Indexed OCR Text
Pages 421-440
مُعْتقدون، عَطَّلوا الحُدودَ، وأباحوا الفُروجَ وسَفكوا الدِّماءَ ، وسَبُّوا الأنْبياءَ، ولَعَنوا السَّلَفَ، واذَّعَوا الرُّبوبيّة . واسْتتابَ القادرُ فُقهاءَ المُعتْزِلَة ، فَتَبَّؤْا من الاعْتِزالِ والرَّفضِ وأُخِذَت خُطوطُهم بذلك . وامتثلَ ابنُ سُبُكتكين أمرَ القادر ، فبَثَّ السُّنَّة بممَالكه وتَهدَّد بقَتلِ الرَّافِضَة والإِسْماعيليّة والقَرامِطَة، والمُشْبِّهَة والجَهْميَّة والمُعْتَزِلَة، ولُعِنوا على المَنابِرِ(١). قال الذهبيُّ في ترجمة المُعِزِّ : ظَهرَ هذا الوَقتُ الرَّفضُ ، وأَبْدَىْ صَفْحَتَه ، وشَمَخَ بأنِفِه في مِصْرَ والشَّام ، والحِجازِ والغَربِ بالدَّولةِ العُبَيْدِيَّة ، وبالعِراقِ والجَزيرَة والعَجَم بَني بُوَيه ، وكانَ الخَليفةُ المطيعُ ضَعِيفَ الدَّسْتِ والرُّتَبَة مع بَنِي بُوَيه ثم ضَعُفَ بَدَنُهُ، وأصَابَه فالِجٌّ، وخَرَسٌ فعَزَلوهُ، وأقاموا ابنَه الطَّائعَ لله، وله السِّكةُ والخُطْبَةُ، وقَليلٌ من الأمُور ، فكانت مَمْلكةُ هذا المُعزِّ أعظَمَ وأمْكَن . وأُعلنَ الأذانُ بالشَّامِ ومِصْرَ بـ((حَيٍّ على خَيرِ العَملَ))، فللَّهِ الأمرُ كلُّه . قِيلَ : ما عُرفَ عن المُعزِّ غيرُ التَّشَيُّع ، وكان يُطيلُ الصَّلاةَ. وثارَت عليه القَرامِطَةُ، واسْتولوا علىُ كَثِيرٍ من الشَّامِ ، وسارُوا حتى أتَوا مِصْرَ ، فحارَبهم جَوْهَرٌ ، وجَرَت أمورٌ مَهُولَة . وصلَّى بِالنَّاسِ المُعزّ يَومَي العِيد صَلاةً طويلةً، بحَيثُ أنَّه سَبَّح في السُّجودِ نَحوَ ثلاثين ، ثم خَطبَهم فأبْلَغ وأحَبَّتْه الرَّعيَّةُ . وصَنَعَ شَمسيّة لتُعمَلَ على الكَعْبَة ثَمانيَة أشْبارٍ في مثلِها من حَرِيرٍ أحْمَر ، وفيها اثْنا عَشْرَ هِلالاً من ذَهَب ، وفي الهِلال تُرُنْجَةٌ(٢) قد رُصِّعَت بجَواهِرَ وياقُوتٍ وزُمُرُّدٍ ، لم يُشاهِد أحَدٌ مثلَها . ماتَ المُعزُّسنةَ خَمسٍ وستِّين وثلاثٍ مئة بالقاهِرَة المُعزِّيَّة ، وكان مَولدُه بالمَهْدِيَّة ، (١) انظر السير: (القادِرُ بالله) ١٢٧/١٥-١٣٨، وانظر النزهة: ٢/١١٩٤. (٢) ثمرة كالليمون ، ذهبية اللون ، زكية الرائحة، ذات طعم حامض. ٤٢١ التي بناها جَدُّهُم ، وعاشَ سِتاً وأربعينَ سنةً وكانت دولتُه أربعاً وعشرين سنةً . وقد جَرى علىُ دِمَشْقَ وغيرِها من عَساكِرِ المَغاربة كلُّ قَبِيحِ من القَتَلِ والنَّهْبِ وفعَلوا ما لا يَفعَلُه الفِرَنجُ، ولولا خَوفُ الإطالَة لسُقْتُ ما يُبْكي الأعْيُن(١). قال الذهبيُّ في ترجمة ((عَضُدِ الدولَة)»: فنَحْمِدُ اللهَ على العافية ، فلقد جَرى على الإسْلام في المئة الرابعَة بلاءٌ شَديدُ بالدولَة العُبَيديَّة بالمغرب ، وبالدولَةِ البُونِهِيَّة بالمَشْرق ، وبالأعْرابِ القَرامِطَة ، فالأمر لله تعالى(٢). وجاء في ترجمة ((ابنِ السِّمْسَار ))، قال الذهبيُّ: مات ابنُ السِّمْسار سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة ، وقد كَمَّلَ التسعين، ولعلَّ تَشَيُّعَه كان تَقِيَّةً لا سَجِيَّة ، فإنَّه من بَيتِ الحَديثِ، ولكن غَلت الشَّامُ في زَمانِه بالرَّفضِ ، بل ومِصْرَ والمَغْرِبَ بالدولَة العُبَيْدِيَّة ، بل والعِراق، وبعض العجم بالدولة البُونِهِيَّة، واشْتدَّ البلاءُ دَهراً، وشَمخَت الغُلاةُ بأنفِها ، وتَوَاخَى الرَّفضُ والاعْتِزالُ حينئذٍ ، والنَّاسُ على دين المَلك ، نَسألُ اللهَ السَّلامةَ فِي الدِّين (٣). ٢١ - نادرة لواحد من أهل السنة مع شيعيٍّ غالٍ : وقال محمدُ بنُ مُظفَّر الحافظُ ، حدَّثنا القاسِمُ المُطرِّز، قال : دخلتُ على عبَّاد بالكُوفَة ، وكان يَمتحِنُ الطَّبَة، فقال: مَنْ حَفرَ البَحرَ ؟ قلتُ : اللهُ قال : هو كَذاك ، ولكن مَنْ حَفرَه؟ قلتُ: يَذْكُرُ الشَّيخُ، قال: حَفرَه عليٍّ، فمَنْ أجْراهُ؟ قلتُ: اللهُ قال : هو كَذلك، ولكن مَنْ أجْراهُ؟ قلتُ: يُفيدني الشَّيخُ قال : أجراهُ الحُسَينُ ، وكان ضَريراً، فرأيتُ سَيفاً وحَجَفَةً(٤) فقلتُ : لمنْ هذا؟ قال : أعْدَدتُه لأقاتل به مع المَهدي ، فلمَّا فَرغتُ من سَماع ما أردتُ ، دَخلتُ عليه، فقال: مَنْ حَفْرَ البَحرَ ؟ (١) انظر السير: (المُعِزّ) ١٥٩/١٥ -١٦٧، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٤. (٢) انظر السير: (عَضَد الدولة) ٢٤٩/١٦ -٢٥٢، وانظر النزهة: ٣/١٢٩٣. انظر السير: ( ابنُ السِّمسار) ٥٠٦/١٧ -٥٠٧، وانظر النزهة : ٢/١٣٥٦. (٣) الحجفة : هي الترس . (٤) ٤٢٢ قلتُ : حفَرَهُ مُعاويةُ رَضيَ اللهُ عنه، وأجْراهُ عَمرو بنُ العاص ، ثم وَثَبتُ وعَدَوْتُ فجعلَ يَصيحُ : أدْركوا الفاسِقَ عَدوَّ الله، فاقْتُلوه إسْنادُه صَحيح ، وما أدري كيف تَسَمَّحوا في الأخْذِ عمَّن هذا حالُهُ ؟ وإنَّما وَثِقوا بصِدْقِهِ . قال البُخاريُّ : ماتَ عبَّادُ بنُ يَعقُوب في سنة خمسين ومئتين . ورأيتُ له جُزءاً من كتاب ((المَناقِب))، جَمعَ فيها أشياءَ ساقِطَة قد أغْنى اللهُ أهلَ البَيتِ عنها، وما أعتقده يَتعمَّدُ الكَذبَ أبداً(١) . ٢٢ - تَعريفُ الخَليفَة ابنَه بجَهْلِ الرَّافِضَة : قال ابنُ النجَّار : حَكى ابنُ صَفّة أنَّ المُقْتَفي رَأى ابنَه يُوسُفَ في الحَرِّ ، فقال : أيش في فَمِك؟ قال: خَاتم يَزْدَن عليه أسماءُ الإثني عشَر، وذلك يُسكِّنُ العَطَش ، قال : وَيْلَك يُريدُ يَزْدَن أنْ يُصِيِّرَكَ رافِضيَّاً، سَيَّدُ الإثني عشر الحُسينُ رضي الله عنه وماتَ عَطشان(٢) . ٢٣ - رُؤْيا تُفيدُ التَّحذيرَ مِنْ سَبِّ الشَّيخَينِ: قال ابنُ قانِعِ : سَمعتُ عيسى بنَ محمّد الطَّهمانيّ، سَمعتُ الأميرَ إسْماعيلَ يقولُ : جاءَنا أَبُونا بمؤدِّبٍ ، فعلَّمنا الرَّفْضَ ، فِنِمتُ ، فرأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ومَعه أبو بكر وعُمر، رَضي الله عَنهما، فقال لي: ((لِمَ تَسُبُّ صَاحِبَيَّ؟)) فوقَفْتُ ، فقال لي بيَدِهِ فَنَفَضَها في وَجْهي فانْتُبَهتُ فَزِعاً أرْتَعدُ من الحُمَّى، فَكُنتُ على الفِراشِ سَبعَة أشْهُر ، وسَقطَ شَعري ، فدخَلَ أخي ، فقال : أيش قِصَّتُك ؟ فأخْبَرتُه ، فقال : اعْتَذِرْ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فاعتذرتُ وتُبْتُ ، فما مَرَّ لي إلاَّ جُمُعَة حتى نَبَتَ شَعري . قال الذهبيُّ : كان هو وآباؤُهُ مُلوكَ بُخَارَىُ وسَمَرْقَند ، وله غَزَواتٌ في التُّرْك ، وهو (١) انظر السير: (الرَّواجنيّ) ٥٣٦/١١-٥٣٨، وانظر النزهة: ٣/٩٧٠. (٢) انظر السير: (المُستَنْجد بالله) ٤١٢/٢٠-٤١٨، وانظر النزهة: ٢/١٥٦٩. ٤٢٣ الذي ظَفِرَ بعَمرو بنِ اللَّيثِ وأسَره ، فجاءَه من المُعْتضِد التَّقليدُ بولاية خُراسان وما يَليها ، وكانت سلطنتُه مدّة سَبع سِنین . تُوفِّيَ بيُخارَى سنة خمس وتسعين ومئتين ، فتملَّكَ بعدَه ابنُه أحمد . وماتَ ابنُه السُّلطانُ أبو نَصْر أحمدُ سنةَ إحْدى وثلاثٍ مثَّة ، قَتَلَه مَماليكُه، ثم مَلَّكُوا وَلَدَه نصراً، فدامَ ثلاثينَ عاماً، فأحْسَنَ السِّيرَة، وعَظُمَتْ هَيبَتُه(١) . (١) انظر السير: (صاحبُ خُراسَان) ١٥٤/١٤ - ١٥٥، وانظر النزهة: ٣/١١٣٩. ٤٢٤ سادساً : الفلاسفة والمناطقة ١ - النَّظرُ فِي كُتُبِ الفَلَاسِفَة - بغَير علم شَرعيٍّ وَتَوفيقٍ إلَهِيٍّ -مُهْلِك: جاء في ترجمة الفَارَابي، قال الذهبيُّ: شَيْخُ الفَلسَفَة الحَكِيمُ، أبو نَصر ، محمدُ بنُ محمدِ بنِ طَرْخَان بنٍ أَوْزَلَغْ التّركيُّ الفَارَابِيُّ المَنْطِقِيُّ، أحدُ الأَذْكياءِ . له تَصانيفُ مَشهورَة، مَنِ ابْتَغَى الهُدَى منها، ضَلَّ وحَارَ ، ومنها تَخرَّجَ ابنُ سِينا ، نَسألُ اللهَ التوفيق . وقد أحْكَمَ أبو نَصر العَربيّةَ بالعِراق، ولَقِيَ مَثَّى بنَ يونُس(١) صاحبَ المَنْطِق ، فَأَخَذَ عنه، وسارَ إلى حِرَّان فلَزِمَ بها يُوحَنّا بنَ جيلان النَّصْراني، وسارَ إلى مِصْرَ ، وسَكنَ دِمَشْقَ . وكان يحبُّ الوَحْدَة ، ويصنّف في المواضع النَّزِهَة ، وقلَّ ما يُبيِّضُ منها . وكان يتَزهَّدُ زُهدَ الفَلاسِفة، ولا يَحتفلُ بمَلْبَسٍ ولا مَنِزِلٍ ، أجْرَى عليه ابنُ حمدانَ في كلِّ يومٍ أربعَة دَراهم . ويُقالُ : إنَّهم سألوه أأنتَ أعلمُ أو أرِسْطو ؟ فقال : لو أدركتُه لكنتُ أكبرَ تلامذتِه . ولأبي نَصْر نظْمٌ جيّد ، وأدعِيةٌ مَليحَة على اصْطِلاحِ الحُكماء . ذكرَه ابو العبّاس بن أبي أُصَيْبِعَة، وسَردَ أسامِيَ مُصنَّفاته، وهي كثيرة ، منها مقالَة في إثباتِ الكيمياء ، وسائرُ تَواليفِه في الرِّياضيِّ والإلهيِّ. وبدمَشْق كان موتُه سنةَ تسع وثلاثين وثلاث مئة عن نَحو من ثمانين سنة(٢). (١) إليه انتهت رياسة المنطقيين في عصره، وكان نصرانياً، توفي ببغداد سنة ٣٢٨ هـ انظر ((طبقات الأطباء)): ٣١٧، واسمه فيه (( متّى بن يونان)). (٢) انظر السير: (الفارابيُّ) ٤١٦/١٥-٤١٨، وانظر النزهة : ١٢٤٥ / الفارابي. ٤٢٥ ٢- الاشْتغالُ بالفَلسَفَة والمَنْطِق لا يأتي بخَير : (أ) الشَّهْرَ سْتانيّ : قال الإمام الذهبيُّ في ترجمة ((الشَّهْرَسْتانيّ)): هو الأفضلُ محمدُ ابنُ عبد الكريم بنِ أحمد الشَّهْرَسْتانيّ، أبو الفَتح شَيخُ أهلِ الكَلام والحِكْمة ، وصاحبُ التَّصانيف . برَعَ في الفِقْه، وقَرأ الأصُولَ، وصنَّف كتاب ((نِهِايَةِ الإِقْدام)) وكتاب ((المِلَلْ والنِّحَل))، وكان كَثيرَ المَحْفوظ، قَوِيَّ الفَهْم، مَلِيحَ الوَعْظ . وُلدَ سَنة سَبع وسِتين وأربع مئة . وقال في ((التَّحْبير)): هو من أهل ((شَهْرِسْتانة))، كان إماماً أصُولياً، عارفاً بالأدَب وبالعُلوم المَهْجُورة ، قال : وهو مُثَّهم بالإلحاد غالٍ في التشيُّع . وقال ابنُ أرْسلان في (( تاريخ خَوارِزْم)): عالمٌ كَيِّسٌ مُتِقِنٌ ، ولولا مَيلُهُ إلى أهل الإلحاد وتَخُّطُه في الاعْتقاد ، لكان هو الإمام ، وكثيراً ما كنَّا نَتعجَّبُ من وفُور فَضله كيف مال إلى شيء لا أصْلَ له؟ !! نعوذ بالله من الخُذْلان ، وليس ذلك إلاَّ لإعْراضِه عن علم الشَّرْع ، واشْتغاله بظُلماتِ الفَلسفَة ، وقد كانت بيننا مُحاوَرات فكيفَ يُالغ في نُصْرة مَذهب الفلاسفة والذبِّ عنهم . حَضرتُ وَعْظَه مرَّاتٍ فلم يكنُ في ذلك قال الله ، ولا قال رسولُه ، سأله يوماً سائلٌ ، فقال : سائرُ العُلماء يَذكرون في مَجالِسِهم المَسائل الشَّرعيَّة ، ويُجيبون عنها بقول أبي حنيفة والشَّافعيِّ وأنت لا تَفعلُ ذلك؟! فقال: مَثَلي ومَثَلُكم كمَثل بَني إِسْرائيلَ يأتيهم المَنُّ والسَّلْوَى، فسألوا الثُّوْمَ والبصَل . ماتَ بِشَهْر سْتانَةً سنة تسع وأربعين وخمس مئة (١). (١) انظر السير: (الشَّهْرَسْتانيّ) ٢٨٦/٢٠ -٢٨٨، وانظر النزهة: ١٥٥٢/ الشَّهْرَسْتانيّ. ٤٢٦ (ب) صَدقَة بنُ الحُسَين : قال الإمام الذهبيُّ : هو العلاَّمة أبو الفَرج ابنُ الحَدَّادِ البَغداديُّ الحَنْبَلَيّ النَّاسِخُ الفَرَضي ، المُتكلُّم ، المتَّهَم في دينه(١) . قال ابنُ الجَوْزي : يَظهرُ من فَلتَات لسانِهِ ما يَدُّ على سُوء عَقيدَتِه ، وكان لا يَنْضَبطُ، وله مَيلٌ إلى الفَلَاسِفَة ، قال لي مرَّة: أنا الآن أخاصِمُ فَلَكَ الفلك . وقال لي القاضي أبو يَعْلى الصَّغيرُ: مُذْ كَتبَ صَدقةُ ((الشِّفاء)) لابنِ سينا تغيَّرَ . وقال للظَّهِيرِ الحَنَفي : إني لأفْرَحُ بتَعثيري لأنَّ الصَّانِعَ يَقْصِدُني . مات في سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة ، وهو في عَشْر الثمانين . وكان يَطلبُ من غير حاجَةٍ (٢) ، وخلّف ثلاث مئة دينار، ورُويت له مَناماتٌ نَجِسةٌ أَعَاذَنا الله من الشَّقاوَةِ(٣). ٣- فَتوى في الفلسفة والمنطق : قال الإمام الذهبيُّ في ترجَمة ((ابنِ الصَّلاح)»: ومن فَتَاويه أنَّه سُئل عَمَّن يَشتغلُ بالمَنْطِقِ والفَلسفَة ، فأجابَ: الفَلسفَةُ أُسُ السَّفَه والانْحِلال، ومادَّةُ الخَيْرَة والضَّلالِ، ومَثارُ الزَّيْغ والزَّندَقَة، ومَنْ تَفلسَف عَمْيَت بَصيرَتُه عن مَحاسِن الشَّريعَة المُؤيَّدَة بالبَراهين، ومَنْ تلَّسَ بها، قارَنَةُ الخُذْلانُ والحِرْمانُ، واسْتَحْوذَ عليه (١) انظر السير: (صَدَقَةُ بن الحُسَين) ٦٦/٢١ -٦٧، وانظر النزهة: ٢/١٥٩٧. (٢) نقل ابن رجب عن ابن النجار قوله: ((وقد نسخ بخطه كثيراً للناس من سائر الفنون ، وكان قوته من أجرة نسخه ، ولم يطلب من أحد شيئاً ، ولا سكن مدرسة ، ولم يزل قليل الحظ ، منكسر الأغراض ، متنغص العيش ، مقتراً عليه أكثر عمره فكان ربما شكا حاله لمن يأنس به ، فيشنع عليه من له فيه غرض ، ويقول : هو يعترض على الأقدار وينسبه إلى أشياء الله أعلم بحقيقتها)) ( الذيل: ٣٣٩/١ - ٣٤٠)، ويظهر لنا أن ابن الجوزي قد حطَّ عليه في تاريخه حطّاً بليغاً لم يكن كله من الحق ، قال أبو الحسن القطيعي في ما نقل عنه الحافظ ابن رجب : (( كان بينه وبين ابن الجوزي مباينة شديدة ، وكل واحد يقول في صاحبه مقالة الله أعلم بها)) ( الذيل: ١/ ٣٤٠)، وقد أثنى عليه محدِّثُ بغداد المحب ابن النجار في تاريخه، وقال: ((وله مصنفات حسنة في أصول الدين )) . (٣) انظر السير: ( صَدَقَةُ بن الحُسَين) ٦٦/٢١ -٦٧، وانظر النزهة: ٣/١٥٩٧ . ٤٢٧ الشَّيطانُ ، وأظلَمَ قلبُه عن نُبُوَّة محمد صلى الله عليه وسلم ، إلى أنْ قالَ : واسْتعمالُ الاصْطلاحَاتِ المَنْطِقِيَّة في مَباحِث الأحْكام الشَّرعيَّة من المُنْكَرات المُستَبَشَعة ، والرَّقَاعَات المُستحدَثة، وليس بالأحكام الشَّرعية - ولله الحمد - افْتِقارٌ إلى المَنْطِق أصْلاً، هو قعاقعٌ قد أغْنى الله عنها كلَّ صَحيح الذِّهن، فالوَاجِبُ على السُّلطان أعزَّه الله أنْ يَدِفَعَ عن المسلمين شَرَّ هَؤلاء المَشائيم، ويُخرجَهم من المَدارس ويُبعدهم . تُوفِّي الشَّيخُ تقيُّ الدين - رَحمَه الله - في سَنة الخَوارِزْميَّة سنة ثلاث وأربعين وستٌّ مئة ، وحُملَ على الرُّؤوس ، وازْدَحمَ الخَلقُ على سَريرِه ، وكان على جنازَتِهِ هَيبةٌ وخُشوعٌ، فصُلِّيَ عليه بجامع دِمَشْقَ، وشَيَّعوه إلى داخل باب الفَرَج فصلُّوا عليه بداخله ثاني مرَّة ، ورَجعَ النَّاسُ لمكانِ حِصارِ دِمَشْقَ بالخَوارِزْمِيَّة وبِعَسْكَر المَلك الصَّالِحِ نَجمِ الدين أيُّوب لعَمَّه المَلك الصَّالح عِماد الدِّين إسماعيل ، فخَرَجَ بنَعْشِه نَحو العَشْرة مُشمِّرين ، ودَفَنوه بمَقَابِرِ الصُّوفيّة . وقَبرُه ظاهرٌ يُزَارُ فِي طَرف المَقْبِرَةِ من غَربِيِّها على الطَّريقِ ، وعاشَ سّاً وستينَ سنة(١) . ٤ - أمثلةٌ على الفَلَاسِفَة : (أ) يَعْقُوبُ بنُ إِسْحاق بنِ الصَّبَّاحِ : قال الذهبيُّ : هو ابنُ الصَّبَّاح ، الكِنديُّ الأَشْعَتِيُّ الفَيلسُوفُ ، صاحبُ الكُتب ، من وَلِدِ الأَشْعَثِ بنِ قَيْسٍ ، أميرِ العَرَب(٢) . كان رَأْساً في حِكْمة الأوَائل ومَنطِق اليُونان والهَيئَة والتَّنْجيم والطُّبِّ وغير ذلك ، لا يُلحَقِ شَأوُه في ذلك العلم المَترُوك ، وله باعٌ أَطْوَلُ في الهَندسَة والمُوسيقى . كان يُقالُ له : فَيَلسوفُ العَرب، وكان مثَّهَماً في دينه ، بَخيلاً ساقِطَ المَروءَة ، وله (١) انظر السير: (ابنُ الصَّلاح) ٢٣/ ١٤٠ -١٤٤، وانظر النزهة: ٢/١٧١٧. (٢) انظر السير: (يعقوب بن إسحاق) ١٢/ ٣٧٧، وانظر النزهة: ٦/١٠٠٥. ٤٢٨ نَظَمٌ جَيِّد وبلاغَة وتلامِذَة ، همَّ بأن يَعملَ شَيئاً مثل القُرآن، فبعدَ أيام أذْعَنَ بالعَجْزِ(١). وقال عبدُ الرَّحمن بنُ يَحْيَىُ بنُ خاقان: رَأيْتُه في النوم ، فقلتُ : ما فعلَ اللهُ بك؟ قال: ما هو إلاَّ أنْ رآني فقال: ﴿ أَنطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ، تُكَذِّبُونَ﴾(٢)، (٣). ( ب ) السَّرَخْسيّ : قال الذهبيُّ في ترجمة ((السَّرْخَسيِّ)): الفَيلسوفُ البارِعُ، ذو الَّصانيف، أبو العبَّاس، أحمدُ بنُ الطَّيِّب السَّرْخَسيّ، من بُحور العلم الذي لا يَنفَع . وكان مُؤدِّب المُعْتَضِد ، ثم صار نَديمَه وصاحِبَ سرِّه ومَشورَتِهِ ، وله رئاسَةٌ وجَلالةٌ كَبِيرَة ، وهو تلميذُ يَعقوبَ بنِ إسْحاق الكِندي الفَيلسُوف . ثم إنَّ المُعْتَضِد انْتُخَى لله، وقَتَلَ السَّرْخَسيَّ لفَلسَفتِهِ وخُبثٍ مُعْتَقِدِه فقيلَ : إنَّه تَنْصَّلَ إليه ، وقالَ : قد بِعتُ كُتبَ الفَلسَفة والنُّجوم والكَلام ، وما عندي سِوَى كُتب الفِقْه والحَديث ، فلمَّا خَرِجَ قال المُعْتَضِد : والله إنِّي لأعلَمُ أنَّه زِنْدِيقٌ ، فَعلَ ما زَعمَ رِياءً . ويُقالُ: إنَّه قالَ له : لكَ سالِفُ خِدَم ، فكيف تختارُ أنْ نَقْتُلَك فاختارَ أنْ يُطعَم كَبابَ اللَّحم ، وأن يُسْقَى خَمراً حتى يَسْكر ، ويُفصَد في يديه ، ففُعِلَ به ذلك ، فصُفِّي من الدَّم ، وبَقْيَت فيه حياةٌ ، وغَلَبَت عليه الصَّفراءُ، وجُنَّ، وصاحَ ، وبقي يَنطحُ الحائطَ لفَرْطِ الآلام ، ويَعدوا كثيراً حتى مات ، وذلك سَنة ستِّ وثمانين ومئتين (٤) . (ج ) ابنُ سِينا : قال الذهبيُّ في تَرجمة ((ابن سينا)): العلاَّمة الشَّهير الفَيلسُوف ، أبو عليّ ، الحُسَينُ بنُ عبد الله بنِ الحَسَن بنِ عليٍّ ابنِ سينا ، البَلْخِي ثم البُخاري ، صاحِبُ التَّصانيف في الطِّبِّ والفَلسَفَة والمَنْطِقِ . انظر السير: ( يعقوب بن إسحاق) ١٢/ ٣٧٧، وانظر النزهة : ١/١٠٠٦. (١) (٢) سورة المرسلات ، الآية : ٢٩ . (٣) انظر السير: (يعقوب بن إسحاق) ١٢/ ٣٧٧، وانظر النزهة : ٢/١٠٠٦. (٤) انظر السير: (السَّرَخْسيّ) ٤٤٨/١٣-٤٤٩، وانظر النزهة: ١١٠٢ / السَّرَخْسيّ. ٤٢٩ كان أبوهُ كاتباً من دُعاة الإسْماعيليّة ، فقالَ : كان أبي تَوَلَّى التَّصرفُ بقَرية كَبيرة ، ثم نزل بُخَارَى ، فقَرأْتُ القُرآنَ وكَثيراً من الأدَب ولي عَشرٌ ، وكان أبي مِمَّنْ آخَى داعي المصْرِيِّين ، ويُعَدُّ من الإسْماعيليّة . ثم ذكَر مبادىء اشْتغاله، وقُوَّةَ فَهْمه، وأنَّه أحْكَم المَنْطِق وكتاب إقْلِيدَس إلى أنْ قالَ : ورَغِيتُ في الطُّبِّ، وبرَّزْتُ فيه، وقَرؤوا عليّ، وأنا مع ذلك أخَتلفُ إلى الفِقْه، وأُناظِرُ وليَ سِتَّ عَشرة سَنة . ثم قَرأتُ جَمِيعَ أجْزاء الفَلسفَة، وكنت كلَّما أتَحيَّر في مَسألَة ، أو لمْ أظْفَر بالحَدِّ الأوْسَط في قياس ، تردّدتُ إلى الجامع ، وصلَّيتُ ، وابتهَلْتُ إلى مُبدِع الكلِّ حتىْ فُتْحَ لي المُنْغَلقُ منه، وكنتُ أسهرُ، فمَهْما غَلبَني النومُ شَربتُ قَدَحاً إلى أنْ قالَ : حتى اسْتحكَم معي جَميعُ العُلوم . واتَّفْقَ لسُلطان بُخَارَى نوح مرضٌ صَعبٌ ، فأُحضرْتُ مع الأطِباء ، وشاركتُهم في مُداواتِه ، فسألتُ إذناً في نَظر خزانَةَ كُتبه ، فدخلتُ فإذا كتبٌ لا تُحصَى في كلِّ فنٍّ ، فظَفرتُ بفوائدَ إلى أنْ قالَ : فلمَّا بَلغتُ ثمانية عَشرَ عاماً، فَرغتُ من هذه العُلوم كلِّها، وكُنتُ إذ ذاك للعلم أحفظُ ، ولكنَّه معي اليومَ أَنْضَج، وإلاَّ فالعلمُ واحدٌ لمْ يَتجدَّد لي شيءٌ، وصنَّفْتُ ((المَجموعَ )) فأتيتُ فيه علوم، وسألني جارُنا أبو بكر البرقي، وكان مائلاً إلى الفقه والتفسيرِ والزُّهْد، فصنَّفْتُ له (( الحاصِلَ والمَحْصولَ)) في عِشرينَ مُجلَّدةً ، ثم تَقَلَّدتُ شَيئاً من أعمال الشُّلطان وكنتُ بزيِّ الفُقَهاء إذْ ذاك . ثم نزل الريَّ وخَدمَ مَجدَ الدولَة وأُقَه، ثم خرجَ إلى قَزْوينَ وهَمَذانَ فوزَرَ بها ، ثم قامَ عليه الأُمَرَاءُ ، ونَهَبوا دارَه، وأرادُوا قَتْلَه، فاخْتَفى فعاوَد مُتَوَلِّيها شمسَ الدولة القُولَنْجُ ، فطلبَ الرئيس ، واعتذرَ إليه فعالَجَه فَرأَ ، واسْتوزرَه ثانياً ، وكانوا يَشتغلون عليه ، فإذا فَرَغوا حَضرَ المُغَنُّون ، وهُيِّىءَ مَجلسُ الشَّراب ثم مات الأميرُ، فاخْتَفى أبو عليّ عند شَخص، فكان يؤلِّفُ كلَّ يومٍ خَمسينَ وَرَقَة ، ثم أُخِذَ وسُجِنَ أربعة أشْهرٍ ثم تَسخَّب إلى أصْبَهان مُتنكِّراً في زيِّ الصُّوفيّة هو وأخُوه وخادِمُه وغُلامان . وقاسوا شدائدَ ، فبالغ صاحبُ أصْبَهان عَلاءُ الدولَة في إكْرامِه وكان الشَّيخُ قَويَّ ٤٣٠ القُوَىُ كلِّها ، يُسرفُ في الحِماعِ، فأثَّرَ في مِزاجِه، وأخذَه القَوْلَنِجُ، ثم حَصَل له الصَّرَع، وسَقطَت قوتُّه ، فأهْملَ العلاجَ . قال ابنُ خَلِّكان : ثم اغتسلَ وتابَ ، وتَصدَّقَ بما معه على الفُقراء وردَ المَظالم ، وأعْتَق مَماليكَه، وجَعلَ يختِمُ القُرآنَ في كلِّ ثلاثٍ ، ثم ماتَ سنةَ ثمانٍ وعشرين وأربع مئة ، ومَولدُه في سَنةِ سَبعين وثلاث مئة . وهو رأسُ الفَلَاسِفَة الإسْلامِيَّة ، لم يأتِ بعدَ الفارابي مثلُه ، فالحمدُ لله على الإسلام والسُّنَّة . وله كتابُ ((الشِّفاء ))، وغيرُه وأشياءَ لا تُحْتمَل، وقد كفَّرَه الغَزاليُّ في كتاب ((المُنْقِذُ من الضَّلال)) وكفَّر الفارابي(١). وقال الرئيسُ : قد صَحَّ عندي بالتَّواتُر ما كان بجَوْزجان في زَمانِنا من أمر حديد - لعلَّه ◌ِنَةَ مئة وخمسين مَنَّ - نزلَ من الهَواءِ ، فنشَبَ في الأرض ، ثم نَبَا نَبَوَة الكُرة ، ثم عادَ ، فَنَشبَ في الأرض ، وسُمع له صوتٌ عظيمٌ هائلٌ، فلمَّا تَفَقَّدوا أمرَه ، ظفِروا به ، وحُملَ إلى والي جوزجان فحاولوا كَسْرَ قِطعَة منه، فما عملت فيه الآلاتُ إلاَّ بجَهدٍ ، فراموا عَمل سَيفٍ منه، فتَعذَّر، نقَلُه في ((الشِّفاء))(٢). (ج ) الشُّهْرَوَزْديّ : قال الذهبيُّ في ترجَمة السُّهْرَ وَرْديِّ : العلاَّمة الفيلسوف السَّيَماويُّ ، شهاب الدين يَحْيِىُ بنُ حَبَش الشُّهْرَ وَرْدِيُّ، مَنْ كان يتَوَقَّدُ ذكاءً، إلاَّ أنَّه قليلُ الدِّين . وقال ابنُ أبي أُصيبعة : اسمه عُمر ، وكانَ أوحدَ في حِكْمة الأوَائل ، بارِعاً في أصُول الفِقْه، مُفرطَ الذكاء ، فَصيحاً ، لمْ يُناظِرْ أحداً إلاَّ أَرْبَى عليه(٣). وقال ابنُ أبي أُصَيِعَةَ : وحَذَّثني إبراهيمُ بنُ صدقَة الحَكيمُ ، قال : خَرَجْنا من بابِ (١) انظر السير: (ابنُ سينا) ٥٣١/١٧-٥٣٧، وانظر النزهة: ٢/١٣٥٧. (٢) انظر السير: (ابنُ سينا) ٥٣١/١٧-٥٣٧، وانظر النزهة: ١/١٣٥٩. (٣) انظر السير: (السُّهْرَ وَرْديُّ) ٢٠٧/٢١ -٢١١، وانظر النزهة : ٤/١٦١٣. ٤٣١ الفرج معه ، فذَكَرْنا السِّيمياءَ فقالَ: ما أحْسَنَ هذه المَواضِعَ ، فَنَظَرْنا من ناحيةِ الشّرقِ جواسَقَ مُبيضةً كبيرةً مُزَخْرَفةً، وفي طاقاتِها نِساءٌ كالأقْمَارِ ومَغاني، فَتَعَجَّبنا ، وانْذَهَلْنَا، فَبَقِينا ساعةً، وعُدْنا إلى ما كُنَّا نَعْهَدُه، إلاَّ أنِّي عِندَ رُؤْيَة ذلك بقيتُ أُحِسُّ من نَفْسِي كأنَّني في سَنةٍ خَفيةٍ ، ولَمْ يَكُنْ إِذْراكِي كالحَالَةِ التي أَتَحَفَّقُها مِنِّي وحَدَّثني عَجَمِيٌّ قالَ: كُنَّا مع السُّهْرَوَرْدِيِّ بالقابُونِ(١) فَقُلنَا: يا مَوْلانا، نُريدُ رَأْسَ غَنَم ، فأعْطانا عَشْرَةَ دَراهِمَ ، فَاشْتَرَيْنا بها رَأْساً ، ثمَّ تَنَازَعْنا نَحنُ والتُرْكُمانيّ(٢) ، فقالَ الشَّيخُ: رُوحُوا بِالرَّأسِ ، أنا أُرْضِيهِ، ثمَّ تَبِعَنا الشَّيخُ ، فقال التُّرْكُمانيُّ : أرْضِني ، فما كَلَّمَه ، فجاءَ، وجَذَبَ يَدَهُ، فإذا بَيَدِ الشَّيخ قد انْخَلَعَتْ من كَتْفِه ، وبَقِيَتْ في يَدِ ذَاكَ، ودَمُها يَشْخَبُ ، فَرَماها، فَأَخَذَ الشَّيخُ يَدَهَ باليَدِ الأُخْرَىُ، وجاءَ . وله كِتَابُ ((التَّلْويحاتِ اللَّوْحِيَّة والعَرْشِيّة))، وكِتابُ ((اللَّمْحَة))، وكِتابُ (( مَياكِل النُّور))، وكِتابُ ((المَعَارِجُ والمُطَارَحَات))، وكِتابُ ((حِكْمَةُ الإشْراقِ)) وسائِرُها لَيْسَ من عُلُومِ الإسْلام . قال ابنُ خلِّكان: وكان يُتَّهَمُ بالانْحِلالِ والتَّعْطِيلِ ، ويَعْتَقدُ مَذهبَ الأَوَائِل ، اشْتُهِرَ ذلكَ عَنه ، وأَقْتَىْ عُلَمَاءُ حَلَبَ بِقَتْلِه . قال الذهبيُّ: أَحْسَنُوا وأصَابُوا(٣). وقال المُوَفَّقُ يَعيشُ النَّحْوِيُّ: لمَّا تَكَلَّمُوا فيه ، قالَ له تِلمِيذُه : إنَّكَ تَقُولُ : النُّبُوَّةُ مُكْتَسَبَةٌ، فانْزِحْ بنا ، قالَ : حَتّى نَأكُلَ بطيخَ حَلبَ ، فإنَّ بِي طَرَفاً من السُّلِّ ، ثمَّ خَرَجَ إلىُ قَرِيةِ بها بطيخٌ، فأقَمْنا أيّاماً ، فجَاءَ يَوماً إلى مَحْفرةٍ فِحَفَرَ حتىْ ظَهرَ له حَصَى ، فدَهَنَه بدُهْنٍ معَه، ولَفَّهُ في قُطْنٍ ، وحَمَلَه في وَسَطِه أيَاماً ، ثمَّ ظَهرَ كُلُّهُ ياقُوتاً أحْمَر ، فباعَ منه ، ووَهَبَ أصْحابَه ، ولمَّا قُتِلَ كان مَعهُ منْهُ . قال الذهبيُّ : كانَ أحمَقَ طيَّاشاً مُنْحَلاً. (١) قرية على باب دمشق في طريق من يتوجه إلى حلب. (٢) صاحب الغنم . (٣) انظر السير: (السُّهْرَ وَرْديُّ) ٢٠٧/٢١ -٢١١، وانظر النزهة: ١/١٦١٤. ٤٣٢ قُتِلَ في أوائِل سَنةَ سَبعٍ وثمانينَ وخَمْسٍ مِنَّةُ(١) . ٥ - حاكمٌ يَكْرَهُ عالماً لاشْتِغاله بالفلسفة والمَنْطِقْ : جاء في ترجمة ((السَّيْف))، سيفُ الدين عليٍّ بن أبي عليٍّ بن محمد ابن سالم التّغْلِيِّ الآمديِّ، الحَنبَيُّ ، ثم الشافعيُّ . قال الذهبيُّ : كان أولادُ العادِل كلُّهم يَكرَهونه لما اشْتُهر عنه من علم الأوَائل والمَنْطِقِ ، وكان يَدخُلُ على المُعَظّم فلا يَتحرَّكُ له ، فقلتُ: قم له عِوَضاً عنِّي، فقال : ما يَقبلُه قَلبي . وكان القاضي تقيُّ الدين سُليمانُ بنُ حَمزة يَحْكي عن شَيخِه ابنِ أبي عُمر قال : كنا نَتَردَّدُ إلى السَّيْف، فشَكَكْنا هل يُصلِّي أم لا؟ فنامَ ، فعَلَّمْنا على رجلِه بالحِبْرِ فبقيت العَلامَةُ يَومَين مَكانَها، فعَلِمْنا أنَّه ما تَوضَّأ، نَسألُ اللهَ السَّلامَة في الدِّين . قال لي شَيخُنا ابنُ تَيْمِيَةِ : يَغْلبُ على الآمديِّ الحِيرةُ والوَقفُ، حتى إنَّه أَوْرَد على نَفْسِه سُؤالاً في تَسَلسُل العِلَل، وزَعمَ أنَّه لا يَعرفُ عَنه جَواباً وبنَى إِثْباتَ الصَّانِع على ذلك، فلا يُقَرِّرُ في كُتبِهِ إِثْباتَ الصَّانِعِ، ولا حُدوثَ العالَم، ولا وَحْدَانِيَّةَ اللهِ ، ولا النبُوَّات ، ولا شَيئاً من الأصُولِ الكِبار . قال الذهبيُّ : هذا يدلُّ علىْ كَمال ذِهْنه، إذْ تَقَرِيرُ ذلك بالنَّظَرِ لا يَنهضُ وإنَّما يَنْهَضُ بالكِتابِ والسُّنَّة ، وبكلِّ قد كان السَّيْفُ غايةً ، ومَعرفَتُه بالمَعْقول نهاية ، وكان الفُضَلاءُ يَزْدَحِمونَ فِي حَلقَتِهِ . قال ابنُ خَلِّكان : سَمعتُ ابنَ عبدِ السَّلام يقولُ: ما سَمعتُ مَنْ يُلِقِي الدَّرسَ أحْسنَ من السَّيْف، كأنَّه يَخطُب، وكان يُعظِّمُه(٢). (١) انظر السير: (السُّهْرَ وَرْديُّ) ٢٠٧/٢١-٢١١، وانظر النزهة: ٢/١٦١٤. (٢) انظر السير: (السَّيْق) ٣٦٤/٢٢ -٣٦٧، وانظر النزهة: ١/١٧٠٢. ٤٣٣ سابعاً : القَدَرَّة والجَبْرِيَّة ١ - عِلاجُ الفِكر في القَدَر : قال قَتَادَة: قال مُسلمُ بنُ يَسار في الكَلام في القَدَر: هُما وَادِيان عَمیقان ، يَسلُك فيهما النَّاسُ، لن يُدرَك غَورُهما، فاعْمَلْ عَمْلَ رَجلٍ تَعلمُ أنَّه لَنْ يُنجِيكَ إلاَّ عَمَلُك ، وتَوَّل توكُّلَ رَجلٍ تَعلم أنَّه لا يُصيبُّك إلاَّ ما كَتَبَ اللهُ لك (١) . وقال عبدُ الله بنُ بَكر : أخبرتني أختي قالت : كان أبُوَ قد جعلَ على نفسِهِ أنْ لا يَسمَعِ رَجَلَين يَتنازَعان في القَدَر إلاَّ قامَ فصلَّى ركعتين . قال الذهبيُّ : هذا يدلُّ على أنَّ البَصْرةَ كانت تَغلي في ذلك الوقت بالقَدَر ، وإلاَّ فلو جَعَلَ الفَقيهُ اليومَ على نفسِه ذلك لأوْشَكَ أنْ يَبقَى السَّنَةَ السَّنَتَيْنِ لا يَسمعُ مُتنازعَين في القَدَر ولله الحَمدُ ، ولا يَتظاهرُ أحدٌ بالشَّامِ ومِصْرَ بإنْكَارِ القَدَر (٢). قال ربعيُّ بنُ إبراهيم: حدَّثني جارٌ لنا يُقالُ له عُمر: إنَّ بعضَ الخُلفاء سَألَ عُمرَ بنَ ذَر عن القَدَر فقال : ها هنا ما يشغلُ عن القَدَر ، قال : ما هو ؟ قال : ليلةٌ صَبيحتُها يومُ القيامَة فبكى ، وبَكىُ معه(٣). ٢- الخَليفةُ يَزِيدُ بنُ الوَليد دَعا إلى القَدَر وحَملَ النَّاسَ عَليه : عن محمّدٍ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الحَكَم : سَمعتُ الشَّافعيَّ يقولُ: لمَّا وَلَيَ يَزِيدُ بنُ الوَليد، دَعا النَّاسَ إلى القَدَر، وحَملَهم عليه، وقَرَّب غيلانَ القَدَري أو قالَ أصْحابَ غيلان . قال الذهبيُّ : كان غيلانُ قد صَلبَه هشامُ قبلَ هذا الوقت بمدَّة . انظر السير: ( مسلم بن يسار) ٤/ ٥١٠ - ٥١٤، وانظر النزهة: ٦/٥٤٧. (١) انظر السير: ( بكر بن عبد الله) ٤/ ٥٣٢ -٥٣٦، وانظر النزهة: ٩/٥٤٩. (٢) انظر السير: ( عُمر بن ذر) ٣٨٥/٦ -٣٩٠، وانظر النزهة: ٢/٦٦٠. (٣) ٤٣٤ مات يَزيدُ الناقص سنة ستٍّ وعشرين ومئة ، فكانت دَولتُه ستّة أشهر ، وكان شاباً أُسْمَرَ نَحيفاً، حَسنَ الوجه ، وقِيلَ: مات بالطَّاعون ، وبُويع من بعده أخوهُ إبراهيمُ بنُ الوَليد ، ودُفنَ ببابِ الصَّغير ، سامَحَه الله(١) . ٣- عُلماءٌ اتُّهِموا في هذه المَسْأَلَة : قال ابنُ مَعين : كان عبدُ الحَميد ثقةٌ يُرمَى بالقَدَر . قال الذهبيُّ: قد لُطُخَ بالقَدَرِ جَماعةٌ وحَديثُهم في ((الصَّحيحَين)) أو أحدِهما لأنَّهما مَوْصُوفون بالصِّدْق والإتْقان . مات عبدُ الحَميد في سنة ثلاث وخمسين ومئة (٢). ٤- مَسْألةٌ في الجَبْر : وقِيلَ : كان الإمامُ الزُّبَيْدِيُّ يَذْهَبُ إلى مَذْهَبِ السَّالِمِيّة، ويَقولُ : إنَّ الأمواتَ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبونَ ويَنكِحونَ في قُبُورِهم، وإِنَّ الشَّارِبَ والزَّاني لا يُلامُ لأنَّ يَفعلُ بقَضاءِ الله وقَدَرِه . قال الذَّهبيُّ: يَحْتَجُ بقِصةِ آدَمَ ومُوسَى عليهِما السَّلامُ، ويَقولُ آدَمُ : أَتَلُومُني ؟ وأنَّه حَجَّ موسى، ولَوْ سَلَّمنا أنَّ الزَّاني لا يُلامُ، فعَلَيْنَا أنْ نَخُدَّه ونُغَرِّبَه ، ونَذُمَّ فِعْلَه ، ونَرُدَّ شَهادَتَه، ونَكْرَهَه، فإنْ تَابَ وَاتَّقَىْ أَحْبَبْناه واخْتَرَمْناه، فالنِّرَاعُ لَفْظيٌّ(٣). ٥- أمثلةٌ على القَدَريَّة : مَعْبَد الجُهَني : قال الجوزجانيُّ : كان قومٌ يَتكلَّمون في القَدَر ، احْتمَلَ النَّاسُ حَديثَهم لِما عَرفوا من اجتهادهم في الدِّين والصِّدْقِ والأمَانَة، ولمْ يُتوَهَّم عليهم الكَذِب ، وإنْ بُلُوا بسُوء (١) انظر السير: (يَزيد بن الوليد) ٣٧٤/٥ -٣٧٦، وانظر النزهة: ٢/٦١٤. (٢) انظر السير: (عبد الحميد بن جعفر) ٧/ ٢٠ -٢٢، وانظر النزهة: ٦٧٢ /٤. (٣) انظر السير: (الزَّبيْدي) ٣١٦/٢٠ -٣١٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٥٥. ٤٣٥ رأيِّهم، منهم مَعبد الجُهنيّ، وقَتَادَة ، ومَعبَدُ رأسُهم(١) . وقال محمدُ بنُ شُعيب : سَمعتُ الأوْزاعيَّ يقولُ : أوَّلُ مَنْ نَطَق في القَدَر سَوْسَنُ بالعِراق ، كان نَصرانيّاً فأسْلمَ ، ثم تَنَصَّرَ ، فَأَخَذَ عنه مَعبَدُ ، وأخَذَ غيلانُ القَدَرِيُّ عن مَعبَد(٢). وقال مرحومٌ العطَّار : حَدَّثنا أبي وعمِّي، سَمِعا الحَسنَ يقول : إيَّاكم ومَعبَد الجُهَني فإنَّه ضالٌّ مُضلٌّ(٣) . وقال يونُسُ : أدْركتُ الحَسنَ يَعِيبُ قولَ مَعبَد، ثم تلطّف له مَعبَدٌ فألْقَىُ في نفسِه ما ألْقَى . قال طاووس : احْذَروا قَولَ مَعبَد، فإنَّه كان قَدَرِيًّا(٤). (١) انظر السير: (مَعْبَد بن عبد الله) ١٨٥/٤ -١٨٧، وانظر النزهة: ١/٤٧٤. (٢) انظر السير: (مَعْبَد بن عبد الله) ١٨٥/٤ -١٨٧، وانظر النزهة: ٢/٤٧٤. انظر السير: ( مَعْبَد بن عبد الله) ١٨٥/٤-١٨٧، وانظر النزهة : ٣/٤٧٤. (٣) (٤) انظر السير: (مَعْبَد بن عبد الله) ١٨٥/٤ -١٨٧، وانظر النزهة : ٤/٤٧٤. ٤٣٦ ثامناً : القُرْآنِيُّون ١ - القُرآنِيُون ضَالُّون : قال الذهبيُّ : وإذا رأيتَ المُتَكَلِّمَ المُبْتَدِعَ يقُولُ : دَعْنا من الكتاب والأحَاديثِ الآحادِ ، وهَاتِ العَقْلَ فاعْلَمْ أنَّه أبو جَهْل ، وإذا رَأْيتَ السَّالِكَ الثَّوحيديَّ يَقولُ: دَعْنا من النَّقْلِ ومن العَقْلِ ، وهَاتِ الذَّوْقَ والوَجْدَ ، فاعْلَمْ أَنَّه إبليسٌ قد ظَهَرَ بصُورَةِ بَشَر ، أو قد حَلَّ فيه ، فإنْ جَبُنْتَ منه، فاهْرُبْ ، وإلاَّ فاصْرَعْهُ وابْرُكْ علىْ صَدرِهِ واقْرَأ عليه آيَةَ الكُرْسيّ واخْتُقْهُ(١). ٢- الردُّ عليهم : قال مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله ، سَمعتُ مَالِكاً يَقُولُ : سَنَّ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ووُلاةُ الأَمْرِ بَعدَهُ سُنَناً ، الأخْذُ بها اتِّبَاعٌ لِكِتابِ الله، واسْتِكْمَالٌ بِطَاعَةِ الله ، وقُوةٌ على دِينِ الله ، لَيسَ لأحَدٍ تَغْيِيرُها ، ولا تَبْدِيلُها، ولا النَّظَرُ في شيءٍ خالَفَها، مَنْ اهْتَدَى بها ، فهُوَ مُهْتَدٍ، ومَنْ اسْتَنْصَرَ بها ، فهُوَ مَنْصُورٌ، ومَنْ تَرَكَها ، اتَّبَعَ غَيرَ سَبِيلٍ المُؤمِنِينَ، ووَلَهُ اللهُ ما تَوَلَّى، وأصْلاهُ جَهَنَّمَ وسَاءَتْ مَصِيراً (٢). (١) انظر السير: ( أبو قلابة) ٤٦٨/٤-٤٧٥، وانظر النزهة: ٤/٥٣٤. (٢) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٣/٧٣٤. ٤٣٧ تاسعاً : الكرَّاميّة جاء في ترجَمة محمدِ بنِ كرَّام ، قال الذهبيُّ : السِّجسْتانيُّ ، المُبتَدِعِ ، شيخ الكَرَّامِيَّة ، كان زاهداً عابداً ربانيَّاً بَعيدَ الصِّيتِ، كَثيرَ الأصْحابِ ، ولكنَّه يَروي الوَاهِيات كما قال ابنُ حِبَّان . خُذِلَ حتى التَقطَ من المَذاهب أرداها ، ومن الأحاديث أوْهاها ، ثم جالسَ الجُوَيِباريَّ، وابنَ تَميم ، ولَعلَّهما قد وَضعا مئةَ ألفِ حَديث، وأخَذَ التقشُّفَ عن أحمدَ بنِ حَرْب . قال الذهبيُّ : كان يقولُ : الإيمانُ هو نُطْقُ اللِّسانِ بالتَّوْحيد، مُجرَّدٌ عن عَقد قَلبٍ وعَملِ جَوارح وقال خَلْقٌ من الأتباع له : بأنَّ الباري جِسْمٌ لا كالأجْسامِ ، وأنَّ النبيَّ تَجوزُ منه الكبائر سِوی الکَذِب . وقد سُجنَ ابنُ كرَّام ، ثم نُفَيَ وكان ناشفاً عابداً ، قَليلَ العِلمِ . قال الحاكمُ : مَكثَ في ◌ِجْنِ نِيسابُور ثماني سنين ، وماتَ بأرضٍ بَيَتِ المَقْدِس سَنةً خَمسٍ وخَمسين ومئتين . قال الذهبيُّ: طوَّلنا ترجمَته في ((تاريخ الإسلام)). وكانت الكرّاميَّة كَثيرين بخُراسان ، ولهم تَصانيف ، ثم قلُّوا وتلاشَوْا نَعوذُ باللهِ من الأهْواء(١) . (١) انظر السير: (محمد بن كرَّام) ١١/ ٥٢٣ -٥٢٤، وانظر النزهة: ١/٩٦٥. ٤٣٨ عاشراً الكلابيَّة جاء في ترجمة ((ابنِ كلَّّب))، قال الذهبيُّ : رأسُ المُتكلِّمين بالبَصْرَة في زَمانه ، أبو محمد عبدُ الله بنُ سَعيد بنُ كلَّب القَطَّان ، البَصْريُّ ، صاحبُ التَّصانيف في الردِّ على المُعتَزلَة، وربَّما وافَقَهم (١) . وكان يُلقَّب كلَّباً لأنه كان يَجُزُّ الخَصمَ إلى نفسِه بِبَيَانِه وبلاغَتِهِ ، وأصحابُه هم الكلأَبيَّةِ ، لَحِقَ بعضَهم أبو الحَسَنِ الأشْعَري ، وكان يَردُّ على الجَهْميَّة(٢) . وقال بعضُ مَنْ لا يَعلم : إنَّه ابتَدَعَ مَا ابْتَدَعَه ليَدُسَّ دينَ النَّصَارَى في مَِّّتنا، وإِنَّه أرْضَىْ أُختَه بذلك، وهذا باطِلٌ ، والرجلُ أقرَبُ المُتكلِّمين إلى السُّنَّة ، بل هو في (٣) مُناظِرِيهم(٣) . وصَنَّف في التوحيد ، وإثبات الصِّفات، وأن عُلُوَّ الباري على خَلقِهِ مَعلومٌ بالفِطْرَة والعَقل علىُ وِفْقِ النَّص، وكذلك قال المُحاسَبيُّ في كتاب ((فَهْمِ القُرآن )) ولمْ أقَع بوَفاة ابنِ كلَّّب ، وقد كان باقياً قبل الأربعين ومئتين(٤) . (١) انظر السير: (ابنُ كلَّب) ١٧٤/١١ -١٧٦، وانظر النزهة: ١/٩٢٢. (٢) انظر السير: (ابنُ كلَّب) ١٧٤/١١ -١٧٦، وانظر النزهة: ٢/٩٢٢. (٣) انظر السير: ( ابنُ كلاَب) ١٧٤/١١ -١٧٦، وانظر النزهة: ٣/٩٢٢. (٤) انظر السير: (ابنُ كلاَّب) ١٧٤/١١ -١٧٦، وانظر النزهة: ٤/٩٢٢. ٤٣٩ حادي عشر : المُرجِئَة قال معمر : قلتُ لحمَّادَ بنِ أبي سُليمان : كنتَ رَأساً ، وكنتَ إماماً في أصْحابِك ، فخالفتَهم فصِرتَ تابِعاً قال : إنِّي أنْ أكونَ تابعاً في الحَقِّ خيرٌ من أنْ أكونَ رأساً في الباطِل . قال الذهبيُّ: يُشيرُ مُعمَّرٌ إلى أنَّه تَحوَّلَ مُرجئاً إرْجاءَ الفُقَهاء، وهو أنَّهم لا يَعدُّون الصَّلاةَ والزَّكاةَ من الإيمان ، ويقولُون : الإيمانُ إقْرارٌ باللِّسان ، ويَقينٌ في القَلبِ ، والنِّراعُ على هذا لَفظيٌّ إنْ شاء الله، وإنَّما غُلُقُّ الإرجاء مَنْ قالَ : لا يَضرُّ مع التوحيدِ تَركُ الفَرائِض ، نَسألُ اللهَ العافية . وقال أبو حاتم الرَّازي: هو مُستقيمٌ في الفِقْه، فإذا جاءَ الأثرُ شَوَّش(١). قال صاحبُ التُّزْهَة : قد يُطلَقُ الإرجاءُ على أهل السُّنّة والجماعة من مُخالِفيهِم من المُعَزِلَة الذين يَزْعُمون تَخليدَ صاحبِ الكَبيرَة في النارِ ، لأنَّهم لا يَقطَعون بعِقابٍ الفُسَّاق الذين يَرتكِبون الكبائر ، ويُفوِّضون أمرَهم إلى الله: إنْ شاءَ عَذَّبَهم ، وإنْ شاءَ غَفَرَ لهم ، ويُطلَق على مَنْ يقولُ بعَدَم دُخول الأعْمالِ في الإيمان ، وأنَّ الإيمانَ لا يَزِيدُ ولا يَنقُص، ويُطلَق على مَنْ يقولُ: ((الإيمانُ هو مَعرفَةُ الله )) ويَجعلُ ما سِوَى الإيمانِ من الطَّاعات، وما سِوَى الكُفرِ من المَعاصي غَيرَ مُضِرَّة ولا نافِعَة وهذا القسمُ الأخيرُ من الإرجاء هو المَذْمومُ صاحبُه ، المُتَّهَم في دينِه . وقد قال الذهبيُّ في ((ميزانه)) ٩٩/٤: ((مِسْعَر بن كدَام حُجَّةٌ إمام ، ولا عِبرَة بقَول السُّليماني : كان من المُرجِئَة، مِسْعَرٌ، حَمَّاد بنُ أبي سُليمان ، والنُّعمانُ، وعَمرو بنُ مُرَّة ، وعبدُ العزيز بن أبي رواد ، وأبو مُعاوية، وعَمرو بنُ ذَر ، وسَردَ جَماعَةً ، قلتُ : الإرجاءُ مَذْهَبٌ لِعِدَّة من جِلّة العُلماء لا يَنْبَغي التحامُل على قائِلِهِ))(٢). (١) انظر السير: (حمَّاد بن أبي سُليمان) ٢٣١/٥ -٢٣٩، وانظر النزهة: ٢/٥٩٨. (٢) انظر السير: ( مِسْعَر) ٧/ ١٦٣ -١٧٣، وانظر النزهة: ٦٨٩ / هامش (١) .. ٤٤٠