Indexed OCR Text

Pages 441-460

فَمَرُّوا بسيسَ ، ونازَلُوا أَنْطَاكِيَةَ ، فخافَ صاحِبُها ياغي بَسان ، فأخْرجَ النَّصَارَىُ
إلى الخَنْدَقِ وحَبَسَهم به ، فدامَ حِصارُها تِسْعَةَ أَشْهُر، وفَنِيَ الفِرَنْجُ قَتْلاً ومَوْتاً ، ثم
إنَّهم عاملُوا الزَّرَّادَ المُقدَّمَ، وبَذلوا له مَالاً، فكاشَرَ لهم عن بَدِنِهِ (١) ، ففَتحوا شُبَّاكاً ،
وطَلعوا منه خَمسُ مئة في اللَّيلِ، ففُتَحَ ياغِي بَسان، وهَربَ، واسْتُبِيحَ البَلدُ - فإنَّا لله -
فِي سَنة إِحْدَى وتِسْعينَ وأرْبَع مئة وسَقطَت قُوَّة ياغي بَسان أسَفاً ، وانْهَزَمَ غِلمانُه ،
فذْبَحَه حَطَّابٌ أرْمَنِيٌّ ثم أخَذوا المَعَرَّة، فقتلوا وسَبوا، وتَجمَّعَت عَساكِرُ الْمَوصِلِ
وغَيْرِها فالْتُقوا، فانْهَزَمَ الْمُسلمونَ واسْتُشْهِدَ أَلُوفٌ وصالَحَهم صاحِبُ حِمْصَ ، وأقْبلَ
ابنُ أميرِ الجُيوش ، فأخَذَ القُدْسَ من ابنِ أرْتُق ، وانْتُشرَت الباطنيَّةُ بأصْبَهَانَ وتمَّتْ
حُرُوبٌ مُزْعِجَة بين مُلوكِ العَجَمِ ، وأَخَذت الفِرَنْجُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، نَصبوا عليه أرْبَعِينَ
مَنْجَنِيقاً، وهَذُّوا سُورَه وجَدُّوا في الحِصارِ شَهْراً ونِصْفاً ، ثم مَلكُوه من شَمالِيُّه سَنةً
اثْنَتَين وتِسْعينَ ، وقَتلوا به نَحْواً من سَبعينَ ألفاً(٢) .
وفي سَنةِ خَمسٍ وتِسْعينَ وأرْبَع مئة كانت حُروبٌ بين الأخَوَين بَرْكْيا رُوق ومحمد ،
وبلاءُ وحِصار، ونازَلت الفِرَنجُ طَرَابُلْسَ، فسارَ للكشفِ عنها جُندُ دِمَشْقَ وحمْصَ ،
فانكسَروا ، ثم التقى العسكرُ، وبغدوين، فهزَمُوه وقلَّ مَنْ نَجا من أبطالِه، وظَفِرَ
ثلاثةٌ من الباطنيَّة علىُ جَناح الدولة صاحِبِ حمْصَ ، فَقَتَلوه في الجامِعِ ، فنازَلتْها
الفِرَنْجُ، فصُولِحوا على مال، وتَسلَّمها شَمسُ المُلوك، وقَتلت الباطنيّةُ الأعزَّ ، وزيرَ
بَرْكْيا رُوق(٣) .
وفي سنة سِتٍّ وتِسْعينَ وأَرْبَع مئة سارَ شَمسُ الْمُلوك، فحاصَرَ الرَّحْبَة وأخَذَها ،
وجاء عَسكَرُ مِصْرَ، فالْتَّقوا الفِرَنْجَ بِيافَا، وخُذِلَتِ الفِرَنْجُ، وتَصالَحِ بَرْكَيَا رُوق
وأخُوه، ومَلُّوا من الحَربِ ، وتَحَالَفوا، وطالَ حِصارُ الفِرَنْجِ لطَرَابُلْسَ، وأخَذوا
(١) في كامل ابن الأثير: (٢٧٤/١٠): فلمَّا طال الحصار راسلوا أحد المستحفظين للأبراج ، وهو زرَّاد
يُعرف بروزبه ، وبذلوا له مالاً وأقطاعاً ، وكان يتولى حفظ برج يلي الوادي ، وهو مبني على شباك في
الوادي ، فلما تقرر الأمر بينهم وبين هذا الملعون الزرَّاد جاؤوا إلى الشباك ففتحوه .
(٢) انظر السير: (المُستظهر بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة: ٤/١٤٩٠.
(٣) انظر السير: (المُستظهر بالله) ٣٩٦/١٩-٤١٢، وانظر النزهة: ٢/١٤٩٢.
٤٤١

جُبَلَ، وأخَذوا عًَّا، ونازَلُوا حَرَّان، فجاءَ العَسْكَرُ، ووَقَعَ الْمَصافُّ، ونَزَلَ
النَّصْرُ، وأُبيدَتِ الْمَلاعينُ، وبَلَغَت قَتْلاهم اثنَي عَشرَ ألفاً وماتَ شَمسُ المُلوكِ دُقاق ،
وتَمَلَّكَ ولدُه بدِمَشْقَ وأتابكُه طُغْتِكِينُ(١).
وفي سَنةِ سِتٍّ وتِسْعينَ وأرْبَع مئة كَبسَ الأَتَابِكُ طُغْتِكِينَ الفِرَنْجَ بِالأُرْدُنَّ، فَقَتَلَ
وأسَرَ وزُيِّنَتِ دِمَشْقُ وأُخِذَ من الفِرَنْجِ حِصْنَين .
وفي سَنةِ إحْدَى وخَمسٍ مئة ماتَ صاحِبُ الحِلَّةِ سَيفُ الدَّولَةِ صَدَقَةُ بنُ مَنْصورِ بنُ
دُبَيْس الأسَدِيُّ مَلكُ العَربِ الذي أنْشَأ الحِلَّة على الرَّفْضِ، قُتْلَ فِي وَقْعَة بينَه وبينَ
السُّلطانِ مُحمدِ بنِ مَلِكْشاه(٣) .
وفيها(٣) سارَ طُغْتِكِينَ في جُندِ دِمَشْقَ، فَهَزْمَ الفِرَنْجَ ، وأسَرَ صاحِبَ طَبَرِيَّة
جرماسَ ، وحاصَرَ بغدوينُ الكلبُ صُورَ ، وبَنى بإزائها حِصْناً ، ثم بَذَلَ له أهْلُها سَبعةَ
آلافٍ دينار، فَتَرَخَّلَ عَنْهُمْ (٤) .
وفي سَنةِ اثْنَتين وخمس مئة سارَ طُغْتكينُ في ألفَين، فالْتَّقَى الفِرَنْجَ ، فانْهَزْمَ
جَمعُه، وثَبتَ هو، ثم تَراجَعوا إليه ، ونُصِروا، وأسَروا قومصاً، بَذلَ في نفسِه
جُملةً ، فأبَى طُغْتِكِينُ وذبَحَه، ثم هادَنَ بغدوينَ أربعةَ أعْوام (٥) .
وفي سَنةِ ثَلاثٍ وخَمسِ مئة أُخذَت طَرابُلسُ في آخرِ السَّنَّة بعدَ حِصَارِ سِتِّ سِنينَ
أخَذوها بأبراجٍ خَشَبٍ صُنعَت وأُلْصِقَت بسُورِها، وأخَذوا بانياسَ ، وجُبَيلَ بالأمانِ ثم
طَرَسُوسَ، وَحِصْنَ الأكْرادِ (٦).
وفي سنة خَمسٍ وخَمسٍٍ مئة تَنَاحَبَ (٧) عَساكِرُ العِراقِ والجَزِيرَة ، وأقْبَلُوا لغَزْوِ
(٢)
(١) انظر السير: (المُستظهر بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة: ٣/١٤٩٢.
انظر السير: ( المُستظهر بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة : ٤/١٤٩٢.
(٣)
أي في سنة إحدى وخمس مئة .
انظر السير: ( المُستظهر بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة : ١/١٤٩٣.
(٤)
انظر السير : ( المُستظهر بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة : ٢/١٤٩٣.
(٥)
انظر السير: ( المُستظهر بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة : ٣/١٤٩٣.
(٦)
(٧) يُقالُ: تَنَاحَبَ القومُ، إذا تَوَاعَدوا للقتال أيَّ وقت .
٤٤٢

الفِرَنْجِ، وعَدُّوا الفُراتَ، فقَلَّ مَا نَفَعوا، ثم رَجَعوا والأعْداءُ تَجُولُ في الشَّامِ (١).
وفي أوَّلِ سَنةِ سَبعٍ وخَمسٍ مئة أقْبلَ عَسْكَرُ الجَزِيرَة نَجْدةً لطُغْتِكِينَ ، فالْتَّقوا الفِرَنْجَ
بالأرْدُن ، وصَبرَ الفَريقانِ ، ثم اسْتحَرَّ القَتْلُ بالفِرَنْجِ ، وأُسِرَ طاغيَتُهم بغدوينُ ، لكنْ
أساءَ الذي أسَرَه، فشَلَّحَه، وأطْلَقَه جَريحاً، ثم تَراجَعَ العَدوُّ، وجاءَتهم نَجْدٌ ،
فَعَملوا الْمَصافَّ من الغَدِ ، وحَمِيَ القِتالُ وطابَ الْمَوتُ، وتَحصَّنَ الكِلابُ بِجَبَلٍ ،
فرَابَطَ الجَيشُ بإزائهم يَترامَوْنَ بالنُّشابِ ويَقْتَتَلون ، فدامَ ذلك كذلك سِتَّةً وعِشْرِينَ
صَباحاً حتى عُدِمَت الأقْواتُ وتَحاجَزَ الجَمْعانِ(٢).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في ترجمة طُغْتِكِين: لولا أن اللهَ أقامَ طُغْتِكِين للإسْلام بإزاء
الفِرَنْجِ ، وإلاَّ كانوا غَلَبوا علىُ دِمَشْقَ فقد هَزْمَهم غَيرَ مَرَّة، وأنجَدَهُ عَسْكَرُ الْمَوصِل ،
مع مَؤْدُودٍ ، ومع البُرُسُقيِّ .
قال ابنُ الأثير: تَملَّكَ بعدَه ابنُه الكَبِيرُ تاجُ الْمُلوكِ بُوري بعَهْدٍ منه .
وقالَ ابنُ الجَوْزي : حَكمَ على الشَّامِ خَمسَاً وثلاثينَ سَنةً ، وسارَ ابنُه بسِيرَتِهِ مُدَيْدَة
ثم تَغْيَّرَ وظَلمَ(٣) .
وفي سَنةِ عِشرينَ وخَمسٍ مئة أقْبَلت جُموعُ الفِرَنْجِ لأخْذِ دِمَشْقَ، ونَزِلُوا بِشَفْحَب
فجَمعَ طُغْتِكِينُ الْتُرْكُمانيِّينَ وشُطَّارَ دِمَشْقَ، والْتَقاهُمْ فَي آخِرِ العامِ وحَمِيَ القِتالُ ، ثم
فَرَّ ◌ُغْتِكِين وفُرْسَانُهُ عَجْزاً ، فعَطَفَت الرَّجَّالَةُ على خِيامِ العَدوِّ ، وَقَتْلُوا في الفِرَنْجِ ،
وحَازُوا الأَمْوالَ والغَنائمَ ، فوَقَعتِ الهَزِيمَةُ على الفِرَنْجِ ، ونَزَلَ النَّصْرُ(٤) .
وقالَ الإمامُ الذهبيُّ في ترجَمَة (( شَمسِ الْمُلوك)): استنقذَ بانياسَ من الفِرَنْجِ في
يَومَين ، وكانت الإسْماعيليَّةُ باعُوها لهم من سَبع سِنِينَ ، وسَغَّرَ بلادَهم ، وأوْطانَهم
ذُلاً، ثم سارَ فحاصَرَ أخاهُ بِبَعْلَبَك ، ونازَلَ حماةً ، وهي للأتابك زِنْكي ، وأخَذَها ثم
(١) انظر السير: (المُستظهر بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة : ٤/١٤٩٣.
(٢)
انظر السير: ( المُستظهر بالله) ٣٩٦/١٩-٤١٢، وانظر النزهة : ٥/١٤٩٣.
(٣) انظر السير: (طُغْتِكِين) ٥١٩/١٩-٥٢١، وانظر النزهة: ٢/١٥٠٥.
(٤) انظر السير: ( طُغْتِكِين) ٥١٩/١٩-٥٢١، وانظر النزهة : ٤/١٥٠٦.
٤٤٣

بدا له، فكاتَبَ الأتابكَ زِنْكِي ليُسَلِّمَ إليه دِمَشْقَ، فخافَته أُّه زُمُرُدُ والأمَراءُ ، فهَيَأْت
أُمُّه مَنْ قَتْلَه ، لأنَّ تَهِدَّدَها - لَمَّا نَصحَتهُ - بالقَتْلِ ، وكانَت الفِرِنْجُ تَخافُه لَمَّا هَزَمَهم ،
وبيَّهم ، وشنَّ الغارَةَ على بلادِهم وعثَّرَهم .
قال ابنُ القلانسيّ: بالَغَ في الظُّلمِ ، وصادَرَ وعَذَّبَ ، ولَمَّا علم بأنَّ زِنْكي على
قَصدِ دِمَشْقَ بَعثَ يَستَحِثُّه لِيُعطِيَه إيّاها لَهَذَيانٍ تَخْيَّله، ويقولُ: إنْ لَمْ تَجىءْ سَلَّمتُها إلى
الفِرَنْجِ ، كتبَ هذا بيدِهِ ، فَأَشْفَقَ النَّاسُ ، فحمَلَ صَفْوَةَ الْمُلكِ دِينُها على حَسْمِ الدَّاءِ ،
فأهْلَكَتَه ، وكَثُرَ الدُّعاءُ لها .
قُتْلَ سَنَةَ تِسْعِ وعِشْرينَ وخَمسِ مئة، وله ثَلاثٌ وعِشْرون، وتَملَّكَ بعدَه أخُوهُ
مَحْمودُ ، ثم تَزوَّجَت أمُّه بصاحِبٍ حَلَبْ زِنْكي(١) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَة الخَلِيفَةِ العَبَّسيِّ الْمُقْتَفي لأمْر الله: وفي سَنةِ ثلاثٍ
وأرْبَعِينَ وخَمْسٍ مِنَّة جاءَتْ ثَلاثَةُ مُلُوكٍ من الفِرَنْجِ إلى القُدْسِ ، منهُمْ طَاغِيَةُ الأَلْمانِ ،
وصَلَّوْا صَلاة المَوتِ ، وفَرَّقُوا علىُ جُندِهم سَبعَ مِتَةِ ألفِ دينارٍ ، فَلَمْ يَشْعُرْ بهم أهلُ
دِمَشْقَ إلاَّ وقد صَبَّحُوهم في عَشْرَةِ آلافٍ فارسٍ وسِتِينَ ألفِ رَجُلٍ ، فخَرَجَ المُسلِمُونَ
فارِسُهُم وراجِلُهُم والْتَّقَوا ، فاسْتُشْهِدَ نَحوُ المِئْتَيْنِ ، منهُم الفَنْدَلاوِيُّ، وعبدُ الرَّحمَنِ
الخَلْجُولِيّ، ثمَّ اقْتَلُوا من الغَدِ، وقُتِلَ خَلْقٌ من الفِرَنْجِ، فلمَّا كان خامِسُ يومٍ وَصَلَ
من الجَزِيرَةِ غَازِي ابنُ زِنْكِي فِي عِشْرِينَ ألفاً ، وتَبِعَهُ أَخُوهُ نُورُ الدِّينِ وكان الضَّحِيحُ
والدُّعاءُ والتَّضَرُّعَ بدِمَشْقَ لا يُعَبَّرُ عنه، ووَضَعُوا المُصْحَفَ العُثْمَانِيَّ فِي صَحْنٍ
الجَامِعِ ، وكان قِسِّيسُ العَدُوِّ قال: وعَدَنِي المَسِيحُ بأخْذِ دِمَشْقَ، فَحَقُّوا به ورَكِبَ
حِمَارَه وفي يدِهِ الصَّلِيبُ، فَشَدَّ عليه الدَّماشِقَةُ، فقَتَلُوهُ، وقَتَلُوا حِمَارَه، وجاءَتِ
النَّجَدَاتُ ، فَانْهَزَمَ الفِرَنْجُ(٢) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمةِ الْمُسْتَنْجِدِ بالله: وفي سَنة ستٍّ وخَمسين وخَمسٍ مئة
قُتْلَ بِمِصْرَ الصَّالِحُ وَزيرُها ، واسْتَوْلَى شَاوَرُ، وسافَرَ للصَّيدِ الْمُسْتَنْجِدُ مرَّاتٍ ، وفيها
(١) انظر السير: (شمس الملوك) ٥٧٥/١٩-٥٧٦، وانظر النزهة: ٢/١٥١٨.
(٢) انظر السير: ( المُقْتفي لأمر الله) ٣٩٩/٢٠ -٤١٢، وانظر النزهة: ٤/١٥٦٨.
٤٤٤

كَسَرت الفِرَنْجُ نورَ الدين تحتَ حِصْنِ الأكْراد ، ونَجا هو بالجَهْد ، ونَزَلَ على بُخَیرةِ
حِمْصَ ، وحَلفَ لا يَسْتَظِلُّ بسَقْفٍ حتى يأخُذَ بِالثَّارِ ، ثم الْنَقَاهُم في سَنةَ تِسِعٍ وخَمسينَ
وخَمسٍ مئة فطحَنَهم ، وأسَرَ مُلوكَهم ، وقَتلَ منهم عَشْرَةَ آلافٍ بحارِم(١) .
وفي سَنة ستِّين وخمس مئة وَلَدَت ببغداد بنتُ أبي العِزِّ الأَهْوَازِيِّ أَرْبَعَ بَناتٍ جُملَة ،
وفيها هاجَت فِتنةٌ صَمَّاء بسَببِ العَقائد بأصْبَهان ، ودامَ القِتالُ بين العُلماء أيّاماً، وقُتْلَ
خَلقٌ كَثِيرٌ قالَه ابنُ الأثير .
وفي سَنةِ إحْدَىْ وستِّين وخَمسِ مئة عَمِلَت الرَّافِضَةُ مأتَمَ عاشُوراءَ ، وبالَغوا ،
وسَبُّوا الصَّحَابَة، وخَرَجَتِ الكَرْجُ، وبذَّعوا في الإسْلام، وغَزا نُورُ الدِّين مرَّات(٢).
وفي سَنةِ أربع وستِّين وخمسٍ مئة غَزْوُ شِيركُوهِ مِصْرَ ثالثَ مرّة ، وملكت الفرنج
بَلْبِيسَ ونالُوا القاهِرَةَ، فَذَلَّ لهم شَاوَرُ ، وطَلبَ الصُّلْحَ علىُ قَطِيعَةِ ألفِ ألفِ دينارٍ في
العام ، فأجابه الطاغية مَرِّي إلى ذلك ، فعجل له مئة ألف دينار ، واستنجد بنُورِ
الدِّين ، وسَوَّدَ كتابه ، وجَعلَ في طَيِّهِ ذَوائبَ النِّساءِ ، ووَاصَلَ كُتَبَه يَحُثُّه ، وكان في
حَلَبَ ، فجَهَّزَ عَسكرَه ، واستخدم أسَدَ الدين حتى قيل : كان في سَبعينَ ألْفاً من بين
فارس وراجل ، فتقهقر الفِرَنْجُ لقُدومِه وذَلُّوا، ودَخَلَ القاهِرَةَ وجَلسَ في دَسْتِ
الْمَمْلكَة .
تُوفِّيَ الْمُسْتَنْجِدُ باللهِ سَنَةَ سِتُّ وستِّينَ وخَمسٍ مئة، وقامَ بعدَه ابنُهُ الْمُسْتَضِيءُ(٣).
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمة شِيركُوه : وجهَّزَ وَلدَ أخيه صَلاحَ الدين إلى
الإِسْكَنْدَريَّة ، وجَرَت له أمُورٌ يَطولُ شَرحُها وحُروبٌ وحِصارٌ ، وأقْبَلت الفِرَنْجُ ،
وأحاطوا ببَلْبِيسَ واسْتَبَاحُوها في سَنةِ أَرْبَع وستِّينَ وخَمْسٍ مئة، فاسْتغاثَ الْمِصْرِيُّونَ
بنُورِ الدِّين فَبَعثَ إليهم أسَدَ الدِّين ، فطَردَ عنهم العَدوَّ ، ودَخلَ القاهِرةَ وتَمكَّنَ ، فَعَزَمَ
شاوَرُ وَزيرُ مِصْرَ على الفَتْكِ به، فبادَرَ وبَّه، واسْتقلَّ بوَزارَةِ العاضِدِ ، ودانَ له
حارم بكسر الرَّاء : هي اليوم بلدة شمال سورية من محافظة إدلب .
(١)
(٢) انظر السير: (الْمُستَنجد بالله) ٤١٢/٢٠-٤١٨، وانظر النزهة: ٢/١٥٧٠.
(٣) انظر السير: (الْمُستَنْجِد بالله) ٤١٢/٢٠-٤١٨، وانظر النزهة: ٣/١٥٧٠.
٤٤٥

الإِقْلِيمُ، فبقيَ شَهْرِين، وبَغَتَه الأجَلُ بالخَوانيقِ شَهِيداً سَنةَ أرْبَعِ وسِتِينَ فقامَ في
الدَّسْتِ بعدَه صَلاحُ الدِّين(١) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمةِ صَلاحِ الدِّينِ الأيّوبيِّ: وفي سَنَةِ ثلاثٍ وثمَانِينَ
وخَمْسٍ مئة فَتَحَ طَبَرِيَّةَ ، ونَازَلَ عَسْقَلانَ، ثُمَّ كانت وَقْعَةُ ((حِطِّيْنَ)) بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِرَنْج،
وكانوا أرْبَعِينَ ألفاً ، فحَالَ بيْنَهُم وبينَ المَاءِ علىُ تَلِّ، وسَلَّمُوا نُفُوسَهُم، وأُسِرَتْ
مُلُوكُهم ، وبَادَرَ، فَأَخَذَ عَكًا وبَيْرُوتَ وَكَوْكَبَ، وسَارَ فحَاصَرَ القُدْسَ ، وجَدَّ في ذلك
فأخَذَها بالأَمَانِ(٢) .
ثُمَّ إِنَّ الفِرَنْجَ قامَتْ قِيامَتُهُم علىُ بَيْتِ المَقْدِس، وأَقْبَلُوا كِقِطَعِ اللَّيلِ المُظْلِمِ بَرّاً
وبَحْرَاً ، وأَخَاطُوا بِعَكَّا لِيَسْتَرِدُوها، وطَالَ حِصَارُهم لها ، وبَنَوا علىَ نفُوسِهِمْ خَنْدَقاً ،
فأَحَاطَ بهم السُّلطَانُ، ودَامَ الحِصَارُ لهم وعلَيْهِم نَّفَاً وعِشْرينَ شَهْراً، وجَرَىَ في
غُضُونِ ذلك مَلاحِمُ وحُرُوبٌ تُشَيِّبُ النَّوَاصِي ، وما فُكُوا حَتّى أخَذُوها ، وجَرَتْ لهُم
وللُّلطَانِ حُرُوبٌ وسِيَرٌ وعِنْدَما ضَرِسَ الفَرِيقَان، وكَلَّ الحِزْبَان، تَهَادَنَ المِلَّتان(٣).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَةِ الكامِل : ومِن هِمَّتِهِ أنَّ الفِرِنْجَ لمَّا أَخَذُوا دِمْيَاطَ أنشَأَ
علىْ بَرِيدٍ منها مَدينَةَ المَنْصُورَةَ واسْتَوطَنَهَا مُرابِطاً حتى نَصَرَهُ الله فإنَّ الفِرِنْجَ طَمِعُوا في
أخْذٍ مِصْرَ ، وعَسْكَرُوا بقُربِ المَنصُورَة ، والْتَحَمَ القِتَالُ أياماً وأَلَتَّ الكَامِلُ على إخْوَتِه
بالمَجِيء، فجاءَهُ أَخَوَاهُ الأشْرَفُ والمُعَظَّمُ في جَيْشٍ لَجِبٍ ، وهَيْئَةٍ تَامَّةٍ فَقَوِيَ
الإِسْلامُ، وضَعُفَتْ نُفُوسُ الفِرنْجِ ورُسُلُهُم تَتَرَدَّدُ ، وبَذَلَ لهم الكَامِلُ قبلَ مَجِيء النَّجدَةِ
القُدسَ وطَبَرِيَّةٍ وعَسْقَلانَ وجَبْلَة وَاللَّذِقِيَّة وأشياءَ على أن يَرُدُّوا له دِمْياطَ فَأَبُوا ، وطلَبُوا
مع ذلك ثلاثَ مِئَّةِ ألفِ دينار ليُعَمِّرُوا بها أسْوارَ القُدسِ، وطَلَبُوا الكَرَكَ ، فَاتَّفَقَ أنَّ
جمَاعَةً من المُسلِمِين فَجَّرُوا من النِّيلِ ثَلْمَةً على مَنْزِلَةِ العَدُوِّ ، فأحَاطَ بهم النِّيلُ في
هَيَجَانِهِ، ولا خِبْرَةَ لهم بالنِّيلِ ، فحَالَ بينهم وبين دِمْياطَ ، وانقَطَعِتْ المِيرَةُ عنهُم ،
(١) انظر السير: (شِيركُوه) ٥٨٧/٢٠-٥٨٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٨٧.
(٢) انظر السير: (صَلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: ١/١٦٢٠.
(٣) انظر السير: ( صَلاح الدين وبَنوه) ٢٧٨/٢١ - ٢٩١، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٠.
٤٤٦

وجاعُوا وذَلُوا، فأرسَلُوا في طلَبِ الأمَانِ علىْ تَسْلِيمِ دِمْياطَ، وعَقْدِ هُدنَةَ، فَأُجِيبُوا
فسَلَّمُوا دِمْياطَ بعد اسْتِقِرارِهم بها ثلاثَ سِنِينَ ، فَلِلَّهِ الحَمْدُ(١).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمة النَّاصِرِ الدينِ اللهِ العَبَّاسيِّ: وفي سَنةِ خَمسٍ وَثَمانينَ
وَخَمسِ مئة وفي الْمُقْبِلَة : كان الحِصارُ الذي لم يُسمَعْ بمثلِه أبداً علىْ عَّا ، كان
السُّلطانُ صَلاحُ الدين قد افْتَحَها وأسْكَنَهَا الْمُسلمينَ فَأقْبَلتِ الفِرَنْجُ بَراً وبَخْراً من كلِّ
فَجِّ عَمِيقٍ فأخَاطُوا بها، وسارَ صَلاحُ الدِّين فيَدْفَعُهم فما تَزَعْزَعوا ولا فَكَّروا بُلَ أَنْشَأْوا
سُوراً وخَنْدقاً على مُعَسْكَرِهم وجَرَتِ غَيرُ وَفْعَة ، وقُتْلَ خَلقٌ كَثِيرٌ يَحْتَاجُ بَسْطُ ذلك إلى
جُزْء، وامْتَدَّت الْمُنازَلَةُ والْمُطاوَلَةُ والْمُقاتَلَةُ نَّاً وعِشرينَ شَهْراً، وكانت الأمْدادُ تأتي
العَدوَّ من أقْصَى البِحارِ ، واسْتَنجَدَ صَلاحُ الدِّين بالخَليفَة وغَيرِه حتى أنَّ نَفَذَ رَسُولاً إلى
صاحِبِ الْمَغْرِبِ يَعْقُوبَ الْمُؤْمِنِيِّ يَسْتَجيشُه فما نَفَعَ ، وكُلُّ بَلاءِ النَّصارَى ذَهابُ بَيْتِ
الْمَقْدِس منهم(٢) .
قالَ ابنُ الأثير: لَبِسَ القُسُوسُ السَّوادَ حُزْناً على القُدْسِ، وأخَذَهم بُرُك(٣) القُدْسِ
ورَكبَ بهم البَحْرَ يَسْتَنِفِرُونَ الفِرَنْجَ ، وصَوَّروا المَسيحَ وقد ضَربَه النبيُّ صلى الله عليه
وسلم وجَرحَه ، فعَظُم هذا الْمَنْظَرُ على النَّصَارَى فخرجوا على الصَّعْبِ والذَّلولِ بَراً
وبَحْراً ، ولَوْلا لُطْفُ الله بإهْلاكِ مَلكِ الأَلْمَانِ وإلاَّ لكانَ يُقالُ: إِنَّ الشَّامَ ومِصْرَ كانَتَا
للمُسْلِمينَ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : كانت عَساكِرُ العَدوِّ فَوقَ المِثَّتَي ألفٍ، ولكنْ هَلَكُوا جُوعاً
ووَبَاءً وهَلَكَت دَوابُهم ، وجافَتِ الأرْضُ بهم(٤) .
ومن إنْشاءِ الفاضِلِ إلى الدِّيوانِ وهم على عَكَّا (( يَمُدُّهم البَحْرُ بمَراكِبَ أكثرَ من
أمْواجِه، ويُخرِجُ لنا أمَرَّ من أُجاجِه، وأصْحابُنا قد أثَّرت فيهم المُدَّة الطَويلة في
انظر السير: ( الكامل) ١٢٧/٢٢ -١٣١، وانظر النزهة: ٣/١٦٧٥.
(١)
(٢)
انظر السير: ( النّاصِر لدين الله) ٢٢/ ١٩٢-٢٤٢، وانظر النزهة: ٢/١٦٨٦.
(٣)
هو البطريرق .
انظر السير: ( النّاصِر لدين الله) ٢٢/ ١٩٢-٢٤٢، وانظر النزهة: ٣/١٦٨٦.
(٤)
٤٤٧

اسْتِطاعَتِهِم لا في طاعَتِهِم ، وفي أحْوالِهِم لا في شَجاعَتِهِم فَنَقولُ : اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِك
هذه العِصابَةُ، ونَرْجُو على يدِ أميرِ المؤمنينَ الإجابَةَ، وقد حرَّمَ باباهم لَعنَه اللهُ كُلَّ
مُباحٍ واسْتَخرِجَ منهم كُلَّ مَذْخُورٍ وأغْلَقَ دُونَهم الكنائسَ، ولَبِسُوا الحِدادَ، وحَكَمَ أنْ
لا يَزَالُوا كَذلك أو يَسْتَخِصُوا الْمَقْبَرَةَ، فيا عَصَبَةَ نَبَيِّنا صلى الله عليه وسلم اخْلُفْهُ في
أُقَتِه بما تَطْمئنُ به مَضاجِعُه، ووَفِّه الحَقَّ فينا، فها نَحنُ عندَكَ وَدائعُه ، ولَوْلا أنَّ في
التَّصْرِيحِ ما يَعودُ على العَدالَةِ بالتَّجْرِيحِ لقالَ الخادِمُ ما يُبْكِي العُيونَ ويُنْكي القُلُوبَ ،
ولكنَّه صابِرٌ مُخْتسِبٌ وللنَّصْرِ مُرْتِقِبٌ، ربِّ لا أمْلِكُ إلَّ نَفَسي وها هي في سَبيلِكَ
مَبْذولَةٌ، وأخي وقد هاجَرَ هِجْرةَ نَرْجُوها مَقْبُولَةً، ووُلْد وقد بذلتُ للعَدوِّ صَفَحاتِ
وُجوهِهم، ونَقَفُ عندَ هذا الحَدِّ وللهِ الأمْرُ من قَبْلُ ومن بَعْد))(١).
ومن كتابٍ إلى الدِّيوانِ: ((قد بُليَ الإسْلامُ منهم بقَومِ اسْتَطابوا الْمَوتَ ، وفارَقوا
الأهْلَ طاعَةً لِقِسِّيسِهم ، وغَيرَةً لِمَعْبَدِهم، وتَهالُكاً على قُمامَتِهِم(٢)، حتى لَسارَت
مَلِكَةٌ منهم بخَمسِ مئة مُقاتِل الْتَزْمَت بنَفَقاتِهِم فأخَذَها المُسلمونَ بِرِجالِها بقُرب
الإِسْكَنْدَريَّة ، فَذَواتِ المَفانِعِ مُقَنَّعاتٍ دارِعاتٍ تَحمِلُ الطَّوارِقَ والقبْطارياتِ ، ووَجَدْنا
منهم عِدَّة بين القَتَلَى، وبابَا رُومِيَّة حَكَمَ بأنَّ مَنْ لا يَتَوَجَّه إلى القُدْسِ فهو مُحَرَّم
لا مَنْكِحَ له ولا مَطْعَم فلهذا يتَهافَتون على الوُروِدِ ويَتهالَكون علىُ يَومِهِم الْمَوْعُودِ ،
وقالَ لهم : إنَّني واصِلٌّ في الرَّبيعِ جامِعٌ على اسْتِنْفَارِ الجَميعِ ، وإذا نَهَضَ فلا يَقعُد عنه
أحَدٌ، ويُقبلُ معه كُلُّ مَنْ قالَ: لَّه وَلَد))(٣) .
وفي سَنةِ سَبع وثمانينَ وخَمْسٍ مئة اشْتَّت مُضايَقَةُ العَدوِّ عَكا وأمْدادُهم مُتَواتِرَة ،
فوَصلَ مَلكُ الإِنْكَيْتَرَ(٤)، وقد مَرَّ بِقُبُرُصَ وغَدَرَ بصاحِبها، وتَملَّكَها كُلَّها ، ثم سارَ
إلىْ عَكا في خَمسٍ وعشرينَ قِطعَةً ، وكانَ ماكِراً داهِيَةً شجاعاً ، فخارَت قُوىُ مَنْ بها
من المُسلمينَ وضَعُفوا وقَلِقِوا، فَبَعثَ إليهم السُّلطانُ صَلاحُ الدين : أنِ اخْرُجوا كلُّكم
(١) انظر السير: (النَّاصِر لدين الله) ١٩٢/٢٢ -٢٤٢، وانظر النزهة: ١/١٦٨٧.
(٢)
يعني كنيسة القيامة .
(٣) انظر السير: (النَّاصِر لدين الله) ١٩٢/٢٢ - ٢٤٢، وانظر النزهة: ٢/١٦٨٧.
(٤) وتُكتب: ((الإنكلتير))، وهو ملك انكلترا ريتشارد قلب الأسد .
٤٤٨

من البَلِدِ على حَمِيَّة وسيروا مع البَحْرِ واحْمِلُوا عليهم وأنا أجيتُهم من وَرائِهم وأُكْشِفُ
عَنكُم ، فَشَرَعوا في هذا فما تَهِيَّأْ ، ثم خَرجَ أميرُ عَكا ابنُ الْمَشْطُوبِ إلى مَلِكِ الفِرَنْجِ
وطَلبَ الأمانَ فأتَىْ ، قالَ: نَحنُ لا نُسَلِّمُ عَكا حتى تُقْتَلَ جَميعاً ورَجعَ ، فَزَحفَ العَدوُّ
عليها ، وأَشْرَفوا على أخْذِها فطَلبَ المُسلمونَ الأمانَ على أن يُسَلِّمُوا عَكا ومِئْتَي ألفٍ
دينار وخَمسٍ مئة أسير وصَلِيبِ الصَّلَبُوتِ فَأُجِيبوا ، ثم سارَت الفِرَنْجُ تَقصِدُ عَسْقَلانَ ،
فسارَ الشُّلطانُ في عِراضِهم ، ثم كانت وَقْعَةُ نَهْر القصب ، ثم وقعة أرسوف فانتصر
المسلمون وأتى صلاح الدين عَسْقَلانَ فأخْلاها، وشَرعَ في هَدْمِها ، وهَدمِ الرمْلة ولُدَّ
وشَرَعَت الفِرَنْجُ في عِمارَة يافا، وطَلبوا الهُدْنَة ، ثم جَرَتِ وَقَعاتٌ صِغَارٌ وَقَصَدت
الْمَلاعينُ بَيَتَ الْمَقْدِسِ وبها الشُّلطانُ، فبالَغَ في تَخْصينِها (١) .
وفي سّنةِ سَبعَة عَشَرَ وسِتُ مئة وقعة البَرَلُس بين الكامِلِ والفِرَنْجِ ، فَنَصرَ اللهُ وقُتْلَ
من الفِرَنْجِ عَشرَةُ آلاف وانْهَزَموا، فاجْتَمعوا بدِمْياطَ (٢) .
قالَ الإمامُ الذهبيُّ في ترجمة الْمُسْتَنَصِر بالله: وفي سَنةِ خَمسٍ وعِشرينَ وستمائة
اسْتَوْلَى الفِرَنجُ علىْ صَيْدًا وقَويَتْ نُفُوسُهم وجاءَهم مَلكُ الألمانِ الأنبرُور وقد اسْتَوِلَى
علىْ قُبُرُصَ فكاتَبَه الكاملُ ليُعينَه على النَّاصِرِ، وخافَتْهُ مُلوكُ السَّواحِلِ والمُسلِمونَ
فكاتَبَ مُلوُ الفِرَنْج الكاملَ بأنَّهم يُمْسِكُونَ الأنبرور فبَعَثَ وأَوْقَفَهم على عَزْمِهِم فعَرَفَها
الكاملُ(٣) وأجابَه إلى هَواهُ وتَرَدَّدت المُراسَلاتُ وخَضَعَ الأنبرور وقالَ: أنا عَتيقُكَ وإنْ
أنا رَجَعتُ خائِباً انْكَسَرَتْ حُرْمَتِي، وهَذِ القُدْسُ أصْلُ دِينِنَا وهي خَرابَّةٌ ولا دَخْلَ
لهَا ، فَتَصَدَّقْ عليَّ بِقَصَبَةِ البَلدِ وأنا أحْمِلُ مَحْصُولَها إلى خَزَانَتِكَ، فَلَانَ لِذلك(٤).
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ الْمُسْتَعْصِم بالله العَبَّاسيِّ: وفي سَنةِ سَبعٍ وأرْبَعين
(١) انظر السير: (النَّاصِر لدين الله) ١٩٢/٢٢-٢٤٢، وانظر النزهة: ١/١٦٨٨.
(٢) انظر السير: (النّاصِر لدين الله) ١٩٢/٢٢-٢٤٢، وانظر النزهة: ٢/١٦٨٩.
(٣) العبارة ملبسة بسبب الاختصار المخل وسرعة الصياغة، والأصل في ((تاريخ الإسلام)): (فكاتبوا
الكامل : إذا حصل مصاف نمسك الأنبرور فسيّر إلى الأنبرور كتبهم ، وأوقفه عليها فعرف الأنبرور
ذلك للکامل وأجابه إلى كل ما يريد ) .
(٤) انظر السير: (الْمُسْتَصِر بالله) ١٥٥/٢٣-١٦٨، وانظر النزهة: ٣/١٧١٩.
٤٤٩

وستِّ مئة هجمت الفرنج دِمْياطَ في رَبيع الأوّل فهَرَبَ النَّاسُ من البابِ الآخَر ،
وتَملِكَّها الفِرَنْجُ صَفْواً عَفْوَاَ نَعوذُ بالله من الخُذْلان ، وكان السُّلطانُ بالْمَنْصُورَةِ فَغَضِبَ
علىْ أهْلِها وشَنَقَ سِتِّينَ من أعْيانِ أهْلِها ، وذَاقوا ذُلاً وجُوعاً، واسْتَوْحَشَ العَسكرُ من
السُّلطانِ وقِيلَ: هَمَّ مَماليكُه بقَتلِهِ ، فقالَ نائبُهُ فَخْرُ الدِّين ابنُ الشَّيخ : اصْبِروا فهو على
شَفا، فماتَ في نِصْفِ شَعْبانَ ، وأُخْفِيَ موتُه إلى أنْ حَضرَ ابْنُه الْمُعَظّمُ تُورانْشَاه من
حِصْن كيفا، فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ قليلاً وقَتلوه ، وكانت وَقْعَةُ الْمَنْصُورَة في ذي القعدة ،
فساقَت الفِرَنْجُ إلى الدِّهْلِزِ، فخَرَجَ نائبُ السَّلطنَةِ فَخْرُ الدِّين ابنُ الشَّيِخِ وقاتَلَ فقُتلَ ،
وانْهَزْمَ المسلمونَ وعَظُمَ الخَطبُ ثم تَنَاخى العَسكَرُ وكَرُّوا على العَدَوِّ فطَحَنُوهم ،
وقَتلوا خَلقاً ونَزَلَ النَّصرُ(١).
واسْتهلَّت سَنةُ ثمانٍ وأرْبَعين وسِتٌّ مئة، والفِرَنْجُ على الْمَنْصُورَةِ بإزاء المسلمين ،
ولكنَّهم في ضَعْفٍ وجُوع وماتَت خَيلُهم ، فعَزَمَ الفِرَنْسيسُ (٢) على الرُّكوبِ ليلاً إلى
دِمْياطَ، فعَلِمَ المسلمونَ وَكانَت الفِرَنْجُ قد عَملوا جِسْراً عَظيماً على النِّيلِ ، فَذَهلوا عن
قَطْعِه، فدَخلَ منه المسلمونَ فَكَبَسُوهم ، فالْتَّجأت الفِرَنْجُ إلى مُنُية أبي عبد الله ،
فأحاطَ بهم الجَيشُ ، وظَفْرَ أُسْطُولُ المسلمينَ بِأُسْطولِهِم وغَنِموا مَرَاكِبَهم ، وبقي
الفِرَنْسيسُ في خَمسِ مئة فارِسٍ وخُذلَ ، فطَلبَ الطواشي رَشيدَ وسَيفَ الدِّين
القيمرى ، فأتَوه فطَلبَ أماناً فأمَّناه على أنْ لا يَمُرُوا به بينَ النَّاسِ وهَرَبَ جُمهورُ
الفِرَنْجِ، وتَبِعَهم العَسكَرُ وبَقوا جُملةً وجُملةً حتى أُبِيدَت خَضْراؤُهُم وَغَنِمَ المسلمونَ
ما لا يُعبَّرُ عنه(٣).
فَأُخْصيَ الأسْرىُ فكانوا نَّفاً وعِشرينَ ألفاً ، وغَرقَ وقُتلَ سَبعةُ آلافٍ ، وكان يَوماً
ما سَمِعَ المسلمونَ بمثلِه ، وما قُتلَ من المسلمينَ نَحوَ المئة ، واشْترَى الفِرَنْسیسُ نفسَه
برَدِّ دِمْياطَ وبخَمسٍ مئة ألفِ دينار (٤) .
(١) انظر السير: (الْمُسْتَعْصِم بالله) ١٧٤/٢٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ١/١٧٢٣.
(٢)
هو ملك فرنسا (( لويس التاسع)) لعنه الله .
(٣) انظر السير: (الْمُسْتَعْصم بالله) ١٧٤/٢٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٢/١٧٢٣.
(٤) انظر السير: (الْمُسْتَعْصِم بالله) ١٧٤/٢٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ١/١٧٢٤.
٤٥٠

٢ - وَقْعَةٌ مَشْهورةٌ مع الصَّلبِيِّين الذين أرادُوا احْتلالَ المَدينَةَ المُنوَّرةَ:
لؤلؤ العادلي :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمة لُؤْلُؤْ العَادِلِيّ : الحاجبُ من أبطالِ الإسْلامِ، وهو
كان الْمَندُوبَ لحَرْبٍ فِرَنْجِ الكَرْكِ الذين ساروا لأَخْذِ طَيْبَةَ ، أوْ فِرَنْجِ سِواهُم سارُوا في
البَحْرِ الْمَالِحِ، فَلَمْ يَسِرْ لُؤَلُؤٌ إلَّ ومَعه قُودٌ بِعَدَدِهم ، فأدْرَكَهم عند الفَحْلَتينِ ، فأحاطَ
بهم ، فسَلَّمُوا نفُوسَهم، فقَيَّدَهم ، وكانوا أكْثَرَ من ثلاثٍ مئة مُقاتِل ، وأقْبَلَ بهم إلى
القاهِرَة ، فكانَ يَوماً مَشْهوداً .
وكان شَيْخاً أرْمنيّاً من غِلْمانِ العاضِدِ، فخَدَمَ مع صَلاحِ الدِّين، وعُرِفَ بالشَّجاعَة
والإقْدَامِ ، وفي آخِرِ أيّامِه أقْبَلَ على الخَيرِ والإِنْفَاقِ فِي زَمَنِ قَحْطٍ مِصْرَ ، وكان يَتَصَدَّقُ
في كُلِّ يومٍ باثْنَي عَشرَ ألفَ رَغيفٍ مع عِدَّة قُدورٍ من الطَّعام وقِيلَ : إنَّ الْمَلاعِينَ(١)
الْتَجَوْوا منه إلى جَبَلٍ ، وصَعدَ إليهم في تِسْعَة أجْنادٍ ، فَأَلَّقِيَ في قُلوبِهِم الرُّعْبُ ،
وطَلبُوا منه الأمَانَ، وَقُتلوا بِمِصْرَ، تَولَّى قَتْلَهم العُلمَاءُ والصَّالِحُونَ.
تُوفِّيَ لُؤْلُؤْ رَحمَه اللهُ بِمِصْرَ سَنةَ ثَمانٍ وتِسْعينَ وخَمسٍ مئة(٢).
٣- وَصْفٌ جَميلٌ للصَّلبِيِّينِ وَصَفَهم به القاضي الفَاضِلُ :
ومن إنْشاءِ الفاضِلِ إلى الدِّيوانِ وهم علىُ عَكَّا ((يَمُدُّهم البَحْرُ بمَراكِبَ أكثرَ من
أَمْواجِه، ويُخرِجُ لنا أمَرَّ من أُجاجِه، وأصْحابُنا قد أثّرت فيهم المُدَّةِ الطَويلة في
اسْتِطاعَتِهِم لا في طاعَتِهِم ، وفي أحْوالِهِم لا في شَجاعَتِهِم فتَقولُ : اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِك
هذه العِصابَةُ، ونَرْجُو على يدِ أميرِ المؤمنينَ الإجابةَ، وقد حرَّمَ باباهم لَعنَه اللهُ كُلَّ
مُباحٍ واسْتَخرِجَ منهم كُلَّ مَذْخُورٍ وأغْلَقَ دُونَهم الكنائسَ، ولَبِسُوا الحِدادَ ، وحَكَمَ أنْ
لا يَزَالُوا كَذلك أو يَسْتَخِصُوا الْمَقْبَرَةَ، فيا عَصَبَةَ نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم اخْلُفْهُ في
أُمَّتِه بما تَطْمئنُ به مَضاجِعُه، ووَفِّه الَقَّ فينا، فها نَحنُ عندَك وَدائعُه ، ولَوْلا أنَّ في
(١) هنا عاد الإمامُ الذهَيُّ إلى الكلام على الصليبيين الذين أرادوا احتلال المدينة المنورة .
(٢) انظر السير: (لُؤْلُؤْ العَادِلي) ٣٨٤/٢١ -٣٨٥، وانظر النزهة: ٥/١٦٣٧.
٤٥١

التَّصْرِيحِ ما يَعودُ على العَدالَةِ بالتَّجْرِيحِ لقالَ الخادِمُ ما يُبْكِي العُيونَ ويُنْكِي القُلُوبَ ،
ولكنَّه صَابِرٌ مُخْتسِبٌ وللنَّصْرِ مُرْتِقِبٌ، ربِّ لا أمْلِكُ إلَّ نَفَسي وها هي في سَبيلِكَ
مَبْذولَةٌ ، وأخي وقد هاجَرَ هِجْرةً نَرْجُوها مَقْبُولَةٌ ، ووُلْد وقد بذلتُ للعَدوِّ صَفَحاتِ
وُجُوهِهِم، ونَقَفُ عندَ هذا الحَدِّ وللهِ الأمْرُ من قَبَلُ ومن بَعْد))(١) .
ومن كتابٍ إلى الدِّيوانِ: ((قد بُلَيَ الإسْلامُ منهم بقَومِ اسْتَطابوا الْمَوتَ ، وفارَقوا
الأهْلَ طاعَةً لِقِسِّيسِهِم، وغَيرَةً لِمَعْبَدِهم، وتَهالُكاً على قُمامَتِهِم(٢)، حتى لَسارَت
مَلِكَةً منهم بخَمسِ مئة مُقاتِل الْتَزْمَت بنَفَقَاتِهِم فَأَخَذَها المُسلمونَ برِجالِها بقُرب
الإِسْكَنْدَريَّة، فَذَواتِ المَقانِعِ مُقَنَّعاتٍ دارِعاتٍ تَحمِلُ الطَّوارِقَ والقبْطارياتِ ، ووَجَدْنا
منهم ◌ِدَّة بين القَتَلَىُ، وبابَا رُومِيَّةٍ حَكَمَ بأنَّ مَنْ لا يَتوَجَّه إلى القُدْسِ فهو مُحَرَّم
لا مَنْكِحَ له ولا مَطْعَم فلهذا يتَهافَتون على الوُرودِ ويَتهالَكُون علىُ يَومِهِم الْمَوْعُودِ ،
وقالَ لهم : إنَّني واصِلٌ في الرَّبيعِ جامِعٌ على اسْتِنْفَارِ الجَميعِ ، وإذا نَهَضَ فلا يَقعُد عنه
أحَدٌ ، ويُقبِلُ معه كُلُّ مَنْ قالَ: لَلَه وَلَد ))(٣).
٤- مِنْ أسْبابٍ ضَعْف المُسلمين عن هزيمة الصَّلبيِّين :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَة المَلكِ الأفْضَلِ أبو القاسم شاهِنشاه : قالَ ابنُ خلِّكانَ
في (( تاريخِه)): قال صاحبُ الدُّولِ الْمُنْقَطِعة: خلَّفَ الأفْضلُ سِتَّ مئةِ ألفِ ألفٍ
دينار، ومثتين وخمسين إرْدَبّاً من الدَّراهِم ، وخَمسينَ ألفَ ثَوبٍ من ديباجِ ، وعِشرينٌ
ألفَ ثَوبٍ حَرِير ، وثَلاثِينَ راحِلَة كذا وكذا ودَواةً مُجَوْهَرةً باثنَي عَشرَ ألفِ دینار ،
وعَشرَةً مَجالِسَ ، في الْمَجلِسِ مَضرُوب عَشرَة مَساميرَ من الذَّهَب ، على الْمِسْمارِ
مِنْدِيلٌ مَشْدودٌ فيه بدلَة ثيابٍ وخَمسَ مئة صُندوقٍ ، فيها كِسْوَةٌ ومَتَاعٌ ، سِوَى الذَّوابِّ
والْمَماليكِ والبَقَرِ والغَنَمِ ، ولَبنُ مَواشيه يُباعُ في السَّنةِ بِثَلاثينَ ألفِ دينار(٤) .
(١) انظر السير: (النَّاصِر لدين الله) ١٩٢/٢٢ - ٢٤٢، وانظر النزهة: ١/١٦٨٧.
(٢) يعني كنيسة القيامة.
(٣) انظر السير: (النَّاصِر لدين الله) ١٩٢/٢٢ -٢٤٢، وانظر النزهة: ٢/١٦٨٧.
(٤) انظر السير: (أمير الجيوش) ٥٠٧/١٩-٥١٠، وانظر النزهة: ٣/١٥٠٣.
٤٥٢

قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : هذه الأشياءُ مُمْكِنَةٌ، سِوَى الدَّنانيرُ والدَّراهمُ ، فلا أُجَوِّزُ
ذلك ، بَلْ أَسْتبعِدُ عُشْرَه، ولا رَيبَ أنَّ جَمْعَه لهذه الأمْوالِ مُوجِبٌ لضَعفِ جَيشٍ
مِصْرَ، ففي أيّامِهِ اسْتولَت الفِرَنْجُ على القُدْسِ، وعَكا، وصُور، وطَرابُلسَ ،
والسَّواحِلِ فَلَوْ أنْفَقَ رُبْعَ مالِه، لَجَمَعَ جَيشاً يَملأُ الفَضاءَ ، ولأَبَادَ الفِرَنْجَ ، ولكن
لِيَقْضِيَ اللهُ أمْراً كان مَفْعولاً (١).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمة تاج المُلوك : وقيل : كان عَجباً في الجِهادِ لا يَفْتُر
من غَزْوِ الفِرَنْجِ ، ولَوْ كانَ له عَسكَرٌ كَثِيرٌ لاسْتَأَصَلَ الفِرَنْجَ(٢).
٥ - تَمتِّ الذهبيِّ لَوْ أنَّ القِتالَ على المُلكِ بين المُسلمينَ كان على الصَّلبِيِّين :
قال الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمة العادلِ أخي السُّلطان صَلاح الدين : وكان شَديدَ الْمُلازَمَة
لِخِدمَة أخيه صَلاحِ الدِّين، وما زالَ يَتحيَّلُ حتىُ أعْطَاهُ العَزيزُ دِمَشْقَ ، فكانتِ السَّبَ في
أنْ تَملَّكَ البلادَ ، وَلَمَّا جاءَه بمَنْشُورِها ابنُ أبي الحَجَّاجِ أعْطاهُ ألفَ دينارٍ ، ثمَّ جَرَتْ أمُورٌ
يَطُولُ شَرْحُهَا وقِتالٌ على الْمُلكِ، ولَوْ كانَ ذلكَ الثَّعبُ والحَربُ جِهاداً للفِرَنْجِ لأفْلحَ .
تُوفِّيَ سَنَ خَمسَ عَشْرَةَ وسِتٌّ مئة(٣).
٦- عَلَاقَةُ الصَّلبِيِّين بالعُبَيْدِييِّن:
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمة الخَليفَة العبّاسيِّ الْمُسْتَظْهِرِ بالله : وقيلَ : إِنَّ صاحب
مِصْرَ العُبَيْدِيَّ لَمَّا رأىْ قُوَّةَ آلِ سُلْجُوقَ واسْتيلاءَهم على الْمَمَالِك كاتَبَ الفِرَنْجَ(٤) .
٧ - نِساءٌ صَلبيَّيات يُحارِبْنَ المُسلمين :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمة الخَليفَة العبّاسيِّ النَّاصِرِ لدِينِ الله: ومن كتابٍ إلى
الدِّيوانِ: ((قد بُليَ الإسْلامُ منهم بقَومِ اسْتَطابوا الْمَوتَ، وفارَقوا الأهْلَ طاعَةٌ
(١) انظر السير: (أميرُ الجيوش) ٥٠٧/١٩- ٥١٠، وانظر النزهة: ١/١٥٠٤.
(٢) انظر السير: (تاج المُلوك) ١٩/ ٥٧٣ _٥٧٥، وانظر النزهة: ٥/١٥١٧.
(٣) انظر السير: (العادل وبَنوه) ١١٥/٢٢ -١٢٠، وانظر النزهة: ١/١٦٧٢.
(٤) انظر السير: (المُستظهر بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة: ٣/١٤٩٠.
٤٥٣

لِسِّيسِهم، وغَيرَةً لِمَعْبَدِهم ، وتَهالُكاً على قُمَامَتِهِم (١)، حتىْ لَسارَت مَلِكَةٌ منهم
بخَمسٍ مئة مُقاتِل الْتَزْمَت بنَفَقاتِهِم فأخَذَها المُسلمونَ برِجالِها بقُرب الإِسْكَنْدَريّة ،
فَذَواتِ المَقانِعِ مُقَنَّعاتٍ دارِعاتٍ تَحمِلُ الطَّارِقَ والقبطارياتِ ، ووَجَدْنا منهم عِدَّة بين
القَتَلَى، وبابا رُومِيَّة حَكَمَ بأنَّ مَنْ لا يَتَوَجَّه إلى القُدْسِ فهو مُحَرَّم لا مَنْكِحَ له ولا مَطْعَم
فلهذا يتَهافَتون على الوُرودِ ويَتهالَكُون علىُ يَومِهِم الْمَوْعُودِ ، وقالَ لهم : إنَّني واصِلٌ
في الرَّبيعِ جامِعٌ على اسْتِنْفارِ الجَميع ، وإذا نَهَضَ فلا يَقعُد عنه أحَدٌ ، ويُقبلُ معه كُلُّ
مَنْ قالَ: لله وَلَد))(٢) .
(١) يعني كنيسة القيامة.
(٢) انظر السير: (النَّاصِر لدين الله) ٢٢/ ١٩٢ -٢٤٢، وانظر النزهة: ٢/١٦٨٧.
٤٥٤

أسْبابُ ضَعْفٍ بَعضِ الدُّوَل ثم خَرابُها
(١) الدَّوْلَةُ الأُمَوِيَّة في الأنْدَلُس
(أ) استعانَةُ المُسلمينَ علىْ بَعضِهم بالفِرَنْج :
قالَ الإمامُ الذهبيُّ في تَرَجَمَةِ هِشامِ المُؤيَّدِ بالله ابنِ صاحِبِ الأنْدَلُسِ النَّاصِرِ عبدِ
الرَّحمَن أخُو المُظَفَّر : وكان شنشولُ قَد اسْتَعانَ بِعَسْكَرِ الفِرَنْجِ لأنَّ أمَّه مِنْهُم ، وقامَ
مَعَهُ ابنُ غومِش ، فجاءَ إلىْ قُرْطُبَة، فَتَسَخَّبَ جُنْدُهُ، فقالَ له ابنُ غومِش : ارْجِعْ بنا
قَبَلَ أنْ تُؤْخَذَ فأبَى، ومَالَ إلى دَيْرِ شربش جَوْعانَ سَهْرانَ ، فَأَنْزَلَ له راهِبٌ دَجاجَةً
وخُبْزاً، فأكَلَ وشَرِبَ وسَكِرَ، وجَاءَ لِحَرْبِهِ ابْنُ عَمِّ المَهْدِيّ وحاجِبُهُ مُحمّدُ ابنُ المُغيرَةِ
الأُمَويّ ، فَقَبَضَ عليهِ ، فَظَهَرَ منهُ الجَزَعُ، وقَبَّلَ قَدَمَ ابنِ المُغيرَةِ ، وقالَ : أنا في طَاعَةِ
المَهْدِيّ ثمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُه، وطِيفَ بِرَأْسِهِ: هذا شنشولُ المَأْبُونُ المَخْذُولُ فلمَّا اسْتَوَثَقَ
الأَمْرُ للمَهْدِيِّ أظْهَرَ من الخَلاعَةِ والفَسادِ أكْثَرَ مِمَّا عَمِلَهُ شنشولُ(١).
قالَ الحُمَيْدِيُّ : فقَامَ على المَهْدِيِّ ابنُ عَمِّه هشامُ بنُ سُلَيْمانَ ابنِ النَّاصِر لدين الله ،
في شَوَّال سَنَةَ تِسْعِ وتِسْعِينَ ، وقَامَ مَعهُ البَرْبَرُ، وأُسِرَ هشامٌ هَذا فَقَتَلَه المَهْدِيُ وتَحِيَّرَ
جُلُّهم إلى قَلْعَةِ رَبَّاحِ، فَهَرَبَ مَعُهُم سُلَيْمانُ بِنِ الحَكَمِ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ النَّاصِر ، وهُو
ابنُ أخِي هِشامِ المَقْتُولِ ، فَبَايَعُوهُ، وسَقَّوْهُ: المُسْتَعِينَ بالله، وجَمَعُوا لَه مالاً ، حتّى
صَارَ له نَحْوٌ مَن مِئَةِ ألْفِ دينارٍ ، فَتَوَجَّهَ بالبَرْبَرِ إلى طُلَيْطِلَةَ، فَتَمَلَّكَها، وقَتَلَ وَالِيَها ،
فَجَزَعَ المَهْدِيُّ ، واعْتَدَّ للحِصَارِ ، وتَجَرَّأَتْ عليه العَامَّةُ، ثم بَعَثَ عَسْكَراً، فَهَزَمَهُم
سُلَيْمَانُ المُسْتَعِينُ ثمَّ سَارَ حتّى شَارَفَ قُرْطُبَة، فَبَرَزَ لِحَرْبِهِ عَسْكَرُ المَهْدِيِّ، فَنَاجَزَهُم
سُلَيْمانُ ثمَّ خَرَجَ أهلُ قُرطُبَةَ إلى المُسْتَعِينِ ، سُلَيْمانَ فأحْسَنَ مَلْقَاهُم واخْتَفَى مُحمّدُ
(١) انظر السير: (هشام المؤيَّد بالله) ١٢٣/١٧ -١٣٣، وانظر النزهة: ١/١٣٢٨.
٤٥٥

المَهْدِيُّ واسْتَوْثَقَ أمْرُ المُسْتَعِينِ، ودَخَلَ قَصْرَ الإمارَةِ، ووَارَى النَّاسُ قَتْلاهُم فكانُوا
نَحْواً من اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً ، ثمَّ تَسَخَّبَ المَهْدِيُّ إلى طُلَيْطِلَة، فقامُوا مَعَهُ، وكَتَبَ إلى
الفِرَنْجِ، ووَعَدَهُم بالأمْوالِ ، فَاجْتَمَعَ إليهِ خَلقٌ عَظيمٌ وهو أوّلُ مال انْتُقَلَ من بَيْتِ
المَالِ بالأنْدِلُسِ إلى الفِرَنْج، وكانت الثُّغُورُ كُلُّها باقِيةً علىُ طاعَةِ المَهْدِيِّ ، فَقَصَدَ
قُرْطُبَة في جَحْفَلٍ عَظِيمٍ ، فَالْتَّقَى الجَمعانِ على عَقَبَةِ البَقَرِ علىْ بَرِيدٍ من قُرْطُبَة، فاقْتَتَلُوا
أشَدَّ قِتالٍ فَانْهَزْمَ سُلَيْمَانُ المُسْتَعِينُ ، واسْتَوْلَى المَهديُّ علىْ قُرْطُبَة ثانياً ، ثم خَرَجَ إِلى
قِتالِ جَماهيرِ البَرْبَرِ، فالْتَّقَاهُم بِوادِي آرُه، فَهَزَموهُ أقْبَحَ هَزِيمَةٍ ، وقُتِلَ من جُندِه الفِرَنْجُ
ثلاثةُ آلاف، وغَرِقَ خَلقٌ ، فجَاءَ إِلىْ قُرْطُبَة، ثم وَثَبَ عليه العَبيدُ، فضُرِبَتْ عُنُقُه ،
وقُطِعَتْ أرْبَعَتُه ، وكَفَى اللهُ شَرَّهُ في ثامِنِ ذي الحِجَّة عام أربعٍ مِئَّة ، وعَاشَ أرْبَعاً
وثلاثينَ سَنَةٌ(١) .
( ب ) البَرْبَرُ وإِفْسَادُهُم :
قالَ الإِمامُ الذهبيُّ في تَرَجَمَةِ هِشامِ المُؤيَّد بالله ابنِ صاحِبِ الأنْدَلُسِ النَّاصِرِ عبدِ
الرَّحمَن أخُو المُظَفَّر: وعائَت البَزْبَرُ، وعَمَلَت ما لا يَعمَله مُسلمٌ، ونازَلوا قُرْطُبَةَ سَنةً
اثْنَتَين وأزْبَع مئة، واشْتدَّ القَخْطُ والبَلاءُ وفَنِيَ النَّاسُ، ودَخلَ البَرْبَرُ بالسَّيفِ فِي سَنةِ
ثلاثٍ وأرْبَع مئة، فقتلوا حتى الوِلْدانَ، وهَربَ الخَلقُ، وهَربَ المُؤْيَّدُ بالله إلى
الْمَشرِقِ ، فَحَجَّ ، ولقد تَصرَّفَ في الدُّنيا عَزِيزاً وذَليلاً ، والعِزَّةُ للهِ جَميعاً(٢) .
وبالجُمْلَة فالذي جَرَىْ على أهْلِ الأَنْدَلُسِ من جُندِها البَرْبَر لا يُحَدُّ ولا يُوصَفُ
عَملوا ما يَصْنَعُهُ كُفَّارُ الُّرْكِ وأَبْلَغْ، وحَرَّقُوا الزَّهْراءَ وجَامِعَها وقُصورَها ، وكانت
أحْسَنَ مَدينَةٍ في الدُّنْيا وأطْراهَا ، قالَ ابنُ نبيط :
الفأر والبربر والجراد (٣)
ثلاثة من طبعهـا الفساد
(١) انظر السير: (هشام المؤيَّد بالله) ١٢٣/١٧-١٣٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٢٨.
(٢) انظر السير: (هشام المؤيَّد بالله) ١٢٣/١٧ -١٣٣، وانظر النزهة: ١/١٣٢٩.
(٣) انظر السير: (هشام المؤيَّد بالله) ١٢٣/١٧ -١٣٣، وانظر النزهة : ٢/١٣٢٩.
٤٥٦

وقالَ الإِمامُ الذهبيُّ فِي تَرجَمَةِ سُلَيمَانَ الْمُسْتَعِينِ بِالله : جَالَ بِالبَرْبَرِ يُفْسِدُ ويَنْهَبُ
البلادَ، ويَعمَلُ كُلَّ قَبيح ، ولا يُبْقي على أحَدٍ فكان من جُمْلَة جُندِهِ القاسِمُ وعليّ ابنا
حَقُودِ بنِ مَيْمُونِ العَلَويِّ الإدريسيِّ، فجَعلَهما قائدَيْن على البَرْبَر، وأمَّرَ عَليّاً على سَبْتَة
وطَنْجَة وتلك العُدوَة وأمَّرَ القَاسِمَ على الجَزيرَةِ الخَضْراءِ(١).
وقالَ الحُمَيدِيُّ: لَمْ يَزَلْ الْمُسْتَعِينُ يَجُولُ بالْبَرْبَرِ يُفْسِدُ ويَنَبُ ، ويُقْفِرُ الْمَدائنَ
والقُرَى بالسَّيف ، ولا يُبقي معه البَرْبَرُ على صَغِيرٍ ولا كَبير، إلى أنْ غَلبَ على
قُرْطُبَةَ(٢) .
(ج) انْقِضَاضُ بَعض الأُمَراء على الخِلافَةِ :
قالَ الإمامُ الذهبيُّ في تَرجَمَةِ سُلَيمَانَ الْمُسْتَعِينِ بالله: ثم إنَّ عليَّ ابنَ حَقُّودَ
الإدريسيَّ طَمِعَ في الخِلافَةِ وراسَلَ جَماعةً، فاسْتجابَ له خَلقٌ ، وبايَعوه ، فعَدَّى من
سَبْتَةَ إلى الأنْدَلُسِ، فبايَعَه مُتَولِّي مالِقَه واسْتحْوَذَ على الكِبارِ ، وزَحَفَ إلىْ قُرْطُبَّةَ ،
فَجَهَّزَ الْمُسْتَعِينُ بالله لحَرْبِهِ وَلدَه مُحمَّدَ بنَ سُليمانَ، فالْتَقوا، فانْهَزَمَ مُحمَّدٌ، وهَجمَ
ابنُ حَمُّود ، فدَخَلَ قُرْطُبَةَ في الحالِ ، وظَفِرَ بالْمُسْتَعِينِ ، فَذَبَحَه بيدِه صَبْراً ، وذَبَحَ أباه
الحَكَمَ وهو شَيخٌ في عَشْر الثَّمانينَ، وذلكَ في الْمُحرَّم ، سَنةَ سَبع وأرْبَع مئة وانْفَضَتْ
دَولَةُ الْمَرْوانِيَّة في جَميعِ الأنْدَلُس .
وكان الْمُسْتَعينُ أديباً شاعِراً، عاشَ نَّهاً وخَمسينَ سَنةٌ(٣).
(١) انظر السير: (سُلَيْمَانُ الْمُسْتَعينُ بالله) ١٣٣/١٧-١٣٥، وانظر النزهة : ٤/١٣٢٩.
(٢) انظر السير: (سُلَيمَانُ الْمُسْتَعينُ بالله) ١٣٣/١٧ -١٣٥، وانظر النزهة: ١/١٣٣٠.
(٣) انظر السير: (سُلَيْمَانُ الْمُسْتَعِينُ بالله) ١٣٣/١٧ -١٣٥، وانظر النزهة: ٢/١٣٣٠.
٤٥٧

(٢) الدَّوْلَة العَبَّاسِيَّة
(أ) تَحَكُّمُ الأَتْراك بالخُلَفاءِ وخَلْعُهم وتَعْذِيبُهم كما يحلو لهم :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الْمُتَوَكِّل على الله: وكان الْمُتَوَكِّلُ جَواداً مُمَدَّحاً
لعَّاباً، وأرادَ أنْ يَعِزِلَ من العَهْد الْمُنْتَصِرَ، ويقدِّمَ عليه الْمُعْتَزَّ لحُبَّ أُمَّهُ قَبِيحَة ، فَأَبَى
الْمُنْتَصِرُ، فَغَضِبَ أبوه وتَهدَّدَه، وأغْرَى به، وانْحَرفَت الأتْراكُ على الْمُتَوَكِّل
لِمُصادَرَتِهِ وَصيفاً وبُغا حتى اغْتَالُوه .
وبُويعَ الْمُنْتُصِرُ من الغَدِ بالقَصْرِ الجَعْفَرِيِّ سَنةَ سَبَعٍ وأرْبَعِينَ ومِئْتَين(١) .
وكان الْمُنْتُصِرُ بالله وافِرَ العَقْل ، راغِباً في الخَيرِ ، قَليلَ الظُّلمِ ، باراً بالعَلويِّينَ ،
ويَسُبُّ الأَتْراكَ ويَقولُ: هَؤلاء قَتْلَةُ الخُلَفَاءِ ، فقالَ بُغا الصَّغيرُ للذين قَتلوا الْمُتَوَكِّلَ :
ما لكم عند هذا رِزْقٌ فَعَملوا عليه وهَمُّوا ، فَعَجَزوا عنه، لأنَّه كانَ شُجاعاً مَهيباً يَقِظاً
مُتَحرِّزاً لا كأبيه فَتَحِيَّلوا إلى أنْ دَسُوا إلى طَبِيِه ابنٍ طَيْفُور ثَلاثِينَ ألفَ دينار عند مَرَضِه
فأشارَ بفَصْدِهِ ، ثم فَصَدَه بريشَةٍ مَسْمومَةٍ ، فماتَ منها(٢) .
وكان الْمُنْتَصِرُ بالله قد أبْعَدَ وَصيفاً في عَسْكر إلى ثَغْرِ الرُّومِ ، وكان قد ألَحَّ عليه هو
وبُغا وابنُ الخَصيب في خَلع إخْوَتِهِ خَوْفاً من أنْ يَلِيَ الْمُعْتَزُّ فَيَسْتأصِلَهم ، فاعتُقُلا ،
وتَمنَّعَ أوَّلاَ الْمُعْتَزُّ ، ثم خافَ ، وأَشْهَدا على أنْفُسِهما أنَّهما يَعْجَزان عن الإمامَة ، فقالَ
الْمُنْتَصِرُ : أَتَرَيانِي خَلَعْتُكما طَمَعاً في أنْ أعيشَ بَعدَكما حتى يَكْبُرَ ابني عبدُ الوَهَّاب ،
وأعْهَدُ إليه ؟! والله ما طَمِعتُ في ذلك ولكنْ هؤلاء ألَُوا عليَّ ، وخِفتُ عليكما من
القَتلِ فقبَّلا يدَه ، وضَمَّهُما إليه(٣) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَةِ الْمُسْتَعينِ بالله : وهاجَت الفِتنَةُ الكُبْرِىُ بالعِراقِ ،
(١) انظر السير: (الْمُتَوَكِّل على الله) ٣٠/١٢-٤١، وانظر النزهة: ١/٩٧٩.
(٢) انظر السير: (الْمُنْتَصِر بالله) ٤٢/١٢-٤٦، وانظر النزهة: ٣/٩٧٩.
(٣) انظر السير: (الْمُنْتَصر بالله) ١٢/ ٤٢-٤٦، وانظر النزهة: ١/٩٨٠.
٤٥٨

فَتَنَكَّر التُّركُ لِلْمُسْتَعِينِ بالله ، فخافَ وتَحوَّلَ إلى بَغْدَادَ ، فَنَزَلَ بالجانِبِ الغَربِيِّ على نائبِه
ابنِ طاهِر، فاتَّفَقَ الأَتْراكُ بسَامَرَّاءَ ، ويَعَثوا يَعْتِذِرُونَ ، ويَسألونَه الرُّجوعَ ، فأبى عليهم
فَغَضِبوا، وقَصَدوا السِّجْنَ، وأخْرَجوا الْمُعْتَزَّ بالله، وبايَعوا له ، وخَلَعوا الْمُسْتَعِينَ ،
وبَنوا أمْرَهم على شُبْهَةٍ ، وهي أنَّ الْمُتَوَكِّلَ عَقدَ لِلْمُعْتَزِّ بعد الْمُنْتَصِرِ، فَجَهَّزَ الْمُعْتَزُّ
أخاه أبا أحْمَدَ لِمُحارَبَة الْمُسْتَعينِ، وتَهَّأ الْمُسْتَعينُ وابنُ طاهِر للحِصارِ ، وإِصْلاحِ
السُّورِ، وتَجرَّدَ أهْلُ بَغْدَادَ للقَتْلِ ونُصِبَت الْمَجَانِقُ، ووَقِعَ الجدُّ ، ودامَ البَلاءُ أشْهُراً،
وكَثُرت القَتَلَى، واشْتَدَّ القَحْطُ، وَتَمَّت بينهما عِدَّةُ وَقعاتٍ ، بحيثُ إِنَّه قُتْلَ فِي نَوْبَةٍ من
جُندِ الْمُعْتَزِّ ألفانِ، إلى أنْ ضَعُفَ أهْلُ بَغدادَ وذَلُّوا وجاعُوا(١) .
فكاتبَ ابنُ طاهِر في السِّرِّ الْمُعْتَزَّ، وانحَلَّ نظامُ الْمُسْتَعين، وإنَّما كان قَوامُ أمْرِهِ
بابنٍ طاهِر ، وكاشَفَه الناسُ ، فَتَحوَّل إلى الرُّصافَة ، ثم سَعى النَّاسُ في الصُّلْحِ ، وخَلْعِ
الْمُسْتَعِين ، فأقامَ في ذلك إسْماعيلُ القاضي وغيرُه بشُروطٍ وَثِيقَة ، فأذْعَنَ بِخَلعِ نَفَسِهَ
في أوَّلِ سَنة اثْنَتَين وخمسينَ ومئتَين ، وأَشْهَد عليه، ثم حُوِّل إلى سامَرَّاء فقُتلَ بقَادسِيّة
سامَرَّاء في ثالثٍ شَوَّال من السَّنَة، فإنَّا لله وإنّا إليه راجِعُون(٢) .
وقال الصُّوليُّ : بَعثَ الْمُعْتَزُّ أحمدَ ابنَ طُولونَ إلى واسِطَ لقَتلِ الْمُسْتَعِينِ ، فقالَ :
واللهِ لا أَقْتُلُ أولادَ الخُلَفاءِ فَبَعثَ سَعيداً الحاجِبَ، فما مَتَعَ اللهُ الْمُعْتَزَّ ، بلْ عُوجِلَ
بالخَلْعِ والقَتْلِ جَزاءَ وِفاقاً(٣) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في ترجمة الْمُعْتَرِّ بالله أبي عبد الله، مُحمَّدِ ابنِ الْمُتَوَكِّلِ :
وكانت دَولَةُ الْمُعْتَرِّ مُستَضْعَفَة مع الأنْراكِ، فاتَّفَقَ القُوَّادُ ، وقالوا : أعْطِنا أرْزاقَنَا ،
ويُقبِلُ صالحُ بنُ وَصيف، وكان الْمُعْتَزُّ يَخافُه ، فطَلبَ من أُمِّه مالاً ليُنفِقَه فيهم ،
فشَخَّت عليه ، فَتَجمَّعَ الأَتْراكُ لخَلعِه، واتَّفَقَ مَعهم صالحُ وبابياك ، ومُحمَّدُ بنُ بُغا ،
فَتَسلَّحوا، وأتَوا الدَّارَ، وبَعثوا إلى الْمُعْتَزِّ ليَخرُجَ إليهم فقالَ: قد شَرِبتُ دَواءً ، وأنا
ضَعِيفٌ فِهَجَمَ جَماعَةٌ، جَرُّوهُ وضَربُوه ، وأقامُوه في الحَرِّ ، فبقيَ المِسْكِينُ يَتْضوَّرُ
انظر السير : ( الْمُسْتَعينُ بالله) ١٢/ ٤٦ -٥٠، وانظر النزهة : ٤/٩٨٠.
(١)
(٢) انظر السير: (الْمُسْتَعينُ بالله) ٤٦/١٢ -٥٠، وانظر النزهة: ١/٩٨١.
(٣) انظر السير: (الْمُسْتَعِينُ بالله) ٤٦/١٢-٥٠، وانظر النزهة: ٢/٩٨١.
٤٥٩

وهم يَلْطِمونَه، ويَقولونَ: اخْلَعْ نَفْسَكَ، ثم أحْضَروا القاضيَ والعُدولَ ، وخَلعُوهُ
وأقْدَموا من بَغْدادَ مُحمَّدَ بنَ الوَائِقِ ، وكان الْمُعْتَزُّ قد أبْعدَه، فسَلَّم الْمُعْتَزُّ إليه
الخِلافَةَ، وبايَعوه، ولُقِّبَ الْمُهْتَدي بالله(١).
ثم إنَّ رُؤوسَ الأَتْراكِ ، أخَذوا الْمُعْتَزَّ بعد خَمسِ أَام فأدخلوه حَمَّاماً واكْربوه حتى
عَطَشَ ، ومَنعوه الماءَ حتى كادَ ، ثم سَقَوْه ماءَ ثَلِج ، فسَقطَ مَيِّناً ، رَحمَه اللهُ وذلكَ في
سَنَةٍ خَمسٍ وخَمسينَ ومِئْتَين وعاشَ ثَلاثاً وعِشْرِينَ سَنةً(٢) .
ووَهَى مَنصِبُ الخِلافَةِ ، فللّه الأمْرُ(٣).
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمةِ الْمُهْتَدِي بالله : وعائَت الزِّنْجُ بِالبَصْرَة، ويَعقوبُ
الصَّفَّارِ بِخُراسانَ ، وقَتَلَ الْمُهْتَدي الأميرَ باكيال ، فثار أصحابُه ، وأحاطُوا بدارِ
الجَوْسَق ، فأُلْقِيَ الرأسُ إليهم ، ورَكبَ أعْوانُ الخَليفَة، فتمَّت مَلحَمةٌ كبرَىُ ، قُتْلَ
فيها من الأتْراكِ ألوفٌ وقِيلَ بل ألفٌ في رَجبَ سَنَ سِتٍّ وخَمْسينَ ومِئتين ، ثم أصْبَحوا
على الحَرْب ، فرَكبَ الْمُهْتَدي وصالِحُ بنُ عليٍّ في عُنِقِهِ الْمُصْحَفُ يَصيحُ : أيُّها
النَّاسُ ؛ انْصُروا إمامَكم فحَملَ عليه أخُو باكيالَ في خَمسٍ مئة ، وخامَرَ الأنْراكَ الذين
مع الخَلِيفَة إليه، وحَميَ الوَطيسُ ، وتقلَّلَ جَمْعُ الْمُهْتَدي واسْتحَرَّ بهم القَتَلُ فولَّى
والسَّيفُ في يدِه يقولُ: أيُّها النَّاسُ: قاتِلوا عن خَليفَتِكِم، ثم دَخلَ دارَ صالِحِ بنِ
مُحمَّدٍ بنِ يَزْدادَ، ورَمَى السَّلاحَ، ولَيسَ البَيَاضَ لَيَهْربَ من السَّطْحِ وجاءَ حاجِبُ
باكيالَ، فَأَعْلِمَ به فهَرَبَ، فرَماهُ واحدٌ بسَهْمٍ ، ونَفَخَهُ بالسَّيفِ ثم حُملَ إلى الحاجِب ،
فأرْكَبوه بَغْلاً وخَلفَه سائسٌ، وضَربُوه وهم يَقولُون : أينَ الذَّهبُ ؟ فأقَرَّ لهم بسِتِّ مئة
ألفٍ دينار مُودَعَةً بَيَغْدادَ ، فأخَذُوا خَطَّه بها ، وعَصَرَ تُرْكيٌّ على أُنْثَيه فمات ، وقيلَ :
أرادُوا منه أنْ يَخْلَعَ نَفَسَه فأبَىُ فقتلوه رَحمَه اللهُ وبايَعوا الْمُعْتَمِدَ على الله وفي ذُرِّيَتِهِ
عُلماءُ وخُطَبَاءُ(٤).
(١) انظر السير: (الْمُعْتَزُّ بالله) ٥٣٢/١٢-٥٣٥، وانظر النزهة: ٣/١٠٢٨.
(٢) انظر السير: (الْمُعْتَزُّ بالله) ٥٣٢/١٢-٥٣٥، وانظر النزهة: ٤/١٠٢٨.
انظر السير: ( الْمُعْتَزُّ بالله) ٥٣٢/١٢_٥٣٥، وانظر النزهة: ٥/١٠٢٨.
(٣)
(٤) انظر السير: (الْمُهْتَدي بالله) ٥٣٥/١٢-٥٤٠، وانظر النزهة: ٣/١٠٣٠.
٤٦٠