Indexed OCR Text

Pages 301-320

٩- الدَوْلَة الطُّولُونيّة :
أحمدُ بنُ طُولُون :
قالَ الإمامُ الذهبيُّ في تَرجمَته : التُّرْكيُّ، صاحبُ مِصْرَ أبو العَبَّاس .
وُلدَ بسامَرَّاء ، وقيل : بلْ تَبَّاه الأميرُ طُولونُ وطُولونُ قدَّمَه صاحبُ ما وَراء النَّهْر
إلى المأمون ، في عِدَّة مَماليك، سنة مئتين فعاشَ طُولونُ إلى سَنة أربعين ومئتَين ،
فأجادَ ابنُهُ أحمدُ حِفْظَ القُرآنِ، وطلبَ العِلمَ ، وتَنقَّلت به الأحْوالُ، وتأمَّرَ ووَليَ ثُغورَ
الشَّام ، ثم إِمْرَةَ دِمَشْق، ثم وَلِي الدِّيارَ المِصْريَّة في سَنة أربع وخمسين ، ولَه إذْ ذاكَ
أربعون سنة .
وكان بطلاً شُجاعاً، مِقْداماً، مَهيباً، سائساً، جَواداً، مُمَدَّحاً من دُهاة
الملوك(١) .
قيل : كانت مُؤنتُه في اليوم ألفَ دينار ، وكان يَرجِعُ إلىُ عَدْل وبَذْل لكنَّه جبَّارٌ ،
سَفَّاكٌ للدِّماءِ(٢).
قال القُضاعيُّ : أُحْصيَ مَنْ قَتَله صَبْراً ، أو ماتَ في ◌ِجْنه ، فبَلغوا ثَمانيةَ عشرَ
ألفاً .
وأنْشأ بظَاهر مِصْرَ جَامعاً، غَرمَ عليه مئةَ ألفِ دينار، وكان جَيِّد الإسْلامِ مُعَظُّماً
للشَّعائر(٣).
عن مُحمَّد بنِ عليٍّ المادَرائي قالَ : كُنتُ أجْتَازُ بِقَبْرِ ابنِ طُولونَ فَأَرَى شَيخاً مُلازماً
له، ثمَّ لمْ أَرَه مُدَّة ، ثم رَأيْتُه فسَألتُه، فقالَ: كان له عليَّ أيادٍ ، فَأَحْبَيتُ أنْ أصِلَه
بالتِّلاوَة قالَ : فَرَأيْتُه في النَّوم يقولُ : أحبُّ أنْ لا تَقرأَ عندي، فما تَمُّ بي آية إلاَّ
قُرِّعْتُ بها ، ويُقالُ لي : أما سَمعتَ هذه ؟
(١) انظر السير: (أحمد بن طولون) ٩٤/١٣ -٩٦، وانظر النزهة: ١٠٥٦ / أحمد بن طُولون.
(٢) انظر السير: (أحمد بن طولون) ١٣ / ٩٤ -٩٦، وانظر النزهة: ١/١٠٥٦.
(٣) انظر السير: (أحمد بن طُولون) ٩٤/١٣ -٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٥٦.
٣٠١

تُوفِّي أحمدُ بِمِصْرَ سَنةً سَبعينَ ومِئْتَين .
وقامَ بعدَه ابنُه خُمارَوَيْهِ ، ثمَّ جَيْشُ بنُ خُمارَوَيْه، ثم أخُوهُ هارُون (١) .
وفي سنة اثنتين وثمانين ومئتين قَتَلَ خُمارَوَيْه صاحبَ مِصْر والشَّامِ غِلْمانُهُ ، لأنَّه
راوَدَهم، ثم أُخِذُوا، وصُلِبوا، وتَملَّك ابنُهُ جَيْش، فقَتُلُوه بعد يَسير، ومَلَّكوا أخاه
هارُون ، وقَرَّر على نفسه أنْ يَحمِلَ إلى المُعْتَضِد في العام ألف دينار ، وخَمسَ مئةِ ألفٍ
دینار .
وفي سنة ثلاث وثمانين ومئتين : سار المُعْتضِدُ إلى المُوصِل ، لأجل هارون
الشَّاري ، وكان قد عاثَ وأَفْسَدَ ، وامتدَّت أيامُه، فقالَ الحُسَينُ ابنُ حمدان
للمعتضد : إنْ جئتُكَ به فليَ ثلاثُ حَوائج قال: سَمِّها قالَ : تُطْلِقِ أبي ، والحاجَتان
أذْكُرُهُما إذا أتَيتُ به قال : لكَ ذلك، قال: وأريدُ أنْ أَنْتُقيَ ثَلاثَ مِئةٍ بَطَلٍ قالَ: نَعَم
ثم خَرَجَ الحُسَينُ في طلَب هارون، فضاَيَقَه في مَخاضَة، والْتَّقَوا ، فانْهَزَمَ أصْحابُ
هارُون، واخْتَفَى هو، ثم دَلَّ عليه أعْرابٌ، فأسَرَه الحُسَينُ وقَدمَ به، وخَلعَ المُعْتضِدُ
على الحُسَينِ ، وطوَّفَه وسَوَّرَه، وعُملَت الزِّينَةُ، وأُرْكِبَ هارُونُ فيلاً ، وازْدَحمَ
الخَلقُ ، حتىُ سَقطَ كُرُسيُّ جِسْرِ بَغْدَادَ ، وغَرقَ خَلقٌ(٢) .
١٠ - دَوْلَة ابن الأغْلب :
ابن الأغلب :
قال الإمامُ الذهبيُّ في تَرَجَمتِهِ : صاحبُ المَغْرب ، أبو إسْحاقَ إبرهيمُ ابنُ
أحمد بنُ الأغْلبِ التَّميميُّ الأغْلِبِيُّ القَيْرِوَانِيُّ، ابنُ أُمَراء القَيْروَان .
وَلَيَ سَنَةَ إِحْدَىُ وستِين ومئْتَين(٣).
(١) انظر السير: (أحمد بن طولون) ٩٤/١٣ -٩٦، وانظر النزهة: ٣/١٠٥٦.
(٢) انظر السير: (المُعْتَضد بالله) ١٣/ ٤٦٣ -٤٧٩، وانظر النزهة: ٤/١١٠٧.
(٣) انظر السير: (ابن الأغلب) ٤٨٧/١٣-٤٨٩، وانظر النزهة: ٢/١١١٠.
٣٠٢

وكان مَلكاً حازِماً صارماً مَهيباً ، كانت التجَّارُ تَسيرُ في الأمْنِ من مِصْرَ إِلى سَبْتَة ،
لا تُعَارَض ، ولا تُرَوَّع .
ابْتَنِى الحُصونَ والمَحارسَ ، بحيثُ كانت تُوقَدُ النَّارُ، فَتَتَّصلُ في ليلة إذا حَدثَ أمرٌ
من سَبْتَة إلى الإِسْكَنْدَريَّة، بحيثُ إِنَّه يُقالُ: قد أنْشىءَ في البلاد من بنائِه وبناءِ آبائِه
ثَلاثُونَ ألفَ مَعْقِل ، وهو الذي مَصَّرَ مَدينَةَ سُوسَةٍ (١) .
وقد دُوِّنَت أيَّامُه وعَدلُه وجُودُه، وكان سَديدَ السِّيرَة، شَهْماً، ظَفرَ بامْرأةٍ مُتَعَبِّدَةٍ
قادَتْ قودَة ، فدَفَنَها حيَّةً ، وشَنقَ سَبعةَ أجْنادٍ أخَذوا لتاجر ثلاثةَ آلاف دينار ، بعدَ أنْ
قرَّرَهم، وأخَذَ الذَّهبَ لمْ يَنقُصْ سِوَى سَبعَةَ دَنانير ، فوَزَنَها من عنده(٢).
وقيلَ : جاءَه رِجلٌ ، فقالَ : قد عَشِقتُ جاريَةٌ ، وثَمنُها خَمسونَ ديناراً ، وما مَعي
إِلَّ ثلاثون فوَهَبَه مئةَ دينار، فسَمعَ به آخَرُ ، فجاءَه وقال : إنِّي عاشقٌ قال : فما تَجِدُ ؟
قال: لَهيباً قال : اغْمِسُوهُ في الماء ، فَغَمَسوهُ مَرَّات، وهو يَصيحُ : ذَهبَ العِشْقُ
فِضَحِكَ ، وأمَرَ له بِثَلاثينَ ديناراً .
ثم إنَّه تَسَوْدَنَ، وقَتلَ إِخْوَتَه، ثم عُوفِيَ ، وتابَ ، وتَصدَّق .
ثم ظَهرَ عليه الشِّيعيُّ داعي عُبَيْدِ الله المَهْدي ، وحارَبه ، وجَرَتْ أمُورٌ طويلة ،
بَعضُها في ((تاريخ الإسلام)»(٣) .
تُؤُفِّيَ غَازِياً بصِقِلِّيَة سَنةَ تِسْع وثَمانِينَ ومِثْتَين ، وتَمَلَّك ابنُه عبدُ الله، فكان دَيِّناً ،
عَالِماً، بَطَلاً، شُجَاعَاً، شَاعِراً، فقتَلَه غِلْمَانُهُ غِيلةً بعدَ عامٍ (٤) .
(١) انظر السير: (ابن الأغْلَب) ٤٨٧/١٣-٤٨٩، وانظر النزهة: ٣/١١١٠.
(٢) انظر السير: ( ابن الأغلب) ٤٨٧/١٣-٤٨٩، وانظر النزهة: ٤/١١١٠.
(٣) انظر السير: (ابن الأغْلَب) ٤٨٧/١٣-٤٨٩، وانظر النزهة: ١/١١١١.
(٤) انظر السير: (ابن الأغْلَب) ٤٨٧/١٣-٤٨٩، وانظر النزهة: ٢/١١١١.
٣٠٣

١١ - الدَوْلَة الفَاطِمِيَّة:
(أ) الدَّوْلَةِ العُبَيْدِيَّة الفاطِمِيَّة الفاسِدة العَقيدَة والنَّسَب والعَمل :
الشِّيعِيّ :
قال الإمامُ الذهبيُّ في ترجمته : الذَّاعي الخَبيثُ ، أبو عبد الله، الحُسَينُ بنُ
أحمَد بنِ محمَّد الصَّنْعاني، من دُهاة الرِّجال الخَبِيرِينَ بالجَدَل، والحِيَل وإغْواءٍ بَني
آدَم .
قامَ بالدَّعْوَة العُبَيْدِيَّة، وحَجَّ، وصَحِبَ قَوماً من كُتامة(١) ، ورَبَطَهم وتَالَّه وتَزَهَّدَ
وشَوَّقَ إلى إمام الوَقْت، فاسْتجابَ له خَلقٌ من البَرْبَرِ ، وعَسْكَرَ وحارَب أميرَ المَغْرِب
ابنَ الأغْلِب، وهَزمَه غَيرَ مَرَّة، وإلى أنْ جاءَ عُبَيْدُ الله المَهْدي فَتَسلَّم المُلكَ ، ولمْ
يَجْعَل لهذا الدَّاعي ولا لأخيه أبي العَبَّاس كَبِيرَ وِلايَةٍ، فَغَضِبًا، وأفْسَدا عليه القُلُوبَ
وحارَباه ، وجَرَت أمُورٌ إلى أنْ ظَفرَ بهما المَهْدِيُّ فقَتَلَهما في ساعة ، سَنةَ ثَمَانٍ وتسعينَ
ومئتين(٢) .
المَهْدِي وذُرِّيَّته :
قال الذهبيُّ في تَرجَمَةِ المَهْديِّ: عُبَيْدُ الله أبو مُحمّد، أوَّلُ مَنْ قامَ من الخُلَفَاءِ
الخَوارِجِ العُبَيْدِيَّة الباطِنِيَّة الذين قَلَبُوا الإسْلامَ، وأَعْلَنوا بالرَّفْضِ ، وأبْطَنُوا مَذْهَبَ
الإسْماعِيلَيَّةِ، وبَثُّوا الدُّعاةَ، يَسْتَغْوونَ الجَبَليَّةَ والجَهَلَةَ .
واذَّعَىُ هذا المُدَبَّرُ ، أنَّه فاطِمِيٌّ من ذُرَِّّةِ جَعْفَرِ الصَّادِقِ .
وقِيلَ : كانَ أَبُوهُ يَهُوديّا(٣) .
والمُحَقِّقُونَ على أنَّه دَعِيٌّ بحَيثُ إنَّ المُعِزَّ منهُم لمَّا سَأَلَهُ السَّيدُ ابنُ طَبَاطَبًا عن
(١) قبيلة من البربر ببلاد المغرب.
(٢) انظر السير: (الشِّيعي) ١٤ /٥٨-٥٩، وانظر النزهة: ١/١١٢٩.
(٣) انظر السير: (المَهْدي وذُريَّته) ١٥ /١٤١ -١٥١، وانظر النزهة: ١/١١٩٧.
٣٠٤

سَبه ، قال : غَداً أُخْرِجُهُ لَكَ، ثمّ أصْبَحَ وقد أَلْقَى عَرَمَةً(١) من الذَّهَبِ، ثمَّ جَذَبَ
نِصْفَ سَيْفِه من غِمْدِه ، فقالَ: هذا نَسَبِي، وأمَرَهُم بنَهْبِ الذَّهَبِ ، وقالَ : هذا
حَسَبِي .
وقد صَنَّفَ ابنُ الباقِلاَّنِيِّ وَغَيرُه من الأئِمَّة في هَتْكِ مَقالاتِ العُبَيْدِيَّة وبُطْلانِ نَسَبِهم ،
فَهَذا نَسَبُهُم، وهَذِهِ نِحْلَتُهُم، وقد سُقْتُ في حَوادِثِ (( تاريخِنا )) من أحْوالِ هَؤلاءِ
وأخْبارِهِم في تَفَارِيقِ السِّنينِ عَجَائِبَ .
فرأى عُبيدُ الله أنَّ ما يَرومَه من المُلك، لا يَنبَغي أنْ يَكونَ ظُهورُه بالعِراق
ولا بالشَّام ، فبعثَ أولاً له داعيَيْن شيطانَيَّن داهيَتَيْن، وهما الأخَوان أبو عبد الله
الشِّيعيِّ، وأخُوه العَبَّاس، فظَهَرَ أحدُهما باليَمَن والآخَرُ بأفْرِيقية ، وأظْهرَ كلٌّ منهما
الزُّهْدَ والثَّلُّهَ وأدَّبا أولادَ النَّاسِ ، وشَوَّقا إلى الإمامِ المَهْدِيِّ(٢) .
ولهم(٣) البَلاغَاتِ السَّبْعة: فالأوَّلُ للعَوَام وهو الرَّفْضُ، ثم البَلاغُ الثاني
للخَوَاص، ثم البلاغُ الثالث لمَنْ تَمَكَّنَ، ثم الرابعُ لمَنْ اسْتمرَّ سَنْتَين ، ثم الخامسُ
لمَنْ ثَبتَ في المَذْهَب ثلاثَ سنين، ثم السادسُ لمَنْ أقامَ أرْبَعَةَ أَعْوام ، ثم الخِطابُ
بالبَلاغِ السَّابع وهو النَّامُوسُ الأعْظَم .
قال محمدُ بنُ إسْحاقَ النَّديمُ: قَرأْتُه(٤) فرَأيتُ فيه أمْراً عظيماً من إياحَة
المَحْظُورات ، والوَضْع من الشَّرائعِ وأصْحابِها ، وكان في أيَّامٍ مُعِزِّ الدَّوْلة ظاهراً
شائعاً ، والدُّعَاةُ مُنْتُون في النَّوَاحِي، ثم تَنَاقَص .
قال الإمامُ الذهبيُّ : ثم اسْتحكَمَ أمرُ أبي عبد الله بالمَغْرب ، وتَبَعَه خَلقٌ من
البَرْبَر، ثم لَحقَ به أخُوهُ، وعَظُمَ جَمعُه ، حتى حارَبَ مُتَولِّي المَغْرب وقَهَرَه ، وجَرَت
له أمُورٌ طَوِيلَةٌ في أزْيَد من عَشْرة أعوام .
(١) العرمة (بالتحريك) : مجمّع رمل وقد استعمله هنا بمعنى كومة من الذهب.
(٢) انظر السير: (المَهْدي وذَريَّته) ١٤١/١٥-١٥١، وانظر النزهة: ٢/١١٩٧.
(٣) أي: للفاطميين.
(٤) أي: البلاغ السابع.
٣٠٥

فلمَّا سَمعَ عُبَيْدُ الله بظُهورِ داعيهِ ، سَارَ بوَلدِه في زِيِّ تُجَّار والعُيونُ عليهما ، فدَخَلا
المَغْربَ ، فظَفرَ بهما أميرُ المَغْربِ فسَجنَهما ، ولمْ يُقِرَّا له بشيء، ثم الْتَّقَى هو
وأبو عبد الله الشِّيعيِّ، فانْتُصرَ أبو عبد الله، وتَملَّكَ البلادَ ، وأخْرَجَ المَهْديَّ من
السِّجْنِ ، وقبَّل يده وقالَ لقُوَّادِهِ : هذا إمامُنا فبايَعَه المَلأ .
ووَقِعَ بعدُ بَيْنَهُ وبَيْنَ داعيَيْه لكَوْنِهِ ما أَنْصَفَهُما ، ولا جَعلَ لهما كَبِيرَ مَنْصِب ،
فشَكَّكا فيه خَواصَّهُما ، وتَفَرَّقَت كَلمةُ الجُنودِ ، وَوقَعَ بينهم مَصافٍّ فَانْتُصرَ عُبَيْدُ الله ،
وذَبِحَ الأخَوَيْن ودانَت له الأُمَمُ وأنْشَأَ مَدينَةَ المَهْدِيَّةِ ، ولَمْ يَتَوجَّه لحَرْبِه جَيشٌ لِبُعْدِ
الشُّقَّة ولِوَهنِ شَأنِ الخِلافَة بإِمارَةِ المُقْتَدِرِ وجَهَّزَ من المَغْرِبِ وَلَدَه لَيَأْخُذَ مِصْرَ فَلَمْ يتِمَّ له
ذلكَ(١).
قالَ أبو الحَسَن القابسيُّ، صاحبُ الملخّص: إنَّ الذين قَتلَهم عُبَيدُ الله وبَنُوه أربعةَ
آلافٍ في دارِ النَّحْر في العَذابِ من عالمٍ وعابد ليَرُدَّهم عن التَّرَضِّي عن الصَّحابَةِ ،
فاخْتارُوا المَوتَ .
وفي أيَّامِ المَهْدي ، عائَت القَرامِطَةُ بالبَحْرَين ، وأخَذُوا الحَجِيجَ وقَتَلُوا وسَبوا ،
واسْتَبَاحُوا حَرَمَ الله، وقَلَعُوا الحَجَرَ الأسْوَدَ، وكان عُبَيْدُ الله يُكاتِبُهم ، يُحرِّضُهم
قاتَلَه الله .
وكان مَوتُه، سَنةَ اثْنَتَين وعشرينَ وثلاثٍ مَّة وله اثْتَتَانِ وَسِتُّونَ سَنةً ، وكانت دَولَتُه
خَمْساً وعشرينَ سَنةً وأشْهُراً(٢).
نَقَلَ القاضي عياض في ترجَمة أبي محمَّد الكستراتي ، أنَّ سُئلَ عمَّن أكْرَهَه بَنو عُبَيد
على الدُّخُولِ في دَعْوَتهم أوْ يُقتَل ؟ فقالَ: يَخْتارُ القَتْلَ ولا يُعْذَر ، ويَجبُ الفِرارُ ،
لأنَّ المُقَامَ في مَوْضِع يُطلَبُ من أهْلِهِ تَعطيلُ الشَّرائعَ ، لا يَجوزُ .
(١) انظر السير: (المَهْدي وذُريَّته) ١٤١/١٥ -١٥١، وانظر النزهة: ١/١١٩٨.
(٢) انظر السير: (المَهْدي وذَريَّته) ١٤١/١٥-١٥١، وانظر النزهة: ٢/١١٩٨.
٣٠٦

قالَ القاضي عياض: أجْمَعَ العُلماءُ بالقَيْرَوانِ ، أنَّ حَالَ بَنِي عُبَيْد حالُ المُرْتَدِّينَ
والزَّنادِقَةِ(١).
القائم :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجمَته : صاحبُ المَغْرب ، أبو القَاسِم محمَّدُ ابنُ المَهْدي
عُبَيْد الله .
مَوْلِدُه سنةَ ثَمان وسَبعينَ ومئتَين ودَخلَ المَغْربَ مع أبيه ، فبُويعَ هذا عندَ مَوْتِ أبيهِ
في سَنةِ اثنتين وعشرينَ وثلاثٍ مئَّة .
وكان مَهيباً شُجاعاً ، قَليلَ الخَيرِ ، فَاسِدَ العَقْيدَةَ(٢).
خَرَجَ عليه في سَنةِ اثْتَينٍ وثلاثين وثلاثٍ مِئَة ، أبُو يَزِيدِ مَخْلَدُ ابنُ كَيْدَادَ البَرْبَرِيُّ
وجَرَتْ بَيْنَهُما مَلَاحِمُ، وحَصَرَه مَخْلَدُ بالمَهْدِيَّةِ ، وضَيَّقَ عليه ، واسْتَولَى على بِلادِهِ ،
ثُمَّ وُسْوِسَ القائِمُ ، واخْتَلَطَ وزالَ عَقلُه وكانَ شَيْطاناً مَرِيداً يَتَزَنْدَقُ(٣).
ذَكرَ القاضي عبدُ الجَبَّار المُتَكلِّمُ ، أنَّ القائِمَ أَظْهَرَ سَبَّ الأنْبياءِ وكان مُنادِيهِ يَصِيحُ :
الْعَنوا الغَارَ وما حَوَىُ وأَبادَ عِدَّةً من العُلَماءِ وكان يُراسِلُ قَرامِطَةَ الْبَحْرَيْنِ ، ويأمُرُهم
بإحراقِ المَساجِدِ والمَصاحِفِ فَتَجَمَّعتْ الإِبَاضِيّةُ(٤) والبَرْبَرُ على مَخْلَد ، وَأَقْبَلَ ، وكانَ
ناسِكاً قَصيرَ الدَّلقِ(٥) يَركَبُ حِماراً، لَكنَّهُم خَوارِج، وقامَ معه خَلقٌ من السُّنَّةِ
والصُّلَحاءِ ، وكادَ أنْ يَتَمَلَّكَ العالَمَ ، ورُكِّزَتْ بُودُهُم عند جامِعِ القَيْرَوانِ فيها: لا إلَهَ
إلَّ الله، لا حُكْمَ إلَّ لله، وبَنْدَانِ أَصْفَرانِ فيهِما: نَصْرٌ من الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَنْدٌ لِمَخْلَد
فيه : اللهُمَّ انْصُرْ وَلِيَّكَ على مَنْ سَبَّ نَبِيَّكَ وخَطَبَهُمْ أحْمَدُ بنُ أبي الوَليد ، فحَضَّ على
(١) انظر السير: (المَهْدي وذُريَّته) ١٥ /١٤١-١٥١، وانظر النزهة: ١/١١٩٩.
(٢) انظر السير: (القائم) ١٥٢/١٥-١٥٦، وانظر النزهة: ٢/١١٩٩.
(٣) انظر السير: (القائم) ١٥٢/١٥-١٥٦، وانظر النزهة: ٣/١١٩٩.
(٤) من أكبر فرق الخوارج، وهم أصحاب عبد الله بن يحيى بن إباض الملقب بـ((طالب الحق))، من أهل
اليمن ، خلع طاعة مروان بن محمد وبويع له بالخلافة ، واستولى على صنعاء ومكة ، قُتل سنة
١٣٠ هـ .
(٥) الدلق: ثوب متسع الأكمام طويلها (صبح الأعشى) ٤/ ٤٢.
٣٠٧

الجهادِ ، ثمَّ سارُوا ، ونازَلُوا المَهْدِيَّةَ ولمَّا الْتَّقَوا وأيْقَنَ مَخْلِدٌ بالنَّصْرِ ، تَحرَّكَتْ نَفَسُه
الخارجيّةُ ، وقال لأصْحابِه : انْكَشِفُوا عَن أهْلِ القَيْرَوانِ حتى يَنالَ منهُم عَدُّوُهم ،
ففعلوا ذلكَ فاسْتُشْهِدَ خَمسَةٌ وثمانونَ نَفْساً من العُلَماءِ ، والزُّهادِ .
وخَوارِجُ المَغْربِ إِيَاضِيَّةٌ مَنْسوبُونَ إلى عبدِ الله بنِ يَحْيَى بِنِ إِيَاض الذي خَرَجَ في
أيّام مَرْوانَ الحِمار، وانْتُشَرَ أتْباعُه بالمَغْربِ، يَقولُ : أفْعَالُنَا مَخْلوقَةٌ لنا ويُكَفِّرُ
بالكُبائِرِ ، ويَقولُ : لَيسَ في القُرآنِ خُصوصٌ ، ومَنْ خالَفَه حَلَّ دَمُه .
وكانَ مَوتُ القائِمِ سَنةَ أرْبع وثَلاثينَ مَحْصوراً بالمَهْدِيَّةِ ، لَكنْ قامَ بَعدَه ابنُه
المَنْصُورُ(١).
وقد أجْمَعَ عُلماءُ المَغْربِ على مُحارَبَةِ آلِ عُبَيْد لما شَهرُوه من الكُفْرِ الصّراح الذي
لا حيلةَ فيه(٢) .
وعُوتِبَ بَعضُ العُلماءِ في الخُروجِ مع أبي يَزيد الخارِجِيِّ ، فقالَ : وكَيفَ لا أخْرُجُ
وقد سَمعتُ الكُفرَ بأُذُنِي ؟ !! حَضَرَتُ عَقداً فيه جَمعٌ من سُنَّةٍ ومَشارِقَة ، وفيهِم
أبو قُضاعَة الدَّاعِي ، فجاءَ رَئيسٌ ، فقالَ کَبِيرٌ منھُم : إلى هنا یا سَيِّدي ارْتَفِعْ إلى جانِبِ
رسُولِ اللهِ ، يَعْني أبا قُضاعَة، فما نَطَقَ أحَدٌ .
ووُجِدَ بِخَطِّ فَقيهٍ ، قال : في رَجَبَ سَنة٣٣١ً هـ ، قامَ المُكَوكب يَقْذِفُ الصَّحابَةَ ،
ويَطْعَنُ على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وعُلِّقَتْ رُؤوسُ حَميرٍ وكِباشٍ على
الحَوانيتِ، كُتِبَ عليها أنَّهَا رُؤوسُ صَحابَةٍ (٣) .
وخَرَجَ أبو إِسْحَاقَ الفَقيهُ مع أبي يَزيد، وقال: هُمْ أهْلُ القِبْلَةِ وأولئِكَ لَيْسوا أهْلَ
قِبْلَةٍ، وهُم بَنُو عَدُوِّ الله، فإِنْ ظَفِرْنا بهم ، لَمْ نَدخُلْ تَحتَ طاعَةٍ أبي يَزِيدَ ، لأنَّه
خارجيٌّ(٤) .
(١) انظر السير: (القائم) ١٥/ ١٥٢-١٥٦، وانظر النزهة: ٤/١١٩٩.
(٢)
انظر السير: ( القائم) ١٥/ ١٥٢-١٥٦، وانظر النزهة: ١/١٢٠٠.
(٣) انظر السير: (القائم) ١٥٢/١٥-١٥٦، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٠.
(٤) انظر السير: (القائم) ١٥٢/١٥ -١٥٦، وانظر النزهة: ١/١٢٠١.
٣٠٨

قالَ أبو مَيْسَرَة الضَّريرُ : أَدْخَلَني اللهُ فِي شَفَاعَةِ أسْوَد رَمَىْ هؤلاء القَوْمَ بِحَجَر(١).
وقالَ السَّبَائِيُّ: أي والله نَجِدُ في قَتَلِ المُبَدِّلِ الدِّين(٢).
وتَسارَعَ الفُقَهَاءُ والعُبَّادُ فِي أُهْبَةٍ كاملة بالطُّبُولِ والبُنُودِ وخَطَبَهم في الجُمُعَة
أحمَدُ بنُ أبي الوَليد، وحَرَّضَهم وقالَ : جاهِدُوا مَنْ كَفَرَ بالله وزَعَمَ أنَّه رَبٌّ من
دُونِ الله، وغَيَّرَ أحْكامَ الله، وسَبَّ نَبَّهِ وأصْحابَ نَبِيِّه فبَكَى النَّاسُ بُكاءً شَديداً وقالَ :
اللَّهِمَّ إِنَّ هَذا الْقِرْمِطِيَّ الكافرَ المَعْروفَ بابنِ عُبَيد الله، المُدَّعِي الرُّبُوبِيَّة ، جاحِدٌ
لِنِعْمَتِك ، كافِرٌ بِرُبُوبيَِّك، طاعِنٌ على رُسُلِك، مُكذِّبٌ بِمُحمَّد نَبِّك سافِكٌ للدِّماءِ
فالْعَنْهُ لَعْناً وَبِيلاً، واخْزِهِ خِزْياً طويلاً، واغْضَبْ عَليه بُكْرَةً وأصيلاً ثم نَزَلَ فصَلَّى بهم
الجُمُعَةِ(٣).
ورَكبَ رَبيعُ القَطَّان(٤) فَرَسَه مُلبساً، وفي عُنُقِه المصْحَف ، وحَولَه جَمعٌ كَبِيرٌ ،
وهو يَتْلُوْ آيَاتِ جِهَادِ الكَفَرَة فاسْتُشهِدَ رَبِيعٌ في خَلقٍ من النَّاسِ يَومَ المَصافِّ في صَفَر سَنةً
أَرْبَع وثَلاثينَ وكان غَرَضُ هؤلاء المَجُوسَ بَني عُبَيْد أخْذَه حيّاً ليُعذِّبُوه قالَ أبو الحَسَن
القابسيُّ : اسْتُشهِدَ معَه فُضَلَاءٌ ، وأثمَّةٌ ، وعُبَّاد .
وقالَ بعضُ الشُّعَراء في بَنِي عُبَيْد(٥) :
شَرُ الزَّنَادِقِ مِن صَعْبٍ وتُبَّاعِ
المَاكِرُ الغَادِرُ الغَاوِي لِشِيعَتِهِ
بِسِحْرِ هَارُوِتَ مِنْ كُفْرٍ وَإِنْدَاعِ
العَابدينَ إِذَا عِجْلاً يُخَاطِبُهُمْ
أَوْ لِليَهُودِ لسَدُوا صَمْخَ أسْمَاعِ
لَوْ قِيلَ الرُّومِ أَنْتُمْ مِثْلُهُم لَبَكَوْا
(١) انظر السير: (القائم) ١٥/ ١٥٢ -١٥٦، وانظر النزهة: ٢/١٢٠١.
(٢) انظر السير: (القائم) ١٥٢/١٥ -١٥٦، وانظر النزهة: ٣/١٢٠١.
(٣)
انظر السير: ( القائم) ١٥/ ١٥٢ -١٥٦، وانظر النزهة: ٤/١٢٠١.
(٤) ربيع بن سليمان بن عطاء الله، القطَّان، كان لسان إفريقية في وقته في الزُّهْد والرقائق ، وكان جعل
على نفسه ألا يشبع من طعام ولا نوم حتى يقطع الله دولة بني عبيد انظر ترجمته في: (( ترتيب المدارك )»
٣٢٣/٣-٣٣٢.
(٥) انظر السير: (القائم) ١٥٢/١٥-١٥٦، وانظر النزهة: ٤/١٢٠١.
٣٠٩

المنصور :
قال الإمامُ الذهبيُّ في ترجَمَته : هو أبو طاهِرِ إسْماعيلُ بنُ القائِمِ بنِ المَهْديِّ ،
العُبَيْدِيُّ ، الباطِيُّ(١) .
وَلِيَ بعدَ أبيهِ ، وحارَبَ رَأسَ الإِبَاضِيَّة أبا يَزِيد مَخْلدَ بنَ كَيْدَادَ الزَّاهِد ، والْتَّقَى
الجَمْعان مَرَّاتٍ ، وظَهَرَ مَخْلدُ على أكْثَرِ المَغْرِبِ، ولَمْ يَبْقَ لِبَنِي عُبَيْد سِوَى
المَهْدِيَّة(٢) .
فنَهَضَ المَنْصورُ ، وأخْفَى مَوتَ أبيهِ ، وصَابَرَ الإِبَاضِيَّةَ حتى تَرَخَّلوا عنه، ونازَلُوا
مَدينَةَ سُوسَة ، فَبَرَزَ المَنصُورُ من المَهْدِيَّةِ، والْتَّقَوا فانْكَسَرَ جَيشُ مَخْلد علىْ كَثْرَتِهِم ،
وأُسِرَ هو في سَنةِ ٣٣٦ هـ ، فماتَ بعدَ الأسْرِ بأرْبَعةِ أيّامٍ من الجِراحِ ، فسُلِخَ وحُشِيَ
قُطْناً ، وصُلِبَ .
وبَنَّوْا مَدينَةَ المَنْصوريَّةَ مكانَ الوَقْعَةِ ، فَتَزَلَها المَنْصورُ .
وكان بَطَلاً شجاعاً، رابِطَ الجأشِ، فَصيحاً مُفَوَّهاً يَرْتَجِلُ الخُطَبَ وفيه إسْلامٌ في
الجُمْلَة وعَقلٌ بخِلافِ أبيهِ الزِّنْدِيقِ(٣).
ومن مَحاسِنه أنَّه ولَّى محمدَ بنَ أبي المَنْظور الأنْصاري قَضاءَ القَيْروان وكان من
كبار أصْحابِ الحَديث ، وقد لَقِيَ إسْماعيلَ القاضي ، والحارِثَ ابنَ أبي أسامَة ،
فقال : بشَرْطِ أنْ لا آخُذَ رِزْقاً ولا أرْكَبَ دابَّةً، فوَلاَه ليتألَّفَ الرَّعيَّة، فَأُحْضِرَ إليه
يَهوديٌّ قد سَبَّ (٤) فبَطَه، وضَربَه إلى أنْ ماتَ تحتَ الضَّرْبِ ، خافَ أنْ يُحكَمَ بقَتلِه
فتحلّ عليه الدَّوْلة(٥) .
وأَتى يوماً بيته فوجَدَ سُلافَ دايةَ الشُّلطانِ تَشْفَعُ في امرأةٍ نائحَةٍ فَاسِقَةٍ لِيُطْلِقَها من
(١) انظر السير: (المنصور) ١٥٦/١٥-١٥٩، وانظر النزهة: ١/١٢٠٢.
(٢) انظر السير: (المنصور) ١٥٦/١٥-١٥٩، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٢.
(٣) انظر السير: (المنصور) ١٥٦/١٥-١٥٩، وانظر النزهة: ٣/١٢٠٢.
(٤)
أي: النبيَّ صلى الله عليه وسلم .
(٥) انظر السير: (المنصور) ١٥٦/١٥-١٥٩، وانظر النزهة: ٤/١٢٠٢ .
٣١٠
٠

حَبْسِه ، فقالَ : ما لَكِ ؟ قالت : قَضيب(١) مَحْبوبة المنصور ، تطلب منك أن
تُطْلِقَها ، فقال: يا مُنْتِنَةُ لولا شيءٌ لضَربتُك لَعَنَكِ اللهُ، ولَعنَ مَنْ أرْسَلَك فوَلْوَلَت ،
وشقَّت ثيابَها ثم ذَكرَت أمرَها للمَنْصور، فقالَ: ما أصْنَعُ به؟ ما أخَذَ منَّا صِلَةً ،
ولا تَقَدِرُ علىُ عَزْلِه نحنُ نحبُّ إِصْلاحَ البَلد .
وخَرِجَ في رَمضانَ سنة إحْدَى وأربعين وثلاث مئة إلى مكانٍ يَتنزَّه فأصابَه بَردٌ وریحٌ
عَظيمة ، فأثَّرَ ذلك فيه ، ومَرضَ ، وماتَ عددٌ كثيرٌ ممَّنْ مَعه ثم ماتَ من السَّنَة وله تسعٌ
وثَلاثونَ سنةً(٢).
وقد كان في سَنَةِ أَرْبَعِينَ جَهَّزَ أبو الطَّاهِرِ إِسْمَاعِيلُ بنُ القَائِمِ ابنِ المَهْدِيِّ جَيْشَه في
البَحْرِ إِلى صِقِلَّيَةَ، فَهَزَمُوا النَّصَارَىُ وكانت مَلْحَمَةً عُظْمَى، قُتِلَ فيها من العَدُوِّ ثلاثُونَ
ألفاً وأُسِرَ منهم ألُوفٌ، وَغَنِمَ الجُندُ ما لا يُعبَّر عنه .
وقِيلَ: إِنَّ افْتَتَحَ مدينةَ جَنْوَةَ .
وحَكَمَ علىْ مَمْلَكَةٍ صِقِلِيَةٍ وافْتَتَحَ له نائِيُه عليها فُتُوحاتٍ ، وانْتُصَرَ على العَدُوِّ وفَرِحَ
بذَلك المُسلمونَ ، وتَوَطَّدَ سُلطَانُه .
وكان المَنْصُورُ مُحَبَّاً إلى الرَّعِيَّة مُقْتَصِراً على إِظْهَارِ النَّشَيُّع وقام بعدَه المُعِزُّ
وَلَدُه(٣).
المُعِزّ :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجمَته : هو المُعِزُّ لدين الله أبو تميم مَعَدُّ بنُ المَنْصُور
العُبَيْدِيُّ المَهْدَويُّ المَغْرِبِيُّ الذي بُنيَتِ القَاهرَةُ المُعِزَِّّةُ له .
وَلِيَ سَنَةَ إِحْدىُ وأَرْبَعين وثلاث مئة، وسارَ في نَواحِي إِفْرِيقَة يُمهِّدُ مُلْكَه، فَذَلَّلَ
(١) جارية أخرى للسلطان ، ليس عنده أعزّ منها.
(٢) انظر السير: (المنصور) ١٥٦/١٥-١٥٩، وانظر النزهة: ٥/١٢٠٢.
(٣) انظر السير: (المنصور) ١٥٦/١٥-١٥٩، وانظر النزهة: ١/١٢٠٣.
٣١١

الخَارجينَ عَليه ، واسْتعمَلَ مَماليكَه على المُدنِ واسْتخدمَ الجُنْدَ ، وأنْفَقَ الأمْوالَ ،
وجهَّزَ مَمْلوكَه جَوْهَرَ القائدَ في الجُیوشِ(١).
قالَ القِفْطِيُّ: عَزَمَ المُعِزُّ علىْ بَعْث جَيشِه إلى مِصْرَ، فسألَتْهُ أُمُّهُ أنْ يُؤْخِّرَ ذلكَ
لتَحُجَّ خُفْيَةً فأجابَها ، وحَجَّتْ، فأحَسَّ بقُدومِها الأَسْتاذُ كافُورُ - يَعْني صاحِبَ مِصْرَ -
فحَضَرَ إليها وخَدمَها ، وحَملَ إليها تُحَفاً ، وبَعثَ في خِدْمتِها أجْناداً ، فلمَّا رَجَعَت ،
مَنْعَت ابنَها من قَصْدِ مِصْرَ ، فلمَّا ماتَ كافُورٌ بَعثَ المُعِزُّ جَيشَه، فأخَذوا مِصْرَ .
وكانت مِصْرُ في القَحْط ، فأخَذَها جَوْهَرٌ ، وأخَذَ الشَّامَ والحِجازَ ونفَّذَ يُعرِّفُ مَولاهُ
بانْتظام الأمْرِ .
وضُربَت السِّكةُ على الدِّينارِ بِمِصْرَ ( وهي: لا إلَهَ إلاَّ اللهُ محمَّدٌ رَسُولُ الله، عَليٌّ
خَيْرُ الوَصِيَيْن ) والوَجهُ الآخَرِ اسْم المُعِزِّ والتاريخ، وأُعْلِنَ الأذانُ بـ « حَيٍّ علیُ خَیرِ
العَملَ)) ، ونُوديَ : مَنْ مَاتَ عن بنْت وأخ أو أُخْت فالمآَلُ كلُّه للبنْت فهَذا رَأيُ
هؤلاء(٢).
فَتَهِيَّأْ المُعِزُّ، وسارَ بِخَزائِهِ، وتَوابيتٍ آبائِه وكان دُخُولُه إلى الإِسْكَنْدَرِيَّة في شَعْبانَ
سَنَةَ اثنتين وستِّينَ وثلاث مئة وتَلقَّاهُ قاضي مِصْرَ الذُّهْليُّ وأعيانُها، فَأَكْرَمَهُم وطال
حَديثُهُ مَعَهم وعَرَّفهم أنَّ قَصْدَه الحَقُّ والجهَادُ ، وأنْ يَختمَ عُمرَه بالأعْمال الصَّالِحَة ،
وأنْ يُقيمَ أوامرَ جَدِّه رَسول الله صلى الله عليه وسلم ووَعَظَ وذَكَّر حتى أعْجَبَهم ، وبكى
بَعضُهم ثم خَلعَ عليهم ، وقال للقاضي أبي الطَّاهِرِ الدُّهْليِّ: مَنْ رَأيتَ من الخُلَفاء ؟
فقالَ : واحداً ، قالَ : مَنْ هو ؟ قال : مَوْلانا ، فأعْجَبَه ذلك .
ثم إنَّه سارَ حتى خَيَّم بالجِيزَة فأخَذَ عَسْكرُه في التَّعْدِيَة إلى الفُسْطَاطِ ، ثم دَخَلَ
القاهِرَةَ، وقد بُنيَ له بها قَصرُ الإِمارَة، وزُيِّنَت مِصْرُ، فاسْتَوى علىْ سَرِير مُلْكِه ،
وصَلَّى رَكَعَتين .
(١) انظر السير: (المُعِزُّ) ١٥٩/١٥ -١٦٧، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٣.
(٢) انظر السير: (المُعِزُّ) ١٥٩/١٥ -١٦٧، وانظر النزهة: ٣/١٢٠٣.
٣١٢

وكان عَاقلاً لَبِيباً حَازِماً ذا أدَبٍ وعِلمٍ ومَعْرفَةٍ وجَلالَةٍ وكَرَمٍ يَرجِعُ في الجُمْلَةِ إلى
عَدْلٍ وإِنْصافٍ ، ولَوْلا بدْعَتُه ورَفْضُه، لكان من خِيارِ المُلوكِ (١) .
قالَ الإمامُ الذهبيُّ: ظَهرَ هذا الوَقتُ الرَّفضُ ، وأَبْدَىْ صَفْحَتَه ، وشَمَخَ بأنفِه في
مِصْرَ والشَّامِ ، والحِجازِ والغَربِ بالدَّولة العُبَيْدِيَّة ، وبالعِراقِ والجَزيرَة والعَجَم بَني
بُوَيه، وكانَّ الخَليفةُ المطيعُ ضَعِيفَ الدَّسْتِ والرُّبَة مع بَنِي بُوَيه ثم ضَعُفَ بَدَنُه ،
وأصَابَه فالِجُّ، وخَرَسٌّ فعَزَلوهُ، وأقاموا ابنَه الطَّائعَ لله، وله السِّكةُ والخُطْبَةُ، وقَليلٌ
من الأمُور ، فكانت مَمْلكةُ هذا المُعزِّ أعظَمَ وأمْكَن .
وأُعلنَ الأذانُ بالشَّامِ ومِصْرَ بـ((حَيٍّ على خَيرِ العَملَ))، فللَّه الأمرُ كلُّه .
قِيلَ: ما عُرفَ عن المُعزِّ غيرُ التَّشَيُّع، وكان يُطيلُ الصَّلاةَ .
وثارَت عليه القَرامِطَةُ ، واسْتولوا علىْ كَثِيرٍ من الشَّامِ ، وسارُوا حتى أتَوا مِصْرَ ،
فحارَبهم جَوْهَرٌ ، وجَرَت أمورٌ مَهُولَة .
وصلَّى بِالنَّاسِ المُعزُّ يَومَي العِيد صَلاةً طويلةً ، بحَيثُ إِنَّهِ سَبَّح في السُّجودِ نَحوَ
ثلاثين ، ثم خَطِبَهم فأَبْلَغ وأحَبَّتْه الرَّعيَّةُ .
وصَنَعَ شَمسيّة لتُعمَلَ على الكَعْبَة ثَمانيَة أشْبارٍ في مثلِها من حَرِيرٍ أحْمَر ، وفيها اثْنَا
عَشرَ هِلالاً من ذَهَب، وفي الهِلال تُرُنْجَةٌ (٢) قد رُصِّعَت بِجَواهِرَ ویاقُوتٍ وزُمُرُّدٍ ، لم
يُشاهِد أحَدٌ مثلَها .
ماتَ المُعزُّ سنةَ خَمسٍ وستِين وثلاثٍ مئة بالقاهِرَة المُعزِّيَّة ، وكان مَولِدُه بالمَهْدِيّة ،
التي بناها جَدُّهُم ، وعاشَ سِتاً وأربعينَ سنةً وكانت دولتُه أربعاً وعشرين سنةً .
وقد جَرى على دِمَشْقَ وغيرِها من عَساكِرِ المَغاربة كلُّ قَبِيحِ من القَتَلِ والنَّهْبِ وفعَلوا
ما لا يَفْعَلُه الفِرَنجُ، ولولا خَوفُ الإطالَة لسُقتُ ما يُبْكي الأعْيُن(٣).
(١) انظر السير: (المُعِزُّ) ١٥٩/١٥ -١٦٧، وانظر النزهة: ١/١٢٠٤.
(٢) ثمرة كالليمون ، ذهبية اللون ، زكية الرائحة ، ذات طعم حامض .
(٣) انظر السير: (المُعِزَّ) ١٥٩/١٥ -١٦٧، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٤.
٣١٣

العَزيزُ بالله :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجمَتِهِ : صاحِبُ مِصْرَ أبو مَنْصُور نِزارُ ابنُ المُعِزِّ العُبَيْدِيُّ.
وُلدَ سَنةَ أرْبَع وأرْبَعين وثلاث مئة قامَ بعدَ أَبِيهِ سنةً خَمسٍ وستِين(١).
وقال أبو مَنصور الثَّعالبي في (( اليَتِيمَة)): سَمعتُ الشيخَ أبا الطيِّب يَحْكي أنَّ
الأمَويَّ صاحبَ الأنْدَلس كَتبَ إليه نِزارٌ صاحبُ مِصْرَ كتاباً سَبَّه فيه وهَجاهُ فَكَتبَ إليه
الأمَويُّ: ((أمَّا بَعدُ: فإنَّكَ عَرَفْتَنَا فَهَجَوتنا ولو عَرفْنَاكَ لأَجَبْناك)» فاشْتَدَّ هذا على
العَزيز بالله، وأفْحَمَه عن الجَواب، يُشيرُ أنَّكَ دَعيٌّ لا نَعرفُ قَبِيلَتك(٢) .
قالَ أبو الفَرَجِ بنُ الجَوْزيِّ: كان العَزيزُ قد وَلَّى عيسَى بنَ نسْطورس النَّصْرانيَّ أمْرَ
مِصْرَ ، واسْتَنابَ مُنشًا اليهوديّ بالشَّام فَكَتَبَت إليه امرأةٌ: بالذي أعَزَّ اليهودَ والنَّصَارَىُ
بمُنشَّا وابنَ نسْطورس ، وأَذَلَّ المسلمينَ بك، إلَّ ما نَظَرتَ في أمْري .
فقَبضَ على الاثنين وأخذَ من عيسَىُ ثلاثَ مئة ألفٍ دينار(٣).
قالَ ابنُ خَلِكَانَ وغَيرُه: أكثرُ أهْلِ العلم لا يُصَحِّحُونَ نَسَبَ المَهْدِيِّ عُبَيْد الله جَدِّ
خُلَفاء مِصْرَ ، حتى إنَّ العَزِيزَ في أوَّلِ وِلايَتِهِ صَعدَ المِنْبَرَ يومَ جُمُعَة، فوجَدَ هناك رُقْعَةً
فيها :
نَبَّكي عَلى المِنْبَرِ والجَامعِ
إذَا سَمِعْنَا نَسَباً مُنْكَراً
فَاذْكُرْ أباً بَعْدَ الأبِ الرَّابعِ
إِنْ كُنْتَ فِيمَا تَدَّعِي صَادِقاً
فَانْسُبْ لَنَا نَفْسَكَ كَالطَّائِعِ
وإنْ تُرِدْ تَحْقِيقَ مَا قُلْتَه
وادْخُلْ بِنَا في النَّسَبِ الوَاسعِ
أوْ لا دَعِ الأَنْسَابَ مَسْتُورَةً
يَقْصُرُ عَنْهَا طَمَعُ الطَّامِعِ
فإِنَّ أنْسَابَ بَنِي هَاشِمٍ
(١) انظر السير: (العَزيزُ بالله) ١٦٧/١٥ -١٧٣، وانظر النزهة: ١/١٢٠٥.
(٢) انظر السير: (العَزيزُ بالله) ١٦٧/١٥-١٧٣، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٥.
(٣) انظر السير: (العَزيزُ بالله) ١٦٧/١٥-١٧٣، وانظر النزهة: ١/١٢٠٦.
٣١٤

وصَعَدَ مرَّةً أَخْرَى ، فرَأَىُ وَرَقَةً فيها :
وَلَيْسَ بِالْكُفْرٍ والحَمَاقَةُ
بِالظُّلْمِ والجَوْرِ قَدْ رَضِینَا
فقُلْ لَنَا كَاتِبَ البَطَاقَةُ
إِنْ كُنْتَ أُعْطِيتَ عِلْمَ غَيبٍ
ثم قالَ ابنُ خَلِّكانَ: وذلك لأنَّهم ادَّعَوْا عِلمَ المُغَيَّبات ولهم في ذلك أخبارٌ
مَشْهُورَة .
وفُتحت للعَزيزِ حَلَبُ وحَمَاةُ وحِمْصُ وخَطَبَ أبو الذَّوَّاد محمدُ ابنُ المُسَيِّبِ
بالمَوصِلِ له ورَقَمَ اسْمَه على الأعْلامِ والسُّكَّة سنةَ ٣٨٣ هـ، وخُطبَ له أيضاً باليَمَنِ
وبالشَّامِ ومَدائنِ المَغْربِ .
وكانت دَولةُ هذا الرَّافضيِّ أعْظَمَ بكثير من دولةِ أميرِ المؤمنينَ الطَّائعِ ابنِ المُطيعِ
العبّاسيِّ .
وفي أيّامه أُظْهِرَ سَبُّ الصَّحابَةِ جِهاراً(١) .
وفي سَنة ٣٦٦ هـ حَجَّت جَميلةُ بنتُ ناصِرِ الدَّولَة ، صاحِبِ المَوْصِل فممَّا كانَ
مَعَها أرْبَعُ مثَّة مَحْمَل فكانت لا يُدْرَى في أي مَحْمَل هي وأعْتَقَت خَمسَ مثَة نَفْس ونثَرَت
على الكَعْبَة عَشرَةَ آلاف مِثْقال وسَقَت جَميعَ الوَفْدِ سَوِيقَ الشُّكَّر والثَّلْج ، كذا قالَ
الثَّعالبيُّ، وخَلعَت وكَسَت خمسينَ ألفاً ولقد خَطبَها السُّلْطانُ عَضُد الدَّولَة فأبَتْ فحَنقَ
لذلك، ثم تمَكَّنَ منها فأفْقَرَها وعَذَّبَها، ثم ألْزَمَها أنْ تَعقدَ في الحانَةَ لتحصلَ من
الفاحشَة ما تُؤدِّي ، فمَرَّتْ معَ الأعْوانِ ، فقَذَفَتْ نَفْسَها في دِجْلَةَ ، فَغَرقَتْ، عَفَا اللهُ
عَنها .
وفي سنة سِتِّ وثَمانِينَ في رَمضَانَ ماتَ العَزِيزُ بَلْبِيسَ في حمَّامٍ من القُولَنِج ،
وعُمِرُه اثنتان وأرْبَعون سَنةً وأشْهُر وقامَ ابنُه الحاكِمُ الزُّنْدِيقُ(٢).
(١) انظر السير: (العَزيزُ بالله) ١٦٧/١٥ -١٧٣، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٦.
(٢) انظر السير: (العَزيزُ بالله) ١٦٧/١٥ -١٧٣، وانظر النزهة: ١/١٢٠٧.
٣١٥

الحاكم :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجِمَتِهِ : صاحِبُ مِصْرَ الحَاكِمُ بأمْرِ الله، أبو عليٍّ
مَنْصُورُ بنُ العَزِيزِ نِزَارِ العُبَيْدِيِّ المِصْريُّ الرَّافِضِيُّ ، بلِ الإسْماعيليُّ الزِّنْدِيقُ المُذَّعي
الرُّبُوبِيَّة .
مولده في سنة خمس وسبعين وثلاث مئة (١) .
وأقامُوهُ في المُلْك بعدَ أبيه وله إحْدَى عَشرةَ سَنةً، فحَكَى هو قالَ : ضَمَّني
أبي وقَّلَني وهو عُريانٌ ، وقالَ : امْضٍ فالْعَبْ فأنا في عافيَة قالَ : ثم تُوفِّيَ ، فأتاني
بَرْجَوَانُ(٢) وأنا علىُ جُمَّيْزَة في الدَّار فقالَ: انْزِلْ وَيْحَكَ، اللّهَ اللهَ فينا، فَنَزَلتُ ،
فَوَضَعَ العِمامَةَ بالجَوْهَر على رأسي، وقَبَّلَ الأرْضَ ثم قالَ: السَّلامُ عَليكَ يا أميرَ
المؤمنين وخَرجَ بي إلى النَّاسِ ، فقَبَّلُوا الأرضَ، وسَلَّمُوا عليَّ بالخِلافَةِ(٣).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : وكان شَيْطاناً مَرِيداً جَبَّاراً عَنيداً، كَثيرَ التَّلُوُّن، سَفَّاكاً
للدِّماءِ، خَبِيثَ النِّحْلَةِ، عَظيمَ المَكْرِ ، جَوَاداً مُمَدَّحاً، له شأنٌ عَجِيبٌ ونَبَأُ غَرِيبٌ ،
كانَ فِرْعَونَ زَمانِهِ ، يَخْترِعُ كُلَّ وَقْت أَحْكَاماً يُلْزِمُ الرَّعيَّةَ بها، أمَرَ بسَبُّ الصَّحَابَة
رَضِيَ اللهُ عَنهم، وبكتَابَة ذلكَ على أبوابِ المَسَاجِدِ والشَّوارِعِ وأمَرَ عُمَّالَه بالسَّبِّ ،
وبقَتلِ الكِلابِ فِي سَنةِ خَمسٍ وتسْعينَ وثلاث مئة وأبْطَلَ الفُقَّاعَ(٤) والمُلوخيا ، وحرَّمَ
السَّمكَ الذي لا فُلُوسَ عليه(٥) ، ووَقِعَ ببائعٍ لشيءٍ من ذلكَ فقتَلَهم (٦) .
وفي سَنة اثنتَين وأربَع مثَّة، حرَّمَ بَيْعَ الرُّطَبِ ، وجَمعَ منه شيئاً عظيماً ، فأخْرَقَه ،
ومَنعَ من بَيْع العنب، وأبادَ الكُرومَ ، وأمَرَ النَّصَارَىُ بتَعْلِيقِ صَليبٍ في رِقابِهِمْ زِنْتُه رَطلٌ
(١) انظر السير: (الحاكم) ١٧٣/١٥ -١٨٤، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٧.
(٢) هو أبو الفتوح ، بَرْجوان ، كان من خُدام العزيز ومدبري دولته ، نافذ الأمر ، مطاعاً، نظر في أيام
الحاكم ديار مصر والحجاز والمغرب ، وذلك في سنة ٣٨٨ هـ، وقُتلَ بأمر الحاكم سنة ٣٩٠ هـ .
(٣) انظر السير: (الحاكم) ١٧٣/١٥ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٣/١٢٠٧.
(٤) شراب يُتخذ من الشعير.
(٥) الفلس : القشرة على ظهر السمكة .
(٦) انظر السير: (الحاكم) ١٧٣/١٥ - ١٨٤، وانظر النزهة: ١/١٢٠٨.
٣١٦

ورُبْعِ بالدِّمَشْقَيِّ وألْزَمَ اليَهودَ أنْ يُعَلِّقُوا في أعْناقِهِم قُرْميَّة في زِنَةَ الصَّليبِ إشارَةً إلى
رَأسِ العِجْلِ الذي عَبدُوه، وأنْ تَكونَ عَمائمُهم سُوداً، وأنْ يَدخُلُوا الحَمَّامَ بالصَّلیبِ
وبالقُرْميَّة ثم أفْرَدَ لهم حَمَّاماتٍ وأمَرَ في العَام بهَدْمِ كَنيسةِ قُمامة (١) ، وبهَدم کَنائس
مِصْرَ ، فأسلمَ عدَّةٌ ، ثم إنَّه نَهَى عن تَقبيلِ الأرْضِ ، وعن الدُّعاءِ له في الخُطَّب وفي
الكُتُب وجَعَلَ بدَله السَّلامَ عَليه(٢) .
وقيلَ : إنَّ ابنَ باديسَ أميرَ المَغْرب بَعثَ يَنْقِمُ عليه أمُوراً، فأرادَ أنْ يَستميلَه ،
فأَظْهَرَ النَّفَقُّه، وحَملَ في كُمِّه الدَّفاتِرَ ، وطَلبَ إلى عندِهِ فَقَيهَين ، وأمَرَهما بتَدْريسٍ
فِقْهِ مالِك في الجامِعِ ، ثم تَغيرَّ فقَتَلَهما صَبْراً(٣).
وَأَذِنَ النَّصَارَى الذين أَكْرَهَهُم في العَوْدِ إلى الكُفْرِ (٤).
ومَنعَ النِّساءَ من الخُروجِ من البُيُوتِ ، فأَحْسَنَ ، وأبْطَلَ عَملَ الخِفافِ لهُنَّ جُمْلَة ،
وما زِلْنَ مَمْنوعاتٍ من الخُروِجِ سَبعَ سِنينَ وسَبعَةَ أَشْهُر (٥) .
ثم بعد مُدَّة أمَرَ بإنْشاءِ ما هُدِّمَ من الكنائسِ ، ويتَنَصُّرِ مَنْ أسْلَمَ (٦) .
قد حُبِّبَ في الآخرِ إلى صاحبٍ مِصْرَ الحاكمِ بأمْرِ الله العُزْلَةُ ، وبَقِيَ يَرْكَبُ وَحْدَه في
الأسْواقِ على حِمارٍ، ويُقِيمُ الحِسْبَةَ بنفسِه، وبَيْنَ يدَيْه عبدٌ ضَخْمٌ فاجِرٌ ، فمَنْ وَجَبَ
عليه تأدِيبٌ ، أَمَرَ العَبدَ أنْ يُولِجَ فيه ، والمَفعُولُ به يَصِيحُ .
وقِيلَ: إِنَّه أَرَادَ ادِّعاءَ الإِلَهِيَةِ، وشَرَعَ في ذلك، فَكَلَّمَهُ الْكُبَرَاءُ وخَوَّفُوهُ من ◌ُثُوبٍ
النَّاسِ ، فَتَوَقَّفَ .
وفي الأربع مئة وبعدَها كانت الأنْدَلُس تَغْلِي بالحُروبِ والقِتالِ على المُلْك (٧).
(١) في بيت المقدس .
(٢) انظر السير: ( الحاكم) ١٥/ ١٧٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٨.
(٣)
انظر السير: ( الحاكم ) ١٥/ ١٧٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٣/١٢٠٨.
انظر السير: ( الحاكم) ١٥/ ١٧٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٤/١٢٠٨.
(٤)
(٥) انظر السير: ( الحاكم) ١٥/ ١٧٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٥/١٢٠٨ .
(٦) انظر السير: (الحاكم) ١٥/ ١٧٣- ١٨٤، وانظر النزهة: ٦/١٢٠٨.
(٧) انظر السير: ( الحاكم) ١٧٣/١٥ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٧/١٢٠٨.
٣١٧

وأنْشأ داراً كبيرةً ملأها قُيوداً وأغْلالاً ، وجَعَلَ لها سَبْعَةَ أبْوابٍ ، وسمَّاها جَهَنَّمَ ،
فكان مَنْ سَخِطَ عليه أسْكنَه فيها .
ولمَّا أمرَ بحَريقِ مِصْرَ ، واسْتَبَاحَها ، بَعَثَ خادمَه ليُشاهِدَ الحالَ ، فلمَّا رَجعَ قال :
كَيفَ رأيتَ ؟ قال: لوْ اسْتَبَاحَها طاغيةُ الرُّوم ما زاد على ما رأيتُ، فضَرَب عُنُقَه .
وفي سَنة ثَلاث وأربع مئة، أُخِذَ الوفْدُ العراقيُّ، وغُوِّرَت المياهُ وهَلكَ بضعة عَشرَ
ألف مُسْلم ، ثم أُخِذَ من العَرَب ببَعْض الثَّارِ، وقُتْلَ عِدَّةٌ .
وبَعثَ الملكُ مَحمُودُ بنُ سُبُكْتكينَ كتاباً إلى الخَلِيفَة بأنَّه ورَدَ إليه من الحاكمِ كتابٌ
يَدْعُوهُ فيه إلىُ بَيْعَتِهِ ، وقد خَرَّقَ الكتاب ، وبَصَقَ عَليه(١) .
وفي سَنةِ خَمسٍ ظَفرَ الحاكمُ بنساءٍ علىٌ فَسادٍ ، فغرَّقَهُنَّ ، وكانت الغاسِلَةُ لا تَخْرُجُ
إلى المَرأةِ إلَّ مع عَدْلين ، ومَرَّ القاضي مَالكُ بنُ سَعيد الفارقيُّ، فنادَتْه صَبيَّة من
رَوْزَنَةٍ : أقسَمتُ عليكَ بالحاكم أنْ تَقَفَ ، فوَقَفَ ، فبكَتْ ، وقالَت : لي أخٌ يَموتُ ،
فبالله إلاَّ ما حَمَلتَني إليه لأراهُ ، فَرَقَّ لها وبَعثَ معها عَدْلَيْن، فأَتَتْ بَيْناً، فدَخَلَت ،
والبيتُ لعاشِقِها، فجاءَ الزَّوْجُ، فسألَ الجيرانَ، فحدَّثوه، فجاءَ إلى القاضي
وصاحَ، وقالَ : لا أخَ لها ، وما أفارقُكَ حتى تَرُدَّها إليَّ، فحارَ القاضي وطلع
بالرجُل إلى الحاكم ، ونادَى العَفْوَ، فأمرَه أنْ يَركَبَ مع الشَّاهِدين ، فوجدوا المرأةَ
والشَّابّ في إزارٍ واحد على خُمار، فحُمِلا على هَيْتِهِما فسألها الحاكمُ فأحالَت على
الشَّابِّ، وقالَ : بلْ هَجَمَتْ عليَّ، وزَعَمت أنَّها بلا زَوْجٍ، فَلَفَّت في باريّةٍ ،
وأُحْرِقَت ، وضُربَ الشَّابُّ ألفَ سَوْطٍ .
ووَلَيَ دِمَشْقَ للحاكم عدَّةُ أُمَراء ما كان يَدَعُ النَّائبَ يَسْتَقرُّ حتى يَعزِلَهِ(٢) .
وذَكرْنا في تَرجَمته(٣) ، أنَّ خَرجَ من القَصْرِ فطَافَ لَيَلتَه، ثم أصْبَحَ فَتَوَجَّه إلى
شَرقِيٍّ حُلوانَ مَعَه ركابيَّان ، فرَدَّ أحدَهما مع تسْعَة من العَرَب ثم أمَرَ الآخَرَ بالانْصِرافِ
(١) انظر السير: (الحاكم) ١٧٣/١٥ - ١٨٤، وانظر النزهة: ١/١٢٠٩.
(٢) انظر السير: ( الحاكم) ١٥/ ١٧٣ - ١٨٤، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٩.
(٣) يُشيرُ الذهبيُّ هنا إلى كتابه ((تاريخُ الإسْلام)».
٣١٨

فزَعمَ أنَّه فارَقهَ عند المَقْصَبَةِ ، فكانَ آخرَ العَهْدِ به وخَرجَ النَّاسُ على رَسْمهم يَلْتِمِسون
رُجوعَه، مَعهم الجَنائبُ ففعلوا ذلكَ جُمعَة ثمَّ خَرجَ في ثاني ذي القِعْدَة مُظفَّرٌ صاحبُ
المِظلَّةُ ونَسيمٌ وعِدَّة فبَلغوا دَيْرَ القُصَير ، وأمْعَنوا في الدُّخولِ في الجَبَل فَبَصُروا بحِمارِه
الأَشْهَب المُسَمَّى بقَمر، وقد ضُربَت يَداه ، فأثَّر فيهما الضَّربُ وعَليه سَرْجُه ولجامُه ،
فتبَّعوا أثرَ الحِمارِ فإذا أثرُ راجلٍ خلفَه وراجلٌ قُدَّامَه ، فقَصُّوا الأثرَ إلى برْكَة بِشَرقيِّ
حُلْوانَ ، فَنَزَلَ رجلٌ إليها فيَجدُ فيهما ثيابَه وهي سَبعُ جِبابٍ ، فوُجدَت مُزَرَّرَة ، وفيها
آثارُ السَّكاكينِ فمَا شَكُوا فِي قَتِلِهِ(١) .
وثَمَّ اليوم طائفةٌ من طَغام الإِسْماعيليَّة الذين يَحِلِفُونَ بِغَيْبَة الحاكمِ ، ما يَعتقدُونَ إلاَّ
أنَّه باقٍ ، وأنَّ سَيَظْهَر نَعوذُ بالله من الجَهْل .
وقد قَتلَ الحاكمُ جَماعَةً من الأُمَراء بلا ذَنْبٍ ، وذَبحَ قاضیین له .
وسِيرَةُ الحَاكِمِ ، وعَسْفِهِ تَحْتملُ كَراريسَ (٢) .
الظاهِر :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجمَتِهِ : صاحبُ مِصْرَ الظَّاهِرُ لإعْزازِ دِينِ الله،
أبو الحَسَن ، عَليُّ بنُ الحاكِمِ مَنْصُورِ بنِ العَزيز نِزارِ بنِ المُعِزِّ ، العُبَيْدِيُّ المِصْرِيُّ
ولا أسْتَحِلُّ أنْ أُقُولَ العَلَوُّ الفَاطِمِيُّ، لِمَا وَقَرَ فِي نَفْسِي من أنَّه دَعِيٌّ .
بُويعَ وهو صَبِيٌّ لَمَّا قُتْلَ أَبُوهُ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وأَرْبَع مثَّة .
وكانت دَولتُه علىُ مِصْرَ والشَّامِ والمَغْربِ ولكنْ طَمِعَ في أطْرافِ بلاده طَوائفُ ،
(١) ((وَفيّاتُ الأعْيان)»: ٢٨٧/٥ - ٢٩٨ وقد نقل المقريزي عن المسبحي رواية أخرى لمقتله، قال :
: (( وفي المحرَّم سنة خمس عشرة وأربع مئة قبض على رجل من بني حسين ثار بالصعيد الأعلى ، فأقرَّ
بأنه قتل الحاكم بأمر الله في جملة أربعة أنفس تفرقوا في البلاد ، وأظهر قطعة من جلدة رأس الحاكم
وقطعة من الفوطة التي كانت عليه، فقيل له: ((لمَ قَتلتَه؟ )) قال: غَيرةً لله وللإِسْلام))، فقيل له :
((كيف قتلتَه؟)) فأخرج سكيناً ضرب بها فؤادَه، فقَتلَ نفسَه، وقال: ((هكذا قتلتُه)) فقطع رأسه،
وأنفذ به إلى الحضرة مع ما وجد معه هذا هو الصحيح في خبر قتل الحاكم ، لا ما تحكيه المشارقة في
كتبهم من أن أختَه قَتلته انظر ((اتُّعاظ الحُنفا))، ٣١٤.
(٢) انظر السير: ( الحاكم) ١٧٣/١٥ - ١٨٤، وانظر النزهة: ١/١٢١٠.
٣١٩

فَتَغْلَّبَ حسَّانُ بنُ مُفرِّج الطائيُّ صاحبُ الرَّمْلَة على كثير من الشَّامِ وضَعُفَت الإمارَةُ
العُبَيْديَّة قَليلاً .
وماتَ الظَّاهِرُ فِي سَنة سَبعٍ وعشرينَ وأرْبَع متَة ولمْ يَبلُغني كَبِيرُ شيءٍ من أخْبارِه وقامَ
ابنُه المُسْتَنِصِرُ وقيلَ كانَ غارِقً في اللَّهْوِ والمُسْكِرِ والسَّراري(١) .
المُسْتَنّصِرُ بالله :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمَتِهِ : صاحبُ مِصْرَ المُسْتَنْصِرُ بالله، أبو تَميم مَعَدُّ بنُ
الظَّاهِر، وَلِيَ الأمْرَ بعدَ أبيهِ ، ولَه سَبْعُ سِنينَ ، فامْتَدَّتْ أيامُه ستِّينَ سَنةً وأرْبَعَةَ أَشْهُر .
وفي وَسَطِ دَولتِهِ خُطِبَ له بإمْرةِ المؤمنينَ على مَنابِرِ العِراقِ فِي سَنةِ إحْدَى وخَمسينَ
وأربع مئَة والْتَجأَ القائِمُ بأمْرِ الله الخَلِيفَةُ إلى أميرِ العَرَب فأجارَه ، ثم بعدَ عامٍ عَادَ إلى
خِلافَتِهِ (٢).
وفي سَنةِ أرْبَعِينَ وأربع مئة غَزَتْ الغُزُّ مع إِبراهِيمَ يَنَال السَّلْجُوِيّ، وقِيلَ : ما كانَ
مَعَهُم، فَغَزَوْا إِلىْ قَرِيبِ القُسْطَنْطِيْنِيّة، وغَنِمُوا وسَبُوا أَزْيَدَ من مِئَةِ ألفٍ ، وقِيلَ :
جُرَّتِ المَكَاسِبُ علىْ عَشْرةِ آلافِ عَجَلةً ، وكان فَتْحاً عَظِيماً وكان الرَّفْضُ أيضاً قَوِيّاً
بالعِراقِ(٣).
وفي سَنة ثَمَانٍ وأرْبَعينَ وأرْبَعِ مثَّة كانَ بالأنْدَلُسِ القَخْطُ ما سُمعَ بمثلِه ، ويُسمُّونَهَ
الجُوعَ الكَبير، وكان بمِصْرَ القَحْطُ والفَنَاءُ (٤) .
وكان غَلاءٌ مُفْرطٌ بَغْدَادَ وفَنَاءٌ، وأمَّا بما وَراءَ النَّهْرِ فَتَجاوَزَ الوَصْفَ .
وفي سَنةِ إحْدَى وستِينَ وأرْبَع مئَّة كان حَريقُ جامِعِ دِمَشْقَ ، ودُثِرَت مَحاسِنُهُ
واخْتَرِقَتْ الخَضْراءُ مَعَه - وكانَت دَارَ المُلْك - من حَربٍ وَقِعَ بينَ عَسْكَرِ العِراقِ ،
وعَسْكَرٍ مِصْرَ .
(١) انظر السير: (الظَّاهِر) ١٨٤/١٥ -١٨٦، وانظر النزهة: ١٢١١ / الظَّاهِر.
(٢)
انظر السير: ( المُسْتَنصر بالله) ١٨٦/١٥ -١٩٦، وانظر النزهة: ١/١٢١١.
(٣) انظر السير: (المُسْتَنصر بالله) ١٨٦/١٥ -١٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٢١١.
(٤) انظر السير: (المُسْتَنْصِر بالله) ١٨٦/١٥ -١٩٦، وانظر النزهة: ١/١٢١٢.
٣٢٠