Indexed OCR Text
Pages 461-480
فأمَّا نِزارٌ، فإنَّ عَمته عملت عليه(١) وعاهدت الأمراء أن تقيم أخاه صبياً ، فخاف نزار ، فهرب إلى الإسكندرية ، وجَرت له أمور وحروب ، ثم قُتْلَ ، وصار صبَّاح يقول : لم يمت ، بل اختفى ، وسيظهر ، ثح أحبلَ جاريةٌ ، وقال لهم : سَيظهرُ من بَطنِها، فأذعنوا له، واغتالوا أمراءَ وعُلماءَ(٢) ، وخافَتَهُم الملوكُ، وصانَعوهم بالأموال(٣). ٨- عَلَاقَتُهم بالصَّليبيِين : جاء في ترجمة ((طُغْتِكِين))، صاحب دمشق، قال الذهبيُّ: وسلَّمت الملاحدةُ بانياس للفرنج وذَلُوا(٤) . وقيلَ : إنَّ المزدقانيَّ كاتَبَ الفِرَنِجَ ليُسلِّم إليهم دمشق ، ويُعطوه صور ، وأنْ يَهجموا البلدَ يوم جمعة، ووكَّل الملاحدةَ تُغْلق أبواب الجامع على الناس ، فقَتلَه لههذا تاجُ المُلوك، رحمه الله، وقد التقى الفِرَنْجَ وهزمَهم، وكانت موقعةً مَشهودةٌ(٥) . وجاء في ترجمة (( شمس الملوك))، قال الذهبيُّ: استنقذَ بانياس من الفرنج في يومين ، وكانت الإسماعيلية باعوها لهم من سبع سنين ، وسَعَّرَ بلادهم ، وأوطانهم ذُلاً، ثم سار فحاصرَ أخاه ببعْلَبَك ، ونازلَ حماة ، وهي للأتابك زنكي ، وأخذها ثم بدا له ، فكاتب الأتابك زنكي ليسلمَ إليه دمشقَ ، فخافته أُمُّه زُمُدَ والأمراء ، فهيّأت أُّه مَنْ قتله، لأنه تَهدَّدها - لمَّا نَصحَتهُ - بالقتل ، وكانت الفِرنجُ تخافُه لمَّا هَزَمهم ، وبيَّهم ، وشنَّ الغارة على بلادهم وعثّرهم . قال ابن القلانسي : بالغ في الظلم ، وصادر وعذَّبَ ، ولما علم بأنَّ زنكي على (١) يعني عملت ضده. ذكر الذهبيُّ في ((تاريخ الإسلام)) أن الاغتيال بالسكاكين سُنَّة سنَّها اليعقوبيُّ. (٢) (٣) انظر السير: ( سنان) ١٨٢/٢١ - ١٩٠، وانظر النزهة: ٢/١٦٠٧. (٤) انظر السير : (طُغْتِكين) ٥١٩/١٩-٥٢١، وانظر النزهة: ٢/١٥٠٦. (٥) انظر السير: (طَغْتِكين) ٥١٩/١٩-٥٢١، وانظر النزهة: ٣/١٥٠٦. ٤٦١ قصد دمشق بعثَ يستحِثُه ليُعطيه إيّاها لَهَذَيان تخيَّله ، ويقول : إنْ لم تجىء سلمتُها إلى الفرنج ، كتب هذا بيده ، فأشفق الناس ، فحمل صفوةَ المُلك دينها على حسم الداء ، فأهلكَته ، وكَثُرَ الدُّعاءُ لها . قُتل سنة تسع وعشرين وخمس مئة ، وله ثلاث وعشرون ، وتملَّكَ بعدَه أخوه محمود، ثم تزوَّجَت أمُّه بصاحب حَلب زنكي(١). ٩ - تَهْدیدُ صَلاح الدِّينِ لھم ورَؤُهم عليه : جاء في ترجمة ((سنان))، كبير الإسماعيلية ، قال ابنُ العديم: تَمَكَّنَ في الحُصونِ وانْقَادُوا له ، وأخْبَرَني عليٍّ بنُ الهَوَّارِيّ أنَّ صَلاحَ الدِّينِ سَيَّرَ رَسُولاً إلى سِنانٍ يَتَهَدَّدُه ، فقالَ للرسُولِ: سأُرِيكَ الرِّجالَ الذين ألْقَاهُ بهِم، فَأَشَارَ إلى جَماعَةٍ أنْ يَرْمُوا أنْفُسَهم من الحِصْنِ من أعْلاه، فَأَلْقَوا نُفُوسَهم ، فهَلَكُوا(٢) . و کتب سنانُ إلى صلاح الدين(٣) : ما مرّ قطُّ على سَمعي توقُّعُهُ يا للرجالِ لأمرٍ هالَ مَقْطَعُهُ لا قامَ مَصْرِعُ جَنْبي حين تَصْرَعُهُ فإذا الذي بقراعِ السَّيفِ هَذَّدنا استيقَظَتْ لأُسودِ البَرِّ أضْبُعُهُ قام الحَمامُ إلى البازي يُهَدِّدُه وقفتُ على تفصيلِ كتابكم وجمله ، وعلمنا ما هدَّدنا به من قوله وعمله ، فيا لله العجبُ من ذبابة تطِنُّ في أُذُنِ فيلٍ ، وبَعوضَةٍ تَعُضُّ في التماثيلِ ، ولقد قالها مِنْ قبلِك قومٌ، فدمَّرْنا عليهم، وما كان لهم من ناصرين ألِلْحَقِّ تدحضون ، وللباطلِ تَنْصرون؟!، وسَيَعْلَمُ الذينَ ظَلَموا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنقَلبون لئن صَدَرَ قولُك في قطع رأسي ، وقلعك لقلاعي من الجبال الرواسي ، فتلك أمانيٍّ كاذبة ، وخيالاتٌ غير صائبة ، فإنَّ الجواهرَ لا تزولُ بالأعراض، كما أنَّ الأرواحَ لا تَضْمَحلُّ بالأمراض ، انظر السير: ( شمسُ الملوك) ٥٧٥/١٩-٥٧٦، وانظر النزهة: ٢/١٥١٨. (١) انظر السير: ( سنان) ٢١/ ١٨٢- ١٩٠، وانظر النزهة: ٢/١٦٠٩. (٢) انظر السير: ( سنان) ٢١/ ١٨٢ - ١٩٠، وانظر النزهة: ٤/١٦٠٩. (٣) ٤٦٢ وإِنْ عُدنا إلى الظَّاهرِ، وعَدَلْنا عن الباطن، فلنا في رسول الله أسْوَةٌ حَسَنَة: (( ما أُوذِيَ نَبِيِّ ما أُوذِيتُ)) (١)، وقد علمتَ ما جرى على عِتِرَته وشِيعَته، فالحالُ ما حالَ ، والأمرُ ما زالَ ، وقد علمتُم ظاهِرَ حالِنا ، وكَيَفيَّةَ رِجالِنا ، وما يتمَنَّونَه من الفَوات ، ويتَقَرَّبونَ به من حِياضِ الموتِ، وفي المَثَلِ ، أوَ للبطِّ تُهَدِّدُ بالشَّطِّ؟ ، فَهَيِّء للبَلايا أسْباباً ، وتدَرَّع للرَزايا جِلْباباً ، فلأظْهَرَنَّ عَليكَ منك ، وتكونُ كالباحث عن حَتْفِهِ بظلفِه، وما ذلك على الله بعَزيز، فكُنْ لأمرِنا بالمِرْصادِ، واقْرأُ أوَّلَ ((الْنَحْلِ)) (٢) وآخرَ ((ص))(٣). فدخلَ السُّلطانُ في مَرْضاة سنان ، مات سنان في سنة تسع وثمانين وخمس مئة(٤) ١٠ - مُحاوَلتُهم قَتلَ صَلاح الدِّين : وفي سَنَةِ إحْدَىُ وسَبْعين وثَبَتْ عليه البَاطِنِيَّةُ فجَرَحُوه . وفي سَنَةٍ ثلاثٍ كَسَرَتْه الفِرِنْجُ على الرَّمْلَةِ ، وفَرَّ فِي جَمَاعَةٍ ونجا ، وفي سَنَّةٍ خَمْسٍ الْتَّقَاهُم وكَسَرَهُم . وفي سَنَةِ ثمانٍ عَدَّى الفُرَاتَ، وأَخَذَ حَرَّانَ، وسَرُوجَ ، والرَّقَّةَ، والرُّهَا ، وسِنْجَار ، والبِيْرَةَ ، وَآَمِدَ ، ونَصِئِينَ ، وحَاصَرَ المَوْصِلَ، ثمَّ تَمَلَّكَ حَلَبَ ، وعَوَّضَ عنها صاحِبَها زِنْكِي بسِنْجَار، ثم إنه حاصر المَوْصِلَ ثانياً وثالثاً ، ثمَّ صَالَحَه صاحِبُها عِزُّ الدِّين مَسْعُود(٥) . وقال ابنُ واصِل في حِصَارِ عزاز : كانت خَيْمَةٌ كان السُّلطانُ يَحْضُرُ فيها ، ويَحُضُّ (١) رُويَ بأسانيد ضعيفة من حديث أَنَس وبُرِيدَة، وجابر، انظر (( الجامع الصغير)) وشرحه ٤٣٠/٥ - ٤٣١ ﴿أَ أَمْرُ اْللَّهِ﴾. (٢) ﴿وَلَعْلَمُنَّ نَبَ ◌ُ بَعْدَحِينٍ﴾ . (٣) (٤) انظر السير: ( سنان) ٢١/ ١٨٢ - ١٩٠، وانظر النزهة: ٥/١٦٠٩. (٥) انظر السير: (صلاح الدين وبَنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: ٣/١٦١٩. ٤٦٣ الرِّجَالَ، فحَضَرَ باطِنِيَّةٌ في زِيِّ الأَجْنَادِ ، فقَفَزَ عليه واحدٌ ضَرَبَه بسِكِّينِ لَوْلا المِغْفَرُ الزَّرَدُ (١) الذي تحتَ القَلَنْسُوة لقَتَلَه، فأمْسَكَ السُّلطَانُ يَدَ الْبَاطِنِيِّ بِيَدَيْهِ، فَبَقِيَ يَضْرِبُ في عُنُقِ السُّلطَانِ ضَرْباً ضَعِيفاً ، والزَّرَدُ تَمْنَع، وبادَرَ الأميرُ بازكوج ، فأمْسَكَ السِّكِّينَ ، فجَرَحَتْه، وما سَيَِّها الباطِنِيُّ حتّى بَضَّعُوه ، ووَثَبَ آخَرُ ، فوَثبَ عليه ابنُ منكلان، فجَرَحَه الباطِنِيُّ فِي جَنْبِهِ ، فمَاتَ، وقُتِلَ الباطِنِيُّ، وقَفَزَ ثالثٌ، فأمْسَكَه الأميرُ عليٌّ بنُ أبي الفَوَارِس، فضَّمَّه تحتَ إِبِطِه، فطَعَنَّهُ صاحِبُ حمص ، فقَتَلَهُ ، ورَكَبَ السُّلطانُ إِلى مُخَيَّمِه، ودَمُه يَسِيلُ علىُ خَدِّه ، واحْتَجَبَ فِي بَيْتِ خَشَبٍ ، وعَرَضَ جُنْدَهُ، فمَنْ أَنْكَرَهُ، أَبْعَدَهُ(٢). (١) زرد يُسَجُ على قدر الرأس ، يُلبَس تحت القلنسوة . (٢) انظر السير: (صلاح الدين وبَنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: ٤/١٦٢٠. ٤٦٤ ثانياً : الحلوليَّة الاتّحادِيَّة أُناسٌ أَثُّهِموا بالقول بالحلول والاتّحاد : (أ) ابنُ الفارِض : هو شاعرُ الوقت شرفُ الدين عُمرُ بنُ عليّ بن مُرْشد الحَمَويُّ ، ثم البَصريُّ ، صاحب الاتحاد الذي قد ملأ به التّائيَّة . تُوفِّيَ سنةً اثنتين وثلاثين ، وله ستٍّ وخمسون سنة(١) . حدَّث عنه المُنْذِرُّ ، فإن لم يكن في تلك القَصيدة صَريحُ الاتحاد الذي لا حيلة في وجوده ، فما في العالم زَنْدَقةٌ ولا ضَلالٌ ، اللهُمَّ ألهِمنا التقوى وأعِذْنا من الهَوى ، فیا أئمة الدين ألا تَغْضَبون لله؟! فلا حَولَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله . وشِعْرُه في الذروَة ، لا يُلْحَقِ شَأْوُه(٢) . ( ب ) ابنُ العَربيِّ الحاتميّ : قال الذهبيُّ في ترجمته : سكنَ الرُّومَ مدّة ، وكان ذكيّاً كثير العلم ، كتبَ الإنشاءَ لبعض الأمراء بالمغرب، ثم تَزهَّدَ وتَفرَّدَ، وتَعبَّدَ، وتَوَخَّدَ ، وسافر وتَجرَّد، وأتْهَم وأَنْجَد ، وعملَ الخَلوات، وعلَّقَ شيئاً كثيراً في تصوُّف أهل الوحدة ، ومَن أَرْدَإٍ تواليفه كتاب ((الفُصُوص ))، فإن كان لا كفْرَ فيه، فما في الدُّنيا كفرٌ ، نسألُ اللهَ العَفوَ والنَّجاةَ ، فواغَوثاه بالله !! (٣). وقد أوردتُ عنه في (( التاريخ الكبير )) وله شعرٌ رائق، وعلمٌ واسع ، وذهنٌ وقَّدٌ ، ولا رَيبَ أنَّ كثيراً من عباراته له تأويلٌ إلَّ كتابَ ((الفُصُوص))(٤). انظر السير: ( ابنُ الفارض) ٣٦٨/٢٢ -٣٦٩، وانظر النزهة : ١/١٧٠٣. (١) انظر السير: ( ابنُ الفارض) ٣٦٨/٢٢ -٣٦٩، وانظر النزهة : ٢/١٧٠٣. (٢) انظر السير: ( ابنُ العَربيّ) ٤٨/٢٣ -٤٩، وانظر النزهة : ٢/١٧١٤. (٣) انظر السير : ( ابنُ العَربيّ) ٤٨/٢٣-٤٩، وانظر النزهة : ٤/١٧١٤. (٤) ٤٦٥ ثالثاً : الزَّنادِقَة أُناسٌ اثُّهِموا بالزَّنْدَقَة : (أ) ابنُ أبي العَزاقِرِ : جاء في ترجمة (( ابن أبي العَزاقِرِ))، قال الذهبيُّ: الزِّنْدِيقُ المعثَّر، أبو جعفر، محمدُ بنُ عليّ ، الشَّلْمَغانيُّ الرافضيُّ . قال بالتناسخ ، وبحلول الإلهيّة فيه ، وأنَّ اللهَ يَحلُّ في كلِّ شيءٍ بقدر ما يَحتمله ، وأنَّه خلقَ الشيءَ وضدَّه ، فحلَّ في آدمَ وفي إبليسِهِ ، وكلٌّ منهما ضدٌّ للآخَر. وقال : إنَّ الضِّدَّ أقربُ إلى الشيء من شِبهِه، وإنَّ الله يحلُّ في جسَد مَن يأتي بالكرامَات ليدُلَّ على أنَه هو ، وأنَّ الإلهيّة اجتمعت في نوح ، وإبليسِه وفي صالحٍ وعاقِرِ النَّاقَة ، وفي إبراهيمَ ونَمْروذَ ، وعليٍّ وإبليسه . وقال : مَن احتاجَ الناسُ إليه ، فهو إلهٌ . وسمَّى موسى ومحمداً الخائنَيْنِ، لأنَّ هارونَ أرْسلَ موسى، وعَليَّاً أرسَلَ مُحمَّداً، فخاناهما، وإنَّ عليّاً أمهَلَ محمداً ثلاثَ مئة سنة ثم تذهبُ شَريعتُه(١) . ومِنْ رَأْيُه تَركُ الصَّلاةِ والصَّومِ ، وإِباحَةُ كلِّ فَرْجٍ، وأنَّه لا بُدَّ للفاضِلِ أنْ يَنِيكَ المَفْضُولَ ليُولِجَ فيه النُّورَ ، ومَنْ امْتَنَعَ مُسِخَ في الدَّورِ الثاني، فرَبَطَ الجَهلَةَ وَتَخَرَّقَ ، وأضَلَّ طائِفَةً ، فَأَظْهَرَ أمرَهُ أبُو القاسِم الحُسَينُ بنُ روحٍ - رَأْسُ الشِّيعَة، المُلَقَّبُ بالبَاب - إلىُ صاحِبِ الزَّمانِ، فطُلِبَ ابنُ أبي العزاقر، فاخْتَفَى، وتَسَخَبَ إلى المُوصِل ، فأقامَ هناكَ سِنِينَ ورَجَعَ ، فَظَهَرَ عَنْهُ ادِّعاءُ الرُّبوبيَّةِ، واتَّبَعَه الوَزيرُ حُسَيْنُ ابنُ الوَزيرِ القاسِمِ بنِ عُبَيدِ الله بنِ وَهْب - وَزِيرُ المُقْتَدِر - فيما قِيلَ ، وابْنا بِسْطامٍ وإبراهيمُ بنُ أبي عَون ، فطُلِبُوا، فَتَغَيَّبوا، فلمَّا كان في شَؤَّالَ من سَنةِ اثنتَينِ وعِشرينَ ظَفَرَ الوَزيرُ - (١) انظر السير: (ابنُ أبي العَزاقِر) ٥٦٦/١٤-٥٦٩، وانظر النزهة: ٣/١١٧٤ . ٤٦٦ ابنُ مُقلة بهذا ، فسَجَنَه ، وكَبَسَ دَارَه، فوَجَدَ فيها رِقاعاً وكُتُباً مِمَّا يُدَّعَى عليه ، وفيها خِطابُهُ بما لا يُخاطِبُ به بَشَر فِعُرِضَتْ عليه فأقَرَّ أنَّها خُطُوطُهم، وتَنصَّلَ ممَّا يُقالُ فيها ، وتَبَرَّأَ منهم فمَذَّ ابنُ عَبْدُوس يَدَه، فصَفَعَه، وأمَّا ابنُ أبي عَون فمَذَّ يَدَه إليه فَارْتَعَدَتْ يَدُه، ثمَّ قَبَّلَ لِحْيتَه ورَأْسَه وقال: إلَهي، ورازِقِي ، وسَيِّدي! فقالَ له الرَّاضي بالله: قد زَعَمتَ أنَّكَ لا تَدَّعي الإلَهِيَّة، فمَا هَذا؟ قالَ : وما عليَّ مِنْ قَولِ هذا؟ واللّهُ يَعلَمُ أنَّني ما قُلتُ له : إنَّنِي إِلَهٌ قَطُّ . فقالَ ابنُ عَبْدُوس: إنَّه لَمْ يَدَّعِ إِلَهِيّة، إنَّما ادَّعَى أَنَّه البابُ إلى الإمامِ المُنْتُظَر ثمَّ إِنَّهم أُحْضِروا مَرَّاتٍ بمَحْضر الفُقَهَاء والقُضاة، ثمَّ في آخِرِ الأمْر أفْتَى العُلماءُ بإباحَةٍ دَمِهِ ، فأُحْرِقَ في ذي القَعْدة من السَّنَةِ وضُرِبَ ابنُ أبي عَون بالسِّيَاطِ ، ثمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُه وأُخْرِق . وله مُصَنَّفَاتٌ أدَبِيَّة ، وكانَ من كِبارِ الكُتَّاب . وقُتِلَ بِسَبَبِه وَزيرُ المُقْتَدِر ، الحُسَينُ، اتُّهِمَ بالزَّنْدَقَة، وقُتِلَ أَبُو إسْحاق إبراهيمُ بنُ أحمَدَ بنِ هِلال بنِ أبي عَون الأنْباريُّ الكاتِب . وقد كانَ أبُو عليٍّ الحُسيَنُ - ويُقالُ: الجمَّال - وزَرَ للمُقْتَدِر في سَنة تِسْعِ عَشرةَ وثلاث مِئَّة ، ولَقَبُّوه عَميدَ الدولة ، وعُزِلَ بعدَ سَبعةَ أشْهرٍ وسُجِنَ ، وعُقِدَ له مَجْلسٌ في كائِنَةَ الشَّلْمَغانيّ ، ونُوظِّرَ ، فَظَهَرَت رِقاعُهُ يُخاطِبُ الشَّلْمَغانيَّ فيها بالإلَهِيَّة ، وأنَّه يُحْييه ويُميتُه، ويَسْألُهُ أنْ يَغْفِرَ له ذُنوبَه، فأخْرِ جَت ◌ِلكَ الرِّقَاعُ ، وشَهِدَ جَماعَةٌ أَنَّه خَطُه، فضُرِبَت عُنُقُه وطِيفَ برأسِه في ذي الحِجَّة سَنةَ اثنَتَين وعِشْرِينَ وثلاث مِئَة وعاشَ ثمانياً وسَبعينَ سَنةٌ(١) . ( ب ) أبو حَيَّان التّوحيديّ : جاء في ترجمة (( أبو حيّان التوحيديّ))، قال الذهبيُّ: الضالُّ المُلحِد، أبو حيّان ، عليُّ بنُ محمد بن العبّاس، البغداديُّ، الصُّوفيُّ، صاحبُ التصانيف (١) انظر السير: (ابنُ أبي العَزاقِر) ١٤/ ٥٦٦-٥٦٩، وانظر النزهة : ٤/١١٧٤. ٤٦٧ الأدبيّة والفلسفيّة، ويُقالُ: كان من أعيان الشَّافعيّة . قال ابنُ بابي في كتاب ((الخَريدة والفَريدة)): كان أبو حيّان هذا كذّاباً قليلَ الدِّين والوَرَع عن القَذْفِ والمُجَاهَرة بالبُهتان، تعرَّضَ لأمور جسام من القَدح في الشّريعة والقَول بالتَّعْطيل ، ولقد وَقف سيُّدُنا الوزيرُ الصاحبُ كافي الكفاة على بعض ما كان يُدغِلُه ويُخْفيه من سوء الاعتقاد، فطلَبَه ليقتُلَه، فهَربَ ، والتجَأ إلى أعدائه ، ونَفَقَ عليهم تزَخرُفُه وإِفْكُه، ثم عَثَروا منه على قَبيح دِخْلته وسُوء عَقيدته ، وما يُطِنُه من الإِلْحَاد ، ويَرومُه في الإسْلام من الفَسَاد، وما يُلْصِقُه بأعلام الصَّحَابَة من القَبَائح، ويُضيفُه إلى السّلف الصالح من الفَضَائحِ، فطلبَه الوزيرُ المُهَلَّبيُّ، فاسْتَتَر منه وماتَ في الاسْتتار ، وأراح الله ، ولم يؤثَر عنه إلاَّ مثلبةٌ أو مُخزيةٌ . وقال أبو الفرج ابنُ الجَوزيّ : زَنادِقَة الإسْلام ثلاثةٌ : ابنُ الرَّاوَندي ، وأبو حيّان التوحيديّ ، وأبو العلاء المعَرِّي، وأشَدُّهم على الإسْلام أبو حيّان ، لأنهما صَرَّحا ، وهو مَجْمَجَ ولم يُصَرِّحْ . قال الذهبيُّ : وكان من تلامذة عليٍّ بن عيسى الرُّمَّاني، ورأيتُه يُبالغ في تعظيم الرمَّاني في كتابه الذي ألَّفَه في تَقَريظ الجاحظ ، فانظر إلى المادِحِ والمَمْدوح !! ، وأجوَدُ الثلاثة الرُّمَّانيُّ مع اعْتِزِاله وتشَيُّعِه . وهو الذي نسب نفسه إلى التوحيد ، كما سمَّى ابنُ تُومَرت أتباعَه بالمُوَحِّدِّين ، وكما يُسمِّى صُوفِيّةُ الفَلاسفة نُفُوسَهم بأهل الوحدة وبالاتحادية(١). (ج ) الجَصَّاص : جاء في ترجمة ((الجَصَّاص))، قال الذهبيُّ: شَيخُ الزُّهَّاد ، أبو محمد ، طاهرُ بنُ حَسن بنِ إبراهيم ، الهَمَذانيُّ الجَصَّاص . وله أحوالٌ وخوارقٌ، وبعضُهم رَماهُ بالزَّنْدَقَةِ، وقد عَظَّمَه شِيرَوَيْه الدَّيْلَمِيُّ وبالَغ . (١) انظر السير: (أبو حيّان التوحيديّ) ١١٩/١٧ -١٢٣، وانظر النزهة: ١٣٢٥ - ١٣٢٦. ٤٦٨ وكان يقرأُ القُرآنَ والثَّوراةَ والإِنْجيلَ والزَّبُورَ، ويَعرِفُ تَفسيرها فيما قِيل(١). وقال مكِّيُّ بنُ عمر البَيِّع : سمعتُ محمدَ بنَ عيسىُ يقولُ : صامَ طاهرٌ أربعين يوماً أربعينَ مرّةً، فآخرُ أربعينَ عَملَها صام على قِشرِ الدُّخنِ ، فَلِيْسِه قَرِعَ رأسُه، واختلَطَ في عقلِه ، ولم أرَ أكثرَ مجاهدةً منه . قال الذهبيُّ : فِعْلُ هذه الأربعينات حرامٌ قطعاً ، فعُقباها موتٌ من الخَوَر ، أو جُنونٌ واختلاط ، أو جَفافٌ يُوجبُ للمرء سَماعَ خِطابٍ لا وُجودَ له أبداً في الخارج فيَظنُّ صاحبُهُ أنَّه خطابٌ إلَّي(٢) ، كلا والله . وقال ابنُ زيرك : حضرتُ مَجْلساً ذُكرَ فيه الجَصَّاصُ ، فبعضُهم نسبه إلى الزَّنْدَقة ، وبعضُهم نَسَبَه إلى المَعْرفَة . وقيل : كان تركَ اللَحْمَ والخُبْزَ ، فحُوقِقَ في ذلك ، فقال : إذا أكلتُها طالَبتني نفسي بتقبيل أمرد مليح . وكان عليه قملٌ مفرطٌ ، ولا يقتُله ، ويقول : لا يُؤذيني . تُوفِّيَ سنة ثمان عشرة وأربع مئة، وقَبْرُه يُزارُ بهَمَذان(٣). (د) الحَريريّ : جاءَ في تَرَجَمَةِ الحَريريّ ، قال الذهبيُّ: كَبِيرُ الفُقراء البَطَلَة ، الشيخُ عليّ بنُ أبي الحَسَن بنِ مَنْصُورِ ابنِ الحريري الحَورانيّ . مَولِدُه بِيُسْرَ ، وبها مات في سنة خمسٍ وأربعين وستُّ مئة ، وقد قارب (٤) التسعين (٤) . (١) انظر السير: (الجَصَّاص) ٣٩٠/١٧-٣٩٢، وانظر النزهة: ١/١٣٤٦. (٢) أي إلهي، فقد جاء في اللسان: الإلُّ: اللهُ عزَّ وجلَّ، والمعنى أنه مما يوسوس له يخيل إليه أنه يسمع كلاماً ويظنُّ أن اللهَ يُخاطبُه به . (٣) انظر السير: (الجَصَّاص) ٣٩٠/١٧-٣٩٢، وانظر النزهة: ٢/١٣٤٦. (٤) انظر السير: (الحَريريّ) ٢٢٤/٢٣ -٢٢٧، وانظر النزهة: ٢/١٧٣٢. ٤٦٩ قرأتُ بخطُّ السَّيفِ الحافظ : كان الحريريُّ من أفْتن شيءٍ وأضَرِّه على الإسلام ، تَظْهرُ منه الزَّندَقةُ والاستهزاءُ بالشَّرْع، بلَغَني من الثِّقَاتِ أَشْياءُ يُسْتَعظَمُ ذِكْرُها من الزَّنْدَقة والجُرأة على الله، وكان مُسْتَخِفَّاً بأمرِ الصَّلوات(١). وحدَّثَني أبو إسحاق الصَّريفيني، قال : قلتُ للحريريِّ: ما الحُجَّةُ في الرَّقْصِ ؟ قال: ﴿ إِذَا ◌ُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَمَا﴾(٢) وكان يُطعمُ ويُنفق ويتبعه كلُّ مُريبٍ شهدَ عليه خلقٌ كثيرٌ بما يُوجبُ القَتلَ ، ولم يُقْدِمِ السُّلطانُ علىْ قَتْله ، بل سَجَنَه مرّتين(٣). وعندي مجموعٌ من كلام الشيخ الحَريريّ فيه : إذا دخلَ مُريدي بلادَ الرُّوم ، وتَنَصَّرَ ، وأكلَ الخِنْزِيرَ ، وشَربَ الخَمْرَ ، كانَ في شُغْلي !! (٤) . وقال لأصحابه : بايعوني على أن نَموتَ يهودَ، ونُحْشَر إلى النَّار، حتى لا يصحَبَني أحدٌ لعلَّة(٥). ومن ذلك قوله : أمرَدُ يُقدِّمُ مَداسي أخْيَرُ من رضوانكم ، وربع فَحْبَة عندي أحسَنُ من الولدان(٦). وقال عليُّ بنُ أنجب في تاريخه : الفَقيرُ الحَرِيرِيُّ شَيخٌ عَجيبٌ ، كان يُعاشِرُ الأحداثَ ، كان يُقالُ عنه : إنَّه مُباحيٌّ ولم تكن له مُراقَبة ، وكان يُخرّب ، والفقهاءُ يُنكرون فِعْلَه، وكان له قَبولٌ عَظيم(٧) . ومِمَّنْ انْتُصَرَ له وخَضَعَ لِكَشْفِه الإمامُ أبو شامَةٍ (٨)، فقال: كانَ عندَه من القيام انظر السير : ( الحَريريّ) ٢٢٤/٢٣ -٢٢٧، وانظر النزهة: ٣/١٧٣٢. (١) (٢) سورة الزلزلة ، الآية : ١ . انظر السير: ( الحَريريّ) ٢٢٤/٢٣ -٢٢٧، وانظر النزهة: ٤/١٧٣٢. (٣) انظر السير: ( الحَريريّ) ٢٢٤/٢٣ -٢٢٧، وانظر النزهة: ١/١٧٣٣. (٤) انظر السير : ( الحَريريّ) ٢٢٤/٢٣ -٢٢٧، وانظر النزهة: ٢/١٧٣٣. (٥) انظر السير: ( الحَريريّ) ٢٢٤/٢٣ -٢٢٧، وانظر النزهة : ٣/١٧٣٣. (٦) انظر السير : ( الحَريريّ) ٢٢٤/٢٣ -٢٢٧، وانظر النزهة : ٤/١٧٣٣. (٧). (٨) لم نجد هذا الكلام في ذيل الروضتين لأبي شامة حين ترجم له في وفاته سنة ٦٤٥ هـ ، بل نجد خلاف ذلك ذمّاً له ، وقد نسب ابن تغري بردي إلى أبي شامة أيضاً أنه أثنى على الحريري . ٤٧٠ ٨ بواجِبِ الشَّريعَةِ ما لَمْ يَعْرِفْه أحدٌ من المُتَشَرِّعين ظاهراً وباطِناً ، وأكْثُرُ النَّاسِ يَغْلِطُونَ فيه ، كان مُكاشِفاً لما في الصُّدورِ بحَيثُ قد أطْلَعَه اللهُ على سَرائِرٍ أوْليائِهِ(١) . قال الذهبيُّ : ما هذا؟ !! ، اتَّقِ اللهَ، فالكَهَنَةُ وابنُ صَائِدٍ مُكاشِفُونَ لما في الضَّمائِرِ . قالَ عن نَفْسِه : (٢) وشَيْخٌ ولكنْ للفُسُوقِ إِمَامُ فَقِيرٌ ولَكِنْ مِنْ صَلاحٍ ومِنْ تُقَىَ (١) انظر السير: (الحَريريّ) ٢٢٤/٢٣ -٢٢٧، وانظر النزهة: ٥/١٧٣٣. (٢) انظر السير: (الحَريريّ) ٢٢٤/٢٣ -٢٢٧، وانظر النزهة: ٦/١٧٣٣. ٤٧١ رابعاً : الزَّنْجِ قال صاحبُ التُّزْهَة : وإنما وضَعْتُها في هذا الموضع لفساد عقيدة رئيسهم الطاغية وإفساده عقائد أصحابه ، ولادِّعائه النُّبوَّة . جاء في ترجمة الرِّياشيِّ، قال ابنُ دُرَيد: قَتلَته الزَّنْجِ بالبَصْرَة سنة سبع وخمسين ومئتين(١) . وقال عليُّ بنُ أبي أُمَّة : لمَّا كان من دُخُولِ الزِّنْجَ البَصْرَة ما كان وقَتْلِهِم بها مَنْ قَتَلُوا، وذلك في شَوَّال سَنَةَ سَبعٍ، بَلَغَنا أنَّهم دَخَلُوا على عبَّاس بنِ الفَرِجِ الرِّياشِيّ المَسجِد بأسْيَافِهم، والرِّياشِيّ قائِمٌ يُصلِّي الضُّحَى، فضَرَبُوه بالأَسْيافِ : وقالوا : هاتِ المَالَ ، فجَعَلَ يقولُ: أيُّ مالٍ؟ حتى ماتَ فلمَّا خَرَجَتِ الزُّنْجُ عن البَصْرة ، دَخَلْناها ، فمَرَرْنا بِبَنِي مازِن الطّحانين - وهناك كان يَنزِلُ الرِّياشِيّ - فدَخَلْنا مَسجدَه، فإذا به مُلْقَىَّ وهو مُسْتَقبلٌ القِبِلَةَ كأنَّما وُجِّه إليها، وإذا بشَمْلَةٍ تُحَرِّكُها الرِّيحُ وقد تَمَزَّقَت، وإذا جَميعُ خَلْقِهِ صحيحٌ سَويٌّ لَمْ يَنْشَقَّ له بَطْن ، ولَمْ يَتَغَيَّر له حال ، إلاَّ أنَّ جِلْدَه قد لَصُقَ بعَظْمِه ويَبُس، وذلك بعد مَقْتَلِهِ بسَنَتَيْنِ رَحمَه الله(٢) . قالَ الذهبيُّ: فِتْنَةُ الزِّنْجِ كانَت عَظيمَةً ، وذلكَ أنَّ بَعضَ الشَّيَاطِينِ الدُّهاةِ كانَ طُرقِيّاً أوْ مُؤدِّباً ، له نَظَرٌ في الشِّغَرِ والأخبارِ ، ويَظْهَرُ من حَالِهِ الزَّنْدَقَةُ والمُروقُ ، اذَّعَى أَنَّه عَلَويّ، ودَعًا إلى نَفْسِهِ، فالْتَفَّ عليه قُطَّاعُ طَرِيقٍ ، والعَبِيدُ الشُودُ من غِلْمانِ أهْلِ البَصْرَةِ ، حتى صارَ في ◌ِدَّةٍ وتَحَيَّلوا وحَصَّلوا سيوفاً وعِصيّاً، ثمّ ثارُوا على أطْرافِ البَلَدِ، فبَدَّعوا وقَّلوا وقَوُوا، وانْضَمَّ إليهم كُلُّ مُجرِمٍ، واسْتَفْحَلَ الشَّرُّ بهم ، فسارَ جَيشٌ من العِراقِ لحَرْبِهِم، فكَسَروا الجَيشَ، وأخَذُواَ البَصْرَةَ، واسْتَبَاحُوها، واشْتَدَّ الخَطْبُ، وصارَ قائِدُهم الخَبِيثُ في جَيشٍ وأُهْبَة كاملة ، وعَزَمَ على أخْذِ بَغْدادَ ، وبَنَى (١) انظر السير: (الرِّياشيُّ) ٣٧٢/١٢ -٣٧٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٠٩. (٢) انظر السير: (الرِّياشيُّ) ٣٧٢/١٢ -٣٧٦، وانظر النزهة: ٣/١٠٠٩. ٤٧٢ لَنَفْسِه مَدينَةً عَظيمَةً، وحارَ الخَلِيفَةُ المُعْتَمِدُ فِي نَفْسِه، ودامَ البَلاءُ بهذا الخَبيثِ المَارِقِ ثلاثَ عَشرةَ سَنةً ، وهابَتْهُ الجُيوشُ، وجَرَتْ معه مَلاحِمُ ووَقَعَاتٌ يَطُولُ شَرحُها ، قد ذَكَرَها المُؤْرِّخُونَ إلى أنْ قُتِلَ ، فالزِّنجُ هم عِبارَةٌ عن عَبِيدِ البَصْرَةِ الذين ثارُوا مَعَه، لا بارَكَ اللهُ فيهِم (١) . وجاء في ترجمة (( المُعْتَمد على الله))، قال الذهبيُّ: الخليفةُ، أبو العبَّاس ، وقيل : أبو جَعْفر بنُ المُتَوَكِّل على الله جَعفرُ بنُ المُعْتَصم وُلدَ سنة تسع وعشرين ومئتين . اسْتُخلِفَ بعدَ قتلِ المُهْتَدي بالله ، سنةَ ستٍّ وخمسينَ ومئتين(٢) . وانْهَمكَ في اللَّهْوِ واللَّعب، واشْتَغَل عن الرَّعيَّة، فَكَرهُوه، وأحبُّوا أخاه المُوفَّق(٣). وفي رَجبَ أيضاً اسْتولَت الزَّنجُ على البَصْرَة والأُبُلَّة والأهْواز، وقَتلوا وسَبوا ، وهم عَبِيدُ العَوام ، وغَوغاءُ الأنْذال المُلتفِّين على الخَبيث وقام بالكوفة عليُّ بنُ زَيد العلويّ، واسْتفحَل أمْرُه، وهَزْمَ جَيشَ الخَليفَةِ ، وظَهرَ أخُوه حَسنُ بنُ زيد بالريِّ . وقتلت الزَّنجُ بالأُبُلَّة نحوَ ثلاثين ألفاً فحارَبَهم سَعيدٌ الحاجب ثم قَووا عليه ، وقَتلوا خَلقاً من جُندِه ، وتمَّت بينهم وبين العَسكر وَقَعاتٌ . وفي سنة ثمانٍ وخمسين ومئتين جرت وقعة بين الزَّج وبين العَسْكَر ، فانهَزَمَ العَسْكَرُ وقُتْلَ قائدُهم مَنصور ، ثم نَهضَ أبو أحمد المُوفَّق ومُفلح في عَسكَرٍ عَظيم إلى الغاية لحرب الخبيث ، فانهزمَ جَيشُه ، ثم تهيأ وجمع الجيوش وأقبلَ فتمت ملحمةٌ لم يُسمعْ بمثلها، وظهر المسلمون، ثم قُتل مُقدَّمهم مُفلح فانهَزْمَ الناسُ ، واسْتباحَهم الزَّنجُ، وفرَّ المُوفَّقُ إلى الأُبُلَّة، وتراجَعت إليه العَساكِرُ ، ثم التَقى الزَّنجُ فانتَصَر ، وأسَرَ طاغيتهم يَحْيِىُ، وبَعَثَ به إلى سامرَّاء فذُبح، ووَقَع الوَباءُ ، فمات خَلائقُ ، ثم (١) انظر السير: (الرَّياشيُّ) ١٢/ ٣٧٢ -٣٧٦، وانظر النزهة: ١/١٠١٠. (٢) انظر السير: ( المُعْتَمد على الله) ١٢/ ٥٤٠ -٥٥٣، وانظر النزهة: ١/١٠٣١. (٣) انظر السير: (المُعْتَمد على الله) ٥٤٠/١٢ -٥٥٣، وانظر النزهة: ٢/١٠٣١. ٤٧٣ التَّقَى المُوفَّقُ الزَّنِجَ فانكسرَ ، وقُتْلَ خَلقٌ من جَيشِه، وتَحيَّرَ هو في طائفةٍ ، وعَظُمَ البلاءُ وكادَ الخَبِيثُ أن يَملِكَ الدنيا، وكان كذَّاباً مُمَخْرِقاً، مَاكراً ، شُجاعاً ، داهيَةً ، ادَّعَى أَنَّه بُعثَ إلى الخَلقِ، فردَّ الرسالَة، وكان يَذَّعي علمَ الغَيبِ ، لَعنَه الله . ودَخلت سَنةُ تسع وخمسينَ ومئْتَين ، فعَرض المُوفَّقُ جَيشَه بواسِط ، وأمَّا الخبيثُ فدخلَ البَطائحَ ، وبَثَقُّ حولَه الأنهارَ ، وتَحصَّنَ ، فَهَجمَ عليه الموفَّقُ ، وأحْرقَ وقَتلَ فيهم ، واسْتنقَذَ من السَّبايا، وردّ إلى بغداد، فسارَ خَبيثُ الزَّنج إلى الأهواز ، فوَضعَ السَّيفَ، وقتلَ نحواً من خمسين ألفاً ، وسَبى أرْبعينَ ألفاً ، فسارَ لحَرْبِهِ مُوسَى بنُ بُغا، فتَحارَبا بضعَةَ عشرَ شَهْراً، وذهب تحتَ السَّيفِ خَلائقُ من الفَريقين ، فإنَّا لله ، وإنَّا إليه راجعون . وفي سنة ستٍّ وستين ومئتين ، أقبلَت الرُّومُ إلى ديار رَبِيعَة ، وقَتلوا وسَبوا ، وهَربَ أهلُ الجَزيرة واستباحت الزَّنِجُ رامَهُرْمُزْ . وفي سنة سبع وستين ومئتين كَرُوا على واسِط ، وعَثروا أهلَها ، فجهّزَ المُوفَّقُ ولدَه العبَّاس الذي صاَرَ خليفة، فَقَتلَ وأسَرَ ، وغرَّقَ سُفْنَهم، ثم تجمَّعَ جَيشُ الخَبِيثِ ، والتقوا بالعبَّاس فهَزَمهم ، ثم التقوا ثالثاً فهزمَهم ، ودام القِتالُ شَهْرين ، ورغبوا في أبي العبّاس، واستأمن إليه خلقٌ منهم، ثم حارَبَهم حتى دَوَّخَ فيهم، ورَدَّ سالماً غانماً ، وبقي له وَقعٌ في النُّوس ، وسار إليهم المُوثَّقُ في جَيشٍ كَثيفٍ في الماء والبَرِّ ، ولَقِيَه ولدُه، والْتَقوا الزَّنِجَ فهَزموهم أيضاً، وخارت قُوى جَيش الخَبيث، وألحَّ المُوفَّقُ في حربهم ونازَلَ طِهْئيًا، وكان عليها خمسةُ أسوار، فأخَذَها ، واسْتخلَصَ من أَشْرِ الخُبَثاء عَشرةَ آلافِ مُسْلِمَةٍ ، وهَدَمَها ، وكان المُهَلَّبيُّ القائدُ مُقيماً بالأهْواز في ثلاثين ألفاً من الزَّنج ، فسار المُوفَّقُ لحَرْبِه ، فانهَزَم ، وتفرَّق عسكرُه ، وطلَبَ خلقٌ منهم الأمان ، فأمنَّهم ، ورَفَق بهم ، وخَلعَ عليهم ، ونزلَ المُوفَّقُ بُتُسْتَر ، وأنفق في الجيش، ومهَّدَ البلاد، وجهَّزَ ابنَه المُعْتَضد أبا العبّاس لحَرب الخَبيث، فجهَّزَ له سُفناً فاقْتَتَلوا ، وانتصر أبو العباس وكتبَ كتاباً إلى الخَبيث يُهدِّدُه، ويَدْعُوه إلى التَّوبَة ممَّا فعل ، فعَتا وتَمرَّدَ وقَتلَ الرسُولَ ، فسارَ المُوفَّقُ إلى مَدينَة الخَبيث بنَهْر أبي الخَصيب ، ٤٧٤ مـ ونَصَبَ السَّلالمَ، ودَخلوها، ومَلكُوا السُّورَ، فَانْهَزْمَ الزَّنْج ، ولمَّا رأى المُوفَّقُ حَصانَتَها اندهَشَ، واسمُها المُخْتارَة ، وهالَه كثرةُ المقاتلة بها ، لكن استأمنَ إليه عدّة فأكرَمَهم . قال الذهبيُّ: ونقلتُ تفاصيل حُروب الزَّنج في ((تاريخ الإسلام))، فمِن ذلك لمَّا كان في شعبان سنة سبع وستين ومئتين ، برَزَ الخَبيثُ وعسكرُه فيما قِيلَ في ثلاث مئة ألفٍ ما بين فارسٍ وراجلٍ ، فركبَ المُوفَّقُ في خَمسين ألفاً، وحَجزَ بينهم النهرُ ، ونادى المُوفَّقُ بالأمان، فاسْتأمنَ إليه خَلقٌ، ثم إنَّ المُوفَّقَ بَنى بإزاءِ المُخْتَارَة مَدينةً علىْ دِجْلَة سَمَّاها المُوَفَّقّة ، وبَنى بها الجامع والأسْواق ، وسَكنها الخَلقُ واستأمن إليه في شهرٍ خَمسةُ آلاف ، وتَمَّت مَلحمةٌ فِي شَوَّال ونُصِرَ المُوفَّقُ . وفي ذي الحِجَّة عَبَرَ المُوفَّقُ بجَيشِه إلى ناحية المُخْتَارَة ، وهَربَ الخَبيثُ ، لكنَّه رَجعَ وأزَالَ المُوفَّقَ عنها . في ثمانٍ وستين ومئتين تتابع أجْنادُ الخَبيثِ في الخُروج إلى المُوفَّق ، وهو يُحسِنُ إليهم ، وأتاه جَعْفَرُ السَّجَّانُ صاحبُ سِرِّ الخَبيث ، فأعطاه ذَهباً كثيراً ، فرَكب في سَفينة حتى حاذَى قَصرَ الخَبيث ، فصاحَ إلى متى تَصْبرون على الخَبِيثِ الكَذَّاب ؟ وحَدَّثَهم بما اطَّلَع عليه من كَذِبِهِ وكُفْرِه ، فاسْتأمن خَلقٌ ، ثم زَحفَ المُوفَّقُ على البلد ، وهَدَّ من السُّور أماكن ، ودَخلَ العَسكرُ من أُقْطارِها واغْتُّوا ، فَكَرَّ عليهم الزَّنِجُ ، فأصابوا منهم ، وغَرِقَ خَلقٌ، ورَدَّ المُوفَّقُ إلى بَلَده حتىْ رَمَّ شَعثَه، وقَطع الجَلْبَ على الخَبِيثِ ، حتى أكَلَ أصحابُه الكِلابَ والمَيتَةَ، وهَربَ خَلقٌ ، فسَألَهم المُوفَّقُ ، فقالوا: لنا سَنة لمْ نَرَ الخُبزَ وقُتْلَ بهبُودُ أكبرُ أمراءِ الخَبيث، وقَتلَ الخَبِيثُ ولَدَه لكونه هَمَّ أنْ يخرُجَ إِلى المُوفَّقِ . وفي سنة تسع وستين ومئتين ، دَخلَ المُوفَّقُ المُخْتَارَة عَنوَةً ، ونادى الأمانَ ، وقاتَلَ حاشيةُ الخَبيث دُونَه أشَدَّ قتال ، وحازَ المُوفَّقُ خَزائنَ الخَبيث ، وألقى النارَ في جَوانب المَدينة، وجُرحَ المُوفَّقُ بسَهمْ فأصْبحَ على الحَرب ، والمه جُرحُه ، وخافوا ، فخَرَجوا حتى عُوفي ، ورَمَّ الخَبِيثُ بلَدَه . ٤٧٥ وفي شَوَّال كانت المَلْحَمةُ الكُبرى بين الخَبيث والمُوفَّق ، ثم وَقَعَتِ الهَزيمةُ على الزَّنج ، وكانوا في جُوعٍ شَديد وبَلاءٍ ، لا خَفَّفَ اللهُ عَنهم ، التقى الخَبيثُ والمُوفَّقُ ، فانْهَزَمت الزَّنج أيضاً ، وأحاطَ الجَيشُ، فحَصَروا الخَبِيثَ في دار الإمارة ، فانملَسَ منها إلى دار المُهَلَّبِيِّ، أحَدُ قُوَّادِه، وأُسِرَت حُرَمه، فكان النساءُ نحوَ مئة ، فأحسَنَ إليهنَّ المُوفَّقُ، وأُحْرِقَتِ الدَّارُ، ثم جَرت مَلحَمَةٌ بين المُوفَّق والخَبيث في أوَّل سنة سبعين ومئتين ، ثم وَقعةٌ أخرىْ قُتْلَ فيها الخَبِيثُ، لا رَحمَه اللهُ، وكان قد اجْتَمعَ من الجُند، ومن المُطَّعَة مع المُوفَّق نحو ثلاث مئة ألف ، وفي آخر الأمر شَدَّ الخَبِيثُ وفُرساتُه فأزالوا النَّاسَ عن مَواقِفِهم ، فحَمَلَ المُوفَّقُ فهَزَمَهم ، وساقَ وراءَهم إلى آخر النَّهر ، فبَيْنا الحَربُ تَستعرُ إذا أتى فارسٌ إلى المُوفَّق وبيده رأسُ الخَبيث فما صَدَّق ، وعَرَضَه على جماعة، فقالوا: هو هو فترجَّلَ المُوفَّقُ والأُمراءُ وخَرُّوا ساجدين لله وضَجُوا بالتَّكبير ، وبادَرَ أبو العبَّاس بنُ المُوفَّق في خَواصِّه ، ومَعه رأسُ الخَبیث على قَنَاةٍ إلى بَغْدادَ، وعُملت قِابُ الزِّينَة ، وكان يوماً مشهوداً، وشَرعَ الناسُ يَتراجعون إلى المَدائن التي أخذَها الخَبِيثُ ، وكانت أيّامُه خَمسَ عَشرةَ سنة . قال الصُّوليُّ : قد قَتلَ من المسلمين ألفَ ألفٍ وخَمسٍ مئة . قال الذهبيُّ : وكذا عَددُ قَتَلَى بابَك . قال : وكان يصْعَدُ علىْ مِنْبَرِه بمَدينتِهِ ، ويَسُبُ عُثمانَ وعَليّاً وطَلحَةَ وعائشةَ كمَذْهب الأزارِقَة ، وكان يُنادِي على المَسبيَّة العَلويَّة في عَسكره بدِرْهَمين ، وكان عند الزَّنجي الواحد نحو عَشر عَلَويَّات، يَفتَرشُهنَّ ويَخْدُمْنَ امرأتَه(١) . وفي سَنةِ سَبعِين ومئتين نازَلتِ الرُّومُ في مِئَةِ ألفٍ طَرَسُوسَ ، فَبَّتَهم يازمانُ الخادِمُ فِقِيلَ: قُتِلَ منهُمْ سَبِعُونَ ألفاً ، وقُتِلَ مَلِكُهُم، وأُخِذَ منهم صَلِيبُ الصَّلَبُوت فالحَمدُ لله على هذا النَّصْرِ العَزِيزِ الذي لَمْ يُسْمَعِ بِمِثْلِه، مع تمَامِ المِنَّةِ على الإسْلامِ بِمَصْرَعِ الخَبيث . وعادَ المُوَفَّقُ إلىْ بَغْدَادَ مَرِيضاً من نِقْرسٍ، ثمَّ صَارَ داءَ الفِيلِ وقَاسَى بلاءً ، فكان (١) انظر السير: (المُعْتَمد على الله) ٥٤٠/١٢ -٥٥٣، وانظر النزهة: ١٠٣١/٣-١٠٣٤. ٤٧٦ يقولُ : في دِيوانِي مِنَّةُ ألفٍ مُرْتَزَقٍ ، ما أَصْبحَ فيهِم أسْوَأُ حالاً مِنِّي ، ثمَّ ماتَ . وفي سَنَةٍ تَسعِ وسَبعينَ خُلِعَ المُفَوَّضُ بنُ المُعْتَمِد من وِلايَةِ العَهْدِ ، وقُدِّمَ عليه أبو العَبَّاس المُعْتَضِّدُ بنُ المُوَفَّق نَهَضَ بِذَلِك الأُمَرَاءُ . وفيها مَنَعَ أبو العَبَّاسِ القُصَّاصَ والمُنَجِّمينَ، وأَلْزَمَ الكُتْبِّينَ أنْ لا يَبِيعُوا كُبَ الفَلْسَفَةِ والجَدَلِ، وضَعُفَ أمْرُ عَمِّه المُعْتَمِد معَه، ثمَّ ماتَ فَجْأةً لإحْدَى عَشر ليلةً بَقِيَتْ من رَجَبَ سَنَّةَ تِسْعِ وسَبْعِينَ ومِئْتَينِ بِبَغْدَادَ ونُقِلَ فِدُفِنَ بسَامِرَّاءَ ، فكانت خِلافَتُه ثلاثاً وعِشْرينَ سَنةً وثلاثةِ أَيَّامٍ (١) . مات الْمُعْتَمِدُ على الله بالقَصْرِ الحَسَنيَّ مع النُدَماءِ والْمُطْربينَ ، أكَلَ في ذلك اليوم رُؤُوسَ الجِدَاء ، فيُقالُ: سُمَّ، وماتَ مَعه مَنْ أكلَ منها ، وقِيلَ : نامَ فَغَمُّوه ببساطٍ وقِيلَ: سُمَّ في كأسٍ ، وأدْخَلوا إليه إسْماعيلَ القاضي والشُّهودَ ، فلمْ يَرَوا به أثراً ، واستُخلِفَ أبو العبّاس المُعْتَضِدُ وكانت عُرَيبُ جاريةُ المُعتَمد ذاتَ أموالٍ جَزيلة ، ولها في المُعتَمد مَدائحٌ ، وكان يَسكَرُ ويُعَرْبِدُ على النُّدَماء ، سامَحَه الله ، وكانت دَولَتُه بِهِمَّةِ أخيه المُوفَّق لا بأس بها(٢) . وجاء في ترجمة ((الخَبيثِ))، قال الذهبيُّ: هو طاغية الزِّنْج، عليُّ ابن محمد بن عبد الرحمن العَبْدي ، من عبد القَيْس افْتَرى ، وزَعمَ أنَّه وَلدُ زَيْد بنِ عَلَيِّ العَلَويُّ ، وكان مُنَجِّماً، طُرُقِيَّاً، ذَكِيّاً، حَرُورِيًّا (٣) ، ماكِراً، داهيَةً مُنْحَلاً، على رأي فَجَرَة الخَوارِجِ، يَتَسَتَّرُ بالانتماء إليهم، وإلاَّ فالرَّجلُ دَهْرِيٍّ، فَيْلَسوفٌ زِنْدِيقٌ، ظَهرَ بالبَصْرة ، واسْتغوىُ عَبِيدَ النَّاس وأوْباشَهم ، فتجمَّعَ له كلُّ لصٍّ ومُرِيبٍ وكثُرُوا، فشَدَّ بهم علىْ أهْلِ البَصْرَة، وتَمَّ له ذلك، واسْتباحوا البلدَ واسْتَرَّقُوا الذُّرِّية، ومَلكوا ، فانْتُدب لحَربهم عَسكرُ المُعْتَمد ، فالتَقى الفَريقان ، وانتصرَ الخَبِيثُ واسْتفحلَ بَلاؤه ، وطَوى البلادَ ، وأبادَ العِبادَ ، وكادَ أنْ يَملكَ بَغداد ، وجَرت بينه وبين الجَيش عِدّةٌ (١) انظر السير: (المُعْتَمد على الله) ١٢/ ٥٤٠ - ٥٥٣، وانظر النزهة: ١/١٠٣٤. (٢) انظر السير: (المُعْتَمد على الله) ١٢/ ٥٤٠ -٥٥٣، وانظر النزهة: ٢/١٠٣٤. (٣) نسبةً إلى الحَرْوَريّة: وهم الخوارج الذين خالفوا عليّاً رضي الله عنه بعد رجوعه من صِفِين إلى الكوفة، إذ انحازوا إلى ((حروراء)) مَوضع بظاهر الكوفة، وكان أوّل اجتماعهم به، فسُمّوا ((الحرورية)) ٤٧٧ مَصَافَّاتٍ، وأنشأَ مَدينةً سمَّاها ((المُخْتَارَة)) في غاية الحَصانَة، وزادَ جَيشُه على مئة ألفٍ، ولَولا زَندَقَتُه ومُروقُه لاسْتولى على المَمالك . قال نِفْطَوَيه : كان أوّلاً بوَاسِط ، وربما كتب العُوَذ فأخذه محمدُ ابنُ أبي عَون ، فحبَسَه، ثم أطْلَقه، فما لَبِثَ أنْ خَرَجَ واسْتغوى الزِّنجَ - يَعني عَبيد الناس والذين يَكْسَحون ويَزْبِلون(١) - فصار من أمرِهِ ما صار، وخافَته الخُلفاءُ، ثم أظفَرهم اللهُ به بعد حُروبٍ تُشْيِّبُ النَّواصي . وقُتل ولله الحمد في سنة سبعين ومئتين ، وله ثمانٍ وأربعون سنة . ولو أفْرَدتُ أخبارَه ووقائعه لبلَغت مُجلَّداً وكان مُفْرطَ الشَّجاعَة، جَرِيَّاً داهيةً (٢). رُئِيَ أبوه أنَّه بالَ في مَسجِد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بَوْلَةً أحرَقت نصفَ الدنيا. وكانت أمّ الخَبيث تقولُ: لمْ يدَعْ ابني أَحَداً عندَه علمٌ بالرأيِّ حتى خالَطَهم ، ثم خرجَ إلى خُراسان ، فغابَ عنِّي سَنتين ، وجاءَ ثم غابَ عنِّي غَيِبتَه التي خَرجَ فيها ، فوَرَدَ عليَّ كتابُه من البَصْرَة ، وبَعثَ إليَّ بمالٍ ، فلمْ أقْبلْه، لِمَا صَحَّ عندي من سَفْكِه للدِّماء ، وخَرابِه للمُدُن . قال الذهبيُّ : وكان أبوهُ داهيةً شيطاناً كوَلدِه فقال عليٍّ: مَرِضتُ وأنا غُلام ، فجلسَ أبي يَعودُني ، وقال لأُمِّي : ما خَبرُه ؟ قالت : يَموتُ قال : فإذا ماتَ ، مَنْ يَخْرِبُ البَصْرَة ؟ قال : فبقيَ ذاكَ في قَلبي(٣). قال الذهبيُّ : بعد مَصْرع المُتَوكِّل وابنِه، وأولئك الخُلفاء المُستضعَفين المقتولين، نَقْصَ أمرُ الخِلافَة جداً، وطمِعَ كلُّ شَيطان في التوثُّب، وخَرجَ الصَّفَّارُ بخُراسان، واتَّسعت مَمالكُه، وخرجَ هذا الخَبِيثُ بالبَصْرَة، وفعلَ ما فعَل ، وهاجَت الزُّومُ ، وعَظُمَ الخَطبُ (٤) . (١) الكَسْح: الكَنس، والكساحة: الكُناسَة، ويَزْبلون: أي يُصلحون الأرض بالزَّبْل . (٢) انظر السير: ( الخَبيث) ١٢٩/١٣ -١٣٦، وانظر النزهة: ١/١٠٦٣. (٣) انظر السير: (الخَبيث) ١٢٩/١٣ -١٣٦، وانظر النزهة: ١/١٠٦٤. (٤) انظر السير: (الخَبيث) ١٢٩/١٣ -١٣٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٦٤. ٤٧٨ ثُمَّ بعدَ سَنوات ثارت القَرامطَةُ والأعْرابُ، وظَهرَ بالمَغْرِبِ عُبَيْدُ الله، المُلقَّبُ بالمَهْديِّ، وتَملَّك ثم دامت الدولة في ذُريَّة الباطنيَّة إلى نور الدين ، رَحمَه الله(١) . فاذَّعَىُ بعدَ الخَمْسينَ هَذا الخَبِيثُ بِهَجَر (٢) أنَّه عَلَيُّ بنُ مُحمّد ابنُ الفَضْلِ بنُ حُسَيْنِ بنُ عبدِ الله بنُ عَبَّاس بنُ عَلَيٍّ بنُ أبي طَالِب، ودَعَا إلى نَفْسِه ، فمَالَ إليه رَئيسُ هَجَر، ونابَذَهُ قَومٌ، فَاقْتَتَلوا، فَتَحوَّلَ إلى الأحْسَاء، واعْتَصَمَ بَنِي الشمَّاس ، وإنَّما قَصَدَ البَحْرَينِ لِغَبَاوَةِ أَهْلِها، ورَوَاجِ المَخاريقِ عَليهِم، فحَلَّ منهم مَحلّ نَبِيٍّ ، وصَدَّقُوهُ بِمَرّةٍ ، ثم تَنَكَّروا له لدبره ، فَشَخَصَ إلى البَاديَة يَسْتَغْوِي الأعَاريبَ بِنُفُوذِ حِيلِه، وشَعْوَذَتِه، واعْتَقَدُوا فيه أنَّه يَعْلمُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ، وجَعَلَ يُغِيرُ على النَّواحي ، ثم تَمَّتْ له وَقْعَةٌ كبيرةٌ ، هُزِمَ فيها وقُتِلَ كُبَرَاءُ أَتْبَاعِه وكَرِهَتْهُ العَربُ(٣). وَذَهبَ إلى بَغْدَادَ فأقَامَ سَنةً يَسْتَغوي النَّاسَ ويُضِلَّهُم، فاسْتَمالَ عِدَّة من الحاكَة بِمَخاريقِه ، والجَهَلَةُ أَسْبَقُ شيءٍ إلى أرْبابِ الأحْوالِ الشَّيْطانيّة ، ومَاتَ مُتَولِّي البَصْرَة ، وهَاجَتِ الأعْرابُ بها، وفَتَحُوا السُّجونَ ، فَتَخَلَّصَ قَومُه فِبَادَرَ إلى البَصْرَة في رمَضانَ سَنَةَ خمس وخمسين ومئتين ، وحَولَهُ جَماعَةٌ ، واسْتَجابَ له عَبِيدٌ زُنوج للنَّاسِ ، فأفْسَدَهم وجَسَّرَهم ، عَمَدَ إلى جَرِيدَةٍ ، فَكَتَبَ على خِرِقَةٍ عليها ﴿﴿ إِنَّ اللَّهُ أُشْتَرَى مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾(٤) وكَتَبَ اسْمَه، وخَرَجَ بهم في السَّحَر لِلَيْلَتَين بَقِيَت من رمَضانَ في ألفِ نَفْسٍ، فخَطَبَهُم، وقال: أنْتُم الأُمَراءُ وسَتَمْلِكُون ووَعَدَهم ، ومَنَّاهُم . ثم لَمْ يَزَلْ يَنْهَبُ ويُغِيرُ ، ويَكْثِرُ جَمْعُه من كلِّ مائِقٍ (٥) وقاطع طريق ، حتى اسْتَفْحَلَ أمرُه ، وعَظُمَتْ فِتْتُه، وغَنِمَ الخُيولَ والسِّلاحَ ، والأمْتِعةَ والأمْوالَ والمَواشي ، وصَارَ من المُلوك وصَارَ كُلَّما حارَبَه عَسكَرٌ وانْهَزَموا، فَرَّ إليه غِلْمَانُ العَسكَر ، فحَشَدَ له أهلُ انظر السير: ( الخَبيث) ١٢٩/١٣ -١٣٦، وانظر النزهة: ٣/١٠٦٤. (١) (٢) هجر : مدينة في البحرين . انظر السير: ( الخبيث) ١٢٩/١٣ -١٣٦، وانظر النزهة : ٤/١٠٦٤. (٣) (٤) سورة التوبة ، الآية : ١١١ . (٥) مائق : حاقد ، والمأقة : الحِقْد . ٤٧٩ البَصْرَة في ذي القعْدَة من العام ، والتَّقَوا ، فَهَزَمَهُم ، وقَتَلَ منهم مَفْتَلَة ، ووَقَعَ رُعْبُه في النُّفُوسِ ، فوَجَّهَ الخَليفَةُ جَيشاً ، فما نَفَعُوا . ثم أخَذَ الأهْوازَ ، فخَافَه أهْلُ البَصْرة، وانجَفَلُوا، فَأَخَذَها بالسَّيفِ في شَؤَّالَ ، سَنَةَ سَبع وخمسين ، وقْتَ صَلاةِ الجُمُعَة، وهَرَبَ جُندُها فأحْرَقَ الجامِعَ بِمَنْ حَوَى ، ولَمْ تَزَلَ الحَربُ بَيْنَه وبينَ المُؤَفَّقِ سِجالاً . واسْتَبَاحَ واسطَ في سَنة أربع وسِتِّين ، وحَصَلَ للخَبيثِ جَواهِرُ وأمْوالٌ ، فاسْتأثرَ بها ، فأنْكَرَ عليه المُتَقشِّفونَ منَ أصْحابِهِ ، وذَكَرُوا له سِيرَةَ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ ، فقالَ : لَيسَ فيهِما قُدْوَة . وادَّعَى أنَّه هُو عَبدُ الله المَذْكُور في: ﴿قُلْ أُوحِىَ﴾ (١) وزَعَمَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ما يَمْتازُ عليه إلاَّ بالنُُّوَّة وزَعَمَ أنَّه تَكلَّمَ في المَهْدِ ، صِيحَ به : يا عَلَيّ! فقالَ: يَا لَبَّيْك . وكان يَجْمعُ اليَهودَ والنَّصارَى، يَسْألُهم عمَّا في الثَّوْراةِ والإنْجيلِ مِنْ ذِكْرِه ، وهم يَسْخَرونَ منه، ويَقْرَؤُونَ له فُصُولاً ، فيَدَّعي أنَّها فيه وزادَ من الإفْكِ فَنَفَرَت منه قُلوبُ خَلقٍ من أتْباعِه ومَقَتُّوه وبَقِيَ المُوَفَّقُ يُكْرِمُ كلَّ مَنْ فَرَّ إليه ، ويَخْلِعُ عليهِم، وكَتَبَ إلى الخَبيثِ يَدعُوهُ إلى الثَّوبَة من ادِّعاءِ مُخاطَبَة المَلائِكَة، ومن تَحْرِيفِهِ القُرَآنَ وضَلالَتِهِ ، فما أجابَ بشيءٍ، وحَصَّنَ مَدينَتَه ( المُخْتَارَة ) التي بِنَهْرِ أبي الخَصيبِ ، حتّى بَقْيَتْ يُضْرَبُ بها المَثَلُ ، ونَصَبَ فيها المجانيقَ والأسْلِحَةَ بما بَهَرَ العُقولَ ، وبها نَحْوُ مِئْتَي ألفٍ مُقاتِل، فما قَدِرَ عليها الجَيشُ إلاَّ بالمُطاوَلَةِ، وأنْشَأَ تِلْقَاءَها المُوَفَّقُ مَدينَةً وسَكَنَها ، ولَمْ يَزَلْ إلى أنْ أَخَذَ ( المُخْتَارَةِ ) فَهَرَبَ الخَبِيثُ إلى مَضائِقَ فِي نَهْرِ أبي الخَصيب ، لا تَصِلُ إليها سَفينَةٌ ولا فارِسٌ ثم بَرَزَ في أَبْطَالِهِ وقَاتَلَ أَشَدَّ قِتالٍ ، وهو يقولُ : وعَزِيمَتِي مِثْلُ الحُسَامِ وهِمَّتِي نَفْسٌ أصُولُ بها كَنَفْسِ القَسْوَرِ (١) سورة الجن ، الآية: ١ . ٤٨٠