Indexed OCR Text
Pages 501-520
تَقَدَّمَ عنَد مَوْلاهُ الإِحْشیذِ ، وسادَ لرَأيِه وحَزْمِه وشَجاعَتِه فصَيّرَه من كِبار قُؤَّادِه ، ثم حارَبَ سَيفَ الدَّولَة ، ثم صارَ أتابكَ أنُوُجُورَ ابنَ أُسْتاذِهِ وَتَمَكَّن . ماتَ المَلكُ أنُوجُور شاباً في سَنةٍ تِسع وأرْبَعينَ وثَلاثِ مئة فأقامَ كافُورٌ أخاهُ عَليًَّ في السَّلْطَنة، فبقي سِتَّ سِنِينَ، وأزِمَّة الأمُور إلى كافُور، وبعدَه تَسَلطَن ورَكبَ الأسْوَدُ بالخِلعَة السَّوْداءِ الخَليفَتِيَّة فأشارَ عليه الكبارُ بنَصْبِ ابنِ لعَلِيٍّ صُورَةً في اسْمِ المَلكِ ، فاعْتَلَّ بصِغَره ، وما الْتُفتَ على أحَدٍ ، وأظْهَرَ أنَّ التَّقْلَيدَ والأُهْبَةَ جاءَته من الْمُطِيعِ ، وذلكَ سَنَةَ خَمسٍ وخَمسينَ وثَلاثِ مئة ، ولَمْ يَنْتُطِحْ فيها عَنْزان . وكان مَهيباً، سائساً، حَليماً، جَواداً، وَقُوراً، لا يُشْبهُ عَقلُهُ عُقولَ الخُدَّامِ (١). وفيه يقول المتنبي(٢): وَمَضِنْ قَصَدَ البَحْرَ اسْتَقَلَّ السَّوَاقِيَا قَوَاصِدَ كَافُورٍ تَوَارِكَ غَيْرِهِ وَدَلَّتْ بَيَاضاً خلْفَهَا ومَآَقِيَا فَجَاءَتْ بِنَا إِنْسَانَ عَيْنِ زَمَانِهِ فأقامَ عنده أرْبَع سِنِينَ ، نالَه مالٌ جَزِيلٌ ، ثمَّ هَجاهُ لامةً وكُفْراً لِنِعْمَتِهِ وهَربَ على البَريَّة يقولُ : أقْوَامُهُ البيضُ أَمْ آبَاؤُهُ الصِّيدُ مَنْ علَّمَ الأَسْوَدَ المَخْصِيَّ مَكْرُمَةً عَنِ الْجَمِيلِ فَكَيْفَ الخِصِيَةُ السُّودُ وذَاكَ أنَّ الفُحُولَ البِيضَ عَاجِزَةٌ ودُعيَ لكافُورٍ علىْ مَنَابِ الشَّامِ ومِصْرَ والحَرمَين والشُّغُورِ . وكان مُلازِماً لمَصالح الرَّعيَّة . وكان يَتْعَبَّدُ ويَتهجَّدُ، وُيمرِّغُ وَجْهَه ، ويقولُ: اللَّهُمَّ لا تُسَلِّطْ عليَّ مَخْلوقاً . وكان يُقرأُ عندَه السِّيَرُ والدُّوَل . وله نُدَماء وجَوارِ مُغنِّياتٍ ، ومن المَماليك ألوفٌ مُؤلَّفة ، وكان فَطِناً، يَقِظاً ، (١) انظر السير: (كافور) ١٨٩/١٦-١٩٠، وانظر النزهة: ٤/١٢٨٣. (٢) انظر السير: (كافور) ١٨٩/١٦ - ١٩٠، وانظر النزهة: ١/١٢٨٤. ٥٠١ ذَكِيّاً ، يُهادي المُعِزَّ إلى الغَرْب، ويُداري ويَخضَعُ للمُطيعِ، ويَخدَعُ هَؤلاء وهَؤلاء . وله نَظَرٌ في الفِقْه والنَّحْوِ . تُوقِّي سنةَ سَبعٍ وخَمسينَ وثلاثٍ مئة ، وماتَ عَشْرَ السَّبعين . وقيلَ : مُشْتَرَاهُ على الإِخْشيذِ ثمانيَةَ عَشرَ ديناراً . وللمُتَنَبِّي يَهجُوهُ ويَهْجُو ابنَ حنْزَابَة الوَزِيرَ(١): وَلَكْنَّهِ ضَحِكٌ كَالِبُكَا ومَاذَا بِمِصْرَ مِن المُضْحِكاتْ يُدرِّسُ أنْسَابَ أهْلِ الفَلاَ بِهَا نَبَطِيٍّ مِنَ أَهْلِ السَّوادْ يُقالُ له أنتَ بَدْرُ الدُّجا وأَسْوَدُ مِشْفَرُهُ نِصْفُه بينَ القَرِيضِ وَبينَ الرُّقَا وشِعْر مدحْتُ بِهِ الكَرْكدنَّ ولكنَّه كانَ هَجْو الوَرَى فما كان ذلكَ مَدْحاً لهُ وقد كان في كافُورٍ حِلْمٌ زائدٌ ، وَكفِّ عن الدِّماءِ ، وجَوْدَةٌ وَتَذْبير (٢) . ٧ - القِتالُ على المُلْك : الأَمِينُ والمَأْمُون : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَة الأمين : الخَلِيفَةُ، أبو عبدِ الله مُحمَّدُ ابنُ الرَّشيدِ هارُونَ ، الهاشِمِيُّ العَبَّاسيُّ البَغْداديُّ . عَقدَ له أبُوه بالخِلافَةِ بعدَه، وكانَ مَليحاً ، بَديعَ الحُسْن ، أبيضَ وَسيماً طَوِيلاً ذا قُوَّة وشَجاعَة وأدَب وفَصاحَة ، ولكنَّ سَيِّءُ التدبيرِ مُفْرطَ التّبْذِيرِ ، أَرْعَنَ لغَّاباً، مع صِحَّة إِسْلامٍ ودين . قالَ الْمَسْعُوديُّ: ما وَلَيَ الخِلافَةَ هاشِمِيٌّ ابنُ هاشِمِيَّة سِوَى عَليٍّ ومُحمَّدٍ الأمين(٣) . وفي سَنةِ أَرْبع وتِسْعينَ ومئة أمَرَ الأمينُ بالدُّعاءِ لابنِهِ مُوسَى بوِلايَةِ العَهْدِ بعدَ وَلِيِّ (١) انظر السير: (كافور) ١٨٩/١٦ - ١٩٠، وانظر النزهة: ٢/١٢٨٤. (٢) انظر السير: (كافور) ١٨٩/١٦ - ١٩٠، وانظر النزهة: ٢/١٢٨٥. (٣) انظر السير: (الأمين) ٣٣٤/٩-٣٣٩، وانظر النزهة: ٤/٨٢٤. ٥٠٢ العَهْد الْمَأْمُونِ والقاسِم ، وأغْرَى الفَضلُ بنُ الرَّبيع الأمينَ بالْمَأمونِ وحثَّه علىْ خَلعِه العَداوَةٍ بينهما ، وحَسَّنَ له ذلك السِّنْدِيُّ، وعليُّ بنُ عيسى بنُ ماهان، ثم بَعثَ الأمينُ يَطلبُ من الْمَأمونِ تَقديمَ مُوسَى وَلدَه على الْمَأْمُونِ ، ولَقَّبه النَّاطِقَ بالحَقِّ ، فَأَبَى ذلكَ الْمَأْمُونُ . وأمَّا الأمينُ ، فَبَلغَه خِلافُ الْمَأْمُونِ، فأسْقَطَه من الدُّعاءِ ، وطَلبَ ما كَتَبَه الرَّشيدُ وعلَّقَه بالكعْبَة من العَهْدِ بينَ الأخَوَينِ ، فمزَّقَه ، فلامَه الأَلِيَّاءُ فَلَمْ يَنْتُصِحْ ، حتى قالَ له خازِمُ بنُ خُزَيْمَة: لَنْ يَنْصَحْكَ مَنْ كَذَبك، ولَنْ يُغُشَّكَ مَنْ صَدَقَك، لا تُجَسِّر القُؤَادَ على الخَلعِ، فَيَخْلَعوكَ، ولا تَحْمِلْهم على النَّكْثِ، فالغادِرُ مَفْلولٌ، والنَّاكِثُ مَخذولٌ ، فَلَمْ يَلتَفِتْ ، وبايَعَ لِمُوسَى بالعَهْدِ واسْتوزَرَ له . فلمَّا عَرَفَ الْمَأْمُونُ ، خَلِعَ أخاهُ، وتَسَمَّى بأميرِ المؤمنينَ ، وأمَّا ابنُ ماهانَ ، فجهّزَه الأمينُ، وخَصَّه بمئتَي ألفِ دينار، وأعْطاهُ قَيداً من فِضَّة لِيُقَيِّدَ به الْمَأْمُونَ بزَعْمِه، وعَرضَ الأمينُ جَيشَه بالنَّهْرَوَان ، وأقْبَلَ طاهِرٌ في أرْبَعةِ آلافٍ فالْتَّقَوا ، فقُتلَ ابنُ ماهان، وتَمزَّقَ جَيشُهُ، هذا والأمينُ عاكفٌ على اللَّهْوِ واللَّعِبِ ، فَبَعثَ جَيشاً آخَرَ ، ونَدِمَ على خَلْعِ الْمَأْمُونِ . وأنْفَقَ الأمينُ بُيوتَ الأمْوالِ على الجُندِ ولا يَنْفَعونَ، وجاءَت أمْدادُ الْمَأْمُونِ مع هَرْئمةَ بنِ أعيَن والفَضلِ بنِ سَهْل، وضَعُفَ أمرُ الأمينِ، وجَبُنَ جندُه من الخُراسانِيِّين، وأحاطَت الْمَأْمُونِيَّةُ بَبَغْدَادَ، يُحاصِرونَ الأمينَ واشتدَّ البَلاءُ ، وعَظُمَ القِتالُ، وقاتَلَت العامَّةُ والرِّعَاعُ عن الأمينِ قِتَالَ الْمَوْتِ ، واسْتمَّ الوَيلُ والحِصارُ ، وجَرَتْ أمورٌ لا تُوصَفُ، وتَفَاقَمَ الأمرُ ونَفَذَت خَزائنُ الأمينِ ، حتى باعَ الأمْتِعَةَ ، وأنْفَقَ في الْمُقاتِلَة ، وما زالَ أمرُه في سِفالٍ ، ودَثَرَتْ مَحاسِنُ بَغْدادَ ، ودامَ الحِصارُ والوَبالُ خَمسةَ عَشرَ شَهراً . ودَخلَ طاهِرٌ بَغْدَادَ عَنْوَةً، ونادَىُ : مَنْ لَزِمَ بَيْتَه، فهو آمِنٌ ، وحاصَروا الأمينَ في قُصُورِهِ أَيَاماً ، ثم رَأى أنْ يَخرُجَ على حميةٍ ليلاً، وفَعَلَ فظَفروا به ، وهو في ٥٠٣ حَرَّاقَةٍ (١) فشدَّ عليه أصْحابُ طاهِر في الزَّوَارِيقِ(٢) وتَعلَّقُوا بِحَرَّاقَتِهِ، فَتُقِبَت ، وغَرقَتْ، فَرَمَى الأمينُ بنفسِه في الماء ، فظَفرَ به رَجلٌ ، وذَهبَ به إلى طاهِر ، فقَتْلَه ، وبَعثَ برأسِه إلى الْمَأْمُونِ، فإنَّا لله، ولم يُسَرَّ الْمَأْمُونُ بمَصْرعٍ أخيه . وعاشَ الأمينُ سَبعاً وعِشرينَ سَنةً، وقُتلَ في الْمُحرَّم سَنةَ ثَمانٍ وتسعينَ ومئة ، وخِلافَتُه دون الخَمسِ سِنين، سامَحَه اللهُ وَغَفرَ له(٣). صَلاحُ الدِّين مع مَلك الموصِل : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمَة مَلكِ الْمَوْصِلِ : المَلكُ سَيفُ الدِّين ، غازي ابنُ صاحِبِ المُوصِل ، قُطْبِ الدِّين مَوْدُودِ ابنِ الأتابك زنكيٌّ ابنٍ قَسيمِ الدَّولَة آقْسنقر التُّزكيُّ الْمَوْصِليُّ . تَمَلَّكَ بعد أبيه من تَحْت يَدِ عَمِّه الملكِ نُورِ الدِّين، وطالَت أيامُه، فلمَّا تَسَلطَنَ صَلاحُ الدِّين، وحاصَر حَلبَ ، نَفَذَ غازي جَيشَه مع أخيه مَسْعودَ يُنْجِدُ ابنَ عمِّه ، فالْتَقَوْا هم وصَلاحُ الدِّين عند قُرُونٍ حماةَ ، فَانْكَسَرَ مَسْعودٌ ، فأقْبلَ غازي بنفسِه لِيَأْخُذَ بالثَّارِ فَوَقَعَ الْمَصافُّ علىٌ تَلِّ الُّلطانِ بِقُربٍ حَلَبَ ، فانْكَسَرَت مَيْسَرَةُ صَلاحِ الدِّين ، فحَملَ السُّلطانُ بنفسِه ، فَكَسرَ الْمَواصِلَةَ ، فقَبَّحَ اللهُ القِتالَ على الْمُلكِ، ما أَرْدَاهُ . ماتَ غَازِي رَحمَه اللهُ بالسُّلِّ في سَنةِ سِتٍّ وسَبعين وخمس مئة، وتَملَّكَ الْمُوصِلَ أخُوهُ الْمَلكُ عِزّ الدِّينِ مَسْعود (٤) . ٨- صُوَرٌّ من تَنَغُّم الخُلَفَاءِ : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمَة يَزِيدِ بنِ مُعاويَة : عن زيادِ الحارِثِيِّ قالَ : سَقاني يَزيدُ بنُ مُعاويَة شَراباً ما ذُقتُ مِثْلَه ، فقُلتُ : يا أميرَ المؤمنينَ لَمْ أُسَلْسِلْ مثلَ هذا (١) ضربٌ من السفن بالبصرة ، فيها مرامي نيران يُرمَى بها العدو في البحر . (٢) هي القوارب الصغار . (٣) انظر السير: (الأمين) ٣٣٤/٩-٣٣٩، وانظر النزهة: ٥/٨٢٤. (٤) انظر السير: (مَلك الْمَوْصِل) ٥٤/٢١-٥٥، وانظر النزهة: ١/١٥٩٧. ٥٠٤ قالَ: هذا رُمَّانُ حُلْوانَ، بَعَسَلِ أصْبَهَانَ، بسُكَّرِ الأهْوازِ، بزَبِيبِ الطَّائِفِ، بِمَاءِ بَرَدَى(١). قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَة أبي مُسْهِر: قالَ عليُّ بنُ عُثْمَانَ النُّفَيَلِيُّ : كُنَّا على بابِ أبي مُسْهر جَماعَةً من أصْحابِ الحَديثِ ، فمَرِضَ ، فَعُدْناه، وقُلنا : كيفَ أصْبَحتَ ؟ قالَ : في عافيَةٍ ، راضِياً عن الله ، ساخِطاً على ذي القَرْنَينِ ، كيف لَمْ يَجعلْ سَداً بيننا وبين أهلِ العِراقِ ، كما جَعلَه بين أهْلِ خُراسانَ وبينَ يأُجُوجَ ومَأْجُوجَ ، فما كانَ بعد هذا إلاَّ يَسيراً حتى وَافَى الْمَأْمُونُ دِمَشْقَ، ونَزَلَ بَدَيرٍ مُرَّان وبَنى القُبَّةَ فَوقَ الجَبَل، فكانَ باللَّلِ يَأْمُرُ بجَمْرٍ عَظيمٍ ، فيُوقَد ويُجعَلُ في طُسوتٍ كبار ، تُدَلَّى من عند القُبَيْبَة بسَلَاسِلَ وحِبال ، فتُضيءُ لها الغُوطَةُ ، فَيُبْصِرُها باللَّيلِ . وكان لأبي مُسْهِر حَلقةٌ في الجامع بين العِشاءَين عند حائطِ الشَّرقيِّ ، فَبَينما هو لَيلةً، إذ قد دَخَل الجامِعَ ضَوءٌ عَظيمٌ ، فقالَ أبو مُسْهِر : ما هذا؟ قالوا : النَّارُ التي تُدَلَّى من الجَبلِ لأميرِ المؤمنينَ حتى تُضيءَ له الغُوطَةَ فقالَ: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِبِع ◌َايَةً تَعْبَئُونَ ﴿١٤) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُونَ﴾(٢) ، وكان في الحلقة صاحِبُ خَبٍ للمَأْمُونِ، فَرَفعَ ذلك إلى الْمَأْمُونِ ، فحَقَدَها عليه . فلمَّا رَحلَ الْمَأْمُونُ ، أمَرَ بحَمْلِ أبي مُسْهِر إليه ، فامْتَحْنَه بالرَّقَّة في القُرآنِ . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : قد كانَ الْمَأْمُونُ بأساً ويلاءً على الإسْلام(٣). ٩- قَولٌ بَلیغٌ فِي خَليفَةٍ بَخِيل : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمَة جَعْفَرِ بنِ مُحمَّد : ومن بَليغ قَولِه، وذُكِرَ له بُخْلُ الْمَنْصورِ ، فقالَ : الحَمدُ لله الذي حرَمَه من دُنياه ما بَذْلَ لأجْلِهِ دينَهَ(٤) . (١) انظر السير: (يَزيد بن مُعاويَة) ٣٥/٤-٤٠، وانظر النزهة: ٧/٤٣٧. (٢) سورة الشعراء، الآيتين : ١٢٨، ١٢٩. (٣) انظر السير: (أبو مُسْهر) ٢٢٨/١٠ -٢٣٨، وانظر النزهة: ٢/٨٧٢. (٤) انظر السير: ( جَعْفَر بن محمّد) ٢٥٥/٦ - ٢٧٠، وانظر النزهة: ١/٦٤٩. ٥٠٥ ١٠ - اسْتِماعُ الخَليفَة للمُنَجِّمين : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَة الْمَنْصورِ : وقد كان المنصورُ يصغي إلى أقوال المنجمين وينفُقُون عليه وهذا من هنَاته مع فضيلته(١) . ١١ - شُبُهاتٍ حَولَ هارُونَ الرَّشید -رحمه الله - ورَدِّها : (أ) عِبادَتُه وفَضْلُه وغَزْؤُه : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجمَتِهِ: كانَ مِنْ أَنْبُلِ الخُلفاء، وأحْشَمِ الْمُلوكِ ، ذا جِهادٍ ، وغَزْوٍ وشَجاعَة ، ورأي . وأمُّه أمُّ وَلَد ، اسْمُها خَيزُران . أغْزَاهُ أبوهُ بلادَ الزُّومِ ، وهو حَدَثٌ في خِلافَتِهِ (٢). قيلَ : إِنَّه كان يُصلِّي في خِلافَتِهِ في كلِّ يَومٍ مئةَ رَكعَة إلى أنْ ماتَ ، ويَتصَدَّقُ بألفٍ ، وكان يُحبُّ العُلماءَ، ويُعظِّمُ حُرُماتِ الدِّين، ويَبَغَضُ الجِدالَ والكَلامَ ، ويَبكي على نفسِه ولَهْوِهِ وذُنوبِه، لاسيَّما إذا وُعِظَ، ووَعَظَه الفُضَيْلُ مرَّةً حتى شَهِقَ في بُكائِهِ(٣) . وعن الأصْمَعيِّ: قالَ لِيَ الرَّشيدُ وأمَرَ لي بخَمسَةِ آلافٍ دينار : وَقِّرْنا في الْمَلأ وعَلِّمْنا في الخَلاءِ ، سَمِعَها أبو حاتم من الأصْمَعيِّ(٤) . وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : حجَّ غيرَ مرَّة ، وله فُتُوحاتٌ ومَواقفُ مَشْهودَةٌ ، ومنها فَتْحُ مَدِينَةِ هِرَقْلَةٍ(٥) ، وماتَ غازِياً بِخُراسانَ، وقَبرُه بمَدينَة ◌ُوسَ ، عاشَ خَمساً وأرْبَعِينَ (١) انظر السير: (المَنصور) ٨٣/٧-٨٩، وانظر النزهة: ٥/٦٧٨. (٢) انظر السير: (الرَّشيد) ٢٨٦/٩ -٢٩٥، وانظر النزهة: ٢/٨٢٠. (٣) انظر السير: (الرَّشيد) ٢٨٦/٩ -٢٩٥، وانظر النزهة: ٣/٨٢٠. (٤) انظر السير: (الرَّشيد) ٢٨٦/٩-٢٩٥، وانظر النزهة: ٣/٨٢١. (٥) هي مدينة ببلاد الروم ، سُميت بهِرَقْلة بن الروم ، وكان الرشيد غزاها بنفسه ، ثم افتتحها عنوة بعد حصار وحرب شديد ورمى بالنار والنفط حتى غلب أهلها . ٥٠٦ سَنةً، وصَلَّى عليه وَلدُه صالِحِ، تُوفِّيَ في سَنةِ ثَلاثٍ وتسعينَ ومئة . وَزرَ له يَحْيَى بِنُ خالد مُدَّةٍ، وأحْسَنَ إلى العَلَوَّة، وحَجَّ سَنةَ ثَلاثٍ وسَبعينَ ومئة وعَزلَ عن خُراسانَ جَعْفَرَ بنَ أشْعث بوَلِدِهِ العِبَّاس بنِ جَعْفَر، وحَجَّ أيضاً في العامِ الآتي ، وعَقدَ بوِلايَة العَهْدِ لوَلِدِه الأمينِ صَغيراً ، فكانَ أقْبَحَ وَهْنٍ تمَّ في الإسْلامِ ، وأرْضَى الأُمَراءَ بأموالٍ عَظيمَة، وتَحرَّكَ عليه بأرضِ الدَّيْلَم يَحيى بنُ عبدِ الله بنِ حَسَن الحَسَنيُّ، وعَظُمَ أمْرُه، وبادَرَ إليه الرَّافِضَةُ، فَتَنكَّدَ عَيشُ الرَّشيدِ واغْتمَّ ، وجَهَّزَ له الفَضلَ ابنَ وَزيرِهِ في خَمسينَ ألفاً، فخارَت قُوَى يَحْيَى، وطَلبَ الأمَانَ ، فأجابَه ولاطَفَه ، ثم ظَفِرَ به ، وحَبسَه، ثم تَعلَّل وماتَ(١) . وفي سَنةِ تِسعِ وسَبعينَ ومئة اعْتَمَرَ الرَّشيدُ في رَمضانَ ، واسْتمَرَّ على إحْرامِه إلى أنْ حَجَّ ماشِياً من بَطْنِ مَكة . وتَفَاقَمَ الأمْرُ بينَ قَيْسٍ وَيَمَنِ بالشَّامِ ، وسالت الدماءُ (٢). وغَزا الرَّشيدُ ، ووَغَلَ في أرضِ الرُّومِ ، فَاقْتَحَ الصَّفْصافَ، وبَلِغَ جَيشُه أَنْقَرَة . وفي سَنةِ خَمسٍ وثَمانينَ ومئة ظَهرَ بعبَّادانَ أحمدُ بنُ عيسى بنِ زَيْد ابنِ عَليٍّ العَلويُّ، وبناحيَّةِ البَصْرَةِ ، وبُويعَ ثم عَجَزَ وهَربَ ، وطالَ اخْتِفَاؤُه أزْيَدَ من سِتِّينَ عَاماً(٣). وفي سَنةِ سَبعٍ وثمانينَ ومئة قَتلَ الرَّشيدُ جَعْفرَ بنَ يَحْيِى البَرْمكيِّ ، وسَجنَ أباه وأقارِبَه ، بعدَ أنْ كانوا قد بَلغوا رُتْبَةً لا مَزِيدَ عليها ، وفيها انْتُقِضَ الصُّلحُ مع الرُّومِ ، ومَلَّكوا عليهم نِقْفورَ ، فيُقالُ: إنَّه من ذُرِّيَة جَفْنَةَ الغَسَّانِيِّ، وبَعثَ يَتَهَدَّدُ الرَّشيدَ ، فاستشاطَ غَضباً، وسارَ في جُيوشِه حتى نازَلَه هِرَقْلة، وذلَّتِ الرُّومُ، وكانت غَزْوَةً مَشْهُودَةً (٤) . (١) انظر السير: (الرَّشيد) ٢٨٦/٩ -٢٩٥، وانظر النزهة: ٥/٨٢١. (٢) انظر السير: (الرَّشيد) ٢٨٦/٩ -٢٩٥، وانظر النزهة: ٦/٨٢١. (٣) انظر السير: (الرَّشيد) ٢٨٦/٩-٢٩٥، وانظر النزهة: ١/٨٢٢. (٤) انظر السير: (الرَّشيد) ٢٨٦/٩ -٢٩٥، وانظر النزهة: ٢/٨٢٢. ٥٠٧ وفي سَنةِ ثَمَانٍ وثَمانينَ ومئة كانت الملحَمَةُ العُظْمَىُ ، وقُتلَ من الرُّومِ عَددٌّ كَثيرٌ ، وجُرِحَ النِّقْفُورُ ثلاثَ جِراحاتٍ ، وتمَّ الفِداءُ حتى لم يَبْقَ في أيدي الرُّومِ أسيرٌ(١) . ( ب) ماذا قِيلَ حَولَ شُرْبِهِ الخَمْر : قالَ ابنُ حزم : أراهُ كان يَشربُ النَّبِيذَ الْمُخْتَلَفَ فيه، لا الخَمْرَ الْمُتَّفَقُ على حُرْمَتِها (٢) . (ج) تَعْظِيمُه للعُلَماء : ولَمَّا بَلَغَه مَوْتُ ابنِ المبارك ، حَزنَ عليه، وجَلسَ للعَزاءِ ، فعَزَّاهُ الأكابرُ(٣). وعن أبي مُعاوِيَةَ الضَّرير قالَ : صَبَّ على يَدِيَّ بعد الأكْلِ شَخصٌ لا أعْرِفُه ، فقالَ الرَّشيدُ: تَدْرِي مَنْ يَصُبُّ عَليكَ؟ قُلتُ: لا، قالَ: أنا، إجْلالاً للعِلْمِ (٤) . (١) انظر السير: (الرَّشيد) ٢٨٦/٩ -٢٩٥، وانظر النزهة: ٣/٨٢٢. (٢) انظر السير: (الرَّشيد) ٢٨٦/٩ -٢٩٥، وانظر النزهة: ٤/٨٢١. (٣) انظر السير: (الرَّشيد) ٢٨٦/٩-٢٩٥، وانظر النزهة: ١/٨٢١. انظر السير: ( الرَّشيد) ٢٨٦/٩-٢٩٥، وانظر النزهة: ٢/٨٢١. (٤) ٠ ٥٠٨ الوُزَراء ١- السُّلْطانُ بحاجَةٍ إلىُ وُزَراءَ مُخْلِصِين : عن الأحْتَفِ قالَ : سَمعتُ خُطبَةَ أبي بَكْر وعُمَرَ والخُلفاء فما الكَلامُ من مَخْلوقٍ أفْخَم ولا أحْسَن من أُمّ المؤمنينَ عائِشَة . وعنه : لا يَتمُّ السُّلطانُ إلاَّ بالوُزَراءِ والأَعْوانِ ، ولا يَتْفِعُ الوُزَراءُ والأعْوانُ إلاَّ الْمَوَدَّةِ والنَّصِيحَةِ ، ولا تَنفَعُ الْمَوَدَّةُ والنَّصيحَةُ إلَّ بالرَّأْيِّ والعِفَّةِ(١). . ٢- وَزِيرٌ عُذِّبَ وقُتلَ بِغَير حقٍّ : الكندري : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في ترجمَته : الوَزيرُ الكَبِيرُ ، عَميدُ الملك أبو نَصْر ، مُحمَّدُ بنُ مَنْصور بنِ مُحمَّد الكُنْدُريُّ ، وَزِيرُ السُّلطانِ طُغْرُلْبَك. كان أحَدَ رجالِ الدَّهْرِ سُؤدُّداً وجُوداً وشَهامَةً وكِتابَةً . وكُنْدُر : من قُرَىْ نيسابُور وُلدَ بها سَنةَ خَمسَ عَشرةَ وأربع مئة ، تَفَقَّه وتأدَّبَ ، وكانَ كاتباً لرئيس، ثم ارْتَفَىْ ووَلِيَ خُوارَزْم وعَظُم، ثم عَصَى السُّلطانَ ، وتَزوَّجَ بامرأةٍ مَلكِ خُوارَزْم، فَتَحِيَّلَ السُّلطانُ حتى ظَفرَ به، وخَصاهُ لَزَوُّجِه بها ثم رَقَّ له وتَداوَی وعُوفي ووزرَ له . وقَدِمَ بَغْدَادَ ، ولَقَّبَه القائمُ سَيِّدَ الوُزَراءِ ، وكانَ مُعْتَزِلِيَّاً له النَّظْمُ والنَّثْرُ فلمَّا ماتَ طُغْرْلَك ، وَزَرَ لألب آرسلان قَليلاً ونُكِبَ . ووَزْرَ تِسِعَ سِنِينَ وأخَذوا أَمْوالَه، منها ثَلاثُ مئة مَمْلوكٍ وقُتِلَ صَيْراً، وطِيفَ (١) انظر السير: (الأحْتَف بن قَيْس) ٨٦/٤- ٩٧، وانظر النزهة: ٦/٤٥٣. ٥٠٩ ۔ برأسِه، وما بَلغَنا عنه كَبِيرُ إساءَة ، لكن ما على غَضَبِ الْمَلِكِ عيارٌ قُتْلَ بمَرْوِ الرُّوذ سَنةَ سِتٍّ وخَمسينَ وأربع مئة، وله اثنَتَان وأرْبَعون سَنةً، ووَزرَ بعدَه نِظَامُ الْمُلك(١). ٣- مَنْ عُذِّبَ من الوُزَراء حتى المَوت : جاءَ في تَرجَمَةِ أحمدَ بنِ إسْرائيلَ ، قالَ الصُّوليّ : كانت وَزارَتُه دون ثلاث سنين ، وقَتلَه وَصيفٌ بالضَّربِ فِي رَمضانَ سَنةَ خَمسٍ وخَمسينَ ومئتين (٢). الحَسَنُ بنُ مَخْلَد : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجمَة الحَسَنِ بنِ مَخْلَد : ابنُ الجَرَّاحِ الوَزيرُ الأكْمَلُ ، أبو مُحمَّدٍ البَغْداديُّ، الكاتبُ أحدُ رِجالِ العَصْرِ سُؤْدُداً، ورَأياً ، وشَهامَةً ، وكتابَةً ، وبَلاغَةً ، وفَصاحَةً ، ونُبُلاً . مَولدُه : في تِسْعِ ومئتين فاتُّفِقَ أنَّه وُلدَ فيها أرْبَعَةُ وُزَراء : هو ، وعبدُ الله بنُ يَحْبِىُ بنِ خاقانَ، ومُحَمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ طاهِرٍ وأحمَدُ ابنُ إسرائيل . وَزرَ الحَسَنُ للمُعتَمِدِ نَوْبتَينِ ، فصادَرَه ثم وَزرَ له ثالثاً ، فاسْتمرَّ خَمسةَ أعْوام ، فسَخطَ عليه فَتَسلَّلَ إلى مِصْرَ، فَأَقْبلَ عليه ابنُ طُولونَ ، وجَعلَ إليه نَظَرِ الإِقْليمِ والْتُزمَ له بنُموِّ ألفِ ألفِ دينار في السَّنةِ مع العَدْلِ، فخافَه العُمَّالُ، وتَفرَّغوا له ، وقالوا : هذا عَينٌ عَليكَ للمُوَفَّقِ وَلِيِّ العَهْد فَتَحيَّل وسَجنَه فقالوا: ما الرَّأَيُ في حَبسِه في جِوارِك، فرُبَّما حَدثَ به مَوتٌ فِيُسَبُ إليكَ، فَأرْسَلَ به نائبَه بأنْطاكيَة، وأمَرَه أنْ يُعذِّبَه ، فتَلفَ تحتَ العَذابِ . وكان ابنُ مَخْلَد - مع ظُلمِه - شاعِراً جَواداً مُمَدَّحاً ، امْتَدَحَه البُخْتُريُّ وغيرُه . قالَ ابنُ النجَّار : عَمَلَ الوَزارَةَ مع كتابَةِ الْمُوَفَّق ، وكانَ آيَةً في حِسابِ الدِّيوانِ ، حتى قِيلَ : ما لا يَعْرِفُه ابنُ مَخْلَد ، فَلَيسَ من الدُّنيا . وكانَ تامَّ الشَّكلِ ، مَهيباً، فاخِرَ البِزَّة ، يَرَكَبُ غِلماتُهُ في الدِّيباجِ ، ونَسيِجٍ (١) انظر السير: (الكندري) ١١٣/١٨-١١٥، وانظر النزهة: ١٣٩١/ الكندري. (٢) انظر السير: (أحمد بن إسرائيل) ٣٣٢/١٢-٣٣٣، وانظر النزهة: ٥/١٠٠٥. ٥١٠ الذَّهَب، وعِدَّة جَنائبَ وإذا جَلسَ في دارِهِ تَقعُ العَينُ على الفَرْشِ والسُّتورِ ، والآنِيَة التي قیمتُها مئةُ ألفِ دینار كان في هيئةِ سُلطانٍ كَبِيرٍ . ماتَ فِي سَنةِ إِحْدَىُ وسَبعينَ ومِئْتَين(١) . ٤ - الوُزَراء المُتَحَكمون في الأمور أكثر من وَلي الأمْر : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَة الحافظ لدين الله العُبيدي : وغَلبَ على الأمُورِ أميرُ الجُيوشِ أبو عَليٍّ بنُ الأفْضَل بنُ بَدْر الجمَالي فأخْرَجَت الأُمَراء أبا عَلَيٍّ، وقدَّموهُ عَليهم ، فأتَى إلى القَصْر، وأمَرَ ونَهَى، وبَقيَ الحافِظُ معه مُنْقَهراً، فقامَ أبو عَلَيّ بالمُلكِ أَتَمَّ قيامٍ وعَدَلَ فِي الرَّعِيَّة، ورَدَّ أموالاً كَثِيرَة على المُصادَرين ، ووَقفَ عند مَذْهَبِ الشِّيعَة، وتَمسَّكَ بالاثْنَي عشر، وتَركَ ما تَقولُهُ الإسْماعيليَّةُ ، وأعْرَضَ عن الحافِظ وآلِ بَيتِهِ، ودَعَا على مَنابِرِ مِصْرَ للمُتَظَرِ صاحبِ السِّرْدابِ علىَ زَعِمِهم ، وكَتبَ اسْمَه على السِّكَّة، واسْتَمرَّ على ذلك ، وقَلِقَت الدَّوْلةُ إلى أنْ شَدَّ عليه فارسٌ من الخاصَّة ، فقَتَلَه بظاهرِ القاهِرَة في المُحرَّم سَنةَ سِتُّ وعشرينَ وخَمسٍ مِئَة ، وذلكَ بتَدبيرِ الحافِظِ ، فبادَرَت الأُمَراءُ إلى خِدمَةِ الحافِظِ ، وأخْرَجُوهُ من الضُّيقِ والاعْتِقَالِ ، وجَدَّدوا بَيْعَتَه واسْتَقَلَّ بالمُلكِ . وعندَما ماتَ الْآمِرُ قَبَلَه ، قالَ الجُهَّالُ : هذا بَيَتٌ لا يَموتُ إمامٌ منهُم حتى يخلُّفَ ابناً يَنُصُّ على إمامَتِهِ، فخَلَّفَ الآمِرُ حَمْلاً فكانَ بِنْاً . وكان الحافِظُ كُلَّما أقامَ وَزيراً تَمَكَّنَ ، وحَكمَ عليه، فيَتَألَّمُ ويَتحيَّلُ عليه ، ويعَمِلُ علىْ هَلاكِهِ وبَقيَ الحافِظُ بلا وَزيرٍ عَشْرَ سِنين . وماتَ سَنة أرْبَع وأرْبَعينَ وخَمسٍ مِئَة، فكانَتْ دَولتُه عِشرينَ سَنةً سِوَى خَمسَةِ أَشْهُر وعاشَ سَبعاً وسَبعينَ سَنةً فما بَلغَ أحدٌ هذا السنَّ من العُبَيْدِيَّة، وقامَ بعدَه وَلِدُه الظَّافِرُ(٢). (١) انظر السير: (الحَسن بن مَخْلَد) ٧/١٣-٨، وانظر النزهة: ١٠٤٥ / الحَسن بن مَخْلَد . (٢) انظر السير: (الحافظ لدين الله) ١٩٩/١٥ -٢٠٢، وانظر النزهة: ٢/١٢١٥. ٥١١ وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَة ابنِ أبي عامِر : الْمَلكُ الْمَنْصُورُ، حَاجِبُ الْمَمالكِ الأَنْدَلُسيّة، أبو عامِر، مُحمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي عامِر مُحمَّدِ القَحْطانِيُّ الْمَعَافِرِيُّ القُرْطُبِيُّ، القائمُ بأعْباءِ دَولَة الخَلِيفَةِ الْمَرْوانِيِّ الْمُؤَّد بالله هشامِ بنِ الحَكَم أميرٍ الأَنْدَلُسِ فإنَّ هذا الْمُؤَّد استخلِفَ ابنَ تِسْعِ سِنِينَ ، ورُدَّت مَقاليدُ الأُمورِ الى الحاجِبِ هذا فيَعمَدُ إلى خَزائنِ كُتبِ الحَكَم ، فأبرزَ ما فيها ثم أَفْردَ ما فيها من كُتَبِ الفَلسَفَة فأحْرَقَها بمَشْهَدٍ من العُلماءِ ، وطَمرَ كثيراً منها ، وكانت كَثيرةً إلى الغاية ، فعَلَه تَقبيحاً الرأي الْمُسْتَنْصِرِ الحَكَم (١) . وكانَ الْمُؤيَّدُ معه صُورةً بلا مَعْنَى، بل كانَ مَحْجوباً لا يَجتمعُ به أميرٌ ولا كبيرٌ بلْ كان أبو عامِرٍ يَدخُلُ عليه قَصرَه، ثم يَخرُجُ فيقولُ: رَسَمَ أميرُ المؤمنينَ كذا وكذا ، فلا يُخالفُه أحَدٌ، وإذا كانَ بعدَ سَنةٍ أو أكثر أرْكَبَه فَرَساً، وجَعلَ عليه بُرْنُساً ، وحَولَه جَواريه راكباتٍ ، فلا يَعرِفُه أَحَدٌ(٢). ٥- مَنْ ظَلَم من الوُزَراء بعد العَدْل والإِحْسان : ابنُّ الفُرات :. قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَته : الوزيرُ الكَبيرُ، أبو الحَسَن، عَلَيُّ ابنُ أبي جَعْفَر مُحمَّد بنِ مُوسَى بنِ الحَسَن بنِ الفُرات العَاقُوليُّ الكاتِبُ . قالَ الصُّوليُّ : ابتاعَ جَدُّهم ضياعاً بالعَاقُولِ، وانْتُقلَ إليها فنُسِبوا إلى العَاقُولِ كان ابنُ الفُراتِ يَتولَّى أمرَ الدَّواوينِ زَمنَ الْمُكْتَفي ، فلمَّا وَلِيَ الْمُقْتَدِرُ ووَزرَ له العَبَّاسُ بنُ الحَسَن ، بقي ابنُ الفُراتِ علىْ وِلايَتِهِ ، فجَرَت فِتْنَةُ ابنِ الْمُعْتَرِّ، وقُتلَ العِبَّاسُ الوَزيرُ ، فَوَزَرَ ابنُ الفُرات سَنةَ سِتٍّ وتسعيَن ومِئْتَين، وتَمكَّن فأحْسَنَ وعَدلَ وكان سَمْحاً مِفْضالاً مُخْتشِماً، رأساً في حِسابِ الدِّيوانِ له ثَلاثةُ بَنِينَ، الْمُحَسَّنُ والفَضْلُ والحُسَينُ ، ثم عُزِلَ في ذي الحجَّة سَنةَ تِسعٍ وتسعينَ ومِئْتَين ، ثم وَزرَ فِي سَنةِ أَرْبَع (١) انظر السير: (ابن أبي عامر) ١٥/١٧ -١٦، وانظر النزهة: ٤/١٣١٩. (٢) انظر السير: (ابن أبي عامر) ١٥/١٧ -١٦، وانظر النزهة: ٢/١٣٢٠. ٥١٢ وثَلاثِ مئة إِثْرَ عَزلٍ عَليٍّ بنِ عِيسَى، ثم عُزِلَ بعد سَبعة عَشرَ شَهراً بحامِدِ بنِ العَبَّاسِ ، ثم وَلِيَها سَنَةَ إِحْدَى عَشرَ وثلاثٍ مئة ، ووَلَيَ ولدُه الْمُحَسَّنُ الدَّواوينَ، فَعَسفَ وصادَرَ وعذَّبَ وظَلمَ أباه أيضاً واستأصَلَ جَماعَةٌ فِعُزلَ بعدَ سَنةٍ إلاَّ أيّاماً، وقِيلَ إنَّه وَصلَ المحدِّثين بعشرين ألف درهم . وذَكرَ جَماعَة أنَّ صاحِبَ خَبرِ ابنِ الفُراتِ رَفعَ إليه أنَّ رَجلاً من أرْبابِ الخَوائجِ اشْترَى خُبزاً وجُبناً فأكلَه في الدِّهْليزِ، فأقْلقَه هذا، وأمَرَ بنَصْبِ مَطبَخٍ لِمَنْ يَحضُر من أزْبابِ الحَوائجِ ، فَلَمْ يَزِلْ ذلك طُولَ أيَّامِه . وقيلَ : كَانَ ابنُ الفُراتِ يَلتَدُّ بقَضاءِ حَوائج الرَّعيَّةِ، وما رَدَّ أحَداً قَطُّ عن حاجَةٍ رَدَّ آيسٍ ، بلْ يَقولُ : تُعاوِدُني أوْ يَقولُ : أُعَوِّضُكَ من هذا. قالَ الصُّوليُّ : لَمَّا قُبضَ على ابنِ الفُراتِ ، نَظرْنا فإذا هو يُجرِي على خَمسِةِ آلافٍ نفسٍ ، أقَلُّ جاري أحَدهم في الشَّهْرِ خَمسةُ دَراهم ونصفُ قفيزِ دَقيق وأعْلاهُم مئة دينار وعَشرَة أقْفِزَة . قالَ الصُّوليُّ: لَمْ أسْمَعْه قَطُّ دَعا أحداً من كُتَّابِه بغَيرِ كُنْيَتِهِ ومَرِضَ مرَّة فقالَ : ما غَمِّي بعِلَّتي بأشَد من غَمِّي بتأخُرِ النَّاسِ وفيهم الْمُضْطَّةُ . وكان يَمنَعُ النَّاسَ من الْمَشي بين يديه . قالَ عليُّ بنُ هِشام الكاتِبُ : دَخلتُ على ابنِ الفُراتِ في وَزارَتِه الثالثة وقد غَلبَ ابنُه الْمُحَسَنُ عليه في أكثرِ أمُورِهِ ، فقيلَ له : هو ذا يُسرفُ أبو أحمَد الْمُحَسَّنُ في مَكارِهِ النَّاسِ بلا فائدة، ويَضرِبُ مَنْ يُؤدِّي بغَيرِ ضَرْب فقالَ: لَوْ لَمْ يَفعَلْ هذا بأعدائه ومَنْ أساءَ إليه لَمَا كان من أولادِ الأحْرارِ، ولكانَ مَيتاً ، وقد أحْسَنتُ إلى النَّاسِ دَفْعَتَين فما شَكرُوني ، والله لأُسيئنَّ، فما مَضَت إلاَّ أَتَامٌ يَسيرَةٌ حتى قُبضَ عليه . قالَ الصُّوليُّ: قَبِضَ الْمُتْقِدِرُ على ابنِ الفُرات وهَربَ ابنُه، فاشْتَدَّ الُّلطانُ وجَمِيعٌ الأولياء في طَلَبِه، إلى أنْ وُجدَ وقد حَلقَ لِحْيتَه ، وتَشبَّه بامرأةٍ في خُفِّ وإزار ، ثم طُولِبَ هو وأَبُوه بالأمْوالِ ، وسُلِّما إلى الوَزيرِ عُبَيدِ الله بنِ مُحمَّد، فعَلَمَا أنَّهما ٥١٣ لا يُفلِتانِ، فما أذْعَنا بشيء، ثم قَتلَهما نازوكُ وبَعثَ برَأْسَيهما إلى الْمُقْتَدِرِ فِي سَفَطْ وغرَّقَ جَسَدَيْهما . ضُربَت عُنقُ الْمُحَسَّن بعدَ أنواع العَذابِ سَنَ اثنتَي عَشر وثلاث مئة وأُلقي رأسُه بين يَدَي أبيه فارْتَاعَ ، ثم قُتْلَ ثم أُلْقِيَ الرأسانِ في الفُراتِ وكان للوزيرِ إحْدَى وسَبعونَ سَنةً وشُهور وللمُحَسَّنِ ثَلاثونَ سَنةً(١). ٦ - الوُزَراء السُّنُّون في دَولَة العُبَيْدِيَّة الرَّافِضَة : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَة أميرِ الجُيوشِ الْمَلك الأفْضَل : كان أبوهُ نائباً بعَكا ، فسارَ في البحرِ في تَرميم دَولة الْمُسْتَنْصِرِ العُبَيْدِيِّ فاسْتولَى على الإقْلِيمِ ، وأبادَ عِدَّةَ أُمَراء ودانَت له الْمَمالِكُ إلى أنْ ماتَ فقامَ بعدَه ابنُه هذا وعَظُم شأنُه وأهلَك ((نِزاراً)) وَلَدَ الْمُسْتَنْصِر صاحبٍ دَعوة الباطنيّة وأتابِكَه أفتكين مُتولِّي الثغر ، وكانَ بَطلاً شجاعاً ، وافِرَ الهَيبَة عَظيمَ الرُّتَبَة، فلمَّا هَلكَ الْمُستَعْلِي، نَصَّبَ في الإمامَة ابنَه الآمرَ ، وحَجَرَ عليه وقمَعَه ، وكان الآمرُ طيَّاشاً فاسِقاً، فعَمِلَ علىْ قَتلِ الأَفْضَلِ فرتَّبَ عدَّةً وَثَبُوا عليه ، فَأْخَنُوهُ، ونَزَلَ إليه الآمِرُ، وتَوجَّعَ له، فلمَّا قَضى، اسْتَأَصَلَ أموالَه، وبَقيَ الآمِرُ في دارِهِ أَرْبَعِينَ صَباحاً والكَتبَةُ تَضبطُ تلكَ الأمْوالَ والذَّخائرَ وحَبسَ أولادَه وكانت أيَّامُه ثَمانياً وعشرينَ سَنةً، وكانت الأُمَرَاءُ تَكرَهُهُ لكَونِهِ سُنِّيّاً ، فكانَ يُؤذيهم وكان فيه عَدلٌ فِظَهرَ بعدَه الظُّلمُ والبِدعَة ، ووَلِيَ الوَزارَةَ بعدَه المأمونُ البَطائحيُّ . قَتْلُوهُ سَنةَ خَمسَ عشرةَ وخَمسٍ مئة ، وله ثمانٍ وخَمسون سَنةً (٢) . وقالَ أبو يَعْلىُ بنُ القَلانسي: كانَ الأفْضلُ حَسنَ الاعْتقادِ ، سُنياً حَميدَ السِّيرَة ، كَرِيمَ الأخْلاقِ ، لَمْ يأتِ الزَّمانُ بمثلِهِ(٣) . ووَزرَ بعد هَلاك الآمِرِ أميرُ الجُيوشِ أبو علي أحمدُ بنُ الأفْضَل ، وكان شَهْماً مُطاعاً (١) انظر السير: ( ابنُ الفُرات) ٤٧٤/١٤-٤٧٩، وانظر النزهة: ١١٦٧ / ابنُ الفُرات . (٢) انظر السير: (أميرُ الجيوش) ٥٠٧/١٩-٥١٠، وانظر النزهة: ٢/١٥٠٣. (٣) انظر السير: (أميرُ الجُيوش) ٥٠٧/١٩-٥١٠، وانظر النزهة: ٢/١٥٠٤. ٥١٤ وبَطلاً شُجاعاً، سَائساً سُنياً، كأبيه وجَدِّه، فحَجَرَ على الحافِظِ ومَنعَه من أعْباءِ الأمُورِ ، فشَدَّ عليه مَمْلوكٌ للحافِظِ إِفْرَنْجِيٌّ، فطَعنَه فقَتْلَه ، ووَزرَ يانسُ الحافِظيُّ وكان أبو عليٍّ أحمدُ قد بالغَ في الاحْتجارِ على الحافِظِ ، وحوَّلَ ذَخائرَ القَصرِ إلى دارِهِ ، وادَّعَىْ أنَّها أمْوالُ أبيه . وقيلَ : إِنَّه تركَ من الخُطبَة اسمَ الحافِظ وخَطَبَ لنَفْسِه وقَطْعَ الأذانَ بحَيٍّ على خَيرِ العَمَلِ ، فَنَفَرَت منه الرَّعيَّةُ وغالبُهم شيعةٌ، فقُتلَ وهو يَلعَبُ بالكُرَةِ سَنةَ سِتٍّ وعشرينَ وخَمسٍ مئة وجَدَّدوا البَيعَةَ حينئذٍ للحافِظِ ، فماتَ الوَزيرُ یانسُ بعد ثلاثٍ سِنِينَ ، فوزَرَ وَلِيُّ العَهْد حَسنُ بنُ الحافِظِ (١) . ٧- الوُزَراء المُحْسِنون : الوَزير : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَتِهِ: الإمامُ الْمُحَدِّثُ الصَّادِقُ الوَزِيرُ العَادِلُ ، أبو الحَسَن ، عليٌّ بنُ عيسَى بِنِ داوُد ، البَغْدادِيُّ الكاتبُ . وَزرَ غَيرَ مرَّة للمُقْتَدِر ، وللقَاهِرِ ، وكان عَديمَ النَّظيرِ في فنِّه . وُلد سَنَةَ نيف وأَرْبَعين ومئتَين(٢) . كان على الحَقيقة غَنياً شاكِراً، يَنْطَوي على دينٍ مَتين وعِلمٍ وفَضلٍ ، وكانَ صَبوراً على المِحَن ولله به عِنايَة ، وهو القائلُ يُعَزِّي وَلَدَيْ القاضي عُمرَ بنِ أبي عُمَر القاضي في أبيهِما : مُصيبَةٌ قد وَجَبَ أجْرُها خَيرٌ من نِعْمَةٍ لا يُؤدَّى شُكرُها . وكانَ - رَحمَه اللهُ - كَثيرَ الصَّدَقَاتِ والصَّلَوَاتِ ، مَجلِسُه مَوْفورٌ بالعُلماءِ صَنَّفَ كتاباً في الدُّعاءِ، وكتابَ ((مَعاني القُرآن)) أعانَه عليه ابنُ مُجاهِد الْمُقْرِىءُ. وَآخَر . وكانَ من بُلَغَاءِ زَمانِهِ وَزرَ فِي سَنةِ إحْدَىْ وثلاثٍ مئة أَرْبَعَةَ أعْوامٍ وعُزِلَ ثم وَزرَ سَنَةَ خَمسَ عَشْرَة وثلاث مئة . (١) انظر السير: (أميرُ الجيوش) ٥٠٧/١٩-٥١٠، وانظر النزهة: ٣/١٥٠٤. (٢) انظر السير: (الوَزيرُ) ٢٩٨/١٥ -٣٠١، وانظر النزهة: ١/١٢٢٩. ٥١٥ قالَ الصُّوليُّ : لا أعْلمُ أنَّه وَزَرَ لبَنِي العَبَّاسِ مثلُهُ فِي عِقَّتَهِ وزُهْدِهِ وحِفْظِه للقُرآنِ وعِلمِهِ بمَعَانيه، وكانَ يَصومُ نَهارَه ، ويَقومُ لَيلَه وما رَأيتُ أعْرَفَ بالشِّعْرِ منْهُ وكانَ يَجلسُ للمَظالِمِ، ويُنصِفُ النَّاسَ، ولَمْ يَرَوْا أعَفَّ بَطناً ولِسَاناً وفَرْجاً منه ولَمَّا عُزْلَ ثانياً لَمْ يَقْنَعِ ابنُ الفُراتِ حتىْ أخْرَجَه عن بَغْدَادَ فِجَاوَرَ بِمَكة (١) . وله في نگبته : لمَا نابَنِي أو شَامِتاً غَيرَ سَائِلٍ ومَنْ يَكُ عَنِّي سَائلاً لشَماتَةٍ صَبْوراً عَلَىْ أحْوَالِ تِلْكَ الزَّلازِلِ فَقَدْ أبْرَزَتْ مِنِّي الخُطُوبُ ابنَ حُرَّةٍ إِذَا نَزَلَتْ بِالخَاشِعِ الْمُتَضَائِلِ إِذَا سُرَّ لَمْ يَبْطَرْ وَلَيْسَ لِنَكْبَةِ وقد أشَارَ على المُقْتَدِر ، فَأَفْلَحَ ، فوَقَفَ ما مَغَلُّه في العام تِسْعونَ ألفَ دينارٍ على الحَرَمَين والُّغورِ، وأفْرَدَ لهَذه الوُقوفِ دِيوَاناً سَمَّاهِ دِيوَانَ البرِّ(٢). وقال المحَدِّثُ أبو سَهْلِ القَطَّان : كنتُ مع الوزيرِ ، عليٍّ بن عيسى لمَّا نُفَيَ بمكَّة، فدَخَلْنا في حرِّ شَديد وقد كِدْنا نَتَلَف ، فطافَ يوماً ، وجاءَ فرمَى بنفسِه ، وقال : أَشْتَهي على الله شَرْبَةَ ماء مَثْلوج قال : فنَشَأتْ بعد ساعةٍ سحابَةٌ ورَعَدَت وجاء بَرَدٌ كثيرٌ جمَعَ منه الغِلْمانُ جِراراً ، وكان الوَزِيرُ صائماً ، فلمَّا كان الإفطارُ جئتُه بأقداح من أصناف الأسْوقة فأقبلَ يَسْقي المجاورين ، ثم شَربَ وحمِدَ اللهَ ، وقال: لَيْتَنِي تَمنَّيْتُ المَغْفِرَةِ . وكان الوَزيرُ مُتواضِعاً ، قال : ما لَبِسْتُ ثَوْباً بأزيَدَ من سَبْعَة دنانير . قال أحمدُ بنُ كامل القاضي : سَمعتُ عليَّ بنَ عِيسَى الوَزيرَ ، يقولُ: كَسَبْتُ سَبع مئة ألفٍ دينار ، أخرجْتُ منها في وجُوه البِرِّ سِتَ مئة ألفٍ وثمانينَ ألفاً . تُوفِّيَ في آخرِ أربع وثلاثينَ وثلاثٍ مئة ، وله تسعُون سنة(٣) . (١) انظر السير: (الوَزيرُ) ٢٩٨/١٥-٣٠١، وانظر النزهة: ٢/١٢٢٩. (٢) انظر السير: (الوَزيرُ) ٢٩٨/١٥-٣٠١، وانظر النزهة: ٣/١٢٢٩. (٣) انظر السير: (الوَزيرُ) ٢٩٨/١٥ -٣٠١، وانظر النزهة: ١/١٢٣٠. ٥١٦ وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَة ابنِ حِنْزَابَة : ولَمْ يَزَلْ يُنفِقُ في البِرِّ والْمَعْرُوفُ الأَمْوالَ، وأنْفَقَ كَثِيراً على أهْلِ الحَرَمَين إلى أنِ اشْتَرَى داراً أقرَبَ شَيءٍ إلى الحُجْرَة النَّبَوِيَّة وأوْصَى أنْ يُدفَنَ فيها، وأَرْضَى الأشْرافَ بالذَّهَبِ ، فلمَّا حُمِلَ تابوتُهُ من مِصْرَ تَلقَّوْه ودُفِنَ في تلك الدَّارِ . تُوفِّيَ سنةَ إحْدَى وتسعينَ وثلاثٍ مئة (١). فَخْرُ المُلك : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَتِهِ : الوَزِيرُ الكَبِيرُ ، أبو غَالِب ، مُحمَّدُ ابنُ عَلَيّ بِنِ خَلف بنِ الصَّيْرَفيّ . كانَ صَدراً مُعَظّماً ، جَواداً مُمَدَّحاً من رجال الدَّهْرِ ، كان أبُوهُ صَيْرَفياً بديوان وَاسط وكان أبو غالِب من صِباهُ يَتعانَى الْمَكارِمَ والأَفَاضِلَ ويُلقِّبُونَه بالوَزيرِ الصَّغِيرِ ، وَلَيَ العِراقَ بعدَ عَميدِ الجُوشِ، فَعَدلَ قَليلاً وأعادَ اللَّطْمَ يومَ عَاشُوراءَ وثارَت الفِتَنُ لذلكَ، ومَدَحَته الشُّعَراءُ ، ودَامَ سِتَ سِنِينَ، ثم أُمْسِكَ بالأهْوازِ وقُتْلَ فِي سَنةِ سَبعٍ وأَرْبَع مِئة وأخَذوا له جَواهِرَ ونَفَائسَ ، وألفَ ألفِ دينارٍ وغيرِ ذلك ، وطُمِرَ في ثِیابِهِ . وكان شَهْماً كَافِياً ، خَبيراً بالنَّصرُّفِ، سَديدَ الثَّوقيع، طَلِقُ الْمُحَيَّا يُكاتِبُ مُلوكَ النَّواحِي ، ويُهاديهِم ، وفيه عَدلٌ في الجُمْلَة ، عُمِّرَت العِراقُ في أيَّامِه ، وكانَ من مَحَاسِن الدَّهْرِ ، أنْشَأْ بِيمَارِسْتاناً عظيماً بَبَغدادَ وكانَت جَوائزُهُ مُتَواترةً على العُلماءِ والصُّلَحاء ، وعاشَ ثلاثاً وخَمسينَ سَنةً(٢) . رُفْعَت إليه سِعايَةٌ برَجُل، فوَقَّع فيها : السِّعايَةُ قَبِيحَةٌ، ولو كانت صَحِيحَةً وَمَعَاذَ لله أنْ نَقَبَلَ من مَهْتوكٍ في مَسْتُورٍ ، ولَوْلا أَنَّك في خُفَارَةٍ شَيْبِكَ ، لعَامَلناكَ بما يُشبهُ مَقالَك، ويَرْدَعُ أمْثالَك، فاكْتُم هذا العَيبَ ، واَّقِ مَنْ يَعْلِمُ الغَيبَ فَأَخَذَها فُقَهَاءُ الْمَكاتِبِ ، وعَلَّموها الصِّغارَ(٣). (١) انظر السير: (ابنُ حنزابَة) ٤٨٤/١٦-٤٨٨، وانظر النزهة: ٥/١٣٠٧. (٢) انظر السير: (فَخْر الْمُلك) ٢٨٢/١٧ -٢٨٣، وانظر النزهة: ١/١٣٤٢. (٣) انظر السير: (فَخْر الْمُلْك) ٢٨٢/١٧ -٢٨٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٤٢. ٥١٧ قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ ظَهِيرِ الدِّينِ أبي شُجَاعٍ : وقيل : إنه أمَرَ ليلة بعَمل قطائف، فلمَّا أُحضِرَت، تذكَّرَ نُفُوسَ مَساكينَ تَشْتَهيها، فأمَرَ بحَملِها إلىْ فُقَراء وأضِرَّاءَ(١). وقِيلَ : أُحصِيَ ما أنْفَقَه على يدِ كاتبٍ له ، فَبَلغَ أزْيَدَ من مئة ألفِ دينارِ قالَ الكاتبُ : وكُنتُ واحداً من عَشرَة يَتَوَلَّوْنَ صَدَقاتِهِ(٢). عَضُد الدِّين : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَتِهِ: وَزيرُ العِراقِ، الأوْحَد الْمُعَظَّم ، عَضُد الدِّين أبو الفَرَج مُحمَّد بنُ عبدِ الله بن هِبةِ الله بن مُظَّفَّر ابن الوَزيرِ الكَبيرِ رَئيسِ الرُّؤساءِ ، أبي القاسِم ، عليٍّ ابنِ الْمُسْلِمَة ، البَغْداديُّ. وُلدَ سَنَةَ أَرْبَع عَشرَ وخَمسٍ مئة . وَزرَ للإِمامِ الْمُسْتَضيءِ ، وكان جَواداً سَرِيّاً مَهيباً كَبِيرَ القَدرِ . قالَ المُوَفَّقُ عبدُ اللَّطِيفِ: كانَ إذا وَزَنَ الذَّهَبَ، يَرمي تَحتَ الحُصْرِ قَراضَةً كَثِيرَة لِيَأْخُذَها الفَرَّاشون، ولا يَرِى صَبيّاً مِنَّا إلَّ وَضعَ في يَدِهِ دِیناراً . قالَ : وكانَ والدي مُلازِمَه علىْ قِراءَة القُرآنِ والحَديثِ اسْتَوْزَرَه الْمُسْتَضِيءُ أوَّلَ ما بُويعَ، واسْتَفْحَلَ أمْرُه ، وكان الْمُسْتَضِيءُ كَريماً رَؤُوفاً، وكان الوَزيرُ ذا انْصِبابٍ إلىْ أهْلِ العِلمِ والتَّصَوُّفِ، يُسبغُ عليهم النِّعَمَ ويَشتَغْلُ هو وأولادُه بالحَديث والفِقْهُ والأدَب كانَ النَّاسُ مَعهم في بُلَهْنِيَّة(٣)، (٤) . وقد عُزِلَ ثم أُعِيدَ ، وتمكَّن ثم تهَيَّ للحَجِّ ، وخرجَ في رابع ذي القعدة سَنة ثلاثٍ وسَبعينَ ، وكانَ قد هَيَّأْ ستَّ مئة جَمَل، سَبَّل منها مئة، صاحَ الباطنيُّ: مظلومٌ! (١) انظر السير: (ظَهِيرُ الدِّين) ٢٧/١٩-٣١، وانظر النزهة: ٣/١٤٥٤. (٢) انظر السير: (ظَهيرُ الدِّين) ٢٧/١٩-٣١، وانظر النزهة: ٤/١٤٥٤. (٣) بُلهنَّة بضم الباء : أي سعة ورفاهية . (٤) انظر السير: (عَضُد الدِّين) ٧٥/٢١ -٧٧، وانظر النزهة: ١٥٩٩ / عَضُد الدِّين. ٥١٨ مظلومٌ! وتقرَّبَ، فزجَرَه الغِلْمانُ، فقالَ: دَعُوه، فتقدَّمَ إليه ، فضَربَه بسِكِّين في خاصِرَته ، فصاحَ الوَزِيرُ قَتْلَني، وسَقطَ، وانكشَفَ رأسُه، فَغَطَّى رأسَه بكُمِّه، وضُربَ الباطنيُّ بسَيفٍ ، فعادَ وضربَ الوزيرَ ، فَهَيَّرُوه بالسُّيوفِ وكان معَه اثنانِ ، فأُحْرِقُوا ، وحُمْلَ الوَزيرُ إلى دارِ ، وجُرحَ الحاجِبُ ، وكان الوزيرُ قد رأى في النومِ أنَّه مُعانِقٌ عُثمانَ رضي الله عنه، وحَكى عنه ابنُهُ أنَّه اغْتَسَلَ قبلَ خُروجه ، وقال : ذا غُسلُ النومِ والإِسْلام ، فإِنِّي مَقتولٌ بلا شَكِّ ثم ماتَ بعد الظُّهرِ ، وماتَ الحاجبُ ، وقيلَ : إِنَّ الَوَزِيرَ بقيَ يقولُ : الله الله !! كثيراً، وقال : ادْفِنوني عندَ أبي(١). ٨- وَزيرٌ عَالمٌ : جاءَ في تَرَجَمَةِ ابنِ حِنْزَابَة: قالَ السِّلَفِيُّ: كانَ ابنُ حِنْزَابَة من الحُفَّاظ الثِّقَاتِ الْمُتَجِّحِينَ بِصُحْبَة أصْحَابِ الحَديثِ ، مع جَلالَة ورياسَة ، يَروي ويُملي بمِصْرَ في حالٍ وَزارَتِه ، ولا يَختارُ على العِلمِ وصُحبَة أهْلِهِ شَيئاً ، وعندي من أمَاليه ومن كَلامِه على الحَديثِ وتَصرُّفه الدَّالِّ على حِدَّةٍ فَهْمِه ووفُور عِلمِه . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ : كاتَبَ ابنُ حِنْزَابَة وعِدَّةٌ من الكُبَرَاءِ القَائِدَ جَوْهَراً يَطلُبُونَ الأمَانَ، فأمَّنَهم ودَخلَ في دَسْتٍ عَظيمٍ، فاسْتَوْزَرَ ابنَ حِنْزَابَة مرَّة (٢) . ٩- الوُزَراءِ العُبَّاد: قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَة ابنِ حِنْزَابَة: قيلَ: كانَ الوزيرُ ابنُ حِنْزَابَة مُتَعبِّداً يَنْهَضُ في اللَّيلِ ويَدخُلُ بَيْتَ مُصَلَه فِيَصُفُّ قَدمَيه إلى الفَجْر(٣) . وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الوَزيرِ العَادِلِ ظَهِيرِ الدِّين أبي شُجاع : وكانَ كثير التِّلاوَةِ والتَّهَجُّد، ويَكتبُ مَصاحِفَ، ويَجلِسُ للمَظالِمِ فَيَغْتَصُّ الديوانُ بِالسَّادَةِ والكُبَراء ، ويُنادي الحُجَّابُ: أينَ أصْحابُ الخَوائج؟ فيُنْصِفُ الْمَظْلُومَ ، ويُؤْدِّي عن (١) انظر السير: (عَضَد الدِّين) ٧٥/٢١ -٧٧، وانظر النزهة: ١/١٦٠٠. (٢) انظر السير: (ابنُ حنزابَة) ٤٨٤/١٦-٤٨٨، وانظر النزهة: ٢/١٣٠٧. (٣) انظر السير: (ابنُ حنزابة) ٤٨٤/١٦-٤٨٨، وانظر النزهة: ٣/١٣٠٧ . ٥١٩ الْمَخْبوسِ ، وله في عَدلِهِ حِكاياتٌ في إنْصَافِ الضَّعيفِ من الأمير(١). وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ «نِظامِ الْمُلكِ)): الوَزيرُ الكَبيرُ، نِظَامُ الْمُلكِ ، قِوامُ الدِّينِ ، أبو عليّ الحَسَنُ بنُ عليٍّ بن إسْحاقَ الُوسيُ، عَاقِلٌ، سَائسٌ ، خَبِيرٌ، سَعِيدٌ، مُتَدَيِّنٌ، مُخْتَشمٌ، عامِرُ الْمَجْلسِ بالقُرَّاءِ والفُقَهَاءِ (٢). وكانَ فيه خَيْرٌ وتَقْوَى، ومَيلٌ إلى الصَّالِحِينَ، وخُضُوعٌ لِمَوْعِظَتِهِم ، يُعجِبُهُ مَنْ يُبيِّنُ له عُيوبَ نَفْسِه، فيَنْكَسِرُ ويَبْكي(٣). وقيلَ : إِنَّه ما جَلسَ إلاَّ علىْ وُضوءٍ، وما تَوضَّأ إلاَّ تَنَفِّل، ويَصومُ الإِثْنين والخَميس، جَدَّد عِمارَة خُوارِزْم، ومَشْهَدَ طُوس، وعَملَ بيمَارِسْتاناً ، نابَه عليه خَمسُونَ ألفَ دينار ، وبَنى أيضاً بمَرْوَ مَدْرَسةً، وبِهَرَاةَ مَدْرَسةً، وببَلْغَ مَدْرَسةً ، وبالبَصْرَةِ مَدْرَسةً، وبأصْبَهانَ مَدْرَسةً، وكان رَزيناً جَواداً صاحِبَ فُتُوَّة واخْتِمالٍ ومَعْروف كَثير إلى الغَايَة، ويُالِغُ في الخُضُوعِ لِلصَّالِحِينَ (٤) . وقيلَ : كَانَ يَتْصَدَّقُ كُلَّ صَباحِ بِمِئَة دينارٍ . قالَ ابنُ عَقيل : بَهَرَ العُقولَ سِيرَةُ النِّظام جُوداً وكَرَماً وعَدْلاً، وإحياءً لِمَعالِمِ الدِّينِ ، كانت أيَّامُه دَولَةَ أهْلِ العِلمِ ، ثم خُتِمَ له بالقَتلِ وهو مارٍّ إلى الحَجِّ في رَمَضانَ، فمَاتَ مَلِكاً في الدُّنيا ، مِلكاً في الآخِرَة، رَحِمَه الله(٥) . ١٠ - وَزيرٌ تائِبٌ : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ الصَّاحِبِ : الوَزِيرُ الكَبِيرُ العَلَّمَةُ أبو القاسِم بنُ عبَّاد بن عبَّاسِ الطَّالقانيُّ الأديبُ، الكاتبُ، وَزِيرُ الملك مُؤْيِّد الدَّولَة بُوَيه بن رُكْن الدَّولَة . (١) انظر السير: (ظَهيرُ الدِّين) ٢٧/١٩ -٣١، وانظر النزهة: ٢/١٤٥٤. (٢) انظر السير: (نِظامُ الْمُلك) ٩٤/١٩ -٩٦، وانظر النزهة : ١/١٤٦٤. (٣) انظر السير: ( نِظامُ الْمُلك) ٩٤/١٩ -٩٦، وانظر النزهة : ٤/١٤٦٤. انظر السير: ( نِظامُ الْمُلك) ٩٤/١٩ -٩٦، وانظر النزهة: ١/١٤٦٥. (٤) (٥) انظر السير: (نِظامُ الْمُلك) ٩٤/١٩ -٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٤٦٥. ٥٢٠