيرُ في عِشرينَ ومئةِ ألْفٍ ، فأحاطُوا بنا ونَحنُ في
عِشرينَ ألفاً - يَعني : نَوبَةَ إفريقية .
قالَ: واخْتَلفَ النَّاسُ على ابنِ أبي سَرْح، فدَخَلَ فُسْطاطَه، فرَأيتُ غِرَّةً من
جُرْجیرَ ، بَصُرْتُ به خَلفَ عَساكِرِه على بِرْذَوْنِ أَشْهَب ، معه جاریتان تُظَلِّلانِ علیه بِیشِ
الطَّواويسِ ، بينَه وبينَ جَيشِه أرْضٌ بَيْضاء ، فأَتَيْتُ أميرَنا ابنَ أبي سَرْحٍ ، فَنَدَبَ ليَ
النَّاسَ ، فاخْتَرتُ ثَلاثينَ فارساً ، وقُلتُ لسَائِرِهم: الْبَئوا على مَصافِّكُم، وحَمَلتُ :
وقُلْتُ لهم : احْمُوا ظَهْري، فخَرَقْتُ الصَّفَّ إلى جُرْجيرَ وخَرجتُ صامِداً ،
وما يَحْسِبُ هو ولا أصْحابُه إلاَّ أنِّي رَسُولٌ إليه، حتَّى دَنَوْتُ منه فعَرَفَ الشَّرَّ فثابَرَ
بِرْذَوْنَهَ مُوَلِّياً، فأدْرَكْتُه، فطَعَنْتُه، فسَقطَ، ثم احْتَزَزتُ رَأْسَه فَنَصَبتُه علىَ رُمْحي،
وكَبَّرَتُ وحَملَ الْمُسلمونَ ، فارْفَضَّ العدوُّ ومَنحَ اللهُ أَكْتَافَهُمْ (٢) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ بنِ عبدِ الْمُطَّلِبِ: الهَاشِميُّ ، ابنُ
عَمِّ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأمُّه عاتِكَةُ بنتُ أبي وَهْب الْمَخْزوميّة ، من
مُسْلِمَةِ الفَتْح (٣).
لا نَعلَمُ له رِوايَة كانَ مَوْصُوفاً بالشَّجاعَة والفُروسيّة .
ولَمَّا تُوفِّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم كانَ لهَاذا نَحو من ثَلاثينَ سَنةً .
عن أبي الحُوَيْرِث قالَ : أوَّلُ مَنْ قُتلَ يَومَ أجْنادينَ بِطْرِيقٌ، بَرَزَ يَدعُو إلى البِرازِ ،
فَبَرَزَ إليه عبدُ الله بنُ الزُّبَيرِ بنُ عبدِ الْمُطَّلِب، فَاخْتَلِفَا ضَرَباتٍ ، ثم قَتَلَه عبدُ الله ، ثم
بَرَزَ آخَرُ ، فضَربَه عبدُ الله على عاتِقِه وقالَ : خُذْها وأنا ابنُ عبدِ الْمُطَّلِب ، فَأَثْبَتَه ،
(١) انظر السير: (أبو قتادة الأنصاريّ السلمي) ٤٤٩/٢-٤٥٦، وانظر النزهة: ١/٢٩٠.
(٢) انظر السير: (عبدُ الله بنُ الزُّبَيْر) ٣/ ٣٦٣ - ٣٨٠، وانظر النزهة: ٦/٣٩٥.
(٣) انظر السير: (عبدُ الله بنُ الزُّبَيْرِ بنُ عبد الْمُطَّلِب) ٣٨١/٣-٣٨٣، وانظر النزهة: ١/٣٩٨.
٢٥٩

وقَطعَ سَيِفُهُ الدِّرعَ ، وأَشْرعَ في مِنْكَبِهِ ، ثم وَلَّى الرُّومي مُنْهَزِماً .
وعَزمَ عليه عمرُو بنُ العاصِ أنْ لا يُبارِزَ، فقالَ: لا أصْبرُ، فلمَّا اخْتلطَت
السُّيُوفُ، وُجدَ في رِيضَة من الرُّومِ عَشرةٍ مَقْتُولاً ، وهم حَولَه ، وقائمُ السَّيفِ في يَدِهِ
قد غَرِيَ (١) ، وإنَّ في وَجهِه لِثَلاثِينَ ضَربَةً .
وأجْنادينُ كانت سَنةَ ثَلاثَ عَشرةٍ (٢) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ البطال : رَأْسُ الشُّجْعانِ والأبطالِ أبو محمَّد عبدُ الله
البطال، وقيلَ : أبو يَحْيَى، من أعيانٍ أُمَراءِ الشَّامِيِّين(٣).
وكانَ شَاليشَ الأميرِ مَسْلَمَةَ بنِ عبدِ الْمَلِكِ، وكانَ مَقرُّه بأنْطَاكِيَة، أوْطَأْ الرُّومَ خَوْفاً
وذُلاً ولكن كُذِبَ عليه أشْياءُ مُستَحيلَة في سِيرَتِهِ الْمَوضوعَة (٤) .
وعن عبدِ الْمَلِك بنِ مَرْوانَ أنَّه أوْصَىْ مَسْلَمَةَ أنْ صَيِّرْ علىُ طَلائِكَ البطال ومُرهُ
فليَعُسنَّ بِاللَّيلِ ، فإنَّه أميرٌ شُجاعٌ مِقْدَامٌ .
وقالَ رَجلٌ : عَقَدَ مَسْلَمَةُ للبطالِ على عشرةِ آلاف ، وجعلهم يَزْكاً(٥).، (٦).
عن البطال ، قالَ : اتَّفْقَ لِ أنَّا أَتَينا قَريةً لنُغِيرَ ، فإذا بيتٌ فيه سِراٌ وصَغِيرٌ يَبكي ،
فقالت أمُّه : اسْكُتْ، أو لأَدْفَعَنَّك إلى البطالِ فَبَكَىْ فأخَذَتْه من سَريرِه ، وقالت: خُذْهُ
یا بطالُ فقلتُ : هاتِه(٧) .
وجَرَت له أعاجيبُ وفي الآخِرِ أصْبحَ في مَعرَكَةٍ مَثْخُوناً وبه رَمَقٌ فجاءَ الْمَلكُ
لِيُونْ ، فقالَ أبا يَحْتَى: كيفَ رَأيتَ ؟ قالَ : وما رَأيتُ ؟ كذلكَ الأبطالُ تَقْتُلُ وتُقْتَلُ ،
فقالَ : عليَّ بالأطبّاء، فأَتَوا فوَجَدُوه قد أنفذَت مَقاتِلُه، فقالَ : هلْ لكَ حَاجَةً ؟
(١) غَرِيَ : أي لَزِقَ .
(٢) انظر السير: (عبدُ الله بنُ الزُّبَيْرِ بنُ عبد الْمُطَّلِب) ٣٨١/٣-٣٨٣، وانظر النزهة: ٢/٣٩٨.
انظر السير: ( البطال) ٢٦٨/٥-٢٦٩، وانظر النزهة: ٦/٦٠٠.
(٣)
انظر السير: ( البطال) ٢٦٨/٥-٢٦٩، وانظر النزهة: ٧/٦٠٠.
(٤)
(٥)
اليَزْك : طلائع الجيش ، والكلمة فارسية .
(٦) انظر السير: (البطال) ٢٦٨/٥ -٢٦٩، وانظر النزهة: ٨/٦٠٠.
(٧) انظر السير: (البطال) ٢٦٨/٥-٢٦٩، وانظر النزهة: ١/٦٠١.
٢٦٠