Indexed OCR Text

Pages 581-600

١١ - مَنْ كان لا يَرِى سَبَّ الظَّالمين:
عن الزِّبرقانِ ، قالَ : كُنتُ عندَ أبي وَائل(١) ، فجعلتُ أسُبُّ الحَجَّاجَ وأذْكُرُ مَساوِئَه
فقالَ : لا تَسُبَّه ، وما يُدريكَ لعلَّه قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي فغَفرَ له(٢) .
١٢ - عِظَاتْ تَرْدَعُ عن الظُّلْم :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ: وعن ضَمْرَة ، قالَ : كَتبَ
عُمِرُ بنُ عبدِ العَزيز إلى بَعضِ عُمَّاله: أمَّا بعدُ، فإذا دَعَتْكَ قُدْرتُك على النَّاس إلى
ظُلمِهِم ، فاذْكُر قُدرَةَ اللهِ تَعالَى عَليكَ ، ونَفَادَ ما تأتي إليهم ، وبقاءَ ما يأتون إليك (٣).
وقيلَ : بَعثَ مُوسَى الكاظِمِ إلى الرَّشيدِ بِرِسالَة من الحَبْسِ يقولُ: إنَّه لَنْ يَنْقَضي
عنّي يَومٌ من البَلاء إلَّ انْقَضى عنْكَ مَعَه يَومٌ من الرَّخاءِ حتَّى نُفْضِي جَميعاً إلى يَومٍ لَيْسَ
له انْقِضاءٌ يَخْسَرُ فيه الْمُبْطِلون .
وعن عبدِ السَّلامِ بنِ السندي قالَ : كانَ مُوسَى عندنا مَحْبوساً ، فلمَّا ماتَ بَعثْنا إلى
جَماعَة من العُدولِ ، من الكَرْخِ ، فأدْخَلْناهم عليه ، فأَشْهَدْناهم على مَوْتِهِ ودُفنَ في
مَقَابِرِ الشُّونيزَّة .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : له مَشْهِدٌ عَظيمٌ مَشْهورٌ بَغْدَادَ ، دُفنَ فيه حَفيدُه الجَواد وَلِوَلَدِهِ
عليٌّ بنُ مُوسَى مَشْهِدٌ عَظِيُّم بطُوسَ وكانت وَفاةُ مُوسَى الكاظِم في سَنةِ ثَلاثٍ وثَمانينَ
ومِئة، عاشَ خَمساً وخَمسينَ سَنَةً وخَلَّفَ عِدَّةَ أوْلادٍ ، الجَميعُ من إماء(٤) .
وعن الشَّافعيِّ: بئسَ الزَّادُ إلى الْمَعادِ العُدْوَانُ على العِباد (٥) .
(١) يَعني: شَقيقَ بنَ سَلمَة.
(٢) انظر السير: (شقيق بن سَلَمَة) ١٦١/٤ -١٦٦، وانظر النزهة: ٦/٤٦٩.
(٣) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/٥٨٩.
(٤) انظر السير: (موسَى الكاظم) ٢٧٠/٦ -٢٧٤، وانظر النزهة: ٢/٦٥١.
(٥) انظر السير: (الإمامُ الشَّافعي) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٣/٨٤٩.
٥٨١

١٣ - خُروجُ الصَّالحين على الظَّالمين:
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ ابنِ الأشْعَث : الأميرُ مُتَوَلِّي سِجِسْتان ، عبدُ
الرَّحْمَن بنُ مُحمَّد بنُ الأَشْعَث الكِنْدي .
بعثَه الحَجَّاجُ علىْ سِجِسْتَانَ ، فثارَ هناك، وأقبلَ في جَمعِ كَبير ، وقامَ مَعه عُلماءُ
وصُلَحَاءُ لله تَعالىُ لِمَا انْتُهِكَ الَحَجَّاجُ من إِمَاتَة وَقتِ الصَّلاةِ، ولِجَورِه وجَبَرُوتِه فقَاتَلُه
الحَجَّاجُ، وجَرىُ بَيْنَهما عِدَّة مَصافَّات ويَنتصِرُ ابنُ الأشْعَث ودامَت الحَربُ أَشْهُراً ،
وقُتْلَ خَلقٌ من الفريقين، وفي آخِرِ الأمْرِ انْهَزَمَ جَمعُ ابنِ الأشْعَث وفَرَّ هو إلى الْمَلِكِ
((رُتْبِيلَ)) مُلْتَجِئاً إليه فقالَ له عَلْقَمَةُ بنُ عَمرٍو : أخافُ عَليك ، وكأنِّي بكِتابِ الحَجَّاجِ
قد جاءَ إلى رُتْبِيلَ يُرَغِّبُه ويُرَهِّبُه، فإذا هو قد بَعثَ بك أو قَتَلَك ولكن ها هنا خَمسُ مئة
مُقاتِل قد تَبَايَعْنا على أنْ نَدَخُلَ مَدينَةً نَتَحَصَّنُ بها ونُقاتِلَ حتى نُعطَىْ أمَاناً أو نَموتَ كِراماً
فأبَى عليه وأقامَ الخَمسُ مئة حتىْ قَدِمَ عِمارَةُ بنُ تَميم فقَاتَلوه حتَّى أمَّنَهم ووَفَّى لهم ، ثم
تَتَابَعَتِ كُتُبُ الحَجَّاجِ إلى رُتْبِيلَ بِطَلبِ ابنِ الأشْعَث ، فَبَعثَ به إليه على أنْ ترك له
الحمل(١) سَبعَةَ أَعْوَام .
وأرْسَلَ إلى ابنِ الأشْعَث وإلىْ ثَلاثينَ من أهْلِ بَيتِهِ وقد هَيَّأْ لهم القُيُودَ والأغْلالَ
فقَّدَهم وبَعثَ بهم، فلَمَّا قَرُبَ ابنُ الأشْعَثِ من العِراقِ ألْقَى نَفْسَه من قَصْرٍ خَرابٍ
أَنْزَلُوهُ فَوْقَه فهَلكَ وذلكَ في سَنةِ أرْبَع وثَمانينَ (٢).
وقالَ مَالكُ بنُ دِينار : لَقِيتُ مَعبدَ بنَ عبدِ الله بمَكةَ بعدَ فِتْنَة ابنِ الأشْعَث وهو
جَرِيحٌ ، قد قاتَلَ الحَجَّاجَ في الْمَواطِنِ كُلِّها (٣).
وعن الشَّعْبِيِّ ، قالَ: لَمَّا قَدمَ الحَجَّاجُ سَألَني عن أشْيأْءَ من العِلمِ فوَجدَني بها
(١) كذا الأصل - وهو محتمل - ولعلها (الصلح) فقد جاءت عبارة الطبري (٣٩٠/٦) هكذا: ((وترك له
الصلح الذي كان يأخذه منه سبعة سنين ) .
(٢) انظر السير: (ابن الأشْعَث) ١٨٣/٤ -١٨٤، وانظر النزهة: ٣/٤٧٢.
(٣) انظر السير: (مَعْبد بن عبد الله) ١٨٥/٤ - ١٨٧، وانظر النزهة: ٥/٤٧٤.
٥٨٢

عارِفاً ، فجَعَلَني عَرِّيفاً علىْ قَومي الشَّعْبِيِّينِ وَمَنْكبا (١) على جَميعِ هِمْدَانَ وفَرضَ لي ،
فَلَمْ أَزَلْ عِندَه بأحْسَنِ مَنْزِلَة، حتَّى كانَ شَأْنُ عبدِ الرَّحْمنِ بنِ الأشْعَث فأتَانِي قُرَّاءُ أهْلِ
الكُوفَة، فقالوا : يا أبا عَمرو، إنَّكَ زَعيمُ القُرَّاءِ ، فَلَمْ يَزالوا حتَّى خَرَجْتُ مَعهم ،
فقُمتُ بين الصَّفَّيْنِ أَذْكُرُ الحَجَّاجَ وأعيبُه بأشْياءَ ، فبَلغَني أنَّه قالَ : ألا تَعْجَبون من هذا
الخَبِيثِ أما لَئِن أَمْكَنني اللهُ منه، لأجْعَلنَّ الدُّنيا عليه أضْيَقَ من مَسْكِ جَمَل (٢) قالَ فما
لَيْنَا أنْ هُزِمْنا .
وقال الأصْمَعِيُّ لَمَّا أُدْخِلَ الشَّعْبيُّ على الحَجَّاجِ قالَ : هيه يا شَعْبيُّ : قالَ : أحْزَنَ
بنا الْمَنزِلُ(٣)، واسْتَحْلَسْنا (٤) الخَوفَ، فَلَمْ نَكُنْ فيها بَرِرَةً أَتْقياء ، ولا فَجَرَةً أَقْوياء
فقالَ : لله دَرُّك(٥) .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : خَرِجَ القُرَّاءُ، وهم أهْلُ القُرآنِ والصُّلاَّحُ بالعِراقِ على الحَجَّاجِ
لِظُلْمِه وتأخِيرِهِ الصَّلاةَ والجُمَعَ في الحَضَر، وكان ذلك مَذْهَباً لبَنِي أُمَيّة كما أخْبَرَ النبيُّ
صلى الله عليه وسلم: ((يَكونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلاةَ)) فخَرجَ على الحَجَّاجِ عبدُ
الرَّحْمَنِ بنُ الأَشْعَث بنُ قَيْس الكِنْدِيُّ، وكان شَريفاً مُطاعاً، وجَدَّتُه أخْتُ الصِّدِّيقِ ،
فالْتَفَّ على مائة ألفٍ أو يَزيدون، وضاقَت على الحَجَّاجِ الدُّنيا، وكادَ أنْ يَزِولَ مُلكُه
وهَزَموه مَرَّاتٍ ، وعايَنَ التَّلفَ وهو ثابتٌ مِقْدامٌ ، إلى أنْ انْتُصرَ وتَمزَّقَ جَمِعُ ابنِ
الأَشْعَث ، وقُتْلَ خَلقٌ كَثِيرٌ من الفَرِيقَينِ فكانَ مَنْ ظَفَرَ به الحجّاجُ منهم قَتَلَه إلَّ مَنْ باءَ
منهم بالكُفْرِ علىْ نَفَسِه فيَدَعُه(٦) .
وعن عُثْبَة مَوْلَى الحَجَّاجِ، قالَ : حَضرتُ سَعيدَ بنَ جُبَيْر حين أُتَيَ به الحَجَّاجِ
بواسِط فجَعلَ الحَجَّاجُ يَقولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِك؟ أَلَمْ أَفْعَلْ بك ؟ فيقولُ : بَلَى قالَ : فَمَا
(١) قال اللَّيْثُ: مَنكِبَ القوم رأسُ العُرفاء.
(٢) المسك : الجلد .
أحْزَنَ بنا المنزل : صار ذا حزونة ( خشونة ) كأن المنزل أركبهم الحزونة حيث نزلوا فيه .
(٣)
(٥) انظر السير: (الشَّعْبي) ٢٩٤/٤-٣١٩، وانظر النزهة: ٦/٥٠٢.
(٤)
استحلس فلان الخوف إذا لم يفارقه الخوف ولم يأمن .
(٦) انظر السير: (الشَّعْبي) ٢٩٤/٤-٣١٩، وانظر النزهة: ١/٥٠٣.
٥٨٣

حَملَك على ما صَنعتَ من خُروجِكَ عَلينا ؟ قالَ : بَيعَةُ كانت عليَّ - يَعْني لابنِ الأشْعَث
- فَغَضِبَ الحَجَّاجُ وصَفَّقَ بِيَدَيه، وقالَ : فَبَيعَةُ أميرِ المؤمنينَ كانت أسْبَقُ وأوْلَى وأمَرَ
به ، فضُربَت عُنْقُه وقيلَ: لَوْ لَمْ يُواجِهْه سَعيدُ بنُ جُبَيَر بهذا ، لاسْتَحْيَاهُ كمَا عَفَا عن
الشَّعْبِيِّ لَمَّا لاطَفَه في الاعْتِذارِ .
عن عُمرَ بنِ سَعيدٍ بنِ أبي حُسَين ، قالَ: دَعَا سَعيدُ بنُ جُبَيْر حين دُعي للقَتلِ فَجَعلَ
ابنُه يَبكي ، فقالَ: ما يُبكيك؟ ما بقاءُ أبيكَ بعدَ سَبع وخَمسينَ سَنة (١) .
وقيلَ : إنَّ ابنَ عائذ كانَ فيمَنْ خَرجَ مع القُرَّاء على الحَجَّاجِ يَومَ الجَمَاجِم ، فعَفَا
عَنه الحَجَّاجُ لجَلالَتِهِ(٢).
وقيلَ إنَّ الحَجَّاجَ لَمَّا أُتي بعبدِ الرَّحْمنِ بنِ عائذ قالَ له الحَجَّاجُ: كيفَ أصْبَحتَ ؟
قالَ : لا كمَا يُريدُ اللهُ، ولا كمَا يُريدُ الشَّيطانُ، ولا كمَا أُريدُ قالَ: وَيْحَك،
ماتَقولُ ؟ قالَ : نَعَم ، يُريدُ اللهُ أنْ أَكُونَ عابِداً زاهِداً وما أنا كَذلك، ويُريدُ الشَّيطانُ أنْ
أكُونَ فاسِقاً مارِقاً وما أنا بذَاك، وأُريدُ أنْ أكُونَ مُخلَّى في بيتي ، آمِناً في أهْلِي وما أنا
بِذَاك ، فقالَ الحَجَّاجُ: أدَبٌ عِراقِيٍّ، ومَوْلِدٌ شَامِيٌّ، وجِيرانُنَا إِذْ كُنَّا بِالطَّائِفِ، خَلُّوا
عنه(٣).
وقالَ أيُّوبُ السِّخْتيانيُّ: قيلَ لابنِ الأشْعَث: إنْ أرَدْتَ أنْ يُقتَلوا حَولَك كما قُتْلُوا
يَومَ الجَملِ حَولَ جَمَلِ عائشَة فَأَخْرِجْ مَعكَ مُسْلمَ بنَ يَسار، فأخْرَجَه مُكْرَها (٤) .
وعن أبي قِلابَة : قالَ لي مُسْلمُ بنُ يَسار : إنِّي أحْمَدُ اللهَ إليكَ ، أَنِّي لَمْ أرْمِ بِسَهْم
ولَمْ أضْرِبْ فيها بسَيْفٍ ، قُلتُ له : فَكَيفَ بمَنْ رَآكَ بينَ الصَّفَّينِ فقالَ : هذا مُسْلمُ بنُ
يَسار لَنْ يُقاتلَ إلاَّ علىْ حَقٌّ، فقَاتَلَ حتَّى قُثُلَ؟ فَبَكَى واللهِ حتَّى وَدِدْتُ أنَّ الأرضَ
انْشِقَّت فدَخلتُ فيها(٥) .
(١) انظر السير: (سَعيد بن جُبَير) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة : ٥/٥٠٦.
(٢)
انظر السير : ( عبد الرحمن بن عائذ) ٤٨٧/٤-٤٨٩، وانظر النزهة: ٢/٥٣٨.
(٣)
انظر السير : ( عبد الرحمن بن عائذ) ٤٨٧/٤-٤٨٩، وانظر النزهة: ٥/٥٣٨.
انظر السير: ( مُسلم بن يسار) ٥١٠/٥-٥١٤، وانظر النزهة : ١/٥٤٨.
(٤)
(٥) انظر السير: ( مُسلم بن يَسار) ٥١٠/٥-٥١٤، وانظر النزهة: ٢/٥٤٨.
٥٨٤

وقالَ أيُّوبُ السِّخْتيانيُّ: وفي القُرَّاء الذِّين خَرجُوا مع ابنِ الأشْعَث ، لا أعْلمُ أحداً
منهم قُتلَ ، إلاَّ رُغِبَ له عن مَصْرَعِه أو نَجا إلاَّ نَدِمَ على ما كانَ منه(١) .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الحَكَمِ بنِ هِشام : وكَثُرت العُلماءُ بالأنْدَلُسِ في
دَولتِهِ، حتَّى قيلَ : إنَّه كانَ بِقُرْطُبَةَ أربعة آلاف مُتَقلِّس مُتَزَيِّين بزيِّ العُلماءِ ، فلمَّا
أرادَ الله فناءَهم، عَزَّ عليهم انْتِهاكُ الحَكَم للحُرُماتِ ، وائْتَمَروا ليَخْلَعوه ، ثم جَيَّشوا
لِقِتالِه، وجَرَت بالأنْدَلُسِ فِتْنَةٌ عَظيمَةٌ على الإسْلام وأهْلِه ، فلا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ ، فذَكرَ ابنُ
مُزين في تاريخِه طَالوتَ بنَ عبدِ الَجِبَّارِ الْمُعَافريَِّ، وأنَّه أحَدُ العُلماءُ العَامِلِينَ الشُّهَداء
الذين هَقُّوا بخَلع الحَكَم ، وقالوا: إنَّهَ غَيرُ عَدلٍ ونَكْثُوه في نُفُوسِ العَوَامِّ ، وزَعَموا أنَّه
لا يَحِلُّ الْمُكْثُ ولا الصَّبْرُ على هذه السِّيرَة الذَّميمَة، وعَوَّلوا على تقديمِ أحَدِ أهْلِ
الشُّورَى بِقُرْطُبَةَ، وهو أبو الشَّمَّاسِ أحمَدُ بنُ الْمُنْذِرِ بنِ الدَّاخِلِ الأُمَويِّ ابنِ عَمِّ الحَكَم
لِمَا عَرَفوا من صَلاحِه، وعَقِلِه، ودِينِه، فقَصَدوه وعَرَّفوه بالأمْرِ ، فَأَبْدَى الْمَيْلَ
إليهم، والبُشْرَى بهم، وقال لهم: أنتم أضْيَافي اللَّيلَة، فإنَّ اللَّيلَ، أسْتَر ، ونامُوا ،
وقامَ هو إلى ابنِ عمِّه بجَهلٍ ، فأخْبرَه بشأنِهِم ، فاغْتَاظَ لذلك، وقالَ : جئتَ لسَفك
دَمي أو دِمائِهم ، وهم أعْلامٌ ، فمن أين نَتوصَّلُ إلى ما ذَكرتَ ؟ فقالَ : أرْسِلْ معي مَنْ
تَثْقُ بِه لِيَتَحَقَّق ، فوَجَّهَ مَنْ أَحَبَّ ، فأدْخَلَهم أحمَدُ في بَيْتِهِ تَحتَ سِتْر، ودَخلَ اللَّيْلُ ،
وجاءَ القَومُ ، فقالَ : خَبُِّونِي مَنْ مَعَكُم ؟ فقالوا : فُلانٌ الفَقيهُ ، وفُلانُ الوَزيرُ ،
وعدُّوا كباراً والكاتِبُ يَكتُبُ حتَّى امْتلأ الرَّقُّ، فمَذَّ أحَدُهم يدَه وَراءَ السِّْرِ، فَرَأى
القَومَ، فقامَ وقامُوا، وقالُوا : فعَلتَها يا عَدُوَّ اللهِ، فمَنْ فَرَّ لِحِينِهِ ، نَجا ومَنْ لا،
قُبضَ عليه ، فكانَ مِمَّنْ فَرَّ عيسَىُ بنُ دينار الفَقيه ، ويَحْبَىُ بنُ يَحْبَى الفَقيهُ صاحِبُ
مَالِك ، وقُرْعُوسُ بنُ العَبَّاسِ الثَّقَفِيُّ.
وقُبِضَ على ناسٍ كأبِي كَعْب ، وأخيه ، ومَالِكِ بنِ يَزيد القاضي ، وموسَىُ بنِ
سَالِمِ الخَوْلاني ، ويَحْيَىِ بنِ مُضَر الفَقيه ، وأمثالهم من أهْلِ العِلمِ والدِّين ، في سَبعَةٍ
وسَبعينَ رَجُلاً ، فضُربَت أعْناقُهم ، وصُلِبُوا .
(١) انظر السير: (مُسلم بن يسار) ٥١٠/٥-٥١٤، وانظر النزهة: ٣/٥٤٨.
٥٨٥

وأضاف إليهم عَمَّيه كُلَيْباً ، وأمية ، فصُلبا ، وأَحْرَقَ القُلوبَ عليهم ، وسارَ بأمرِهم
الرِّفاقُ، وعَلمَ الحَكَمُ أنَّه مَحْقودٌ من النَّاسِ كُلِّهم، فأخَذَ في جَمعِ الجُنودِ والحَشَمِ
وتَهِيَّأْ، وأخَذَت العامَّةُ في الهَيَج، واسْتَأسَدَ النَّاسُ، وتَنْمَّروا، وتَأَهَّبوا، فاتَّفْقَ أنَّ
مَمْلوكاً خَرجَ من القَصرِ بسَيفٍ دَفعَه إلى الصَّيْقَل ، فمَاطَله ، فسَبَّه ، فجاوَبَه الصَّيْقَلُ
فَتَضارَبا ونالَ منه الْمَمْلوكُ، حتى كادَ أنْ يُتْلِفَه، فلمَّا تركَه، أخذَ الصَّيْقَلُ السيفَ فقتلَ
بِه الْمَمْلوكَ، فتألَّبَ إلى الْمَقتُولِ جَماعَةٌ، وإلى القاتِلِ جَماعَةٌ أُخْرَى، واسْتَفْحَلَ
الشَّرُّ، وذلك في رَمضانَ سَنَ اثنتَين ومئتَين، وتَدَاعَىُ أهْلُ قُرطُبَة من أرْباضِهم ،
وتألَّبوا بالسِّلاحِ، وقَصَدوا القَصرَ ، فرَكبَ الجَيشُ والإمامُ الحَكَمُ ، فَهَزَموا العامَّةَ ،
وجاءَهم عَسكَرٌ من خَلِفِهِم، فوَضَعوا فيهم السَّيفَ ، وكانَت وَقعَهُ هائلَةً شَنيعَةً ، مَضى
فيها عَددٌ كَثِيرٌ زُهاءَ عن أربعينَ ألفاً من أهْلِ الرَّبَض ، وعايَنوا البَلاءَ من قُدَّامِهِم ومن
خَلِفِهِم فَتَداعُوا بالطَّاعَة، وأذْعَنوا ولا ذُوا بالعَفْوِ ، فعَفا عَنهم علىُ أنْ يَخرُجوا من
قُرْطُبَة ، فَفَعلوا وهُدِّمَت ديارُهم ومَساجِدُهم .
ماتَ الحَكَمُ سَنَةَ سِتٍّ ومئتين ، وله ثَلاثٌ وخمسونَ سَنةً ، وَوَلَيَ الأنْدَلُسَ بَعْدَه ابنُه
أبو الْمُطَرِّف عبدُ الرحمَن(١) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ يَحْيَىُ بنِ مُحمَّد بنِ يَحْيَى الدُّهْلِيِّ: قَتَلَه أحمدُ بنُ
عبد الله الخُجُسْتَانيُّ ظُلْماً سَنةَ سَبْع وستِّين ومئتَين لكَونِه قامَ عليه وحارَبَه لاعْتِدائه
وعَسْفِه .
قالَ الحَاكِمُ : سَمعتُ أبا بَكْر بنَ إسْحاقَ ، سَمعتُ نُوحَ بِنَ أحمَدَ ، سَمِعْتُ
أحمدَ بنَ عبد الله الخُجُسْتانيَّ يقولُ : دَخلتُ على حَيْكانَ في مَحْبَسه الذي كنتُ حَبَسْتُه
فيه على أن أضْربَه خَشبان، وأُخلِّيَ سَبِيلَه ، وما كُنْتُ عازما علىْ قَتَلِهِ ، فلمَّا قَرُبِتُ
منه ، مَدَدتُ يَدي إلىْ لِحْيَتِه ، فقَبضتُ عليها فقَبَضَ على خِصْيَتِي ، حتَّى لَمْ أشُكَّ أنَّه
قاتِلي ، فذكرتُ سِكِّيناً في خُفِي ، فجَرَّدتُ السِّكينَ ، وشَقَقتُ بَطْنَهَ (٢) .
(١) انظر السير: (الحَكَم بن هشام) ٢٥٣/٨ - ٢٦٠، وانظر النزهة: ٢/٧٥١.
(٢) انظر السير: (يَحْيَى بن محمّد بن يَحْبَى الذُّهْلي) ٢٨٥/١٢ -٢٩٤، وانظر النزهة: ٢/١٠٠١.
٥٨٦
:

وقالَ أبو العَبَّاسِ السَّرَّاج: كان يَحْيَىُ بنُ محمَّد أخْرَجَه الغُزاةُ وجماعَةٌ من أصْحَاب
الحَديثِ وأصْحابِ الرَّأي، وأرْكَبوه دابَّةً ، وألْبَسوه سَيفاً قال الْمُزَكِّي : بَلغَني أنَّه كانَ
سَيفَ خَشَب - وقاتلوا سُلطانَ نِيسَابُورَ ، يُقالُ له أحمَدُ بنُ عبد الله، خارِجِيٌّ ، غَلبَ
على البَلَد ، وكانَ ظالِماً غاشِماً وكانَ النَّاسُ أو أكثَرُهم مُجْتَمعينَ عليه مع يَحْيَىُ ،
فكانت الدَّرَةُ على العامَّة وهَربَ يَحْيَى إلى رُسْتاقٍ ، يُقالُ له: بُست فدُلَّ عليه أحمَدُ بنُ
عبد الله وجيءَ به، فقالَ: إنَّ عامَّةً مَنْ كانَ مع يَحْتَىُ من الرُّؤْسَاء ، انْقَلبوا عليه لَمَّا
واقَفَه أحمَدُ ، وقالَ : ألَمْ أُحْسِن إليكَ ؟ أَلَمْ أفعَلْ ، أَلَمْ أفعَلْ ؟ وكانَ يَحْيَىُ فوقَ جَميع
أهلِ البَلد فقالَ : أُكْرِهتُ على ذلك واجْتَمَعوا عليَّ، قالَ: فَرَدَّ عليه الجَماعَة ، أو مَنْ
حَضرَ منهم ، وقالوا : لَيسَ كما قالَ فأخَذَه أحمَدُ فقَتَلَه ، يُقالُ: إنه بَنَى عليه قالَ :
وقالَ إِنَّه أمَرَ بجَرِّ خُصْيَيْه حتى ماتَ .
قالَ الحاكِمُ : سَمعتُ أبا عبد الله بن الأخْرَم يقولُ : ما رَأيتُ مثلَ حَيْكانَ ،
لا رَحِمَ اللهُ قاتِلَه(١).
وقال عبدُ الله أحمَدُ بنُ الدُّحَيْمِيّ : سَمعتُ المَرَّارَ بنَ حَمَّيْه يَقولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْني
الشَّهادَة، وأمَرَّ يَدَه علىُ حَلْقِهِ، قِيلَ: لمَّا وَقَعَتْ فِتْنَةُ المُعْتَرِّ والمُسْتَعِينُ كان على
هَمَذانَ الأميرانِ جَبَّخِ وجُغْلان من قِبَل المُعتَزِّ، فاستشارَ أهلُ هَمَذان المَرَّارَ
والجُرْجانيَّ في مُحارَبَيِهما ، فأمَراهُم بلُزومِ مَنازِلَهم ، فلمَّا أغارَ أصْحابُهُما على دارِ
سَلَمَةَ بنِ سَهْل وغَيرها، ورَمَوا رَجُلاً بسَهْم ، أقْتَيَاهُم في الحَرْبِ ، وتَقَلَّدَ المَرَّارُ
سَيفاً ، فخَرَجَ مَعَهم فَقُتِلَ عَددٌ كثيرٌ من الفَريقَينِ ، ثم طلب مُفِلِحُ المرَّارَ ، فَاعْتصَم
بأهلِ قُم ، وهَرَبَ معَه إِبراهيمُ بنُ مَسْعود المُحَدِّثُ ، فأمَّا إبراهيمُ فهازَلَهُم وقارَبَهُم
فسَلِم، وأمَّا المرَّارُ، فَأَظْهَرَ مُخالَفَتَهم في التَّشَيُّع ، وكاشَفَهم ، فأَوْقَعوا به وقَتَلوه ،
رَحِمَه الله .
ورَوَى الحُسَينُ بنُ صالِحِ أنَّ عَمَّه المَرَّارَ قُتِلَ فِي سَنةِ أَرْبعٍ وخَمسينَ ومِئْتَينٍ وله أَرْبَعٌ
(١) انظر السير: (يَحْبَى بن محمّد بن يَحْبَى الذُّهْلي) ٢٨٥/١٢ -٢٩٤، وانظر النزهة: ١/١٠٠٢.
٥٨٧

وخَمسونَ سَنةً قال صالِحُ بنُ أحمَدَ الثَّميميُّ قُتِلَ المَّارُ في السُّنَّة شهيداً .
قال الذهبيُّ : كان من أئِمَّة الإسْلام(١).
١٤ - مَنْ نَدمَ على خُروجِه :
عن أبي قِلابَة : قالَ لي مُسْلمُ بنُ يَسار : إنِّي أحْمَدُ اللهَ إليكَ ، أنِّي لَمْ أرْمِ بِسَهْم
ولَمْ أضْرِبْ فيها بسَيْفٍ ، قُلتُ له : فَكَيفَ بِمَنْ رَاكَ بينَ الصَّفَّينِ فقالَ: هذا مُسْلمُ بنُ
يَسار لَنْ يُقاتلَ إلاَّ علىْ حَقِّ، فقَاتَلَ حتَّى قُتْلَ؟ فَبَكَىْ واللهِ حتَّى وَدِدْتُ أنَّ الأرضَ
انْشقَّت فدَخلتُ فيها(٢) .
وقالَ أيُوبُ السِّخْتيانيُّ: وفي القُرَّاء الذَّين خَرجُوا مع ابنِ الأشْعَث ، لا أعْلمُ أحداً
منهم قُتلَ ، إلاَّ رُغِبَ له عن مَصْرَعِه أو نَجا إلاَّ نَدِمَ على ما كانَ منه(٣).
١٥ - مَنْ كان يَرى الخُروِجَ لكنّه لم يُقاتِلْ :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الحَسَنِ بنِ صالح : كانَ يَرى الخُروجَ علىْ أُمَرَاءِ زَمانِهِ
لِظُلمِهِم وجُورِهم ، ولكنْ ما قاتَلَ أبداً، وكانَ لا يَرَى الجُمُعَةَ خَلفَ الفاسِقِ (٤) .
وقال عبد الله بن دواد الخُرَيبي : تَركَ الحَسنُ بنُ صالِح الجُمُعَةَ ، فجاءَ فُلانٌ ،
فجَعَلَ ينَاظِرُه لَيلَةً إلى الصَّباحِ ، فَذَهبَ الحَسنُ إِلىَ تَركِ الجُمُعَة مَعَهم ، وإلى الخُروج
عَليهم ، وهذا مَشْهورٌ عن الحَسَنِ بنِ صالِح ودَفَعَ اللهُ عنه أنْ يُؤْخَذَ ، فَيُقتَلَ بدينِهِ
وعبادَتِه .
مات الحَسنُ بنُ صالح سنةَ تسع وستِينَ ومئة .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: عاشَ تِسْعاً وستِّينَ سَنةً، وكان هو وأخوهُ عَلَيٍّ تَوْأماً(٥).
(١) انظر السير: (المَرَّار بن حمويه) ١٢/ ٣٠٨ -٣١١، وانظر النزهة: ٢/١٠٠٣.
(٢)
انظر السير: ( مُسلم بن يسار) ٥١٠/٥-٥١٤، وانظر النزهة: ٢/٥٤٨.
انظر السير: ( مُسلم بن يسار) ٥١٠/٥-٥١٤، وانظر النزهة: ٣/٥٤٨.
(٣)
انظر السير: ( الحَسَن بن صالح) ٧/ ٣٦١ -٣٧١، وانظر النزهة : ٣/٧٠٤.
(٤)
انظر السير: ( الحَسَن بن صالح) ٧/ ٣٦١ - ٣٧١، وانظر النزهة : ٣/٧٠٤.
(٥)
٥٨٨

١٦ - مَنْ خَرجَ على الخُلَفاء والأُمَراء (من غَيرِ الخَوَارِج ) :
قالَ خَليفَةُ بنُ خَيَّاط: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ ، عن أبيه أنَّ يَزِيدَ بنَ الوَليدِ ،
خَطبَ عند قَتَلِ الوَليدِ ، فقالَ: إِنِّي والله ما خَرجتُ أشَراً ولا بَطراً ، ولا حِرْصاً على
الدُّنيا ، ولا رَغبَةً فِي الْمُلكِ، وإِنِّي لَظَلومٌ لنَفسي إنْ لمْ يَرْحِمْني ربِّي ، ولكنْ خَرجتُ
غَضباً لله ولدينه ، داعياً إلى كتابِ الله وسُنَّةَ نَبِّه، حينَ دُرِسَت مَعالم الهُدَى، وطُفِىءَ
نُورُ أهْلِ التَّقوَى، وظَهرَ الجَبَّارُ الْمُسْتحِلُّ للحُرمَةِ، والرَّاكِبُ البدعة، فَأَشْفَقتُ إذ
غَشيكم ظُلمُه أنْ لا يُقلعَ عنكم من ذنُوبِكم ، وأشْفَقتُ أنْ يَدعُوا أُناساً إلى ما هو عليه ،
فاسْتَخرتُ اللهَ ، ودَعوتُ مَنْ أجابَني ، فأراحَ اللهُ منه البلادَ والعِبادَ .
أيُّها النَّسُ إنَّ لكُم عندي إنْ وُلِّيتُ أنْ لا أضَعَ لَبِنَةً علىْ لَبِنَةً ، ولا أنْقُلُ مالاً من بَلِدٍ
إلى بلدٍ حتَّى أَسُدَّ الُّغورَ، فإنْ فَضلَ شَيءٌ رَددتُه إلى البَلِدِ الذي يَليه ، حتى تَستقيمَ
الْمَعِيشَة وتَكونَ فيه سَواء ، فإنْ أرَدْتُم بَيْعَتي على الذي بذلتُ لكم ، فأنا لكم ، وإنْ
مِلْتُ ، فلا بَيْعَةَ لي عَليكُم ، وإنْ رأيْتُم أقْوَى مِنِّي عليها، فأرَدْتُمْ بَيْعَتَه ، فأنا أوَّلُ مَنْ
يُبايع، ويَدخُلُ في طاعَتِهِ ، وأسْتَغْفِرُ اللهَلي ولكم(١) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ زَيدِ بنِ علي: وكانَ ذَا عِلمٍ وجَلالَة وصَلاحٍ ، هَفا ،
وخَرجَ فاسْتُشهِد .
وَفِدَ على مُتَوَلِّي العِراق يُوسُف بنِ عُمرَ، فَأَحْسَنَ جائزَتَه، ثم رُذَّ، فأتاه قَومٌ من
الكُوفَة ، فقالوا : ارْجِعْ نُبَايِعْك، فما يُوسُفُ بشَيء فأصْغَى إليهم وعَسْكِرَ ، فَبَرزَ
الحَرِبِهِ عَسكَرُ يُوسُفَ، فقُتلَ في المعْرِكَة ، ثم صُلبَ أرْبع سنينَ(٢) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : خرجَ مُتأوّلاً ، وقُتُل شَهِيداً، ولَيْتَه لَمْ يَخْرِجْ(٣) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ مُحمَّدٍ بنِ عجْلانَ: وقَدْ خَرجَ على الْمَنْصُورِ مع ابنِ
(١) انظر السير: (يَزيد بن الوَليد) ٣٧٤/٥-٣٧٦، وانظر النزهة: ٤/٦١٣.
(٢) انظر السير: (زَيْد بن عليّ) ٣٨٩/٥-٣٩١، وانظر النزهة: ٤/٦١٤.
(٣) انظر السير: (زَيْد بن عليّ) ٣٨٩/٥-٣٩١، وانظر النزهة: ٤/٦١٤.
٥٨٩

حَسَن، فَلَمَّا قُتلَ ابنُ حَسَن، هَمَّ وَالِي المَدِينَةِ جَعْفَرُ ابْنُ سُلَيْمانَ أنْ يَجْلِدَه فقالوا له :
أَصْلحَك اللهُ: لَوْ رَأيتَ الحَسَنَ البَصْريَّ فَعَلَ مثلَ هذا أكُنتَ تَضرِبُه؟ قالَ : لا قِيلَ :
فابنُ عجْلانَ في أهْلِ المَدينَةِ كالحَسَنِ في أهْلِ البَصْرَةِ(١).
قالَ مُصْعَبُ الزُّبَيْرِيُّ: كان لابنِ عجْلان قَدرٌ وفَضلٌ بالمَدينَة وكانَ مِمَّنْ خَرِجَ مع
مُحمَّدٍ بنِ عبدِ الله، فأرادَ جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمانَ قَطْعَ يَدِه ، فسَمِعَ ضَجَّةً، وكان عندَه
الأكابرُ فقالَ: ما هذا؟ قالوا هذه ضَجَّةُ أهْلِ المَدينَة يَدعُونَ لابنِ عجْلانَ فَلَوْ عَفَوْتَ
عنه؟ وإنَّما غُرَّ ، وأخطأ في الرِّوايَة ظَنَّ أَنَّه الْمَهْدِيَّ، فأطْلقَه وعَفا عنه (٢) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ عبدِ الحَميد بن جَعْفَر : وكان سُفيانُ الثَّورِيُّ يَنْقِمُ
عليه خُروجَه مع محمَّدٍ بنِ عبد اللهِ بنِ حَسَن(٣) ، وكان من فُقْهاءِ الْمَدينَةَ(٤) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ المنصورِ العَبَّاسيِّ: خرجَ عليه ابنا عبدِ الله بن
حَسَن، وكادَ أنْ تَزُولَ دَولتُه، واسْتعدَّ للهَرَب ثم قُتلا في أرْبَعينَ يَوماً ، وألْقَى عَصاهُ ،
واسْتقرَّ(٥).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ عَليٍّ الرِّضا: قيلَ: إنَّ أخاه زَيداً خَرِجَ بالبَصْرَة على
الْمَأْمُونِ، وفَتَكَ، وعَسَفَ فنفَّذَ إليه الْمَأمونُ عليَّ بنَ مُوسَى أخاه لِيَرُدَّه ، فسارَ إليه
فيما قيلَ ، وقالَ : وَيَلَك يا زَيدُ، فَعلتَ بالمسلمينَ ما فَعلتَ، وتَزْعُمُ أنَّكَ ابنُ
فاطِمَةَ؟ !! ، واللهِ لأشَدُّ النَّاسِ عَليك رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، يَنبغي لِمَنْ أخذَ
(١) انظر السير: (محمد بن عَجْلان) ٦/ ٣١٧ -٣٢٢، وانظر النزهة: ٨/٦٥٣.
(٢) انظر السير: (محمد بن عَجْلان) ٣١٧/٦-٣٢٢، وانظر النزهة: ١/٦٥٤.
(٣) هو محمد بن عبد الله بن حَسَن بن حَسَن بن علي بن أبي طالب ، وكان خروجه على المنصور مع أخيه
إبراهيم ، ذلك أنهما تخلَّفا عن الحضور عند المنصور عندما حجَّ في ذلك العام ، فطلبهما وبالغ في
ذلك ، وقبض على أبيهما مع عدد من أهل البيت ، وسجنهم وماتوا في سجنه ، فثار محمد هذا في
المدينة، وسَجنَ مُتَوَلَّيها ، وصار له شأن وعُمَّالٌ في المدن إلى أن أرسلَ إليه المنصور جيشاً بقيادة
عيسى بن موسى فقضى عليه سنة خمس وأربعين ومئة .
(٤) انظر السير: (عبد الحميد بن جَعْفَر) ٢٠/٧-٢٢، وانظر النزهة: ٣/٦٧٢.
(٥) انظر السير: (المنصور) ٨٣/٧-٨٩، وانظر النزهة: ٦/٦٧٨.
٥٩٠

برسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُعطيَ به ، فبَلغَ الْمَأمونُ، فبَكَىْ، وقالَ : هَكذا
يَنْبغي أنْ يَكونَ أَهْلُ بَيَتِ النُّوَّة هَكذا(١) .
قالَ الخَطيبُ : بُويعَ إبراهيمُ بنُ الْمَهْدي بالخِلافَه زَمنَ الْمَأمونِ ، فحارَبَ
الحَسَنَ بنَ سَهْلِ، فَهَزمَه إبراهيمُ ، ثم أقبلَ لحَرْبه حُمَيدٌ الطُّوسيُّ، فَهُزْمَ جَمعُ إِبراهيم
واخْتَفَى إِبراهيمُ زَماناً إلى أن ظَفْرَ بِه الْمَأْمُونُ فعَفَا عنه(٢) .
قالَ ثَمامَةُ بنُ أشْرَس : قالَ ليَ الْمَأمونُ : قد عَزمتُ على تَقريع عَمِّي ، فحَضرتُ ،
فجيء بإبراهيمَ بنِ الْمَهْدي مَغلولاً قد تَهذَّلَ شَعرُه فى عَينِهِ ، فسَلَّمَ ، فقالَ: الْمَأمونُ :
لا سلَّمَ اللهُ عَليكَ، أكُفْراً بالنِّعمَة وخُروجاً عليَّ؟ فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ ، إنَّ القُدرَةَ
تُذهِبُ الحَفيظَةِ، ومَنْ مُدَّله في الاغْترارِ هَجمَت به الأناةُ على التَّلفِ، وقد رَفعَك الله
فوقَ كلِّ ذَنب كمَا وَضعَ كلَّ ذي ذَنبِ دُونَك، فإنْ تُعاقِب، فبحقِّك ، وإنْ تَعفُ فبفَضِلِك
قالَ: إنَّ هَذين - يَعني ابْنَه العَبَّاسَ والْمُعْتَصِمَ - يُشيرانِ بِقَتلِك قالَ : أشارا عَليكَ بما
يُشارُ به على مِثْلِكَ في مِثلي ، والْمُلكُ عَقيمٌ ، ولكنْ تأتَى لك أنْ تَستجلِبَ نَصراً من
حَيثُ عوَّدك اللهُ، وأنا عَمُّك ، والعَمُّ صنوُ الأب ، وبَكِى ، فَتَغَرْغَرَتْ عينا الْمَأْمُونِ ،
وقالَ: خَلُّوا عن عَمِّي، ثم أحْضَرَه، ونادَمَه، وما زالَ به حتَّى ضَربَ له بالعُودِ(٣).
وقيلَ إنَّ أحْمَدَ بنَ خالد الوَزِيرَ قالَ : يا أميرَ المؤمنينَ، إنْ قَتَلتَه ، فَلَكَ نُظَرَاءٌ ،
وإِنْ عَفَوْتَ ، لَمْ يَكِنْ لَكَ نَظير .
تُوفِّيَ إبراهيمُ بنُ الْمَهْدِي فِي سَنَةِ أرْبَع وعِشْرينَ ومِئتين(٤) .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ الْمُعْتَصدِ بالله العَبَّاسيِّ: ولا رَيْبَ أنَّ أوَّلَ وَهٍ على
الُمَّةِ قَتْلُ خَلِيفَتِها عُثْمانُ صَبْرا رضي الله عنه، فهاجَت الفِتْنَةُ، وجَرَت وَقْعَةُ الجَمَلِ
بِسَبَيَها ، ثمَّ وَقْعَةُ صِفِّين، وجَرَتِ سِيُولُ الدِّماءِ في ذلك .
(١) انظر السير: (عَلىٌّ الرِّضا) ٣٨٧/٩ -٣٩٣، وانظر النزهة: ٣/٨٣٢.
(٢) انظر السير: (إبراهيم بن الْمَهْدي) ٥٥٧/١٠-٥٦١، وانظر النزهة: ١/٨٩٣.
(٣) انظر السير: (إبراهيم بن الْمَهْدي) ٥٥٧/١٠_٥٦١، وانظر النزهة: ٤/٨٩٣.
(٤) انظر السير: (إبراهيم بن الْمَهْدي) ٥٥٧/١٠-٥٦١، وانظر النزهة : ١/٨٩٤.
٥٩١

ثمَّ خَرَجَت الخَوَارِجُ ، وكَفَّرَت عُثمانَ وَعَليّاً ، وحارَبُوا ، ودامَتْ حُروبُ الخَوارِجِ
سِنِينَ عِدَّة .
ثمَّ هاجَتْ المُسَوِّدَةُ بِخُراسَانَ ، وما زالُوا حتىْ قَلَعُوا دَولَةَ بَنِي أُمَّيّة ، وقامَت الدَّولَةُ
الهاشِمِيَّةُ بعدَ قَتْلِ أُمَمٍ لا يُخْصيهِم إلاَّ اللهُ .
ثمَّ اقْتَتَلَ المَنْصُورُ وعَمُّه عبدُ الله ثمَّ خُذِلَ عبدُ الله ، وقُتِلَ أبو مُسْلِم صاحِبُ
الدَّعْوَةِ(١).
ثم خَرِجَ ابنَا حَسَن(٢) وكادا أنْ يَتمَلَّكا فقُتلا .
ثم كانَ حَربٌ كَبِيرٌ بينَ الأمين الْمَأمونِ ، إلى أن قُتلَ الأمينُ .
وفي أثناءِ ذلكَ قامَ غَيرُ واحدٍ يَطلبُ الإمامَةَ(٣) .
١٧ - مَنْعُ العُلَماء النَّاسَ من الخُروج على الأُمَراء :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الإمام أحمدَ بنِ حَنْبَل : وجاءَ نفرٌ إلى أبي عبد الله ،
وقالوا : هذا الأمرُ(٤) قد فَشا وتَفَاقَم، ونحنُ نَخافُه على أكثر من هذا، وذَكَروا ابنَ
أبي دُوَاد ، وأنَّه على أنْ يأمُرَ المُعلِّمينَ بَتَعليم الصِّبْيانَ في المَكاتب : القُرآنُ كَذا
وكَذا ، فنحنُ لا نَرضَىْ بإمارَته فمَنَعَهم من ذلك وناظَرَهم وحَكَىُ أحمدُ قَصْدَه في
مُناظَرَتهم ، وأمَرَهم بالصَّبْر قال : فَبَينا نحنُ في أيام الواثق ، إذ جاء يَعقوبُ ليلاً برسالَةٍ
الأمير إسحاق بن إبراهيم إلى أبي عبد الله : يقولُ لك الأميرُ : إنَّ أميرَ المؤمنين قد
(١) انظر السير: (المعتضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٢/١١٠٥.
(٢) هما محمد بن عبد الله بن حَسَن بن حُسَين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وأخوه إبراهيم ، وكان
خروجهما على المنصور ، ذلك أنهما تخلَّفا عن الحضور عند المنصور عندما حجَّ في ذلك العام ،
فطلبهما وبالغ في ذلك ، وقبض على أبيهما مع عدد من أهل البيت ، وسجنهم وماتوا في سجنه ، فثار
محمد في المدينة ، وسَجنَ مُتَوَلِيها ، وصار له شأن وعُمَّالٌ في المدن إلى أن أرسلَ إليه المنصور جيشاً
بقيادة ابن عمِّه عيسى بن موسى فقضى عليه سنة خمس وأربعين ومئة .
(٣) انظر السير: (المعتضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٣/١١٠٥.
(٤) أي القول بخَلق القُرآن .
٥٩٢

ذَكَرَكَ فلا يَجْتَمعَنَّ إليك أحدٌ ، ولا تُساكِنِّي بأرضٍ ولا مَدينَة أنا فيها، فاذْهَبْ حَيثُ
شئتَ من أرضِ الله قال فاخْتَفى أبو عبد الله بقيّةَ حياة الوَاثِقِ ، وكانت تلك الفِتْنَة، وقُتِلَ
أحمدُ بنُ نَصْر الخُزاعيّ ، ولمْ يَزَلْ أبو عبد الله مُخْتَفياً في البيتِ لا يَخْرُج إلى الصَّلاة
ولا إلىْ غَيْرِها حتىُ هَلَكَ الوَاثقُ(١).
١٨ - فَضْلُ الغَوْغاء في مُقارَعَة الأُمَراءِ الظَّلَمَة :
عن الشَّعْبيِّ: نِعْمَ الشيء الغَوْغاءُ، يَسدُّونَ السَّيلَ ويُطفِئُونَ الحَريقَ، ويَشْغَبون
على وُلاةِ السُّوء(٢).
١٩ - مَنْ ضُرِبَ لأجْلِ نَقْدِه للظَّالمين :
جاءَ في تَرجَمَةِ يَحْيَىُ بنِ أبي كَثير ، وقالَ أبو حِمِ الرَّازي : يَحْيَى ابنُ أبي كثير
إمامٌ لا يَروي إلاَّ عن ثِقَة، وَقَد نالَتَه مِحْنَةٌ وضُربَ لكَلامِه في وُلاة الجُورِ (٣).
٢٠ - أمْثِلَةٌ على الظَّالمين :
الحجّاج :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَتِهِ : أهلكه الله في رَمضانَ سَنةً خَمسٍ وتِسعينَ كَهلاً ،
وكان ظَلوماً، جبّاراً، ناصبيّاً، خَبِيثاً ، سَفَّاكاً للدِّماءِ ، وكان ذا شَجاعَةٍ وإِقْدامٍ ومَكرٍ
ودَهاءٍ ، وفَصاحَةٍ وبَلاغَةٍ ، وتَعظيمِ للقُرآن قد سُقتُ من سُوء سيرَتِه في تاريخي
الكبير، وحِصارِه لابنِ الزُّبَيْر بالكَعْبَة ، ورَميه إيَّاها بالمِنْجَنِيقِ ، وإِذْلالِهِ لأَهْلِ
الحَرمَين ، ثم وِلايَتِه على العِراقِ والمشْرِقِ كلِّه عشرين سَنةً، وحُروبِ ابنِ الأشْعَت
له، وتأخيره للصَّلوات إلى أنِ استأصَلَه الله، فنَسُبُّه ولا نُحِبُّه، بلْ نَبَّغَضُه في الله ، فإنَّ
ذلك من أوْثَقَ عُرَى الإيمان .
(١) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٤١.
(٢) انظر السير: (الشَّعْبي) ٢٩٤/٤-٣١٩، وانظر النزهة: ٦/٥٠٤.
(٣) انظر السير: (يَحْيَى بنِ أبي كثير) ٢٧/٦ -٣١، وانظر النزهة: ٢/٦٢٧.
٥٩٣

وله حَسناتٌ مَغْمورَةٌ فِي بَحْرِ ذُنوِه ، وأمْرُه إلى الله وله تَوحيدٌ في الجُملَة ونُظَراء
من ظَلِمَةِ الجَبابرَة والأُمَراء(١) .
أبو مُسْلم الخُرسَاني :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَتِهِ : اسْمُه عبدُ الرَّحْمَن بنُ مُسْلم الخُراساني ، الأميرُ،
صاحبُ الدَّعْوَة، وهازِمُ جُيوشِ الدَّوْلَة الأُمَويَّة، والقائمُ بإنْشاءِ الدَّولَة العبّاسيَّة(٢).
كان من أكْبرِ الملوك في الإسْلام ، وكان ذَا شأن ونَبأ غَريب من رجل يَذْهبُ على
حمار بإكافٍ من الشَّام حتى يَدخُلَ خُراسان ، ثم يَملكُ خُراسانَ بعدَ تسعة أعْوام ،
ويَعودُ بكَتائب أمثالِ الجِبالِ ، ويَقلِبُ دَولَةً ، ويُقيمُ دَولَةً أُخْرَى!
تأتيه الفُتوحاتُ العِظامُ ، فلا يَظهَرُ عليه أثرُ السُّرور، وتَنَزلُ به الفادِحَةُ الشَّديدَةُ ،
فلا يُرَى مُكتئباً وكان إذا غَضبَ لَمْ يَسْتَفَّهِ الغَضبُ .
قيلَ : مَولدُه في سنة مئة، وأوَّلُ ظُهورِه كان بمَرْوَ في شهر رَمضانَ يوم الجُمُعَة من
سنة تسعٍ وعشْرينَ ومئة ، ومُتَوَلِّي خُراسان إذْ ذاكَ الأميرُ نَصْرُ بنُ سيار اللَّيِيُّ ، نائبُ
مَرْوانَ بنِ محمَّد ، الحِمارُ ، خاتِمَةِ خُلفاءِ بَنِي مَرْوانَ ، فكان ظُهورُه يَومئذٍ في خَمسينَ
رَجُلاً، وآلَ أمرُه إلى أنْ هَربَ منه نَصْرُ بنُ سيار قاصداً العِراقَ فنزَلَ به الموتُ بناحيَّةٍ
ساوَة، وصَفا إقْليمُ خُراسان لأبي مُسْلم، صاحبِ الدَّعْوَة ، في ثَمانِيَةٌ وعشْرِينَ
شَهْراً(٣) .
وقال مُصْعَبُ بنُ بِشْر : سَمعتُ أبي يقولُ : قامَ رجلٌ إلى أبي مُسْلم وهو يَخْطبُ ،
فقال: ما هذا السَّوادُ عَليكَ؟ فقالَ: حدَّثني أبو الزُّبَيْر عن جابرٍ بن عبدِ الله، ((أنَّ
النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكةَ يَومَ الفَتْحِ، وعَليهِ عَمَامَةٌ سَوْدَاءٌ)) وهذه ثيابُ
الهَيْبَة ، وثيابُ الدَّوْلة، يا غُلامُ اضْرِبْ عُنُقَه!
(١) انظر السير: (الحجّاج) ٣٤٣/٤، وانظر النزهة: ٢/٥٠٨.
(٢) انظر السير: (أبو مسلم الخُراسانيّ) ٤٨/٦-٧٣، وانظر النزهة: ٦/٦٢٧.
(٣) انظر السير: (أبو مسلم الخُراسانيّ) ٦/ ٤٨-٧٣، وانظر النزهة: ١/٦٢٨.
٥٩٤

قال الإمامُ الذهبيُّ: كان أبو مُسْلم سَفَّاكاً للدِّماءِ ، يَزِيدُ على الحَجَّاجِ في ذلك وهو
أوَّلُ مَنْ سَنَّ للدَّوْلة لبَاسَ السَّوادِ ، وكانَ بلاءً عَظيماً على عَرَبِ خُراسان ، فإنَّه أبادَهم
بَحَدِّ السَّيْف(١).
وفي سنة اثنتين وثلاثينَ في ثالثِ يَومٍ من رَبيع الأوَّل ، بُويعَ السَّفَّحُ بالخِلافَة
بالكُوفَة في دار مَوْلاه الوَليدِ بنِ سَعْد وسارَ الخَلِيفَةُ مَرْوانُ في مئةِ ألفٍ فارِسٍ حتى نَزَلَ
الزَّابَيْن(٢). دُون المُوصِل، يَقصِدُ العِراقَ فجَهَّزَ السَّفَّحُ له عَمَّه عبدَ الله بنَ عَلَيّ ،
فكانَتِ الوَقْعَةُ على كُشاف، في جُمادَى الْآخِرَةِ فَانْكَسَرَ مَروانُ وتَقَهْقَرَ ، وعَدى
الفُراتَ، وقَطعَ وراءهَ الجِسْرَ وقَصدَ الشَّامَ ليَقَوَّى ، ويَلتَقي ثانياً .
فجَدَّ في طَلِبِهِ عبدُ الله بنُ عَليّ حتى طَردَه عن دِمَشْقَ، ونازَلَها وأخَذَها بعدَ أيَّام ،
وبذَل السَّيفَ ، وقَتلَ بها في ثلاثِ ساعَات نَحْواً من خَمسينَ ألْفاً غَالِبُهم من جُنْدِ بَني
أُمَيّة .
وانْقَضَتْ أيامُهم، وهَربَ مَرْوانُ إلى مِصْرَ في عَسْكِرٍ قَليلٍ ، فجَدُّوا في طَلبه إلى أن
بَيَّوهُ بِقَرْيَة بُوصِير ، فَقَاتلَ حتى قُتلَ، وطِيفَ بِرَأْسِه في البُلْدانِ ، وهَربَ ابْناهُ إلى بلادِ
النُّوبَةِ(٣) .
قالَ محمدُ بنُ جَرير في (( تاريخِه» كان بُدؤُّ أمرٍ بَنِي العَبَّاس أنَّ رَسولَ الله صلى الله
عليه وسلم فيما قيلَ ، أعْلمَ العَبَّاسَ أنَّ الخِلافَةَ تَؤُولُ إلى وَلَدِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ وَلِدُهُ يَتَوَقَّعون
ذلك .
قال الإمامُ الذهبيُّ: لَمْ يَصِحَّ هذا الخَبرُ، ولكنَّ آلَ العبَّاسِ، كانَ النَّاسُ
يُحِبُّونَهم ، ويُحبُّونَ آلَ عليٍّ، يَوَدُّونَ أنَّ الأمْرَ يَؤول إليهم، حُبََّ لَآَلِ رَسُولِ الله
صلى الله عليه وسلم وبُغْضاً في آلِ مَرْوانَ بنِ الحَكَم فَبَقُوا يَعمَلون على ذلك زَماناً حتى
(١) انظر السير: (أبو مسلم الخُراسانيّ) ٤٨/٦-٧٣، وانظر النزهة: ٢/٦٢٨.
(٢) الزابان : الزاب الأعلى، والزاب الأسفل ، وهما نهران بين بغداد والموصل ، ونزول مروان بن محمد
كان على الزاب الصغير.
(٣) انظر السير: ( أبو مسلم الخُراسانيّ) ٤٨/٦-٧٣، وانظر النزهة: ٣/٦٢٨.
٥٩٥

تَهِيَّأْت لهم الأسْبابُ ، وأقْبَلت دَولتُهم وظَهرَت من خُراسان(١).
قال الإمامُ الذهبيُّ: فَرِحْنا بمَصيرِ الأمْرِ إليهِم لكنْ والله ساءَنا ما جَرَى من سُيولٍ
الدِّماءِ، والسَّبْي، والنَّهْب، فإنَّا لله، وإنّا إليه راجِعُون، فالدَّولةَ الظَّالِمَة مع الأمْنِ
وحَقْنِ الدِّماءِ ، ولا دَولَة عادِلَة تُنْتَهك دُونَها المَحارمُ ، وأنَّى لها العَدلُ ؟ بلْ أتَتْ دَولةٌ
أعْجَميَّة، خُراسانيَّة، جَبَّارَةٌ، ما أشْبَهَ اللَّيْلَة بِالبَارِحَةِ(٢).
وفي سنةٍ ثلاثٍ وثَلاثينَ ومئَة سارَ أبو جَعْفَرِ المَنْصُور إلى خُراسانَ إلى أبي مُسْلم ،
لِيَأْخُذَ رَأْيَة في قَتل أبي سَلمَة ، حَفْصٍ بِنِ سُلَيْمانَ الخَلَأَّل وَزِيرَهم وذلكَ أنَّه لَمَّا نزَلَ به
السَّفَّاحُ وأقارِبُه ، حدَّثتُهُ نفسُه بأنْ يُبايعَ عَلَويّاً ، ويَدعَ هَؤلاء وشَرعَ يُعمِّي أمْرَهم ، على
قُوَّادِ شِيعَتِهِم ، فبادَرَ كبارُهم، وبايَعوا السَّفَّاحَ وأخْرَجُوه ، فخَطبَ النَّاسَ فما وَسِعَهُ -
أعْني أبا سَلمَة - إلاَّ المُبايَعَة ، فاتَّهَمُوه .
فعنْ أبي جَعْفَر قالَ : انْتُدَبَني أخي السَّفَّاحُ للذَّهابِ إلى أبي مُسْلم ، فسِرتُ على
وَجَل ، فقَدمتُ الريَّ ثم شَرُفْتُ عنها فَرْسَخين، فلمَّا صارَ بَيْنِي وبَيْنَ مَرْوَ فَرْسَخين
تَلقَّاني أبو مُسْلم في الجُنودِ، فلمَّا دَنا مِنِّي تَرجَّل ماشياً، فقبَّلَ يدي ، ثم نَزلتُ ،
فمَكثتُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لا يَسْألُني عن شيء ثم سَأَلَنِي فأخْبَرتُه ، فقالَ : فَعلَها أبو سَلمَة ؟ أنا
أكْفيكُمُوه فدَعا مِرارَ بنَ أنَس الضَّبيَّ، فقالَ : انْطَلِقْ إلى الكُوفَة ، فاقْتُل أبا سَلمَة حَيثُ
لَقِيتَه، قالَ: فقَتَلهَ بعدَ العِشاء، وكان يُقالُ له: وَزيرُ آلِ مُحمَّد .
ولَمَّا رَأى أبو جَعْفَر عَظمَةَ أبي مُسْلم، وسَفْكَه للدِّماءِ رَجعَ من عندِه وقالَ
للسَّفَّاحِ: لَسْتَ بِخَليفَة إِنْ أَبقَيْتَ أبا مُسْلم قالَ: وكَيفَ ؟ قال: ما يَصْنَعُ إلَّ ما يُريدُ
قالَ : فَاسْكُتْ واكْتُمْهَا .
وكانَ أبو جَعْفَر يَقولُ للسَّفَّحِ : يا أميرَ المؤمنين ، أطِعْني واقْتُلْ أبا مُسْلم فوالله إنَّ
في رأسِهِ لِغَدْرَة ، فقالَ: يا أخي قد عَرَفْتَ بَلاءَه، وما كانَ منه ، وأبو جَعْفَر يُراجِعُه .
(١) انظر السير: ( أبو مسلم الخُراسانيّ) ٤٨/٦-٧٣، وانظر النزهة: ١/٦٢٩.
(٢) انظر السير: (أبو مسلم الخُراسانيّ) ٤٨/٦-٧٣، وانظر النزهة: ٢/٦٢٩.
٥٩٦

ثم حَجَّ أبو جَعْفَر وأبو مُسْلم ، فلمَّا قَفَلا تلقَّاهما مَوْتُ السَّفَّاحِ بالجُدَريِّ، فَوَليَ
الخِلافَةَ أبو جَعْفَر .
وخَرِجَ عليه عَمُّه عبدُ الله بنُ عَلَيّ بالشَّامِ ، ودَعا إلى نَفَسِه وأقامَ شُهوداً بأنَّه وَلِيَّ عَهْدِ
السَّفَّاحِ ، وأنَّه على ذلك سارَ لحَرْبِ مَرْوانَ وهَزْمَه، واسْتَأَصَلَه .
فخَلَا المَنْصُورُ بأبي مُسْلم وقالَ : إنَّما هو أنا وأَنْتَ ، فَسِرْ إلى عبدِ الله عَمِّي ، فسارَ
بجيوشِهِ من الأنْبَارِ ، وسَارَ لحَرْبِهِ عبدُ الله فانْهَزَموا وتَركوا الذَّخائرَ والخَزائنَ ،
والمُعَسْكَرَ ، فاحْتَوى أبو مُسْلم على الكلِّ وكَتبَ النَّصْر إلى المَنْصور .
واخْتَفَى عبدُ الله، وأرسلَ المَنْصورُ مَوْلاهُ ليُخْصِيَ ما حَواهُ أبو مُسْلم ، فَغَضِبَ من
ذلك أبو مُسْلم ، وهمَّ بقَتْلِ ذَلك المَوْلَى، وقالَ: إنَّما للخَليفَةِ من هذا الخُمْسُ .
ولَمَّا عَلمَ المَنْصُورُ أنَّ أبا مُسْلم قد تَغيَّر كَتَبَ إليه يُلاطِفُه : وأنِّي قد وَلَّتُك مِصْرَ
والشَّامَ، فانْزِلْ بالشَّام واسْتَنِبْ عنكَ بِمِصْرَ ، فلمَّا جاءَه الكتابُ ، أَظْهَرَ الغَضبَ
وقالَ: يُوَلِّيني هذا وخُراسانُ كلُّها لي ؟! وشَرعَ في المُضِيِّ إلى خُراسَانَ .
فأمَرَ المَنْصورُ مَنْ حَضَرَه من بَني هاشِم يَكتبُونَ إِلى أبي مُسْلم يُعظِّمونَ شَأْنَه، وأنْ
يُتَمَّ على الطَّاعَة، ويُحَسِّنونَ له القُدومَ على المَنْصُورِ .
ثم إنَّ المَنْصورَ سَيَّرَ أُمَرَاءَ لتَلقِّي أبي مُسْلم، ولا يُظهِرُون أنَّه بَعثَهم ليُطَمْئنَه ،
ويَذْكِرونَ حُسْنَ نِيَّة المَنْصُورِ له ، فلمَّا سَمِعَ ذلكَ، انْخَدَعَ المَغْرورُ وفَرِحَ ، فلمَّا دَخلَ
عَليه ، سلَّم عَليه قائماً ، فقالَ: انْصَرِفْ يا أبا مُسْلم فاسْتَرِحْ، وادْخُل الحمَّامَ ثم اغْدُ
فانْصَرِفَ، وكان من نيَّةِ المَنْصُورِ أنْ يَقْتُلَه تلكَ اللَّيْلَة، فمَنعَه وَزيرُه أبو أيُّوبَ
المُورياني .
قال أبو أيُّوب : فقالَ ليَ المَنْصُورُ : دَخلَ عليَّ أبو مُسْلم فعَاتَبتُه ثمَّ شَتمتُه،
وضَربَه عُثمانُ بنُ نَهيك فلَمْ يَصْنَعْ شَيئاً، وخَرجَ شَبيبُ بنُ وَاج ، فضَربُوهُ ، فسَقطَ ،
فقالَ وهُمْ يَضرِبُونَه : العَفْوُ، قُلتُ: يا بنَ اللَّخْناءِ، العَفْوُ؟ والشُّيوفُ تَعْتَورُك ؟
وقُلتُ : اذْبَحُوهُ فِذَبَحُوهُ .
٥٩٧

ثم همَّ المَنْصُورُ بقَتلِ الأمير أبي إسْحاقَ صاحبٍ حَرَس أبي مُسْلم وبقَتلِ نَصْرِ بنِ
مَالِك الخُزاعيِّ، فكلَّمَه فيهما أبو الجَهْم ، وقالَ : يا أميرَ المُومنينَ إنَّما جُندُه جُندُك ،
أمَرْتَهم بطاعَتِهِ فأطاعُوهُ .
ثم إنَّه أعطاهُما مالاً جَزِيلاً، وفرَّقَ عَساكرَ أبي مُسْلم وكَتبَ بعَهدٍ للأميرِ أبي دَاوُدَ
خالدِ بنِ إبراهيمَ على خُراسان ، ثم بَعثَ إلى عِيسَى ابن موسَى وَلَيَّ العَهْد ، فَأَعْلَمَه ،
وأعْطاهُ الرَّأسَ والمالَ فخَرِجَ به ، فألْقاهُ إليهم ونَثَرَ الذَّهبَ ، فَتَشاغَلوا بأخْذِهِ .
قُتْلَ في سنة سَبعٍ وثَلاثينَ ومثَّة .
ولَمَّا قُتْلَ، خَرَجَ بِخُراسانَ سُنباذُ للطَّلبِ بِثَارِ أبي مُسْلم ، وكانَ سُنباذُ مَجوسياً ،
فغلَبَ علىُ نيسابُورَ والرَّيِّ، وظَفرَ بخَزائنَ أبي مُسْلم واسْتَفْحَلَ أمرُه ، فجَهَّزَ المَنْصُورُ
الحَرْبِهِ جُمهورَ بنَ مَرَّار العجليَّ في عَشرة آلاف ، وكان المَصافُّ بينَ الريِّ وهَمذانَ ،
فَانْهَزَمَ سُنْباذُ وقُتلَ من عَسْكرِه نحواً من ستينَ ألفاً ، وعامَّتُهُم كانوا من أهْلِ الجِبالِ ،
فسُبِيَّتْ ذَراريهمٍ ، ثم قُتْلَ سُنْبَاذُ بأرضٍ طَبَرِسْتان(١).
عبدُ الله بن عليّ :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَتِهِ : ابنُ الحَبْرِ عبدِ الله بنِ عَبَّاس، عَمُّ السَّفَّاحِ
والمَنْصُورِ ، من رِجالِ العالَمِ ودُهاةٍ قُرَيش (٢).
كان بطلاً شُجاعاً مَهيباً ، جَبَّاراً، عَسُوفاً ، سَفَّاكاً للدِّماءِ وبه قامت الدَّولَةُ العَبَّاسِيَّة
سارَ في أرْبَعِينَ ألفاً أو أكْثَرَ فالْتَّقَى الخَليفةَ مَرْوانَ بِقُرْبِ المُوصِلِ فَهَزْمَه ومَزَّقَ جُيوشَه ،
ولَجَّ فِي طَلبِه ، وطَوَى البلادَ حتى نازَلَ دارَ المُلْك دِمَشْقَ ، فحاصَرَها أيّاماً وأخَذَها
بالسَّيفِ(٣).
وقَتلَ بها إلى الظُّهْرِ نَحواً من خمسينَ ألفَ مُسْلم من الجُنْدِ وغَيرِهم ولَمْ يَرْقُبْ فيهم
إِلَّ ولا ذِقَّة ، ولا رَعَى رَحِماً ولا نَسَباً ، ثم جَهَّزَ في الحالِ أَخَاهُ داوُدَ بنَ عليّ فِي طَلبٍ
(١) انظر السير: (أبو مسلم الخُراسانيّ) ٤٨/٦-٧٣، وانظر النزهة: ٣/٦٢٩.
(٢) انظر السير: (عبد الله بن عليّ) ٦/ ١٦١ - ١٦٢، وانظر النزهة: ١/٦٣٩.
(٣) انظر السير: (عبد الله بن عليّ) ٦/ ١٦١ -١٦٢، وانظر النزهة: ٢/٦٣٩.
٥٩٨

مَرْوانَ ، إلى أنْ أدْرَكَه بقَرْيَة بُوصِيرَ من بلادٍ مِصْرَ، فبيَّه ، فقاتلَ المِسْكينُ حتّى قُتلَ
وهَرَبَ ابْناهُ إلى بلادِ النُّوبَة، وانْتُهَت الدَّولَةُ الأُمَويَّةِ(١) .
ولَمَّا ماتَ السَّفَّحُ، زَعمَ عبدُ الله أنَّه وَلِيُّ عَهْدِهِ ، وبايَعهُ أُمَرَاءُ الشَّام ، وبُويعَ
المَنْصُورُ بالعِراقِ، ونَدَبَ لحَرْبِ عَمِّه صاحِبَ الدَّعْوَة أبا مُسْلم الخُراساني ، فالْتَّقَى
الجَمْعان بنَصِيبين، فاشْتَدَّ القِتالُ وقُتْلَت الأبطالُ، وعَظُمَ الخَطْبُ ، ثم انْهَزْمَ عبدُ الله
في خَواصِّه، وقَصَدَ البَصْرَةَ فأخْفاهُ أخُوهُ سُليمانُ مُدَّةٍ ، ثمَّ ما زَالَ المَنْصُورُ يُلُّ حتى
أَسْلَمَه ، فسَجَنه سَنوات، فيُقالُ: حَفَرَ أسَاسَ الحَبْسِ وأرْسَلَ عليه الماء فوَقِعَ على
عبدِ الله في سَنة سَبعٍ وأَرْبَعينَ ومِئَة فالأمْرُ لله(٢).
المَنْصُور :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَتِهِ : أبادَ جَماعَة كباراً حتَّى تَوطَّد له الْمُلكُ ، ودانَت له
الأُمَمُ على ظُلم فيه وقُوَّة نَفْس ، ولكنَّه يَرجعُ إلى صِحَّة إِسْلام وتَدَيُّن في الجُمْلَةِ ،
وتَصَوُّنٍ وصَلاةٍ وخَيرٍ ، مع فَصاحَة وبَلاغَة وجَلالَة وقد وَلِي بُلَيَدَة من فارس لعامِلِها
سُليمانَ بنِ حَبيب بنِ الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرَة، ثم عَزله وضَربه وصادَرَه ، فلمَّا اسْتُخْلِفَ
قَتْلَه وكان يُلقَّبُ: أبا الدَّوانيقِ لتَدنيقِه ومُحاسَبِهِ الصُّنَّاعَ لَمَّا أَنْشأ بغدادَ(٣).
الحَكمُ بنُ هِشام :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَتِهِ : ابنُ الدَّاخِلِ عبدِ الرحمَن بنِ مُعاويَة ، ويُلقَّبُ
بِالْمُرْتَضَىُ .
بُويعَ بالْمُلكِ ، عند مَوتِ أبيه في صَفَرَ سَنةَ ثَمانينَ ومئة .
وكان من جَبابرَة الْمُلوكِ ، وفُشَاقِهِم ، ومُتَمَرِّديهِم ، وكان فارساً شُجاعاً ، فاتِكاً ذا
دَهاء وحَزْم وعُتُو ، وظُلمٍ ، تَمَلَّكَ سَبعاً وعشرينَ سنةً .
(١) انظر السير: (عبد الله بن عليّ) ١٦١/٦ -١٦٢، وانظر النزهة: ٣/٦٣٩.
(٢) انظر السير: (عبد الله بن عليّ) ٦/ ١٦١ -١٦٢، وانظر النزهة: ٤/٦٣٩.
(٣) انظر السير: (الْمَنصور) ٨٣/٧-٨٩، وانظر النزهة: ١/٦٧٨.
٥٩٩

وكانَ في أوَّلِ أمرِه علىُ سِيرَةٍ حَميدَةٍ ، ثَلا فيها أباه، ثم تَغْيَّرَ ، وتَجاهَرَ
بالْمَعاصي .
قالَ أبو محمَّد بنُ حَزْم : كان من الْمُجاهِرِينَ بِالْمَعاصي ، سَفَّاكاً للدِّماءِ ، كان
يَأْخُذُ أوْلادَ النَّاسِ الْمِلاحِ، فَيُخْصيهم ويُمْسِكُهم لِنَفْسِه(١).
قالَ اليَسَعُ بنُ حَزْمِ : هَمَّت الرُّومُ بما لَمْ يَنَالُوا من طَلَبِ الثُّغُورِ، فَنَكَثُوا العَهْدَ ،
فَتَجَهَّزَ الحَكَمُ بنُ هِشَامٌ إليهم حتىْ جَازَ جَبَلَ السَّارة - شَمَالِي طُلَيْطِلَةَ - فَفَرَّت الرُّومُ أمَامَه
حتى تَجَمَّعوا بمدينةِ سَمُّورَة، فلمَّا الْتَّقَى الجَمْعانِ، نَزَلَ النَّصْرُ، وانْهَزَمَ الْكُفْرُ،
وتَحَصَّنُوا منه بمدينةِ سَّقُورةً، وهي كبيرةٌ جداً فحَصَرَها المُسلمُون بالمِنْجَنِيقِ حتى
افْتَتَحُوها عُنْوَةً، ومَلَكُوا أكثرَ شَوارِعَها، واشْتَغَلَ الجُندُ بالغَنَائِمِ، وانضَمَّتِ الرُّومُ إلى
جِهَةٍ من البَلدِ ، وخَرجُوا على حَمِيَّة فقتلوا خَلْقاً في خُروجِهم ، فكانت غَزْوتُه من أعْظَمِ
المَغازِي لولا ما طَرَأَ فيها من تَضِْيعِ الحَزْمِ ، ورامَت الرُّومُ السِّلْمَ ، فَأَبَى عليهم
الحَكَمُ ، ثمَّ خَرَجَ من بلادِهم خوفاً من الثُّلُوجِ ، فلمَّا كان العَامُ الْآتِي اسْتَعَدَّ أعْظَمَ
اسْتِعِدَادٍ ، وقَصَدَ سَقُّورةَ فقَتَلَ فيها وسَبَى كُلَّ مَا مَرَّ به، ثمَّ نَازَلَهَا شَهْرَينِ ، ثمَّ دَخلُوها
بعد جَهْدٍ ، وبَذَلُوا فيها السَّيفَ إِلى المَسَاءِ، ثمَّ انْحَازَ المُسلمونَ فَبَاتُوا على أسْوارِها،
ثُمَّ صَبَّحوها من الغَدِ لا يُبْقُونَ علىَ مُحْتَلِمٍ .
قال الرَّازِيُّ في ((مَغَازِي الأَنْدَلُسِ)) : الذي أُحْصِيَ ممَّن قُتِلَ في سَمُّورةَ ثلاثُ مِئَةٍ
ألفِ نَفْسٍٍ ، فلمَّا بَلَغَ الخَبَرُ مَلِكَ رُومِيَّةٍ كَتَبَ إلى الحَكَمِ يَرْغَبُ في الأمَانِ ، فَوَضَعَ
الحَكَمُ على الرُّومِ ما كان جَدُّه وَضَعَ عليهم ، وزَادَ عليهم أن يَجْلِبُوا من تُرابِ مدينةٍ
رُومِيَّةَ نفسِها ما يُصْنَعُ به أكْوامٌ بِشَرْقِي قُرْطُبَةَ صَغَاراً لهم، وإِعْلَاءَ لمَنَارَةِ الإسْلامِ ،
فهُمَا كَوْمانِ من التُّرابِ الأحْمَرِ في بَسِيطِ مدرَتِها السَّوْداء(٢).
وكَثُرت العُلماءُ بالأَنْدَلُسِ في دَولِتِهِ ، حتَّى قيلَ : إِنَّه كانَ بِقُرْطُبَةَ أربعة آلاف مُتَقلِّس
مُتَزَيِّين بزيِّ العُلماءِ ، فلمَّا أرادَ الله فناءَهم، عَزَّ عليهم انْتِهِاُ الحَكَم للحُرُماتِ ،
(١) انظر السير: (الخَكَم بن هشام) ٨/ ٢٥٣ -٢٦٠، وانظر النزهة: ٣/٧٥٠.
(٢) انظر السير: (الحَكَم بن هشام) ٢٥٣/٨ - ٢٦٠، وانظر النزهة: ١/٧٥١.
٦٠٠