Indexed OCR Text

Pages 201-220

تَصانيفِه جَماعَةٌ من الأئمّة، وهَجَروها ونَفَروا منها ، وأُحْرِقَتْ فِي وَقتٍ ، واعْتَنَى بها
آخَرونَ من العُلماء وفَتَّشُوها انْتِقاداً واسْتفادَةً، وأخْذاً ومُؤاخذةً ، ورَأوا فيها الدُّرَّ الثَّمينَ
مَمْزُوجاً في الرَّصْفِ بالخَرَزِ المَهين ، فتارَةً يَطْرَبون، ومرَّةً يُعْجَبون، ومن تَفْرُّدِهِ
يَھزَؤُون .
وفي الجُمْلَة فالكَمالُ عَزِيزٌ ، وكلُّ أحَد يُؤْخَذُ من قَولِه ويُتْرَك، إلاَّ رسُولُ الله
صلى الله عليه وسلم .
وكان يَنْهَضُ بِعُلومِ جَمَّة، ويُجيدُ النَّقْلَ، ويُحسِنُ النَّظْمَ والنَّثْرَ وفيه دينٌ وخَيرٌ
ومَقاصِدُهُ جَميلةٌ، ومُصنَّفَاتُه مُفيدَةٌ، وقد زَهدَ في الرِّئَاسَةِ، ولَزِمَ مَنزلَه مُكبَّاً على
العِلمِ ، فلا نَغْلو فيه ، ولا نَجْفو عنه ، وقد أثنى عليه قبلَنا الكبارُ :
قال أبو حامد الغزاليّ: وَجدتُ في أسْماءِ اللهِ تَعالَى كتاباً أَلَّفَه أبو محمَّد بنُ حَزْمِ
الأَنْدَلُسيّ يَدلُّ على حفظِهِ وسَیلانِ ذِهْنه .
وقال أبو عبد الله الحُمَيديّ : كان ابنُ حَزْم حافظاً للحَديثِ وفِقهِه ، مُستنبطاً
للأحكامِ من الكتابِ والسنّةُ ، مُتفتِّاً في عُلوم جمَّة عاملاً بعلمِه ، ما رأينا مثلَه فيما
اجْتمعَ لَه من الذّكاء وسُرعةِ الحِفظِ وكرمِ النَّفْس والتَّديّن ، وكان له في الأدَبِ والشِّعْر
نَفَسٌ واسعٌ وباعٌ طَويلٌ وما رأيتُ مَنْ يقَولُ الشِّعرَ على البَديهِ أسْرعَ منه وشِعرُه كثيرٌ
جَمعتُه على حُروفِ المُعْجَم .
وقد حَطَّ أبو بَكْر بنُ العَربيِّ على أبي محمَّد في كتابِ ((القَواصِم والعَواصِم )) وعلى
الظَّاهِرِيَّة ، فقال: هِي أُمَّةٌ سَخيفَةٌ ، تَسوَّرت على مَرتَبَةٍ ليست لها ، وتَكلَّمت بكلامٍ لِمْ
نَفْهَمْه ، تَلقَّوْه من إخْوانِهِمُ الخَوارِج حين حكّم عليٌّ ، رضي الله عنه ، يوم صفين ،
فقالت : لا حُكْمَ إلاَّالله ، وكان أوَّلُ بِدْعَةٍ لَقيتُ في رِحْلتي القَولَ بالباطِن ، فلمَّا عُدتُ
وجَدتُ القَولَ بالظَّاهر قد مَلأ به المَغربَ سَخيفٌ كان من بادِيَةِ إِشْبِيلِيَّة يُعرفُ بابنٍ
حَزْم ، نشأ وتَعلَّق بمَذهَبِ الشَّافعيِّ، ثم انْتُسبَ إلى داوُد ، ثم خَلَعَ الكُلَّ، واسْتَقَلَّ
بنفسِهِ، وزَعمَ أنَّه إمامُ الأُمَّة يَضعُ ويَرفَع ، ويَحكمُ ويشرعُ ، يَنْسبُ إلى دين الله ما ليس
فيه، ويقولُ عن العُلماءِ ما لم يَقولوا تَنْفيراً للقُلوبِ منهم، وخَرجَ عن طَريق المُشَبِّهَة
٢٠١

في ذاتِ الله وصِفاتِه ، فجاءَ فيه بطَوامَ، واتَّفْقَ كونُه بين قَومِ لا بَصَرَ لهم إلاَّ بالمَسائل
فإذا طالبَهم بالدَّليلِ كاعوا (١) فيَتضاحَكُ مع أصحابه منهم، وعَضَدَتْهُ الرِّئاسَةُ بما كان
عنده من أدَبٍ ، وبشُبَهٍ كان يُوردُها على الملوك فكانوا يَحمِلُونَه ، ويَحمونَه ، بما كان
يُلقي إليهم من شُبَهِ البِدَع والشِّرْك، وفي حين عَودي من الرِّحْلة ألفَيتُ حَضْرتي منهم
طافِحَة ، ونارَ ضلالِهِم لَافِحَة ، فقاسَيتُهم مع غَير أقْران وفي عَدَم أنْصار إلى حُسَّاد
يَطؤون عَقبي ، تارَةً تذهبُ لهم نفسي ، وأخْرى يَنْكَشِرُ بهم ضِرْسي ، وأنا بين إْراضٍ
عنهم أو تَشَغْيُبٍ بهم، وقد جاءَني رجلٌ بجُزْء لابنِ حَزْم سمَّاه ((نُكَتُ الإسْلام)) فيه
دَواهي، فجَرَّدتُ عليه نَواهي، وجاءَتي آخَرُ برسالة في الاعتقاد فنَقضتُها برسالة
((الغُرَّة)) والأمرُ أفْحَشُ من أنْ يُنقَض(٢).
يُقُولون: لا قَولَ إلاَّ ما قالَ اللهُ، ولا نَتَبعُ إلَّ رسُولَ الله، فإنَّ اللهَلمْ يأمُرْ بالاقْتِداء
بِأحَد ولا بالاهْتداء بهَدْي بشَر ، فيجبُ أنْ يَتحقَّقوا أنَّهم ليسَ لهم دَليلٌ وإنَّما هي سَخافَةٌ
في تَهْويل ، فأوصيكم بوَصيتين: أنْ لا تَسْتدلُوا عليهم، وأنْ تُطالِبُوهم بالدَّليلِ ، فإنَّ
المُبتَدعَ إذا اسْتدلَلْتَ عليه شَغبَ عليك، وإذا طالَبَتَه بالدَّليل لمْ يَجدْ إليه سبيلاً فأمَّا
قَولُهم : لا قَولَ إلاَّ ما قالَ اللهُ، فحَقٌّ ، ولكنْ أرِني ما قالَ وأمَّا قَولُهم : لا حكمَ
إلاَّ لله فَغَيرُ مُسَلَّم على الإطلاقِ، بلْ مِنْ حُكْمِ اللهِ أنْ يَجعلَ الحُكْمَ لَغَيرِه فيما قالَه
وأخْبَرَ به .
صَحَّ أنَّ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَلا
تُنْزِلْهُم عَلَى حُكمِ اللهِ ، فَإِنَّكَ لا تَذْرِي مَا حُكُمُ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُم عَلَى حُكْمِكَ » وصَحَّ
أنَّه قال: ((عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ » الحديث.
قال الإمامُ الذهبيُّ: لَمْ يُنصِفْ القاضي أبو بَكْر - رَحمَه الله - شَيخَ أبيه في العِلمِ ،
ولا تَكلَّمَ فيه بالقِسْط ، وبالَغَ في الاسْتخفافِ به ، وأبو بَكْر عَلى عَظمَته في العِلم
لا يَبْلُغُ رُتبَةَ أبي محمَّد ، ولا يَكادُ، فَرَحمَهما اللهُ وغَفرَ لهما .
(١) أي : جَبُنُوا .
(٢) انظر السير: (ابن حَزْم) ١٨٤/١٨ -٢١٢، وانظر النزهة: ١/١٣٩٧.
٢٠٢

قال اليَسَعُ بنُ حَزْم الغافِقِيُّ وذَكرَ أبا محمَّد فقالَ : حذَّثني عنه عُمرُ بنُ واجب قال :
بينما نحنُ عندَ أبي بِبَلَنْسِيَةَ وهو يُدرِّسُ المَذهَبَ إذا بأبي محمَّد بن حَزْم يَسْمَعُنا ،
ويَتعَجَّبُ ، ثم سألَ الحاضرينَ مَسْألَةً من الفِقْه ، جُووب فيها ، فاعْترَضَ في ذلك ،
فقالَ له بَعضُ الحُضَّار : هذا العلمُ ليسَ من مُنتَحَلاتك، فقامَ وقَعدَ ، ودَخلَ مَنِزِلَه
فعَكَفَ، ووَكَفَ(١) منه وابلٌ فما كَفَّ، وما كانَ بعد أشْهُر قَرِيبَة حتىْ قَصَدْنا إلى ذلك
المَوْضِع فناظَرَ أحسَنَ مُناظَرَةً، وقال فيها : أنا أتَّبِعُ الحَقَّ ، وأجْتَهِدُ ولا أتَقَيَّدُ
بِمَذْهَبٍ(٢) .
قال الذهبي : نعم ، مَنْ بَلِغَ رُتْبَةَ الاجْتهادِ ، وشَهدَ له بذلكَ عدَّة من الأئمّة ، لم
يَسُغْ له أنْ يُقَلِّدَ ، كما أنَّ الفَقيهَ المُبْتدىءَ والعامِّيَّ الذي يَحفَظُ القُرآنَ أوْ كثيراً منه
لا يَسُوغُ له الاجتهادُ أبداً ، فَكَيفَ يَجْتهدُ وما الذي يَقولُ؟ وعَلَامَ يَبني ؟ وكيفَ يَطيرُ
ولمَّا يُرَيِّش ؟ والقِسْمُ الثالثُ: الفَقيهُ المُنْتَهِي الْيَقِظُ الفَهِمُ الْمُحَدِّثُ ، والذي قد حَفظَ
مُختصَراً في الفُروع، وكتاباً في قَواعِدِ الأصُول ، وقَرأ النَّحوَ ، وشارَك في الفضائل مع
حِفظِه لكتابِ اللهِ وتَشاغُلِه بتَفسيرِه، وقُوَّة مُناظَرَتِه، فهذه رُتِبَةُ مَنْ بَلِغَ الاجْتهادَ
المُقيّد، وتأهَّلَ للنَّظَرِ فِي دَلائِل الأئمّة ، فمَتَى وَضُحَ له الحَقُّ في مَسأَلَة، وثَبَتَ فيها
النصُّ ، وعَملَ بها أحدُ الأئمَّةِ الأعْلامِ كأبي حَنِيفَة مَثلاً ، أو كمَالِك ، أو الثَّوْرِيِّ، أو
الأَوْزاعيِّ ، أو الشَّافعيِّ وأبي عُبَيد، وأحمَدَ ، وإِسْحَاقَ، فليَتَّبَعْ فيها الحَقَّ ولا يَسلُكِ
الرُّخَص وليَوزَّع، ولا يَسعُه فيها بَعدَ قيامِ الحُبَّةِ عليه تَقْلِيدٌ(٣).
٤ - الفُقَهاءُ السَّبْعَة :
رَوَى الواقِدِيُّ عن عبدِ الرحمَن بنِ أبي الزِّنادِ، عن أبيه ، قالَ: كانَ الفُقَهَاءُ
السَّبعَةُ الذينَ يُسألُونَ بالمَدِينَةِ ويُنْتَهى إلىْ قَولِهم: سَعيدُ ابنُ المُسَيِّب، وأبو بَكْر بنُ
(١) وَكَفَ : قطر .
(٢) انظر السير: (ابن حَزْم) ١٨٤/١٨ -٢١٢، وانظر النزهة: ١/١٣٩٩.
(٣) انظر السير: (ابن حَزْم) ١٨/ ١٨٤ -٢١٢، وانظر النزهة: ١/١٤٠٠.
٢٠٣

عبدِ الرحمَن ، وعُرْوَةُ، والقاسِمُ، وعُبَيْدُ اللهِ ابْنُ عَبدِ الله، وخارِجَةُ بنُ زَيْد ،
وسُلَيمانُ بنُ يَسار(١) .
٥ - مَذاهِبُ فقهيَّةٍ غَيرِ المَذاهب الأربعَة :
جاء في تَرجمَة الإمام مالِك ، قال الذهبيُّ : وللزَّيْدِيَّة مَذهبٌ في الفُروع بالحِجازِ
واليَمَنِ ، لكنَّه مَعدُودٌ في أقْوالِ أهْلِ البِدَعِ ، كالإماميَّة ، ولا بأسَ بِمَذهَبِ داوُد ، وفيه
أقْوالٌ حَسَنةٌ ، ومُتَابَعَةٌ للنُّصوصِ ، مع أنَّ جَماعَةً من العُلمَاءِ لا يَعْتُدُّون بخِلافِه ، وله
شُذوذٌ في مَسائل شانَت مَذْهَبَه .
ولكن هذا الإمامُ الذي هو النَّجْمُ الهادي قد أنْصَفَ ، وقال قَولاً فَضْلاً ، حَيثُ
يقولُ: كُلُّ أحَدٍ يُؤْخَذُ من قَولِه ويُتْرَك، إلاَّ صاحِبُ هذا القَبر صلى الله عليه
وسلم(٢) .
٦ - مَذاهِبُ فقهيَّة فَنِيَت :
جاء في تَرجمَة الإمامِ الأوزاعيِّ قالَ الذهبيُّ: وله مَسائِلُ كَثيرةٌ حَسَنَةٌ يَنفَردُ بها ،
وهي مَوْجودَةٌ في الكُتبِ الكِبار ، وكان له مَذْهَبٌ مُسْتقلٌّ مَشْهُورٌ، عَمَلَ به فُقَهاءُ الشَّامِ
مُدَّة ، وفُقَهاء الأنْدَلُس ثم فَنِيَ(٣) .
وقالَ الذهبيُّ رَحمَهُ الله بَعدمَا ذَكرَ المُقَلَّدينَ مُرَنَّبين من الصَّحابَة ثم التَّابِعِينَ ثم من
بَعدِ هذا النَّمَطِ تَنَاقَصَ الاجْتهادُ، ووُضِعَتِ المُخْتَصَراتُ، وأخْلدَ الفُقهاءُ إلى
التَّقْلِيدِ، من غَيرِ نَظَرٍ فِي الأَعْلَم ، بل بحَسبِ الاتّفاقِ ، والتَّشَهِّي ، والتَّعْظِيمِ ،
والعادَةِ ، والبَلدِ فَلَوْ أرادَ الطَّالبُ اليومَ أنْ يَتَمذهَبَ في المَغْرِبِ لأبي حَنيفَة، لَعَسُرَ
عليه ، كما لَوْ أرادَ أنْ يَتَمَذهَبَ لابنِ حَنْبل بُخَارِيٌّ، وسَمَرقَنْدِيٌّ، لصَعُبَ عليه ، فلا
(١) انظر السير: (خارجة بن زَيد) ٤/ ٤٣٧ -٤٤١، وانظر النزهة: ١/٥٢٩.
(٢) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ١/٧٣٣.
(٣) انظر السير: (الأوزاعيُّ) ٧/ ١٠٧ - ١٣٤، وانظر النزهة: ٣/٦٨٢.
٢٠٤

يجيءُ منه خَنْبَلَيٌّ ، ولا من المَغْرِبِيِّ حَنفيٌّ، ولا من الهِنْدِيِّ مَالِكِيٌّ ، وبكلِّ حال :
فإلىْ فِقْه مالك المُنْتُهى فعامَّة آرائِهِ مُسدَّدة، ولوْ لَمْ يَكنْ له إلَّ حَسْمُ مادة الحِيّل ،
ومُراعاةُ المَقاصِدِ لكَفاهُ، ومَذهَبُه قد مَلأَ المَغربَ، والأَنْدَلُسَ ، وكثيراً من بلادٍ مِصْرَ ،
وبَعضَ الشَّامِ، واليَمنِ ، والسُّودانِ ، وبالبَصْرَة، وبَغْدادَ ، والكُوفَة ، وبَعضَ
خُراسان، وكذلكَ اشْتَهرَ مَذْهَبُ الأوْزاعيِّ مُدَّة ، وتَلَاشَىْ أصْحابُه ، وتَفانوا وكذلك
مَذْهَبُ سُفْيانَ وغَيْرُهُ مِمَّن سَمَّيْنا ، ولَمْ يَبْقَ اليومَ إلاَّ هذه المَذاهبُ الأرْبَعَة وقلَّ مَنْ
يَنْهَضُ بمَعرِفَتِها كما ينبغي ، فضلاً عن أنْ يَكونَ مُجتهداً(١) .
وانْقَطعَ أتْباعُ أبي ثَوْر بعد الثَّلاثِ مِئَة، وأصْحابُ داوُدَ إلاَّ القَليلُ ، وبَقِيَ مَذْهَبُ
ابنِ جَرير إلى ما بَعدَ الأرْبَعِ مِئَة (٢).
٧- العُلَماءُ المُقَلَّدون :
فالمُقلَّدونَ صَحابةُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، بشَرطِ ثُبُوتِ الإسْنادِ إليهم ،
ثم أثمَّةِ التَّابِعين كعلْقَمةَ، ومَسْروق، وعُبَيَدَة السلماني، وسَعيدِ بنِ المُسَيَّب ،
وأبي الشعثاء ، وسَعيدِ بنِ جُبَير، وعُبَيدِ الله بنِ عَبد الله، وعُرْوَةَ ، والقاسِمِ ،
والشَّعْبِي، والحَسَن ، وابنِ سيرينَ وإبراهيمَ النَّخْعي .
ثم كالزُّهْريِّ، وأبي الزُّنَادِ ، وأُوبَ السَّخْتيانيِّ ، ورَبِيعَةً وطَبقَتِهِم .
ثم كأبي حَنِيفَةَ ، ومالِكِ ، والأوزاعيِّ، وابنِ جُرَيْجٍ ، ومَعْمَرٍ ، وابنٍ أبي عروبة ،
وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، والحمَّادَين، وشُعْبَة، واللَّيْثِ، وابنِ الماجشُّون ، وابنٍ
أبي ذِئب .
ثم كابنِ المُبارَك ، ومُسْلمِ الزَّنجيِّ ، والقاضي أبي يوسُف ، والهِقل ابنِ زياد ،
ووَكيعٍ ، والوَليدِ بنِ مُسْلمٍ ، وطَبِقَتِهِم .
(١) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ١/٧٣٢.
(٢) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٢/٧٣٢.
٢٠٥

ثم كالشَّافعيِّ، وأبي عُبَيْدٍ، وأحمَدَ ، وإِسْحاقَ ، وأبي ثَوْرِ ، والبُويطي ،
وأبي بَكْرِ بنِ أَبِي شَيْئَة .
ثم كالمُزَنِيٌّ، وأبي بَكْرِ الأَثْرَم ، والبُخاريِّ، ودَاوُدَ بنِ عليٍّ، ومحمَّدِ ابنِ نَصْرٍ
المَرْوزيِّ ، وإبراهيمَ الحَربِيِّ ، وإِسْماعيلَ القاضي .
ثم كمُحمَّدِ بنِ جَرير الطَّريِّ، وأبي بَكْرِ بنِ خُزَيْمَة ، وأبي عبَّس بنِ سُرَيْج ،
وأبي بَكْرِ بنِ المُنْذِر ، وأبي جَعْفَرَ الطَّحاويِّ، وأبي بَكْرِ الخَلاَّل(١).
٨- تَتْبُّعِ الرُّخَص فِسقٌ :
قال سُليمانُ الثَّميُّ: لَوْ أخَذتَ برُخْصَة كُلِّ عالِمِ اجْتمَعَ فيكَ الشَّرُ كلُّه(٢).
وجاءَ في تَرجمَة المُعْتَصدِ بالله ، قال إسْماعيلُ القاضِي : ودَخَلتُ مرَّةً ، فدَفَع إليَّ
كتاباً ، فَتَظَرتُ فيه ، فإذا قد جُمعَ له فيه الرُّخَصُ من زَللِ العُلماءِ ، فَقُلتُ : مُصنَّفُ
هذا زِنْدِيقٌ قالَ : ألمْ تَصِحَّ هذه الأحاديثُ؟ قلتُ: بَلَى، لكن مَنْ أباحَ المُسْكِرَ لَمْ
◌ُبِخ المُتْعَةَ ، ومَنْ أباحَ المُتْعَةَ لَمْ يُبِحْ الغِناءَ ، وما مِنْ عالمٍ إلَّ ولَه زَلَّة، ومَنْ أَخَذَ بَكُلِّ
زَلَّلِ العُلماءِ ذَهبَ دِينُهُ ، فَأَمَرَ بالكتَابِ فأُحْرِقٍ(٣) .
٩ - ماذا يَعمل مَنْ أرادَ التَّفَقُّه :
قال الإمامُ الذهبيُّ: شأنُ الطَّالبِ أنْ يَدِرُسَ أوَّلاَ مُصَنَّفاً في الفِقْه، فإذا حَفظَه ،
بَحثَه، وطالَعَ الشُّروحَ، فإنْ كانَ ذَكياً، فَقَيهَ النَّفْسِ، ورأى حُجَجَ الأئمة ،
فليُراقِبِ اللهَ، ولَيَحْتَطْ لِدِينِه ، فإنَّ خَيرَ الدِّينِ الوَرَعُ، ومَنْ تَركَ الشُّبهات ، فقَد اسْتبرأ
لدينِه وعِرْضِه، والمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ الله (٤) .
(١) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٥/٧٣١.
(٢) انظر السير: (سُليمانُ بن طَرْخان) ١٩٥/٦ -٢٠٢، وانظر النزهة: ٥/٦٤١.
(٣) انظر السير: (المُعْتَضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ٣/١١٠٣.
(٤) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٤/٧٣١.
٢٠٦

١٠- التحذير من الرأي والقِیاس بالھَوى:
قال أبو زُرعَة الدِّمَشقيُّ: حدَّثنا يَزِيدُ بنُ عبد رَبِّه يقولُ: سَمعتُ وَكيعاً يقولُ لِيَحْيَى
الوحاظيِّ : اجْتَنبِ الرأيَ، فإنِّي سَمعتُ أبا حَنِيفَة رَحمَه اللهُ يقولُ : البَوْلُ في المَسْجدِ
أحْسَنُ من بَعضٍ قِياسِھم .
وقد ماتَ الوحاظيُّ سنةَ اثنَتين وعشْرِينَ ومئْتَين(١).
١١ - فَضْلُ الإجماع :
قال الزَّنْجانيُّ في قَصيدتِهِ(٢):
وتِلْكَ سبيلُ المُؤمنينَ لِمَن سَبَرْ
كما في شُذوذِ القَوْلِ نَوعٌ من الخَطَر
وما أجْمَعتْ فيه الصَّحابَةُ جُجَّةٌ
فَفِي الأَخذِ بالإجماع - فاعْلَم - سعادَةٌ
١٢ - الفِقْهُ الظَّاهِرِي :
قال الإمامُ الذهبيُّ : للعُلماءِ قَولانِ في الاعْتِدادِ بِخِلافِ داوُد وأتبَاعِه: فمَنِ اعْتَدَّ
بخِلافِهم، قالَ: ما اعْتدادُنا بخِلافِهم لأنَّ مُفْرَدَاتِهِم حُجَّة، بل لتُحْكَى في الجُملَة ،
وبَعضُها سائغٌ ، وبَعضُها قَوِيٌّ وبَعضُها ساقطٌ، ثم ما تَفَرَّدوا به هو شَيءٌ من قَبِيلِ
مُخالَفَة الإِجْماع الظنِّي، وتَندُرُ مُخالَفْتُهم لإجْمَاعِ قَطْعِيٍّ ومَنْ أَهْدَرَهم ، ولَمْ يَعْتَد
بهم، لمْ يَعدَّهم في مَسائِلِهِم المُفْردَة خارجين بها من الدِّين ، ولا كَفَّرهم بها ، بلْ
يقولُ: هؤلاء في حَيِّرِ العَوامِّ ، أو هم كالشِّيعَة في الفُروع ، ولا نَلتَفتُ إلى أقْوالِهم ،
ولا نتّصبُ معهم الخِلافَ ، ولا يُعتَنَى بتَحْصيلِ كُتِبِهم ، ولا نَدَلُّ مُسْتغْتياً من العامَّة
عليهم وإذا تَظاهَروا بمَسْألَة مَعْلومَة البُطْلان، كمَسْحِ الرِّجْلَين ، أَذَّبْناهم، وعَزَّرْناهم ،
وألْزَمْناهم بالغُسْلِ جَزْماً .
قال الأستاذُ أبو إسْحاقَ الإِسْفَرَاييني : قال الجُمهورُ: إِنَّهم - يَعني نُفَاةُ القِياسِ -
(١) انظر السير: (الوُحاظِيّ) ٤٥٣/١٠-٤٥٦، وانظر النزهة: ١/٨٨٣.
(٢) انظر السير: (الزَّنجاني) ٣٨٥/١٨-٣٨٩، وانظر النزهة: ٣/١٤٢٤.
٢٠٧

لا يَبْلغونَ رُتْبةَ الاجْتهادِ ، ولا يَجوزُ تَقليدُهم القَضاءَ .
وقال إمامُ الحَرمَين أبو المَعالي : الذي ذَهبَ إليه التَّحْقيقُ: أنَّ مُنْكري القياسِ
لا يُعدُّون مِنْ عُلماءِ الأُمّة، ولا مِنْ حَمَلَة الشَّريعَة ، لأنَّهم مُعانِدون ، مُباهِتُون فيما
ثَبتَ اسْتفاضَةً وتَواتُراً ، لأنَّ مُعْظمَ الشَّريعةِ صادِرٌ عن الاجْتهادِ ، ولا تَفَي النُّصوصُ
بُعُشْرِ مِعْشارِها ، وهؤلاء مُلْتَحِقونَ بالعَوامِّ .
قال الإمامُ الذهبيُّ: هذا القَولُ من أبي المَعالي أذَّاهُ إليه اجْتهادُه، وهم فأدَّهم
اجْتهادُهم إلى نَفَي القَولِ بالقياسِ ، فَكَيف يُرَدُّ الاجْتهادُ بِمِثِلِه، ونَذْرِي بالضَّرورَة أنَّ
داوُد كانَ يُقْرِىءُ مَذْهَبَه، ويُناظِرُ عليه، ويُفْتي به في مثل بَغْدادَ ، وكثرةُ الأئمّة بها
وبغَيرِها ، فَلَمْ نَهُم قامُوا عليه، ولا أنْكَرُوا فَتَاويه ولا تَدريسَه ، ولا سَعَوا في مَنِعِه
من بثّه، وبالحَضْرةِ مثلُ إسْماعيلَ القاضي، شَيخِ المالكيَّة ، وعُثمانِ بنِ بَشَّار
الأنْماطيِّ، شَيخِ الشَّافعيَّة ، والمَرْوذيِّ شَيخِ الخَنْبَليَّة، وابنَيْ الإمامِ أحمدَ ،
وأبي العبّاس أحمَدَ بنِ محمّد البِرْتي، شَيخِ الحَنفيَّة، وأحمَدَ ابنِ أَبِي عِمْرانَ
القاضي ، ومثلُ عالِمٍ بَغْدَادَ إِبْراهيمَ الحَرْبِيِّ بَلْ سَكتُوا له ، حتى لقد قالَ قاسمُ بنُ
أصْبَع : ذاكَرتُ الطَّبريَّ - يَعني ابنَ جَرِير - وابنَ سُرَيْج، فقُلتُ لهما : كتابُ ابنِ قُتَيْبَة
في الفِقْه أينَ هو عندَكُما؟ قالا : ليسَ بشيءٍ ولا كتابٍ أبي عُبَيَد ، فإذا أرَدتَ الفِقْهَ
فكُتبَ الشَّافعيِّ ، وداوُدَ ونُظَرائِهِما .
ثم كانَ بعدَه ابنُهُ أبو بَكْر، وابنُ المُغَلّس، وعدَّة من تلامِذَة داوُد وعلىُ أكْتافِهِم
مثلُ : ابنِ سُرَيْج، شَيخِ الشَّافعيَّة، وأبي بَكْر الخَلاَّل، شَيخِ الحَنْبَيَّة ، وأبي الحَسَن
الكَرْخِي شَيخِ الحَنفيَّةَ، وكان أبو جَعْفَر الطَّحاويُّ بِمِصَّرَ بل كانوا يتَجالَسُون
ويَتناظَرون ، ويَبرُزُ كلٌّ منهم بحُجَجِه، ولا يَسْعَون بالداوُدِيَّة إلى السُّلطانِ بلْ أبلغُ من
ذلك ، يَنْصِبُون معهم الخِلافَ ، في تَصانيفِهم قديماً وحديثاً ، وبكلِّ الحالِ ، فلَهم
أشْياءُ أحْسَنوا فيها، ولهم مَسائلُ مُسْتَهْجنَة ، يُشْغَبُ عليهم بها ، وإلى ذلك يُشيرُ الإمامُ
أبو عَمرِو بنُ الصَّلاح ، حيثُ يقولُ : الذي اخْتَارَه الأستاذُ أبو مَنْصور، وذَكرَ أنَّه
الصَّحيحُ من المَذْهَب ، أنَّه يُعْتَبَرُ خِلافُ داوُد ثمَّ قالَ ابنُ الصَّلاح : وهذا الذي اسْتقرَّ
٢٠٨

عليه الأمرُ آخراً، كما هو الأغْلَبُ الأعْرَفُ من صَفْوِ الأئمّة المتأخرين ، الذين أُوْرَدوا
مَذْهَبَ داوُد في مُصنَّفَاتِهِم المَشْهورَة ، كالشَّيخِ أبي حامد الإِسْفَراييني ، والماوَرْديِّ ،
والقاضي أبي الطَّيِّب فلَوْلا اعْتدادُهم به لما ذَكروا مَذْهَبَه في مُصنَّفَاتِهِم المَشْهورَة .
قالَ: وأرَىُ أن يُعْتَبَر قولُه إلاَّ فيما خالَفَ فيه القياسَ الجَليَّ، وما أجْمَعَ عليه
القياسيُّون من أنواعِه ، أو بناهُ على أصُولِه التي قامَ الدَّليلُ القاطعُ على بُطْلانِها ، فاتِّفَاقُ
مَنْ سِواهُ إِجْمَاعٌ مُنْعَقدٌ، كقَولِه في التَّغَوُّطِ في الماءِ الرَّاكِدِ (١) وتلكَ المَسائلُ الشَّنيعَة،
وقولِه : لا رِبًا إلَّ في السَِّّة المَنْصُوصِ عليها ، فخِلافُه في هذا أو نَحوَه غيرُ مُعْتدِّ به ،
لأنَّه مبنيٌّ على ما يُقْطَعُ بُبُطْلانِهِ .
قال الإمامُ الذهبيُّ : لا رَيبَ أنَّ كُلَّ مَسألَةٍ انْفَرَدَ بها ، وقُطِعَ بَبُطْلانِ قَولِه فيها ،
فإنَّهَا هَدرٌ ، وإنَّما نَحكيها للتَّعُبِ، وكُلَّ مَسأَلَةٍ له عَضَدَها نَصٌّ ، وسَبقَه إليها صاحبٌ
أو تابعٌ ، فهي من مَسائلِ الخِلافِ ، فلا تُهْدَر .
وفي الجُمْلَةِ ، فداوُد بنُ عليّ بَصيرٌ بالفِقْه، عالمٌ بالقُرآنِ ، حافِظٌ للأثَرِ ، رأسٌ في
مَعِرِفَةِ الخِلافِ ، من أوْعيَةِ العِلمٍ ، له ذَكاءٌ خَارِقٌ ، وفيه دينٌ مَتِينٌ وكذلكَ في فُقَهاءٍ
الظَّاهِرِيَّة جَماعَةٌ لهم عِلمٌ باهِرٌ ، وَذَكَاءٌ قَوِيٌّ، فالكَمالُ عَزِيزٌ ، واللهُ المُوَفِّق .
ونحن : فنحكي قولَ ابنَ عبَّاس في المتعة ، وفي الصَّرْف(٢)، وفي إنْكارِ العَوْل،
وقَولَ طائِفَةٍ من الصَّحابَة في تَرَكُ الغُسْلِ من الإيلاجِ(٣)، وأَشْباهَ ذلك، ولا نُجَوِّزُ
لِأحَد تَقليدَهم في ذلك .
٠
(١) وهو قول ابن حَزْم، ونَصُّ كلامه في ((المُحلَّى)) (١٣٥/١): (إلاَّ أن البائل في الماء الراكد الذي
لا يجري حرامٌ عليه الوضوء بذلك الماء والاغتسالُ به لغرض أو لغيره ، وحكمه التيمم إن لم يجد غيره
فلوِ أحدَثَ في الماء أو بال خارجاً منه ثم جرى البولُ فيه فهو طاهرٌ يَجوزُ الوضوء منه والغسل له ولغيره
إلاَّ أن يغير ذلك البول أو الحدث شيئاً من أوصاف الماء ، فلا يُجزىء حينئذ استعماله أصلاً لا له
ولا لغيره .
(٢) انظر صَحيح مسلم رقم: (٥٩٦)، (١٠٢)، وشرح السُّنَّة: (٦٠/٨ -٦١).
(٣) انظر شَرح السُّنَّة: (٥/٢-٧).
٢٠٩

مات داوُدُ في شَهرِ رَمضانَ سَنةَ سَبعينَ ومِئَتِيِن (١) .
جاء في تَرجَمة ابنِ حَزْم ، قال الذهبيُّ : قيل إنه تَفَقَّه أولاً للشَّافِعِيِّ، ثم أذَّاهُ اجْتهادُه
إلى القَولِ بنَفْي القِياسِ كُلّه جَلِيِّه وخَفيِّه، والأخْذِ بظاهِر النَّص وعُموم الكِتاب والحَديث ،
والقَولِ بالبَراءَة الأصْليَّة، واسْتصْحابِ الحَال، وصَنَّفَ في ذلكَ كُتباً كثيرة، وناظَرَ
عليه، وبَسَط لسانَه وقَلمَه، ولمْ يَتأذَّبْ مع الأئِمَّة في الخِطاب، بلْ فجَّجَ(٢) العِبارَةِ وَسَبَّ
وجدّع(٣)، فكان جَزاؤُه من جِنْسٍ فِعلِهِ، بحَيثُ إِنَّه أعْرَضَ عن تَصانيفِهِ جَماعَةٌ من
الأئمّة، وهَجَروهُا ونَفَروا منها، وأُحْرِقَتْ في وَقتٍ ، واعْتَنَى بها آخَرونَ من العُلماءِ
وفَتَشُوها انْتِقاداً واسْتفادَةً ، وأخْذاً ومُؤاخَذةً ، ورَأوا فيها الدُّرَّ الثَّمينَ مَمْزُوجاً في الرَّصْفِ
بالخَرَزِ المَهين ، فتارَةً يَطْرَبون، ومرَّةً يُعْجَبون، ومن تَفَرُّدِه يَهزَؤُون .
وفي الجُملَة فالكَمالُ عَزِيزٌ ، وكلُّ أحَد يُؤْخَذُ من قَولِه ويُثْرَك، إلاَّ رسُولُ الله
صلى الله عليه وسلم .
وكان يَنْهَضُ بِعُلوم جَمَّة، ويُجيدُ النَّقْلَ، ويُحسِنُ النَّظْمَ والنَّثْرَ وفيه دينٌ وخَيرٌ
ومَقاصِدُهُ جَميلةٌ، ومُصنَّفَاتُه مُفيدَةٌ، وقد زَهدَ في الرِّئاسَة ، ولَزِمَ مَنزِلَه مُكبَّاً على
العِلمِ ، فلا نَغْلو فيه ، ولا نَجْفو عنه ، وقد أثنى عليه قبلَنا الكبارُ :
قال أبو حامد الغزاليّ : وَجدتُ في أسْماءِ اللهِ تَعالَى كتاباً أَلَّفَه أبو محمَّد بنُ حَزْم
الأَنْدَلُسيّ يَدُّ على حفظِهِ وسَيلانِ ذِهْنه .
وقال أبو عبد الله الحُمَيديّ : كان ابنُ حَزْم حافظاً للحَديثِ وفِقهِه ، مُستنبطأً
للأحْكامِ من الكتابِ والسنَّة ، مُتَفِّناً في عُلوم جمَّة عاملاً بعلمِه ، ما رأينا مثلَه فيما
اجْتمعَ لَه من الذَّكاء وسُرعةِ الحِفِظِ وكرمِ النَّفْس والتَّديّن ، وكان له في الأدَبِ والشِّعْرِ
نَفْسٌ واسعٌ وباعٌ طَويلٌ وما رأيتُ مَنْ يقَولُ الشِّعرَ على البَديهِ أسْرِعَ منه وشِعرُه كثيرٌ
جَمعتُه على حُروفِ المُعْجَم .
(١) انظر السير: (داوُد بن عَليّ) ٩٧/١٣ -١٠٨، وانظر النزهة: ١٠٥٨/١ - ١٠٦٠.
(٢) المعنى أنه ساق العبارة فجّةً قاسية .
(٣) الجَدْع في الأصل: القَطْع، وهو كناية عن الذَّم والشَّتْم .
٢١٠

وقد حَطَّ أبو بَكْر بنُ العَربيِّ على أبي محمَّد في كتابِ ((القَواصِمِ والعَواصِم)) وعلى
الظَّاهِرِيَّة ، فقال: هي أُمَّةٌ سَخِيفَةٌ، تَسوَّرت علىُ مَرَتَبَةٍ ليست لها ، وتَكلَّمت بكلامٍ لمْ
نَفْهَمْه، تَلَقَّوْه من إخْوانِهِمُ الخَوارِج حين حكّم عليّ ، رضي الله عنه ، يوم صفين ،
فقالت : لا حُكْمَ إلاَّالله، وكان أوَّلُ بِدْعَةٍ لَقَيتُ في رِحْلتي القَولَ بالباطِن ، فلمَّا عُدتُ
وجَدتُ القَولَ بالظَّاهر قد مَلأ به المَغربَ سَخيفٌ كان من بادِيَة إِشْبيليَّة يُعرفُ بابنِ
حَزْم ، نَشأ وتَعلَّق بمَذهَبِ الشَّافعيِّ، ثم انْتُسبَ إلى داوُد، ثم خَلعَ الكُلَّ ، واسْتَقَلَّ
بنفسِه، وزَعمَ أنَّه إمامُ الأُمَّة يَضعُ ويَرفَع ، ويَحكمُ ويشرعُ ، يَنْسبُ إلى دين الله ما ليس
فيه ، ويقولُ عن العُلماءِ ما لم يَقولوا تَنْفيراً للقُلوبِ منهم ، وخَرجَ عن طَريق المُشَبِّهَة
في ذاتِ الله وصِفاتِه ، فجاءَ فيه بطَوامَّ، واتَّفَقَ كونُه بين قَومِ لا بَصَرَ لهم إلاَّ بالمَسائل
فإذا طالبَهم بالدَّليلِ كاعوا (١) فيَتضاحَكُ مع أصحابه منهم،َ وعَضَدَتْهُ الرِّئاسَةُ بما كان
عنده من أدَبٍ ، وبشُبَهِ كان يُوردُها على الملوك فكانوا يَحملُونَه ، ويَحمونَه ، بما كان
يُلقي إليهم من شُبَهِ البِدَع والشِّرْك ، وفي حين عَودي من الرِّحْلة ألفَيتُ حَضْرتي منهم
طافِحَة ، ونارَ ضلالِهِم لَافِحَة ، فقاسَيتُهم مع غَير أقْران وفي عَدَم أنْصار إلى حُسَّاد
يَطؤون عَقبي ، تارَةً تذهبُ لهم نفسي ، وأخْرِى يَنْكَشِرُ بهم ضِرْسي ، وأنا بين إعْراضٍ
عنهم أو تَشَغْيُبٍ بهم ، وقد جاءَني رجلٌ بجُزْء لابنِ حَزْم سمَّاه ((نكتُ الإسْلامِ)) فيه
دَواهي، فجَرَّدتُ عليه نَواهي، وجاءَني آخَرُ برسالة في الاعْتقاد فنَقضتُها برسالة
((الغُرَّة)) والأمرُ أفْحَشُ من أنْ يُنْقَض(٢).
١٣ - فِقْهُ الإِمَاميَّة :
عن رَبيع بنِ مُنْذِر ، عن أبيه قال: كُنَّا مع ابنِ الحَنفيَّة، فأرادَ أنْ يَتوضَّأَ، فَتَزَعَ
خُفيْه ، ومَسَحَ علىْ قَدمَيْه .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: هذا قد يَتعلَّقُ به الإمَامِيَّة ويظَاهِرِ الآيَةِ، لَكِنَّ غَسْلَ
الرِّجْلَينِ شَرعٌ لازِمُ بيّنه لنا الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم وقالَ: (( وَيْلٌ لِلأعْقَابِ مِنَ
(١) أي : جَبُنُوا .
(٢) انظر السير: (ابن حَزْم) ١٨٤/١٨ -٢١٢، وانظر النزهة: ١/١٣٩٧.
٢١١

النَّارِ )) وعَليه عَمَلُ الأُمَّة ولا اعْتِبَارَ بِمَنْ شَذَّ، قالَ رَانِضِيٌّ: فأنْتُم تَرَوْنَ مَسحَ مَوْضِعٍ
ثَلاثِ شَعراتٍ بَلْ شَعرَةٌ من الرَّأسِ يُجزِىءُ، والنَّصُّ فلا يَحتَمِلُ هذا، ولا يُسَمَّى مَنِ
اقْتَصَرَ عَليه مَاسِحاً لِرَأْسِهِ عُرْفاً ، ولا رَأيْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ولا أحَداً من
أصْحابِهِ اجْتَزَأْ بذَلكَ ولا جَوَّزَه فالجَوابُ: أَنَّ البَاءَ لِلتَّبْعِيضِ فِي قَولِه ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾(١)
ولَيسَ هذا الْمَوضِعُ يَحْتَمِلُ تَقْرِيرَ هذه الْمَسْألَةِ(٢).
وقالَ أبو عليٍّ التَّوخيِّ : رَأيتُ في مَجلسٍ أبي عبدِ الله ابنِ الدَّاعي ، وقد جاءَه
رَجُلٌ بِفَتْوَى فِيمَنْ حَلفَ فطلَّق امرأتَه ثلاثاً مَعاً ، فقال له : تُريدُ أنْ أَفْتَيكَ بما عندي
وعندِ أهْلِ البَيتِ أو بما يَحكيه غَيرُنا عن أهْلِ البَيْتِ ؟ فقال: أريدُ الجَميعَ ، قال : أمَّا
عندي وعندَهم فقد بانَت ، ولا تَحلُّ لكَ حتىْ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَك .
قال الذهبيُّ : كان يَمتَنعُ من التَّرخُمِ على مُعاويَة رضي الله عنه، ولا يَشْتُمُ
الصَّحابَة(٣).
١٤ - فِقْهُ الجِهَاد :
قالَ علقمَةُ: كُنَّا بالرُّومِ وعَلينا الوَليدُ بنُ عُقْبَة، فَشَرِبَ، فأرَدْنا أنْ نَحُدَّه فقالَ
حُذِيفَةُ بنُ اليَمانِ: أَتَحُدُّونَ أَميرَكم، وقد دَنوتُم من عَدوُّكم، فيَطمَعون فيكُم(٤) .
١٥ - أُرْجُوزَةٌ فِقْهِيَّة في الحَثِّ على اتّباع مَذْهَب مالك :
قال أبو عمرو الدَّاني(٥) :
طَرِيقُها القُرآنُ ثُمَّ السُّنَّة
تَذْرِي أَخِي أينَ طَرِيقُ الجنَّة
ومَوطِنِ الأصْحابِ خَيرٍ جِيلٍ
كلاهُما بِبَلَدِ الرَّسُولِ
سورة المائدة ، الآية : ٢ .
(١)
انظر السير: ( ابن الحَنَفيَّة) ١١٠/٤-١٢٩، وانظر النزهة: ٢/٤٦١.
(٢)
(٣)
انظر السير: ( ابنُ الدَّاعي) ١١٤/١٦-١١٦، وانظر النزهة: ٣/١٢٧١.
انظر السير: ( الوليد بن عُقبة) ٤١٢/٣-٤١٦، وانظر النزهة: ٢/٤٠٣.
(٤)
(٥) انظر السير: ( أبو عمرو الدَّاني) ١٨ / ٧٧ -٨٣، وانظر النزهة: ١/١٣٨٧.
٢١٢

فَالعِلْمُ عَنْ نَبِيِّهم يَروُونَه
فاتَّبِعَنْ جَماعَةَ المدينَةُ
في النَّقَلِ والقَولِ وفي فَتْواهُم
وهُمْ مَحَجَّةٌ عَلَىْ سِواهُم
إِذْ قَد حَوَى عَلَىْ جَميعِ ذَلِكْ
واعْتَمدنْ عَلَى الإِمَامِ مَالِكْ
وصحَّةِ النَّقْلِ وعِلْمٍ مَنْ مَضَى
في الفِقْهِ والفَتْوَى إليه المُنْتُهى
١٦ - مُناظَرَةٌ فِقْهِيَّة :
قالَ الشَّاذَكونِيُّ : سَمعتُ ابنَ عُيَيْنَةَ يقولُ : كانَ الأوْزاعيُّ والثَّوْرِيُّ بِمِنَى، فقالَ
الأوْزاعيُّ للَّوْريِّ: لمَ لا تَرَفَعُ يَدَيْك في خَفْضِ الرُّكوعِ ورَفْعِه ؟ فقالَ : حدَّثنا يَزِيدُ بنُ
أبي زيادٍ (١)، فقال الأوْزاعيُّ: رَوَى لك الزُّهْريُّ، عن سالم، عن أبيه عن النَّبيِّ
صلى الله عليه وسلم وتُعارِضُني بيَزيدَ رَجلٍ ضَعيفِ الحَديثِ، وحَديثُهُ مُخالِفٌ للسُّنَّة ،
فاحْمرَّ وَجهُ سُفيانَ فقالَ الأوْزاعيُّ : كأنَّكَ كَرِهْتَ ما قُلتُ ؟ قالَ : نَعمَ فقالَ : قُمْ بنا
إلى المَقامِ نَلْتَعِنُ أُنا على الحَقِّ قالَ: فتَبَسَّمَ سُفيانُ لَمَّا رَآهُ قد احْتَدَّ(٢) .
١٧ - التَّعَصُّبِ المَذْهَبِي :
(أ) قصّة مالك في طَلبه من المَنْصور عَدم حَمل النَّاس علىْ مَذْهَب واحد :
قال محمَّدُ بنُ عُمَر : سَمعتُ مَالكاً يَقولُ : لمَّا حَجَّ المَنصُورُ دَعاني ، فَدَخَلتُ
عليه ، فحادَثْتُه ، وسَأَلَني فأجَبْتُه، فقال: عَزَمتُ أن آمُرَ بِكُتُبِك هذه - يَعْني المُوَطَّأ -
فتُنْسَخ نُسَخَاً ، ثم أَبْعَثُ إلى كُلِّ مِصْرٍ من أمْصار المُسْلمين بنُسْخَة، وَآمُرُهم أنْ يَعْمَلوا
بما فيها ويَدَعوا ما سِوَى ذلك من العِلْمِ المُحْدَث ، فإِنِّي رأيتُ أصْلَ العِلْمِ رِوايَةُ أهْل
المَدينَة وعِلْمَهم ، قلتُ : يا أميرَ المؤمنين، لا تَفْعَلْ، فإنَّ النَّاسَ قد سِيقَت إليهم
أقاويلُ وسَمعوا أحاديثَ ، ورَوَوْا رِواياتٍ ، وأخذَ كلُّ قومٍ بما سِيقَ إليهم ، وعَملوا
به ، ودانوا به ، من اخْتِلافِ أصْحابِ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم وغَيرِهم ، وإنَّ
(١) تَمامُه: عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ((كان إذا افْتَتَحَ
الصَّلاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى قَرِيبٍ مَنْ أُذُنَّهِ ثُمَّ لَا يَعُود ».
(٢) انظر السير: (الأوزاعيّ) ١٠٧/٧ - ١٣٤، وانظر النزهة: ٣/٦٨١.
٢١٣

رَدَّهُم عمَّا اعْتَقَدوه شَديدٌ ، فَدَعِ النَّاسَ وما هُم عليه، وما اخْتَارَ أهلُ كلِّ بَلَدٍ لأنْفُسِهِم
فقال : لَعَمْرِي لَوْ طَاوَعْتَني لأَمَرْتُ بذلك(١) .
(ب) حَوادِثُ تدُلُّ على التَّعَصُّب المَذْهَبِي :
رَوَى أبو الشَّيخِ الحافظُ وغَيرُه من غَيرِ وَجهٍ : أنَّ الشَّافعيَّ لَمَّا دَخلَ مِصْرَ أتاهُ جُلَّةٌ
أصْحابِ مَالِك، وأقبَلوا عليه، فلمَّا رَأوْهُ يُخالِفُ مالكاً، ويَنقُضُ عليه، جَفَوْهُ
وتَنكَّروا له، فأنْشاً يَقولُ(٢):
وأَنْظِمُ مَنْثُوراً لراعِيَةِ الغَنَم
أَنْثُرُ دُرَّاً بينَ سارِحَة النَّعَم
فَلَستُ مُضِيعاً بَيْنَهم غُرَرَ الحِكَم
لَعَمْرِي لَئِنْ ضُيِّعتُ فِي شَرِّ بَلدَةٍ
وصَادَفْتُ أهْلاً للعُلومِ وللحِكَم
فإنْ فرَّجَ الله اللَّطِيفُ بِلُطْفِه
وإلاَّ فمحزُونٌ لَدَيَّ ومُكْتَتَم
بَنْتُ مُفيداً واسْتَفَدتُ ودادَهم
وَمَنْ مَنَعَ المُسْتَوِجِبِينَ فَقَد ظلَم
ومَنْ منَحَ الجُهَّالَ عِلْماً أضَاعَه
يُبُوءُ بإِثْمٍ زَادَ وآثمٍ إِذَا كَتَم
وكَاتِمُ عِلْمِ الدِّينِ عمَّنْ يُريدُهُ
قال أبو عبد الله بنُ مَنْدَة: حُدِّثتُ عن الرَّبيع قال : رَأيتُ أشْهَبَ بنَ عبدِ العَزيزِ
ساجداً يَقولُ في سُجودِهِ : اللَّهُمَّ أَمِتْ الشَّافِعِيَّ لاَ يَذْهَبُ عِلمُ مالك ، فَبَلغَ الشَّافِعِيَّ ،
فأنْشَأْ يَقولُ(٣):
فتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فيها بأَوَحَدٍ
تَمنَّى رِجَالٌ أنْ أَمُوتَ وَإِنْ أَمُتْ
تَهِيَّأُ لأُخْرَى مِثْلِهَا فِكَأَنْ قَدِ
فَقُل لِلَّذِي يَبْغِي خِلافَ الَّذِي مَضَى
لَئِنْ مِثُ مالدَّاعِي عَلَيَّ بِمُخَلَدٍ
وَقَدْ عَلِمُوا لَو يُنفَقُ العِلْمُ عِندَهم
قال الإمام محمد بنُ حَزْم الظاهري : وكان محمَّدُ بنُ عبد الرحمَن الأُمَوي صاحبُ
الأنْدَلسِ مُحبَّاً للعُلومِ عارِفاً، فلمَّا دخلَ بَقيُّ الأنْدَلسَ بـ((مُصَنَّف أبي بَكْر بنٍ
(١) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٧/٧٢٩.
(٢) انظر السير: (الإمام الشَّافِعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٣/٨٥١.
(٣) انظر السير: (الإمام الشَّافِعِيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٤/٨٥١.
٢١٤

أبي شَيْيَة))، وقُرىءَ عليه، أنْكرَ جَماعةٌ من أهلِ الرَّأي ما فيه من الخِلافِ
واسْتَبْشَعوه، ونَشَّطوا العامَّةَ عليه، ومَنعُوه من قِراءَتِه، فاسْتحضَرَه صاحبُ الأنْدَلس
محمدٌ وإِيَّاهم ، وتَصفَّحَ الكتابَ كلَّه جُزءاً جُزءاً حتى أتَى على آخِرِه ، ثم قال لخازِن
الكُتبِ : هذا كتابٌ لا تَسْتَغني خِزانتُنا عنه ، فَانْظُر في نَسْخِه لنا ، ثم قال لبَقِيٍّ : انْشُر
عِلمَك، وازْوِ ما عِندَك ونَهاهُم أنْ يَتعرَّضوا له(١) .
كان بَقيُّ بنُ مَخْلَد أوَّلَ مَنْ كَثَّرَ الحَديثَ بالأنْدِلُسِ ونَشَره ، وهاجَمَ به شُيوخَ
الأَنْدَلُس، فثارُوا عليه، لأنَّهم كان عِلْمُهم بالمَسائِلِ ومَذهَب مالِك ، وكان بقيٌّ يُفْتي
بالأثَر، فشَذَّ عنهم شُذوذاً عظيماً، فعَقَدوا عليه الشَّهادات، وبَدَّعوه، ونَسَبوا إليه
الزَّنْدَقَة، وأشْيَاءَ نَزَّهَه اللهُ منها وكان بقيٌّ يقولُ: لقد غَرسْتُ لهم بالأَنْدَلُس غَرْساً
لا يُقْلَعُ إلَّ بخُروجِ الدَّجَّال(٢) .
وقال الشُّلَمْيُّ في ((مِحَنِ الصُّوفِيّةِ)): لمَّا تَكَلَّمَ مُحمَّدُ بنُ الفَضْلِ بَبَلِغ في فَهْمِ
القُرآنِ وأحْوالِ الأَئِمَّةِ ، أَنْكَرَ عليه فُقَهَاءُ بَلْخِ ، وقالوا : مُبْتَدعٌ وإنَّما ذاكَ بِسَببِ اعْتِقَادِهِ
مَذْهَبَ أهلِ الحَديثِ ، فقال: لا أخْرُجُ حتى تُخْرِ جُونِي وتَطُوفُوا بِي في الأسْواقِ فَفَعَلوا
بهِ ذلكَ، فقال : نَزَعَ اللهُ من قُلُوبِكُم مَحَبَّتَه ومَعْرِفَتَه فِقِيلَ : لَمْ يَخْرُجْ منها صُوفِيٌّ من
أهلِها فأتَى سَمَرْقَنْدَ ، فبالَغُوا في إكْرامِه(٣).
وذكرَ إِمامُ الحَرمَين أنَّ مَحمودَ بنَ سُبَكْتكينَ كانَ حَنفيّاً يُحبُّ الحَديثَ ، فوَجدَ كثيراً
منه يُخالفُ مَذهبَه، فجَمعَ الفُقهاءَ بمَرْوَ، وأمَرَ بالبَحثِ في أَيُّما أقْوَى مَذْهَبُ
أبي حَنِيفَة أو الشَّافعيِّ قَالَ : فوَقعَ الاتِّفَاقُ على أنْ يُصلُّوا رَكْعَتين بينَ يدَيه على
المَذْهَبَين، فصَلَّى أبو بَكْر القَفَّلُ بُوُضُوءٍ مُسْبَع وسُتْرَةٍ وطَهَارَةٍ وقِبْلَة وتَمامِ أزْكان
لا يُجَوِّزُ الشَّافعيُّ دُونَها، ثم صَلَّى صَلاة على ما يُجَوِّزُه أبو حَنيفَة، فَلَبِسَ جِلْدَ كلبٍ
(١) انظر السير: (بقيُّ بن مَخْلَد) ٢٨٥/١٣-٢٩٦، وانظر النزهة: ١/١٠٨٥.
(٢) انظر السير: (بَقيُّ بن مَخْلَد) ٢٨٥/١٣-٢٩٦، وانظر النزهة: ١/١٠٨٦.
(٣) انظر السير: (وَاعِظُ بَلْخ) ٥٢٣/١٤-٥٢٦، وانظر النزهة: ٣/١١٧١ .
٢١٥

مَذْبوغاً قد لُطُّخَ رُبعهُ بنَجاسَة، وتَوضَّأ بنبيذٍ، فَاجْتَمعَ عليه الذبَّنُ ، وكان وُضُوءاً
مُنَكَّساً، ثم كبَّرَ بالفَارِسيّة وقَرأَ بالفَارِسيّة: دَوْبَرْكك سَبْزِ (١) ، ونَقَرَ ولَمْ يَطمَئنَّ ولا رَفَعَ
من الرُّكوعِ، وتَشْهَّدَ ، وضَرَطَ بلا سَلام فقالَ له : إنْ لَمْ تَكُنْ هذه الصَّلاةُ يُجِيزُها
الإمامُ ، قَتَلتُك فأنْكَرَتِ الحَنَّقةُ الصَّلاةَ ، فأمَرَ القَفَّالُ بإحْضارٍ كُتُبهم ، فوُجدَ كذلك ،
فَتَحوَّلَ مَحمُودٌ شافعيّاً. هكذا ذَكرَه الإمامُ أبو المَعالي بأطْوَلَ من هذا(٢)، (٣).
(ج) شِعْرٌ في التَّعَصُّب المَذْهَبِي :
رَوَى أبو الشَّيخِ الحافظُ وغَيرُه من غَيرِ وَجهٍ : أنَّ الشَّافعيَّ لَمَّا دَخلَ مِصْرَ أتاهُ جُلَّةُ
أصْحابِ مَالِك، وأقبَلوا عليه ، فلمَّا رَأوْهُ يُخالِفُ مالكاً، ويَنقُضُ عليه، جَفَوْهُ
وتَنَكَّروا له ، فأنْشاً يَقولُ (٤):
وأَنْظِمُ مَنْثُوراً لراعِيَةِ الغَنَم
أَنْثُرُ دُرّاً بينَ سَارِحَة النَّعَم
فَلَستُ مُضِيعاً بَيْنَهم غُرَرَ الحِكَم
لَعَمْرِي لَئِنْ ضُيِّعتُ فِي شَرِّ بَلدَةٍ
وصَادَفْتُ أهْلاً للعُلومِ وللحِكَم
فإنْ فرَّجَ الله اللَّطيفُ بِلُطِفِه
وإلاَّ فمحزُونٌ لَدَيَّ ومُكْتَم
بَنْتُ مُفيداً واسْتَفَدتُ ودادَهم
وَمَنْ مَنَعَ المُسْتَوِجِبِينَ فَقَدْ ظَلَم
ومَنْ منَحَ الجُهَّالَ عِلْماً أضَاعَه
يُيُوءُ بإِثْمٍ زَادَ وأَثِمٍ إِذَا كَتَم
وكَاتِمُ عِلْمِ الدِّينِ عمَّنْ يُرِيدُهُ
(١) والمعنى: ورقتان خضراوان، وهو معنى قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿مُدْهَآَمَتَانِ﴾، انظر
((وفيَّات الأعيان)) (١٨٢/٥)، و((المعجم الذهبي)) فارسيٍ / عربي.
(٢) في ((مُغيث الخَلق في اختيار الأحق))، ونقله عنه ابن خلَكان في ((وفيَّات الأعيان)) (١٨٠/٥،
١٨١) وهذه الحكاية التي يغلب على الظن أنها ملفقَّة مُفتَراة تُنبىء عن ذميم التعصُّب الذي يفعل
أفاعيله في النفوس ، فيحملها على الكراهية ، وعرض رأي المخالف عرضاً مُشوَّهاً مَبْتوراً، والإغضاء
عن فضائله الكثيرة ، ومحاسنه الجَمَّة ، وكان على إمام الحرمين أن يسلُك مع مخالفيه سبيل أهل العلم
والعرفان ، ويناقشهم بالحُجَّة والبُرهان، ويصون كتابه عن مثل هذا الهُراء والهَذَيان .
(٣) انظر السير: (السُّلْطان) ٤٨٣/١٧-٤٩٥، وانظر النزهة: ٣/١٣٥٢.
(٤) انظر السير: (الإمام الشَّافِعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٣/٨٥١.
٢١٦

قال أبو عبد الله بنُ مَنْدَة : حُدِّثتُ عن الرَّبيع قال : رَأيتُ أَشْهَبَ بنَ عبدِ العَزيزِ
ساجِداً يَقولُ في سُجودِهِ : اللَّهُمَّ أَمِتْ الشَّافِعِيَّ لاَ يَذْهَبُ عِلمُ مالك، فبَلغَ الشَّافِعِيَّ،
فأنْشَأْ يَقولُ(١):
فِتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فيها بأَوَحَدٍ
تَمِنَّىْ رِجَالٌ أنْ أَمُوتَ وإِنْ أَمُتْ
تَهِيَّأْ لِأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَنْ قَدِ
فَقُل لِلَّذِي يَبْغِي خِلافَ الَّذِي مَضَى
لَئِنْ مِثُ مالدَّاعِي عَلَيَّ بِمُخَلَدِ
وَقَدْ عَلِمُوا لَو يُنفَقُ العِلْمُ عِندَهم
وقال محَمدُ بنُ طاهِر: وسَمعتُ شَيْخَ الإسْلامِ أبا إسْماعيلَ الهَرَوِيَّ يُنْشِدُ على مِنْبِه(٢):
فَوَصِيَّي للنَّاسِ أنْ يَتَحْبِلُوا
أَنَا حَنْبليٌّ مَا حَبيتُ وإِنْ أَمُتْ
قال الإمامُ الذهبيُّ : وقد قالَ في قَصيدَتِهِ النُّونِيَّة :
فَوَصِيَّي للنَّاسِ أنْ يَتَحنْلُوا
أَنَا حَنْبليٌّ مَا حَبِيتُ وإِنْ أَمُتْ
إِذْ دِينُهُ دِينِي وَدِيني دِينُهُ مَا كُنْتُ إِمَعَةً لَهُ دِينَانِ
ولقد بالَغَ أبو إسماعيل في ((ذَمِّ الكَلامِ )) على الاتِّباع فأجادَ ولكنَّه له نَفَسٌّ عَجيبٌ
لا يُشبهُ نَفَسَ أئمَّة السَّلف في كتابِهِ «مَنازِل السَّائرين)»(٣) ففيه أشْيَاءُ مُطْرِبَة، وفيه أشْيَاءُ
مُشْكلَة ومَنْ تأمَّلَه لاحَ له ما أشَرتُ إليه، والسُّنَّة أُلمحمَّدِيَّة صلفَةٌ ولا يَنهَضُ الذَّوْقُ
والوَجْدُ إلاَّ على تأسيسِ الكتابِ والسُّنَّة وقد كانَ هذا الرَّجلُ سَيفاً مَسْلُولاً على
المُتَكلِّمينَ ، له صَوْلةٌ وهَيْبَةٌ واسْتيلاءٌ على النُّفُوسِ بِبَلِدِهِ ، يُعظُّمونَه ، ويَتغالونَ فيه ،
ويَبِذُلُونَ أَرْواحَهم فيما يأمُرُ به كانَ عندَهم أطْوَعَ وأرْفَعَ من السُّلطانِ بِكَثير وكانَ طَوْداً
راسياً في السُّنَّة لا يَتَزَلْزَلُ ولا يَلِينُ ، لولا ما كَذَّر كتابَه « الفَارُوق في الصِّفات )» بذِكْرِ
أحاديثَ باطِلَة يَجبُ بَيَانُها وهَتْكُها، واللهُ يَغفرُ له بحُسْنٍ قَصْدِه (٤) .
(١) انظر السير: (الإمام الشَّافِعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٤/٨٥١.
(٢) انظر السير: (شَيخُ الإسْلام) ٥٠٣/١٨-٥١٨، وانظر النزهة: ١/١٤٣٧.
(٣)
طُبع كتاب ((منازل السائرين)) مع شرحه ((مدارج السالكين)) للعلَّمَة ابن القيّم، وقد تعقَّبَه الإمامُ ابنُ
القيِّم رحمه الله في شرحه هذه الأشياء المشكلة وانتقدها انتقاداً جيداً .
(٤) انظر السير: (شَيخُ الإسْلام) ٥٠٣/١٨-٥١٨، وانظر النزهة: ٢/١٤٣٧.
٢١٧

١٨ - مَنْ كان يَرومُ القَضاء على المَذاهِب بالقُوَّة :
قالَ الإمامُ الذهبيُّ في ترجَمة صاحِب المَغْرب أبي يوسُف يَعقُوبَ ابنِ يوسُف : قال
عبدُ الواحدِ بنِ عليٍّ : كنتُ بفاسَ ، فشهدتُ الأحْمالَ يُؤْتَى بها ، فَتُحْرَق ، وتَهدَّدَ على
الاشْتغالِ بالفُروعِ، وأمَرَ الحُفَّاظَ بجَمع كتابٍ في الصَّلاةِ من (الكُتُبِ الخَمسَة )،
و((المُوَطَّأ))، و(َ مُسْنَدِ ابنِ أبِي شَيْبَة))، و((مُسْنِدِ البَزَّار))، و(( سُنَنِ الدَّارَقُطني))،
و(( سُنَنِ الْبَيْهَقيِّ)) كما جَمِعَ ابنُ تُومَرت في الطَّهارَة ثم كان يملي ذلك بنَفْسِه علی کبارِ
دَولَتِهِ، وحَفِظَ ذلك خَلقٌ، فكانَ لمَنْ يَحفَظُه عَطاءٌ وخِلْعَةٌ إلى أنْ قالَ : وكانَ قَصْدُه
مَحْوَ مَذهَب مالك من البلادِ، وحَمْلَ النَّاسِ على الظَّاهِر، وهذا المَقْصِد بعَينِهِ كان
مَقْصِدَ أبيه وجدِّه، فَلَمْ يُظْهِراهُ، فأخْبَرني غَيرُ واحد أنَّ ابنَ الجَدِّ أخْبَرَهم قالَ : دَخلتُ
على أميرِ المُؤمنينَ يوسُفَ ، فوَجدتُ بينَ يدَيه كتابَ ابنِ يُونُس ، فقالَ : أنا أَنْظُرُ في
هذه الآراء التي أُحْدِثَت في الدِّين ، أرأيتَ المَسْأَلَةَ فيها أقْوالٌ ، ففي أيّها الحَقُّ ؟ وأيُّها
يَجبُ أنْ يَأْخُذَ به المُقدِّد؟ فافْتَتَحتُ أُبَيْنُ له، فقَطْعَ كَلامي، وقالَ : لَيسَ إلا هذا،
وأَشَارَ إلى المُصْحَفِ، أوْ هذا وأشارَ إلى (( سُنَنِ أبي داوُدَ))، أو هذا، وأشارَ إلى
السَّيفِ .
قالَ يَعقوبُ: يا مَعْشرَ المُوَحِّدينَ، أنْتُم قَبائلُ، فمَنْ نابَه أمرٌ ، فَزِعَ إلىْ قَبِيلَتِهِ ،
وهؤلاء - يَعنِي طَلبَةَ العِلمِ - لا قَبِيلَ لهم إلاَّ أنا، قالَ: فَعَظُمُوا عند المُوَحِّدينَ(١).
١٩ - شِعْرٌ في التَّقَلُّب بين المَذاهِب (ولا يُوافَقُ عليه قائلُه ):
قال الإمامُ الذهبيُّ : قال المؤيدُ ابنُ التَّكْريتي في وَجيهِ الدين أبي بَكْر المُبارَك
الوَاسِطَيِّ، المَعْروف بابنِ الدهَّان(٢):
وإِنْ كَانَ لاَ تُجْدِي لَدَيْهِ الرَّسائِلُ
وَمَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي الوَجِيهَ رِسَالةً
وَذَلِكَ لَمَّا أَعْوَزَتْكَ المَآكِلُ
تَمَذْهَبْتَ لِلنَّعْمَانِ بَعْدَ ابنِ حَنْبَلٍ
(١) انظر السير: (صاحب المَغرب) ٣١١/٢١-٣١٩، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٦.
(٢) انظر السير: (ابن الدهَّان) ٨٦/٢٢-٨٩، وانظر النزهة: ١/١٦٦٨.
٢١٨

وَلَكِنَّمَا تَهْوَى الذي هُوَ حاصِلُ
وَمَا اخْتَرْتَ رَأْيَ الشَّافِعِيِّ دِيَانَةً
إِلَى مَالِكٍ فَافْطَنْ لِمَا أَنَا قَائِلُ
وَعَمَّا قَليلٍ أَنْتَ لاَ شَكَّ صَائِرٌ
٢٠ - مُتَفَرِّقاتٌ في الفِقْه :
(أ) الردّ علىْ مَنْ يَزْعُمُ أنَّ أحمدَ ليسَ فَقيهاً :
قالَ ابنُ عَقيل: مِنْ عَجيبٍ ما سَمعتُهُ عن هَؤلاءِ الأحْداثِ الجُهَّال ، أنَّهم يَقولُونَ :
أحمَدُ بنُ حَنْبل لَيسَ بِفَقيه ، لكنَّه مُحدِّث قالَ : وهذا غايَةُ الَجْهِل لأنَّ له اخْتیاراتٍ
بَنَاهَا على الأحاديثِ بناءَ لا يَعرِفُهُ أكثَرُهم ورُبَّما زادَ على كِبارِهم(١) .
وقالَ الإمامُ الذهبيُّ : أحْسَبُهم يَظُّونَه كانَ مُحدِّثاً وبَسْ، بلْ يَتْخَيَّلونَه من بابةِ
مُحدِّثي زَمانِنا واللهِ لَقَدْ بَلِغَ في الفِقْه خاصَّةً رُتِبَةَ اللَّيثِ ، ومالِكِ، والشَّافعيِّ ،
وأبي يوسُف ، وفي الزُّهْدِ والوَرَعِ رُتِبَةَ الفُضَيلِ ، وإبراهيمَ بنِ أدْهَم ، وفي الحِفْظِ رُتِبَةَ
شُعْبَة، ويَحْبَى القَطَّان، وابنِ المَديني ولكنَّ الجَاهِلَ لا يَعلَمُ رُتِبَةَ غَيرِهِ ؟ !! (٢) .
(ب) الردُ علىْ مَنْ حرَّمَ الذَّهَبَ المُحَلَّق:
عن ثَوْبانَ رضي الله عنه ، قال : دَخلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على فاطِمَةَ
وأنا مَعه ، وقد أخَذتْ من عُنُقِها سِلْسِلةً من ذَهَب فقالَت : هذه أهْداهَا لي أبو حَسَن
فقالَ صلى الله عليه وسلم: (( يا فَاطِمَةُ أَيَسُرُّكِ أنْ يَقُولَ النَّاسُ: هَذِه فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ
وفي يَدِها سِلْسِلَةٌ مِنْ نَارٍ)) !! ثم خَرجَ فاشْتَرَت بالسِّلْسلَةِ غُلاماً، فأعْتَقَتْه ، فقال النبيُّ
صلى الله عليه وسلم: ((الحَمْدُ للهِ الذِي نَجََّىَ فَاطِمَةَ مِنَ النَّارِ )) رواه أبو داود(٣).
قال صاحبُ التُّزْهَة: وأبو داود، هو الطَّالِسيُّ، صاحبُ ((المُسْنَد ))، وهو فيه
(٣٥٤/٢)، وكان على المُصنّف رَحمَه الله أنْ يُقَيِّدَه حتى لا يلتَبِسَ بأبي داوُد
(١) انظر السير: (أحمد بن حَنْبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٨/٩٤٧.
(٢) انظر السير: (أحمد بن حَنْل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٤٨.
(٣) انظر السير: (فاطمَةُ بنتُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم) ١١٨/٢ - ١٣٤، وانظر النزهة:
٢٢٩ / ٧ .
٢١٩

السِّجِّسْتانيٌّ صاحبِ السُّنَنِ، فإنَّه المُتبادَرُ عند الإطْلاقِ، وما ذَهبَ إليه الشَّيخُ ناصِرُ
الدِّين الألْبانيُّ بالاسْتِنادِ إلى هذا الحَديثِ وغَيرِهِ ممَّا أَوْرَدَه في ( آدابِ الزِّفاف ) من
تَحْريمِ تَحَلِّي النِّساءِ بالذَّهبِ المُحلَّقِ، وإياحَة غَيرِ المُحلَّقِ لَهُنَّ، فقد خالَفَ بذلك
إجْماعَ المُسلمينَ سَلَفاً وخَلَفاً على إباحَة تَحَلِّي النَّساءِ بالذَّهبِ مُحلَّقاً وغَيرٍ مُحلَّق
كالطَّوْقِ والخاتَمِ والسَّارِ ، والخُلْخالِ والقَلَائِدَ، وقد نَقَلَ الإِجْمَاعَ غَيرُ واحدٍ من
العُلماءِ المُحقِّقينَ كالجَصَّاصِ الرَّازي في «أحْكام القُرْآن)» (٤/ ٤٧٧) ، والقُرطُبيِّ في
تفسيرِه (٧١/١٦، ٧٢)، والنَّوَويِّ في ((المَجْموع)) (٤٤٢/٤، ٤٠/٦)،
والحافِظِ ابنِ حَجَرَ في ((فَتْحِ البَاري)) (٣١٧/١٠).
ولا يَتَّسعُ هذا التَّعْلِيقُ لِبَيَانِ وَهاءِ رَأيِه هذا الذي انْفَرَدَ به والشُّبهاتِ التي أثارَها
حَولَ هذه المَسْألَة، ونُحيلُ القارىَ الكَريمَ على كتابٍ ((إباحَةِ الثَّحَلِّي بالذَّهَبِ المُحلَّق
للنِّساءِ)) للشّيخِ الفاضِلِ إسْماعيلَ بنِ محمَّدِ الأنْصَارِيُّ، فقد تكفَّلَ بالرَّد عليه،
وتَوهينِ ما اسْتندَ إليه من الأحاديث التي يَظُّ أنَّها تَدلُّ علىُ مَدَّعاهُ ، ونَقَلَ عن العُلماءِ
أنَّ المُرادَ منها - علىْ فَرْضٍٍ صِحَّتها - غَيرُ ما ذَهبَ إليه، وأوْرَدَ نُصوصاً من الكتابِ
والسُّنَّةَ تَدلُّ علىْ صِحَّة ما ذَهبَ إليه جَماهِيرُ السَّلْفِ والخَلَفِ من العُلماءِ ، وقد أجادَ في
كُلِّ ذلك وأفَادَ، فجَزَاهُ الله عنَّا خَيرَ الجَزاءِ(١) .
(ج ) استعمالُ الشُّبْحَة :
قال ابنُ مَعين : وكان يَحْيَى القَطَّان يَجيءُ معه بمِسْباحٍ ، فيُدخِلُ يدَه في ثيابِهِ ،
فيُسَبِّحُ(٢) .
(د) تَعْلِيلٌ لانْتشَار مَذْهَب مالك في الأندَلُس :
قالَ أبو القاسِم بنُ بشكُوال الحافظُ : كان يَحْيَى بنُ يَحْيِىُ بنُ كثير مُجابَ الدَّعْوَة ،
قد أخَذَ نفسَه في هَيئتِهِ ومِقْعَدِهِ هَيئةَ مالِكِ الإمام بالأنْدَلُس، فإنَّه عُرِضَ عليه قَضَاءُ
(١) انظر النزهَة: (فاطمَةُ بنتُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم): ٢٣٠/ هامش (١).
(٢) انظر السير: (يَحْيِى القطّان) ١٧٥/٩ -١٨٨، وانظر النزهة: ١/٨١٦.
٢٢٠