Indexed OCR Text

Pages 281-300

الشَّام، وحَرَّضَهُم على الطَّلَبِ بَدَمِه، وأجْمَعَ على المَسِيرِ إلىْ صِفِينَ ، وقَصَدَ كُلٌّ
منهُمَاَ الآخَرَ ، فالْتَّقَوْا لِسَبعِ بَقِينَ من المُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وثلاثين .
وفي أوَّلِ صَفَرٍ شَبَّتِ الحَربُ وقُتِلَ خَلْقٌ، وضَجِرُوا، فرَفَعَ أهْلُ الشَّامِ
المَصاحِفَ ، وقالُوا : نَدْعُوكُم إلى كِتابِ الله والحُكْمِ بما فيه ، وكان ذلك مَكِيدَةٌ من
عَمْرُو بنِ العاصِ ، فَاصْطَلَحُوا وكَتَبُوا بَيْنَهُم كَتاباً على أنْ يُوافُوا أَذْرُح(١) ويُحَكِّمُوا
حَكَمَيْنِ (٢) .
قال : فَلَمْ يَقَعِ اتَّفَاقُ ورَجَعَ عَليٍّ إلى الكُوفَةِ بالدَّغَلِ (٣). من أصْحابِه والاخْتِلافِ
فَخَرَجَ منهُم الخَوارِجُ، وأنْكَرُوا تَحْكِيمَه، وقالوا: لا حُكْمَ إلاَّ له، ورَجَعَ مُعاويَةٌ
بالأُلْفَةِ والاجْتِمَاعِ ، وبَايَعَهُ أهْلُ الشَّامِ بالخِلافَةِ في ذي القِعْدَةِ سَنةَ ثَمانٍ وثلاثين .
ثمَّ اسْتُشْهِدَ عَلَيٍّ في رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وصَالَحَ الحَسَنُ بنُ عَليٍّ مُعَاوِيَةَ ، وبَايَعَهُ ،
وسُمِّيَ عامَ الجَماعَةِ وحَجَّ بِالنَّاسِ سَنَةً خَمسينَ .
ثُمَّ اعْتَمَرَ سَنَ سِتٍّ وخَمسِينَ فِي رَجَبَ ، وكان بَيْنَه وبَيْنَ الحُسَيْنِ وابنِ عُمَرَ ، وابنِ
الزُّبَيْرِ ، وابنِ أبِي بَكْرٍ ، كَلامٌ فِي بَيْعَةِ العَهْدِ لِيَزِيدَ ، ثمَّ قال: إنِّي مُتَكَلِّمٌ بِكَلامِ ، فلا
تَرُّدُّوا عَليَّ أَقْتُلْكُم، فخَطَبَ، وأظْهَرَ أنَّهم قد بَايَعُوا، وسَكَنُوا ولَمْ يُنْكِروا، ورَحَلَ
على هذا وادَّعَىْ زِيادٌ أنَّه أخُوهُ فَوَلاَه الكُوفَة بعدَ المُغِيرَة ، فَكَتَبَ إليه في حُجْرِ بنِ عَديّ
وأصْحابِهِ ، وحَمَلَهم إليه فقَتَلَهم بمَرْجِ عَذْراء ، ثمَّ ضَمَّ الكُوفَة والبَصْرَة إلى زِیادٍ ،
فمَاتَ ، فوَلاهُما ابنَه عُبَيْدَ الله بنَ زِياد (٤) .
وقال ابنُ شَوْذَب : سَارَ الحَسَنُ يَطْلُبُ الشَّامَ، وأقْبَلَ مُعاويَةُ في أهْلِ الشَّامِ
فالْتَّقَوا ، فَكَرِهَ الحَسَنُ القِتالَ، وبايَعَ على أنْ جَعَلَ له العَهْدَ بالخِلافَةِ مِنْ بَعدِه ، فكان
أصْحابُ الحَسَنِ يقُولونَ له : يا عَارَ المُؤمِنِينَ، فيقُولُ: العَارُ خَيرٌ من النَّارِ .
(١) أَذْرُح : اسم بلد في أطراف الشام من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز .
(٢)
انظر السير: ( مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ٤/٣٥٠.
(٣) الدغل : الفساد.
(٤) انظر السير: (مُعَاوَة بن أبي سُفْيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ١/٣٥١.
٢٨١

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحَسَنِ: ((إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ وسَيُصْلِحُ اللهُ بُه بَيْنَ
فِئَتَيْنِ عَظيمَتَيْنِ من المُسلمينَ )) ، ثمَّ إِنَّ مُعاويَةَ أجَابَ إلى الصُّلْحِ، وسُرَّ بِذَلِكَ ودَخَلَ
هُوَ والحَسَنُ الكُوفَةَ رَاكِبَيْنِ ، وتَسَلَّمَ مُعاويَةُ الخِلافَةَ في آخِرِ رَبيعٍ وسُمِّيَ عَامَ الجَماعَةِ
الاجْتِماعِهِم على إمامٍ، وهو عامُ أحَدَ وأرْبَعينَ(١).
قال الزُّبَيْرُ بن بَكَّار: كان الضَّخَّاكُ بنُ قَيْس مع مُعاويَة ، فوَلاَهُ الكُوفَة ، وهو الذي
صَلَّى علىُ مُعاويَة ، وقام بِخِلافَتَه حتىُ قَدِمَ يَزِيدُ، ثم بعدَه دَعا إلى ابنِ الزُّبَيْرِ ، وبابَعَ
له ، ثم دَعا إلىْ نَفْسِهِ (٢).
وعن خالدِ بنِ يَزيد ، عن أبيه ، وعن مَسْلَمَة بنِ مُحارِب ، عن حَرْبِ ابنِ خالِد
وغَيرِه ، أنَّ مُعاويَةَ بنَ يَزِيد لَمَّا ماتَ ، دَعا النُّعْمانُ بنُ بَشير بحمْص إلى ابنِ الزُّبَيْر ،
ودَعَا إليه بدِمَشْقَ الضَّخَاكُ سِراً لِمَكانٍ بَنِي أُمَيَّة وبَنِي كَلب ودَعا زُفرُ بنُ الحارِث أميرُ
قَنَّسْرين إلى ابنِ الزُّبَيْرِ ، وبلَغَ حَسَّانُ بنُ بِحْدل وهو بفلسْطينَ وكان هَواهُ في يد خالدِ بنِ
يَزِيد فَكَتبَ إلى الضَّخَّاكِ يُعَظِّمُ حَقَّ بَنِي أُمَيّة، ويَذُُ ابنَ الزُّبَيْرِ ، وقالَ للرسولِ : إنْ قرأ
الكتابَ ، وإلاَّ فاقرأهُ على النَّاس ، وكتبَ إلى بَنِي أُمَيَّة فلمْ يَقرأ الضخَّاكُ كتابَه ، فكان
في ذلك اختلافٌ ، فسكَّتَهم خالدُ ابنُ يزيد ، ودَخلَ الضخَاكُ دارَه أيّاماً ، ثم صلَّى
بِالنَّاسِ ، وذَكرَ يَزِيدَ فشَتَمَه ، فقامَ رجلٌ من كَلب فضَربَه بعضًا فاقْتَتَلَ النَّاسُ بالشُّيوفِ ،
ودَخلَ الضخَّاكُ دارَ الإِمارَة فلمْ يَخرجْ وتَفرَّقَ النَّاسُ فِفِرْقَةٌ زُبَيْريّة وأخرى بَحْدَليّة ،
وفِرْقَةٌ لا يُبالُونَ ثمَّ أرادوا أنْ يُبايعوا الوَليدَ بنَ عُتْبَة ابنَ أبي سُفْيان ، فأَبَى ، ثم تُونِّي
وطَلبَ الضَّّاكَ مَرْوانُ، فأتاهُ هو وعَقُّه والأَشْدَقُ ، وخالدُ بنُ يَزِيد ، وأخُوه ، فاعْتَذْرَ
إليهم ، وقال : اكتُبُوا إلى ابنِ بَحْدَل حتى ينزلَ الجابية ، ونَسيرُ إليه ، ويَسْتخلفُ
أحدَكم، فقدمَ ابنُ بَحْدَل، وسارَ الضخَّاكُ وبَنو أُمَيَّة يُريدونَ الجابية فلمَّا اسْتقلَّت
الرَّاياتُ مُوجهة ، قالَ مَعنُ بنُ ثَوْرِ والقَيْسِيَّة للضخَاك : دَعَوتَ إلى بَيْعَةِ رَجلٍ أحْزَم
النَّاسِ رَأياً وفَضْلاً وبأساً ، فلمَّا أَجَبْناكَ سِرْتَ إلى هذا الأعْرابِيِّ تُبايعُ لابنٍ أُخْتِه! قالَ :
(١) انظر السير: ( مُعاوية بن أبي سُفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ٣/٣٥٢.
(٢) انظر السير: (الضَّحَّاكُ بن قَيس) ٢٤١/٣-٢٤٥، وانظر النزهة: ٣/٣٧٥.
٢٨٢

فمَا العَملُ ؟ قالوا : تَصرفُ الرَّاياتِ ، وتَنْزِلُ فَتُظْهِرُ البَيْعَةَ لابنِ الزُّبَيْرِ ، فَفَعل، وتَبَعَهُ
النَّاسُ فكتبَ ابنُ الزُّبَيْرِ إليه بمْرَةِ الشَّام، وطرَدَ الأُمَويَّة من الحِجَاز .
وخافَ مَرْوانُ ، فسارَ إلى ابنِ الزُّبَيْرِ ليُبايِعَ ، فَلَقِيَهُ بأذْرعات عُبَيْدُ الله بنُ زِياد مُقْبلاً
من العِراقِ ، فقالَ : أنْتَ شَيخُ بَنِي عَبدِ مَناف، سُبحانَ الله ، أرَضيتَ أنْ تُبَايِعَ أبا
خُبَيَب ولأنْتَ أَوْلَى قالَ : فما تَرَى؟ قالَ : أُدْعُ إِلَى نَفَسِك ، وأنا أكْفيكَ قُرَيْشاً ومَواليها
فَرَجَعَ ، ونزَلَ بابِ الفَراديس (١) وبَقي يَركبُ إلى الضخَّاكُ كلَّ يوم ، فيُسلِّم عليه ،
ويَرجِعُ إلى مَنِزِلِه فَطَعنَهَ رَجُلٌ بحَرْبة في ظهرِهِ ، وعليه دِرْعٌ ، فأثْبَتَ الحَرْبَة ، فَرُدَّ إلى
مَنزِلِه، وعادَه الضخَّاكُ، وأتاه بالرَّجُلِ ، فعَفا عَنْهُ ثم قالَ للضخَاكُ: يا أبا أُنَيَس!
العَجبُ لك وأنتَ شَيخُ قُرَيش، تَدْعُو لابنِ الزُّبَير، وأنتَ أرْضَى منهُ! لأنَّكَ لمْ تَزَلْ
مُتَمَسِّكاً بالطَّاعَة، وهو فارَقَ الجَماعَة فَأَصْغَىُ إليه، ودَعا إلى نَفسِه ثلاثَةَ أيَّام ،
فقالوا : أَخَذْتَ عُهودَنا وبَيْعَتَنا لرجُلٍ ، ثم تَدعُو إلى خَلعِه من غَيرِ حَدَث! وأَبَوْا فعاوَدَ
الدُّعاءَ لابنِ الزُّبَيْرِ ، فَأَفْسَدَه ذلكَ عندَ النَّاسِ فقالَ له ابنُ زِياد: مَنْ أرادَ ما تُريدُ لَمْ يَنْزِلْ
المدائنَ والحُصونَ ، بلْ يَبرزُ ويَجْمعُ إليه الخَيلَ ، فاخْرُجْ ، وضُمَّ الأجْنادَ ، ففَعَلَ ،
ونزلَ المَرْجَ فانْضَمَّ إِلى مَرْوانَ وابنِ زِياد جَمعٌ .
وانْضَمَّ إليهم عبادُ بنُ زِياد في مَواليه ، وانْضِمَّ إلى الضخَّاكِ زُفرُ ابنُ الحارثِ
الكلابيُّ أميرُ قَنَّسْرين ، وشُرَحْبِيلُ بنُ ذي الكلاعِ ، فصارَ في ثلاثينَ ألْفاً ، ومَرْوانُ في
ثلاثَة عَشرَ ألفاً أكثرُهم رجَّالَة ، وقيلَ: لمْ يَكُنْ مع مَرْوانَ سِوَى ثَمانينَ فَرَساً ، فالْتَّقوا
بالمَرْجِ أيّاماً ، فقالَ ابنُ زِياد: لا تَنَالُ من هذا إلاَّ بمَكيدَة ، فَادْعُ إلى المُؤَادَعَة ، فإذا
أَمِنَ ، فَكُرَّ عليهِم .
فراسَلَه فأمْسَكوا عن الحَرْب ثم شَدَّ مَرْوانُ بجَمْعِه على الضخَّاك ونادَى النَّاسُ :
يا أبا أُنَيَس! أعَجزاً بعدَ كيس؟ فقالَ الضخَّاكُ: نعَم لعَمْري، والْتُحمَ الحَربُ ، وقُتلَ
الضخَّاكُ، وصَبرتْ قَيْسٌ، ثم انْهَزَمُوا ، فنادَى مُنادي مَرْوانَ: لا تَتَّبعوا مُوَلِّياً
(١) باب الفراديس: من أبواب دمشق القديمة ، ويقال له اليوم: باب العمارة ، ويقع في شمال الجامع
الأموي .
٢٨٣

قالَ الوَاقِدُّ : قُتْلَتْ قَيْسٌ بمَرْج راهِط مَقْتَلَةٌ لمْ تُقْتَلْها قَطُّ فِي نِصْفِ ذي الحِجَّة سَنةً
أربع وستين .
وقيلَ : إِنَّ مَرْوانَ لَمَّا أُتِيَ برأسِ الضخَّاكُ، كَرِهَ قَتَلَه ، وقالَ: الآنَ حين كَبُرَت
سِنِّي ، واقْترَبَ أجَلي ، أقْبلْتُ بالكتائبِ أضْربُ بَعضَها بِبَعضٍ (١) .
وبُويعَ عبدُ الله بنُ الزُّبَيْرِ بالخِلافَةِ عندَ مَوْتِ يَزِيد سنةَ أرْبَع وسِتِّين ، وحَكمَ على
الحِجازِ واليَمنِ ، ومِصْرَ ، والعِراقِ، وخُراسانَ ، وبَعضِ الشَّام ، ولمْ يَسْتَوسقْ له
الأمرُ ومِنْ ثَمَّ لَمْ يَعُدَّه بعضُ العُلماء في أُمَراء المؤمنين، وعَدَّ دَولَتَه زَمنَ فُرْقَةٍ فإنَّ
مَرْوانَ غَلبَ على الشَّام ثم مِصْرَ ، وقامَ عندَ مَصْرَعِه ابنُهُ عبدُ المَلكِ بنُ مَرْوانَ ،
وحارَبَ ابنَ الزُّبَيْرِ، وقُتْلَ ابنُ الزُّبَيْرِ رَحمَه اللهُ فاسْتقلَّ بالخِلافَةَ عبدُ المَلكِ وَآلُه ،
واسْتَوْسقَ لهم الأمرُ إلى أنْ قَهَرَهم بَنُو العَبَّاس بعدَ مُلكِ سِتِينَ عَاماً(٢).
قال ابنُ سَعْد : أخْبَرَنا مُحمَّدُ بنُ عُمَر، حَدَّثنا عبدُ الله بنُ جَعْفَر، عن عَمَّتِهِ أمِّ
بَكْر ، وقالَ وحدَّثني شُرَحْبِيلُ بنُ أبي عَوْن ، عن أبيه وحذَّثنا ابنُ أبي الزُنادِ وغَيْرُهم ،
قالوا : خَرِجَ ابنُ الزُّبَيْرِ إلى مَكَّة ، ولَزِمَ الحِجْرَ ، ولَيسَ المَعَافِرِيَّ، وجَعلَ يُحرِّضُ
علىْ بَنِي أُمَيَّة، ومَشَى إلىُ يَحْيَى بنِ حَكيم الجُمَحِيِّ وإلى مكَّة فبايَعهُ لَيَزِيدَ ، فَلَمْ يَرْضَ
يَزِيدُ حتى يُؤتى به في جامعةٍ ووثاق .
وامْتَنَعَ ابنُ الزُّبَيرِ أنْ يُذِلَّ نَفَسَه، وقالَ : اللَّهُمَّ إنِّي عائذٌ بِبَيْئِك، فقيل له : عَائذُ
البَيْت ، وبَقيَ لا يعْرضُ له أحَدٌ .
ثم دَعا إلىْ نَفْسِه وبايَعوهُ، فوَلَّى على المَدِينَةَ أخاه مُصْعَباً وعلى البَصْرَة الحارثَ بنَ
عبدِ الله بنِ أبي رَبيعَة ، وعلى الكُوفَة عبدَ الله ابنَ مُطيع، وعلىُ مِصْرَ عبدَ الرَّحْمَن بنَ
جَحْدَم الفِهْريّ، وعلى اليَمَن، وعلىُ خُراسَان، وأمَّرَ على الشَّام الضخَّاكَ بنَ قَيْس ،
فبايَع له عامَّةُ أهْلِ الشَّام وأبَت طائفةٌ ، والْتَقَّتْ على مَرْوانَ بنِ الحَكَم ، وجَرَت أمُورٌ
(١) انظر السير: (الضَّخَّاك بن قيس) ٢٤١/٣ - ٢٤٥، وانظر النزهة: ٤/٣٧٥.
(٢) انظر السير: (عبد الله بن الزُّبير) ٣٦٣/٣ - ٣٨٠، وانظر النزهة: ٣/٣٩٤.
٢٨٤

طَويلةٌ، وحُروبٌ مُزْعِجَة ، وجَرَت وَقعَةُ مَرْج راهِط وقُتلَ أَلُوفٌ من العَرَب ، وقُتْلَ
الضخَّاكُ ، واسْتَفْحَلَ أمرُ مَرْوانَ إلى أنْ غَلبَ على الشَّام ، وسارَ في جَيشٍ عَرَمْرَمٍ ،
فأخَذَ مِصْرَ واسْتعمَلَ عليها ولدَه عبدَ العَزيز، ثم دَهمَهُ المَوْتُ، فقامَ بعدَه ولدُه الخَلَيْفَةُ
عبدُ المَلِكِ ، فَلَمْ يَزَلْ يُحاربُ ابنَ الزُّبَيْرِ حتى ظَفرَ به بعدَ أنْ سارَ إلى العِراقِ وقَتلَ
مُصْعَبَ بنَ الزُّبَيْرِ .
قالَ الإِمامُ الذهبيُّ : ثم جهّزَ يَزِيدُ جَيشاً ستَّة آلاف، إذْ بَلغَه أنَّ أهْلَ المدينَة
خَلْعُوه ، فجَرتْ الحَرَّة، وقُتْلَ نَحوَ ألفٍ من أهْلِ المَدينَة ، ثم سارَ الجَيشُ عليهم
حُصَين بنُ نُمَيْرِ، فحاصَروا الكَعبَةَ، وبها ابنُ الزُّبَيْرِ، وجَرتْ أمورٌ عَظيمَة فقَلَعَ اللهُ
يَزِيدَ ، وبايَعَ حُصَيْنٌ وعَسْكُرُه ابنَ الزُّبَيْرِ بالخِلافَةِ ، ورَجَعوا إلى الشَّام .
قالَ الإمامُ الذهبيُّ : عِيب ابنُ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه بشُحِّ .
وعن المُنْذِرِ بنِ جَهْم قال : رَأيتُ ابنَ الزُّبَيْرِ يومَ قُتْلَ وقَد خَذَلَه مَنْ كان مَعه
خِذْلاناً، وجعلوا يَتسلَّلونَ إلى الحَجَّاجِ، وجَعلَ الحَجَّاجُ يَصيحُ : أيُّها النَّاسُ! عَلامَ
تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم؟ مَنْ خَرجَ إلينا، فهوَ آمِنٌ، لكم عَهْدُ اللهِ ومِيثاقُه وَرَبٌّ هذه البَنِيَّة
لا أغْدِرُ بكم ، ولا لنا حاجَةٌ في دِمائِكم .
قال : فَتَسلَّلَ إليه نَحْو من عشرةِ آلاف ، فَلَقدْ رَأيتُ ابنَ الزُّبَيْرِ وما مَعه أحَدٌ .
وعن إسْحاقَ بنِ أبي إسْحاقَ قالَ: حَضَرتُ قَتَّلَ ابنِ الزُّبَيْرِ، جَعَلَتِ الجُيوشُ
تَدخُلُ عليه من أبوابِ المَسْجِد ، فكُلَّمَا دَخلَ قَومٌ من بابٍ ، حَمَلَ عَليِهِم وَحْدَه ، حتى
يُخْرِجَهُم ، فَبَيْنا هو على تِلكَ الحَالِ ، إذْ وَقعَت شُرْفَةٌ من شُرُفاتِ المَسْجدِ على
رَأْسِهِ ، فصَرَعَتْهُ وهو يَتمَثَّلُ :
أسْماءُ يا أسْماءُ لا تَبْكِي
لَمْ يَبْقَ إلاَّ حَسَبِي ودِينِي
وصَارِمٌ لاثَتْ به یمیني
قالَ الإمامُ الذهبيُّ: ما إخالُ أولئك العَسْكرُ إلَّ لَو شاؤوا، لأَتْلَفوهُ بسِهامِهم
ولكنْ حَرصوا على أنْ يُمْسِكوه عَنْوَة ، فما تَهيّأ لهم، فَلَيْتَه كَفَّ عن القِتالِ لَمَّا رَأى
٢٨٥

الغَلْبَة ، بلْ لَيْتَه لا الْتَّجأ إلى البَيتِ ، ولا أَحْوَجَ أولئكَ الظَّلِمَة والحَجَّاجَ لا بَارَكَ اللهُ فيه
إلى انْتِهاكِ حُرْمَةٍ بَيْتِ اللهِ وأمْنِهِ ، فَتَعُوذُ باللهِ من الفِتْنَةِ الصَّمَّاء .
قُتل في جُمادَى الآخِرَة سنةَ ثَلاث وسَبعين .
عاشَ نَيَفاً وسَبعين سَنة رضي الله عنه (١) .
٤ - تَعْليلٌ لِقِيامِ دَوْلَةٌ بَنِي العَباس :
قالَ محمدُ بنُ جَرير في (( تاريخِه)) كان بُدوُّ أمرٍ بَنِي العَبَّاس أنَّ رَسولَ الله صلی الله
عليه وسلم فيما قيلَ ، أعْلمَ العبّاسَ أنَّ الخِلافَةَ تَؤُولُ إلى وَلَدِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ وَلِدُه يَتَوَقَّعون
ذلك .
قال الإمامُ الذهبيُّ: لَمْ يَصِحَّ هذا الخَبرُ، ولكنَّ آلَ العِبَّاسِ، كانَ النَّاسُ
يُحِبُّونَهم، ويُحبُّونَ آلَ عليٍّ، يَوَدُّونَ أنَّ الأمْرَ يَؤول إليهم، حُبَّاً لآلِ رَسُولِ الله
صلى الله عليه وسلم وبُغْضاً في آلِ مَرْوانَ بنِ الحَكَم فبَقُوا يَعمَلون على ذلك زَماناً حتى
تَهِيَّأت لهم الأسْبابُ ، وأقْبَلت دَولتُهم وظَهرَت من خُراسان(٢).
٥ - تَكوّن دَوْلَة بَنِي العَباس :
أبو مُسْلم الخُراساني :
جاءَ في تَرجمَة أبي مُسْلم الخُراساني ، قال الإمامُ الذهبيُّ: اسْمُه عبدُ الرَّحْمَن ابنُ
مُسْلم الخُراساني ، الأميرُ ، صاحبُ الدَّعْوَة، وهازِمُ جُيوشِ الدَّوْلَةِ الأُمَويَّة ، والقائمُ
بإنْشاءِ الدَّولَة العَبَّاسِيَّة(٣).
كان من أكْبرِ الملوك في الإسْلام ، وكان ذا شأن ونَبأ غَريب من رجل يَذهبُ على
حمار بإكافٍ من الشَّام حتى يَدخُلَ خُراسان ، ثم يَملكُ خُراسانَ بعدَ تسعة أعْوام ،
ويَعودُ بكَتائب أمْثالِ الجِبالِ ، ويَقلِبُ دَولَةٌ ، ويُقيمُ دَولَةٌ أخْرَى!
(١) انظر السير: (عبد الله بن الزَّبير) ٣٦٣/٣ - ٣٨٠، وانظر النزهة: ١/٣٩٦.
(٢) انظر السير: (أبو مسلم الخراسانيّ) ٤٨/٦-٧٣، وانظر النزهة: ١/٦٢٩.
انظر السير: ( أبو مسلم الخراسانيّ) ٤٨/٦-٧٣، وانظر النزهة: ٦/٦٢٧.
(٣)
٢٨٦

تأتيه الفُتوحاتُ العِظامُ، فلا يَظهَرُ عليه أثرُ السُّرور، وتَنزلُ به الفادِحَةُ الشَّديدَةُ ،
فلا يُرَى مُكتئباً وكان إذا غَضبَ لَمْ يَسْتفزَّه الغَضبُ .
قيلَ : مَولدُه في سنة مئة، وأوَّلُ ظُهورِه كان بمَرْوَ في شهر رَمضانَ يوم الجُمُعَة من
سنة تسع وعشرينَ ومئة، ومُتَوَلِّي خُراسان إذْ ذاكَ الأميرُ نَصْرُ بنُ سيار اللَِّيُّ ، نائبُ
مَرْوانَ بنِ محمَّد ، الحِمارُ ، خاتِمَةِ خُلفاءِ بَني مَرْوانَ ، فكان ظُهورُه يَومئذٍ فِي خَمسينَ
رَجُلاً ، وآلَ أمرُه إلى أنْ هَرَبَ منه نَصْرُ بنُ سيار قاصداً العِراقَ فنزَلَ به الموتُ بناحيةٍ
ساوَة، وصَفا إِقْلِيمُ خُراسان لأبي مُسْلم، صاحبِ الدَّعْوَة ، في ثَمانيَة وعشْرِينَ
شَهْراً(١) .
وقال مُصْعَبُ بنُ بِشْر : سَمعتُ أبي يقولُ: قامَ رجلٌ إلى أبي مُسْلم وهو يَخْطبُ ،
فقال: ما هذا السَّوادُ عَليكَ؟ فقالَ: حدَّثني أبو الزُّبَيْرِ عن جابر بن عبدِ الله، ((أنَّ
النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخلَ مَكَةَ يَومَ الفَتْحِ، وعَليهِ عَمَامَةٌ سَوْدَاءٌ )) وهذه ثيابُ
الهَيْبَةِ ، وثيابُ الدَّوْلة ، يا غُلامُ اضْرِبْ عُنُقَه!
قال الإمامُ الذهبيُّ : كان أبو مُسْلم سَفَّاكاً للدِّماءِ ، يَزِيدُ على الحَجَّاجِ في ذلك وهو
أوَّلُ مَنْ سَنَّ للدَّوْلة لِبَاسَ السَّوادِ ، وكانَ بلاءً عَظيماً على عَرَبِ خُراسان ، فإنَّه أبادَهم
بِحَدِّ السَّيْف(٢).
وفي سنة اثنتين وثلاثينَ في ثالثِ يَومٍ من رَبيع الأوَّل ، بُويعَ السَّفَّاحُ بالخِلافَةِ
بالكُوفَة في دار مَوْلاه الوَليدِ بنِ سَعْد وسارَ الخَليفَةُ مَرْوانُ في مئةِ ألفٍ فارِسٍ حتى نَزَلَ
الزَّابَيْن(٣). دُون المُوصِل، يَقصِدُ العِراقَ فجَهَّزَ السَّفَّاحُ له عَمَّه عبدَ الله بنَ عَلَيّ ،
فكانَت الوَقْعَةُ على كُشاف، في جُمادَى الآخِرَةِ فَانْكَسَرَ مَروانُ وتَقَهْقَرَ ، وعَدى
الفُراتَ، وقَطعَ وراءهَ الجِسْرَ وقَصدَ الشَّامَ ليَقَوَّى ، ويَلتَقي ثانياً .
(١) انظر السير: (أبو مسلم الخُراسانيّ) ٤٨/٦-٧٣، وانظر النزهة: ١/٦٢٨.
(٢) انظر السير: (أبو مسلم الخراسانيّ) ٤٨/٦-٧٣، وانظر النزهة: ٢/٦٢٨.
(٣) الزابان : الزاب الأعلى، والزاب الأسفل ، وهما نهران بين بغداد والموصل ، ونزول مروان بن محمد
کان على الزاب الصغير.
٢٨٧

فجَدَّ فِي طَلبه عبدُ الله بنُ عَليّ حتىْ طَردَه عن دِمَشْقَ ، ونازَلَها وأخَذَها بعدَ أيَّام ،
وبذَل السَّيفَ، وقَتلَ بها في ثلاثٍ ساعَات نَحْواً من خَمسينَ ألْفاً غَالِبُهم من جُنْدِ بَني
أُمَیّة .
وانْقَضَتْ أيامُهم ، وهَربَ مَزْوانُ إلى مِصْرَ في عَسْكرٍ قَليلٍ ، فجَدُّوا في طَلبِه إلى أن
بَّوهُ بِقَرْيَة بُوصِير ، فَقَاتَلَ حتى قُتْلَ، وطِيفَ بِرَأْسِه في البُلْدانِ ، وهَربَ ابْناهُ إلى بلادٍ
النُّوبَةِ (١) .
قالَ محمدُ بنُ جَرير في (( تاريخِه)) كان بُدُوٌّ أمرٍ بَنِي العَبَّاس أنَّ رَسولَ الله صلى الله
عليه وسلم فيما قيلَ ، أعْلِمَ العِبَّاسَ أنَّ الخِلافَةَ تَؤُولُ إلى وَلَدِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ وَلِدُه يَتَوَقَّعون
ذلك .
قال الإمامُ الذهبيُّ: لَمْ يَصِحَّ هذا الخَبرُ، ولكنَّ آلَ العَبَّاسِ، كانَ النَّاسُ
يُحبُّونَهم ، ويُحبُّونَ آلَ عليٍّ، يَوَدُّونَ أنَّ الأمْرَ يَؤول إليهم، حُبَّاً لَآَلِ رَسُولِ الله
صلى الله عليه وسلم وبُغْضاً في آلِ مَزْوانَ بنِ الحَكَم فبَقُوا يَعمَلون على ذلك زماناً حتى
تَهِيَّت لهم الأسْبابُ ، وأقْبَلت دَولتُهم وظَهرَت من خُراسان (٢).
قال الإمامُ الذهبيُّ: فَرِحْنا بمَصيرِ الأمْرِ إليهِم لكنْ والله ساءَنا ما جَرَى من سُيولٍ
الدِّماءِ، والسَّبي، والنَّهْب، فإنَّ لله، وإنَّا إليه راجِعُون، فالدَّولةَ الظَّالِمَة مع الأمْنِ
وحَقْنِ الدِّماءِ ، ولا دَولَة عادِلَة تُنْتَهك دُونَها المحارمُ ، وأنَّى لها العَدلُ ؟ بلْ أَتَتْ دَولةٌ
أعْجَميَّة، خُراسانِيَّة، جَبَّارَةٌ، ما أشْبَهَ اللَّيْلَة بالبَارِحَة(٣).
وفي سنةِ ثلاثٍ وثَلاثينَ ومئَة سارَ أبو جَعْفَرِ المَنْصُور إلى خُراسانَ إلى أبي مُسْلم ،
لِيَأْخُذَ رَأْيَه فِي قَتل أبي سَلمَة ، حَفْصِ بنِ سُلَيْمانَ الخَلاَّل وَزيرَهم وذلكَ أنَّه لَمَّا نزَلَ به
السَّفَّاحُ وأقارِبُه، حدَّثتهُ نفسُه بأنْ يُبايعَ عَلَويّاً ، ويَدعَ هَولاء وشَرعَ يُعمِّي أَمْرَهم ، على
(١) انظر السير: ( أبو مسلم الخُراسانيّ) ٤٨/٦-٧٣، وانظر النزهة: ٣/٦٢٨.
(٢) انظر السير: (أبو مسلم الخُراسانيّ) ٤٨/٦-٧٣، وانظر النزهة: ١/٦٢٩.
(٣) انظر السير: ( أبو مسلم الخُراسانيّ) ٤٨/٦-٧٣، وانظر النزهة: ٢/٦٢٩.
٢٨٨

قُوَّادِ شِيعَتِهِم ، فبادَرَ كبارُهم، وبايَعوا السَّفَّاحَ وأخْرَجُوه، فخَطبَ النَّاسَ فما وَسِعَهُ -
أعْني أبا سَلمَة - إلاَّ المُبَايَعَة، فاتَّهَمُوه .
فعنْ أبي جَعْفَر قالَ : انْتُدَبَني أخي السَّفَّحُ للذَّهابِ إلى أبي مُسْلم ، فسِرتُ على
وَجَل، فقَدمتُ الرِيَّ ثم شَرُفْتُ عنها فَرْسَخين، فلمَّا صارَ بَيْنِي وَبَيْنَ مَرْوَ فَرْسَخين
تَلقَّاني أبو مُسْلم في الجُنودِ، فلمَّا دَنا مِنِّي تَرجَّل ماشياً ، فقبَّلَ يدي، ثم نَزَلتُ ،
فمَكثتُ ثَلاثةَ أيَّام لا يَسْألُني عن شيء ثم سَأَلَنِي فأخْبَرَتُه، فقالَ : فَعلَها أبو سَلمَة ؟ أنا
أكْفيكُمُوه فدَعا مِرارَ بنَ أنَس الضَّبِيَّ، فقالَ : انْطَلِقْ إلى الكُوفَةِ ، فاقْتُل أبا سَلمَة حَيثُ
لَقِيتَه ، قالَ: فقَتَلهَ بعدَ العِشاء ، وكان يُقالُ له: وَزيرُ آلِ مُحمَّد .
ولَمَّا رَأى أبو جَعْفَر عَظمَةَ أبي مُسْلم، وسَفْكَه للدِّماءِ رَجعَ من عندِهِ وقالَ
للسَّفَّاحِ: لَسْتَ بِخَلِيفَةٍ إِنْ أبقَيْتَ أبا مُسْلم قالَ: وكَيفَ ؟ قال : ما يَصْنَعُ إلَّ ما يُريدُ
قالَ : فَاسْكُتْ واكْتُمْهَا .
وكانَ أبو جَعْفَر يَقولُ للسَّفَّاحِ : يا أميرَ المؤمنين، أطِعْنِي واقْتُلْ أبا مُسْلم فوالله إنَّ
في رأسِهِ لِغَدْرَة ، فقالَ: يا أخي قد عَرفْتَ بَلاءَه، وما كانَ منه، وأبو جَعْفَر يُراجِعُه .
ثم حَجَّ أبو جَعْفَر وأبو مُسْلم ، فلمَّا قَفَلا تلقَّهما مَوْتُ السَّفَّحِ بالجُدَريَّ ، فوَليَ
الخِلافَةَ أبو جَعْفَر .
وخَرجَ عليه عَقُّه عبدُ الله بنُ عَلَيّ بالشَّام ، ودَعا إلىْ نَفَسِه وأقامَ شُهوداً بأنَّه وَلَيُّ عَهْدِ
السَّفَّاح، وأنَّه على ذلك سارَ لحَرْبِ مَرْوانَ وهَزْمَه ، واسْتَأَصَلَه .
فخَلا المَنْصُورُ بأبي مُسْلم وقالَ : إنَّما هو أنا وأنْتَ ، فَسِرْ إلى عبدِ الله عَمِّي ، فسارَ
بجيوشِهِ من الأنْبَارِ ، وسَارَ لحَرْبِهِ عبدُ الله فانْهَزَموا وتَركوا الذَّخائرَ والخَزائنَ ،
والمُعَسْكَرَ ، فاحْتَوى أبو مُسْلم على الكلِّ وكَتبَ النَّصْرِ إلى المَنْصور .
واخْتَفَى عبدُ الله، وأرْسلَ المَنْصورُ مَوْلاهُ ليُخْصيَ ما حَواهُ أبو مُسْلم ، فَغَضِبَ من
ذلك أبو مُسْلم ، وهمَّ بقَتْلِ ذَلك المَوْلَىُ، وقالَ : إنَّما للخَليفَةِ من هذا الخُمْسُ .
ولَمَّا عَلمَ المَنْصُورُ أنَّ أبا مُسْلم قد تَغْيَّر كَتبَ إليه يُلاطِفُه : وأنِّي قد وَلَّيْتُك مِصْرَ
٢٨٩

والشَّامَ ، فانْزِلْ بالشَّام واسْتَنِبْ عنكَ بِمِصْرَ ، فلمَّا جاءَه الكتابُ ، أَظْهَرَ الغَضبَ
وقالَ : يُوَلِّيني هذا وخُراسانُ كلُّها لي؟! وشَرعَ في المُضِيِّ إلى خُراسَانَ .
فأمَرَ المَنْصورُ مَنْ حَضَرَه من بَني هاشِم يَكتبُونَ إلى أبي مُسْلم يُعظِّمونَ شَأْنَه ، وأنْ
يُتَمَّ على الطَّاعَة، ويُحَسِّنونَ له القُدومَ على المَنْصُورِ .
ثم إنَّ المَنْصورَ سَيَّرَ أُمَراءَ لتَلقِّي أبي مُسْلم، ولا يُظهِرُون أنَّ بَعْثَهم ليُطَمْئنَه ،
ويَذْكِرونَ حُسْنَ نِيَّة المَنْصُورِ له ، فلمَّا سَمعَ ذلكَ ، انْخَدَعَ المَغْرورُ وفَرِحَ ، فلمَّا دَخْلَ
عَليه ، سلَّم عَليه قائماً ، فقالَ: انْصَرِفْ يا أبا مُسْلم فاسْتَرِحْ، وادْخُل الحمَّامَ ثم اغْدُ
فانْصَرِفَ، وكان من نيَّةِ المَنْصُورِ أنْ يَقْتُلَه تلكَ اللَّيلَة، فمَنعَه وَزِيرُه أبو أيُّوبَ
المُورياني .
قال أبو أيُّوب : فقالَ ليَ المَنْصُورُ : دَخلَ عليَّ أبو مُسْلم فعَاتَبْتُه ثمَّ شَتمتُه ،
وضَربَه عُثمانُ بنُ نَهيك فلَمْ يَصْنَعْ شَيئاً، وخَرجَ شَبيبُ بنُ وَاجِ ، فضَربُوهُ ، فسَقطَ ،
فقالَ وهُم يَضرِبُونَه: العَفْوُ، قُلتُ: يا بنَ اللَّخْناءِ، العَفْوُ؟ والسُّيوفُ تَعْتَورُك؟
وقُلتُ : اذْبَحُوهُ فِذَبَحُوهُ .
ثم همَّ المَنْصُورُ بقَتلِ الأمير أبي إسْحاقَ صاحبٍ حَرَس أبي مُسْلم وبقَتلِ نَصْرِ بنِ
مَالِك الخُزاعيِّ ، فكلَّمَه فيهما أبو الجَهْم ، وقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ إنَّما جُندُهُ جُندُك ،
أمَرْتَهم بطاعَتِهِ فأطاعُوهُ .
ثم إنَّه أعْطاهُما مالاً جَزِيلاً، وفرَّقَ عَساكرَ أبي مُسْلم وكَتبَ بعَهدٍ للأميرِ أبي دَاوُدَ
خالدَ بنِ إبراهيمَ على خُراسان ، ثم بَعثَ إلى عِيسَى ابن موسَى وَليَّ العَهْد ، فَأَعْلَمَه ،
وأعْطَاهُ الرَّأسَ والمالَ فخَرجَ به ، فألْقَاهُ إليهم ونَثَرَ الذَّهبَ، فَتَشاغَلوا بأخْذِهِ .
قُتْلَ في سنة سَبعٍ وثَلاثِينَ ومثّة .
ولَمَّا قُتلَ، خَرِجَ بِخُراسانَ سُنباذُ للطَّلبِ بِثَارِ أبي مُسْلم، وكانَ سُنباذُ مَجوسياً ،
فغلَبَ على نيسابُورَ والرَّيِّ، وظَفرَ بخَزائنَ أبي مُسْلم واسْتَفْحَلَ أمرُه ، فجَهَّزَ المَنْصُورُ
لحَرْبِهِ جُمهورَ بنَ مَرَّار العجليَّ في عَشرة آلاف، وكان المَصافُّ بينَ الريِّ وهَمذانَ ،
٢٩٠

فانْهَزَمَ سُنْباذُ وقُتلَ من عَسْكرِه نحواً من ستينَ ألفاً ، وعامَّتُهُم كانوا من أهْلِ الجِبالِ ،
فَسُبِيَتْ ذَراريهمٍ ، ثم قُتلَ سُنْبَاذُ بأرضٍ طَبَرِسْتَان(١).
عبد الله بن عَليّ :
وجاء في ترجمة عبدِ الله بن عَليٍّ قال الإمامُ الذهبيُّ : ابنُ الحَبْرِ عبدِ الله بنِ عَبَّاس ،
عَمُّ السَّفَّاحِ والمَنْصُورِ ، من رِجالِ العالَمِ ودُهاةٍ قُرَيش(٢).
كان بطلاً شُجاعاً مَهيباً، جَبَّاراً، عَسُوفاً، سَفَّاكاً للدِّماءِ وبه قامت الدّولَةُ العبّاسيّة
سارَ في أَرْبَعِينَ ألفاً أو أكْثَرَ فالْتَّقَى الخَليفةَ مَرْوانَ بقُرْبِ المُوصِلِ فَهَزْمَه ومَزَّقَ جُيوشَه ،
ولَجَّ في طَلبِه ، وطَوَى البلادَ حتى نازَلَ دارَ المُلْكِ دِمَشْقَ ، فحاصَرَها أيّاماً وأخَذَها
بالسَّيفِ(٣) .
وقَتَلَ بها إلى الظُّهْر نَحواً من خَمسينَ ألفَ مُسْلم من الجُنْدِ وغَيِرِهم ولَمْ يَرْقُبْ فيهم
إلاَّ ولا ذِمَّة، ولا رَعَىْ رَحِماً ، ولا نَسَباً ثم جَهَّزَ في الحالِ أخَاهُ داوُدَ بنَ عليّ فِي طَلبٍ
مَرْوانَ، إلى أنْ أدْرَكَه بِقَرْيَة بُوصِيرَ من بلادٍ مِصْرَ ، فبيَّه ، فقاَتَلَ المِسْكينُ حتّى قُتْلَ
وهَربَ ابْناهُ إلى بلادِ النُّوبَة ، وانْتُهَت الدَّولَةُ الأُمَوِيَّة (٤) .
ولَمَّا ماتَ السَّفَّاحُ، زَعمَ عبدُ الله أنَّه وَلِيُّ عَهْدِه، وبايَعهُ أُمَراءُ الشَّام ، وبُويعَ
المَنْصُورُ بالعِراقِ، ونَدَبَ لحَرْبِ عَمِّه صاحِبَ الدَّعْوَةِ أبا مُسْلم الخُراساني ، فالْتَّقَى
الجَمْعان بنَصِيبَين، فاشْتدَّ القِتالُ وقُتْلَت الأبطالُ، وعَظُمَ الخَطْبُ، ثم انْهَزْمَ عبدُ الله
فِي خَواصِّه، وقَصَدَ البَصْرَةَ فأخْفاهُ أَخُوهُ سُليمانُ مُدَّةٍ ، ثمَّ ما زَالَ المَنْصُورُ يُلُ حتى
أسْلَمَه، فسَجَنه سَنوات، فيُقالُ: حَفَرَ أسَاسَ الحَبْسِ وأرْسَلَ عليه الماء فوَقَعَ على
عبدِ الله في سَنة سَبعٍ وأرْبَعِينَ ومِئَة فالأمْرُ لله(٥) .
(١) انظر السير: (أبو مسلم الخُراسانيّ) ٤٨/٦-٧٣، وانظر النزهة: ٣/٦٢٩.
(٢) انظر السير: (عبد الله بن عليّ) ١٦١/٦ -١٦٢، وانظر النزهة: ١/٦٣٩.
(٣) انظر السير: (عبد الله بن عليّ) ٦/ ١٦١ -١٦٢، وانظر النزهة: ٢/٦٣٩.
(٤) انظر السير: (عبد الله بن عليّ) ٦/ ١٦١ -١٦٢، وانظر النزهة: ٣/٦٣٩.
(٥) انظر السير: (عبد الله بن عليّ) ٦/ ١٦١ - ١٦٢، وانظر النزهة: ٤/٦٣٩.
٢٩١

دَولَة بَنِي العَبَّاس في العَصْرِ الأول (عَصْر القُوّة ) :
كان أبو جَعْفَر المَنْصُورُ حاكماً على مَمالِك الإسْلامِ بأسْرِها سِوَىُ جَزِيرَة
الأنْدَلُس(١).
الخِلافَة العَبَّاسِيَّة بِمِصْر ((المُسْتَنَصِر)):
جاءَ في تَرجمَة المُسْتَنْصِر قال الإمامُ الذهبيُّ : الخَلِيفَةُ الإمامُ أبو القَاسِم أحمَدُ بنُ
الظَّاهر بأمْرِ الله أبي نَصْر مُحمدِ بنِ النَّاصِرِ لدينِ الله أحمَد المُسْتَضيءُ الهَاشِمِيُّ العَبَّاسيُّ
البَغْدادِيُّ أَخُو الخَليفَة المُسْتَنْصِرِ بالله مَنْصُورٍ وَاقِفِ المُسْتَنْصِرِيَّةِ بُويعَ بالخِلافَةِ أحمَدُ
بعدَ خُلوِّ الوَقْتِ مِن خَلِيفَة عَّاسيّ ثلاثَ سِنِينَ ونِصْفٍ سَنَة ، وكانَ هذا مُعْتَقَلاً بَبَغْدادَ
مع غَيرِهِ من أوْلادِ الخُلفاءِ فلمَّا اسْتَولَىْ هُولاكُو علىْ بَغْدادَ نَجا هذا وانْضَمَّ إلى عَرَبِ
العِراقِ، فلمَّا سَمِعَ بَسَلْطَنَة المَلك الظَّاهِرِ(٢) وفَدَ عليه في رَجبَ سَنةَ تِسْعِ وخَمسينَ في
عَشْرة من آل مهارش فرَكبَ السُّلطانُ للقائِهِ والقُضاةُ والدَّوْلَة، وشَقَّ قَصَبَةَ القاهِرَة ،
أُثبتَ نَسبُه على القُضاة وبُويعَ فَرَكبَ يومَ الجُمُعَة من القَلَعَة في السَّوادِ حتّى أتى جامِعَ
القَلْعَة فصَعدَ المِنْبَرَ وخَطبَ ولَوَّحَ بشَرَفِ آلِ العَّاسِ ودَعا للسُّلطانِ وللرَّعيَّة وصلَّى
بِالنَّاسِ .
وقال الإمامُ الذهبيُّ : وهذا هو الخَلِيفَةُ الثَّامن والثَّلاثُونَ من بَنِي العَبَّاس ، وبُوبِعَ
بقَلَعَةِ الجَبلِ في سَنة تِسْعِ (٣) . وكان أسْمَرَ آدَمَ شُجاعاً ، مَهِيباً ، عَاليَ الهِمَّة ورَتَّبَ له
السُّلطانُ أتابكاً وأسْتاذ دار، وشرابياً وخَزْنَداراً وحاجباً وكاتباً ، وَّينَ له خزانَةً وعدَّة
مَمالكَ ، ومئة فَرَس ، وعَشرَ قَطارات جمال ، وعَشرَ قطارات بِغَال إلى أمثال ذلك .
قال الإمامُ الذهبيُّ: ثم عَزمَ المُسْتَنْصِرُ على التوجُّه إلى بَغْدَادَ بإشارَة السُّلطانِ
وإعانَتِهِ .
(١) انظر السير: (المنصور) ٨٣/٧-٨٩، وانظر النزهة: ١/٦٧٩.
(٢) بيبرس البندقداري .
(٣) يعني: وخمسين وستٍّ مئة.
٢٩٢

وصلَ إلى الحُدَيَّثَةَ فَفَتَحَها أهلُها له، فلمَّا اتَّصَل الخَبرُ بمُقدَّم المَغُولِ بالعِراقِ ،
وبشحنة بغداد ساروا في خَمسَة آلاف، وعَسْكَروا بالأنْبَارِ ونَهَبوا أَهْلَها وقَتلُوا ، وسارَ
الخَليفَةُ إلى هيت فحاصَرَها، ثم دَخلَها في آخر ذي الحِجَّة ونَهبَ ذِمَّتَها ، ثم نَزَلَ
الذُّورَ ، وبَعثَ طلائعَه فأتوا الأنْبارَ في ثالث المُحَرَّم سنةَ ستِّين ، فعَبَرَت الثَّارُ في اللَّيلِ
في المَراكِبِ وفي المَخائضِ ، والْتَّقَى من الغَد الجَمْعان ، فانْكَسَر أوَّلا الشحنة ، ووَقعَ
مُعظَمُ أصْحابِه في الفُراتِ ، ثم خَرجَ كَمِينٌ لهم ، فهَرَبَت الأعْرابُ والتُّرْكُمانُ ، فأحاطَ
الكَمينُ بعَسْكَرِ الخَلِيفَةِ ، فحَملَ الخَليفَةُ بهم ، فأفْرَجَ لهم التَّتَارُ ، ونَجا جَماعَةٌ ، وقُتْلَ
عدَّة، والظّاهرُ أنَّ الخَلِيفَةَ قُتلَ .
وبعدَ سَنتين بُوبِعَ الحاكِمُ بأمْرِ الله أحمَدُ (١).
٦ - تَكُوُّن دَوْلَةٌ بَنِي أُمَّة في الأَنْدَلُس :
جاء في تَرجمَة « عبدِ الرَّحْمَن بنِ مُعاويَة بنِ هِشام )) ، قال الإمامُ الذهبيُّ : هو ابنُ
عبدِ المَلكِ بنِ مَرْوانَ بنِ الحَكَمِ بنِ أبي العَاصِ ابْنِ أُمَّيَّة بنِ عَبدِ شَمْسٍ بنِ عَبدِ مَناف ،
أميرُ الأَنْدَلُس وسُلطانُها ، أبو المُطَرِّف الأُمَويُّ ، المَرْوانِيُّ ، المَشْهُور بالدَّاخِلِ ، لأنَّه
حينَ انْقَرِضَت خِلافَةُ بَني أُمَيَّة من الدُّنْيا ، وقُتْلَ مَرْوانُ الحِمارُ ، وقامَت دَولةُ بَني
العَبَّاس، وهَربَ هذا، فنَجا ودَخلَ إلى الأنْدَلُسِ فَتَملَّكَها(٢).
وذلك أنَّه فَرَّ من مِصْرَ في آخرِ سَنةِ اثْنَتَين وثَلاثِينَ إلىْ أَرْضِ بَرْقَة ، فَبَقِيَ بها خَمسَ
سِنِين، ثم دَخلَ المَغْربَ ، فَنَفَّذَ مَوْلاهُ بَدْراً يَتجَسَّسُ له، فقالَ للمُضَرِيَّة : لَوْ وَجدْتُم
رَجلاً من بَيَتِ الخِلافَةِ ، أُكُنْتُمْ تُبَايِعُونَه؟ قالوا : كَيفَ لنا بذلك ؟
فقالَ : هذا عبدُ الرَّحْمنِ بنُ مُعاويَة، فَأَتَوه فبايَعوه، فتملَّكَ الأَنْدَلُسَ ثَلاثاً
وثَلاثينَ سَنةً، وبَقِيَ المُلكُ في عَقِه إلى سَنةِ أَرْبَع مئة ولَمْ يَتلقَّب بالخِلافَة ، لا هو
ولا أكْثِرُ ذُرِّيتِهِ ، إنَّما كان يُقالُ: الأميرُ فُلان .
(١) انظر السير: (المُسْتَنْصِرُ) ١٦٨/٢٣ -١٧١، وانظر النزهة: ١٧٢١ / الْمُسْتَنْصِر.
(٢) انظر السير: (عبد الرحمن بن معاوية بن هشام) ٢٤٤/٨ -٢٥٣، وانظر النزهة: ٢/٧٤٨.
٢٩٣

وأوَّلُ مَنْ تَلقَّبَ بأميرِ المُؤمنين منهُم : النَّاصرُ لدينِ الله، في حُدود العِشْرِينَ وثَلاثِ
مِئَة ، عندَما بَلغَه ضَعفُ خُلفاءِ العَصْرِ، فقالَ : أنا أَوْلَى بإِمْرَةِ المؤمنين .
دَخْلَ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُعاويَةِ الأنْدَلُسَ في سَنة ثمانٍ وثَلاثين ومَوْلِدُه بأرْضِ تَدْمُر
سَنَةَ ثَلاث عَشْرة ومئَة ، في خِلافَة جَدِّه(١) .
ولَمَّا صَفا الأمرُ لعَبدِ الرَّحْمَن بعدَ مَقْتَلِ عُثْمانَ بنِ حَمْزَة ، من وَلِدِ عُمرَ بنِ
الخَطَّاب ، ذلكَ بعدَ سَبعَةِ أعْوام من تَمَنُّعِه بِطُلَيْطِلَةِ، عَظُمَ سُلطانُهُ، وامْتَدَّتْ أَيَّامُه
وعاشَ ستِّينَ سَنةً، ثم تُوفِّيَ سَنةً اثنتين وسَبعينَ ومِئَة، وأيْسَت بَنُو العَبَّاس من مَمْلَكَةٍ
الأَنْدَلُسِ لُبُعْدِ الشُّقَّةِ(٢).
٧ - الدَوْلَةِ الزِّيادِيَّة في اليَمَن :
قال الإمامُ الذهبيُّ في تَرَجَمَة (( ابنِ زياد )) مُتْوَلِّي اليَمَن: الأميرُ ابنُ عبدِ الله بنِ
زیاد .
غَلَبَ على اليَمَن، وحَارَبَ وتَمكَّنَ في أَّامِ المَأمُونِ، واخْتطَّ مَدينَةَ زَبِيد في سَنة
أَرْبَع ومِئَتَين نفَّذَ إلى المَأمُونِ بتُحَفِ، فأمَدَّه بجَيْشٍ وعَظُمَ أمْرُه، ودَامَتْ دَولتُه إلى أنْ
ماتَ سَنةَ خَمسٍ وأَرْبَعينَ ومِئْتَين .
فقامَ بعدَه ابنُهُ إبراهيمُ ، فَوَلِيَ اليَمنَ مُدَّة أرْبَع وأرْبَعينَ سَنةً ثمَّ ماتَ وتَمَلَّكَ بعدَه
وَلدُهُ زِياد ثم إسْحاق ودامَت دَولتُهم إلى بَعدِ الأرْبَع مئة، ثم صارَت في مَواليهِم مُدَّة
إلى أنْ ظَهرَ الصُلَيْحِيُّ(٣).
من أخْبار أُمراء اليَمَن :
(أ) الصُّلَيْحيّ :
جاءَ في تَرَجَمَةِ صاحبِ الْيَمَنِ الصُّلَيْحِيُّ، قال الإمامُ الذهبيُّ : صاحبُ الْيَمَن ،
(١) انظر السير: (عبد الرحمن بن مُعاويَة بن هشام) ٢٤٤/٨ -٢٥٣، وانظر النزهة: ٣/٧٤٨.
(٢) انظر السير: (عبد الرحمن بن معاوية بن هشام) ٢٤٤/٨ -٢٥٣، وانظر النزهة: ٢/٧٤٨.
(٣) انظر السير: (ابنُ زِياد) ٥٣٦/١١، وانظر النزهة: ٢/٩٦٩.
٢٩٤

وكان أبوه من قُضاةِ اليَمَن ، وهو المَلكُ أبو الحَسَن عَليُّ ابنُ القاضي مُحمَّدُ بنُ
عَليّ(١) .
دَارَ بِه دَاعِي البَاطِنِيَّة عَامِرُ الزَّواخيّ(٢) حتى أجَابَه وهو حَدَثٌ، فَتَفَرَّسَ بهِ عَامٌ
النَّجابَةَ، وشَوَّقه، وأسَرَّ إليهِ أمُوراً ثم لَمْ يَنْشَبْ عَامٌ أنْ هَلَكَ، فَأَوْصَىُ بِكُتُبِهِ لعَليٍّ ،
فعَكَفَ على الدَّرْسِ والمُطالَعَةِ ، وفَقُهَ وتَمَيَّزَ في رَأي العُبَيْدِيَّة ، ومَهَرَ في تأويلاتِهم ،
وقَلْبِهِم للحقائق .
ثم صَارَ يَحُُّ بالنَّاسِ على طريقِ السَّراةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنةً ، وكان النَّاسُ يَقولُونَ
له : سَتَملكُ اليَمنَ بأسْرِهِ فِيُنْكِرُ على القَائِلِ ، فلمَّا كان في سَنةِ تِسْعِ وعِشْرِينَ وأرْبع
مِئَّة ، ثَارَ بجَبلِ مَشَار في سِتِينَ رَجُلاً فَأَوَوا إلىْ ذِرْوَةِ شَاهِقٍ ، فما أمسوا حتى أحاطَ بهم
عِشْرُونَ ألفاً وقالوا: انْزِلْ وإلاَّ قَتَلناكُمْ جُوعاً وعَطَشاً ، قال: ما فَعَلتُ هذا إلاَّ خَوفاً
أنْ يَملِكَه غَيْرُنا، وإنْ تَرَكْتُمونا نَحْرُسُه، وإلاَّ نَزَلْنَا إِلَيكُم، وخَدَعَهُمْ، فَانْصَرَفُوا فَلَمْ
يَمْضٍ عليهِ أشْهِرٌ حتىْ بَنَاهُ وحَصَّنَه، ولَحِقَ به كلُّ طَمَّاع وذِي جَلَادَةٍ ، وكَثُرُوا فَاسْتَفْحَلَ
أمرُه وأظْهَرَ الدَّعْوَةَ لصاحِبٍ مِصْرَ المُسْتَنْصِر ، وكان يَخافُ من نَجَاحِ صاحب تِهَامَة ،
ويُلاطِفُهُ ويَتَحَيَّل عليه، حتى سَقَاهُ مع جَارِيَةٍ مَلِيحَةٍ أهْداها له ، واسْتَولَى على المَمَالِكِ
الْيَمَنِيَّة في سَنة خَمسٍ وخَمسينَ وأربعٍ مِتَة، وخَطَبَ على مِنْبَرِ الجَنَد(٣) ، فقالَ: وفي
مثل هذا اليَومِ نَخْطُبُ علىُ مِنْبَرِ عَدَنَْ، فقال رجلٌ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، يَسْتَهْزىءُ بقَولِه ،
فأمَرَ بأَخْذِهِ فاتَّفَقَ أنَّه أخَذَ عَدَنَ، وخَطَبَ، وصَيَّرها دَارَ مُلْكِه، وأنْشَأْ عِدَّةَ قُصُورٍ
أنيقَة، وأَسَرَ مُلوكاً ، وامْتَذَتْ أَيَّامُه ثمَّ حَجَّ، وأحْسَنَ إلى أهْلِ مَكَّة ..
وكان أشْقَرَ أَزْرَقَ، يُسَلِّمُ على مَنْ مَرَّ عليهم، وكان ذا ذَكاءٍ ودَهاءٍ ، كَسَا الكَعْبَةَ
البَيَاضَ، وخُطِبَ لزَوْجتِهِ أيضاً معه على المَنابِرِ ، ثم إنَّه حَجَّ في سَنةِ ثَلاثٍ وسَبعينَ
(١) انظر السير: (الصُّلَيحيُّ) ٣٥٩/١٨ -٣٦٢، وانظر النزهة: ١/١٤٢١.
(٢) قرية باليمن وإليها يُنسب عامر بن عبد الله الزواخي صاحب الدعوة عن الصُّليحيّ.
(٣) مدينة باليمن بينها وبين صنعاء ثمانية وخمسون فرسخاً .
٢٩٥

واسْتَخْلفَ على اليَمَنِ ابْنَهُ أحمَدَ المَلِكَ المُكَرَّم فلمَّا نَزَلَ بالمَهْجَمِ(١) ، وَثَبَ عليه
جَيَّاشُ بنُ نَجَاح وأخُوهُ سَعيدُ الأحْوَل، فقَتَلاهُ بأبيهِما ، والتَفَّ أكْثَرُ العَسْكَرِ على ابنِ
نَجاحٍ وتَمَلَّك .
ودام مُلكُ ولَدِه المُكَرَّم على شَطْرِ اليَمَن مُدّة ، وحارَبَ ابنَ نَجاح غَيرَ مرّة إلى أنْ
ماتَ سَنةً أربع وثمانينَ فَتَمَلَّك بعدَه ابنُ عمِّه سَبأ بنُ أحمَد إلى سَنةِ خَمسٍ وتِسْعين ،
وصارَ المُلكُ إِلَى آل نَجاحٍ مُدّةٍ(٢).
( ب) عَلَيُّ بنُ مَهدي :
جاءَ في تَرَجَمَةَ عليٍّ بنِ مَهْدِيّ ، قالَ الذهبيُّ : كانَ أَبُوهُ من قَرِيةٍ بزَبيد من
الصُّلَحَاءِ، فَتَشَأَ عليٍّ في تَزَقُّد، وحَجَّ وَلَقِيَ العُلماءَ وحَصَّلَ، ثمّ وَعَظَ، وذَمَّ الجُندَ .
وكانَ فَصيحاً صَبيحاً طَوِيلاً، أخْضَرَ اللَّونِ، طَيِّبَ الصَّوتِ ، غَزِيرَ المَحْفوظِ ،
مُتَصَوِّفاً، خَبِيثَ السَريرَة، دَاهيةً، يَتَكلَّمُ على الخَواطِرِ فرَبَطَ الخَلقَ، وكانَ يَعِظُ
ويَنْتُحِبُ .
قال عُمارَةُ الْيَمَنيُّ : لازَمْتُه سَنةً، وتَرَكتُ التَّفَقُّهَ، ونَسَكْتُ فأعادَني أبي إلى
المدرسَةِ ، فَكُنتُ أزُورُه في الشَّهرِ، فلمَّا اسْتَفْحَلَ أمْرُهُ تَرَكَتُه .
ولَمْ يَزَلْ من سَنةِ خَمسمائة وثلاثين يَعِظُ ويُخَوِّفُ في القُرى، ويَحُجُّ علىُ نَجيب ،
وأطْلَقَتْ له السَّيدَةُ أمّ فاتِك ولأقارِبِهِ خَراجَ أمْلاكِهِم، فَتَمَوَّلُوا إلى أنْ صارَ جَمْعُهُ نَحوَ
أَرْبَعِينَ ألفَ مُقاتِل، وحارَبَ ، وكان يَقُولُ : دَنا الوَقتُ ، أزِفَ الأمْرُ، كأنَّكُم بما
أَقُولُ لكُم عَياناً ، ثُمّ ثارَ ببلادٍ خَولان ، وعاثَ وسَبَى، وأَهْلَكَ النَّاسَ، ثُمّ لَقَيتُه عند
الدَّاعِي بجبْلة سَنةَ تَسْعِ وأَرْبَعِينَ يَسْتَنجِدُ به ، فأَبَىْ، ثُمّ دَبَّرَ علىُ قَتلِ وَزِيرِ آلِ فاتِك ، ثُمّ
زَحَفَ إلى زَبيد، فقاتُلَه أهْلُها نَّاً وسَبعينَ زَحْفاً ، وقُتِلَ خَلَائِقُ من الفَرِيقَينِ ، ثُمّ قُتِلَ
فَاتِكٌ مُتَوَلِّي زَبيد ، وأخَذَها ابنُ مَهْدِيّ في رَجبَ سَنةَ أرْبِعٍ وخَمسينَ وخَمسٍ مِئَة ، فمَا
(١) بلد من أعمال زبيد باليمن .
(٢) انظر السير: (الصُّلَيحيُّ) ٣٥٩/١٨ -٣٦٢، وانظر النزهة: ٢/١٤٢١.
٢٩٦

مُتِّع، وهَلَكَ بعدَ ثَلاثةِ أَشْهُر، وقامَ بعدَه ابنُهُ عبدُ النَّبيِّ، وعَظُمَ ، حتّى اسْتَولَى على
سَائِرِ اليَمَنِ، وجَمَعَ أمْوالاً لا تُحْصَى، وكانَ - أَعْنِي الأَبَ - يَرَى التَّكْفيرَ بالمَعَاصي ،
ويَسْتِحِلُّ وَطْءَ سَبَايا مَنْ خالَفَه، ويَعْتَقِدُ فيه قَومُهُ فَوقَ اعْتِقَادِ الخَلْقِ فِي نَبِيِّهم .
قال : وحُكِيَ لي عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَثِقْ بَيَمِينٍ مَنْ يَصْحَبُه حتّى يَذْبَحَ وَلدَهُ أَوْ أَخَاهُ ، وكانَ
يَقْتُلُ بالثَّعذيبِ في الشَّمسِ ، ولا يَشْفَعُ أحَدٌ عِندَه، ولَيسَ لأحَدٍ من عَسْكَرِهِ فَرَسٌ
يَمْلِكُه ولا سِلاحٌ، بَلْ الكُلُّ عِندَهُ إلى وَقَتِ الحَربِ ، والمُنْهَزِمُ منهُم يُقْتَلُ جَزْماً ،
والسَّكْرَانُ يُقْتِلُ، ومَنْ زَنَى أَوْ سَمِعَ غِناءً يُقْتَلُ، ومَنْ تَأْخَّرَ عن صَلاةِ الجَماعَةِ قُئِلَ(١).
(ج) عبدُ النَّبِيّ ( ابنُ المَهْدِي عَلَيُّ بنُ مَهْدي ) :
جاء في ترجمة (( عبد النبيِّ)) ، قال الذهبيُّ: هو ابنُ المَهديِّ عليٍّ ابنِ مَهْدي ،
كان أبوهُ قد وعظَ ، واشتغلَ ، ودعا إلى نفسه ، وجرت له أمور وغلبَ على اليمنِ ،
وعسَفَ وظلمَ، وفَجَرَ ، وشقَّق بُطونَ الحبالى، وتمرَّدَ على الله، وكان من دُعاة
الباطنية فقَصَمَه الله سنةَ نِيَِّ وخمسينَ .
فقام بعده عبدُ النبيِّ هذا ، ففعل كأبيه ، وسَبى الحريم ، وتَزَنْدِقَ وبنى على قبرِ
أبيه المَهْدِيِّ قُبَّةً عظيمة، وزَخرَفَها ، وعمل أستارَ الحَرير عليها ، وقَناديل الذَّهب ،
وأمرَ الناسَ بالحجِّ إليها ، وأن يَحملَ كلُّ أحدٍ إليها مالاً، ولمْ يَدَعْ أحدٌ زيارتها إلاَّ
وقتله ، ومَنعَهم من حَجِّ بيتِ الله ، فتجمَّع بها أموالٌ لا تُحصَى ، وانْهَمكَ في الفَواحِشِ
إلىْ أنْ أخَذَه اللهُ على يَدٍ شَمسِ الدَّولَة، أخي السُّلطانِ صَلاحِ الدِّين، عذَّبَهُ، ثم قَتَلَه ،
وأخذ خزائنَهِ ، فللَّه الحَمدُ على مَصْرع هذا الزِّنْديق ، وكان ذلك في قُرب سَنة سَبعين
وخَمسٍ مئة ، فإنَّ مُضيَّ شَمسِ الدولة تُوران شاه إلى اليَمَن وأخْذِها كان في سَنةِ تَسْع
وستين ، فأسرَ هذا المُجْرمَ وشَنَقَه وتملَّكَ زَبِيدَ وعَدَنَ وصَنْعاءَ ولعبدِ النبيِّ أخْبارٌ في
الجَبَروتِ والعُتُوِّ ، فلا رَحمَه الله(٢).
(١) انظر السير: (عليُّ بن مَهْدي) ٣٢١/٢٠ -٣٢٢، وانظر النزهة : ٥/١٥٥٥.
(٢) انظر السير: (عبد النبيّ) ٢٠/ ٥٨٢-٥٨٣، وانظر النزهة: ١/١٥٨٦.
٢٩٧

٨- الدَوْلَة الصّفاريّة :
الصَّفَّار :
قال الإمامُ الذهبيُّ في ترجَمَة ((الصَفَّار)): الملك، أبو يوسُف، يعَقوبُ ابنُ
اللَّيث، السِّجستاني، المستولي على خُراسان(١).
قيلَ : كان هو وأخُوهُ عَمرو بنُ الليث يَعمَلان في النُّحاس، فتزَهَّدا وجاهَدا مع
صالح المُطَّوعي المحارب للخَوارِجِ .
قال ابنُ الأثير : غَلبَ صالحٌ على سِجِسْتان ، ثم استنقَذَها منه طاهرُ ابنُ عبد الله بنِ
طاهِرِ ، فظَهرَ بها دِرْهَمُ بنُ حُسَين المُطَوِّعي ، فاسْتولى أيضاً عليها ، وجَعلَ يَعقوبَ بنَ
اللَّيث قائدَ عَسْكَرَه، ثم رأى أصْحابُ دِرْهَم عَجْزَه، فمَلَّكُوا يَعقُوبَ لحُسْنِ سِياسَتِهِ ،
فاذْعَنَ لهم دِرْهَمٌ واشْتهرت صَوْلةُ يَعقوبَ وغَلبَه على هراة وبُوشَنْج، وحارَب التُّرْكَ ،
وظَفرَ برُتْبِيل، فَقَتَلَه وقَتلَ ثلاثة مُلوك ورَجعَ معه ألُوفٌ من الرُّؤوس ، فهابَتْه المُلوكُ ،
وكان بوجْهه ضَرْبَةُ سَيف مُخَيَّطة .
وكان يَحملُ إلى المعْتمدِ في العامِ خَمسَةَ آلافِ ألفِ دِرْهَم ، وقَنعَ المعتمدُ
بمداراتِه .
ثم أخَذَ بَلْخَ ونيسابُورَ ، وأسَرَ مُتَوَلِّيها ابنَ طاهر في ستِّينَ نَفْساً من آله ، وقَصَد
جُرْجانَ ، فَهَزم المُتغلِّبَ عليها الحَسَنَ بنَ زَيْد العَلوي، وغَنمَ منه ثلاثَ مئة حِمل مال
ثم دَخلَ جُرْجانَ ، فظَلمَ وعَسفَ ، فجاءَت زَلْزَلَةٌ قَتَلَت من جُندِه ألفَين .
واستغاثَ جَماعةٌ جُرْجانتُّونَ بَبَغْدادَ من يَعْقوبَ، فعَزمَ المُعتمدُ على حَرْبِهِ ونفَّذَ كُتّباً
إلى أعْيانِ خُراسَانَ بِذَمِّ يَعقُوبَ، وبأنْ يَهْتُمُّوا لاسْتئصالِهِ فكاتَبَ المُعتمدَ يَخْضَعُ
ويُراوِغُ، ويطلبُ التَّقليدَ بِتَوَليه المشرقَ، ففَعَلَ المُعتمدُ ذاكَ وأخُوهُ المُوَفَّقُ لاشْتغالِهِم
بحَرْبِ الزِّنج .
(١) انظر السير: (الصَّفار) ٥١٣/١٢_٥١٥، وانظر النزهة: ٢/١٠٢٦.
٢٩٨

وأقبلَ يَعقوبُ ليَملكَ العراقَ، وبَرَزَ المُعتمدُ، فالْتَّقَى الجَمْعان بديرِ العَاقُول(١)،
وكَثُرت القَتلى، فانْهِزَمَ يَعقوبُ، وجُرحَ أُمراؤُه ، وذَهبَت خَزائنُه، وغَرقَ منهم خَلقٌ
في نَهْر .
وكان المَصافُّ في رَجبَ سَنة ٢٦٢هـ فذَهبَ يَعقوبُ إلى وَاسِط، ثم إلى تُشْتَر
فَأَخَذَها ، وتراجَعَ جَيشُه، وعَظُمَت وَطأتُه، وكادَ أنْ يَملكَ الدُّنيا، ثم كانَ مَوتُهُ
بالقُولَنجِ، ووُصِفَت له حُقْنَةِ ، فَأَبَى ، وتَلِفَ بعد أسبوعين .
وقَلَّ أن رُئي متبسِّماً ، مات بجنديسابور في سنة خمس وستين ومئتين(٢).
عَمِرُو بِنُ اللَّيْثِ الصفَّارِ .
قيل : كان ضرَّاباً في الصُّفْر، وقيل: بل مكاريَّ حَمير ، فآل به الحال إلى
السلطنة .
تَمَلَّكَ بعدَ أخيه، وأحْسَنَ السِّياسَة، وعَدل، وعَظُمَت دُوَلُه، وأطَاعَ الخَلِيفَةَ .
وقيلَ : كان في خدمة زَوجتِه ألفٌ وسَبع مئة جارِيَة .
ثم بَغَى عَمرُو علىْ وَالِي سَمَرْقَند إِسْماعيلَ بنِ أحمَد بنِ أَسَد .
وأقْبِلَ إِسْماعيلُ ، فَأَخَذَ أصحابُ عَمرو بنِ اللَّيث فيِ الهَزِيمَةِ ، فَرَكَبَت عَساكِرُ
إسْماعيلَ ظُهورَهم ، وتَوخَّلت بعَمرو دابَتُه، فأُسِر، فأُتي به إسْماعيلُ ، فَاعْتَنقَه
وخَدمَه، وقالَ : ما أحْبَيتُ أنْ يَجْري هذا، ثمَّ بالَغَ في احْترامِهِ ، فقالَ : احْلِفْ لي
ولا تُسْلمني، فحَلفَ له، لكن جاءَ رسُولُ المُعْتضِدِ بالخَلْعِ والتَّقْليدِ الإسْماعيلَ ،
ويَطلبُ عَمراً فأُدْخِل بَغدادَ علىْ بُخْتِيٌّ عليه جُبَّةُ ديباج ، ويُرنُس الشُّخْط ثم قالَ له
المُعْتضِدُ: هذا بَيْعَتُك يا عَمرو! ثم اعْتَقلَه، فقَتَلَه القاسمُ بنُ عُبَيد الله الوَزيرُ يومَ مَوْت
المُعْتَضِد سَنةَ تسعٍ وثَمانينَ ومِئْتَين وكان دَولتُه نِيِّقاً وعشرينَ سَنة(٣).
(١) وهو بين مدائن كسرى والنعمانية ، على شاطىء دجلة .
(٢) انظر السير: (الصَّفار) ٥١٣/١٢_٥١٥، وانظر النزهة: ٣/١٠٢٦.
(٣) انظر السير: (عَمرو بن اللَّيْث الصَّفار) ٥١٦/١٢-٥١٧، وانظر النزهة: ١/١٠٢٧.
٢٩٩

حَكَى الفُشَيْرِيُّ أنَّ عَمرو بنَ اللَّيْثِ رُئِي، فقيلَ: ما فَعَلَ اللهُ بك؟ قالَ : أشْرَفْتُ
يوماً من جَبلٍ على جُيوشي، فأعْجَبَتْنِي كَثْرَتُهم، فَتَمَنَّيْتُ أَنَّنِي كُنتُ حَضرْتُ مع
رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَنَصَرتُه وأعَنْتُه، فشَكرَ اللهُ لي، وغَفَرَ لي (١).
وجاءَ في تَرَجَمَةِ المُعْتَضِد باللهِ قالَ الذهبيُّ: ولمَّا قُتِلَ المُتَوَكِّلُ غِيلَةٌ، ثم قُتلَ
المُعْتَرُّ، ثُمّ المُسْتَعِينُ والمُهْتَدي وضَعُفَ شَأنُ الخِلافَةِ تَوَثَّبَ ابْنَا الصَّفَّارِ إلى أنْ أَخَذَا
خُراسَانَ بعدَ أنْ كانا يَعْمَلانِ النُّحاسَ ، وأقْبَلا لأخْذِ العِراقِ وقَلْعِ المُعْتَمِد .
وتَوَثَّبَ طُرُقِيٌّ داهيةٌ بالزِّج على البَصْرَة ، وأبادَ العِباد ومزَّقَ الجُيوشَ، وحارَبوه
بضْعَ عَشرةَ سنةً إلى أنْ قُتْلَ وكان مارِقاً ، بلغَ جُنْدُه مئة ألف(٢) .
وجاء في ترجَمَةِ أبي عَمرٍو الخَفَّف ، قال الحاكِمُ : سَمعتُ محمّدَ ابنَ المُؤَمَّل بنَ
الحَسَن الماسَرْ جسيَّ، سَمعتُ أبا عَمروِ الخَفَّاف يقولُ : كان عمرُو بنُ اللَّيْثِ الصَّفَّار -
يَعْني السُّلطانَ - يَقولُ لي: يا عَمُّ! مَتَى عَلِمْتَ شَيْئاً لا يُوافِقُكَ فاضْرِبْ رَقَتَي ، إلى أنْ
أَرْجِعَ إلىْ هَواكَ(٣).
قال الإمام الذهبي : كذا فليَكُنْ السُّلطانُ مع الشَّيخ ، وقد كان عمرُو بنُ اللَّيث
صانعاً في الصُّفر فتَنقَّلت به الأحْوالُ الى أنْ تَمَلَّك خُراسَانَ وَتَمَلَّك بعدَه أخُوهُ يَعقوبُ ،
فانْظُر في تاريخ الإسْلامِ تَسْمَعْ العَجَبَ من سيرتهِما .
وكان الرئيسُ أبو عَمرٍو عَظيمَ القَدْرِ ، سَيِّداً مُطاعاً بَبَلَدِهِ ، نالَ رئاسَةَ الدِّينِ
والدُّنْيا ، وكانوا يُلقِّبُونَه بزَينِ الأَشْرَف .
وكانت وَفاتُه سنةَ تسْعٍ وتسْعينَ ومِئتين ، من أبناء الثّمانين (٤).
(١) انظر السير: (عَمرو بن اللَّيْث الصَّفار) ٥١٦/١٢-٥١٧، وانظر النزهة: ١/١٠٢٨.
(٢) انظر السير: (المُعْتَضدُ بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٢/١١٠٦.
(٣) انظر السير: (أبو عمرو الخَفَّاف) ٥٦٠/١٣- ٥٦٤، وانظر النزهة: ١/١١١٧.
(٤) انظر السير: ( أبو عمرو الخَفَاف) ٥٦٠/١٣-٥٦٤، وانظر النزهة: ٢/١١١٧.
٣٠٠