Indexed OCR Text

Pages 461-480

وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَةِ الْمُتَّقِي : وتوجه الْمُتَّقِي لله من الرَّقَّة إلى بَغْدَادَ ،
فأقامَ بهِيتَ، وحَلَفَ له تَوْزُونُ ، فلمَّا الْتَّقاه تَرَجَّلَ له وقَبَّلَ الأرضَ ، ومَشَى بين يديه
إِلى مُخيَّمٍ ضَربَه للْمُتَّقِي ، فلمَّا نزَلَ قَبَضَ تَوْزُونُ عليهِ وسَمَّلَه ، وأُدخِلَ بغدادَ أعْمَى ،
فللَّه الأمرُ، وأخَذَ منه البُرْدَ والقَضيبَ والخَاتَمَ ، وأحْضرَ عبدَ الله الْمُسْتَكْفي بالله ابنَ
الْمُكْتَفي فبايَعه بالخِلافَةِ(١).
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَةِ الْمُسْتَكْفي : ثم دَخلَ على الخَلِيفَةِ اثنانِ من الدَّيْلَمِ ،
فطلبا منه الرِّزْقَ، فمَدَّ يدَه للتَّقْبِيلِ، فجَبَذاه من سَريرِ الخِلافَة ، وجَرَّاه بعَمامَتِهِ ،
ونُهِبَت دارُه وساقُوا الْمُسْتَكْفي ماشياً إلى مَنزِل مُعِزِّ الدولة فخَلَعَ الْمُسْتَكْفي وسَمَلَه ،
فكانَت خِلافَتُه سِنَّةَ عَشرَ شَهْراً .
وضَعُفَ دَسْتُ الخِلافَةِ جدّاً، وظَهرَ الرَّفْضُ والاعْتِالُ بَبَنِي بُوَيْه، نَسألُ اللهَ
العَفْوَ .
وكان إِكْحالُ الْمُسْتَكْفي بعد أنْ خَلِعَ نفسَه ذَلِيلاً مَقْهُوراً في جمادى الآخرة سَنةَ أرْبَع
وثَلاثينَ فعاشَ بعد العَزْلِ والكَحْلِ أرْبَعَةَ أعْوامٍ (٢).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَةِ الْمُطيع لله : وكانَ كالْمَقْهورِ مع نائبِ العِراقِ ابنِ
بُوَيْه ، فَرَّرَ له في اليوم مئةَ دينارٍ فَقَطْ واشْتَدَّ الغَلاءُ الْمُفْرِطُ بَبَغْدَادَ ، فَذَكرَ ابنُ الجَوْزِيِّ
أَنَّ اشْتَرِى لِمُعِزِّ الدَّولَةَ كُرَّ دَقِيقٍ بِعِشْرِينَ ألفِ دِرْهَم (٣).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمةِ الطَّائع لله: الخَليفَةُ أبو بكر عبدُ الكَريمِ بنُ
الْمُطيعِ لله الفَضْلِ بنِ الْمُقْتَدِر وكان الحَلُّ والَعَقْدُ للمَلكِ عِزِّ الدولَة وابنِ عَمِّه عَضُدٍ
الدولَةَ .
قال ابنُ الجَوْزِيِّ: لَمَا اسْتُخِلِفَ رَكبَ وعليه البُرْدَةُ وبِينَ يَدَیه سُبُكْتِكِينُ الحاجِبُ
وخَلَعَ من الغَدِ على سُبُكْتِكِينَ خِلَعَ السَّلْطَنَةِ ، وعَقدَ له اللُّواءَ ، ولقَّبَه نَصْرَ الدولةِ وَلَمَّا
(١) انظر السير: (الْمُتَّقِي الله) ١٠٤/١٥-١١١، وانظر النزهة: ٢/١١٨٩.
(٢) انظر السير: (الْمُسْتَكْفي) ١١١/١٥ -١١٣، وانظر النزهة: ٥/١١٨٩.
(٣) انظر السير: ( الْمُطيعُ لله) ١١٣/١٥-١١٨، وانظر النزهة: ٢/١١٩٠.
٤٦١

كانَ عيدُ الأضْحَى رَكِبَ الطَّائعُ إلى الْمُصلَّى، وعليه قُباءٌ وعِمامَةٌ، فخَطبَ خُطبَةً
خَفِيفَةً بعدَ أنْ صَلَّى بالنَّاسِ فَتَعرَّضَ عِزُّ الدولَة لإقْطَاعِ سُبُكْتِكِينَ، فجَمِعَ سُبُكْتِكِينُ
الأَتْرَاكَ فالتَّقَوا فانْتُصرَ سُبُكْتِكِينُ ، وقامَت مَعه العَامَّةُ ، وَكَتبَ عِزُّ الدولَة يَستَنْجِدُ بَعَضُدٍ
الدَّولَةِ ، فَتَوانَى، وصار النَّاسُ حِزْبَين، فكانت السُّنَّةُ والدَّيْلَمُ يُنادُونُ بِشِعارٍ
سُبُكْتِكِينَ ، والشِّيعَةُ يُنادُونَ بشعارِ عِزِّ الدَّولَةِ ووَقَعَ القتالُ، وسُفَكَت الدماءُ ، وأحْرِقَ
الكَرْخُ(١) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ القَائِمِ بأمْرِ الله: ولَمْ يَزِلْ أمْرُهُ مُسْتَقيماً إلى أن قُبضَ
عليه في سَنِةٍ خَمسينَ وأَرْبَع مئة ، لأنَّ أرسلانَ التركيَّ البَسَاسيريَّ، عَظُم شأنُهُ لعَدم
نَظِيرٍ له وتَهِيََّتْهُ أُمَراءُ العَرَب والعَجَم، ودُعيَ له على الْمَنابر وظَلَمَ وخرَّبَ القُرَى وَانْقَهَرَ
معه القَائِمُ، ثم تُحدِّثَ بأنَّه يُرِيدُ نَهبَ دارَ الخِلافَةِ ، وعَزْلَ القَائِمِ فكاتبَ القَائِمُ طُغْرِلْبَكَ
مَلكَ الغُرِّيَستنهضُه، وكان بالريِّ ثم أُحْرِقَتْ دارُ البَسَاسيريِّ، وهَربَ، وقَدِمَ طُغْرِلْبَك
في سَنةِ سَبعٍ وأرْبَعين وأرْبَع مئة وذَهبَ البَسَاسيريُّ إلى الرَّحْبَةِ (٢) ومَعه عَسكرٌ ، فكاتبَ
الْمُسْتَنْصِرَ الْعُبَيْدِيَّ فأمَدَّه من مِصْرَ بالأَمْوَالِ ، ومَضَىْ طُغْرِلْبَك سَنةَ تِسْعِ إلى نَصيبينَ
ومعه أخُوهُ يَنالُ ، فكاتَبَ البَسَاسيرِيُّ يَنالَ فَأَفْسَدَه ، وطَمِعَ بمَنْصِبٍ أخيه ، فسارَ بجيشٍ
ضَخْم إلى الرَّيِّ ، فسارَ أخُوه في أثَرِهِ ، وتَفرَّقَت الكلمةُ والْتَّقى الأخَوان بهَمَذانَ وظَهَرَ
يَنالُ، واضْطَرِبَ أمْرُ بَغْدَادَ ، ووَقَعَ النَّهْبُ ، فَوَصَلَ البَسَاسيريُّ في ذي القَعْدَة إلى
الأنْبَارِ وبُطِّلَت الجُمُعَةُ، ثم دَخَلَ هو بَغْدَادَ في الرَّاياتِ الْمِصْريَّة، وضَربَ سُرادِقَه على
دِجْلَة ، ونَصَرَتْهُ الشِّيعَةُ وكانَ قد جَمعَ العَيَّارينَ والفَلَحينَ ، وأطْمَعَهُم في النَّهْبِ وعَظُمَ
القَحْطُ، واقْتَلوا في السُّفُنِ ثم في الجُمُعَة الْمُقبلَةَ دُعِيَ لصاحِبٍ مِصْرَ بجامِعِ
الْمَنصُورِ، وأَذَّنُوا بـ ((حَيَّ عَلى خَيرِ العَمَل)» وخَندَقَ الخليفةُ حولَ دارِه ، ثم نَهضَ
البَسَاسيريُّ في أهْلِ الكَرْخِ وغيرِهم إلى حَربِ القَائِمِ ، فاقْتَلُوا يَومَينِ ، وكَثرت
القَتلىُ، وأُحْرِقَت الأسْواقُ ودَخلوا الدَّارَ فانْتُهَبوها وتَذَمَّمَ القَائِمُ إلى الأميرِ قُرَيش
(١) انظر السير: (الطَّائع الله) ١١٨/١٥ -١٢٧، وانظر النزهة: ١/١١٩١.
(٢) تقع على الفرات بين الرّقة وبغداد .
٤٦٢

العُقيليِّ - وكان مِمَّنْ قامَ مع البَسَاسيريِّ - فأذَمَّه، وقبَّلَ بين يديه فخَرجَ القَائِمُ راكباً ،
بين يَدَيْهِ الرَّايَةُ، والأَتْراكُ بِينَ يَدَيْه ، وأُنْزِلَ في خَيمَةٍ ثم قَبَضَ البَسَاسيريُّ على الوَزیرِ
أبي القاسم عَليٍّ بنِ الْمُسْلمَة، والقاضي أبي عبد الله الدَّامَغَانيَّ، وجَماعَةٍ ، فصُلِبَ
الوَزِيرُ فهَلكَ(١) .
(ب) تَحَكِمُ السَّلاطين ( بَنُوبُوَيْه والسَّلاحِقَة) بالخُلَفَاءِ :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمةِ الطَّائِعِ لله: وتَمَكَّنَ عَضُد الدَّولَة، ولُقِّبَ أيضاً تَاجَ
الْمِلَّةِ، وضُربَتْ له النَّوْبَة في ثلاثَةٍ أَوْقَاتٍ (٢) ، وعَلَا سُلطانُهُ عُلواً لا مَزِيدَ عَليه ، ومع
ذَلك الارْتِقاء فكانَ يَخْضَعُ للطَّائِعِ، وجاءَه رسُولُ العَزيزِ العُبَيْدِيِّ صاحبٍ مِصْرَ ،
فراسَلَه بتَوَدُّد وطَلبَ من الطَّائِعِ أنْ يزيدَ في ألقابِهِ ، فجَلسَ له الطَّائعُ وحَوْلَه مئة
بالشُّيوفِ والزِّينَةِ وبينَ يَدَيِه الْمُصْحَفُ العُثْمانيُّ، وعلىُ كَتْفِهِ الْبُرْدَة وبيدِهِ القَضيبُ ،
وهو مُتَقلِّدُ السَّيفَ، وأُسْبِلَت السِّارَةُ ودَخَلَ الثُّرْكُ والدَّيْلَمُ بلا سِلاحٍ، ثم أُذِنَ لَعَضُد
الدولَة ورُفعَت له السِّتَارَةُ، فقبَّلَ الأرضَ قالَ : فارْتاعَ زِيادٌ القائدُ ، وقال بالفارسيّة :
أَهَاذا هو اللهُ، فقيل له : بَلْ خَليفَةُ الله في أرْضِه ومَشَىْ عَضدُ الدولَة ، وقبَّل الأرضَ
مرَّاتٍ سَبعاً فقالَ الطَّائِعُ لخادِمه : اسْتَدْنِهِ فصَعدَ وقَبَّلَ الأرضَ مرَّتين ، فقالَ : ادْنُ
إِلَيَّ ، فَدَنا حتى قبَّلَ رِجْلَه ، فَثَنى الطائعُ يدَه عَليه ، وأمره فجلسَ علی کُرسيٍّ بعد
الامْتِناعِ، حتى قالَ: أَقْسَمتُ لتَجْلِسَنَّ، ثم قالَ: ما كان أشْوَقَنا إليك وأَتْوَقَنا إلى
مُفاوَضَتِك ، فقالَ : عُذْري مَعلومٌ قال: نيَتُكَ مَوْثوقٌ بها ، فأوْمَأْ برأسِه ، فقالَ : قد
رَأيتُ أنْ أُفوّضَ إليك ما وَكلَه الله إليَّ من أمُورِ الرَّعيّة في شَرْقِ الأرض وغَرْبِها سِوَى
خاصَّتي وأسْبابي ، فَتَولَّ ذلك مُستَجيراً بالله ، قال : يُعينُي الله على طاعَةِ مَوْلانا أميرٍ
المؤمنينَ وخِدمَتِهِ ، وأريدُ كِبَارَ القُوَّادِ أنْ يَسْمَعوا لَفْظَكَ، قال الطَّائِعُ: هاتوا
الحُسَيْنَ بنَ مُوسَى، وابنَ مَعْروف، وابنَ أُمِّ شَيْبانَ فقَدِمُوا، فأَعَادَ الطَّائِعُ بالتَّفْويضِ ،
(١) انظر السير: ( القَائِم بأمْرِ الله) ١٣٨/١٥-١٤١، وانظر النزهة: ٢/١١٩٥.
(٢) كان من العادة أن تضرب الدبادب في أوقات الصلاة على باب الخليفة وقد أحب معز الدولة أن تضرب
له الدبادب أيضاً على بابه وسأل المطيع ذلك ، فلم يأذن له .
٤٦٣

ثم أَلْبِسَ الِخَلَعِ والتَّاجَ ، فأوْمَأْ لِيُقَبَّلَ الأرضَ فَلَمْ يُطِقْ فقال الطَّائِعُ: حَسْبُك وعَقَدَ له
لِواءَينِ بيدٍ ثم قال: يُقرأ كتابُه فقُرىءَ فقالَ الطَّائِعُ: خَارَ اللهُ لنا ولكَ وللمُسلمينَ ،
آمُرُكَ بما أَمَرَكَ اللهُ بِه ، وأَنْهَاكَ عمَّا نَهَاكَ اللهُ عنه وأبْرَأُ إِلى اللهِ مِمَّا سِوَى ذلك انْهَضْ
على اسْمِ اللهِ ثم أعطاهُ بَيَده سَيفاً ثانياً غَيرَ سَيفِ الخِلْعَة، وخَرَجَ من بابِ الخاصَّة ،
وشَقَّ البَلدَ(١).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَة مَلِكْشاه: وقَدِمِ مَلِكْشاهُ بَغْدَادَ مَرَّتين وقَدِمَ إلى
حَلَبَ ، ولمْ يَكُنْ للمُقْتَدي معه غَيرُ الاسْم ، ثم قَدِمَها ثالثاً عَليلاً وكان الْمُقْتَدي قد
فَوَّض العَهْدَ إلى ابنِهِ الْمُسْتَظْهِر، فأَلْزَمَه مَلِكْشاهُ بعَزْلِه، وأنْ يُؤَلِّي ابنَ بِنْتِهِ جَعْفَراً ، وأنْ
يُسَلِّمَ بَغْدَادَ إليه، ويَتَحوَّلَ إلى البَصْرَة، فَشَقَّ على الْمِقْتَدي، وحارَ ثم طَلبَ الْمُهْلَة
عَشرةَ أيَّامٍ لِيَتَجهّزَ ، فصَامَ وطَوَى، وجَلسَ على التُّرابِ وتَضَرَّعَ إِلَى رَبِّه، فقَوِيّ
بالسُّلطانِ المَرَضُ ، وماتَ فِي شَؤَّال سَنة خَمسَة وثمانينَ عن تسع وثلاثين سنة فقيل :
سُمَّ في خِلالٍ تَخلَّلَ به، وكان وَزِيرُه النِّظامُ قد قُتْلَ من أيام ، ولَمْ يَشْهَدْ السلطان كَبِيرُ
أحَد ، ولا عُمِلَ له عَزاءٌ ونُقِلَ تابُوتُه إلى أصْبَهَان، فدُفن في مَدرسَةٍ عَظيمَةٍ .
وقد تَزوَّجَ الْمُسْتَظْهِرُ بالله بخَاتُونَ بنِهِ الأخرى ، وتَنَازَعَ في الملك أوْلادُه من بعده
زماناً، وكان آخِرُهم مَوْتاً ابنُهُ سَنْجَر صاحبُ خُراسان ، عاشَ بعد أبيه أقَلَّ من سبعينَ
سَنةٌ(٢).
(ج) الإشرافُ والتَّذِير :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الْمُسْتَعينِ بالله: وكان مِثْلافاً للمَالِ، مُبَذِّراً، فرَّقَ
الجَواهِرَ وفاخِرَ الثِّيّابِ، اخْتَلَّتِ الخِلافَةُ بوِلَايَتِهِ ، واضْطَرَبت الأمُورُ .
وسَجَنَ الْمُعْتَزَّ وَالْمُؤَيِّدَ ، وضَيَّقَ عليهما، واشْترَى أمْلاكَهُما كَرْهاً وقَرَّرَ لهما في
العام نَّماً وعِشْرينَ ألف دينارٍ ليسَ إلاَّ(٣).
(١) انظر السير: (الطَّائِع لله) ١١٨/١٥ -١٢٧، وانظر النزهة: ١/١١٩٢.
(٢) انظر السير: (مَلِكْشَاه) ١٩/ ٥٤-٥٨، وانظر النزهة: ٢/١٤٥٦.
(٣) انظر السير: (الْمُسْتَعِينُ بالله) ٤٦/١٢- ٥٠، وانظر النزهة: ٣/٩٨٠.
٤٦٤

وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الْمُقْتَدِرِ : وكان سمحاً مِثْلافاً للأموالِ ، مَحَقّ ما لا
يُعَدُّ ولا يُخصَى(١) .
ويقالُ إِنَّه أتْلفَ من المالِ ثَمانينَ ألفِ ألفِ دينارٍ، عَثَّرَ نَفْسَه بيدِه(٢) .
(د) الخُروجُ على الدَّوْلَة:
قالَ الإمامُ الذهبيُّ في تَرْجَمة الرِّياشيِّ: فِتْنَةُ الزِّجِ كانَت عَظيمَةٌ، وذلكَ أنَّ بَعضَ
الشَّيَاطِينِ الدُّهاةُ كانَ طُرقِيّاً أوْ مُؤدِّباً، له نَظَرَّ في الشِّعْرِ والأخبارِ ، ويَظْهَرُ من حَالِهِ
الَّنْدَقَةُ والمُروقُ، اذَّعَى أَنَّه عَلَويّ، ودَعَا إلىْ نَفْسِه، فالْتَّفَّ عليه قُطَّعُ طَريقٍ ،
والعَبيدُ السُّودُ من غِلْمانِ أهْلِ البَصْرَةِ، حتى صارَ فِي عِدَّةٍ وتَحَيَّلوا وحَصَّلوا سُيوفاً
وعِصيّاً، ثمّ ثارُوا على أطْرافِ البَلَدِ، فبَدَّعوا وقَتَّلوا وقَوُوا، وانْضَمَّ إليهم كُلُّ مُجرِمٍ،
واسْتَفْحَلَ الشَّرُّ بهم، فسارَ جَيشٌ من العِراقِ لحَرْبِهِم، فَكَسَروا الجَيشَ، وأخَذُوا
البَصْرَةَ، واسْتَبَاحُوها، واشْتَدَّ الخَطْبُ، وصارَ قائِدُهم الخَبِيثُ في جَيشٍ وأُهْبَة
كاملة ، وعَزَمَ على أخْذِ بَغْدَادَ ، وبَنَى لِنَفْسِهِ مَدينَةً عَظِيمَةً، وحارَ الخَلِيفَةُ المُعْتَمدُ في
نَفْسِه، ودامَ البَلاءُ بههذا الخَبِيثِ المَارِقِ ثلاثَ عَشرةَ سَنةً، وهابَتْهُ الجُيوشُ ، وجَرَتْ
معه مَلَاحِمُ ووَقَعاتٌ يَطُولُ شَرحُها، قد ذَكَرَها المُؤْرِّخُونَ إلى أنْ قُتِلَ ، فالزِّنْجُ هم
عِبَارَةُ عن عَبِيدِ البَصْرَةِ الذين ثارُوا مَعَه ، لا بارَكَ اللهُ فيهِم (٣) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمةِ الْمُهْتَدي بالله : وعائَت الزِّنْجُ بالبَصْرَة ، ويَعقوبُ
الصَّفَّارِ بِخُراسانَ ، وَقَتْلَ الْمُهْتَدي الأميرَ باكيال ، فثار أصحابُه ، وأحاطُوا بدار
الجَوْسَقِ، فَأُلْقِيَ الرأسُ إليهم، ورَكبَ أعْوانُ الخَلِيفَةِ، فَتمَّت مَلحَمةٌ كبرَى، قُتْلَ
فيها من الأتْراكِ ألوفٌ وقِيلَ : بل ألفٌّ في رَجبَ سَنَ سِتٍّ وخَمْسينَ ومِئتين ، ثم
أصْبَحوا على الحَرْب، فرَكبَ الْمُهْتَدي وصالِحُ بنُ عليٍّ في عُنِهِ الْمُصْحَفُ يَصيحُ :
أيُّها النَّاسُ؛ انْصُروا إمامَكم فحَمَلَ عليه أخُو باكيالَ في خَمسِ مئة، وخامَرَ الأنْراكَ
.
(١) انظر السير: (الْمُقْتَدِر) ٤٣/١٥-٥٦، وانظر النزهة: ٤/١١٨٠.
(٢) انظر السير: (الْمُفْتَدِر) ٤٣/١٥-٥٦، وانظر النزهة: ٦/١١٨٠.
(٣) انظر السير: (الرِّياشيّ) ١٢/ ٣٧٢ -٣٧٦، وانظر النزهة: ١/١٠١٠.
٤٦٥

الذين مع الخَليفَة إليه، وحَمَيَ الوَطيسُ، وتفلَّلَ جَمْعُ الْمُهْتَدي واسْتحَرَّ بهم القَتْلُ
فولَّى والسَّيفُ في يدِه يقولُ: أيُّها النَّاسُ؛ قاتِلوا عن خَليفَتِكم ، ثم دَخلَ دارَ صالِحِ بنِ
مُحمَّدٍ بنِ يَزْدادَ، ورَمَى السَّلاحَ ، ولَبسَ البَياضَ لَيَهْربَ من السَّطحِ وجاءَ حاجِبُ
باكيالَ، فَأُعْلِمَ به فهَرَبَ، فرَماهُ واحدٌ بسَهْمٍ ، ونَفَخَهُ بالسَّيفِ ثم حُمْلَ إلى الحاجِب ،
فَأرْكَبوه بَغْلاً وخَلفَه سائسٌ ، وضَربُوه وهم يَقولُون : أينَ الذَّهبُ ؟ فأقَرَّ لهم بسِتِّ مئة
ألفِ دينار مُودَعَةً بِبَغْدَادَ ، فأخَذُوا خَطَّه بها ، وعَصَرَ تُرْكِيٌّ على أُنْثَيهِ فمات ، وقيلَ :
أرادُوا منه أنْ يَخْلَعَ نَفَسَه فأبَى فقتلوه رَحمَه اللهُ وبايَعوا الْمُعْتَمِدَ على الله وفي ذُرِّيَتِه
عُلماءُ وخُطَبَاءُ(١) .
المُعْتَمِدُ على الله :
قالَ الإِمامُ الذهبيُّ فِي تَرْجَمةِ ((الْمُعْتَمِدِ على الله)): الخليفةُ، أبو العبَّاس ،
وقيل : أبو جَعْفر بنُ المُتوَكِّل على الله جَعفرُ بنُ المُعْتَصم وُلدَ سنة تسع وعشرين
ومئتين .
اسْتُخِلِفَ بعدَ قتلِ المُهْتَدي بالله، سنةَ ستٍّ وخَمسينَ ومئتين (٢) .
وانْهَمَكَ في اللَّهْوِ واللَّعب، واشْتَغَل عن الرَّعيَّة، فكَرهُوه، وأحبُّوا أخاه
المُوفَّق(٣).
وفي رَجبَ أيضاً اسْتولَت الزِّنْجُ على البَصْرَة والأُبُلَّة والأهْواز، وقتلوا وسَبوا ،
وهم عَبِيدُ العَوام ، وغَوغاءُ الأَنْذال المُلتفِّين على الخَبيث وقام بالكوفة عليّ بنُ زيد
العلويّ، واسْتفحَل أمْرُه، وهَزْمَ جَيشَ الخَليفَة، وظَهرَ أخُوه حَسنُ بنُ زيد بالريِّ .
وقتلت الزِّنجُ بالأُبُلَّة نحوَ ثلاثين ألفاً فحارَبَهم سَعيدٌ الحاجب ثم قَووا عليه ، وقتلوا
خَلقاً من جُندِه ، وتمَّت بينهم وبين العَسكر وَقَعاتٌ .
(١) انظر السير: (الْمُهْتَدي بالله) ٥٣٥/١٢-٥٤٠، وانظر النزهة: ٣/١٠٣٠.
(٢) انظر السير: (الْمُعْتَمِدُ على الله) ٥٤٠/١٢ -٥٥٣، وانظر النزهة: ١/١٠٣١.
(٣) انظر السير: (الْمُعْتَمِدُ على الله) ١٢/ ٥٤٠-٥٥٣، وانظر النزهة: ٢/١٠٣١.
٤٦٦

وفي سنة ثمانٍ وخمسين ومئتين جرت وقعة بين الزَّنج وبين العَسْكَر ، فانهَزَمَ
العَسْكَرُ وقُتلَ قائدُهم مَنصور ، ثم نَهضَ أبو أحمد المُوفَّقَ ومُفلح في عَسكَرٍ عَظيم إلى
الغاية لحرب الخبيث ، فانهزمَ جَيشُه ، ثم تهيأ وجمع الجيوش وأقبلَ فتمت ملحمةٌ لم
يُسمعْ بمثلها، وظهر المسلمون ، ثم قُتل مُقدَّمهم مُفلح فانهَزمَ الناسُ ، واسْتباحَهم
الزَّنجُ ، وفرّ المُوفَّقُ إلى الأُبُلَّة، وتراجَعت إليه العَساكِرُ، ثم التَّقى الزَّنْجُ فانتَصَر ،
وأسَرَ طاغيتهم يَحْيِى ، وبَعَثَ به إلى سامرَّاء فذُبح ، ووَقَعِ الوَباءُ ، فمات خَلائقُ ، ثم
التَّقَى المُوفَّقُ الزَّنِجَ فانكسرَ ، وقُتْلَ خَلقٌ من جَيشِه، وتَحيَّرَ هو في طائفةٍ ، وعَظُمَ
البلاءُ وكادَ الخَبِيثُ أن يَملِكَ الدنيا ، وكان كذَّاباً مُمَخْرِقاً، مَاكراً، شُجاعاً ، داهيَةً ،
ادَّعَى أَنَّه بُعثَ إلى الخَلق، فردَّ الرسالَة ، وكان يَدَّعي علمَ الغَيبِ ، لَعنَه الله .
ودَخلت سَنةُ تسع وخمسينَ ومئتَين ، فعَرض المُوفَّقُ جَيشَه بواسِط ، وأمَّا الخبيثُ
فدخلَ البَطائحَ، وبَثَقُّ حولَه الأنهارَ ، وتَحصَّنَ ، فهَجمَ عليه الموفَّقُ ، وأحْرقَ وقَتلَ
فيهم ، واسْتَنقَذَ من السَّبايا ، ورُدَّ إلى بَغْدَادَ، فسارَ خَبِيثُ الزَّنج إلى الأهواز، فوَضعَ
السَّيفَ، وقتلَ نحواً من خمسين ألفاً، وسَبى أربعينَ ألفاً، فسارَ لحَرْبِه مُوسَى بنُ
بُغا، فتَحارَبا بضعَةَ عشرَ شَهْراً، وذهب تحتَ السَّيفِ خَلائقُ من الفريقين، فإنَّا لله وإنَّا
إليه راجعون .
وفي سنة ستٍ وستين ومئتين ، أقبلَت الرُّومُ إلى ديار رَبِيعَة ، وقَتلوا وسَبوا ،
وهَرَبَ أهلُ الجَزيرة ، واستباحت الزَّنجُ رامَهُرْمُز .
وفي سنة سبعٍ وستين ومئتين كَرُّوا علىُ واسِط ، وعَثروا أهلَها ، فجهَّزَ المُوفَّقُ ولدَه
العبّاس الذي صارَ خليفة، فقَتَلَ وأسَرَ ، وغرَّقَ سُفْنَهم ، ثم تجمَّعَ جَيشُ الخَبِيثِ ،
والتقوا بالعبّاس فهَزَمهم ، ثم التقوا ثالثاً فهزمَهم ، ودام القِتالُ شَهْرين ، ورغبوا في
أبي العبّاس، واستأمن إليه خلقٌ منهم، ثم حارَبَهم حتى دَوَّخَ فيهم، ورَدَّ سالماً
غانماً ، وبقي له وَقعٌ في النُّفُوس ، وسار إليهم المُوفَّقُ في جَيشٍ كَثيفٍ في الماء والبرِّ ،
ولَقِيَه ولدُه، والْتُقوا الزِّنج فهَزموهم أيضاً، وخارت قُوى جَيش الخَبيث، وألحَّ
المُوفَّقُ في حربهم ونازَلَ طِهْئًا، وكان عليها خمسةُ أسوار، فأخَذَها ، واسْتخلَصَ من
٤٦٧

أَسْرِ الخُبَاء عَشرةَ آلافِ مُسْلِمَة، وهَدَمَها ، وكان المُهَلَّبيُّ القائدُ مُقيماً بالأهواز في
ثلاثين ألفاً من الزَّنج ، فسار المُوفَّقُ لحَرْبه، فانهَزَم ، وتفرَّق عسكرُه ، وطلَبَ خلقٌ
منهم الأمان ، فأمنَّهم ، ورَفَق بهم ، وخَلعَ عليهم ، ونزلَ المُوفَّقُ بِتُسْتَر ، وأنفق في
الجيش ، ومهَّدَ البلاد، وجهَّزَ ابنَه المُعْتَضد أبا العبَّاس لحَرب الخَبيث، فجهَّزَ له سُفناً
فَاقْتَتلوا، وانتصر أبو العباس وكتبَ كتاباً إلى الخَبيث يُهدِّدُه، ويَدعُوه إلى الثَّوبَة ممَّا
فعل ، فعَتا وتَمرَّدَ وقَتلَ الرسُولَ ، فسارَ المُوفَّقُ إلى مَدينَة الخَبيث بنَهْر أبي الخصيب ،
ونَصَبَ السَّلالمَ، ودَخلوها، ومَلكُوا السُّورَ ، فَانْهَزْمَ الزَّنج، ولمَّا رأى المُوفَّقُ
حَصانَتَها اندهَشَ ، واسمُها المُخْتَارَةِ ، وهالَه كثرةُ المقاتلة بها ، لكن استأمنَ إليه عدّة
فأكرَمَهم .
قالَ الإمامُ الذهبيُّ: ونَقَلتُ تَفاصيلَ حُروب الزَّنج في (( تاريخ الإسلام » ، فمِن
ذلك لمَّا كان في شعبان سنة سبع وستين ومئتين ، برَزَ الخَبيثُ وعسكرُه فيما قِيلَ في
ثلاث مئة ألفٍ ما بين فارسٍ وراجلٍ ، فركبَ المُوفَّقُ في خمسين ألفاً ، وحَجزَ بينهم
النهرُ، ونادى المُوفَّقُ بالأمان، فاسْتأمنَ إليه خَلقٌ، ثم إنَّ المُوفَّقَ بَنى بإزاءِ المُخْتَارَة
مَدينةً علىْ دِجْلَة سَمَّاها المُوَقَّقِيَّة ، وبَنى بها الجامع والأسْواق ، وسَكنها الخَلقُ
واستأمن إليه في شهرٍ خَمسةُ آلاف ، وتَمَّت مَلحمةٌ في شَؤَّال ونُصِرَ المُوفَّقُ .
وفي ذي الحِجَّة عَبَرَ المُوفَّقُ بجَيشِه إلى ناحية المُخْتَارَة ، وهَربَ الخَبيثُ ، لكنَّه
رَجعَ وأزَالَ المُوفَّقَ عنها .
وفي ثمانٍ وستين ومئتين تتابع أجْنادُ الخَبِيثِ في الخُروج إلى المُوفَّق ، وهو يُحسِنُ
إليهم ، وأتاه جَعْفَرُ السَّجَّانُ صاحبُ سِرِّ الخَبيث ، فأعطاه ذَهباً كثيراً ، فرَكب في سَفينة
حتى حاذَى قَصرَ الخَبيث ، فصاحَ إلى متى تَصْبرون على الخَبِيثِ الكَذَّب ؟ وحَدَّثَهم
بما اطَّلَع عليه من كَذِبِه وكُفْرِهِ ، فاسْتأمن خَلقٌ، ثم زَحفَ المُوفَّقُ على البلد ، وهَذَّ من
الشُّور أماكن، ودَخلَ العَسكرُ من أقْطارِها واغْتُوا ، فَكَرَّ عليهم الزَّنجُ ، فأصابوا
منهم ، وغَرِقَ خَلقٌ ، ورَدَّ المُوفَّقُ إلى بَلَده حتىْ رَمَّ شَعثَه، وقَطع الجَلْبَ على
الخَبِيثِ ، حتى أُكَلَ أصحابُه الكِلابَ والمَيتَةَ، وهَربَ خَلقٌ، فسَأَلَهم المُوفَّقُ ،
٤٦٨

فقالوا: لنا سَنة لمْ نَرَ الخُبزَ وقُتلَ بهبُودُ أكبرُ أمراءِ الخَبيث، وقَتلَ الخَبِيثُ ولَدَه لكونه
هَمَّ أَنْ يخرُجَ إِلى المُوفَّقِ .
وفي سنة تسع وستين ومئتين ، دَخلَ المُوفَّقُ المُخْتَارَة عَنوَةً ، ونادى الأمانَ ،
وقاتَلَ حاشيةُ الخَبِيثِ دُونَه أشَدَّ قتال ، وحازَ المُوفَّقُ خَزائنَ الخَبيث ، وألقى النارَ في
جَوانب المَدينة ، وجُرحَ المُوفَّقُ بسَهمْ فأصْبحَ على الحَرب ، والمه جُرحُه ، وخافوا ،
فخَرَجوا حتى عُوفي ، ورَمَّ الخَبِيثُ بَلَدَه .
وفي شَؤَّال كانت المَلْحَمةُ الكُبرى بين الخَبيث والمُوفَّق ، ثم وَقَعَتِ الهَزيمةُ على
الزَّنجِ ، وكانوا في جُوعٍ شَديد وبَلاءٍ ، لا خَفَّفَ اللهُ عَنهم ، التقى الخَبِيثُ والمُوفَّقُ ،
فانْهَزَمتِ الزَّنجِ أيضاً، وأحاطَ الجَيشُ، فحَصَروا الخَبيثَ في دار الإمارة، فانملَسَ
منها إلى دار المُهَلَّبِيِّ، أحَدُ قُوَّادِهِ ، وأُسِرَت حُرَمه، فكان النساءُ نحوَ مئة، فأحسَنَ
إليهنَّ المُوفَّقُ، وأُحْرِقَت الدَّارُ، ثم جَرت مَلحَمَةٌ بين المُوفَّق والخَبيث في أوّل سنة
سبعين ومئتين ، ثم وَقعةٌ أخرىُ قُتلَ فيها الخَبِيثُ ، لا رَحمَه اللهُ، وكان قد اجْتَمعَ من
الجُند، ومن المُطَّعَة مع المُوفَّق نحو ثلاث مئة ألف، وفي آخر الأمر شَدَّ الخَبِيثُ
وفُرسانُه فأزالوا النَّاسَ عن مَواقِفِهم، فحَملَ المُوفَّقُ فهَزَمَهم ، وساقَ وراءَهم إلى آخر
النَّهر ، فبَيْنا الحَربُ تَستعرُ إذا أتى فارسٌ إلى المُوفَّق وبيده رأسُ الخَبيث فما صَدَّق ،
وعَرَضَه على جماعة، فقالوا : هو هو فترجَّلَ المُوفَّقُ والأُمراءُ وخَرُّوا ساجدين لله
وضَجُوا بالتّكبير ، وبادَرَ أبو العبَّاس بنُ المُوفَّق في خَواصِّه ، ومَعه رأسُ الخَبيث على
قَنَاةِ إلى بَغْدَادَ، وعُملت قِبَابُ الزِّينَةِ، وكان يوماً مشهوداً، وشَرعَ الناسُ يَتراجعون
إلى المَدائن التي أخذَها الخَبيثُ ، وكانت أيّامُه خَمسَ عَشرةَ سنة .
قال الصُّوليُّ : قد قَتلَ من المسلمين ألفَ ألفٍ وخَمسِ مئة .
قال الذهبيُّ : وكذا عَددُ قَتَلَىُ بابَك .
قال : وكان يصْعَدُ علىْ مِنْبَرِهِ بمَدينتِهِ ، ويَسُبُّ عُثمانَ وعَلِيّاً وطَلحَةَ وعائشةً
كمَذْهب الأزارِقَة ، وكان يُنادِي على المَسبيَّة العَلويَّة في عَسكره بدِرْهَمین ، وکان عند
٤٦٩

الزَّنجي الواحد نحو عَشر عَلَويَّات، يَفتَرِشُهنَّ ويَخْدُمْنَ امرأتَه(١).
وفي سَنةِ سَبعِين ومئتين نازَلتِ الرُّومُ في مِئَةٍ ألفٍ طَرَسُوسَ ، فَبَتَهم يازْمانُ الخادِمُ
فِقِيلَ: قُتِلَ منهُمْ سَبعُونَ ألفاً ، وقُتِلَ مَلِكُهُم، وأُخِذَ منهم صَلِيبُ الصَّلَبُوت فالحَمدُ لله
على هذا النَّصْرِ العَزِيزِ الذي لَمْ يُسْمَعِ بِمِثْلِه، مع تمَامِ المِنَّةِ على الإسْلامِ بِمَصْرَعِ
الخَبيث .
وعادَ المُوَفَّقُ إلىْ بَغْدَادَ مَرِيضاً من نِقْرسِ ، ثمَّ صَارَ داءَ الفِيلِ وقَاسَى بلاءً ، فكان
يقولُ : في دِيوانِي مِنَّةُ ألفِ مُرْتَزَقٍ ، ما أَصْبِحَ فيهِم أسْوَأُ حالاً مِنِّي ، ثمَّ ماتَ .
وفي سَنَةٍ تَسعِ وسَبعينَ خُلِعَ المُفَوَّضُ بنُ المُعْتَمِد من وِلايَةِ العَهْدِ ، وقُدِّمَ عليه
أبو العَبَّاس المُعْتَضِدُ بنُ المُوَفَّق نَهَضَ بِذَلِك الأُمَرَاءُ .
وفيها مَنَعَ أبو العَبَّاسِ القُصَّاصَ والمُنَجِّمينَ، وأَلْزَمَ الكُتْبِينَ أنْ لا يَبِيعُوا كُتُبَ
الفَلْسَفَةِ والجَدَلِ، وضَعُفَ أمْرُ عَمِّه المُعْتَمِد معَه، ثمَّ ماتَ فَجْأةً لإحْدَى عَشر ليلةً
بَقِيَتْ من رَجَبَ سَنَةَ تِسْعِ وسَبْعِينَ ومِئْتَيْنِ بِبَغْدَادَ ونُقِلَ فدُفِنَ بسَامَرَّاءَ ، فكانت خِلافَتُه
ثلاثاً وعِشْرينَ سَنةً وثلاثةِ أَيَّامٍ(٢) .
مات الْمُعْتَمِدُ على الله بالقَصْرِ الحَسَنيِّ مع النُدَماءِ والْمُطْرِبينَ ، أَكَلَ في ذلك اليوم
رُؤُوسَ الجِدَاء ، فيُقالُ: سُمَّ، وماتَ مَعه مَنْ أكلَ منها ، وقِيلَ : نَامَ فغَقُّوه بساطٍ
وقِيلَ : سُمَّ في كأسٍ ، وأدْخَلوا إليه إسْماعيلَ القاضي والشُّهودَ ، فلمْ يَرَوا به أثراً ،
واستُخلِفَ أبو العبَّاس المُعْتَضِدُ وكانت عُرَيبُ جاريةُ المُعتَمد ذاتَ أموالٍ جَزيلة ، ولها
في المُعتَمد مَدائحُ ، وكان يَسكَرُ ويُعَرِبِدُ على النُّدَماءِ ، سامَحَه الله، وكانت دَولَتُه بِهِمَّةِ
أخيه المُوفَّق لا بأس بها(٣) .
وقالَ الإِمامُ الذهبيُّ فِي تَرْجَمةِ ((الخَبيث)) : بعد مَصْرع المُتَوكِّل وابنِهِ ، وأولئك
الخُلفاء المُستضعَفين المقتولين ، نَقْصَ أمرُ الخِلافَةِ جداً، وطمِعَ كلُّ شَيطان في
(١) انظر السير: (الْمُعْتَمِدُ على الله) ٥٤٠/١٢-٥٥٣، وانظر النزهة: ٣/١٠٣١.
(٢) انظر السير: (الْمُعْتَمِدُ على الله) ٥٤٠/١٢ -٥٥٣، وانظر النزهة : ١/١٠٣٤.
(٣) انظر السير: (الْمُعْتَمِدُ على الله) ٥٤٠/١٢ -٥٥٣، وانظر النزهة: ٢/١٠٣٤.
٤٧٠

التوثُّب، وخَرجَ الصَّفَّارُ بخُراسان، واتَّسعت مَمالكُه، وخرجَ هذا الخَبِيثُ بالبَصْرَة ،
وفعلَ ما فعَل، وهاجَت الرُّومُ، وعَظُمَ الخَطبُ(١) .
ثمَّ بعدَ سَنوات ثارت القَرامطَةُ والأعْرابُ ، وظَهرَ بالمَغْرِبِ عُبَيْدُ الله ، المُلقَّبُ
بالمَهْديِّ، وتَملَّك ثم دامت الدولة في ذُريّة الباطنيّة إلى نُورِ الدين، رَحمَه الله(٢) .
(هـ) انْهِمَاكُ بَعضِ الخُلَفَاء باللهوِ واللَّعِب:
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَة الخَليفةِ العَبَّسيِّ ((الْمُعْتَمِد على الله)): وانهمكَ في
اللَّهْوِ واللَّعب، واشْتَغَل عن الرَّعيّة، فَكَرهُوه، وأحبُّوا أخاه المُوفَّق(٣).
مات الْمُعْتَمِدُ على الله بالقَصْرِ الحَسَنيِّ مع النُدَماءِ والْمُطْربينَ ، أَكَلَ في ذلك اليوم
رُؤُوسَ الجِدَاء ، فيُقالُ: سُمَّ ، وماتَ مَعه مَنْ أكلَ منها ، وقِيلَ : نامَ فَغَقُّوه بُبُساطٍ
وقِيلَ: سُمَّ في كأسٍ ، وأدْخَلوا إليه إسْماعيلَ القاضي والشُّهودَ ، فلمْ يَرَوا به أثراً ،
واستُخلِفَ أبو العبّاس المُعْتَضِدُ وكانت عُرَيبُ جاريةُ المُعتَمد ذاتَ أموالٍ جَزيلة ، ولها
في المُعتَمد مَدائحُ ، وكان يَسكَرُ ويُعَرْبِدُ على النُّدَماء ، سامَحَه الله ، وكانت دَولَتُهُ بِهِمَّةِ
أخيه المُوفَّق لا بأس بها (٤) .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَة الخَليفةِ العَبَّاسيِّ ((الْمُقْتَدِر)): قال أبو عليٍّ
التَّنوخِيُّ : كان الْمُقْتَدِرُ جَيِّدَ العَقْلِ، صَحيحَ الرَّأيِّ، ولكنَّه كان مُؤْثِراً للشَّهَواتِ ، لِقَدْ
سَمعتُ عليَّ بنَ عيسَى الوَزيرَ يقولُ: ما هُوَ إلاَّ أنْ يَتْرُكَ هَذا الرَّجُلُ - يَعْنِي الْمُقْتَدِرَ -
النَّبِيذَ خَمْسَةَ أيّامٍ فكانَ رُبَّما يكونُ في أصالَةِ الرَّأي كالْمَأْمُونِ والْمُعْتَصِد (٥) .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ : كانَ مَنْهُوماً باللَّعِبِ ، والجَواري ، لا يَلْتِفِتُ إلى أعْباء
الأمُورِ ، فَدَخَلَ عليه الدَّاخِلُ ، وَوَهَنَ دَسْتُه(٦) .
(١) انظر السير: (الخَبيث) ١٢٩/١٣ -١٣٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٦٤.
(٢) انظر السير: (الخبيث) ١٢٩/١٣ -١٣٦، وانظر النزهة: ٣/١٠٦٤.
انظر السير: (الْمُعْتَمِدُ على الله) ١٢/ ٥٤٠ -٥٥٣، وانظر النزهة: ٢/١٠٣١.
(٣)
انظر السير: (الْمُعْتَمِدُ على الله) ٥٤٠/١٢-٥٥٣، وانظر النزهة: ٢/١٠٣٤.
(٤)
(٥) انظر السير: (الْمُقْتَدِر) ٤٣/١٥-٥٦، وانظر النزهة: ١/١١٨٠.
(٦) انظر السير: (الْمُقْتَدِر) ٤٣/١٥ -٥٦، وانظر النزهة: ٢/١١٨٠.
٤٧١

(و) تَسَلُّطُ الغَوْغَاء والحَرامِيَّة على دارِ الخَلافَة:
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَة الخَليفةِ العَبَّاسِيِّ ((الْمُقْتَدِر)) : وتجمّع في سَنةِ ثَمانٍ
وثَلاثِ مئة من الغَوْغاء ببغدادَ عَشْرَةُ آلافٍ، وفَتَحوا السُّجُونَ وقاتلوا الوَزِيرَ ووُلاةَ
الأمُورِ، ودامَ القِتالُ أياماً، وقُتلَ عِدَّة، ونُهِبَتْ أمْوالُ النَّاسِ، واخْتَلَّت أحْوالُ
الخِلافَة جداً ، ومُحِقَتْ بُيُوتُ الأمْوالِ، وفي سَنَةِ سِتَّ عَشَر وثلاث مئة دَخلَ أبو طاهِر
القِرْمِطِيُّ الرَّحْبَة بالسَّيْفِ ، ثمَّ قَصَدَ الرَّقَّة، وبذَّعَ، وعَمِلَ العَظَائِمَ ، وفي سَنَةِ سَبعَةً
عَشْرَ وَثَلاث مئة جَرَتْ خَبْطَةٌ بَيَغْدَادَ ، واقْتَتَلَ الجَيْشُ، وتمَّ ما لا يُوصَف.
وأمَّا الرُّومُ فعَاثوا في الثُّغُورِ، وفَعلوا العَظائمَ، وبَذَلَ لَهم المسلمون الإتاوَةِ(١).
(ز) سُوءُ سِيرَة بَعض خُلَفَائها :
القَاهِرُ بالله :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَة الخَليفةِ العَبَّاسيِّ ((القَاهِرِ بالله)): الخَليفَة أبو مَنْصور
مُحمَّدُ بنُ الْمُعْتَضِدِ بالله أحمدَ بنِ الموفَّقَ طَلْحَةَ ابنِ الْمُتَوَكل .
اسْتُخلفَ سَنةَ عِشرينَ وثَلاثٍ مئة وَقْتَ مَصْرَع أخيه الْمُفْتَدِر فيه شَرٌّ وجَبرُوتٌ
وطَيْشٌ (٢).
بايَعُوه بعدَ الْمُقْتَدِر، فصادَرَ حاشِيَةَ أخيه وعذَّبَهم، وضَربَ أُمَّ الْمُقْتَدِر بيدِه ، وهي
عَليلَةٌ ثم ماتَت مُعلَّقَةً بحَبْلِ، وعذَّبَ أُمَّ مُوسَى القَهْرمانَةَ، وبالَغ في الإساءَةِ ، فَنَفَرَت
منه القُلوبُ(٣).
ولم يكن القَاهِرُ مُتَمَكِّناً من الأمُورِ ، وحَكمَ عليه عليّ بنُ بُليق الرَّافِضيُّ الذي عَزَمَ
علىْ سَبِّ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه على الْمَنابِرِ فارْتَجَّت العِراقُ، وقُبضَ على شَيخِ الحَنابلَة
البَرْبَهاريّ ، ثم قَويَ القَاهِرُ ونَهَبَ دُورَ مُخالفيه، وطَيَّن على وَلِدِ أخيه الْمُكْتَفي بين
(١) انظر السير: (الْمُقْتَدِر) ٤٣/١٥-٥٦، وانظر النزهة: ١/١١٨٠.
(٢) انظر السير: (القَاهِرُ بالله) ٩٨/١٥ -١٠٣، وانظر النزهة: ٤/١١٨٦.
(٣) انظر السير: (القَاهِرُ بالله) ٩٨/١٥ - ١٠٣، وانظر النزهة: ١/١١٨٧.
٤٧٢

حَيْطَين وضَربَ ابنَ بُليق وسَجنَه ، ثم أمَرَ بذَبْحِه ، ويذَبِحِ أبيه ، وذَبَحَ بعدَهما مُؤنِساً
الكَبِيرَ ويُمناً وابنَ زيرك وبَذْلَ للجُند العَطاءَ وعَظُمَ شَأْنُهُ ونادَىَ بَتَحْرِيمِ الغِناءِ ،
والخَمْرِ، وَكَشْرِ المَلاهي ، وهو مع ذلك يَشربُ الْمَطْبوخَ والسُّلافَ ، ويَسكَرُ ويَسْمَعُ
القَيْنَاتِ واسْتَوزَرَ غير واحدٍ وقَتلَ أبا السَّرايا بنَ حمدانَ وإِسْحَاقَ النُّوبَخْتِي القَاهُما في
بِثْر، وطُمَّت لكَونِهِما زَايَداه في جارِيَة قَبلَ الخِلافَة وبَقِيَ ابنُ مُقْلَة في اخْتِفائِهِ يُراسِلُ
الجُندَ ويُشَغِّبُهم على القَاهِرِ ، ويَخرُجُ مُتنكِّراً في زِيٍّ عَجميٍّ ، وفي زِيِّ شَكَاذٍ ،
وأعْطَىْ مُنَجِّماً ذَهباً لِيَقُولَ للقُؤَّادِ : عَليكُم قطعٌ من القَاهِرِ ثم خُلعَ وأُكْحِلَ بِمِسْمارٍ لسُوءٍ
سِيرَتِهِ وسَفْكِهِ الدِّماءَ وكانت خِلافَتُه سَنةً ونِصْفاً وأُسْبوعاً(١).
قالَ الصُّولي : كانَ أهْوَجَ ، سَفَّاكاً للدِّماءِ ، كَثِيرَ الثَّلُّنِ ، قَبِيحَ السِّيرَةِ، مُدْمِنَ
الخَمْرِ، ولَوْلا جَوْدَةُ حاجِبه سَلامَةَ لأَهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ ، وكانَ قد صَنَعَ حَرْبَةً
يَخْمَلُها فلا يَطْرَحُها حتى يَقْتَلَ إنْساناً(٢).
ثم أُخْرِجَ إلى دارِ ابنِ طاهِر ، فكان تارَةً يُحَسُ ، وتارَةً يُمْهَلُ ، فوقَفَ يوماً بالجَامِعِ
بينَ الصُّفوفِ ، وعليه جُبَّةٌ بَيْضاءُ ، وقالَ: تَصَدَّقوا عليَّ، فأنا مَنْ قد عَرَفْتم .
ثم ماتَ في سَنةِ تِسْعِ وثَلاثِينَ وثَلاثِ مئة، وله ثَلاثٌ وخَمْسونَ سَنةٌ(٣).
انظر السير: ( القَاهِرُ بالله) ٩٨/١٥-١٠٣، وانظر النزهة: ٢/١١٨٧.
(١)
انظر السير: (القاهِزُ بالله) ٩٨/١٥-١٠٣، وانظر النزهة: ٣/١١٨٧.
(٢)
انظر السير: (القاهِرُ بالله) ٩٨/١٥ -١٠٣، وانظر النزهة: ٤/١١٨٧.
(٣)
٤٧٣

مُتَفَرِّقَاتٌ في المُلُوك والخُلَفَاء والأُمَراء
١ - الخُلَفَاءُ الصَّالِحُون :
عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيز :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَتِهِ : ابنُ مَرْوانَ بنِ الحَكَم بنِ أبي العاص ، الإمامُ
الحافِظُ العلَمَة الْمُجْتَهِدُ الزاهِدُ العابِدُ السيِّدُ أميرُ المؤمنينَ حقّاً أبو حَفْص ، القُرَشيُّ
الأُمَوِيُّ الْمَدَنِيُّ ثم الْمِصْرِيُّ ، الخَليفَةُ الزاهِدُ الرَاشِدُ أشَُّ بَنِي أُمَيَّةَ (١).
وكان من أئمّة الاجتهادِ ، ومن الخُلفاءِ الرَّاشدينَ رَحْمَةُ الله عليه .
قال ابنُ سَعد في الطبقة الثالثة من تابِعِي أهْلِ المَدينة فقالَ : أُّه هي أُمُ عاصِم بنتُ
عاصِم بنِ عُمرَ بنِ الخَطَّاب ، قالوا : وُلدَ سَنَةَ ثلاثٍ وسِتِّين ، قالَ : وكانَ ثِقَةً مَأموناً ،
له فِقْهُ وعِلِمٌ وَوَرَعٌ ، ورَوَى حَديثاً كثيراً ، وكان إمامَ عَدلٍ رَحمَهُ الله ورَضيَ عنه(٢) .
ورَوىُ ضِمَام بنُ إسْماعيلَ عن أبي قَبيل : أنَّ عُمَرَ بنَ عبدِ العَزِيزِ بَكَىْ وهو غُلامٌ
صَغِيرٌ فأرْسَلت إليه أُمُّه ، وقالت : ما يُبكيكَ ؟ قالَ : ذكرتُ الْمَوْتَ .
قالَ : وكان يومئذٍ قد جَمعَ القُرآنَ، فبَكَت أُّه حين بَلغَها ذلك(٣) .
وقالَ سَعيدُ بنُ عفير : حَدَّثنا يَعقوبُ، عن أبيه أنَّ عبدَ العَزيزِ بنَ مَرْوانَ بَعثَ ابنَه
عُمَرَ إلى الْمَدينَة يَتَأْذَّبُ بها، وكَتبَ إلى صالِحِ ابنِ كَيْسانَ يَتعاهَدُه، وكان يُلزِمُه
الصَّلَوات ، فأبطأ يوماً عن الصَّلاةِ ، فقالَ: ما حَبسَك؟ قالَ: كانت مُرَجِّلَتِي تُسَكِّنُ
شَعْري، فقالَ : بَلغَ من تَسْكِينِ شَعْرِكَ أنْ تُؤْثِرَه على الصَّلاةِ، وكَتبَ بذلك إلى
والِدِهِ ، فَبَعثَ عبدُ العَزيزِ رَسُولاً إليه فما كلَّمَه حتىْ حَلقَ شَعْرَه .
(١) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٥٨٥/ عمر بن عبد العزيز.
(٢) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ١/٥٨٦.
(٣) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/٥٨٦.
٤٧٤

وقال أبو مُسْهر : وَلِيَ عُمَرُ الْمَدينَةَ في إمْرَةِ الوَليدِ من سَنةِ سِتٍّ وَثَمانينَ إلىَ سَنةِ
ثَلاثٍ وتِسْعين(١) .
وقالَ ابنُ سَعد : أخبَرَنا مُحمدُ بنُ عُمَرَ ، حذَّثنا ابنُ أبي الزِّناد ، عن أبيه ، قال :
لَمَّا قَدِمَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ المَدينَةَ وَالياً، فصلَّى الظُّهْرَ دَعا بعَشْرَة: عُرْوَةَ ،
وعُبَيْدَ الله، وسُلَيمانَ بنَ يَسار، والقاسِم، وسالِماً، وخارِجَة ، وأبا بَكْر بنَ عبدٍ
الرحمَن ، وأبا بَكْر بنَ سُليمان ابنَ أبي حثمَةَ، وعبدَ الله بنَ عامِر بن رَبِيعَة ،
فحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عليه ، ثم قالَ : إِنِّي دَعَوْتُكُمْ لأَمْرٍ تُؤْجَرُون فيه ، ونَكونُ فيه أعْواناً
على الحَقِّ ، ما أُريدُ أنْ أقْطَعَ أمْراً إلاَّ برأيكم ، أو برأي مَنْ حَضرَ منكم ، فإنْ رأيتم
أَحَداً يَتعدَّى، أو بَلغَكم عن عامِلٍ ظُلامَة، فَأُحَرِّجُ بالله على مَنْ بَلغَه ذلك إلاَّ أَبْلغَني
فجَزَوْهُ خيراً ، وافْتَرَقوا(٢) .
وعن أبي جَعْفَرِ الباقِرِ قالَ : لِكُلِّ قَوم نجيبَةٌ ، وإنَّ نَجيبَةَ بَنِي أُمَّة عُمرُ بنُ عبدِ
العَزيز ، إنَّه يُبعَثُ أُمَّةً وَحْدَه .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : قد كانَ هذا الرَّجُلُ حَسَنَ الخَلْقِ والخُلُقِ ، كامِلَ العَقْلِ ،
حَسَنَ السَّمْتِ، جَيَِّ السِّياسَةِ، حَريصاً على العَدْلِ بَكُلِّ مُمْكنٍ ، وافِرَ العِلمِ ، فَقَيهَ
النَّفْسِ ، ظاهِرَ الذَّكاءِ والفَهْم ، أوَّاهاً مُنيباً ، قانتاً لله، حَنيفاً زاهِداً مع الخِلافَةِ ، ناطِقاً
بِالحَقِّ مع قِلَّة الْمُعينِ، وكَثْرَةِ الأُمَراءِ الظَّلمَة الذينَ مَلُّوه وكَرِهوا مُحاقَقَتَه لهم ، ونَقْصَه
أُعْطياتِهِم، وأخْذَه كثيراً مِمَّا في أيديهم مِمَّا أخَذوه بغَيرِ حَقِّ ، فما زالوا به حتى سَقَوْه
السُّمَّ، فحَصُلت له الشَّهادَةُ والسَّعادَةُ، وعُدَّ عند أهْلِ العِلمِ من الخُلفاءِ الرَّاشِدينَ ،
والعُلماءِ العامِلينَ(٣).
عن عبدِ العَزيزِ بنِ يَزيد الأيْلي قالَ: حَجَّ سُليمانُ بنُ عبد الْمَلِك ، ومعه عُمرُ بنُ
عبد العَزيز ، فأصابَهم بَرْقٌ ورَعْدٌ حتى كادَت تَنْخَلع قُلوبُهم ، فقالَ سُليمانُ : يا أبا
(١) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٣/٥٨٦.
(٢) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥ -١٤٨، وانظر النزهة: ٤/٥٨٦.
(٣) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة : ١/٥٨٧.
٤٧٥
:

حَفْص! هلْ رَأيتَ مثلَ هذه اللَّيلَة قَطُّ، أو سَمعتَ بها؟ قالَ : يا أميرَ المؤمنين! هذا
صَوْتُ رَحْمَةِ الله ، فكيف لَوْ سَمعتَ صَوتَ عَذابِ الله!(١) .
عن نافع قالَ: كانَ ابنُ عُمرَ يَقولُ : لَيْتَ شِعْري! مَنْ هذا الذي مِنْ وَلَدِ عُمرَ ، في
وَجْهِهِ عَلامَةٌ، يَملأُ الأرضَ عَدْلاً(٢).
عن عبدِ الرحمَن بنِ حسَّان الكناني قالَ : لَمَّا مَرضَ سُليمانُ بدابِقٍ قال: يا رَجاءُ!
أَسْتخلِفُ ابني؟ قالَ: ابنُك غائبٌ، قالَ: فالآخَرُ؟ قالَ : هو صَغير ، قَالَ : فَمَنْ
تَرَى؟ قال : عُمَرُ بنُ عبدِ العَزيز ، قالَ : أَتَخَوَّفُ بَني عبدِ الملِك أنْ لا يَرْضَوا ، قالَ :
فوَلِّه، ومن بَعدِهِ يَزِيدُ بنُ عبدِ الملك، وتَكتُبُ كتاباً وتَخْتِمُه، وتَدعُوهم إلى بَيْعَةٍ
مَخْتومٍ عَليها ، قالَ : فَكَتبَ العَهْدَ وخَتمَه ، فخَرِجَ رَجاءُ وقالَ : إنَّ أميرَ المؤمنينَ
يَأْمُرُكَمَ أنْ تُبايعوا لِمَنْ في هذا الكتابِ ، قالوا : ومَنْ فيه؟ قالَ : مَخْتومٌ ،
ولا تُخْبَرون بمَنْ فيه حتى يَموتَ، فامْتَنَعوا، فقالَ سُليمانُ : انْطَلِقْ إلى أصْحابٍ
الشُّرَط ، ونادِ الصَّلاةُ جامِعَة ، ومُرْهُم بالبَيْعَة ، فمَنْ أَبَى، فاضْرِبْ عُنقَه ، ففعلَ
فَبَايَعوا ، قالَ رَجاءُ: لَمَّا خَرجوا ، أتاني هِشامٌ في مَوْكبه ، فقالَ : قد عَلَمْتُ مَوْقِفَكٌ
مِنَّا، وأنا أتَخوَّفُ أنْ يَكونَ أميرُ المؤمنينَ أزالَهَا عَنِّي، فَأَعْلِمْني ما دامَ في الأمْرِ نَفَسٌ ،
قُلتُ : سُبحانَ الله !! يَسْتَكْتِمُني أميرُ المؤمنينَ وأُطلِعُك، لا يَكونُ ذلك أبداً ، فأدارَني
وألاصَني(٣)، فأبيتُ عليه، فانْصَرِفَ، فَبَينا أنا أسيرُ إذ سمعتُ جَلبَةً خَلفي ، فإذا
عُمرُ بنُ عبدِ العَزيز ، فقالَ : يَا رَجاءُ! قد وَقِعَ في نَفْسي أمْرٌ كَبِيرٌ من هذا الرَّجُل ،
أَتَخَوَّفُ أنْ يَكونَ جَعلَها إليَّ ولَستُ أقومُ بهذا الشَّأْنِ ، فأَعْلِمْنِي ما دام في الأمر نَفْسٌ
لِعَلِّي أَتَخلَّصُ ، قُلتُ : سُبحانَ الله! يَسْتَكْتِمُني أمراً أُطلِعُك عليه! (٤) .
(١) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/٥٨٧.
(٢)
انظر السير : ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٣/٥٨٧.
انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة : ٤/٥٨٧.
(٣)
(٤) يُقالُ ألاصه على كذا: إذا أداره على الشيء الذي يريده، وقال عمر لعثمان في معنى كلمة الإخلاص :
هي الكلمة التي ألاصَ عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم عمَّه - يعني أبا طالب - عند الموت: شهادة أن
لا إله إلاَّ الله ، أي : أداره عليها وراوده فيها .
٤٧٦

وقد كان سُليمانُ بنُ عبد الملك من أمْثَلِ الخُلفاءِ ، نَشَرَ عَلَمَ الجِهادِ ، وجَهَّزَ مئةً
ألفٍ بَرَّاً وبَحْراً، فنازَلوا القُسْطَنْطِينِيَّةَ، واشتدَّ القِتالُ والحِصارُ عليها أكثرَ من سَنة(١).
قالَ سَعيدُ بنُ عبدِ العَزيز : وَلِيَ سُليمانُ، فقالَ لِعُمَرَ بنِ عبدِ العَزيز: يا أبا حَفْص!
إِنَّا وَلينا ما قد تَرَى، ولَمْ يَكُن لنا بتدبيرِهِ عِلمٌ، فما رأيتَ من مَصْلَحَةِ العامَّة ، فَمُرْ
به ، فكانَ من ذلك عَزْلُ عُمَّالِ الحَجَّاجِ ، وأُقيمَت الصَّلواتُ في أوْقاتِها بعدما كانت
أُمِيتَت عن وَفْتِها ، مع أُمورٍ جَليلَةٍ كانَ يَسْمَعُ من عُمَرَ فيها ، فقيلَ : إنَّ سُليمانَ حَجَّ ،
فرأى الخَلاثقَ بالْمَوْقِفِ ، فقالَ لِعُمرَ : أما تَرَى هذا الخَلقَ الذي لا يُخْصِي عَددَهم
إِلَّ اللهُ؟ قالَ : هَؤلاء اليومَ رَعيَُّك، وهُم غَداً خُصَماؤك ، فَبَكىّ بُكاءً شديداً .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ : كانَ عُمرُ له وَزيرَ صِدْقٍ ، ومَرِضَ بدابِقِ أُسْبُوعاً ، وتُوفِّيَ ،
وكان ابنُه داودُ غائباً في غَزْوَة القُسْطَنْطِينِيَّة(٢).
قال عُبَيْدُ الله بنُ عُمرَ : خَطبَهم عُمرُ، فقالَ: لَسْتُ بخَيرِ أحدٍ منكم ، ولكنِّي
أثقَلُكُم حِمْلاً(٣) .
قال مَيمونُ بنُ مِهْران: إنَّ اللهَ كان يَتعاهَدُ النَّاسَ بنَبِيِّ بعدَ نَبِيِّ، وإنَّ اللهَ تَعاهَدَ
النَّاسَ بِعُمَرَ بنِ عبدِ العَزيزِ(٤) .
قالَ الليثُ: بدأ عُمرُ بنُ عبد العَزيز بأهْلِ بَيَتَه، فأخذَ ما بأيديهم ، وسَمَّىُ أمْوالَهم
مَظالِمَ ، فَفَزِعَت بَنو أُميَّة إلىْ عَمَّتِهِ فاطِمَةَ بنتِ مَرْوان ، فَأرْسَلت إليه: إنِّي قد عَناني
أمْرٌ، فأتَتْه ليلاً، فأنْزِلَها عن دابَتِها، فلمَّا أَخَذَت مَجْلِسَها قالَ: يَا عَمَّة! أنتِ أوْلَى
بالكلام ، قالَت : تَكلَّم يا أميرَ المؤمنين، قالَ: إنَّ اللهَ بَعثَ مُحمَّداً صلى الله عليه
وسلم رَحمَةً ، ولَمْ يَبْعَثْه عذاباً ، واخْتَارَ له ما عنده ، فَتَركَ لهم نَهْراً، شُرْبُهُم سَواء ،
ثم قامَ أبو بَكْر فَتَركَ النَّهْرَ على حالِه ، ثم عُمَرُ ، فَعَمِلَ عَملَ صاحِبَه ، ثم لَمْ يَزَلْ النَّهْرُ
(١) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ١/٥٨٨.
(٢)
انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/٥٨٨.
(٣) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٣/٥٨٨.
(٤) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٤/٥٨٨.
٤٧٧

يَشتقُّ منه يَزِيدُ ومَرْوانُ وعبدُ الملكِ، والوَليدُ ، وسُليمانُ حتى أَفْضَى الأَمْرُ إليَّ ، وقد
يَيُسَ النَّهْرُ الأَعْظَمُ، ولَنْ يَرْويَ أهلَه حتى يَعودَ إلى ما كانَ عليه، فقالَت: حَسْبُكَ ،
فَلَسْتُ بذاكِرَة لك شيئاً ، ورَجَعَت فَأَبْلَغَتْهم كلامَه(١) .
عن عُمرَ بنِ أُسَيد، قالَ : والله ، ما ماتَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيز حتى جَعلَ الرَّجلُ
يَأتينا بالمالِ العَظيم، فيَقولُ: اجْعلوا هذا حَيثُ تَرَونَ ، فما يَبْرَحُ حتى يَرجعَ بمالِهِ
كلِّه، قد أغْنَى عُمرُ النَّاسَ(٢) .
وعن ضَمْرَة ، قالَ : كَتَبَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيز إلى بَعضِ عُمَّاله: أمَّا بعدُ ، فإذا
دَعَتْكَ قُدْرِتُك على النَّاسِ إلىْ ظُلمِهِم، فاذْكُر قُدرَةَ اللهِ تَعالَى عَليكَ ، ونَفَادَ ما تأتي
إليهم ، وبقاءَ ما يأتون إليك(٣) .
وعن عطاءَ بنِ أبي رَباح ، قال : حَذَّتني فاطِمَةُ أمرأةُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيز أنَّها
دَخَلَت عليه ، فإذا هو في مُصَلاَّه يده على خَدِّه، سائلَة دُموعُه، فقُلتُ: يا أميرَ
المؤمنين! ألشَيء حَدَث؟ قالَ : يا فاطِمَةُ! إنِّي تَقْلَّدتُ أمْرَ أُمَّةٍ مُحمَّد صلى الله عليه
وسلم، فَتَفكّرتُ في الفَقيرِ الجائعِ، والْمَريضِ الضَّائعِ، والعَارِي الْمَجْهودِ ،
والْمَظْلومِ الْمَقْهورِ ، والغَريبِ الْمأسُوَرِ ، والكَبيرِ ، وذِي الَعِيالِ في أقْطارِ الأَرْضِ ،
فعَلمتُ أَنَّ رَبِّي سَيَسْألُني عنهم، وأنَّ خَصْمَهم دُونَهم مُحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم
فخَشِيتُ ألاَّ تَعْبُتَ لي حُبَّةٌ عند خُصومَتِهِ ، فَرَحِمْتُ نَفَسي فَبَكيتُ (٤) .
قالَ الفريابيُّ: حَدَّثنا الأوْزاعيُّ أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ جَلسَ في بَيْتِهِ ، وعندَه
أَشْرافُ بَنِي أُمَيَّة ، فقالَ: أتحبون أن أُوَلِّي كلَّ رجل منكم جُنداً من هذه الأجْنادِ ،
فقالَ له رجلٌ منهم : لِمَ تَعرِضْ علينا ما لا تَفْعَلُه؟ قالَ : تَروْنَ بساطي هذا؟ إنِّي
لِأعلمُ أنَّه يَصيرُ إلىُ بِلَى ، وإِنِّي أكْرَهُ أنْ تُدنِّسِوهُ عليَّ بأرجُلِكم، فكيفَ أُوَلِّيكمُ ديني ؟
(١) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٥/٥٨٨.
(٢) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ١/٥٨٩.
(٣) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/٥٨٩.
(٤) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٣/٥٨٩.
٤٧٨

وأُوَلِّيْكمُ أعْراضَ المسلمينَ وأَنْشارَهم تَحكُّمون فيهم ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ، قالوا : لِمَ ،
أمَا لنا قَرابَةٌ؟ أمَا لنا حَقٌّ ؟ قالَ : ما أنتم وأقْصَى رَجلٍ من المسلمين عندي في هذا
الأمْرِ إلَّ سَواءٌ، إلاَّ رجلٌ حبَسَه عنّي طُولُ شُقَّةٍ(١)، (٢).
عن حَفصٍ بنِ عُمرَ بنِ أبي الزُّبَيْرِ ، قالَ : كَتبَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيز إلى أبي بَكْر بنِ
حَزْم : أنْ أَدِقَّ قَلَمَكَ ، وقارِبْ بين أسْطُرِكَ ، فإنِّي أكْرَه أنْ أُخْرِجَ من أمْوالِ المسلمينَ
ما لا يَنْتُفعونَ به(٣).
قالَ مَيمونُ بنُ مِهْران: أَقَمتُ عندَ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيز ستَّةَ أشْهُر ، ما رَأيْتُه غيّر
رِداءَه ، كانَ يَغْسِلُ من الجُمُعَةِ إلى الجُمُعَةِ ، ويُبيِّنُ بشَيء من زَعْفَران (٤) .
وقالَ الأوْزاعيُّ: كانَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيز إذا أرادَ أنْ يُعاقِبَ رَجُلاً حَبسَه ثلاثاً ، ثم
عاقَبَهَ كَراهيَةَ أنْ يَعْجَلَ في أوَّلِ غَضَبِهِ (٥) .
وعن مَسْلَمَةَ بنِ عبدِ المَلِك قالَ : دَخلتُ علىُ عُمرَ وقَميصُه وَسخٌ ، فقُلتُ لامْرأَتِه -
وهي أخْتُ مَسْلَمَة : اغْسِلوهُ قالت : نَفَعَلُ ، ثم عُدتُ فإذا القَميصُ على حالِهِ ، فقُلتُ
لها ، فقالت : واللهِ ما لَه قَميصٌ غَيرُه(٦) .
عن عَوْنِ بنِ الْمُعْتَمِرِ أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ قالَ لامرأتِه : عندَكِ دِرْهَمٌ أشْتَري به
عِنْباً ؟ قالَت : لا ، قالَ : فِعِندَكِ فُلوسٌ؟ قالَت : كلاَّ، أنتَ أميرُ المؤمنينَ ولا تَقْدِرُ
علىَ دِرْهَم ، قالَ: هذا أهْوَنُ من مُعالَجَة الأغْلالِ في جَهَنَّم(٧) .
قالَ يَحْيَىُ بنُ حَمْزَة: حدَّثنا عمرُو بنُ مُهاجِر أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيز كان تُسْرَجُ عليه
(١) الشُّقَّة: السفر الطويل البعيد، وفي حديث وفد عبد قيس : إنا نأتيك من شقة بعيدة ، أي مسافة
بعيدة .
(٢) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٤/٥٨٩.
انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ١/٥٩٠.
(٣)
انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/٥٩٠.
(٤)
انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٣/٥٩٠.
(٥)
انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٤/٥٩٠.
(٦)
انظر السير: ( عُمرٌ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٥/٥٩٠.
(٧)
٤٧٩

الشَّمعَةُ ما كانَ في خَوائج المسلمينَ ، فإذا فَرِغَ ، أْفأها وأسْرَجَ سِراجَهَ (١).
وقالَ مَالِكٌ: أُتْيَ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزيزِ بعَنبرَة ، فأمْسَك على أنْفِهِ مَخافَةَ أنْ يَجدَ
ريحَها، وعَنه: أنَّه سَدَّ أنفَه، وقد أُحْضِرَ مِسْكٌ من الخَزائن(٢) .
وعن عبدِ العَزيز بنِ عُمرَ : قالَ لي رَجَاءُ بنُ حَيْوَة: ما أكْمَلَ مَروءَةَ أبيكَ! سَمرتُ
عندَه ، فَعَشِيَ السِّراجُ ، وإلى جانبِهِ وَصيفٌ نامَ، قُلتُ: ألا أُنْبَّهُه؟ قالَ: لا ، دَعْهُ،
قُلتُ: أنا أَقُومُ، قالَ: لا لَيسَ من مَروءَةِ الرَّجُلِ اسْتخدامُه ضَيفَه ، فقامَ إلى بَطَّةَ(٣)
الزَّيْتِ وأصْلَحَ السِّراجَ ، ثم رَجعَ ، وقالَ: قُمتُ وأنا عُمرُ بنُ عبدِ العَزيز، ورَجَعتُ
وأنا عُمرُ ابنُ عبدِ العَزيز(٤) .
عن مُغيرةَ بن حَكيم : قالت فاطمةُ بنتُ عبد الملك بنِ مَرْوان امرأةٌ عُمرَ بنِ
عبد العزيز : حَدَّثْنا مُغيرةُ أنَّه يكونُ في النَّاسِ مَن هو أكثرُ صلاةً وصياماً من عُمرَ بنِ
عبد العزيز ، وما رأيتُ أحداً أشَدَّ فَرَقاً من ربِّه منه، كان إذا صَلَّى العِشَاءَ قَعَدَ في
مَسْجِدِه، ثُمَّ يَرفِعُ يَدَيْهِ فَلَم يَزَلْ يَبكي حتى تَغْلِبُّه عَيْنُهُ، ثم يَنْتَبُهُ، فلا يزالُ يَدعُو رافعاً
يديْهِ يَبكي حتىْ تَغْلِبُهُ عينُهُ ، يفعلُ ذلك ليلُهُ أَجْمَع(٥) .
ومن شعره(٦) :
أو الغُبَارُ يَخافُ الشَّينَ والشَّعَنَا
مَنْ كَانَ حِينَ تُصِيبُ الشَّمْسُ جَبْهَتَهُ
فِسَوفَ يَسْكُنُ يَوْماً رَاغِماً جَدَثَا
ويَأَلَفُ الظُّلَّ كَيْ تَبْقَىْ بَشَاشَتُهُ
يُطيلُ فِي قَعْرِهَا تَحْتَ الثَّرَى اللَّبَا
في قَعْرٍ مُظْلِمَةٍ غَبْرَاء مُوحِشَةٍ
يا نَفْسُ قَبْلَ الردّى لَمْ تُخْلَقِي عَبَثَا
تَجَهَّزِي بِجَهَازٍ تَبْلُغِينَ به
(١) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٦/٥٩٠.
انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٧/٥٩٠.
(٢)
البطة : الدبة بلغة أهل مكَّة ، لأنها تُعمل على شكل البطة من الحيوان ، وهي إناء كالقارورة .
(٣)
انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزِيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٨/٥٩٠.
(٤)
انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥ـ١٤٨، وانظر النزهة: ١/٥٩١.
(٥)
(٦) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/٥٩١.
٤٨٠