Indexed OCR Text
Pages 401-420
(ز) عبد الواحد بن يُوسُف بن عبد المُؤمن : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : ابنُ السُّلطانِ يوسُف ابنِ السُّلطانِ عبدِ الْمُؤْمِنِ صاحِبِ الْمَغْرِبِ . كان شيخاً عاقِلاً لكنَّه لم يُدارِ القُؤَّادَ، فقاموا عليه وخَلعُوه وخَنَقُوه في سَنةِ إحْدَى وعِشْرينَ ، فكانت دَولَتُه تِسْعَةَ أَشْهُر (١). (ح) عبد الله بن يَعْقوب : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : ابنُ السُّلطانِ يَعقُوبَ بنِ يُوسُفَ بنِ عبدِ الْمُؤْمِنِ القَيْسِيُّ الْمُلَقَّبُ بالْمَلِكِ العَادِلِ . كان نائباً على الأنْدَلُسِ، فلمَّا خُنق عمُّه عبدُ الواحِد ثارَت الفِرَنْجُ بالأنْدَلُسِ ، فالْتُقاهُمِ العَادِلُ ، فانْهِزَمَ جَيشُه وفرَّ هو إلى مَرَّاكِشَ في حالِ نَحْسِهِ فَقَضَ الْمُوَحِّدونَ عليه ثم بايَعوا بالسَّلطَنةِ يَحْيَى ابنَ السُّلطانِ مُحمَّد بنَ يُوسُفَ لَمَّا بَقَلَ وَجهُه ، فجاءَت الأخبارُ بأنَّ إدريسَ ابنَ السُّلطانِ يَعقُوبَ قد ادَّعَى الخِلافَةَ بإشْبِيليّة ، فَآلَ الأمرُ بيَحْيَى إِلَىْ أَنْ طَمِعَت فيه الأعْرابُ وحاصَرَتْه بمَرَّاكِشَ، وضَجِرَ منه أهْلُها، وأخْرَجُوه فهَربَ الْمِسْكِينُ إلى جَبَلِ درن ، ثم نَهضَ معه طائفَةٌ، وأقْبَلَ وتَمَكَّنَ ، وطرَدَ نُوَّابَ إذْرِيسَ ، وقَتَلَ منهم، وتَوَّبَ بالأنْدَلُسِ ابنُ هُود الجُذاميُّ، ودَعا إلىْ بَنِي العَبَّاسِ ، فمالَ إليه النَّاسُ ، فَهَربَ إذْريسُ، وعَبرَ إلىْ مَرَّاكِشَ، فالْتَّقَى هو ويَحْيَى فَهُزْمَ يَحْيَى ، فَفَرَّ يَحْيَى إلى الجَبلِ ، وكانت وِلايَةُ العادِلِ فِي سَنةِ عِشرينَ ، وفي دَولَتِهِ كانت الْمَلْحَمَةُ عند ◌ُلَيْطِلَةَ، فانْدَكَّ فيها الْمُسْلِمُونَ، ثم في الآخِرِ خُنِقَ العادِلُ، ونُهِبَ قَصرُه بمَرَّاكِشَ ، وتَمَلَّكَ يَحْيَىُ بنُ مُحمَّد بنُ يَعْقُوبَ، فحارَبَه عَمُّه، ثم قُتْلَ(٢) . (١) انظر السير: (عبد الواحد) ٣٤١/٢٢، وانظر النزهة: ١٦٩٩/ عبد الواحد. (٢) انظر السير: (عبد الله) ٣٤١/٢٢ -٣٤٢، وانظر النزهة : ١٦٩٩ / عبد اللهِ. ٤٠١ ( ط ) إدريس بن يَعْقوب : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : السُّلطانُ الْمَلكُ الْمَأْمُونُ ، أميرُ المؤمنينَ - كما زَعمَ - أبو العُلا إِذْريسُ ابنُ السُّلطانِ الْمَنْصُورِ يَعقُوبَ بنِ يُوسُفَ بنِ عبدِ الْمُؤْمِنِ بنِ عَليِّ القَيْسيِّ . كان بطلاً شجاعاً، مَهِيباً ، دَاهيَةً، فَقيهاً، عَلَّمَةً، أُصُولياً ناظِماً نائِراً، وافِرَ الجَلالَةِ كان بالأَنْدَلُسِ مع أخيه العادِلِ عبدِ اللهِ فلمَّا ثارَت الفِرَنْجُ عليه تَركَ الأنْدَلُسَ العادِلُ ، واسْتَخلَفَ على إِشْبِيلِيَّةَ إدريسَ هذا، وجَرَت له أمُورٌ طَوِيلَةٌ، ثم خُطِبَ له بالخِلافَةِ بالأَنْدَلُسِ ، ثم عَدَّى وغَلبَ على مَرَّاكِشَ وانْتُزَعَ الْمُلكَ من يَحْيَى بِنِ مُحمَّد ابنٍ عَمِّه، والْتَقَوا غَيرَ مرَّة، ثم ضَعُفَ أمْرُ يَحْيَى ، واسْتَجَارَ بقَومٍ في حِصْنٍ من عَمَلٍ تِلِمْسانَ فقُتلَ غِيلَةً، وتَمكَّنَ إذْريسُ، وكان جَبَّاراً جَرِيئاً على الدِّماءِ ، وأزالَ ذِكْرَ ابنِ تُومَرْت من الخُطْبَة . ماتَ في الغَزْوِ فِي سَنةِ ثَلاثينَ وسِتٌّ مئة، فمَلَّكوا بعدَه ابنَه الرَّشيدَ فَقيَ عَشرَ سِنِينَ . ولإدريسَ رِسالَةٌ طَوِيلَةٌ أَفْصَحَ فيها بتَكْذِيبٍ مَهْدِيِّهِم وضَلالِه ، نَقَلَ ذلك الْمُؤَيِّدُ في تاريخِه(١) . (ي ) عبد الواحد بن إدريس : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمتِهِ : السُّلطانُ الْمُلقَّبُ بِالرَّشيدِ عبدِ الوَاحِدِ ابنِ الْمَأْمُونِ إدريس الْمُؤمنيّ . تَمَلَّكَ وتَمَكَّنَ ، ثم أعادَ الخُطبَةَ بذِكْرِ الْمَهْدِيِّ الْمَعْصُومِ ابنِ تُومَرْت يَستَميلُ بذلك قُلُوبَ الْمُوَحِّدينَ ، وكانت أيّامُه عَشرَةَ أعْوامِ تُوفِّيَ غَرِيقاً في صِهْرِيجِ بُسْتانٍ له بِمَرَّاكِشَ، وكَتَموا مَوْتَه شَهراً ثم ملَّكوا أخاه السَّعَيدَ عَلَيَّ بنَ إِدْرِيسَ الذي قُتْلَّ . (١) انظر السير: (صاحب المغرب) ٣٤٢/٢٢ -٣٤٣، وانظر النزهة: ١٧٠٠ / صاحب المغرب. ٤٠٢ غَرَقَ الرَّشيدُ فِي سَنةِ أرْبَعينَ وسِتِّ مئة(١) . (ك) قُتِلَ القاضي عياض من أجْل أنَّه أنكرَ عِصْمَة ابنٍ تُومَرت : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمَته : بَلغَني أنَّ قُتْلَ بالرِّماحِ لكَوْنِهِ أَنْكرَ عِصْمَةَ ابنِ تُومَرْت(٢) . (١) انظر السير: (ابنه) ٣٤٣/٢٢، وانظر النزهة : ١٧٠١ / ابنه . (٢) انظر السير: (القاضي عياض) ٢١٢/٢٠-٢١٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٤٣. ٤٠٣ (٢١) الدَّوْلَة الصَّلاحيَّة الْأَيُوبيَّة صَلاحُ الدِّين وبَنُوه (أ) صَلاحُ الدِّين : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمتِهِ : السُّلطَانُ الكَبِيرُ ، المَلِكُ النَّاصِرُ ، صَلاحُ الدِّينِ ، أبو المُظَفَّر ، يُوسُفُ بنُ الأميرِ نَجْمِ الدِّينِ أَيُوبَ بنِ شَاذِي التَّكْرِيِيّ المَوْلِد . وُلِدَ فِي سَنَّةِ اثْنَين وثلاثين وخَمْسٍ مِئَة إِذْ أَبُوهُ نَجْمُ الدِّينِ مُتَوَلِّي تِكْرِيتَ نِيَابَةٌ(١). وكان نُورُ الدِّينِ قد أَمَّرَه ، وبَعَثَه في عَسْكَرِه مع عَمِّه أَسَدِ الدِّين شِيرُوه ، فحَكَمَ شِيركُوه مِصْرَ، فما لَبِثَ أنْ تُؤُنِّيَ ، فَقَامَ بَعْدَه صَلاحُ الدِّين ، ودَانَتْ له العَسَاكِرُ ، وقَهَرَ بني عُبَيْدٍ ، ومَحَا دَوْلَّتُهُم واسْتَولَى علىْ قَصْرِ القَاهِرَة بما حَوَىُ من الأَمْتِعَةِ والنَّفَائِس ، منها الجبلُ الياقُوتُ الذي وزْنُهُ سَبْعَةَ عَشَرَ دِرْهَماً، قال مُؤَلِّفُ ((الكَامِلْ))، ابنُ الأَثِير : أنا رَأيْتُه ووَزَنْتُه . وخَلا القَصْرُ من أهْلِه وذَخَائِرِه ، وأقَامَ الدَّعْوَةَ العَبَّاسِيَّة . وكان خَلِيقاً للإِمَارَةِ، مَهِيباً، شُجَاعَاً حَازِمَاً، مُجَاهِداً كَثِيرَ الغَزْوِ ، عَالِيَ الهِمَّة ، كانت دَوْلَتُه نَّفاً وعِشْرينَ سنةً . وتَمَلَّكَ بعد نُورِ الدِّين، واتَّسَعَتْ بلادُه . ومنذُ تَسَلْطَنَ، طَلَّقَ الخَمْرَ واللَّذاتِ، وأنْشَأَ سُوراً على القاهِرةِ ومِصْرَ(٢) وبَعَثَ أَخَاه شَمْسَ الدِّينِ فِي سَنَةِ ثمانٍ وسِتِينَ ، فافْتَتَحَ بَرْقَةً ، ثمَّ افْتَتَحَ اليَمَنَ وسَارَ صَلاحُ الدِّين، فأخَذَ دِمَشْقَ من ابنِ نُورِ الدِّين(٣). (١) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: ١/١٦١٩. (٢) يعني فسطاط مصر، وكانت لفظة ((مصر)) وحتى اليوم تُطلق على الفسطاط. (٣) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١-٢٩١، وانظر النزهة: ٢/١٦١٩. ٤٠٤ وفي سَنَةِ إِحْدَى وسَبْعِينَ وخَمسِ مئة وثَبَتْ عليه البَاطِنِيَّةُ فجَرَحُوه . وفي سَنَةِ ثلاثٍ وسَبْعينَ وخَمْس مئة كَسَرَتْه الفِرِنْجُ على الرَّمْلَةِ ، وفَرَّ فِي جَمَاعَةٍ ونجا ، وفي سَنَةَ خَمْسٍ الْتَقَاهُم وكَسَرَهُم . وفي سَنَّةِ ثمانٍ وسَبْعِينَ وخَمْس مئة عَدَّى الفُرَاتَ، وأَخَذَ حَرَّانَ ، وسَرُوجَ ، والرَّقَّةَ، والرُّهَا، وسِنْجَار، والبِيْرَةَ، وَآمِدَ ، ونَصِيِْينَ، وخَاصَرَ المَوْصِلَ ، ثمّ تَمَلَّكَ حَلَبَ، وعَوَّضَ عنها صاحِبَها زِنْكِي بسِنْجَار، ثم إنه حاصَر المَوْصِلَ ثانياً وثالثاً ، ثمَّ صَالَحَه صاحِبُها عِزُّ الدِّينِ مَسْعُود(١). وفي سَنَةِ ثلاثٍ وثمّانِينَ وخَمْس مئة فَتَحَ طَبَرِيَّةَ ، ونَازَلَ عَسْقَلانَ ، ثمَّ كانت وَقْعَةُ ((حِطِّيْنَ)) بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِرَنْج، وكانوا أرْبَعِينَ ألفاً، فحَالَ بيْنَهُم وبينَ المَاءِ علىُ تَلِّ ، وسَلَّمُوا نُفُوسَهُم، وأُسِرَتْ مُلُوكُهم، ويَادَرَ، فَأَخَذَ عَكَّا وبَيْرُوتَ وَكَوْكَبَ ، وسَارَ فحَاصَرَ القُدْسَ، وجَدَّ في ذلك فأخَذَها بالأَمَانِ(٢). ثُمَّ إِنَّ الفِرَنْجَ قامَتْ قِيامَتُهُم علىُ بَيْتِ المَقْدِس، وأَقْبَلُوا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظْلِمِ بَرّاً وبَحْرَاً، وأَخَاطُوا بعَكَّا لِيَسْتَرِذُوها، وطَالَ حِصَارُهم لها ، وبَنَوا علىَ نفُوسِهِم خَنْدَقاً ، فأحَاطَ بهم السُّلطَانُ، ودَامَ الحِصَارُ لهم وعلَيْهِم نَّفَاً وعِشْرِينَ شَهْراً، وجَرَىَ في غُضُونِ ذلك مَلاحِمُ وحُرُوبٌ تُشَيِّبُ النَّوَاصِي ، وما فُكُوا حتّى أخَذُوها ، وجَرَتْ لهُم وللشّلطَانِ حُرُوبٌ وسِيَرٌ وعِنْدَما ضَرِسَ الفَرِيقَان، وكَلَّ الحِزْبَان، تَهَادَنَ المِلَّتان(٣). وكانت له هِمَّةٌ فِي إقامَةِ الجِهَادِ ، وإيادَةِ الأضْدَادِ ، ما سُمِعَ بمثلها في دَهْرٍ(٤) . قال ابنُ واصِل في حِصَارِ عزاز: كانت خَيْمَةٌ كان السُّلطانُ يَحْضُرُ فيها ، ويَخُضُّ الرِّجَالَ، فَحَضَرَ باطِنِيَّةٌ في زِيِّ الأَجْنَادِ ، فَقَفَزَ عليه واحدٌ ضَرَبَه بسِكِينٍ لَوْلا المِغْفَرُ (١) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ - ٢٩١، وانظر النزهة: ٣/١٦١٩. (٢) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: ١/١٦٢٠. (٣) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٠. (٤) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ - ٢٩١، وانظر النزهة: ٣/١٦٢٠. ٤٠٥ الزَّرَدُ (١) الذي تحتَ القَلَنْسُوة لقَتَلَه، فأمْسَكَ السُّلطَانُ يَدَ البَاطِيُّ بِيَدَيْهِ ، فَبَقِيَ يَضْرِبُ في عُنُقِ السُّلطَانِ ضَرْباً ضَعِيفاً، والزَّرَدُ تَمْنَع، وبادَرَ الأميرُ بازكوج ، فأمْسَكَ السِّكِّينَ، فجَرَحَتْه ، وما سَيََّها الباطِنِيُّ حتّى بَضَّعُوه ، ووَتَبَ آخَرُ ، فوَثبَ علیه ابنُ منكلان ، فجَرَحَه الباطِنِيُّ فِي جَنْبِه ، فمَاتَ، وقُتِلَ الباطِنِيُّ، وقَفَزَ ثالثٌ، فأمْسَكَه الأميرُ عليٍّ بنُ أبي الفَوَارِس، فضَمَّه تحتَ إِطِه، فطَعَنَهُ صاحِبُ حمص ، فقتَلَهُ ، ورَكَبَ السُّلطانُ إلى مُخَيَّمِه، ودَمُه يَسِيلُ على خَدِّه، واحْتَجَبَ في بَيْتِ خَشَبٍ ، وعَرَضَ جُنْدَهُ ، فَمَنْ أَنْكَرَهُ أَبْعَدَهُ(٢) . قال المُوفَّقُ عبدُ اللَّطيف: أتَيْتُ، وصَلاحُ الدِّين بالقُدْسِ ، فَرَأيْتُ مَلِكاً يَمْلأُ العُيُونَ رَوعَةً ، والقُلُوبَ مَحَبَّةً، قريباً بَعِيداً، سَهْلاً مُحَيَّباً، وأَصْحَابُه يَتَشَبَّهُون به يَتَسَابِقُون إلى المَعْرُوف كما قال تعالَى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلّ إِخْوَانًا﴾(٣) وأولُ ليلةٍ حَضَرْتُهُ وَجَدْتُ مَجْلِسَه حَفْلاً بأهْلِ العِلْمِ يَتَذَاكِرُون، وهو يُحْسِنُ الاسْتِمَاعَ والمُشَارَكَةَ ، ويَأْخُذُ فِي كَيْفِيَّةِ بناءِ الأَسْوارِ ، وحَفْرِ الخَنَادِقِ ، ويأتي بكُلِّ مَعْنىَ بَدِيعِ ، وكان مُهْتَمًَّ في بِنَاءِ سُورٍ بَيْتِ المَقْدِسِ وحَفْرٍ خَنْدَقِهِ ، ويَتَولَّى ذلك بنَفْسِهِ ، ويَنْقُلُ الحِجَارَةَ على عاتِقِه ويَتَأْسَى به الخَلْقُ حتّى القاضِي الفَاضِل ، والعِمَادُ إلى وَقْتِ الظُهْرِ، فَيَمُدُّ السماطَ ويَسْتَرِيحُ ، ويَرْكَبُ العَصْرَ ، ثمَّ يَرْجِعُ في ضَوْءِ المَشَاعِلِ، قال له صَانِعٌ : هذه الحِجَارَةَ التي تُقَطَّعُ من أسْفَلِ الخَنْدِقِ رِخْوَةٌ ، قال : كذا تَكُونُ الحِجَارَةُ التي تَلِي القَرَارَ والنَّدَاوَةَ، فإذا ضَرَبَتْها الشَّمَسُ، صَلُبَتْ وكان يَحْفَظُ ((الحَمَاسَة))، ويَظُنُّ أنَّ كُلَّ فَقِيهِ يَحْفَظُها، فإذا أَنْشَدَ وتَوَقَّفَ ، اسْتَطْعَمَ فلا يُطْعَمُ ، وجَرَىْ له ذلك مع القاضِي الفَاضِل ، ولَمْ يَكُنْ يَحْفَظُها ، وخَرَجَ ، فما زَالَ حتّى حَفِظَها . وكانت وَقْعَتُهُ بِمِصْرَ مع السُّودان ، وكانوا نَحْوَ مِثَتَيْ ألفٍ ، فَنُصِرَ عليهم ، وقَتَلَ أکثرهم . (١) زرد يُنسَج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة. (٢) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: ٤/١٦٢٠. (٣) سورة الحجر ، الاية : ٤٧ . ٤٠٦ حُمَّ صَلاحُ الدِّين ، فَفَصَدَه مَنْ لا خِبْرَةَ له ، فخَارَتْ القُوَةُ ، وماتَ ، فوَجَدَ النَّاسُ عليه شَبيهاً بما يَجِدُونَه على الأنْبِيَاءِ ، وما رَأيْتُ مَلِكاً حَزِنَ النَّاسُ لمَوْتِهِ سِواهُ ، لأنَّه كان مُحَبَّاً ، يُحِبُّه البَرُّ والفَاجِرُ ، والمُسْلِمُ والكَافِرُ، ثمَّ تَفَرَّقَ أوْلادُه وأصْحَابُه أيَادِيَ سَبَأٍ، وتَمَزَّقُوا ولقَدْ صَدَقَ العِمَادُ في مَدْحِهِ حَيْثُ يقولُ: (١). حٍ صَلاحٌ ونَصْرٌ كَبِيرْ وللنَّاسِ بالمَلِكِ النَّاصِرِ الصَّلا دِ ومَطْلِعُهُ سَرْجُهُ والسَّرِيرْ هوَ الشَّمسُ أَفْلاكُهُ فِي البِلا فمَا اللَّيْثُ مَنْ حَاتِمٌ ما ثَبِيرٌ (٢) إذا مَا سَطًا أوْ حَبَا واحْتَبَى وفي سَنَةِ ثلاثٍ وثمَانِينَ وخَمسِ مئة افْتَتَحَ صَلاحُ الدَّينِ بلادَ الفِرَنْجَ ، وقَهَرَهم ، وأبَادَ خَضْراءَهم، وأَسَرَ مُلُوكَهم على ((حِطِّينَ)) وكان قد نَذَرَ أنْ يَقْتُلَ أرْناطَ صاحِبَ الكَرَكِ، فَأُسِرَ يومَئذٍ ، كان قد مَرَّ به قومٌ من مِصْرَ في حَالِ الهُدنَةِ ، فَغَدَرَ بهم ، فَنَاشَدُوهُ الصُّلْحَ، فقال ما فيه اسْتخْفافٌ بالنَبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وقَتَلَهم ، فاسْتَحْضَرَ صلاحُ الدِّين المُلُوكَ، ثمَّ نَاوَلَ المَلِكَ جِفْرِي شَرْبَةَ جلابٍ ثلجِ فَشَرِبَ ، فَنَاوَلَ أرْناطَ فشَرِبَ ، فقال السُّلطانُ للتُّرِجُمَانِ ، قُلْ لِحِفْرِي: أنْتَ الذي سَقَيْتَه، وإلاَّ أنا فمَا سَقَيْتُه، ثمَّ اسْتَحْضَرَ البرِنْسَ أرْنَاطَ في مَجْلِسٍ آخَرَ ، وقال: أنا أنتَصِرُ لمُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنْكَ، ثمَّ عَرَضَ عَلَيهِ الإسْلامَ، فأَبَىّ فحَلَّ كَتِفَه بالنَّيمجاه(٣) وافْتَتَحَ عامَهُ ما لَمْ يَفْتَحْهُ مَلِكٌ، وطارَ صِيتُهُ في الدُّنيا ، وهَابَتْهُ المُلُودُ . تُوفِّيَ بقَلَعَةِ دِمَشْقَ سَنَةَ تِسْعِ وثمَانِينَ وخَمسٍ مِئَّة . مَحاسِنُ صلاحُ الدِّينِ جَمَّةٌ ، لا سِيَّمَا الجِهَادُ ، فَلَه فيه اليَدُ البَيْضَاءُ بَبَذْلِ الأمْوالِ والخَيْلِ المُثَمَّنَة لجُنْدِهِ ، وله عَقلٌ جَيِّدٌ، وفَهمٌّ وحَزْمٌ وعَزمٌ(٤) . قال العِمادُ : لا يَلْبَسُ إلاَّ ما يَحِلُّ لُبْسُهُ كالكِتَّانِ والقُطْنِ، نَزَّهَ المجالِسَ من الهَزلِ ، (١) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ - ٢٩١، وانظر النزهة: ١/١٦٢١. (٢) انظر السير: ( صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ - ٢٩١، وانظر النزهة : ١/١٦٢٢. (٣) النيمجاة : خنجر مقوس يشبه السيف القصير. (٤) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٢. ٤٠٧ ومَحَافلُه آهِلَةٌ بالفُضَلاءِ، ويُؤْثِرُ سَمَاعَ الحَدِيثِ بالأسَانيدِ، حَلِيماً، مُقِيلاً للعَثْرةِ، تَقِيّاً نَفِيَّاً وَفِيَّ صَفِيَّاً، يُغْضِي ولا يَغْضَبُ، ما رَدَّ سَائِلاً، ولا خَجَّلَ قائلاً، كَثيرَ البرِّ والصَّدَقاتِ ، أَنْكَرَ عليَّ تَحْلِيَةَ دَواتِي بفِضَةٍ فقُلتُ: في جَوَازِهِ وَجْهُ ذَكَرَه أبو مُحمَّد الجُوَيْنِيُّ، وما رَأيْتُه صلَّى إلاَّ فِي جَمَاعَةٍ . قالَ الإمامُ الذهبيُّ: وحَضَرَ وفَاتَه القاضي الفَاضِلُ(١). وذَكرَ أبو جَعفَر القُرطُبيُّ إِمامُ الكَلَّسةِ(٢): إنَّنِي انتَهَيتُ في القراءةِ إلى قولِه تعَالَى : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ (٣)، فسَمعتُ صَلاحَ الدِّين وهو يقول: صَحِيح وكان ذِهْنُه قبلَ ذلك غَائِبً(٤) ، ثمَّ ماتَ، وارْتَفَعَتِ الأصْواتُ بالبُكَاءِ ، وعَظُمَ الضَّحِيجُ ، حتى إنَّ العاقِلَ ليُخَيَّلُ له أنَّ الدُّنْيا كُلَّها تَصيحُ صَوْتاً واحداً ، وغَشِيَ النَّاسَ ما شَغَلَهم عن الصَّلاةِ عليه، وتَأَسَّفَ النَّاسُ عليه حتى الفِرِنْجُ لما كان من صِدْقِ وَفَائِهِ(٥) . وفي ((الرَّوضَتَين)) لأبي شامَة: أنَّ السُّلطانَ لَمْ يُخَلِّفْ في خِزَانَتِهِ من الذَّهبِ والفِضَّةِ إلاَّ سَبعَةً وأربعينَ درهماً ، وديناراً صُورِيًّاً، ولَمْ يُخَلِّفْ مِلْكاً ولا عَقَاراً رحمه الله ، ولَمْ يَخْتِلِفْ عليه في أيَّامِه أحدٌ من أصْحَابِه وكان النَّاسُ يَأْمَنُون ظُلمَه ، ويَرِجُونَ رِفِدَه ، وأكثرُ ما كان يَصِلُ عَطَاؤُه إلى الشُّجْعانِ، وإلى العُلَماءُ وأرْبَابِ البُيُوتاتِ ، ولَمْ يَكُنْ المُبطِلٍ ولا لمَزَّحِ عنده نَصِيبٌ . قال المُوَفَّقُ : وكان إذا نَازَلَ بَلَداً، وأَشْرَفَ على أخْذِه ، ثمَّ طَلَّبُوا منه الأمَانَ ، آمَنَّهُم، فيَتَأْلَّمُ لذلك جَيشُه، لِفَوَاتِ حَظُّهم(٦). (١) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: ٣/١٦٢٢. (٢) كان الشيخ أبو جعفر قد استُدعي ليبيت عنده يقرأ القرآن ويلقنه الشهادة عند حضور الوفاة ، وتوفي أبو جعفر هذا سنة ٥٩٦ . (٣) سورة الحشر، الآية : ٢٢ . (٤) وتمام الخبر أن القاضي الفاضل جاءه عند أذان الصبح، وكان في آخر رمق، فلما قرأ القارىء ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ﴾ تبسَّم، وتهلَّل وجهُه وأسلمَ روحَه لربّه سبحانه . (٥) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ - ٢٩١، وانظر النزهة: ١/١٦٢٣. (٦) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٣. ٤٠٨ وكَتَبَ القاضِي الفاضِلُ تَعْزِيَةً إلى صاحِبٍ حَلَبْ: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ (١)، ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ عَظِيمٌ﴾(٢)، كتَبْتُ إلى مَولانا المَلِكِ الظَّاهِرِ أحْسَنَ اللهُ عَزَاءَه، وجَبَرَ مُصَابَه وجَعَلَ فيه الخَلَفَ من السَّلَفِ فِي السَّاعَةِ المَذْكُورةِ ، ولقَدْ زُلْزِلَ المُسْلِمُونَ زِلْزالاً شَدِيداً، وقد حَضَرَت الدُّموعُ المَحَاجِرَ وبَلَغَت القُلوبُ الحَنَاجِرَ، وقد وذَّعتُ أبَاكَ ومَخْدُومي وَدَاعاً لا تَلاَقِيَ بعدَه، وقَبَّلتُ وجهَه عنِّي وعَنْكَ، وأسْلَمْتُه إلى اللهِ وَحْدَه مَغْلُوبَ الحِيلَةِ ضَعِيفَ القُوَّةِ راضِياً عن اللهِ ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ وبالبابِ من الجُنُودِ المُجَنَّدَةِ والأسْلِحَةِ المُعَمَّدَةِ ما لَمْ يَدْفَع البَلاءَ ولا ما يَرُدُّ القَضَاءَ ، تَدْمَعُ العَينُ ويَخْشَعُ القَلبَ ، ولا نقولُ إلَّ ما يُرضِي الرَّبَ، وإنَّا بك يا يُوسُفُ لمَحْزُونُون . ولِلْعَلَمِ الشَّاتانيِّ فيه قَصِيدٌ مَطَلَعُها : فسِرْ وأَمْلُكِ الدُّنيا فأنْتَ بها أحْرَى(٣) أَرَى النَّصْرَ مَقْرُوناً بِرَايَتِكَ الصَّفْرَا ( ب ) العَزيز : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمتِهِ : السُّلطانُ ، المَلكُ العَزِيزُ، أبو الفَتح، عِمادُ الدِّين، عُثمانُ ابنُ السُّلطانِ صَلاحِ الدِّين يُوسُفَ بنِ أَيُّوب ، صاحبُ مِصْرَ . وُلدَ سَنَةَ سَبِعٍ وِتِّينَ وخَمسٍ مئة . وتَمَلَّكَ بعد أبيه، وكان لا بأسَ بسيرَتِه، قَدِمَ دِمَشْقَ، وحاصَرَ أخاهُ الأفْضَلَ(٤). قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : نَقَلتُ من خَطِّ الضِّياءِ الحافِظِ ، قالَ: خَرجَ إلى الصَّيدِ ، فجاءَته كُتبٌّ من دِمَشْقَ في أذِيَّة أصْحابِنا الحَنابِلَةَ - يَعني فِي فِتْنَة الحافِظِ عبدِ الغَنِيّ - ، فقالَ : إذا رَجَعنا من هذه السَّفْرَة ، كلُّ مَنْ كانَ يَقولُ بمَقالَتِهِم أخْرَجْناهُ من بَلدِنا ، (١) سورة الأحزاب، الآية : ٢١ . (٢) سورة الحج ، الآية : ١. (٣) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١-٢٩١، وانظر النزهة: ٣/١٦٢٣. (٤) انظر السير: ( العَزيز) ٢٩١/٢١ -٢٩٤، وانظر النزهة: ١/١٦٢٤. ٤٠٩ قالَ : فَرَماهُ فَرَسٌ، وَقَعَ عليه، فخَسَفَ صَدرَه، كذا حدَّثني يُوسُفُ بنُ الطُّفَيْل ، وهو الذي غَسَّلَه . وقالَ الْمُنْذِرِيُّ: عاشَ ثَمانياً وعِشْرِينَ سَنةً ماتَ سَنَةَ خَمسٍ وتِسْعينَ وخَمسٍ مئه (١). وقالَ الْمُوَفَّقُ عبدُ اللَّطيف: كانَ العَزيزُ شاباً ، حَسَنَ الصُّورَة، ظَرِيفَ الشَّمائلِ ، قَوياً ، ذا بَطْش، وأَيْد، وخِفَّة حَرَكة ، حَيياً ، كَرِيماً ، عَفيفاً عن الأمْوالِ والفُرُوجِ ، بلَغَ من كَرِمه أنَّه لمْ يَبْقَ له خِزانة ، ولا خَاص ، ولا فرس وبُيُوتُ أُمَرائِه تَفْيَضُ بالخَيْراتِ ، وكانَ شُجاعاً مِقْداماً ، بلغَ من ◌ِفَّتِهِ أنَّه كانَ له غُلامٌ تُرْكِيٌّ بألفِ دينارٍ يُقالُ له : أبو شامة، فوَقَفَ، فَرَاعَه حُسْنُهُ، فأمْرَه أنْ يَنْزِعَ ثيابَه، وجَلسَ منه مَجْلِسَ الخَنَا، فأدْرَكَه تَوْفِيقٌ، فأسْرَعَ إلى سَرِيَّة له، فَقَضَىْ وَطَرَه(٢). قال ابنُ واصِل : وحُكيَ عنه أنَّ عبدَ الكَريمِ ابنَ البيسانيِّ أخا القاضي الفاضِل كان يَتولَّى البحيرَةَ مُدّةً، ووَقعَ بينَه وبينَ أخيه ، فعُزِلَ ، وكان مُزوَّجاً ببنْتِ ابن ميَسَّر، فأساءَ عِشْرَتَها لسُوءِ خُلِقِه ، فَتَوجَّه أبوها ، وأثْبَتَ عند قاضي الإِسْكَنْدَريّة ضَررَها، وأنَّه قد حَصَرَها فِي بَيْتٍ ، فَمَضَى القاضي بنفسِه، ورامَ أنْ يَفْتَحَ عَنها، فَلَمْ يَقْدرْ، فَأَحْضَرَ نَقَّاباً، فَتَقْبَ البَيتَ، وأخْرَجَها، ثم سَدَّ النَّقْبَ، فَهَاجَ عبدُ الكَريمِ، وقَصدَ الأميرَ جهاركسَ بِمِصْرَ، وقالَ : هذه خَمسَةُ آلاف دينار لك ، وأَرْبَعُونَ أَلْفَ دينارِ للُّلطانِ ، وأُوَلَّى قَضاءَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ فَأَتَى العَزِيزَ لَيْلاً، وأحْضَرَ الذَّهَبَ، فسَكتَ، ثم قالَ: رُدَّ عليه مالَه، وقُلْ له : إيَّكَ والعَودَ إلى مثلِها، فما كلُّ مَلكِ يَكونُ عادِلاً، أنا ما أبيعُ أهلَ الإِسْكَنْدَريَّة بهَذا الْمَالِ قال جهاركسُ: فوَجَمتُ ، وظَهرَ عليَّ، فقالَ: أراكَ أَخَذْتَ شَيئاً ، قُلتُ: نعَم خمسةَ آلافِ دينارٍ ، قال: أعْطَاكَ مالاً يَنفَعُ مرَّةً ، وأنا أُعْطِيكَ ما تَنتَفِعُ به مَرَّاتٍ ، ثم وَقَّعَ لي بإِطْلاقِ طُنبذة(٣) كنتُ أستغلُّهَا سَبعةَ آلافٍ دينار(٤) . (١) انظر السير: (العَزيز) ٢١/ ٢٩١ -٢٩٤، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٤. (٢) انظر السير: ( العَزيز) ٢٩١/٢١ -٢٩٤، وانظر النزهة: ١/١٦٢٥. (٣) اسم مكان . (٤) انظر السير: (العَزيز) ٢٩١/٢١ -٢٩٤، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٥. ٤١٠ (ج) العَادِلُ وبَنُوه : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : السُّلطانُ الكَبِيرُ الْمَلكُ العَادِلُ سَيفُ الدِّينِ أبو الْمُلوكِ وأخُو الْمُلوكِ أبو بَكْر مُحمَّدُ ابنُ الأميرِ نَجْمِ الدِّينِ أُوبَ بنِ شاذي التَّكْريتيُّ ثم البَعْلَيَكِيُّ الْمَوْلِد كانَ أصْغَرَ من أخيه صَلاح الدِّين بعامَين . نَشأ في خِدمَةِ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ ، ثم شَهِدَ الْمَغازيَ مع أخيه، وكانَ ذا عَقْلِ ودَهاءٍ وشَجاعَةٍ وتُؤْدَةٍ وخِبِرَةٍ بالأمُورِ، وكان أخوه يَعتَمِدُ عليه ويَحْتَرِمُه(١) . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: وكانَ سَائساً، صائبَ الرَّأي، سَعيداً، اسْتَوَلَىُ على البلادِ وامْتدَّتْ أيامُه، وحَكمَ على الحِجازِ، ومِصْرَ، والشَّامِ ، واليَمَنِ ، وكَثِيرٍ من الجَزِيرَة ، وديارِ بَكْر ، وأرْمينيَة وكانَ خَليقاً للمُلكِ، حَسَنَ الشَّكلِ مَهيباً ، حَليماً ، دَيِّناً فيه عِقَّةٌ وصَفْحٌ وإيثارٌ في الجُمْلَة أزالَ الخُمورَ والفاحِشَةَ في بَعضِ أيَّامِ دَولَتِهِ ، وتَصدَّقَ بِذَهَبٍ فِي قَخْطٍ مِصْرَ . وسيرَتُه مع أولادٍ أخيه مَشْهورَة ، ثم لَمْ يَزِلْ يُراوِغُهم ويُلقي بينهم حتى دَحاهُم ، وتَمكَّنَ واسْتولَىُ على مَمالِكِ أخيه، وأبْعَدَ الأَفْضَلَ إلى سُمَيْساطَ، ووَدَعَ(٢) الظَّاهِرَ وكَسرَ عنه لكَونِ بنتِهِ زَوجتَه ، وبَعثَ على اليَمَنِ حَفيدَه الْمَسْعودَ أطسِزَ بنَ الكامِل ، ونابَ عنه بمَيَّافارقينَ ابنُهُ الأوْحَد ، فاسْتولَى على أرْمينيَة، ثم إنَّه قَسَّمَ الممَالِكَ بينَ أولادِهِ ، وكان يُصَيِّفُ بالشَّامِ غالباً ويَشْتو بِمِصْرَ(٣). وخافَ من الفِرَنْجِ فصَالَحَهم وهادَنَهم وأعْطاهُم مَغَلّ الرَّمَلَة ولُدَّ، وسَلَّمَ إليهِم يَافَا ، فَقَويَتْ نُفُوسُهم ، فالأمْرُ لله . قال المُؤَفَّقُ عبدُ اللَّطيف: كانَ أعْمَقَ إخْوَتِهِ فِكْراً، وأْوَلَهم عُمْراً وأنْظَرَهُم في العَوَاقِبِ، وأحَبَّهُم للدِّرْهَم، وكان فيه حِلمٌ وَأَنَةٌ وصَبْرٌ على الشَّدائِدِ ، سَعيدَ (١) انظر السير: (العادل وبَنوه) ١١٥/٢٢ - ١٢٠، وانظر النزهة: ٣/١٦٧٠. (٢) أي : تركَ . (٣) انظر السير: (العادل وبنوه) ١١٥/٢٢-١٢٠، وانظر النزهة: ١/١٦٧١. ٤١١ الجَدِّ(١)، عاليَ الكَعْبِ، مُظَفَّراً، أَكُولاً، نَهِمَاً، يَأْكُلُ من الحَلْواءِ السُّكرِيَّةِ رَطْلاً بالدِّمَشْقيّ وكان كَثيرَ الصَّلاةِ، ويَصُومُ الخَميسَ ، يُكْثِرُ الصَّدَقَةِ عندَ نُزُولِ الآفاتِ ، وكان قَليلَ المَرَضِ ، لقد أُحْضِرَ إليه أرْبَعُونَ حِمْلاً من البَطِّيخِ فَكَسَرَ الجَميعَ وبَالَغَ في الأكْلِ فحُمَّ يَوماً وكان كَثيرَ التَّمَتُعِ بالجَوارِي ، ولا يُدْخِلُ عَليْهِنَّ خادِماً إلاَّ دُونَ البُوغِ . نجبَ له ◌ِعِدَّةُ أوْلادٍ سَلْطَنَهُم ، وزَوَّجَ بِنَاتِهِ بِمُلُوكِ الأطْرافِ . وقد احْتيلَ على الفَتَكِ به مرَّات، ويُسلِّمُه الله(٢). وكان شَديدَ الْمُلازَمَة لِخِدمَة أخيه صَلاح الدِّين ، وما زالَ يَتحيَّلُ حتى أعْطَاهُ العَزِيزُ دِمَشْقَ، فكانت السّببَ في أنْ تَملَّكَ البلادَ ، ولَمَّا جاءَه بمَنْشُورِها ابنُ أبي الحَجَّاجِ أعْطاهُ ألفَ دينارٍ ، ثمَّ جَرَتْ أمُورٌ يَطولُ شَرْحُها وقِتالٌ على الْمُلكِ ، ولَوْ كانَ ذلكَ الثَّعبُ والحَربُ جِهاداً للفِرَنْجِ لأفْلِحَ . تُوفِّيَ سَنَ خَمسَ عَشرَةَ وسِتٍّ مئة(٣). (د) المُعَظَّم : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : الُّلطانُ الْمَلكُ الْمُعظَّمُ ابنُ العَادِلِ الْمَذكورِ هو شَرفُ الدِّين عيسىُ بنُ محمَّد الحَنَفَيُّ الفَقيهُ صاحِبُ دِمَشْقَ . مَولُده بالقَصْر من القاهِرَة في سَنةِ سِتٍّ وَسَبْعينَ وخَمسٍ مئة . ونَشَأَ بدِمَشْقَ، وحَفِظَ القُرآنَ ، وبَرَعَ في الْمَذْهَبِ . وحَجَّ فِي سَنةِ إِحْدَى عَشرَةَ ، وأنْشأَ البِرَك، وعَملَ بمُعانٍ دارَ مَضيفٍ وحمَّاماً . وكان يَبحَثُ ويُناظِرُ، وفيه دَهاءٌ وحَزْمٌ، وكان يُوصَفُ بالشَّجَاعَةِ والكَرمِ والتَّواضُعِ . (١) الجد : أي الحظ أو البخت . (٢) انظر السير: (العادل وبنوه) ١١٥/٢٢ - ١٢٠، وانظر النزهة: ١/١٦٧١. (٣) انظر السير: (العادل وبَنوه) ١١٥/٢٢- ١٢٠، وانظر النزهة: ١/١٦٧٢. ٤١٢ قَرأْتُ(١) بخَطُّ الضِّياءِ الحافِظِ: كان الْمُعظّمُ شُجاعاً فَقيهاً يَشْرِبُ الْمُسْكِرَ وأسَّسَ ظُلماً كثيراً، وخَرَّبَ بَيَتَ الْمَقْدِسِ . وقالَ ابنُ الأثير : وكانَ عالماً بعِدَّة عُلومِ نَفَقَ سُوقُ العِلمِ في أيَّامِه وَقَصَدَهُ الفُقَهاءُ ، فأكْرَمَهم ، وأعْطاهُم ، ولَمْ يُسْمَعْ منه كِّلِمَةٌ نَزِقَةُ ويَقُولُ : اعْتِقَادِي في الأُصُولِ ما سَطَّرَه الطَّحاويُّ وأوْصَى أنْ لا يُبنَى على قَبْرِهِ(٢). ولَمَّا مَرِضَ قالَ: لي في قَضِيَّةِ دِمْياطَ ما أَرْجُو بِهِ الرَّحْمَةَ(٣). تُوفِّيَ سَنةَ أرْبَع وعِشْرينَ وسِتٌّ مئة وكانَ له دِمَشْقُ والكَرْكُ وغَيرُ ذلكَ وحَلفوا بعدَه لابنِهِ النَّاصِرِ داوُدَ(٤). (هـ) الأشْرَف : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : صاحِبُ دِمَشْقَ السُّلطانُ الْمَلكُ الأشْرَفُ مُظَفَّرُ الدِّين أبو الفَتْحِ مُوسَى شَاه أرْمَن ابنُ العَادِلِ . تَمَلَّكَ القُدسَ أوَّلاً ، ثم أعطاهُ أبوهُ حرَّانَ والرُّها وغيرَ ذلك، ثم تَملَّكَ خِلاطَ ، وتَنقَّلت به الأحْوالُ، ثم تَملَّكَ دِمَشْقَ بعد حصارِ النَّاصِرِ بها، فعَدَلَ وخَفَّفَ الجَوْرَ ، وأحَبََّهُ الرَّعيَّةُ وكان فيه دينٌ وخَوفٌ من الله علىْ لَعِبِه وكان جَواداً ، سَمْحاً ، فارِساً شُجاعاً ، لَدَيْهِ فَضِيلَةٌ . وكان مَلِيحَ الهَيْئَةِ، حُلوَ الشَّمائلِ قِيلَ : ما هُزمَت له رايَةٌ وكان له عُكوفٌ على المَلاهي والْمُسْكِرِ عَفا اللهُ عَنه ، ويُبالِغُ في الخُضوع للفُقَراءِ ويَزورُهم ويُعطيهم ، ويُجيزُ على الشِّعْرِ ، ويَبعَثُ فِي رَمضانَ بالحَلاواتِ إلى أماكِنِ الفَقْرِ ، ويُشارِكُ في (١) الكلام للإمام الذهبي ، رحمه الله . (٢) انظر السير: (المُعظّم) ١٢٠/٢٢ -١٢٢، وانظر النزهة : ٢/١٦٧٢. (٣) أبلى المُعظّم بلاءاً حسناً وجاهد الصليبيين جهاداً عظيماً في نوبة دمياط التي كانت من أشد الحملات خطراً على الأمة ، فنسأل الله سبحانه أن يتجاوز عنه بعض ما أخطأ ، وهو مُحقٌّ في مقالته هذه . (٤) انظر السير: (المُعظّم) ١٢٠/٢٢ -١٢٢، وانظر النزهة: ٣/١٦٧٢. ٤١٣ صَنائع، وله فَهْمٌ وذَكاءٌ وسياسَةٌ أُخْرَبَ خَانَ العقيبَةِ وعَملَه جامِعاً(١). قالَ سِبطُ الجَوْزُّ: فجَلستُ فيه، وحَضَرَ الأشْرَفُ وبَكَىْ وأعْتَقَ جَماعَةٌ(٢). قالَ سِبطُ الجَوْزِيُّ : كانَ الأشْرَفُ يَحضُرُ مَجالِسي بحرَّانَ، وبخِلاطَ ، ودِمَشْقَ وكان مَلكاً عَفيفاً ، قالَ لي : ما مَدَدتُ عَينِيَّ إلى حَرِيمِ أحَد ولا ذَكَر ولا أنْثَى جاءتني عَجوزٌ من عندِ بنتِ صاحِبٍ خِلاط شَاه أرْمَن بأنَّ الحاجِبَ عَلَّاً أخَذَ لها ضَيْعَةً فَكَتَبتُ بإطْلاقِها ، فقالَت العَجوزُ : تُريدُ أنْ تَحضُرَ بينَ يَدك ، فقُلتُ : باسْم الله ، فجاءَت بها فَلَمْ أَرَ أحْسَنَ من قَوامِها ولا أحْسَنَ من شَكْلِها ، فقُمتُ لها ، وقُلتُ : أَنْتِ في هذا البَلدِ وأنا لا أدري؟ فسَفرَت عن وَجْهٍ أضاءَت منه الغُرفَة ، وقُلتُ : لا ، اسْتَتِرِي فقالَت : ماتَ أبي واسْتَولَى على المَدينَة بكتمر ، ثم أخَذَ الحاجِبُ قَرْيَتي وبقيتُ أعيشُ من عَمَلِ النَّقْش وفي دارٍ بالكِراء فبكيتُ لها ، وأمَرْتُ لها بدارٍ وقِماشٍ ، فقالَت العَجوزُ : ياخَوَنْد ألا تَحْظَى الليلةَ بك؟ فوَقَعَ في قَلْبِي تَغْيُُّ الزَّمانِ وأنَّ خِلاطَ يَمِلِكُها غَيري ، وتَحْتَاجُ بنتي أنْ تَقْعُدَ هذه القَعْدَة، فقُلتُ : مَعاذَ الله ، ما هذا من شِيمَتي فقامَت الشَّابَّةُ باكِيَةً تَقُولُ : صَانَ اللهُ عَوَاقِبَك(٣). وكان للأشْرَف مَيلٌ إلى المُحَدِّثينَ والحَنابِلَة ، قالَ ابنُ واصِل : وَقَعَت فِتنةٌ بين الشَّافِعِيَّ والحَنابِلَة بسَببِ العَقائدِ قالَ: وتَعصَّبَ الشَّيخُ عِزُّ الدِّينِ بنِ عبدِ السَّلامِ على الحَنابِلَة، وجَرت خَبْطَةٌ ، حتى كَتَبَ عِزُّ الدِّينِ رَحمَهُ الله إلى الأشْرفِ يَقعُ فيهم، وأنَّ النَّاصِحَ ساعَدَ علىُ فَتح بابِ السَّلامَة لعَسْكِرِ الظَّاهِرِ والأفْضَلِ عندما حاصَروا العادِلَ ، فكَتبَ الأشْرَفُ : يا عِزَّ الدِّينِ الفِتْنَةُ سَاكِنَةٌ لَعَنَ اللهُ مُثيرَها . وقد تابَ الأَشْرَفُ في مَرضِه وابْتَهَلَ ، وأكثرَ الذِّكرَ والاسْتِغفارَ . ولما احْتُضِرَ قال لابنٍ موسك : هاتٍ وَدیعَتي ، فجاء بمِثْزَر صُوف فيه خِرِقٌ من آثار (١) قال شعيبُ الأرنؤوط: ولا يزال عامراً إلى يومنا هذا، ويسمَّى جامع التوبة، ويقع شمال الجامع الأموي ، والمحلة التي فيها المسجد تسمَّى العقيبة . (٢) انظر السير: (الأشْرَف) ١٢٢/٢٢-١٢٧، وانظر النزهة: ١/١٦٧٣. (٣) انظر السير: (الأشْرَف) ١٢٢/٢٢-١٢٧، وانظر النزهة : ٢/١٦٧٣. ٤١٤ المَشايخ ، وإزارٌ عَتيق ، فقالَ : يَكونُ هذا على بَدَني أتَّقي به النَّارَ، وهَبَنيه إنْسانٌ حَبَشيٍّ من الأبْدالِ كان بالرُّها(١) . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : كان يُبَالِغُ في تَعظيمِ الشَّيخِ الفَقيهِ (٢)، تَوضَّأ الفَقيهُ يَوماً فوَثَبَ الأَشْرَفُ، وحَلَّ من تَخْفِيفَتِهِ ورَماها على يَدَي الشَّيخ ليُنَشِّفَ بها، رَأى ذلك شَيخَنا أبو الحُسَين ، وحَكاه لي . ماتَ سَنَةَ خَمسٍ وثَلاثينَ وسِتِّ مئة، وكانَ آخِرُ كَلامِه ((لا إلَهَ إلاَّ اللهُ)) فيما - (٣) قِيلَ(٣). ( و ) الكامِل : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : وُلدَ في سَنةِ سِتٍّ وسَبعينَ وخَمسٍ مئة ، فهو من أقْران أخَوَيْهِ الْمُعَظّم والأشْرَف ، وكان أجَلَّ الثَّلاثَة وأرْفَعَهم رُتْبةً . وتَملَّك الديارَ المِصْريَّة أَرْبَعِينَ سَنةً شَطْرُها في أيَّامِ وَالِدِهِ وكان عاقِلاً مَهيباً ، كَبِيرَ القَدْر (٤). وقال المُنْذِرِيُّ: أنْشَأَ الكَامِلُ دارَ الحَدِيثِ بالقاهِرةِ وَوَقَفَ الوُقُوفَ على أنوَاعِ البِرِّ ، وله المَوَاقِفُ المَشْهُورَةُ في الجِهَادِ بِدِمْيَاطَ المُدَّةَ الطويلة، وأنفَقَ الأموالَ وكافَحَ الفِرِنْجَ بَراً وبَحْراً يَعْرِفُ ذلكَ مَنْ شَاهَدَهُ ، وَلَمْ يَزَلْ على ذلكَ حتى أعَزَّ الله الإسْلامَ ، وخَذَلَ الكُفْرَ ، وكان مُعَظِّمَاً للسُّنَّةِ وأهْلِها، رَاغِباً في نَشْرِها والتَّمَسُّكِ بها ، مُؤثِراً للاجْتِمَاعِ بالعُلَمَاءِ والكَلامِ مَعَهُمْ حَضَراً وسَفَراً(٥) . ومِن هِمَّتِهِ أنَّ الفِرِنْجَ لمَّا أَخَذُوا دِمْيَاطَ أنشَأَ علىُ بَرِيدٍ منها مَدينَةَ المَنْصُورَةَ واسْتَوَطَنَهَا مُرابِطاً حتى نَصَرَهُ الله فإنَّ الفِرِنْجَ طَمِعُوا في أخْذِ مِصْرَ ، وعَسْكَرُوا بقُربِ (١) انظر السير: (الأشْرَف) ١٢٢/٢٢-١٢٧، وانظر النزهة: ١/١٦٧٤. (٢) يعني : اليونيني . انظر السير: (الأشْرَف) ٢٢/ ١٢٢ -١٢٧، وانظر النزهة: ٢/١٦٧٤. (٣) (٤) انظر السير: (الكامل) ١٢٧/٢٢-١٣١، وانظر النزهة: ١/١٦٧٥. (٥) انظر السير: (الكامل) ١٢٧/٢٢ -١٣١، وانظر النزهة: ٢/١٦٧٥. ٤١٥ المَنصُورَة ، والْتُّحَمَ القِتَالُ أيَّاماً وأَلَعَّ الكَامِلُ على إخْوَتِه بالمَجِيء، فجاءَهُ أَخَوَاهُ الأشْرَفُ والمُعَظّمُ فِي جَيْشٍ لَجِبٍ ، وهَيْئَةٍ تَامَّةٍ فَقَوِيَ الإسْلامُ، وضَعُفَتْ نُفُوسُ الفِرِنْجِ ورُسُلُهُمْ تَتَرَدَّدُ ، وبَذَلَ لهم الكَامِلُ قبلَ مَجِيء النَّجدَةِ القُدسَ وطَبَرِيَّة وعَسْقَلانَ وجَبَلَةً واللَّذِقِيَّة وأشياءَ على أن يَرُدُّوا له دِمْيَاطَ فأبَوا ، وطلَبُوا مع ذلك ثلاثَ مِئَةِ ألفٍ دينار لِيُعَمِّرُوا بها أسْوارَ القُدسِ، وطَلَبُوا الكَرَكَ، فاتَّفَقَ أنَّ جمَاعَةً من المُسلِمِين فَجَّرُوا من النِيلِ ثَلْمَةً على مَنْزِلَةِ العَدُوِّ، فأَحَاطَ بهم النِّلُ فِي هَيَجَانِهِ ، ولا خِبْرَةَ لهم بالنِّلِ ، فحَالَ بينهم وبين دِمْياطَ ، وانقَطَعِتْ المِيرَةُ عنهُم، وجاعُوا وذَلُّوا، فأرسَلُوا في طلَبٍ الأمَانِ علىُ تَسْلِيمِ دِمْياطَ، وعَقْدِ هُدنَةَ، فَأُجِيبُوا فسَلَّمُوا دِمْياطَ بعد اسْتِقِرارِهم بها ثلاثَ سِنِينَ، فللَّهِ الحَمْدُ(١) . وكان عَدِلُهُ مَشوباً بعَسْفٍ ، شَنقَ جَماعَةً من الجُنْدِ فِي بَطِيحَة شَعير(٢). ونازَلَ دِمَشْقَ فَبَعثَ صاحِبُ حِمْصَ لها نَجْدَةً خَمسينَ نَفْساً فظَفِرَ بهم وشَنقَهم بأسْرِهم . ماتَ بدِمَشْقَ سَنةَ خَمسٍ وَثَلاثينَ وسِتِّ مئة(٣). (ز) الصَّالِح : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : السُّلطانُ الْمَلكُ الصَّالِحُ عِمادُ الدِّينِ أبو الخِيَش إِسْماعيلُ ابنُ الْمَلك العَادِلِ مُحمدِ بنِ أَيُّوبَ بنِ شاذي صاحب دِمَشْقَ . تَمَلَّكَ بُصْرَىُ وبَعْلَبَك، وتنقَّلت به الأحوالُ واسْتَولَى على دِمَشْقَ أعْواماً فحارَبَه صاحِبُ مِصْرَ ابنُ أخيه ، وجَرت له أمُورٌ طَويلةٌ ، ما بين ارتفاع وانْخِفاض(٤) . وكان قَليلَ البَخْتِ ، بَطَلاً، شُجاعاً، مَهِيباً، شَديدَ البَطْشِ، مَلِيحَ الشَّكلِ ، كان في خِدمَة أخيه الأشْرَف ، فلمَّا ماتَ الأشْرَفُ تَوَنَّبَ على دِمَشْقَ، وتَمَلَّكَ، فجَاءَ أخُوهُ (١) انظر السير: (الكامل) ١٢٧/٢٢ -١٣١، وانظر النزهة: ٣/١٦٧٥. (٢) انظر السير: ( الكامل) ١٢٧/٢٢ -١٣١، وانظر النزهة : ١/١٦٧٦. (٣) انظر السير: (الكامل) ١٢٧/٢٢ - ١٣١، وانظر النزهة: ٢/١٦٧٦. (٤) انظر السير: (الصَّالح) ١٣٤/٢٢ -١٣٧، وانظر النزهة: ٣/١٦٧٦. ٤١٦ الشُّلطانُ المَلكُ الكامل، وحَاصَرَه، وأخَذَ منه دِمَشْقَ، ورَدَّهُ إلى بَعْلَبَك، فلمَّا ماتَ الكاملُ وتَمَلَّكَ الجَوَادُ ثمّ الصَّالِحُ نَجْمُ الدين، وسارَ نَجْمُ الدين يَقْصِدُ مِصْرَ، هَجَمَ الصَّالِحُ إسماعيلُ بإعانَةِ صاحِبٍ حَمْصَ المُجَاهِدِ فَتَمَلَّكَ دِمَشْقَ ثانياً في سَنةِ سَبْعِ وثلاثين ، فبَقِيَ بها إلى سَنَّةِ اثَْيْنٍ وأرْبَعِينَ وحَارَبَه الصَّالِحُ بالخُوارِزْمِيّة ، واسْتَعانَ هوَ بالفِرَنْجِ ، وبَذَلَ لهم الشَّقيفَ وغَيرَها فمُقِتَ لذلك وكان فيه جُورٌ واسْتَقَضَى على النَّاسِ الرَّفيعَ الجيليَّ، وتَضَرَّرَ الرَّعِيَّةُ بدمَشْقَ في حِصارِ الخُوارِزميّة حتى أُبِيعَ الخُبزُ رِطلٌ بستة دَراهم ، والجُبْنُ واللَّحمُ بنِسْبَةِ ذلك، وأُكَلُوا المَيْنَةَ ووَقَعَ فيهم وَبَاءٌ شَدِيدٌ(١). وفي (( مُعْجَم )) القُوصيِّ في تَرجَمَة الأَشْرَف: فأخُوه إسْماعيلُ نَصَرَ الكافرينَ وسلَّمَ إليهم القِلاعَ ، واسْتولَىْ علىْ دِمَشْقَ سَرِقَةً، وحَنثَ فِي يَمِينِهِ وقَتلَ من الملوك والأمَرَاء مَنْ كان يَنفَعُ في الجِهادِ ، وصَادَرَ علىُ يَدِ قُضاتِهِ العِبادَ، وخَرَّبَ الأَمْلاكَ، وطَوَّلَ ذَيلَ الظّلمِ ، وقَصَّرَ ذَيلَ العَدْلِ وظَنَّ أنَّ الفَلَك له مُسْتَمر، فسَقطَ الدَّهْرُ لغَفلتِهِ ، وأراه بَلايا . ثم ذَهَبَت منه بَعْلَبَك ويُصْرَى، وتَلَاشَىْ أمرُه، فمَضَىْ إلَىْ حَلبَ ، واِداً على ابنِ أُخْتِهِ، وصارَ من أُمَرائه، وأتَى به فَتَملَّكوا دِمَشْقَ، فلمَّا سارُوا لِيَأْخُذوا مِصْرَ غُلِبَ الشَّامِيُّونَ، وأُسِرَ جَماعَةٌ، منهم الْمَلكُ الصَّالِحُ فِي سَنةِ ثَمَانٍ وأرْبَعين وسِتِّ مئة ، فسُجنَ بالقاهِرَة . وفي سَلْخ ذي القعدة من سَنةِ ثَمانٍ أخْرَجوا الصَّالِحَ لَيْلاً ومَضَوا به إلى الجَبلِ فَقَتْلُوه وعُفِيَ أثرُه . قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ : كفِّرَ عنه بالقَتْل(٢). (ح) صَاحبُ حَمْص : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : الْمَلكُ الْمُجاهِدُ أسَدُ الدِّين أبو الحارِث شِيرْكُوه ابنُ صاحبٍ حِمْصَ ناصِرِ الدِّينِ بنِ الْمَلكِ أسَدِ الدِّين شِیرْکُوه بنِ شاذي . (١) انظر السير: (الصَّالح) ١٣٤/٢٢ -١٣٧، وانظر النزهة: ٤/١٦٧٦. (٢) انظر السير: (الصَّالح) ١٣٤/٢٢ -١٣٧، وانظر النزهة: ٣/١٦٧٦. ٤١٧ وُلدَ سَنَةَ تسعٍ وسِتِّينَ وخَمسٍ مئة بِمِصْرَ . وملَّكَه السُّلطانُ صَلاحُ الدين حِمْصَ بعد أبيه ، فتَملَّكها سِتَّاً وخَمسينَ سَنةً ، سَمعَ بدِمَشْقَ من الفَضْلِ بنِ البانياسي، وأجازَ له ابنُ بَرّيّ، وحدَّث(١) . وكان بطلاً شُجاعاً مَهِيباً، وكانت بلادُه نَظِيفَةً من الخُمورِ ، ومَنعَ النِّساءَ من الخُروجِ من أبوابٍ حِمْصَ جُملةً ، ودامَ ذلك خوفاً من أن يَنِزِحَ بهنَّ رجالُهن لعَسْفِه ، وكان يُدَيمُ الصَّلَواتِ، ولا يُحبُّ لهواً، وكان ذا رَأيٍ ودَهاءٍ ، وشَكْلٍ مَلِيحٍ وجَلالَةٍ ، كانت الْمُلوكُ تُداريه ويخافونَه(٢) . استوحَشَ منه الكامِلُ ، وظَنَّ أنَّه أوْقَعَ بين الأشْرَفِ وبينَه ، فصادَرَه وطلَبَ منه أَمْوالاً ، فنفَّذَ نِساءَه يَشْفَعْنَ فيه، فما أفادَ ، فهيَّأ الأمْوالَ فَبَغتَه مَوْتُ الكامِلِ ، فجاءَ وجَلسَ عندَ قَبْرِ الكامِلِ وتَصرَّفَ ، وهو الذي جاءَ مع الصَّالحِ إِسْماعيلَ وأعانَه على أخْذِ دِمَشْقَ وكان الْمُظَفَّرُ صاحِبُ حماة قد شَعرَ بسَعْيهما ، فجَهَّزَ عَسكَره نَجْدةً لحمایَة دِمَشْقَ مع نائبِه سيفِ الدِّين بنِ أبي عليٍّ في أهْبةٍ وسِلاحٍ مُظْهِرينَ أنَّ ابنَ أبي عَليَّ قد غَضِبَ من الْمُظَفَّرِ ، وفارَقَ حمَاةَ لكَونِ صاحِبها يُريدُ أنْ يُسلِّمَها إلى الفِرَنْج ، فما نَفَقَ هذا على شيرْكُوه ، فَنَزلوا بظاهِر حمْصَ ثم اسْتَدْعَىُ بقيَّةَ الكِبارِ من جُندِه فدَخَلوا البَلدَ فقَبَضَ على الجَماعَة، وعَذَّبَهم ، وأخَذَ أمْوالَهم، وهَربَ باقي العَسْكَر إلى حماة ، وتَضَعْضَعَ لذلك الْمُظَفَّرُ ، وماتَ نائبُه ابنُ أبي عَلَيّ في الحَبْسِ . تُوفِّيَ بحمْصَ سَنةَ سَبِعٍ وثَلاثينَ وسِتِّ مئة . وشيرْكُوه، بالعَربِيِّ : أسَدُ الجَبَل . وتَملَّكَ حمْصَ بعدَه الْمَنْصُورُ إِبراهيمُ وَلِدُهُ سَبْعَ سِنِينَ (٣). (١) انظر السير: (صاحب حِمْص) ٣٩/٢٣-٤١، وانظر النزهة: ١/١٧١٣. (٢) انظر السير: (صاحب حِمْص) ٣٩/٢٣ -٤١، وانظر النزهة: ٢/١٧١٣. (٣) انظر السير: (صاحب حِمْص) ٣٩/٢٣-٤١، وانظر النزهة: ٣/١٧١٣. ٤١٨ ( ط ) الجَوَاد : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمِتِهِ : الُّلطانُ الْمَلكُ الجَوادُ مُظَفَّرُ الدِّين يُونُسُ بنُ مَمْدودِ ابنِ السُّلطانِ الْمَلكِ العادِلِ أبي بَكْر بنِ أَيُّوبَ الأُوبِيُّ نَشأ في خِدمَة عَمِّه الكامِلِ ، فَوَقَعَ بينَهما ، فتألَّم، وجاءَ إلى عَمِّه المُعَظّم ، فَأَكْرَمَه ، ثم عادَ إلى مِصْرَ ، واصْطَلحَ هو والكامِلُ ولَمَّا تُوفِّيَ الأَشْرِفُ جاءَ الكامِلُ ومعه هذا، ثم ماتَ الكامِلُ ، فملَّكوا الجَوادَ دِمَشْقَ(١) . وكان جَواداً مُبَذِّراً للخَزائِنِ ، قَليلَ الحَزْمِ، وفيه مَحَبَّةٌ للصَّالحين ، والْتُّفَّ حَولَه ظَلَمَةٌ ثم تَزَلْزَلَ أمْرُهُ، فَكَاتَبَ المَلكَ الصَّالِحَ أيُّوبَ بنَ الكاملِ صَاحِبَ سِنْجار وغَيْرَها، فبَادَرَ إليه وأعْطَاهُ دِمَشْقَ وعَوَّضَه بسِنْجَارَ وعَانَةَ فخابَ البَيعُ ، فَذَهَبَ إلى الجَزِيرَةِ ، فَلَمْ يَتَمَّ له أمرٌ ، وأُخِذَتْ منه سِنْجارُ ، وبَقِيَ في عَانَةَ حَزيناً ، فَتَرَكَها ومَضَى إِلىْ بَغْدَادَ فَبَاعَ عَانَةً للمُسْتَنِصِر بمالٍ ، ثمّ قَدِمَ على المَلكِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ فما أقْبَلَ عليه ، وهَمَّ باعْتِقالِه ففَرَّ إلى الكَرْكِ ، فقَبَضَ عليه النَّاصِرُ، ثمَّ هَرَبَ من مَخاليِه ، فقَدِمَ على صاحِبٍ دِمَشْقَ يومَئذِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ عَمِّه ، فمَا بِشَّرَ به ، وتَراجَمَتْهُ الأَحْوالُ ، فقَصَدَ الفِرَنْجِيَّ مَلكَ بَيْرُوتَ، فأكْرَمُوهُ وحَضَرَ مَعهُم وَقْعَةَ قلنسوةَ من عَملِ نابلس قَتَلُوا بها ألْفَ مُسلمٍ ، نَعُوذُ باللهِ من المَكْرِ والخِزْي، ثم تَخَيَّلَ عَمُّه الصَّالِحُ فسَجَنَه بعزّتا ، ثم إنَّ الفِرَنْجَ أَلَُوا على الصَّالِحِ ، وكان مُصافِياً لهم ، في إطْلاقِ الجَوَادِ ، وقالوا: لا بُدَّلنَا مِنْهُ، وكانت أمُّه إِفْرَنْجيّةَ فيما قِيلَ، فَأَظْهَرَ لهم أنَّه قد تُوُفِيَ فِقِيلَ : خَتَقَهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وأربعينَ وسِتِّ مِئَة، وحُمِلَ فدُفِنَ عند المُعظّمِ بسَفْحِ قاسيُونَ، سَامَحَه اللهُ تَعالَى(٢). (ي ) المُعَظَّم : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : السُّلطانُ الْمَلكُ الْمُعَظَّمُ غياتُ الدِّين تُورانشاه ابنُ السُّلطانِ الْمَلكِ الصَّالِحِ أَيُوبَ ابنِ الكامِلِ ابنِ العادِل . (١) انظر السير: (الجَواد) ١٨٤/٢٣-١٨٥، وانظر النزهة: ١/١٧٢٦. (٢) انظر السير: (الجَواد) ١٨٤/٢٣ -١٨٥، وانظر النزهة: ٢/١٧٢٦. ٤١٩ وُلدَ بِمِصْرَ ، وعَملَ نيابَةً أبيه ثم تَملَّكَ بحصْنٍ كيفا، وَآَمِد ، وتلك البلاد ، وكان أبوه لا يَختارُ أنْ يجيءَ لَمَّا مَلكَ مِصْرَ، كان لا يُعجِبُهُ هَوَجُه ولا طَيْشُه سارَ لإِقْدَامِه الأميرُ الفارِسُ أقْطاي ، وسافَرَ به يتَحايَدُ مُلوكَ الأطْرافِ فِي نَحوٍ من خَمسينَ فارِساً على الفُرات وعانةَ ، ثم على أطْرافِ السَّماوَةِ ، فَدَخلَ دِمَشْقَ ، وزُيَّنَت له ثم سارَ منها بعد شَهر ، فاتَّفْقَت كسْرةُ الفِرَنْج عند وُصولِه وتَيَمَّنَ النَّاسُ به، فبدا منه حَركاتٌ مُنَفِّرَة . وكان الشُّلطانُ يَقولُ : تُوارنْشاه ما يَصلِحُ للمُلك. قالَ ابنُ حموَيه سَعدُ الدِّين : لَمَّا قَدِمَ ، طالَ لِسانُ كُلِّ خامِلٍ ، ووجَدُوه خَفيفَ العَقْلِ سَيء التَّدبيرِ، وتَطَلَّعَ الأُمَراءُ إلى أنْ يُنفِقَ فيهم كما فَعَلَ بدِمَشْقَ ، فما أعْطَاهُم شَيْئاً ، وكان مَتِى سَكِرَ ضَربَ الشُّمُوعَ بالسَّيفِ ، ويَقولُ : هَكذا أفْعَلُ بمَماليكِ أبي ، ويَتهدَّدُ الْأُمَراءَ بالقَتْلِ ، فَتَنكَّروا له، وكانَ ذَكياً قَوِيَّ الْمُشارَكَة يَبحَثُ ويَنقلُ . قالَ سبطُ الجَوْزِيُّ : كانَ يَكونُ على السُّماطِ بدِمَشْقَ ، فإذا سَمِعَ فَقيهاً يَنقلُ مَسْألَةً صَاحَ : لا نسلِّم واحْتجبَ عن أُمورِ النَّاسِ وانْهَمَكَ في الفَسادِ بالِغِلْمانِ وما كانَ أَبُوه كذلك، ويُقالُ : تَعرَّضَ لسَراريٍّ أبيه، وقدَّم أرْذالَ، ووَعَدَ أقْطايَ بالإِمْرَة فما أمَّرَه فَغَضِبَ . ولَمَّا كانَ في الْمُحَرَّم سَنةَ ثَمانٍ وأرْبَعينَ وَثبَ عليه بَعضُ البَحَريَّة على السماطِ فضَربَه على يَدِهِ ، قَطعَ أصابِعَه ، فقامَ إلى البُرجِ الخَشَبِ ، وصَاحَ : مَنْ فَعَلَ هذا؟ قالوا : إِسْماعيليُّ ، قالَ: لا واللهِ بلْ من البَحَرَّة، واللهِ لأُفْنِيَّهم، وخَاطَ المُزَيِّنُ يَدَه فقالوا : بُّوه وإلاَّ رُحْنا، فشَدُّوا عَليه فطَلعَ إلى أعْلَى الْبُرجِ، فِرَمَوا البُرِجَ بالنِّفْطِ وبالنُّشَّابِ فرَمَى المِسْكينُ بنفسِه وعَدا إلى النِّيلِ وهو يَصيحُ : ما أُريدُ الْمُلكَ خَلُوني أرْجِعُ إلى الحِصْنِ يا مُسلمينَ أمَا فيكُم من يَصْطَنِعُني! ؟ فَلَمْ يُحِبْه أحَدٌ ، وتَعَلَّق بذَيْلِ أَقْطايَ فمَا أجارَه وعَجزَ فَنَزَلَ في الماءِ إلى حَلْقِهِ فَقُتْلَ في الماءِ (١). (١) انظر السير: (المُعَظّم) ١٩٣/٢٣ -١٩٦، وانظر النزهة: ١٧٢٧ -١٧٢٨ / المُعَظَّم. ٤٢٠