Indexed OCR Text

Pages 1-20

القَوَائِدَ الَزَاءُ
مِنْهَذِيْ
شَكْ عَلَامِ النََّلَاءِ
قدمله
الدّكتور ◌ُّمَّد مُوْسَى الشَِّيْف
جَمْعْ وَتَرتیبُ
الشّرَيْفِ فَهَذِ بْأَ حْمَدَ بُرْعَبدُ اللهِالمَهَدَلِيّ
سَاهَمَ في الطَّبْعْ
الشّيخُ مُحَّدْ عَائِضْ غَرَمَةِ الأَسْمَرِيّ
غفَ اللّه لَهُ ولِ الدَّيّه ولجميع المسلمينَ
الجزء الثالث

الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
جميع الحقوق محفوظة

القَوَاتُ الَاءُ
مِنْهَذِی
شَيْر عَلَامِ التََّلَاءِ

الصَّلاحُ والصَّالحُون
(١) سِيماءُ الصَّالحين وسَمْتُهم
(أ) صُورٌ على محُسْنِ السَّمْت:
رَوَىُ يُونُسُ بنُ أبي إسْحاقَ: عن أبيه ، كان عَمرو بنُ مَيْمون إذا رُنيَ ،
ذُكرَ اللهُ(١) .
رُوريَ عن أبي عُبَيَدَة بنِ عبدِ الله بنِ مَسْعود ، قالَ: كانَ الرَّبيعُ بنُ خُثَيم إذا دَخلَ
على ابنِ مَسْعود لَمْ يَكُن له إذْنٌ لأحَدٍ حتَّى يَفْرَغَ كُلُّ واحدٍ من صاحِبِه فقالَ له ابنُ
مَسْعود: يا أبا يَزِيد، لَوْ رَاكَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأحَبَّك، وما رَأيتُك إلاَّ
ذَكَرتُ الْمُخْبتِينَ(٢)، (٣).
وقالَ ابنُ الماجِشُون : إنَّ رُؤيَةَ محمَّد بنِ الْمُنْكَدِر لَتَنفَعُني في ديني (٤).
وقالَ عبدُ الرازَّق: كُنتُ إذا رَأيتُ ابنَ جُرَيج ، عَلمتُ أنَّه يَخْشى الله(٥).
وعن ابنِ الْمُبَارَكْ قالَ: ما رَأيتُ رَجلاً أَوْقرَ في مَجلِسِه ، ولا أحْسَنَ سَمْتاً وحِلْماً
من أبي حَنِيفَةٍ(٦).
وعن شريكٍ قالَ : كان أبو حَنيفَة طَوِيلَ الصَّمتِ ، كَثيرَ العَقلِ .
(١) انظر السير: (عَمرو بن مَيمون) ١٥٨/٤-١٦١، وانظر النزهة: ١/٤٦٨.
(٢)
المخبتون : هم المطمئنون ، وقيل : هم المتواضعون الخاشعون لربهم .
(٣)
انظر السير: ( الرَّبيعُ بن خُثَيم) ٢٥٨/٤ - ٢٦٢، وانظر النزهة : ٤/٤٩٢.
انظر السير: (محمد بن المُنكدِر) ٣٥٣/٥ -٣٦١، وانظر النزهة: ٣/٦٠٧.
(٤)
(٥) انظر السير: (ابنُ جُرَيْج) ٣٢٥/٦ -٣٣٦، وانظر النزهة: ١/٦٥٥.
(٦) انظر السير: ( أبو حنيفة) ٣٩٠/٦ -٤٠٤، وانظر النزهة: ١/٦٦٣.
٥

وقالَ أبو عاصِم النَّبيل: كانَ أبو حَنِيفَة يُسمَّى الوَتَدَ لِكَثْرَة صَلاتِه(١) .
وقالَ بِشْرُ بنُ الحارِث: إنَّي لأَذْكرُ الْمُعَافَى اليومَ، فَأَنْتُفِعُ بذكْرِهِ ، وأُذْكرُ رُؤيَتَه
فَأَنْتُفعُ(٢) .
وقالَ أبو زُرْعَة الرَّازي : سَمعتُ أبا جَعْفَر الجَمَّال يَقولُ: أَتَيْنا وَكيعاً فخَرج بعد
سَاعَة وعليه ثيابٌ مَغْسولَة، فلمَّا بَصُرْنا به ، فزِعْنا من النُّور الذي رَأيناه يَتلألأُ من
وَجْهِهِ ، فقالَ رَجلٌ بجَنْبِي : أهذا مَلكٌ؟! فَتَعجَّبنا من ذلك النُّور(٣).
وقالَ أحمَدُ بنُ مُنير البَلْخِيّ ، سَمعتُ حَمْدَانَ بنَ سَهْلِ البَلْخِيّ الفَقيهَ يَقولُ :
ما رَأيتُ أحداً إذا رُئِيَ ذُكرَ اللهُ تَعالَى إلاَّ القَعْنَبيَّ رَحمَه اللهُ، فإنَّه كانَ إذا مَرَّ بمَجلِس
يَقولون: لا إلهَ إلاَّ الله وقيلَ: كانَ يُسَمَّى الرَّاهِبُ لعِبادَتِهِ وفَضِلِه (٤) .
وقالَ عَباسُ العَنْبرِيُّ عن عليٍّ بنِ الْمَديني: لَعَلَّه كان يُقَدَّمُ على الحَسَنِ البَصْري ،
كانَ النَّاسُ يَكْتُبُونَ قيامَه وقُعودَه ولِياسَه، وكُلَّ شَيءٍ يَقولُ أو يَفعَل أو نَحْو هذا(٥) .
وكانَ يَجتمعُ في مَجلِسِ أحمَدَ زُهاءَ خَمسَةِ آلافٍ أو يَزِيدون نَحو خَمسٍ مئة
يَكتُبُون، والباقُونَ يَتعلَّمون منه حُسْنَ الأدَبِ والسَّمْتِ(٦) . . .
وقالَ أبو الحَسَن عَليُّ بنُ إبراهيمَ الرَّزي الخَطيب في تَرَجَمَةِ عَمَلَها لابنِ
أبي حاتمٍ : كانَ - رَحمَه اللهُ - قد كَسَاهُ اللهُ نُوراً وبَهاءً، يَسُّ مَنْ نَظَرَ إليه سَمعتُهُ يَقولُ :
رَحلَ بي أبي سَنةَ خَمسٍ وخَمسينَ ومِئْتَين ، وما احْتَلمتُ بَعدُ، فلمَّا بَلِغْنا ذا الحُلَيْفَةِ
احْتَلمتُ ، فسُرَّ أبي، حَيثُ أدْرَكتُ حَجَّةَ الإِسْلامِ(٧) .
وقالَ ابنُ النَّجَّار، كانَ ابنُ قُدامَة إمامَ الحَنابِلَة بجامِعِ دِمَشْقَ ، على قانون السَّلف ،
(١) انظر السير: ( أبو حنيفة) ٣٩٠/٦-٤٠٤، وانظر النزهة: ٣/٦٦٣.
(٢)
انظر السير: (المُعَافَى) ٩/ ٨٠-٨٦، وانظر النزهة: ٣/٨٠٠.
(٣)
انظر السير: ( وَكيع) ٩/ ١٤٠ -١٦٨، وانظر النزهة: ٧/٨١١.
(٤)
انظر السير: ( القَعْنَيّ) ١٠/ ٢٥٧ - ٢٦٤، وانظر النزهة : ٤/٨٧٥.
(٥)
انظر السير: ( عليّ بن المديني) ٤١/١١ - ٦٠، وانظر النزهة: ٥/٩٠٧ .
انظر السير: ( أحمد بن حَنْبَل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة : ١/٩٤٧.
(٦)
(٧) انظر السير: (عبد الرحمن بن أبي حاتم) ٢٦٣/١٣-٢٦٩، وانظر النزهة: ٣/١٠٧٨.
٦

عليه النُّورُ والوَقارُ ، يَنْتَفْعُ الرَّجُلُ بُرُؤِيتِهِ قبلَ أنْ يَسمعَ كلامَه(١) .
وكانَ فَخْرُ الدِّينِ ابنِ عَساكر لا يَمَلُّ الشَّخْصُ من النَّظرِ إليه لحُسْنِ سَمتِهِ ، ونُورٍ
وَجْهِه ، ولُطفِه واقْتِصادِه في مَلْبَسِه، وكانَ لا يَفْتُرُ من الذِّكرِ، وكانَ يُسَمِّعُ الحَديثَ
تحتَ النَّسْر(٢)، (٣).
( ب ) الهَيْبَة :
صُورٌ على الهَيْبَة :
عن الأحْنَفِ قالَ : كَذبتُ مرَّةً واحدةً ، سَألَنِي عُمَرُ عن ثَوبٍ ، بِكَمْ أخَذتُه ؟ ،
فأسْقَطَتُّ ثُلثَي الثَّمَن(٤) .
وعن عُمرَ بن جُعْثُم ، قالَ : كانَ خالدُ بنُ مَعْدَانَ إذا قَعدَ لَمْ يَقدِرْ أحَدٌ منهم يَذكُرُ
الدُّنيا عندَه هَيبةً له(٥) .
وقال أيُوبُ السِّخْتيانيُّ: كانَ الرَّجلُ يَجْلسُ إلى الحَسَنِ ثَلاثَ حِجَجِ ما يَسْألُهُ عن
المَسْألَة ◌َيْبَةً له(٦) .
وقالَ أحمَدُ بنُ حَنْبَل : لَزِمْتُ هُشَيماً أربعَ سنين ، أو خَمْساً ، ما سَألتُه عن شَيءٍ ،
إِلَّ مَرَّتَيْن هَيبَةً له، وكانَ كَثيرَ التَّسْبيحِ بينَ الحَديثِ، يَقولُ بين ذلك : لا إلَهَ إلاَّ الله ،
يَمدُّ بها صَوتَه(٧) .
وقال مُصْعَبُ الزُّبَيرِيُّ : كان العُمَرِيُّ أصفَرَ جَسيماً ، لَمْ يَكنْ يَقبَلُ من السُّلطانِ
ولا غَيْرِهِ ، ومَنْ وَلِيَ من أقارِبِهِ ومَعارِفِه لا يُكلِّمُه ووَلِيَ أخُوهُ عُمَرُ الْمَدينَةَ وكرمانَ ،
(١) انظر السير: (ابنُ قُدامَة المَقْدسيّ) ١٦٥/٢٢ -١٧٣، وانظر النزهة: ١/١٦٨١.
(٣) انظر السير: (ابن عساكر) ١٨٧/٢٢- ١٩٠، وانظر النزهة: ٤/١٦٨٣.
(٢)
يعني قبَّة النسر من جامع دمشق الأموي.
انظر السير: ( الأحْنَف بن قيس) ٤ / ٨٦ -٩٧، وانظر النزهة : ١/٤٥٠.
(٤)
انظر السير : ( خالد بن مَعْدان) ٥٣٦/٤ -٥٤١، وانظر النزهة : ٤/٥٥١.
(٥)
انظر السير: ( الحَسَن البَصْري) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ٤/٥٦٠.
(٦)
(٧) انظر السير: ( هُشَيم) ٢٨٧/٨ -٢٩٤، وانظر النزهة: ١/٧٥٩.
٧

فَهَجرَه ، ما أدْرَكتُ بِالْمَدِينَةِ رَجلاً أهْيَبَ منه وكانَ يَقبلُ صِلةَ ابنِ الْمُبارَك وقَدِمَ الكُوفَةَ
ليُخوِّفَ الرَّشيدَ باللهِ، فَرَجِفَ لِمَجيئه الدولة، حتَّى لَوْ كانَ نَزَلَ بهم من العَدوِّ منَةُ
ألفٍ، ما زادَ من هَيِبَتِهِ، فرُدَّ من الكُوفَة ولَمْ يَصلْ إليه(١) .
قالَ الدُّقِيُّ : ما رَأيتُ شَيْخاً أهْيَبَ من ابنِ الجَلَّء ، مع أنِّي لَقِيتُ ثَلاثَ مئة شيخ ،
فسَمِعْتُه يقولُ : ما جَلا أبي شَيئاً قطُّ، ولكنَّه كانَ يَعِظُ، فيَقَعُ كَلامُه في القُلوبِ ،
فسُمِّيَ جَلَّءَ القُلوب .
قالَ مُحمَّدُ بنُ عليٍّ بن الجُلندي: سُئلَ ابنُ الجَلَّء عن الْمَحَبَّة فسَمعْتُه يقولُ : مَالي
ولِلْمَحَبَّة ؟ أنا أُريدُ أنَعَلَّم الثَّوْبَةِ(٢).
(١) انظر السير: (العُمَريُّ) ٣٧٣/٨ -٣٧٨، وانظر النزهة : ١/٧٦٥.
(٢) انظر السير: (ابنُ الجَلاَء) ٢٥١/١٤-٢٥٢، وانظر النزهة: ٣/١١٤٨.
٨

(٢) مِنْ صِفَاتِهم
(أ) مَجْموعَة صِفات تَجدُها في الصالحين :
عن الحرمازيِّ : خَطبَ الحَسنُ بنُ عَليٍّ بالكُوفَةِ ، فقالَ : إنَّ الحِلمَ زينَةٌ والوَقارَ
مَرُوءَة، والعَجَلَةَ سَفَهُ، والسَّفَةَ ضَعفٌ، ومُجالَسَةُ أهْلِ الدَّناءَة شَيْنٌ، ومُخالَطَةُ
الفُسَّاقِ رِيبٌ(١) .
وعن ياسينَ الزيَّات قالَ : جاءَ ابنُ الكوَّاء إلى الرَّبيع بنِ خُثَيم ، فقالَ : دُلَّني على
مَنْ هو خَيرٌ منكَ، قالَ : نَعَم، مَنْ كانَ مَنْطِقُه ذِكْراً ،َ وصَمتُه تَفَكُّراً، ومَسيرُه تَدُراً
فهو خَيرٌ مِنِّي .
وعن الشَّعْبِيِّ، قالَ : كانَ الرَّبِيعُ أَوْرَعَ أصْحابِ عبدِ الله .
عن أبي يَعْلى الثَّوري، قالَ : كانَ في بَني ثَور ثَلاثُون رجلاً، ما منهم رجلٌ دُونَ
الرَّبِيعِ بِنِ خُثَيِم (٢) .
وعن وَهْبٍ بِنِ مُنَبِّه ، قالَ : العِلمُ خَليلُ الْمُؤْمِنِ ، والحِلمُ وَزيرُه ، والعَقلُ دَليلُه ،
والعَملُ قَيِّمُه، والصَّبرُ أميرُ جُنودِه، والرِّفْقُ أَبُوه، واللِينُ أخُوه(٣).
وعن وَهْبٍ : الْمُؤمِنُ يَنظُرُ لِيعَلَمَ، ويَتكلَّمُ لَفْهَمَ ويَسكُتُ لِيَسْلَمَ ، ويَخلو
لِيَغْنَمَ (٤) .
وعن قَتَادَة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾(٥) ، قال: كفى بالرَّهْبَة علماً، اجْتَنبوا
نَقَضَ الميثاق ، فإنَّ اللهَ قَدَّم فيه وأوْعَد ، وذَكرَه في آي من القُرآن تَقْدِمَةً ونَصيحَةً
(١) انظر السير: (الحسن بن عليّ بن أبي طالب) ٢٤٥/٣-٢٧٩، وانظر النزهة: ٥/٣٨٠.
(٢)
انظر السير : (الرَّبيع بن خُثَيم) ٤/ ٢٥٨ -٢٦٢، وانظر النزهة: ١٠/٤٩٣.
(٣)
انظر السير: ( وَهْب بن منبه) ٥٤٤/٤- ٥٥٧، وانظر النزهة: ٣/٥٥٤ .
(٤) انظر السير: (وَهْب بن منبه) ٥٤٤/٤ - ٥٥٧، وانظر النزهة: ٤/٥٥٤.
(٥) سورة فاطر، الآية : ٢٨ .
٩

وحُجَّةَ ، إِيَّاكم والتَّكلُّف والتَنطُّع والغُلو والإعجاب بالأنْفُس تَوَاضَعوا لله، لَعَلَّ اللهَ
يَرفَعُكم(١) .
وقالَ جَعْفَرُ بنُ محمَّد : الصَّلاةُ قُرْبانُ كلِّ تَقَيّ ، والحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعيفٍ ، وزَكاةٌ
البَدَنِ الصِّيامُ، والدَّاعِي بلا عَمَل كالرَّامي بلا وَتَر واسْتَنزِلوا الرِّزْقَ بالصَّدَقَة، وحَصِّنُوا
أَمْوَالَكم بالزَّكَاةِ وما عَالَ مَنِ اقْتَصَد، والتَّقْدِيرُ نِصْفُ العَيشِ، وقِلَّةُ العِيالِ أحَدُ
اليَسارَين، ومَنْ أحْزَنَ وَالدَيْهِ، فقد عَقَّهما، ومَنْ ضَربَ بَيَدِهِ علىُ فَخِذِهِ عند مُصيبة
فقد حَبطَ أجْرُه والصَّنِيعَةُ لا تَكونُ صَنِيعَةً إلاَّ عندَ ذي حَسَبٍ أو دَيْنٍ واللهُ يُنزِلُ الصَّبرَ على
قَدرِ الْمُصيبَة ويُنزِلُ الرِّزْقَ على قَدرِ الْمُؤنةِ ومَنْ قَذَّرَ مَعيشَتَه، رَزَقَه اللهُ، ومن بَذَّرَ
مَعِيشَتَه، حَرَمَه الله(٢) .
وقالَ جَعْفَرُ بنُ محمَّد: لا زادَ أفْضَلُ من التَّقْوَى ولا شَيءَ أحْسَنُ من الصَّمْتِ ،
ولا عَدوَّ أضرُّ من الجَهْلِ ، ولا دَاءَ أدْوا من الكَذِب (٣).
قالَ إِبْراهيمُ بن الأشْعَث : سَمعتُ الفُضَيلَ يقولُ : رَهْبَةُ العَبْد من الله علىْ قَدْر
عِلمِه بالله، وزَهادَتُهُ في الدُّنيا علىُ قَدْر رَغْبَته في الآخِرَةِ ، مَنْ عَملَ بما عَلَمَ اسْتَغْنَى
عمَّا لا يَعْلَم، ومَنْ عَمِلَ بما عَلِمَ وَقَّقه اللهُ لِمَا لا يَعْلَم، ومَنْ ساء خُلقُه شَانَ دينُه
وحَسَبُهُ ومَروءَتُه(٤) .
وسَمعْتُه يقولُ : أَكْذَبُ النَّاسِ العائدُ فِي ذَنْبِهِ، وأجْهَلُ النَّاسِ المُدِلُّ بحَسَناتِهِ ،
وأعْلَمُ النَّاسِ أَخْوَفُهم مِنْه، لَنْ يَكْمُلَ عبدٌ حتى يُؤْثِرَ دِينَه علىُ شَهْوَتِهِ ، ولَنْ يَهْلِكَ عبدٌ
حتى يُؤْثِرَ شَهْوَتَه على دينِه(٥) .
وقِيلَ للفُضَيلِ : ما الزُّهْدُ؟ قالَ : القُنوعُ، وقِيلَ ما الوَرَعُ؟ قَالَ : اجْتِنابُ
(١) انظر السير: (قَتادَة) ٢٦٩/٥-٢٨٣، وانظر النزهة: ٧/٢٠٢.
(٢) انظر السير: (جَعْفر بن محمد) ٢٥٥/٦-٢٧٠، وانظر النزهة: ١/٦٤٨.
انظر السير: ( جَعْفر بن محمد) ٢٥٥/٦-٢٧٠، وانظر النزهة: ٢/٦٤٨.
(٣)
انظر السير: ( الفُضَيلُ بن عِياض) ٤٢١/٨ -٤٤٢، وانظر النزهة : ١/٧٧٤.
(٤)
(٥) انظر السير: ( الفُضَيلُ بن عياض) ٤٢١/٨-٤٤٢، وانظر النزهة : ٢/٧٧٤.
١٠

الْمَحارِمِ ، قيلَ : ما العِبادَةُ؟ قالَ : أداءُ الفَرائضِ، قيلَ : ما التَّواضُعُ؟ قالَ : أنْ
تَخْضَعَ للحَقِّ ، وقالَ: أَشَدُ الوَرَع في اللِّسانِ(١).
وعن الشَّافعيِّ ، قالَ : أصْلُ العِلمِ التَّفْبيتُ، وثَمَرتُه السَّلامَةُ، وأَصْلُ الوَرَعِ
القَنَاعَةُ، وثَمَرَتُه الرَّاحَةُ، وأصْلُ الصَّبْرِ الحَزْمُ، وثَمَرتُهُ الظَّفَرُ، وأصْلُ العَملِ
التَّوْفِيقُ، وثَمَرَتُه النَّجْحُ، وغَايَةُ كُلِّ أمْرِ الصِّدْقُ(٢) .
وعن الْمَرْوذيِّ ، قالَ: لَمْ أَرَ الفَقيرَ في مَجلِسٍ أعَزَّ منه في مَجلِسِ أحمَدَ كانَ مائلاً
إليهم ، مُقْصِراً عن أهْلِ الدنيا ، وكانَ فيه حِلمٌ ، ولَمْ يَكنْ بالعَجُولِ ، وكان كَثيرَ
التَّواضُع تَعَلُوهُ السَّكِينَةُ والوَقارُ ، وإذا جَلسَ في مَجلِسِه بعدَ العَصرِ للفُتْيَا لا يَتَكلَّمُ حتَّى
يُسألَ، وإذا خَرِجَ إِلى مَسجِدِه لَمْ يَتَصدَّر(٣) .
وكانَ أبو عبد الله أحمدُ بنُ حَنْبَل شَديدَ الحَياءِ ، كَريمَ الأخْلاقِ ، يُعْجِبُه
السَّخاءُ(٤).
وكانَ أحْمَدُ بنُ حَنْبَل مِنْ أحْتَى النَّاسِ ، وأَكْرَمِهم ، وأحْسَنِهِم ◌ِشْرةً وأدَباً ، كَثِيرَ
الإطْراقِ، لا يُسمَعُ منه إلاَّ الْمُذاكَرَةُ للحَديث، وذِكْرُ الصَّالِحِينَ فِي وَقارٍ وسُكونٍ ،
ولَفِظٍ حَسَنٍ وإذا لَقِيَه إنْسانٌ ، بَشَّ به ، وأقْبَلَ عليه وكان يَتواضَعُ للشُّيوخِ شَديداً ،
وكانوا يُعَظِّمونَه ، وكانَ يَفعَلُ بِيَحْيَى بِنِ مَعين ما لَمْ أَرَه يَعمَلُ بغَيرِه من التَّواضُعِ
والتَّكْرِيمِ والتَّْجيلِ كان يَحْتَى أَكْبَرُ منه بسَبعٍ سِنِينَ (٥) .
وعن حاتِمِ الأَصَمِّ: مَنْ أصْبَحَ مُسْتَقيماً في أرْبَع فهو بخَيرِ ؛ النَّفَقُّه ، ثم التَّوَكُّل،
ثم الإِخْلاص ، ثم الْمَعْرِفَةِ (٦) .
قالَ شَقيقٌ لحاتِم : مُذْ صَحِبْتَني ، أيُّ شَيءٍ تَعَلَّمْتَ مِنِّي؟ قالَ : سِتَّ كَلماتٍ ؛
انظر السير: ( الفُضَيلُ بن عِياض) ٤٢١/٨ -٤٤٢، وانظر النزهة : ٧٧٧ /٤ .
(١)
(٢)
انظر السير: ( الإمامُ الشافعي) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة : ٢/٨٤٩.
(٣)
انظر السير: ( أحمدُ بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٨/٩٢٩.
انظر السير: ( أحمدُ بن حنبل) ١٧٧/١١ - ٣٥٨، وانظر النزهة : ١/٩٣٠.
(٤)
انظر السير : ( أحمدُ بن حَنْبل) ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨، وانظر النزهة : ٣/٩٤٧ .
(٥)
(٦) انظر السير: (حاتِم الأصَمّ) ٤٨٤/١١ -٤٨٧، وانظر النزهة: ٣/٩٦٠.
١١

رأيتُ النَّاسَ في شَكٍّ من أمْرِ الرِّزْق، فَتَوَكَّلتُ على الله قالَ اللهُ: ﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ
إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾(١) .
ورَأيتُ لكُلِّ رَجُلٍ صَديقاً يُفْشي إليه سِرَّه، ويَشْكو إليه، فصَادَقتُ الخَيرَ ليَكونَ
مَعي في الحِسابِ ، ويَجوزَ مَعي الصِّراطَ .
ورَأيتُ كُلَّ أحَدٍ له عَدوٌّ، فمَنِ اغْتَابَتِي لَيْسَ بِعَدُوِّي، ومَنْ أَخَذَ مِنِّي شَيْئاً لَيْسَ
بِعَدُوِّي ، بلْ عَدُوِّي مَنْ إذا كُنتُ في طاعَةٍ ، أمَرَنِي بِمَعْصِيَةِ الله وذَلِكَ إبليسُ وجُنودُه ،
فَاتَّخَذْتُهُم عَدوّاً وحَارَبْتُهم .
ورَأيتُ النَّاسَ كُلَّهم لهم طَالبٌ ، وهو مَلَكُ الْمَوْتِ ، ففَرَّغْتُ له نَفْسي .
ونَظَرَتُ في الخَلْقِ ، فَأَحْبَيْتُ ذا وأبْغَضْتُ ذا، فالذي أحْيَبْتُه لمْ يُعْطِنِي ، والذي
أَبْغَضْتُه لَمْ يأخُذ مِنِّي شَيئاً، فَقُلتُ: مِنْ أينَ أُتِيتُ؟ فإذا هو مِن الحَسَدِ فطَرَحْتُه
وأحْبَيْتُ الكُلَّ، فكلُّ شَيءٍ لَمْ أرْضَه لِنَفْسِي لَمْ أرْضَه لَهم .
ورَأيتُ النَّاسَ كُلَّهِم لَهم بيتٌ ومَأوَى، ورَأيتُ مَأوايَ القَبْرَ ، فَكُلُّ شَيءٍ قَدْتُ عليه
من الخَيْرِ قَدَّمْتُه لِنَفْسِي لِأُعَمِّرَ قَبْري .
فقالَ شَقيقٌ: عَليكَ بهذه الخِصالِ(٢).
ومن كَلامِ القاسِمِ : رَأْسُ الأعْمالِ الرِّضًا عن الله، والوَرَعُ عِمادُ الدِّينِ ، والجُوعُ
مُخُّ العِبَادَةِ، والحِصْنُ الحَصينُ الصَّمْتُ(٣).
ومن كَلامِ سَهل بنِ عبدِ الله: لا مُعين إلاَّ الله، ولا دَليلَ إلاَّ رَسُولُ الله، ولا زادَ
إلاَّ التَّقْوَىُ، وَلا عَملَ إلاَّ الصَّبرُ عليه (٤) .
وعنه قالَ : الجاهِلُ مَيِّتْ، والنَّاسي نائمٌ، والعَاصي سَكْرانٌ، والْمُصِرُ
هالِكٌ(٥) .
(١) سورة هود ، الآية : ٦ .
(٢) انظر السير: (حاتِم الأصَمّ) ٤٨٤/١١ -٤٨٧، وانظر النزهة: ٦/٩٦٠.
(٣) انظر السير: (الجُوعِيُّ) ٧٧/١٢ -٧٩، وانظر النزهة: ٣/٩٨٤.
(٤) انظر السير: (سَهْل بن عبد الله) ٣٣٠/١٣-٣٣٣، وانظر النزهة: ١/١٠٩٣.
(٥) انظر السير: (سَهْل بن عبد الله) ٣٣٠/١٣-٣٣٣، وانظر النزهة: ٢/١٠٩٣.
١٢

وقالَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ : مَنْ جَهِلَ أوْصَافَ العُبودِيَّة ، فهو بنُعُوتِ أوْصَافِ الرَّبَّانِيَّةِ
أجْهَل(١) .
وقال أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ: سَمعتُ محمَّدَ بنَ الحَسَنِ الخَشَّاب ، سَمعتُ ابنَ
الأعْرابِيِّ يَقولُ: الْمَعْرِفَةُ كلُّها الاعْتِرافُ بالجَهْلِ والتَّصَوُّفُ كلُّه تَرْكُ الفُصُولِ والزُّهْدُ كلُّه
أخذُ ما لا بُدَّ منه، والمُعامَلةُ كلُّها استعمالُ الأوْلَىُ فالأوْلَى، والرِّضَا كلُّه تَرْكُ
الاعْتِراضِ ، والعَافِيَّةُ كلُّها سُقوطُ التَّكَلُّف بلا تَكَلُّفُ .
وكانَ رَحمَه الله قد صَحِبَ الجُنَيَدَ وأبا أحمَدَ القَلانسيَّ .
وعَملَ تاريخاً للبَصْرَةِ لَمْ أَرَه، أمَّا كتابُه في ((طَبَقاتِ النُّشَّاك)) فتَقَلْتُ منه(٢).
(ب) مَعْرِفَتُهم لِمَ عُوقِبوا :
( وانظر المَزيد في فهرس الذُّنوب )
عن مُحمَّد بنِ سِيرِينَ قَالَ : قُلْتُ لِرَجُلٍ : يا مُفْلِسُ ، فَعُوقِبتُ .
قالَ أبو سُليمان الدَّاراني ، وبَلَغَه هذا فقالَ: قَلَّتْ ذُنوبُ القَوْم فعَرَفوا من أيْنَ
أُنُوا، وكَثُرَتْ ذُنوبُنَا فَلَمْ نَذْرِ مِن أَيْنَ نُؤْتَى(٣) .
(ج) مَعْرِفَتُهم ضَخامَة التكليف المُطالَبين به :
رُويَ عن الْمَرْوِذِيِّ، قالَ: قُلتُ لأحمدَ : كيف أصبحتَ ؟ قالَ : كيفَ أصبحَ مَنْ
رَّهُ يُطالبُه بأدَاءِ الفَرائض، ونَبِيُّه يُطالبُه بأداء السُّنَّةَ والْمَلَكَان يَطْلُبانه بتَصحيحِ العَمَل ،
ونَفَسُه تُطالِبُهُ بِهَواها، وإِيْليسُ يُطالِبُه بالفَحْشاء ، ومَلكُ الْمَوتِ يُراقِبُ قَبَضَ رُوحِه ،
وعِيالُه يُطالبُونَه بالنَّفَقَة ؟!(٤).
(١) انظر السير: (الحَكيمُ) ٤٣٩/١٣-٤٤٢، وانظر النزهة: ٣/١١٠٠.
(٢) انظر السير: (ابنُ الأعْرابيِّ) ٤٠٧/١٥-٤١٢، وانظر النزهة : ٤/١٢٤٢.
(٣) انظر السير: ( محمّد بن سيرين) ٦٠٦/٤ -٦٢٢، وانظر النزهة : ٧/٥٦٩.
(٤) انظر السير: ( أحمد بن حَنْبَل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٦/٩٣٠.
١٣

(د) اسْتواءُ أحْوالِ الدُّنْيا في أعْيُنِهِم :
عن أبي عُثمانَ الحِيري قالَ : لا يَكمُّلُ الرَّجلُ حتَّى يَسْتَوي قلبُهُ فِي الْمَنْعِ والعَطَاءِ ،
وفي العِزِّ والذُّلِّ (١).
(هـ) ﴿ يُؤْتُونَ مَآءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَحِلَةُ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ﴾:
عن فَضَالَة بنِ عُبَيْد ، قالَ: لأنْ أعْلَمَ أنَّ اللهَ تَقَبَّلَ مِنِّي مِثْقَالَ حَبَّةٍ ، أَحَبُّ إليَّ من
الدُّنيا وما فيها، لأَنَّ تَعالَى يَقولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾(٢)، (٣).
(١) انظر السير: (أبو عُثمان الحِيري) ٦٢/١٤ -٦٦، وانظر النزهة: ٣/١١٣١.
(٢) سورة المائدة ، الآية : ٢٧.
(٣) انظر السير: (فَضَالَة بن عُبَيد) ١١٣/٣ -١١٧، وانظر النزهة: ١/٣٤٧.
١٤

(٣) مِنْ فَوائِدِ الصَّلاح
الحِفْظُ فِي المَالِ والأهْل :
عن ابنِ الْمُنْكَدِر قالَ: إن اللهَ يَحفَظُ العبدَ المؤمن فِي وَلَدِهِ ، وَوَلَدٍ وَلَدِهِ ، ويَحْفَظُه
في دُوَيْرَتِه ، ودُوَيْرَاتٍ حَوْلَه، فما يَزالُونَ في حِفْظٍ أو في عافِيَة ما كان بين
ظَهْرانيهِم(١) .
(٤) صُحْبَةُ الصَّالِحِين
صُحْبَتُهُم تُورثُ الحِكمَةَ في القَوْل والعَمَل :
رُويَ عن أبي الدَّرْداءِ ، قالَ : لَوْلا ثلاثٌ ما أحْبَيْتُ البقاءَ ساعةً: ظَمَأ الهَواجِر ،
والسُّجودُ في اللَّيلِ، ومُجالَسَةُ أَقْوَامٍ يَنْتَقُونَ جَيِّدَ الكَلامِ كما يُنْتَقَى أطايبُ الثَّمَرَ(٢).
وعن أبي العبَّاسِ بنِ سُرَيج: أنَّه تَكلَّم يَوماً فعَجِبوا! فقالَ: بِبَرَكَة مُجالَسَتي لأبي
القاسِمِ الجُنَيْد(٣).
(٥) أمْثِلَةٌ عَلى حَياةِ الصَّالِحِين
( وستجد غيرها لا سيّما في فِهْرس الوَقْت )
جاءَ في تَرجَمَةِ أبي النَّضْرِ الطُّوسيِّ، قالَ الحاكمُ : وكانَ إماماً عاِداً ، بارِعَ
الأدَبِ ، ما رَأيتُ في مَشايخي أحْسَنَ صَلاةً منه، وكانَ يَصومُ الدَّهْرَ ويَقومُ ويَتصدَّقُ
بما فَضُلَ من قُوتِه وكانَ يَأْمُرُ بالْمَعْروفِ ويَنْهَى عن الْمُنْكِرِ (٤) .
(١) انظر السير: (محمَّد بن الْمُنْكَدِر) ٣٥٣/٥ -٣٦١، وانظر النزهة: ٩/٦٠٧.
(٢)
انظر السير: ( أبو الدَّرْداء) ٣٣٥/٢ -٣٥٣، وانظر النزهة : ٥/٢٧٢ .
(٣) انظر السير: (الجُنَيْد) ٦٦/١٤-٧٠، وانظر النزهة: ٣/١١٣٢.
(٤) انظر السير: (أبو النَّضْر الطُّوسيّ) ٤٩٠/١٥-٤٩٢، وانظر النزهة: ٣/١٢٥٢.
١٥

وجاءَ في تَرَجَمَةِ التَّيْمِيِّ، قالَ أبو موسَىُ : ولا أعلَمُ أحداً عابَ عليه قَوْلاً
ولا فِعْلاً ، ولا عانَدَه أحَدٌ إلَّ ونَصرَه اللهُ، وكان نَزِهَ النَّفْسِ عن الْمَطامِع، لا يَدخُلُ
على السَّلاطينِ ، ولا على مَنِ اتَّصلَ بهم ، قد أخْلَى داراً من مُلْكِه لأهْلِ العِلمِ مع خِفَّةٍ
ذاتٍ يَدِهِ ، ولَوْ أعْطاهُ الرَّجلُ الدُّنيا بأسْرِها لَمْ يَترَفَّعِ عندَه، أَمْلَى ثلاثةَ آلافٍ وخَمسَ مئة
مَجْلِس، وكانَ يُمْلِي على البَديهَةِ (١) .
وقالَ الحافِظُ يَحْيِىُ بنُ مُنْدَةٍ: كانَ أبو القاسِم حَسَنَ الاعْتِقَادِ جَميلَ الطَّريقَة قَليلَ
الكَلامِ ، لَيسَ في وَقِتِهِ مثلُهُ(٢) .
قالَ ابنُ النَّجَّار: شَيخُنا ابنُ سُكَينَة شَيخُ العِراقِ في الحَديثِ والزُّهْدِ وحُسْنِ السَّمْتِ
ومُوافَقَة السُّنَّة والسَّلَفَ عُمِّر حتَّى حَدَّثَ بجَميعِ مَرْوياتِهِ ، وقَصدَه الطُّلَّبُ من البلادِ ،
وكانَت أوْقاتُهُ مَحفوظَة ، لا تَمضي له سَاعةٌ إلاَّ في تِلاوَةٍ أو ذِكرٍ أو تَهَجُّد أو تَسْميعِ ،
وكان إذا قُرىءَ عليه مَنَعَ من القيامِ له أو لغَيرِهِ وكانَ كَثِيرَ الحَجِّ والْمُجَاوَرَة والطَّهارَةً ،
لا يَخرُجُ من بَيتِه إلاَّ لحُضُورِ جُمُعَة أو عيدٍ أو جَنازَة ، ولا يَحضُرُ دُورَ أبناء الدُّنيا في
هَناءٍ ولا عَزاءٍ ، يُديمُ الصَّومَ غالباً، ويَستَعمِلُ السُّنَّةَ في أُمورِهِ، ويُحبُّ الصَّالِحِينَ ،
ويُعَظِّمُ العُلماءَ ، ويَتواضَعُ للنَّاسِ، وكانَ يُكثِرُ أنْ يَقولَ: أَسْالُ اللهَ أنْ يُميتَنَا
مُسلمينَ، وكانَ ظاهِرَ الخُشُوع، غَزيرَ الذَّمْعَة، ويَعتَذِرُ من البُكاءِ ، ويَقولُ : قد
كَبرتُ ولا أمْلكُه، وكانَ اللهُ قَدَ ألبَسَه رداءً جَميلاً من البَهاء وحُسْنِ الخِلْقَةِ وقَبُولِ
الصُّورة ، ونُورِ الطَّاعَة، وجَلالَة العِبَادَة، وكانت له في القُلوبِ مَنْزِلَةً عَظيمَةً ، ومَنْ
رَّهُ انْتُفْعَ برُؤْيَتِهِ ، فإذا تَكلَّمَ كانَ عليه البَهاءُ والنُّورُ، لا يُشْبَعُ من مُجالَسَتِهِ لقد طُفتُ
شَرْقاً وغرباً ورَأيتُ الأئمَّةَ والزُّهَّادَ فمَا رَأيتُ أكْمَلَ منه ولا أكْثَرَ عِبادَةً ولا أحْسَنَ سَمْتاً .
قالَ الإمامُ أبو شامَة : وفي سَنةِ سَبع وسِتِّ مئة تُوفِّيَ ابنُ سُكَينَةٍ ، وحَضَرَه أربابُ
الدَّولَة، وكانَ يَوْماً مَشْهوداً، ثم قالَ: وَكانَ من الأبْدالِ(٣).
(١) انظر السير: (التَّيْميّ) ٢٠/ ٨٠ ٨٨، وانظر النزهة: ٢/١٥٣٢.
(٢) انظر السير: (التَّيْميّ) ٢٠/ ٨٠-٨٨، وانظر النزهة: ٣/١٥٣٢.
(٣) انظر السير: ( ابنُ سُكَينَة) ٥٠٢/٢١- ٥٠٥، وانظر النزهة: ٢/١٦٥٦.
١٦

هر
وجاءَ في تَرجَمَةِ العِمادِ الْمَقْدِسيِّ قالَ الضِّياءُ : وكانَ يَجلِسُ في جامِعِ البَلدِ من
الفَجْر إلى العِشَاء لا يَخرُجُ إلاَّ لِحاجَة، يُقرىءُ القُرآنَ والعِلمَ، فإذا فَرَغَوا اشْتغْلَ
بالصَّلاةِ ، فسَألْتُ الشَّيخَ مُوَفَّقَ الدِّين عنه فقالَ: كانَ من خِيارِ أصْحابِنا وأعْظَمهم
نَفْعاً، وأشَدِّهُم وَرَعاً، وأكْثَرهم صَبْراً على التَّعْليمِ وكانَ داعيَةً إلى السُّنَّةَ ، أقامَ
بدِمَشْقَ مُدَّة يُعَلِّمُ الفُقَراءَ ويُقرئُهم ويُطعِمُهم، ويَتواضَعُ لهم، كانَ من أكْثَرِ النَّاسِ
تَوَاضُعاً، واحْتِقَاراً لنَفسِه، وخَوْفاً من اللهِ ، ما أعْلَمُ أَنِّي رَأيتُ أشَدَّ خَوفاً منه ،
وكانَ كَثيرَ الدُّعاءِ والسُّؤالِ لله، يُطيلُ السُّجود والرُّكوعَ ، ولا يَقبَلُ مِمَن يَعْذُله ،
ونُقِلَت له كَراماتٌ(١) .
(٦) فَضْلُ الصَّالِحین
عن يَحْيَى بنِ مَعين، وذَكرَ أحمَدَ بنَ أبي الحَوَاري ، فقالَ : أهلُ الشَّام به
يُمْطَرون .
وقالَ ابنُ أبي حاتِم : سَمعتُ أبي يُحْسِنُ الثَّنَاءَ على أحمَدَ بنِ أبي الحَوَاريِّ ،
ويُطْنِبُ فيه(٢) .
(١) انظر السير: (العِماد) ٤٧/٢٢-٥٢، وانظر النزهة: ٣/١٦٦٤.
(٢) انظر السير: ( أحمد بن أبي الحَوَاريّ) ٨٥/١٢-٩٤، وانظر النزهة: ٢/٩٨٥.
١٧

(٧) عِنايَةُ الصَّالِحِين بالقَلْب
١ - حَياةُ القَلْبِ بذِكرِ المَوْتِ :
رُوي عن سَعيدٍ بنِ جُبَير ، قالَ: لَوْ فارَقَ ذِكرُ الْمَوتِ قَلبي، لخَشِيتُ أنْ يُفسِدَ عليَّ
قَلبي(١) .
٢ - مُعَالجَةُ قَسْوَةِ القَلبِ بزِيارَةِ القَبْرِ :
عن مُحمَّد صالح بن الثَّمَّار قالَ : كان صَفوانُ بنُ سُليم يأتي البقيعَ في الأيَّامِ فِيَمرُّ
بي ، فاتَّبِعْتُه ذاتَ يومٍ ، وقُلتُ: لأَنْظُرَنَّ ما يَصنَعُ، فقَنَّعَ رَأْسَه، وجَلسَ إلَى قَبْرِ
منها ، فلَمْ يَزِلْ يَبكي حتَّى رَحمتُه، وظَنَنتُ أنَّه قَبرُ بَعضٍ أهله ، ومَرَّ بي مرَّةً أخرَى ،
فاتَّبَعْتُه ، فقَعدَ إلى جَنْبٍ قَبْرٍ غَيرِهِ ، فَفَعَلَ مثلَ ذلك .
فذكرتُ ذلكَ لِمُحمَّدِ بنِ الْمُنْكَدِر ، وقُلتُ: إنَّما ظَنَنتُ أنَّه قَبرُ بَعضٍ أهله ، فقالَ
مُحمَّدُ : كلُّهم أهلُه وإِخْوَتُه هو رجلٌ يُحرِّكُ قَلبَه بذِكرِ الأمْواتِ كُلَّمَا عَرضَت له قَسْوَةٌ .
ماتَ صَفْوانُ سَنَ اثنَتَين وثَلاثينَ ومئة، عاشَ اثْنَتَين وسَبعينَ سَنةً(٢) .
٣ - مُعَالجَةُ قَسْوَةُ القَلبِ بِزِيارَةِ الصَّالحين :
رَوَىُ مُعْتَمِرٌ عن أبيه: ما رَأيتُ أحداً قَطُّ أَخْشَعَ من مُحمَّدِ بنِ واسع ، وقالَ جَعْفَرُ بنُ
سُلَيْمانَ : كُنتُ إذا وَجَدتُ من قَلبي قَسْوَةً ، غَدَوتُ فَنَظَرتُ إلى وَجْهِ مُحمَّدِ بنِ واسِع كانَ
كأنَّهِ ثَكْلَى قالَ حَمَّادُ بنُ زَيْد : قالَ رَجلٌ لِمُحمَّدِ بنِ واسِعٍ : أَوْصِني قالَ : أُوصِيكَ أنْ
تَكونَ مَلِكاً في الدُّنيا والآخِرَة قالَ : كيفَ؟ قالَ: ازْهَدْ في الدُّنيا (٣) .
وعن ابنِ الْمُبارَكُ قالَ: إذا نَظرتُ إلى الفُضَيْل، جَدَّدَ لي الحُزنَ ، ومَقَثُ نَفْسي ،
ثم بَكَى(٤) .
(١) انظر السير: (سَعيد بن جُبَير) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة: ٧/٥٠٦.
(٢) انظر السير: (صَفْوان بن سُليم) ٣٦٤/٥ -٣٦٩، وانظر النزهة: ٦/٦١٠.
(٣) انظر السير: (محمد بن واسع) ١١٩/٦ -١٢٣، وانظر النزهة: ٣/٦٣٨.
(٤) انظر السير: (الفُضَيْلُ بنُ عِياض) ٤٢١/٨ -٤٤٢، وانظر النزهة: ٦/٧٧٨.
١٨

٤ - مُعَالجَتُهُ بِتَغْسيلِ المَوْتَى :
كانَ الْمُزَنِيُّ يُغَسِّلُ الْمَوْتَى تَعِبُّداً واحْتِساباً وهو القائلُ: تَعانَيَتُ غَسلَ الْمَوْتَى لِيَرِقَّ
قَلبي، فصارَ لي عادَة، وهو الذي غَسَّلَ الشَّافِعِيَّ رَحمَهُ الله(١).
٥- البُعْدُ عن الخِصَال المُقْسِّيَة للقَلب :
عن الفُضَيْلِ بنِ عِياض : خصلتان تُقَسِّيان القلبَ : كثرَةُ الكَلام، وكثرَةُ الأكلِ (٢).
وقالَ أبو سُلَيْمانَ الدَّارانيُّ: لِكُلِّ شيءٍ عَلَمٌ، وعَلَمُ الخِذْلانِ تَرَكُ البكاءِ ، ولِكُلِّ
شيء صَدَأٌ ، وصَدأُ القَلبِ الشِّبَع(٣).
٦ - حِراسَةُ القَلْب :
عن أبي حَفْصِ النِّسَابُوريٍّ قالَ : حَرَسْتُ قَلبي عِشْرِينَ سَنةً، ثُمَّ حَرَسَني عِشْرِينَ
سَنةً ثُمَّ وَرَدَتْ عليَّ وعليه حَالةٌ صِرْنا مَحْروسَينٍ جَمِيعاً(٤) .
مِنْ وَسَائِل العِنَايَة بالقَلبِ
(أ) الاسْتِغْفَار :
١ - لَوَازِمِ الاسْتِغْفَار :
قالَ يوسُفُ بنُ الحُسَين : سَمعتُ ذا النُّونِ الْمِصْريَّ يَقولُ : الاسْتغفارُ جامعٌ
لِمَعانٍ ؛ أوَّلُها : النَّدمُ على ما مَضَىْ، والثَّاني: العَزْمُ على التَّرْك، والثالثُ: أداءُ
ما ضَيَّعْتَ من فَرْضِ الله، والرابعُ: ردُّ الْمَظالِمِ في الأمْوالِ والأَعْراضِ والْمُصالَحَةُ
عليها ، والخامسُ : إذابَةُ كلِّ لَحْمٍ ودَمِ نَبَتَ على الحَرامِ ، والسَّادِسُ : إذاقَةُ أَلَمِ الطَّاعَة
كما وَجَدْتَ حَلاوَةَ الْمَعْصِيَة(٥) .
(١) انظر السير: (الْمُزَنيّ) ١٢/ ٤٩٢ -٤٩٧، وانظر النزهة: ٥/١٠٢٤.
(٢) انظر السير: (الفَضَيْل بن عياض) ٤٢١/٨-٤٤٢، وانظر النزهة: ٢/٧٧٩.
(٣) انظر السير: (أبو سُليمانَ الدَّاراني) ١٠/ ١٨٢ -١٨٦، وانظر النزهة: ٣/٨٦٥ .
انظر السير: ( أبو حَفْص النيسابوريّ) ٥١٠/١٢-٥١٣، وانظر النزهة: ٥/١٠٢٥.
(٤)
(٥) انظر السير: (ذو النُّون الْمِصْريّ) ١١/ ٥٣٢ -٥٣٦، وانظر النزهة: ٤/٩٦٨.
١٩

٢ - الاسْتِغْفَارُ مَقَدَّمٌ على النَّوافِل :
سألَ أحدُهم أبا الفَرَج بنَ الجَوْزِي : أيُّهُما أفضلُ : أُسَبِّحُ أو أسْتَغْفِرُ؟ قالَ :
الثَّوْبُ الوَسِخُ أحْوَجُ إلى الصَّابُونِ من البُخُورِ (١) .
٣- صُوَرٌ على الاسْتِغْفَار :
عن مَرْوانَ الأصْفَر، سَمِعَ الأحْتَفَ يَقولُ : اللَّهُمَّ إنْ تَغْفِرْ لي، فأنتَ أهلُ ذاكَ وإنْ
تُعَذِّبْني، فأنا أهلُ ذاكَ(٢) .
وقالَ أبو بكر بنُ أبي الدُّنيا : حَدَّثنا عليُّ بنُ أبي مَرْيم قالَ : قَالَ رِياحُ القَيْسيُّ: لي
نيّ وأرْبَعون ذَنباً ، وقد اسْتَغْفَرتُ لكُلِّ ذَنبٍ مِئةَ ألفِ مرَّة (٣) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ رابِعَةَ الشَّامِيَّة : عابدةٌ مَشْهُورَةٌ ، أصغرُ من رابِعَةَ
العَدَويَّة ، قد تَدخُلُ حِكَاياتُ هذه في حِكَاياتِ هذه، والثانيةُ هي القائلةُ ما رَوَى
أحمدُ بنُ أبي الحَوَاري عن عبَّاس بنِ الوَليدِ أنَّها قالَت : أسْتَغْفِرُ اللهَ من قلَّةِ صِدْقِي في
قَولي : أسْتَغْفِرُ الله (٤) .
٤- شِعْرٌ في الاسْتِغْفَار :
أوْصَىْ أبو الفَرَج ابنُ الجَوْزِيِّ أنْ يُكْتَبَ علىْ قَبْرِه(٥):
كَثُرَ الذَّنْبُ لَدَيْهِ
يَا كَثِيرَ العَفْوِ عَمَّنْ
صَّفْحَ عَنْ جُزْمٍ يَدَيْهِ
جَاءَكَ المُذْنِبُ يَرْجُو ال
ضَّيْفِ إِحْسَانٌ إِلَيْهِ
أَنَا ضَيْفٌ وَجَزَاءُ ال
(١) انظر السير: (أبو الفَرَج ابنُ الجَوْزِيّ) ٣٦٥/٢١-٣٨٤، وانظر النزهة: ٣/١٦٣٤.
(٢) انظر السير: (الأحْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤ -٩٧، وانظر النزهة: ٤/٤٥١.
(٣)
انظر السير: ( رياح) ١٧٤/٨ - ١٧٥، وانظر النزهة : ٧٤١ /٤.
(٤) انظر السير: (رَابعَة الشَّاميَّة) ٢٤٣/٨ - ٢٤٤، وانظر النزهة: ١/٧٤٨.
(٥) انظر السير: ( أبو الفَرَج ابنُ الجَوْزِيّ) ٣٦٥/٢١ -٣٨٤، وانظر النزهة: ٣/١٦٣٦.
٢٠