Indexed OCR Text
Pages 81-100
٢١ - من صفات العلماء : ( وهناك صفات أخرى ستجدها مبثوثة في أماكنها ) : (أ) الذَّأْبُ في طَلب العِلْم حتى الممَات: عن ابنِ دُرُسْتُوَيْه ، صاحبٍ سَهْلِ بنِ عبدِ الله ، قال : قال سَهْلٌ، وقد رَأى أصْحابَ الحَديث: اجْهَدوا أنْ لا تَلْقَوا اللهَ إلاَّ ومَعكم المَحابِرِ(١). وسُئلَ سَهلُ بنُ عبدِ الله : إلى مَتى يَكتبُ الرجلُ الحَديثَ ؟ قال : حتى يَموتَ ، ويُصَبُّ باقي حِبْرِه في قَبْرِهِ . وقال عليُّ بنُ الحَسن الدَّقِيق ، سَمعتُ سَهلَ بنَ عبد الله يقولُ : مَنْ أرادَ الدُّنيا والآخِرَةَ فَلَيَكُتُبْ الحَديثَ، فإنَّ فيه مَنْفِعَةَ الدُّنيا والآخِرَةِ(٢) . وقال الذهبيُّ : بَلَغَنا أنَّه قيلَ لأبي العَبَّاس السَّرَّاج ، وهو يَكتبُ في كُهولَتِهِ عن يَحْيَى بنِ أبي طالب: إلى كم هذا؟ فقال: أمَا عَلمتَ أنَّ صاحبَ الحَديثِ لا يصبر ؟! وقال أبو إسْحاق المُزَكِّي: كان السَّرَّاجُ مُجابَ الدَّعْوة . وقال محمّدُ بنُ أحمدَ الدَّفَّق: رأيتُ السَّرَّاجَ يُضَحِّي كلَّ أُسْبوع أو أُسْبوعَين أُضْحِيَةً عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يَصيحُ بأصْحابِ الحَديث فيَأْكُلون(٣). (ب ) الإنْفاق لتَحصيل العلم : عن يَحْيَى الوحاظي : ما رأيتُ رجلاً كان أكبرَ نَفَساً من إسْماعيلَ ابنِ عِيَّاش ، كنّا إذا أتَيناه إلى مَزْرَعةٍ لا يَرضَىُ لنا إلاَّ بالخَروفِ والخَبيصِ ، سَمعتُه يقولُ : وَرِثْتُ من أبي أربعةَ آلافِ دينار ، فأنفَقتُها في طلبِ العلم(٤) . انظر السير: ( سَهْل بن عبد الله) ٣٣٠/١٣-٣٣٣، وانظر النزهة: ٦/١٠٩٢. (١) انظر السير: ( سَهْل بن عبد الله) ٣٣٠/١٣ -٣٣٣، وانظر النزهة : ٧/١٠٩٢. (٢) انظر السير: (السَّرَّاج) ١٤ /٣٨٨ -٣٩٨، وانظر النزهة: ٣/١١٦٣. (٣) انظر السير : ( إسْماعيل بن عيَّاش) ٣١٢/٨-٣٢٨، وانظر النزهة : ٤/٧٦٠. (٤) ٨١ وكان عبدُ الرحمن بنُ القاسِم ذا مالٍ ودُنيا ، فأنْفَقَها في العلمِ ، وقيلَ : كان يَمتنعُ من جَوائزِ السُّلطان وله قَدمٌ في الوَرَع والثَّلُهُ(١) . وقال حمدانُ بنُّ هانىء المُقري : سَمعتُ خلفَ بنَ هشام يقولُ : أُشْكِلَ عليَّ بابٌ من النَّحْو فأنْفَقتُ ثمانينَ ألفَ دِرْهَم حتىْ حَذَقتُه(٢). (ج ) الضَّبط والدُّقَّة : عن أبي اليمان قال : كان مَنزلُ إِسْماعيلَ بنِ عِيَّاش إلى جانب مَنزلي ، فكان يُحْيِى اللَّيلَ وكان رُبَّما قرأ، ثم يَقطعُ، ثم رَجعَ ، فقرأ من المَوضِع الذي قَطْعَ منه ، فلَقيتُه يوماً ، فقلتُ : يا عمُّ، قد رأيتُ منك في القِراءَة كَيتَ وكَيتَ ، قال : يا بُني ، وما سُؤالُك ؟ قلتُ : أريدُ أنْ أَعْلَمَ قال: يا بُني إنِّي أُصلِّي، فأقرأُ ، فَأَذْكُرُ الحَديثَ في البابِ من الأبوابِ التي أَخْرجتُها ، فَأَقْطَعُ الصَّلاةَ ، فأكتُبه فيه ، ثم أرْجِعُ إلى صَلاتي ، فأبْتَدىُ من المَوضِع الذي قَطْعتُ منه(٣) . وقال إبراهيمُ بنُ هاشِم: ما قال لنا جَرِيرُ بنُ عبد الحَميد الضَّبُِّّ قَطُّ بَبَغدادَ : حدَّثنا ، ولا في كَلمةٍ واحِدَة، فقلتُ: تُراه لا يَغلطُ مرَّةً ، فكان رُبَّما نَعَسَ ، فنامَ ، ثم يَنَبِهُ فيقرأُ من المَوْضِعِ الذي انْتَهَى إليه (٤) . وقال يَحيَىُ بنُ مَعِين: أخْرَجَ غُنْدَرٌ إلينا ذاتَ يومٍ جِراباً فيه كُتُبٌ ، فقال : اجْهَدُوا أنْ تُخرِجوا فيها خَطَأَّ، قال: فما وجدْنا فيه شيئاً ، وكان يَصومُ يوماً ويُفطِرُ يوماً منذٌ خَمسينَ سَنَةٌ(٥) . وكان ابنُ الحَدَّاد: يقولُ : دَليلُ الضَّبْطِ الإِقْلالُ ، ودَليلُ التَّقْصيرِ الإكثارُ وكان من رُؤؤُسِ السُّنَّةُ(٦) . (١) انظر السير: (عبد الرحمن بن القاسم) ٩/ ١٢٠ -١٢٥، وانظر النزهة: ٣/٨٠٥. (٢) انظر السير: ( خلف بن هشام) ١٠/ ٥٧٦ - ٥٨٠، وانظر النزهة: ٣/٨٩٥. انظر السير: ( إسْماعيلُ بن عيَّاش) ٣١٢/٨-٣٢٨، وانظر النزهة: ٣/٧٦٠. (٣) انظر السير: ( جرير بن عبد الحميد) ٩/٩- ١٨، وانظر النزهة : ٣/٧٩٥. (٤) (٥) انظر السير: (غُنْدَر) ٩٨/٩-١٠٢، وانظر النزهة: ٤/٨٠٢. انظر السير: ( ابن الحَدَّاد) ٢٠٥/١٤-٢١٤، وانظر النزهة : ٤/١١٤٤. (٦) ٨٢ (د) التَّرِفُّع عن أمْوال النَّاس والزُّهْد فيها : عن أبي سِنان : سَمعتُ وَهبَ بنَ مُنبُّه يقولُ لعَطاءِ الخُرَاسانيّ ، كان العُلماءُ قَبلَنا قد اسْتَغنوا بعلمِهم عن دُنيا غَيرِهم ، فكانوا لا يَلتفتُون إليها وكان أهلُ الدُّنيا يَبذُلون دُنياهم في عِلمِهِم ، فأصْبَحَ أهلُ العِلمِ يَبِذُلون لأَهْلِ الدُّنيا عِلمَهم رَغبَةً في دُنياهم وأصْبَحَ أهلُ الدُّنيا قد زَهِدوا في عِلمِهِم لِمَا رَأوا من سُوءِ مَوْضِعِه عندَهم(١) . وعن أبي حازم قال : لا تَكونُ عالماً حتى يَكونَ فيك ثلاثُ خِصال : لا تَبْغِ على مَنْ فَوقَك ، ولا تَخْقِرْ مَنْ دُونَك، ولا تَأْخُذْ علىْ عِلمكَ دُنيا (٢). وقال مِسْعَر : مَنْ صَبرَ على الخَلِّ والبَقْلِ، لَمْ يُسْتَعبَدَ (٣) . وعن شَيخِ أنَّه كان عنده كتابٌ بخَطِّ أحمَدَ بنِ حَنْل ، فقال : كُنَّا عندَ ابنِ عُيَيْنَةً سَنةً ، ففقدتُ أحمدَ بنَ حَنْبل أيّاماً ، فَدُلِلتُ على مَوضِعِه ، فجِئتُ فإذا هو في شَبيه بكَهْف في جِياد (٤) ، فقلتُ: سَلامٌ عليكم ، أدْخُل ؟ فقال: لا ثم قال : ادْخُلْ ، فدَخلتُ ، وإذا عَليه قِطعَةُ لِبْدٍ خَلِقٍ ، فقلتُ : لِمَ حَجَبْتَنِي ؟ فقال حتى استَتَرتُ فقلتُ : ما شَأنُك ؟ قال : سُرِقَت ثيابي قال : فبادَرتُ إلى مَنزلي فجئتُه بمئة دِرهم ، فَعَرضتُها عليه ، فامْتَنعَ ، فقلتُ : قَرْضاً ، فأبى ، حتى بلغَت عشرين درهماً ، ويأبى ، فقُمتُ ، وقلتُ : ما يَحِلُّ لك أن تَقْتُلَ نفسَك قال : ارْجِعِ فَرَجَعتُ ، فقال : أليسَ قد سَمعتَ معي ابنَ عُبَيْنَةٍ ؟ قلتُ : بلى قال : تُحِبُّ أنْ أنْسَخَهُ لك ؟ قلتُ : نعم قال : اشْتِرِ لي وَرَقاً قال: فكتَبَ بدَراهم اكْتَسَى منها ثَوبَين(٥). وعن أبي إسْماعيلَ التِّرْمِذيِّ، قال: جاءَ رجلٌ بعَشرةِ آلافٍ من رِبْحِ تِجارَتِه إلى أحمدَ بنِ حَنْبَل فردَّها وقيلَ: إِنَّ صَيْرَفياً بذَلَ لأحمدَ خَمسَ مئةَ دينار ، فلمْ يَقْبِلْ(٦) . (١) انظر السير: (وَهْب بن مُنبّه) ٥٤٤/٤ -٥٥٧، وانظر النزهة: ٨/٥٥٣. (٢) انظر السير: ( أبو حازم) ٩٦/٦ - ١٠٣، وانظر النزهة: ٥/٦٣٦. (٣) انظر السير: ( مِسْعَر) ٧/ ١٦٣ -١٧٣، وانظر النزهة: ٤/٦٨٩. (٥) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٤/٩٢٤. (٤) موضع بمكّة يَلي الصَّفا . (٦) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٤/٩٢٨. ٨٣ وكان يَحْيَىُ بنُ عَمَّار من كبار المذَكِّرِين ، لكن ما أقبِحَ بالعَالِمِ الدَّاعي إلى الله الحِرْصَ وجَمْعَ المال !! تُوفِّي يَحْيَى بِنُ عَمَّار بهَرَاة، سنةَ اثنتين وعشرين وأربَع مئة، وكانت جنازتُهُ مَشْهودَةٍ(١). (هـ) التَّقْويم لا التَّعبير : قال الدُّوريُّ : قال لي الكِسائيُّ : كنت أقرأ علىُ حَمْزَةَ ، فجاءَ سُلَيْمُ ابنُ عِيسَى فتَلكَّأْتُ ، فقالَ حَمْزَةُ : تَهابُهُ ولا تَهابُني ؟ قلتُ : أيُّها الأسْتاذُ ، أنتَ إنْ أخْطأتُ ، قَوَّمْتَني ، وهذا إنْ أخْطأتُ عَيَّرَني (٢) . ( و) الثَّقةُ في أمثالِهم من العُلماء : قال العُقيليُّ: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمّد : سَمعتُ أبا صالح محمَّدَ ابنَ إسْماعيلَ الصِّراريَّ يقولُ : بَلغَنا ونَحنُ بصَنْعاءَ عند عبدِ الرَّزَّاق أنَّ أصْحابَنا ، يَحْيَىُ بنَ مَعين ، وأحمدَ بنَ حَنْبَل وغَيْرَهما، تَركوا حَديثَ عبدِ الرَّزَّاق وكَرهُوه ، فدَخَلَنا من ذلك غَمِّ شَديد، وقُلنا : قد أنْفَقْنا، ورَحَلْنا وتَعِبْنا، فلمْ أزَلْ فِي غَمِّ من ذلك إلى وَقتِ الحَجِّ ، فخَرجتُ إلى مَكَةٍ فَلَقِيتُ بها يَحْيَى بِنَ مَعين ، فقُلتُ له : يا أبا زَكريا ، ما نَزَلَ بنا من شيء بَلغَنا عَنكم في عبدِ الرَّزَّاق؟ قال : ما هو ؟ قُلنا : بَلغَنا أنَّكُم تَركتُم حَديثَه ورَغبتُم عنه ، قال: يا أبا صالح، لو ارْتَدَّ عبدُ الرَّزَّاق عن الإسْلامِ ما تَركْنا حَديثَه(٣). ٢٢ - من صفات طالب العلم: ( وهناك صفات أخرى ستجدها مبثوثة في أماكنها ) : (أ) الحرصُ علىْ طَلب العِلم : قال ابنُ طاهِرٍ : كُنتُ يَوماً أقرأُ على أبي إسحاقَ الحَبَّال جُزءاً فجاءَني رجلٌ من أهْلِ بَلدي، وأسَرَّ إليَّ كلاماً قال فيه : إنَّ أخاكَ قد وَصلَ من الشَّام ، وذلكَ بعدَ دُخُولٍ انظر السير: ( يَحْبى بن عمَّار) ٤٨١/١٧-٤٨٣، وانظر النزهة : ٤/١٣٥١. (١) (٢) انظر السير: (سُلَيم بن عيسى) ٩/ ٣٧٥ -٣٧٦، وانظر النزهة: ٥/٨٣٠. (٣) انظر السير: (عبد الرَّزَّاق بن هَمَّام) ٥٦٣/٩ - ٥٨٠، وانظر النزهة: ٣/٨٤٠. ٨٤ الثُّرْكِ بيتَ المَقْدِس ، وقَتلِ النَّاسِ بها ، فأخَذتُ في القِراءَة ، فاختلطَت عليَّ السُّطُورُ ، ولمْ يُمكِنِّي أقرأُ، فقال أبو إسْحاقَ: ما لَك؟ قلتُ: خَيرٌ ، قال: لا بُدَّ أنْ تُخْبرَني ، فأخبرتُه ، فقال : وكَمْ لكَ لمْ ترَ أخاكَ ؟ قلتُ : سِنين ، قال : ولِمَ لا تَذْهبُ إليه ؟ قلتُ : حتى أُتِمَّ الجُزءَ، قال : ما أعْظَمَ حِرْصَكم يا أهلَ الحَديثِ ، قد تَمَّ المَجلِسُ ، وصَلَّى اللهُ على محمَّدٍ، وَانْصَرَف (١) . (ب) تَحمُّل المَشاقّ في طَلب العِلم: قال إبراهيمُ الحَربي : حدثنا المَرْوِذِي : قلت لأحمدَ بنِ حَنْبل : أكان أُغمي عليك ، أو غُشي عليك عند ابن عُيَيْنَة ؟ قال : نعم ، في دِهْلِيزِهِ زَحَمَني النَّاسُ ، فأُغْمي عليَّ . ورُويَ أنَّ سُفْيانَ قال يومئذ: كيف أُحَدِّثُ وقد مات خَيرُ النَّاس؟!(٢). وقال محمَّدُ بنُ طاهِر : أقَمتُ بتَنِيسَ مُدَّة على أبي محمّدٍ بنِ الحَدَّاد ونُظَرائه ، فضاق بي فلمْ يَبْقَ معي غَيرُ دِرهم ، وكنتُ أحتاجُ إلىُ حِبْرٍ وكاغَد ، فَتَردَّدْتُ في صَرفِه في الحِبْرِ أو الكاغَدِ أو الخُبزِ ، ومضى على هذا ثلاثَةُ أيّام لمْ أطْعَم فيها فلمَّا كان بُكْرَةَ اليوم الرابع ، قلتُ في نفسي : لو كان لي اليوم كاغَد لم يُمكِنِّي أنْ أكتبَ من الجُوعِ ، فجَعلتُ الدِّرهَمَ في فَمي وخَرجتُ لِأَشْتري خُبزاً، فَبَلَعْتُه ، ووَقعَ عليَّ الضَّحِكُ ، فَلَقِيَنِي صَدِيقٌ وأنا أضْحَكُ ، فقال: ما أضْحَكَك ؟ قلتُ: خَيرٌ، فَأَلَحَّ عليَّ، وأبيتُ أنْ أُخْبِرَه ، فحَلفَ بالطَّلاقِ لتَصْدُقَنِّي، فأخْبرتُه، فَأَدْخَلَني مَنْزِلَه، وتَكلَّف أطْعِمَةً، فلمَّا خَرَجْنا لصَلاةِ الظُّهْرِ ، اجْتمعَ به بَعضُ وُكلاءِ عامِل تَنِيسِ ابنِ قادُوس ، فسألَه عنِّي فقال : هو هذا، قال: إنَّ صاحبي منذُ شَهرِ أمرَ بي أنْ أُوصِلَ إليه كُلَّ يومٍ عشرةَ دَراهم قيمتُها ربعُ دينار ، وسَهوتُ عنه ، فأخذَ منه ثلاثَ مئة وجاء بها مات ابنُ طاهِر عند قُدُومِه من الحَجِّسَنةَ سَبعٍ وخَمسٍ مئة(٣). (١) انظر السير: (محمد بن طاهر) ٣٦١/١٩-٣٧١، وانظر النزهة : ٥/١٤٨٧ . (٢) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٣/٩٢٤. (٣) انظر السير: (محمد بن طاهر) ٣٦١/١٩ -٣٧١، وانظر النزهة: ١/١٤٨٨. ٨٥ (ج ) الصَّبِرُ علىُ شدَّة المَشايخ : عن سُحْنُونَ قال: كَبِرْنا وساءَت أخلاقُنا، ويَعلمُ الله ما أَصيحُ عليكم إلاَّ لأُؤَدِّبُكم (١). (د) التَّرَّجُم على شَيخه والدُّعاء له : قال أبو عليٍّ الصَّدَفيُّ : قَرأتُ علىْ رِزْقِ الله التَّميميِّ برِوايَة قَالُون خَتمةً، وكان كبيرَ بَغداد وجَليلَها ، وكان يقولُ: كُّ الطَّوائفِ تَدَّعيني ، وسَمعتُه يقولُ : يَقبحُ بكم أنْ تَستَفيدوا منَّا، ثم تَذْكُرونا فلا تَتَّرَخَّموا علينا، رَحمه الله(٢) . (هـ) عَدمُ مُعارَضة آراء شَيخه بآراء شُيوخ آخرين أمامَه : قال عليُّ بنُ جَعْفَر : أخْبِرَنا إسماعيلُ بنُ بنتِ السُّدِّي ، قال : كنتُ في مَجلسٍ مالِك ، فسُئلَ عن فَرِيضَةٍ ، فأجابَ بقَولِ زَيْد ، فقُلتُ ما قال فيها عليٍّ وابنُ مَسْعودٍ ، رَضيَ اللهُ عنهما، فأوْماً إلى الحَجَبَة ، فلمَّا هَمُّوا بي عَدَوتُ وأعْجَزْتُهم ، فقالوا : ما نَصنَعُ بِكُتِبِه ومِحْبَرَتِه ؟ فقال: اطلُبُوه بِرِفْقٍ ، فجاؤوا إليَّ فجِئتُ معهم فقالَ مالِكٌ : من أين أنتَ ؟ قلتُ : من الكُوفَة ، قال : فأين خلَّفْتَ الأدَب ؟ فقُلتُ : إنَّما ذَاكَرتُك لِأَسْتَفيدَ فقال: إنَّ عليّاً وعبدَ الله لا يُنكَرُّ فَضلُهما، وأهلُ بَلَدِنا على قَولِ زَيدِ بنِ ثابت ، وإذا كنتَ بين قَومٍ ، فلا تَبدأهم بما لا يَعرفون فيَبدأك منهم ما تَكره . تُوقِّي إِسْماعيلُ الفَزاري في خَمس وأربعين ومئتين وكان من أبناء التِّسْعين ، سامَحَه الله(٣). ( و) الأدب مع الشَّيخ : ( وسَتجد المَزيد في فهرس الأدَب ) قال حمدانُ بنُ الأَصْبَهاني : كنتُ عند شَريك، فأتاه بعضُ وَلِدِ المَهْدي ، فاسْتَنَد ، فسألَه عن حَديثٍ ، فلمْ يَلتَفتْ إليه ، وأقبلَ علينا، ثم أعادَ ، فعادَ بمثلِ ذلك (١) انظر السير: ( سُخْنون) ١٢/ ٦٣ -٦٩، وانظر النزهة: ٦/٩٨٣. (٢) انظر السير: (رزق الله) ٦٠٩/١٨ -٦١٦، وانظر النزهة: ٢/١٤٤٧. (٣) انظر السير: (ابنُ بنت السُّدِّي) ١٧٦/١١ -١٧٧، وانظر النزهة: ١/٩٢٣. ٨٦ فقال : كأنَّك تَسْتَخِفُّ بأوْلادِ الخَليفَة قال: لا ، ولكنَّ العِلمَ أزْينُ عند أهلِه من أن تُضَيِّعوه ، قال: فجَثا علىْ رُكَبَتَيْه، ثم سألَه، فقال شَريكٌ: هكذا يُطلَبُ العِلمُ. قال شَريك، عن أشْعَثَ ، عن محمَّدٍ بنِ سِيرين ، قال: أدْرَكتُ بالكُوفَة أربعةً آلاف شابٌّ يَطلُبُون العِلمَ(١). (ز) العَقْلُ والدِّين : عن عيسَى الحَنَّط قال: قال الشَّعبيُّ : إنَّما كان يَطلبُ هذا العلمَ مَنْ اجتمعَت فيه خَصْلتان : العَقلُ والنُّسُك ، فإنْ كان عاقلاً ولمْ يكنْ ناسِكاً قال : هذا أمرٌ لا يَنالُه إلاَّ النَُّّاك فلنْ أطلُبُه، وإن كان ناسِكاً ولم يكنْ عاقِلاً قال: هذا أمرٌ لا يَنالُه إلاَّ العُقَلاء ، فلن أطلُبَه يقولُ الشَّعبيُّ : فلقد رَهِبتُ أنْ يكونَ يَطلُبُه اليومِ مَنْ ليسَ فيه واحدةٌ منهما لا عَقْلَ ولا نُسُك . قال الذهبيُّ: أظُنُّه أرادَ بالعَقلِ الفَهم والذَّكاء(٢). (ح ) الأَناة وعَدم العَجَلة : قال جَعفرُ بنُ أبي عُثْمان : كنَّا عندَ يَحْيَى بن مَعين ، فجاءه رجلٌ مُسْتَعجلٌ ، فقال : يا أبا زَكَريًا، حَدِّثْني بشيءٍ أَذْكُرك به، فقال يَحْيَى: اذكُرني أنَّك سألتَني أنْ أُحدِّثك فلمْ أفعلْ(٣) . (ط ) عَدمُ السُّؤال عن أشياء لمْ تُوجَد بعد : قال مَسْروقٌ : سألتُ أُبَيًَّ عن شيءٍ، فقال: أكانَ بَعدُ ؟ قلتُ : لا قال : فاحْمِنا حتى يكون ، فإذا كان ، اجْتَهدنا لك رَأْيَنا (٤). وعن الزُّهْرِيِّ ، بلغَنا أنَّ زَيدَ بنَ ثابت كان يقولُ إذا سُئل عن الأمر : أكانَ هذا ؟ انظر السير: (شريك) ٨/ ٢٠٠-٢١٦، وانظر النزهة : ٧/٧٤٣. (١) (٢) انظر السير: (الشَّعْبي) ٢٩٤/٤-٣١٩، وانظر النزهة: ٢/٥٠٣. انظر السير: ( يَحْيَى بن مَعين) ٧١/١١ -٩٦، وانظر النزهة: ٣/٩١١. (٣) (٤) انظر السير: ( أَبَيُّ بنُ كعْب) ٣٨٩/١ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٨/١٨١. ٨٧ فإنْ قالوا : نَعَم حَدَّثَ فيه بالذي يَعلم وإنْ قالوا : لمْ يَكنْ قال : فذَرُوه حتى یکون(١) . ٢٣ - عدَّةُ العَالِم «لا أدري)»: عن الشَّعْبِيِّ ، قال: لا أَدْري : نِصفُ العِلم(٢). وعن حَنْظَلَة بنِ أبي سُفْيان قال : ما رأيتُ عالماً قطُ يَقولُ: لا أَدري أكثرَ من طاؤُوس(٣) . (٣) وقال مالكُ بنُ سُليمان : كان لإبراهيمَ بنِ طَهْمان جِرايَةٌ من بيت المال فاخرة ، يأخذُ في كلِّ وَقت ، وكان يَسْخو به ، فسُئل مرَّةً في مجلس الخَليفة ، فقال : لا أدْري ، قالوا له : تَأَخذُ كلَّ شَهرٍ كَذا وكذا ولا تُحْسنُ مَسألَة ؟ فقال : إنَّما آخُذُ على ما أُحْسِنُ ، ولو أخَذتُ على ما لا أُحْسِنُ ، لفَنِيَ بَيَتُ المال عليَّ، ولا يَفنىُ ما لا أُحْسِن فأعْجبَ أميرَ المؤمنين جَوابُه ، وأمرَ له بجائزة فاخرة ، وزاد في جرايَتِه . مات إبراهيمُ بنُ طَهْمان سنة ثلاث وستين ومئة (٤) . وقال أبو مُسْهر: سَمعت سَعيدَ بنَ عبد العَزيز يقولُ: ((لا أدري)) لما لا أدري نصفُ العِلم وسَمعتُه يقولُ : ما كُنتُ قَدَريَّاً قطُّ وسَمعتُ رَجلاً يقولُ لسَعيدٍ : أطالَ الله بقاءَك ، فقال : بل عَجَّلَ اللهُ بي إلىْ رَحمَتِهِ(٥) . وعن مالك قال: جُنَّةَ العالم: ((لا أدري)) فإذا أغْفَلَهَا أُصيبَتْ مَقاتِلُه(٦). وعن مالكِ أنَّه سَمع عبدَ الله بن يزيد بن هُرْمُز يقول : يَنبَغي للعالم أن يُورث انظر السير: (زَيْد بن ثابت) ٢/ ٤٢٦-٤٤١، وانظر النزهة : ٥/٢٨٧. (١) (٢) انظر السير: ( الشَّعْبي) ٢٩٤/٤-٣١٩، وانظر النزهة: ٩/٥٠٤. انظر السير : ( طاؤُوس بن كيسان) ٣٨/٥-٤٩، وانظر النزهة: ٦/٥٧٨. (٣) انظر السير: ( إبراهيم بن طهمان) ٣٧٨/٧ _ ٣٨٥، وانظر النزهة : ٢/٧٠٦. (٤) انظر السير: ( سَعيد بن عبد العَزيز) ٨/ ٣٢-٣٨، وانظر النزهة : ١/٧٢٤. (٥) انظر السير: ( مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة : ٣/٧٢٩. (٦) ٨٨ جُلَسَاءَه قولَ: ((لا أدري)) حتى يكون ذلك أصْلاً يَفْزَعون إليه(١). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: صَحَّ عن أبي الدَّرْداء أنَّ: ((لا أدري)) نصف العلم(٢). هل يَستطيعُ العالمُ أنْ يَقولَ (( لا أدري)) فيما يَذْري ؟ : وسُئلَ سُخْنونُ : أَيَسَعُ العالمَ أنْ يقولَ : (لا أَدري) فيما يَدري ؟ قال : أمَّا ما فيه كتابٌ أو سُنةٌ ثابتة فلا ، وأمّا ما كان من هذا الرَّأي ، فإنه يَسَعُه ذلك ، لأنَّه لا يَدري أمُصيبٌ هو أم مُخْطِىء(٣) . ٢٤- مَنْ عِلِمَ علماً وقصر في آخَر : قال الذهبيُّ في تَرجَمة أبي بكر بنِ عِيَّاش : قال غَيرُ واحدٍ : إنَّه صَدوقٌ ، وله أَوْهام(٤) . وقال الذهبيُّ : فأمَّا حالُه في القِراءَة ، فقَيِّمٌ بحَرفِ عاصِم ، وقد خالَفه خَفصٌ في أزْيَد من خَمسٍ مئة حَرف ، وحَفصٌ أيضاً حُجَّةٌ في القراءة ، لَيِّنٌّ في الحَديث(٥) . وقال الحاكِمُ : قال الدَّارَقُطنيُّ: أبو عُمَر الدُّوري، يُقالُ له : الضَّرير، وهو ضَعِيفٌ وقِيلَ: هو من الدُّور - مَحِلَّةٌ بالجانب الشَّرقي من بغداد . وتُوفِي الدُّورُّ سنةَ ستٍّ وأربعين ومئتَين(٦). قال الذهبيُّ: وقولُ الدَّارَقُطنيِّ: ((ضَعيفٌ))، يُريدُ في ضَبطِ الآثار أمَّا في القِراءاتِ فَثَبتٌ إمامٌ وكذلك جَماعَةٌ من القُرَّاءِ أَثْبَاتٌ في القِراءَةِ دُون الحَديثِ كنافعٍ ، والكِسائِيِّ، وحَفصٍ ، فإنَّهم نَهضوا بأعْباء الحُروف وحرَّرُوها ، ولمْ يَصْنعوا ذلك في (١) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٤/٧٢٩. (٢) انظر السير: ( مالك الإمام ) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة : ٥/٧٢٩. انظر السير : ( سُخْنون) ١٢/ ٦٣ - ٦٩، وانظر النزهة: ٨/٩٨٢. (٣) انظر السير: ( أبو بكر بن عيَّاش) ٤٨٩/٨-٤٩٤، وانظر النزهة: ١/٧٨٦. (٤) انظر السير: ( أبو بكر بن عيَّاش) ٤٨٩/٨-٤٩٤، وانظر النزهة: ٢/٧٨٦. (٥) (٦) انظر السير: ( الدُّوري) ١١/ ٥٤١ -٥٤٣، وانظر النزهة: ٢/٧٨٦. ٨٩ الحَديثِ ، كما أنَّ طائفةً من الحُفَّاظ أتْقَنُوا الحَديثَ، ولم يُحْكِموا القِراءَةَ وكذا شأنُ كُلِّ مَنْ بِرَزَ في فَنٍّ، ولمْ يَعتنِ بما عَداه ، والله أعلم(١) . وقال الذهبيُّ في ترجَمة الأَهْوازيِّ : كان رَأْساً في القِراءاتِ ، مُعَمِّراً، بَعيدَ الصِّيتِ، صاحبَ حَديث ورِحْلَة وإكثار، وليس بالمُتِقِنِ له ، ولا المُجَوِّد ، بل هو حاطِبُ ليلٍ ومع إمامَتِهِ في القِراءاتِ فقد تُكُلُّمَ فيه وفي دَعاويه تلك الأسانيدَ العالية . وهو الشيخُ الإِمامُ العَلاَمةُ، مُقرىء الآفاق، أبو علي ، الحَسنُ ابنُ عليّ بنِ إبراهيم الأَهْوازيّ، نَزِيلُ دِمَشْقَ وُلدَ سَنَ اثنتَين وستِّين وثلاث مئة . وزَعمَ أنَّه تَلا على عليٍّ بن الحُسينِ الغَضَائِرِيِّ - مَجْهولٌ لا يُوثَقُ به(٢) . جَمِعَ سيرةً لمُعاويَة، و(( مُسْنداً)) في بضعة عشر جزءاً، حَشاه بالأباطيل السَّمجَة(٣). وألف كتاباً طويلاً في الصِّفات، فيه كَذبٌ، وممَّا فيه حَديثُ عَرَقِ الخَيْلِ(٤) وتلك الفَضائح، فسَبَّه عُلماء الكَلام وغيرُهم(٥) . وقال الإمامُ الذهبيُّ في تَرجمة إمامِ الحَرَمَين ، أبي المَعالي الجُويني : كان هذا الإمامُ مع فَرطِ ذَكائه وإمامَتِهِ في الفُرَوع وأصُول المَذهب وقوَّة مُناظَرتِه لا يَدري الحَديث كما يَليقُ به لا مَثْناً ولا إسْناداً ذَكر في كتاب ((البُرهان )) حَديثَ مُعاذٍ في القیاس فقال : هو مُدَوَّنٌ في الصِّحاح ، مُتَفَّقٌ على صِحِتِه . قلتُ ( والكلامُ للذهبيِّ ) : بل مَدارُه على الحارِثِ بنِ عَمرو ، وفيه جَهالَةٌ ، عن رجالٍ من أهلِ حمص ، عن مُعاذٍ فإسْنادُه صالح(٦) . (١) انظر السير: (الدُّوري) ٥٤١/١١ -٥٤٣، وانظر النزهة: ٣/٧٨٦. (٢) انظر السير: ( الأهْوَازيّ) ١٣/١٨ -١٨، وانظر النزهة: ١/١٣٧٧. (٣) انظر السير: ( الأهْوَازيّ) ١٣/١٨-١٨، وانظر النزهة: ٢/١٣٧٧. انظر ((اللآلى المصنوعة)): ٣/١، و((تَنزيه الشَّريعة)): ١٣٤/١. (٤) (٥) انظر السير: (الأهْوَازيّ) ١٣/١٨-١٨، وانظر النزهة: ٣/١٣٧٧. (٦) انظر السير: (إمام الحَرمَين) ٤٦٨/١٨-٤٧٧، وانظر النزهة: ١/١٤٣٣. ٩٠ ٢٥ - ضَابطٌ في إطْلاق التَّضْعيف لعالم بسَبب ضَعفه في علم أو أكثر : قال الذهبيُّ في ترجمة عاصِمٍ بنِ أبي النَّجود : كان عاصمٌ ثَبتاً في القِراءَةِ صَدوقاً في الحَديثِ، وقد وَتَّقَه أبو زُرْعَة وجَماعةٌ، وقال أبو حاتم : مَحلُّه الصِّدقُ ، وقال الدَّارَقُطْنِيُّ: في حِفظِهِ شيءٌ، يَعني: للحَديثِ لا للحُروفِ ، وما زالَ في كُلِّ وَقتٍ يكونُ العالمُ إماماً في فَنَّ مُقصِّراً في فُنونٍ وكذلك كان صاحِبُه حَفصُ بنُ سُليمان ثَبتاً في القِراءَةِ واهياً في الحَديثِ ، وكان الأعْمَشُ بخِلافِه كان ثَبتاً في الحَديث لَيِّناً في الحُروف ، فإنَّ للأعْمَشِ قراءةٌ مَنقولَةٌ في كتاب (( المنهج )) وغيره لا تَرَتَقَي إلى رُتبَّةِ القِراءاتِ السَّبع ، ولا إلى قِراءةٍ يَعقُوب وأبي جَعْفَر والله أعلم . تُوقِّي عاصمٌ في آخر سنةِ سبعٍ وعشرين ومئة(١). وقال الحاكِمُ : قال الدَّارَقُطَّنيُّ : أبو عُمَر الدُّوري، يُقالُ له : الضَّرير ، وهو ضَعِيفٌ وقِيلَ : هو من الدُّور - مَحِلَّةٌ بالجانب الشَّرقي من بغداد وتُوفِّي الدُّوريُّ سنةَ ستٍّ وأربعين ومئتَين(٢) . قال الذهبيُّ: وقولُ الدَّارَقُطْنِيِّ: ((ضَعيفٌ))، يُريدُ في ضَبطِ الآثار أمَّا في القِراءاتِ فَثَبَتٌ إمامٌ وكذلك جَماعَةٌ من القُرَّاءِ أَثْبَاتٌ في القِراءَةِ دُون الحَديثِ كنافعٍ ، والكِسائيِّ، وحَفصٍ ، فإنَّهم نَهضوا بأعْباء الحُروف وحرَّرُوها ، ولمْ يَصْنعوا ذلك في الحَديثِ، كما أنَّ طائفةً من الحُفَّاظ أتْقَنُوا الحَديثَ، ولم يُحْكِموا القِراءَةَ وكذا شأنٌ كُلِّ مَنْ بِرَزَ في فَنِّ ، ولمْ يَعتنِ بما عَداه ، والله أعلم(٣) . ٢٦- العُلَماء صِغار السن : قال يَحْيَى بنُ أيُّوبَ العابدُ: حدَّثنا أبو المُثَنَّى قال : سمعتُهم بمَرْوَ يَقولون : قد جاءَ الثوريُّ، فخَرجتُ أنظرُ إليه ، فإذا هو غُلامٌ قد بَقَلَ (٤) وَجْهُه(٥). (١) انظر السير: (عاصم بن أبي النَّجود) ٢٥٦/٥ -٢٦١، وانظر النزهة: ٨/٥٩٩. (٢) انظر السير: (الدُّوري) ٥٤١/١١-٥٤٣، وانظر النزهة: ٢/٧٨٦. انظر السير: ( الدُّوري) ٥٤١/١١-٥٤٣، وانظر النزهة: ٣/٧٨٦. (٣) (٤) بَقَلَ وَجْهه، وأبْقَلِ: خَرِجَ شَعرُه . (٥) انظر السير: (سُفْيان الثَّوْري) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٢/٦٩٥. ٩١ وقال ابنُ مَهْدي : رأى أبو إسْحاق سُفيانَ الثَّوريَّ مُقبلاً: فقالَ: ﴿يَيَحْىُ خُذٍ اَلْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾(١). وعن ابنِ عُيَيْنَة قال: ما رأيتُ رجلاً أعْلمَ بالحَلالِ والحَرام من سُفْيان الثَّوْري(٢). وطلبَ مالكٌ العلمَ ، وهو ابنُ بضعَ عَشرةَ سنةً ، وتأهَّلَ للفُتيا ، وجلسَ للإفادَة ، وله إحْدَىُ وعِشرونَ سَنةً ، وحدَّثَ عنه جماعةٌ وهو حِيٌّ شابٌّ طَرِيٍّ، وقَصدَه طلبَةُ العلمِ من الآفاقِ في آخرِ دَولَةِ أبي جَعْفَرِ المَنصُور وما بعدَ ذلكَ ، وازْدَحَموا عليه في خِلافَةَ الرَّشيد ، وإلى أنْ مات(٣). وقال الذهبيُّ في تَرجَمَة الإمام الشَّافعيِّ: وارتَحَلَ - وهو ابنُ نَيٍِّ وعِشرينَ سَنةً ، وقد أفْتَى وتأهَّلَ للإمامَة - إلى المَدينة فحمَلَ عن مالكِ ابنِ أنَس ((المُوَطَّأ)) عَرَضَه من حِفْظِه(٤). وقال محمّدُ بنُ أبي حاتم : قلتُ لأبي عبد الله البُخاري : كيف كان بَدهُ أمرِك ؟ قال : أُلْهِمتُ حِفظَ الحَديثِ وأنا في الكُتَّاب فقلتُ : كم كان سِنُّك ؟ فقال : عَشرُ سِنِينَ ، أو أقَلّ، ثم خرجتُ من الكُتَّابِ بعد العَشرِ فجعلتُ أختلفُ إلى الدَّاخِلِيِّ وغيرِه ، فقال يوماً فيما كان يقرأُ للنَّاسِ : سُفيانُ ، عن أبي الزُّبَيرِ ، عن إبراهيمَ ، فقلتُ له : إنَّ أبا الزُّبَير لم يَروِ عن إبراهيمَ ، فَانْتُهَرَني ، فقلتُ له : ارجعْ إلى الأصْلِ ، فدخلَ فَنَظَرَ فيه ، ثم خَرجَ ، فقال لي : كيفَ هو يا غُلامُ؟ قلتُ : هو الزُّبَيْرُ ابنُ عَدي : عن إبراهيمَ ، فأخذَ القَلمَ مِنِّي، وأحْكَمَ كتابَه ، وقال : صَدِقْتَ فقيلَ للبُخاري : ابنُ كم كُنتَ حينَ رَدَدتَ عليه؟ قال: ابنُ إحْدَى عَشرةَ سَنةٌ(٥) . وقال محمَّدُ بنُ أبي حاتم البُخاري : سَمعتُ أبا عبد الله محمَّدَ بنَ إسْماعيل يقولُ : حَجَجْتُ ورَجعَ أخي بأمِّي وتَخلَّتُ في طَلبِ الحَديثِ فلمَّا طَعنتُ في ثمانٍ عَشرةَ ، (١) سورة مريم ، الاية : ١٢ . (٢) انظر السير: (سُفيان الثّوْري) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٥/٦٩٥. (٣) انظر السير: ( مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٢/٧٢٦. (٤) انظر السير: (الإمام الشَّافعي) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٢/٨٤٥. (٥) انظر السير: ( أبو عبد الله البُخاري) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٤/١٠١٠. ٩٢ جعلتُ أُصَنِّفُ قَضايا الصَّحَابَة والتَّابعينَ وأقاويلَهم (١) . وقال محمَّدُ بنُ أبي حاتم البُخاري : سَمعتُ حاشِدَ بنَ إِسْماعيل وآخرَ يَقولان : كان أهلُ المَعْرِفَةَ من البَصْرِيَّن يَعْدُونَ خَلفَ أبي عبد الله البُخاري في طَلبِ الحَديث وهو شابُّ حتى يَغْلِبُوه على نفسِه ، ويُجلِسُوه في بَعضِ الطَّريقِ ، فَيَجتمعُ عليه ألوفٌ ، أكثرُهم ممَّن يَكتبُ عنه، وكان شاباً لمْ يَخْرِجْ وَجهُه(٢) . وقال أبو محمّد بنُ حَزْم : كان محمَّدُ بنُ داوُد من أجملِ النَّاسِ ، وأكرَمِهم خُلُقاً ، وأبلَغِهم لساناً ، وأنْظَفِهِم هَيئةً، مع الدِّينِ والوَرَع ، وكلِّ خلَّة مَحْمودة، مُحيَّباً إلى النَّاسِ، حَفظَ القُرآنَ وله سَبعُ سنين ، وذاكَرَ الرجالَ بالآدابِ والشِّعْرِ وله عَشرُ سنين ، وكان يُشاهَد في مَجلسِه أربعُ مئة صاحبٍ مخْبَرَة عاشَ ثلاثاً وأربعين سنةً قال : وماتَ ابنُ داوُد سنةَ سَبعٍ وتسعينَ ومثتَين(٣). وقيلَ: إنَّ ابنَ أبي زَيدِ صَنعَ (( رسالتَه)) المَشْهورَة وله سَبعَ عشرةَ سنةً ، وكان مع عَظْمَته في العلمِ والعَملِ ذا بِرٍّ وإيثارٍ وإنْفاقٍ على الطَّلَبة وإحسان (٤). ورُوي عن سُليم الرَّازي قال : كان أبو حامد الإسْفَراييني في أوَّلِ أمرِهِ يَحرُسُ في دَربٍ ، وكان يُطالِعُ على زَيْتِ الحَرَس ، وإنَّه أفْتَى وهو ابنُ سَبع عشرةَ سنة . قال الخَطيبُ : ماتَ أبو حامد في سَنةِ سِتٍّ وأربع مئة ، كان يوماً مَشْهوداً ، ودُفنَ في دارِه ، ثم نُقِلَ بعد أربعٍ سِنِينَ ، ودُفنَ ببابٍ حَربٍ ، رَحمَه الله(٥) . وجاء في تَرجمةِ السَّلَفِيِّ، أبي طاهِر أحمدِ بنِ محمَّدِ الجَروانيِّ ، قال الذهبيُّ : وُلدَ فِي سَنةِ خَمسٍ وسَبعين ، أو قَبلَها بسَنة قال : أنا أذْكُرُ قَتلَ نظامِ المُلك - يَعني الوَزِيرَ الذي وَقفَ المدرسَةَ النِّظاميَّةَ بَبَغْداد - وكان عُمري نَحوَ عَشر سِنِين، قُتلَ نظامُ (١) انظر السير: (أبو عبد الله البُخاري) ٣٩١/١٢-٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٠١١. (٢) انظر السير: ( أبو عبد الله البُخاري) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة : ٥/١٠١٢ . (٣) انظر السير: ( محمد بن داود ) ١٠٩/١٣ -١١٦، وانظر النزهة: ١/١٠٦١. انظر السير: ( ابن أبي زَيْد) ١٠/١٧ -١٣، وانظر النزهة: ٢/١٣١٩. (٤) (٥) انظر السير: ( أبو حامد الإسفرايينيّ) ١٩٣/١٧ -١٩٧، وانظر النزهة: ٣/١٣٣٦. ٩٣ المُلْك سَنةَ خَمسٍ وثمانين وأربع مئة ، وقد كُتب عنِّي بأصْبَهان أوَّلَ سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة ، وأنا ابنُ سبعَ عَشرةَ سَنةً أو أكثر ، أو أقلَّ بقليل ، وما في وَجهي شَعرةٌ ، كالبُخاريِّ - رَحمَه الله - يَعني لمَّا كتبوا عنه . وقال الإمامُ أبو شَامَة : سَمعتُ شَيخَنا عَلمَ الدِّين السَّخاويَّ يَقولُ : سَمعتُ يَوماً أبا طاهِرِ السَّلَفِيَّ يُنشِدُ لنَفْسِه ما قالَه قَديماً: ـثٍ وَهُم خَيرُ فِئَة أنا مِنْ أهْلِ الحَديـ جُو أنْ أُجُوزَنَّ المِئَة جُزْتُ تِسْعِينَ وأَرْ قال : فِقِيلَ له : قد حَقَّقَ اللهُ رَجاءَك ، فعَلمتُ أنَّه جازَ المِئَّة. وارْتَحلَ وله أقَلُّ من عِشرينَ سَنةً ، ونَسخَ من الأجْزاءِ ما لا يُحْصَى كَثْرةً فكان يَنْسَخُ الجُزءَ الضَّخْمَ فِي لَيلةٍ (١) . ٢٧ - الحَثُّ على التَّعَلُّم في الصِّغَرِ : عِن هشامِ بنِ عُرْوَة ، عن أبيه، أنَّه كان يَقولُ لنا ونَحنُ شَبابٌ: ما لكم لا تَعَلَّمون، إنْ تَكونوا صِغارَ قَوْمٍ يُوشِكُ أنْ تَكونوا كِبارَ قَوْمٍ، وما خيرُ الشَّيخِ أنْ يَكونَ شَيخاً وهو جاهلٌ ، لقد رَأيْتُنْي قبلَ مَوتِ عائشَةَ بأرْبَعِ حِجَجٍ وأنا أقولُ لو ماتَت اليومَ ما نَدَمْتُ على حَديثٍ عندَها إلاَّ وقد وَعَيتُه ، ولقد كان يَبلُغُني عن الصَّحابيِّ الحَديثُ فَآتيه فأجدُه قد قالَ ، فأجلسُ على بابِه ، ثم أسْألُ عنه(٢). ٢٨ - العُلَماء الذين تَعلَّموا على كبَر : عن الفَرَّاءِ قالَ: إنَّما تَعلَّم الكسائيُّ النَّحْوَ علىْ كَبَرَ(٣). قال الإمام الذهبي : كان الكسائيُّ ذا مَنِزِلَة رَفيعة عند الرَّشيد ، وأذَّبَ ولدَه (١) انظر السير: (السَّلَفيّ) ٥/٢١-٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٩١. (٢) انظر السير: ( عُرْوَة بن الزُّبَيْر) ٤٢١/٤ -٤٣٧، وانظر النزهة: ٢/٥٢٦. (٣) وكان سبب تعلمه أنه جاء يوماً وقد مشى حتى أعيى، فجلس إلى قوم فيهم فضل ، وكان يُجالسهم كثيراً ، فقال : قد عَيَّيْتُ ، فقالوا له تجالسنا وأنت تلحن ، فقال: كيف لحنتُ ؟ فقالوا : إن كنتَ= ٩٤ الأمينَ ، ونالَ جاهاً وأمْوالاً ، وقد ترجمتُه في أماكن . سارَ مع الرَّشيد ، فمات بالرَّيِّ بقَريَة أَرَنْبُويَة سنةَ تسع وثمانين ومئة عن سَبعين سنة(١) . وجاء في ترجمة القَفَّالِ ، أبي بكر عبد الله بن أحمد المَرْوَزيّ ، قال الذهبيُّ : حَذْقَ في صنعَة الأقْفَال حتى عَمَلَ قُفلاً بآلاته ومِفتاحِه زِنَّةَ أربَع حَبَّات ، فلمَّا صارَ ابن ثلاثين سَنة ، آنَسَ من نفسِه ذكاءً مُفرطاً ، وأحَبَّ الفِقْهَ فأقبلَ على قِراءَتِه حتى بَرَعَ فيه ، وصار يُضرَب به المَثلُ، وهو صاحبُ طَريقة الخُراسانيِّين في الفِقْه . قال الفقيهُ ناصرٌ العُمري : لمْ يكنْ في زمانِ أبي بكر القَفَّال أفْقَهُ منه ، ولا يَكونُ بعدَه مثلُه، وكنّا نقولُ : إنَّه مَلَكٌ في صُورةِ الإنْسان حدَّث وأمْلىُ ، وكان رأساً في الفِقْه ، قُدوَةً في الزُّهْد(٢) . وقال أبو بَكْر محمَّدُ بنُ طرخان التُّرْكي: قال لي الإمامُ أبو محمَّد عبدُ الله بنُ محمَّد - يَعني والدَ أبي بَكْر بنِ العَربي -: أخْبَرني أبو محمَّد بنُ حَزْم أنَّ سَبب تَعلُّمه الفِقْهَ أنَّه شَهِدَ جنازَةً ، فدَخلَ المَسجدَ ، فجَلسَ ولمْ يَركَعْ ، فقال له رجلٌ: قُمْ فَصَلِّ تَحِيَّةَ المَسجدِ وكانَ قد بلغَ سِتًَّ وعشرينَ سنةً قالَ: فَقُمتُ ورَكَعتُ ، فلمَّا رَجعنا من الصَّلاة على الجِنازَة، دَخلتُ المَسجدَ ، فبادَرتُ بالرُّكوعِ ، فِقِيلَ لي : اجْلِسْ اجْلِسْ ، ليسَ ذا وَقتُ صَلاة - وكان بعدَ العَصْر - قال : فانْصَرِفْتُ وقد حَزِنْتُ ، وقُلتُ للأُستاذِ الذي رَّاني: دُلَّني على دارِ الفَقيهِ أبي عبد الله بنِ دخُون قال: فَقَصَدتُه ، وأعْلَمتُه بما جَرى، فدَلَّني على (( مُوَطَّأ )» مالكِ ، فبدأتُ به عليه ، وتتابَعَت قراءَتي عليه وعلىُ غَيرِهِ نحواً من ثلاثةِ أعْوام ، وبدأتُ بالمُناظَرة . أردتَ من الثَّعَبِ فقُل: ((أعييتُ))، وإن كنت أردتَ من انقطاع الحيلة والتَّحَيُّر في الأمر، فقُل: = ((عَبِيتُ )) مُخفَّفَةٍ، فأنفَ من هذه الكلمة ، وقام من فَوْره فسألَ عمَّن يعلم النَّحْوَ، فَأَرْشِدَ إلى مُعاذ الهرَّاء ، فلزمَه حتى أنفذَ ما عندَه . (١) انظر السير: ( الكسائيّ) ١٣١/٩ -١٣٤، وانظر النزهة: ٥/٨٠٧. (٢) انظر السير: (القَفَّال) ٤٠٥/١٧-٤٠٨، وانظر النزهة: ٢/١٣٤٧. ٩٥ قال أبو مَرْوانَ بنُ حَيَّان : كان ابنُ حَزْم - رَحمَه الله - حاملَ فُنونٍ من حَديثٍ وجَدَلٍ ونَسَبٍ ، وما يَتعلَّقُ بأذْيالِ الأدَب ، مع المُشارَكَة في أنْواع التَّعاليم القَديمَة من المَنْطِق والفَلْسَفة، وله كُتبٌّ كَثيرة لمْ يَخلُ فيها من غَلِطِ لجَراءِهِ في الَّسَوُّرِ على الفُنون لا سيَّما المَنْطِقِ فإِنَّهم زَعَموا أنَّه زَلَّ هناك، وضَلَّ في سُلوكِ المَسالِكِ، وخالَفَ أرِسْطاطاليسَ واضِعَ الفَنِّ مخالفةَ مَنْ لمْ يَفْهَمْ غَرضَه ، ولا ارْتاضَ ، ومالَ أولاً إلى النَّظرِ على رأي الشَّافعيِّ، وناضَلَ عن مَذْهَبِه حتىْ وُسِمَ به ، فاسْتُهْدِف بذلك لكثيرٍ من الفُقَهاء ، وعِيبَ بالشُّذوذ ، ثم عَدَلَ إلى قَولِ أصْحابِ الظَّاهِرِ فنَقَّحَه ، وجادَلَ عنه ، وثَبتَ عليه إلى أنْ ماتَ ، وكان يَحمِلُ عَلَمَه هذا ، ويُجادِلُ عنه مَنْ خالَفَه ، على اسْتِرْسالٍ في طِباعِه ومَذَلٍ (١) بأسْرارِه، واسْتنادٍ إلى العَهدِ الذي أخَذَه اللهُ على العُلماء ﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهٌ﴾(٢)، (٣). ٢٩ - من أسباب عدم الاستفادة من العُلَماء : (أ) كثَرَة مُخالَفته : قال الزُّهْرِيُّ : أرْبَعةٌ من قُريشٍ وَجدتُهم بُحوراً، عُرْوَةُ، وابنُ المُسَيِّبِ ، وأبو سَلَمَةَ، وعُبَيْدُ اللهِ بنُ عَبدِ الله، قالَ: وكانَ أبو سَلَمَةَ كثيراً ما يُخالِفُ ابنَ عَبَّاسِ فحُرِمَ لذَلكَ منه عِلماً كَثيراً قالَه الزُّمريُّ (٤) . ( ب) كون العالِم في غُربَة وهو لا يُعْرَف : عن عُمرُ بنٍ حَبيب قال : كانَ سَعيدُ بنُ جُبَير بأصْبَهانَ لا يُحدِّث، ثم رَجعَ إلى الكُوفَة فجَعلَ يُحدِّثُ، فقُلنا له في ذلك فقال: انْشُرْ بَزَّكَ حَيثُ تُعْرَف(٥) . (١) مذل بسره ، كنصر وعلم وكرم: أفشاه ومذلت نفسه بالشيء مذلاً : طابت وسمحت . (٢) في قوله تعالى ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَمُ فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنَّا قَلِيلًاٌ فَأْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ( آل عمران، الآية: ١٨٧) وقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيب فيهما ، والباقون بتاء الخطاب . (٣) انظر السير: (ابن حَزْم) ١٨ /١٨٤ -٢١٢، وانظر النزهة: ٢/١٤٠١. انظر السير: ( أبو سَلمَة بن عبد الرحمَن) ٤/ ٢٨٧ -٢٩٢، وانظر النزهة: ٢/٤٩٩. (٤) (٥) انظر السير: (سعيد بن جُبير) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة: ٣/٥٠٥. ٩٦ (ج) عَدم الأمَان : قال الخَطيبُ : كان دَعْلَجُ من ذَوي اليَسار ، له وُقوفٌ على أهْلِ الحَديث . وقال الخَطيبُ: حَكَىْ لي أبو العَلاءِ الواسِطِيُّ، أنَّ دَعْلَجاً سُئل عن مُفارَقتِهِ مَكة ، فقال: خَرجتُ لَيلةً من المَسجدِ، فَتَقدَّم ثلاثةٌ من الأعْرابِ ، فقالوا: أخٌ لك من خُراسان قَتْلَ أَخَانا ، فَنَحنُ نَقَتُلك به ، فقُلتُ : اتَّقوا الله ، فإنَّ خُراسانَ لَيست بمَدينَةٍ واحِدَة ، ولمْ أزَلْ بهم إلى أنْ اجْتَمعَ النَّاسُ وخَلُّوا عَنِّي فهذا كان سَببُ انْتِقالي إلى بَغْداد وكان يقولُ : ليسَ في الدُّنيا مثلُ داري ، وذلكَ لأنَّه ليسَ في الدُّنيا مثلُ بَغْدادَ ، ولا بَغْدادَ مثلُ مَحِلَّة القَطيعة ، ولا في القَطيعة مثلُ دَرْب أبي خَلَف، وليسَ في الذَّرْب مثلُ داري(١) . ( د) الكبر والتِّيه على العالِم : قال عُثمانُ بنُ خُرَّزاذ : سَمعتُ الشَّاذَكُونِيَّ يقولُ : جاءَي محمَّدُ ابنُ مُسْلم فقَعدَ يَتَفْعَُّ(٢) في كَلامِه ، فقلتُ له: مِنْ أَيِّ بلدٍ أنتَ ؟ قال: مِنْ أهْلِ الرَّيِّ، ألَمْ يأْتِكَ خَبري ؟ أَلَمْ تَسمَعْ بنَبَي ؟ أنا ذُو الرَّحْلَتين قُلتُ: مَنْ رَوَى عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمَةً)) فقالَ: حدَّثَنِي بعضُ أصْحابِنا قلتُ : مَنْ ؟ قال : أبو نُعَيم وقَبَيْصَة قلتُ: يا غُلامُ! اثْنِي بالدِّرَّة، فأتاني بها ، فأمَرتُه ، فضَربَه بها خَمسينَ ، قلتُ : أنتَ تَخرُجُ من عِندي، ما آمَنُ أن تقولَ : حَدَّثني بَعضُ غِلْمانِنا(٣). قال زَكريّا السَّاجي: جاءَ ابنُ وَارَة إلىُ كُرَيْب، وكان في ابنٍ وَارَة بأوٌ(٤) فقال لأبي كُرَيْب : ألَمْ يَبْلُغْكِ خَبري ؟ ألَمْ يأْتِكَ نَّي، أنا ذو الرِّحْلَتين ، أنا محمَّدُ بنُ مُسْلم بنِ وَارَة فقال: وَارَة؟ !! وما أدْراكَ ما وَارَة؟ قُمْ، فواللهِ لا حَدَّثْتُك، ولا حَدَّثْتُ قَوماً (٥) أنت فيهم(٥) . انظر السير: ( دَعْلَج) ٣٠/١٦ _٣٥، وانظر النزهة: ٢/١٢٦٦. (١) (٢) التقعير : أن يتكلم بأقصى قعر فمه . انظر السير: ( ابن وارَة) ٢٨/١٣ -٣٢، وانظر النزهة: ١/١٠٤٨. (٣) (٤) البأوُ : الكِبرُ والتِّيه . (٥) انظر السير: (ابن وارَة) ٢٨/١٣-٣٢، وانظر النزهة: ٢/١٠٤٨. ٩٧ ( هـ) التَّعَصُّب المَذْهَبِيّ : كان بَقِيُّ بنُ مَخْلَد أوَّلَ مَنْ كَثَّرَ الحَديثَ بالأنْدِلُس ونَشَرِه، وهاجَمَ به شُيوخَ الأَنْدَلُس ، فثارُوا عليه ، لأنَّهم كان عِلْمُهم بالمَسائِل ومَذْهَب مالِك ، وكان بقيٌّ يُفْتي بالأثَر، فشَذَّ عنهم شُذوذاً عَظيماً، فعَقَدوا عليه الشَّهادات، وبَدَّعوه ، ونَسَبوا إليه الزَّنْدَقَةَ، وأشْيَاءَ نَزَّهَه اللهُ منها وكان بقيٍّ يقولُ: لقد غَرَسْتُ لهم بالأنْدَلُس غَرْساً لا يُقْلَعُ إلَّ بخُروجِ الذَّجَّال(١) . (و) أَزْهَدُ النَّاس في عالم أهْلُه : عن هشامِ بنِ عُرْوَة ، عن أبيه قال: كان يُقالُ: أَزْهَدُ النَّاسِ في عالِمٍ أهلُه(٢). وقال سُليمانُ الأحْوَل : لَقِيتُ عِكرِمَةَ ومعه ابنٌ له ، قُلتُ : أَيَحْفَظُ هذا من حَديثِك شَيئاً؟ قال: إنَّه يُقالُ: أزْهَدُ النَّاسِ في عالِمٍ أهلُهُ(٣) . ٣٠ - من أسْباب عَدم انتشار علم بَعض العُلَماء : ( أ) كثرة العبادَة : قال سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ : سَمعتُ عَطاءَ بنَ السَّائِب يقولُ: رأيتُ مُصَلَّى مُرَّةَ الهمذانيّ مثل مَبرِك البَعير ، ونقل عَطاءٌ أو غَيرُه أنَّ مُرَّةَ كان يُصَلي في اليوم والليلة سِتَّ مئة قال الذهبيُّ : ما كان هذا الوَلِيُّ يَكَادُ يَتَفرَّغُ لنَشْرِ العِلم ، ولهذا لم تَكثُر رِوايتُه ، وهل يُرادُ من العِلم إلاَّ ثَمَرَتُه . ماتَ مُرَّةُ سنةَ نِيَّ وثمانينَ - رحمه الله - بالكُوفَةِ(٤) (ب) الشذوذ وكثرَة المُخالَفة : جاء في تَرجمَة الإمام مالك ، قال الذهبيُّ : وللزَّيْدِيَّة مَذهبٌ في الفُروع بالحِجازِ انظر السير: ( بقيُّ بن مَخْلد) ٢٨٥/١٣-٢٩٦، وانظر النزهة: ١/١٠٨٦. (١) (٢) انظر السير: ( عُروَة) ٤٢١/٤ -٤٣٧، وانظر النزهة: ٣/٥٢٦ . انظر السير: ( عِكرمَة) ١٢/٥-٣٦، وانظر النزهة : ٦/٥٧٦. (٣) (٤) انظر السير: ( مُرَّة الطيب) ٧٤/٤ - ٧٥، وانظر النزهة: ٤/٤٤٧. ٩٨ واليَمَنِ ، لكنَّه مَعدُودٌ في أقْوالِ أهْلِ البِدَعِ ، كالإماميّة ، ولا بأسَ بِمَذهَبِ داوُد ، وفيه أقْوالٌ حَسَنةٌ، ومُتَابَعَةٌ للنُّصوصِ ، مع أنَّ جَماعَةً من العُلمَاءِ لا يَعْتَدُّون بخِلافِه ، وله شُذوذٌ في مَسائل شانَت مَذْهَبَه . ولكن هذا الإمام الذي هو النَّجْمُ الهادي قد أنْصَفَ ، وقال قَولاً فَضْلاً، حَيثُ يقولُ: كُلُّ أحَدٍ يُؤْخَذُ من قَولِه ويُتْرَك، إلاَّ صاحِبُ هذا القَبر صلى الله عليه وسلم(١) . (ج ) قَسوةُ عبارة العالِم ، وشتمه وسبّه غیرَه : جاء في تَرجَمة ابنِ حَزْم، قال الذهبيُّ : قيل إنه تَفَقَّه أولاً للشَّافِعِيِّ، ثم أدَّاهُ اجْتهادُه إلى القَولِ بنَفْي القِياسِ كُلّه جَليَّه وخَفيِّه، والأخْذِ بظاهِرِ النَّص وعُموم الكِتاب والحَديث ، والقَولِ بَالبَراءَة الأصْليّة، واسْتَصْحابِ الحَال، وصَنَّفَ في ذَلك كُتباً كثيرة، وناظَرَ عليه، وبَسَط لسانَه وقَلمَه، ولمْ يَتأذَّبْ مع الأئِمَّة في الخِطاب ، بلْ فجَّجَ(٢) العِبارَة وسَبَّ وجدَّع(٣) ، فكان جَزاؤُه من جِنْسِ فعلِهِ ، بحَيثُ إِنَّه أعْرَضَ عن تَصانيفِه جَماعَةٌ من الأئمّة ، وهَجَروهُا ونَفَروا منها ، وأُحْرِقَتْ في وَقتٍ ، واعْتَنَى بها آخَرونَ من العُلماء وفَتَّشُوها انْتِقاداً واسْتفادَةً، وأخْذاً ومُؤاخَذةَ ، ورَأوا فيها الدُّرَّ الثَّمينَ مَمْزُوجاً في الرَّصْفِ بالخَرَزِ المَهين ، فتارَةً يَطْرَبون، ومرَّةً يُعْجَبون ، ومن تَفْرُّدِهِ يَھزَؤُون . وفي الجُمْلَة فالكَمالُ عَزِيزٌ ، وكلُّ أحَد يُؤْخَذُ من قَولِه ويُتْرَك، إلاَّ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم . وكان يَنْهَضُ بِعُلومِ جَمَّة ، ويُجيدُ النَّقْلَ، ويُحسِنُ النَّظْمَ والنَّثْرَ وفيه دينٌ وخَيرٌ ومَقاصِدُهُ جَميلةٌ، ومُصنَّفَاتُه مُفيدَةٌ، وقد زَهدَ فِي الرِّئَاسَة، ولَزِمَ مَنزلَه مُكبَّاً على (١) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ١/٧٣٣. (٢) المعنى أنه ساق العبارة فجَّة قاسية. (٣) الجدع في الأصل : القطع، وهو هنا كناية عن الذَّم والشَّتْم . ٩٩ العِلمٍ ، فلا نَغْلو فيه ، ولا نَجْفو عنه، وقد أثْنى عليه قبلَنا الكبارُ: قال أبو حامد الغَزاليّ: وَجدتُ في أسْماءِ اللهِ تَعالَى كتاباً أَلَّفَه أبو محمَّد بنُ حَزْم الأَنْدَلُسيّ يدلُّ على حفظِهِ وسَيلانِ ذِهْنه . وقال أبو عبد الله الحُمَيديّ : كان ابنُ حَزْم حافظاً للحَديثِ وفِقهِه ، مُستنبطاً للأحكام من الكتابِ والسنَّة ، مُتفتِّناً في عُلوم جمَّة عاملاً بعلمِه ، ما رأينا مثلَه فيما اجْتمعَ لَه من الذّكاء وسُرعةِ الحِفِظِ وكرم النَّفْس والتَّديّن ، وكان له في الأدَبِ والشِّعْر نَفَسٌ واسعٌ وباعٌ طَويلٌ وما رأيتُ مَنْ يقَولُ الشِّعرَ على البَديهِ أسْرعَ منه وشِعرُه كثيرٌ جَمعتُه على حُروفِ المُعْجَم . وقد حَطَّ أبو بَكْر بنُ العَربيِّ على أبي محمَّد في كتابِ ((القَواصِمِ والعَواصِم)) وعلى الظَّاهِرِيَّة، فقال : هي أُمَّةٌ سَخِيفَةٌ ، تَسوَّرت علىُ مَرَتَبَةٍ ليست لها ، وتَكلَّمت بكلامٍ لمْ نَفْهَمْه ، تَلقَّوْه من إخْوانِهِمُ الخَوارج حین حكّم عليٌّ ، رضي الله عنه ، يوم صفين ، فقالت: لا حُكْمَ إلاَّ له ، وكان أوَّلُ بِدْعَةٍ لَقِيتُ في رِحْلتي القَولَ بالباطِن ، فلمَّا عُدتُ وجَدتُ القَولَ بالظَّاهر قد مَلأ به المَغربَ سَخيفٌ كان من بادِيَة إشْبيليّ يُعرفُ بابنِ حَزْم، نَشأ وتَعلَّق بمَذهَبِ الشَّافعيِّ، ثم انْتُسبَ إلى داوُد، ثم خَلعَ الكُلَّ ، واسْتَقَلَّ بنفسِه ، وزَعمَ أنَّه إمامُ الأُمَّة يَضعُ ويَرفَع ، ويَحکمُ ویشرعُ ، يَنْسبُ إلی دین الله ما ليس فيه ، ويقولُ عن العُلماءِ ما لم يَقولوا تَنْفيراً للقُلوبِ منهم، وخَرجَ عن طَريقِ المُشَبِّهَة في ذاتِ الله وصِفاتِه ، فجاءَ فيه بطَوام، واتَّفقَ كونُه بين قَومِ لا بَصَرَ لهم إلاَّ بالمَسائل فإذا طالبَهم بالدَّليلِ كاعوا (١) فيَتَضاحَكُ مع أصحابه منهم، وعَضَدَتْهُ الرِّئاسَةُ بما كان عنده من أدَبٍ ، وبشُبَهِ كان يُوردُها على الملوك فكانوا يَحمِلُونَه ، ويَحمونَه ، بما كان يُلقي إليهم من شُبَهِ البِدَع والشِّرْك، وفي حين عَودي من الرِّحْلة ألْفَيْتُ حَضْرتي منهم طافِحَة ، ونارَ ضلالِهِم لَافِحَة ، فقاسَيتُهم مع غَير أقْران وفي عَدَم أنْصار إلى حُسَّاد يَطؤون عَقبي ، تارَةً تذهبُ لهم نفسي ، وأخْرى يَنْكَشِرُ لهم ضِرْسي ، وأنا بين إْراضٍ (١) أي : جَبُنُوا . ١٠٠