Indexed OCR Text

Pages 341-360

التكفير
١ - تَكفيرُ المُسلمٍ أمرٌ عَظيم :
عن العَلاءِ بنِ زِيادٍ ، قال: ما يَضُرُّكَ شَهدْتَ علىْ مُسْلمِ بَكُفْرٍ أو قَتَلْتَه(١).
قال الذهبيُّ في تَرجَمَة إمام المُتكلِّمين عليُّ بنُ إسْماعيلَ الأَشْعَريّ : رَأيتُ
للأشْعَرِيِّ كَلِمَةً أعْجَبَتْني وهي ثابتةٌ رَواها البَيْهَقيُّ ، سَمعتُ أبا حازِمِ العَبْدَويَّ ، سَمعتُ
زاهِرَ بنَ أحمَدَ السَّرْخَسيَّ يَقولُ: لَمَّا قَرُبَ حُضُورُ أَجَلِ أبي الحَسَن الأشْعريّ في دَاري
بَغْدادَ ، دَعاني فأَتَيْتُه، فقال: اشْهدْ عليَّ أنَّي لا أُكَفِّرُ أَحَداً من أهْلِ القِبْلَةَ، لأنَّ الكُلَّ
يُشيرُونَ إِلى مَعْبُودٍ واحدٍ، وإنَّمَا هذا كُلُّهُ اخْتلافُ العِبارات(٢).
قال الذهبيُّ : وبنَحوِ هذا أَدين، وكذا كان شَيخُنا ابنُ تَيْميَّة في أواخِرٍ أيّامه ، يقولُ
أنا لا أُكَفِّرُ أحَداً من الأُمَّة، ويقولُ: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((لا يُحَافِظُ عَلى
الوُضُوءِ إِلاَّ مُؤمِنٌ)) فمَنْ لازَمَ الصَّلَواتِ بوُضُوءٍ فهو مُسْلمٌ .
وقد ألَّفَ الأَهْوَازُّ(٣) . جُزْءًاً في مَثالِبٍ ابنِ أبي بِشْر، فيه أكاذيبٌ وجَمَعَ
أبو القاسِمِ في مَنَاقِةٍ فَوائدَ بَعضُها أيْضاً غَيرُ صَحيح ، وله المُناظَرَةُ المَشْهورَة مع
الجُبَّائِيّ في قَولِهِم: يَجِبُ على الله أنْ يَفْعَلَ الأصْلَحَ .
وكان فيه دُعابَةٌ ومَزْحٌ كَثِيرٌ وأَلَّفَ كُتُباً كَثِيرَةً ، وكان يَقْنَعُ بالْيَسيرِ ، وله بَعضُ قَرِيةٍ
من وَقْفِ جَدِّهم الأميرُ بِلالُ بنُ أبي بُرْدَةَ(٤).
(١) انظر السير: (العلاء بن زياد) ٢٠٢/٤ -٢٠٦، وانظر النزهة: ٢/٤٨٧.
(٢) انظر السير: (الأشعريّ) ٨٥/١٥ -٩٠، وانظر النزهة : ٤/١١٨٤.
(٣) هو الحسن بن علي بن إبراهيم أبو علي الأهوازي ، مقرىء الشام في عصره ، أصله من الأهواز ،
استوطن دمشق وتوفي بها سنة ٤٤٦ .
(٤) انظر السير: (الأشعريّ) ٨٥/١٥-٩٠، وانظر النزهة: ٥/١١٨٤.
٣٤١

٢ - ضَبطُ الذهبيِّ غُلوَّ بَعضِ السَّلفِ في التَّكْفير :
قال الحاكمُ : سَمعتُ مُحمّدَ بنَ صالِح ابن هانىء ، سَمعتُ ابنَ خُزَيْمَةَ يقُولُ : مَنْ
لَمْ يُقِرّ بأنَّ اللهَ على عَرشِهِ قد اسْتَوَى فَوقَ سَبع سَماواتِهِ فهُو كافِرٌ حَلالُ الدَّم، وكان مَالُهُ
فَيْئاً .
قال الذهبيُّ : مَنْ أَقَرَّ بذلكَ تَصْديقاً لكتابِ الله، ولأحَاديثِ رسُولِ الله صلى الله
عليه وسلم، وآمَنَ به مُفَوِّضاً مَعْنَاه إلى اللهِ ورسُولِه ، ولَمْ يَخُضْ فِي التَّأْوِيلِ
ولا عَمَّق ، فهو المُسلمُ المُتبعُ ، ومَنْ أَنْكَرَ ذلكَ ، فَلَمْ يَدْرِ بُثُبُوتِ ذلكَ في الكتابِ
والسُّنَّة فهو مُقَصِّرٌ، واللهُ يَعفُو عَنه، إذْ لَمْ يُوجِبْ اللّهُ على كلِّ مُسلمٍ حِفْظَ ما وَرَدَ في
ذلكَ، ومَنْ أنْكَرَ ذلكَ بعدَ العِلم، وقَفَا غَيرَ سَبيلِ السَّلَف الصَّالِحِ، وتَمَعْقَلَ على
النَّصِّ، فأمْرُهُ إلى الله، نَعُوذُ باللهِ من الضَّلَالِ والهَوَى .
وكَلامُ ابنُ خُزَيْمَةَ هذا - وإنْ كانَ حَقاً - فهُوَ فَجِّ ، لا تَحْتَمله نُفُوسُ كثيرٍ من
مُتأخِّري العُلماءِ .
ولابنٍ خُزَيْمَةَ عَظَمَةٌ في النُّفُوسِ ، وجَلالَةٌ في القُلوبِ لِعِلْمِه ودينِهِ واتِباعِه
السُّنَّةَ(١) .
وقال أحمَدُ بنُ مُحمّد الخفّاف، حدَّثْنَا أبو العبّاسِ السَّرَّاج إمْلاءَ قال: مَنْ لَمْ يُقِرَّ
بأنَّ اللهَ تَعالَى يَعْجَبُ، ويَضْحَكُ، ويَنْزِلُ كلَّ لَيلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيقولُ: ((مَنْ
يَسْألُنِي فَأُعْطِيهِ)) فهُو زِنْدِيقٌ كافرٌ، يُسْتَابُ، فإنْ تَابَ وإلاَّ ضُرِبَتْ عُنقُه، ولا يُصَلَّى
عَليه ، ولا يُدْفَنُ في مَقَابِرِ المُسلِمِين .
قال الذهبيُّ: لا يُكَفَّرُ إلَّ إِنْ عَلِمَ أنَّ الرسُولَ صلى الله عليه وسلم قال، فإنْ جَحَدَ
بعد ذلك فهَذا مُعانِدٌ نَسْألُ اللهَ الهُدَى، وإنِ اعْتَرَفَ أنَّ هذا حَقٌّ ، ولكنْ لا أخُوضُ في
مَعانِيه، فقد أحْسَنَ ، وإنْ آمَنَ وأوَّلَ ذلك، أو تَأوَّلَ بَعضَه، فهُو طَرِيقَةٌ مَعروفَة .
(١) انظر السير: (ابن خزيمة) ٣٦٥/١٤ -٣٨٢، وانظر النزهة: ٦/١١٦١.
٣٤٢

وقد كان السَّرَّاجُ ذا ثَروَةٍ وتِجارَةٍ ، وبِرٍّ ومَعروفٍ، ولَه تَعَبُّدٌ وتَهُّدٌ إلاَّ أنَّه كان
مُنافِراً للفُقَهَاءِ أصْحابِ الرأي، واللهُ يَغْفرُ له (١) .
قال الإمامُ تَقيُّ الدين ابنُ الصَّلاحِ في فَتاويه : وَجَدْتُ عن الإمامِ أبي الحَسَنِ
الوَاحديِّ المُفَسِّر رَحمَه الله أنَّه قال: صَنَّفَ أبو عبد الرحمَنِ السلميُّ ((حَقائقَ
التَّفْسِير )) ، فإنْ كانَ اعْتَقَدَ أنَّ ذلكَ تَفْسيرٌ فقد كَفَر .
قال الذهبيُّ : واغَوْتاه !! ، واغُربَنَاه !! (٢).
٣- لَومُ الذهبيُّ ابنَ خَفيف لأنَّه لَمْ يُكَفِّرِ الخَلَّجَ واعتَقَدَ أنَّه مُوَحِّد :
قالَ ابنُ باكويه : سَمعتُ ابنَ خَفيف يُسألُ : ما تَعْتَقدُ في الحَلاَجِ ؟ قالَ : أعْتقدُ أنَّه
رَجَلٌ من المُسْلِمِين فَقَطْ فِقِيلَ له: قد كَفَّرَهُ المَشايخُ وأكْثَرُ المُسلِمِينَ ، فقالَ : إنْ كانَ
الذي رَأيْتُهُ مِنْهُ في الحَبْسِ لَمْ يَكُنْ تَوحِيداً ، فَلَيسَ في الدُّنيا تَوحيدٌ .
قال الذهبيُّ : هذا غَلَطِّ من ابنٍ خَفيف، فإنَّ الحَلَجَ عندَ قَتِلِهِ ما زالَ يُوَحِّدُ اللهَ
ويَصيحُ : الله الله في دَمي، فأنا على الإسْلامِ وتَبَرَّأْ ممَّا سِوَى الإسْلامِ والزُّنْدِيقُ
فيُوَحِّدُ اللهَ عَلانِيَةً ، ولكنَّ الزَّنْدَقَةَ في سِرِّهِ، والمُنافِقُونَ فقد كانوا يُوَحِّدُونَ ويَصُومُونَ
ويُصَلُّونَ عَلانِيَةً ، والنِّفَاقُ في قُلوبِهِم، والحَلَّجُ فما كان حِماراً حتى يُظْهِرَ الزَّنِدَقَةَ
بإزاء ابنِ خَفيف وأمْثالِه ، بلْ كان يَبُوحُ بذلك لمَنِ اسْتَوثَقَ مِنْ رِباطِهِ ، ويمكنُ أنْ يَكونَ
تَزَندَقَ فِي وَقْتٍ ، ومَرَقَ وادَّعَى الإلَهِيّةَ، وعَمِلَ السِّحرَ والمَخاريقَ الباطِلَةَ مُدّة ، ثم
لمَّا نَزَلَ به البَلاءُ ورَأى المَوتَ الأحْمرَ أسْلَمَ ورَجَعَ إلى الحَقِّ، واللهُ أعْلَمُ بسِرّه ، ولكن
مَقالَتَه نَبرأُ إلى اللهِ مِنْها ، فإنَّها مَحْضُ الكُفرِ، نَسألُ اللهَ العَفْوَ والعَافِيَةَ .
كان مَقْتَلُ الحَلَّجِ فِي سَنَّةٍ تِسْعٍ وثلاثٍ مِنَّةٍ (٣) .
(١) انظر السير: (السَّرَّاج) ٣٨٨/١٤-٣٩٨، وانظر النزهة: ٣/١١٦٤.
(٢) انظر السير: (السلميّ) ٢٤٧/١٧ -٢٥٥، وانظر النزهة: ١/١٣٤٠.
(٣) انظر السير: (الحَلاَّج) ٣١٣/١٤ - ٣٥٤، وانظر النزهة: ١/١١٥٩.
٣٤٣

العَقائدُ الضالَّة
١ - من أسباب انحرافٍ مَنِ انْحَرَفَ من المُسلمين الثَّأثّرُ بفكرِ الضالين نَتيجَةَ مُخالَطَتِهم :
عن ابن سيرين ، قال : تَزَوَّجَ عِمْرانُ بنُ حطَّان خارجِيَّة وقال : سأرُدُّها ، قال
فصَرَفَتْهُ إلى مَذْهَبِها(١) .
وجاءَ في تَرجَمَةِ أبي العَلاء أحمَد بن عبد الله بن سُلْمانَ القَحْطانيّ المعريُّ ، قال
الذهبيُّ : ارْتَحَلَ في حُدودِ الأَرْبَعِ مِئَّة إلى طَرابُلسَ وبها كُتُبٌ كَثيرةٌ ، واجْتَازَ
باللأَّذِقِيَّةِ ، فَنَزَلَ ديراً به راهِبٌ مُتَفَلَسِفٌ، فَدَخَلَ كَلامُه في مَسامِع أبي العَلاءِ ،
وحَصَلتْ له شُكوكٌ لَمْ يَكُنْ له نُورٌ يَدْفَعُها ، فحَصلَ له نَوْعُ انْحِلالٍ دَلَّ عليه ما يَنظُمُه
ويَلْهَجُ به ويُقالُ : تَابَ من ذَلِكَ وارْعَوَى .
وقد سَارَت الفُضَلاءُ إلى بابِهِ ، وأَخَذُوا عنه .
وكان غِذَاؤُه العَدَسَ ونَحْوَه، وحَلوَاه التَيِّن، وثيابُه القُطْنَ(٢).
جاءَ في تَرجَمَةِ صاحبِ اليَمَنِ الصُّلَيْحِيُّ، قال الذهبيُّ: دَارَ بهِ دَاعِ البَاطِنِيَّة عَامِرُ
الزَّواخِيُّ (٣) حتى أجَابَه وهو حَدَثٌ، فَتَفَرَّسَ به عَامِرُ النَّجابَةَ، وشَوَّقه، وأسَرَّ إليهِ
أمُوراً ثم لَمْ يَنْشَبْ عَامٌ أنْ هَلَكَ، فَأَوْصَى بَكُتُبِهِ لعَلَيٍّ، فَعَكَفَ على الدَّرْسِ
والمُطالَعَةِ ، وفَقُّهَ وَتَمَيَّزَ فِي رَأي العُبَيْدِيَّة ، ومَهَرَ في تَأويلاتِهم ، وقَلْبِهِم للحقائق .
ثم صَارَ يَحُجُّ بالنَّاسِ على طريقِ السَّراةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنةً ، وكان النَّاسُ يَقولُونَ
له : سَتَملكُ اليَمنَ بأسْرِهِ فِيُنْكِرُ على القَائلِ، فلمَّا كان في سَنةِ تِسْعِ وعِشْرِينَ وأربع
مِئَّة، ثَارَ بجَبَلٍ مَشَار في سِتِينَ رَجُلاً فَأَوَوا إلىْ ذِرْوَةِ شَاهِقٍ ، فما أمسوا حتى أحاطَ بهم
(١) انظر السير: (عمران بن حطّان) ٢١٤/٤ -٢١٦، وانظر النزهة: ٣/٤٨١.
(٢) انظر السير: (أبو العلاء) ٢٣/١٨-٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٣٧٩.
(٣) قرية باليمن ، وإليها يُنْسَب عامر بن عبد الله الزواخي صاحب الدعوة ، عن الصليحي.
٣٤٤

عِشْرُونَ ألفاً وقالوا : انْزِلْ وإلاَّ قَتَلناكُم جُوعاً وعَطَشاً، قال: ما فَعَلتُ هذا إلاَّ خَوفاً
أنْ يَمِلِكَه غَيرُنا، وإنْ تَرَكْتُمونا نَحْرُسُه، وإلاَّ نَزَلْنَا إِلَيْكُم، وخَدَعَهُم، فانْصَرَفُوا فَلَمْ
يَمْضِ عليهِ أشْهِرٌ حتى بَنَاهُ وحَصَّنَه، ولَحِقَ به كلُّ طَمَّاع وذِي جَلَادَةٍ ، وكَثُرُوا فَاسْتَفْحَلَ
أمرُه وأظْهَرَ الدَّعْوَةَ لصاحِبٍ مِصْرَ المُسْتَنْصِر ، وكان يَخافُ من نَجَاحِ صاحب تِهَامَة ،
ويُلاطِفُهُ ويَتَحَيَّل عليه ، حتىْ سَقَاهُ مع جَارِيَةٍ مَلِيحَةٍ أَهْداها له ، واسْتَولَى على المَمَالِكِ
اليَمَنِيّة في سَنة خَمسٍ وخَمسينَ وأربعِ مِئَة، وخَطَبَ علىْ مِنْبَرِ الجَنَدِ (١) ، فقالَ : وفي
مثل هذا اليَومِ نَخْطُبُ على مِنْرِ عَدَنَْ، فقال رجلٌ : سُبُّوحٌ قُدُوسٌ ، يَسْتَهْزىُ بقَولِه ،
فأمَرَ بأَخْذِهِ فاتَّفَقَ أَنَّه أخَذَ عَدَنَ، وخَطَبَ، وصَيَّرها دَارَ مُلْكِه، وأنْشَأْ عِدَّةَ قُصُورٍ
أنيقَة، وأَسَرَ مُلوكاً ، وامْتَدَّتْ أَيَّامُه ثمَّ حَجَّ، وأحْسَنَ إلى أهْلِ مَكَّة .
وكان أشْقَرَ أزْرَقَ، يُسَلِّمُ على مَنْ مَرَّ عليهم، وكان ذا ذَكاءٍ ودَهاءٍ ، كَسَا الكَعْبَةَ
البَيَاضَ، وخُطِبَ لزَوْجتِهِ أيضاً معه على المَنابِرِ ، ثم إنَّه حَجَّ في سَنةِ ثَلاثٍ وسَبعينَ
واسْتَخْلفَ على الْيَمَنِ ابْنَهُ أحمَدَ المَلِكَ المُكَرَّم فلمَّا نَزَلَ بِالمَهْجَمِ(٢) ، وَثَبَ عليه
جَيَّاشُ بنُ نَجَاح وأخُوهُ سَعيدُ الأحْوَل، فقَتَلاهُ بأبيهِما، والتَفَّ أكْثَرُ العَسْكَرِ على ابنِ
نَجاحٍ وَتَمَلَّك .
ودام مُلكُ ولَدِهِ المُكَرَّم على شَطْرِ اليَمَن مُدّة، وحارَبَ ابنَ نَجاح غَيرَ مرّة إلى أنْ
ماتَ سَنةً أربع وثمانينَ فتَمَلَّك بعدَه ابنُ عمِّه سَبأ بنُ أحمَد إلى سَنةِ خَمسٍ وتِسْعين ،
وصارَ المُلكُ إلَى آل نَجاحٍ مُدّةَ(٣).
وجاءَ في تَرجَمَةِ ابنِ عَقيل شَيخِ الحَنابلَة المُتلِّكم صاحب التَّصَانيف قال عنه الإمامُ
الذهبيُّ : سَمِعَ القاضي أبا يعلى بنَ الفَرَّاء، وتَفَقَّهَ عليه، وتَلا بالعَشْرِ على
أبي الفَتْحِ بن شيطا ، وأخَذَ العَربيّةَ عن أبي القاسِمِ بن بُرُهان، وأخَذَ عِلمَ العَقْليَّاتِ عن
(١) مدينة باليمن بينها وبين صنعاء ثمانية وخمسون فرسخاً .
(٢) بلد من أعمال زبيد باليمن .
(٣) انظر السير: (الصُلَيحيّ) ٣٥٩/١٨-٣٦٢، وانظر النزهة: ٢/١٤٢١.
٣٤٥

شَيْخَيّ الاعْتزالِ أبي عليّ ابنِ الوَليد ، وأبي القاسِم بنِ التَبَّان صاحِبَيْ أبي الحَسَنَ
البَصْريّ، فَانْحَرَفَ عن السُّنَّةَ(١).
وقال ابنُ الجَوْزيّ : كان أصْحابُنا الحَنابِلَةُ يُرِيدُونَ مِنِّي هِجْرانَ جَماعَةٍ من العُلَماءِ
وكان ذلكَ يَحْرِمُني عِلماً نافِعاً .
قال الذهبيُّ : كانوا يَنْهَونَه عن مُجالَسَةِ المُعْتزِلَة ، ويأبى حتىٌ وَقَعَ في حَبائِلِهم ،
وتَجَسَّرَ علىْ تَأْوِيلِ النُّصوصِ ، نَسْألُ اللهَ السَّلامَةَ.
وفي ((تاريخِ ابنِ الأثير )) ، قال : كان قد اشْتَغَلَ بمَذْهب المُعْتزِلَة في حَدَاثَتَه على
ابنِ الوَليدِ ، فأرادَ الحَنابلَةُ قَتَلَهُ، فاسْتَجَارَ ببابِ المَراتِبِ عِدَّةَ سِنين، ثم أَظْهَرَ
الثَّوبَةَ(٢) .
٢ - عَرضٌ تاريخيّ لظُهورِ العَقائد المُخالِفَة:
قال الإمامُ الذهبيُّ: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحدةً ، ودِينُهُم قَائماً في خِلافَةِ أبي بكرٍ وعُمَرَ
فَلَمَّا اسْتُشْهِدَ قُفْلُ باب الفِتْنَةِ عُمَرُ رضي الله عنه، وانْكَسَرَ البَابُ، قَامَ رُؤُوسُ الشَّرِّ على
الشَّهيدِ عُثْمانَ رضي الله عنه حتّى ذُبِحَ صَبْراً وتَفَرَّقَتْ الكَلمَةُ وتَمَّتْ وَقْعَةُ الجَمَلِ ، ثم
وَقِعَةُ صِفّيْنَ ، فَظَهَرت الخَوارِجُ، وكَفَّرَتْ سَادَةَ الصَّحَابَةِ ، ثم ظَهَرَتِ الرَّوافِضُ
والنَّواصِبُ(٣).
وفي آخِرِ زَمَنِ الصَّحابَةِ ظَهَرت القَدَريّة ، ثم ظَهَرَت المُعْتَزِلَةُ بالبَصْرَة ، والجَهْميّة
والمُجَسِّمَة بخُراسَان في أثْناءِ عَصْرِ التَّابِعِين مع ظُهورِ السُّنَّةِ وأهْلِها إلى بَعدِ المِئْتَين ،
فِظَهَرَ المَأْمُونُ الخَليفَةِ - وكانَ ذَكيّاً مُتَكَلِّماً، له نَظَرٌّ في المَعْقُولِ - فاسْتَجْلَبَ كُتُبَ
الأوائِل، وعَرَّبَ حِكْمَةَ اليُونانِ ، وقَامَ في ذلكَ وقَعَدَ، وخَبَّ ووَضَعَ، ورَفَعَت
الجَهْميَّةُ والمُعْتِزِلَةُ رُؤُوسَهَا ، بلْ والشِّيعَةُ ، وَآلَ به الحَالُ إلى أنْ حَمَلَ الأمَّةَ على القَولِ
انظر السير: (ابن عقيل) ٤٤٣/١٩-٤٥١، وانظر النزهة: ٢/١٤٩٧.
(١)
(٢) انظر السير: (ابن عقيل) ٤٤٣/١٩-٤٥١، وانظر النزهة: ٢/١٤٩٨.
انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٣٢.
(٣)
٣٤٦

بِخَلْقِ القُرآنِ ، وامْتَحَنَ العُلمَاءَ ، فَلَمْ يُمْهَلْ، وهَلكَ لعامِهِ ، وخَلَّىُ بعدَه شَراً وبلاءً في
الدين فإنَّ الأُمَّة ما زالت على أنَّ القُرآنَ العَظيمَ كلامُ الله تَعالَى ووَحْيُه وتَنزِيلُه ،
لا يَعرفون غير ذلك، حتى نَبِغَ لهم القولُ بأنَّه كلامُ الله مَخْلوق مَجْعول، وأنَّه إنَّما
يُضافُ إلى الله تَعالَى إضافةَ تَشْريف، كبيت الله، وناقَة الله فأنكرَ ذلك العلماءُ ولَمْ تكن
الجَهْميَّة يَظهرون في دولة المَهدي والرَّشيد والأَمين ، فلمَّا وَلِيَ المأمونُ ، كان منهم ،
وأظهَرَ المَقالة .
رَوى أحمدُ بنُ إبراهيم الدَّوْرَقِي ، عن محمدِ بنِ نوح : أنَّ الرَّشيدَ قالَ : بَلَغَني أنَّ
بِشْرَ بنَ غِياه المَريسي، يقولُ : القُرآنُ مَخْلوق ، فلِلَّه عليَّ إنْ أَظْفَرَني اللهُ به ، لأقْتُلَنَّه
قال الدَّوْرَقِيُّ: وكان مُتَوارياً أيام الرَّشيد، فلمَّا ماتَ الرَّشيدُ ظَهَرَ ودَعا إلى
الضَّلالَةِ(١) .
٣- أسْبَابُ انْتَشَارُ العَقائدِ الفَاسِدَة :
( أ) الجَهْلُ :
قال الذهبيُّ في تَرْجَمَة الخَبيث، عَليٍّ بنِ مُحمّد العَبْديّ، قال: فادَّعَىُ بعدَ
الخَمْسينَ هَذا الخَبِيثُ بِهَجَر (٢) أنَّه عَليُّ بنُ مُحمّد ابنِ الفَضْلِ بنِ حُسَيْنِ بنِ عبدِ الله بنِ
عَبَّاس بنِ عَلَيٍّ بنِ أبي طَالِب، ودَعَا إلى نَفْسِه، فمَالَ إليه رَئيسُ هَجَر، ونابَذَهُ قَومٌ ،
فاقْتَتَلُوا ، فَتَحوَّلَ إلى الأحْسَاء، واعْتَصَمَ بيَنِي الشمَّاس ، وإنَّما قَصَدَ الْبَحْرَين لِغَبَاوَةِ
أهْلِها، ورَوَاجِ المَخاريق عَليهِم ، فحَلَّ منهم مَحلّ نَبِيٍّ، وصَدَّقُوهُ بِمَرّةٍ ، ثم تَنَكَّروا له
لدبره ، فَشَخَصَ إلى البَاديَة يَسْتَغْوِي الأَعَارِيبَ بِنُفُوذِ حِيَلِه، وشَعْوَذَتِهِ، واعْتَقَدُوا فيه
أنَّه يَعْلمُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ، وجَعَلَ يُغِيرُ على النَّواحِي، ثم تَمَّتْ له وَقْعَةٌ كبيرةٌ ، هُزِمَ فيها
وقُتِلَ كُبَرَاءُ أَتْبَاعِه وكَرِهَتْهُ العَربُ(٣) .
وذَهبَ إلىْ بَغْدَادَ فَأَقَامَ سَنةً يَسْتَغوي النَّاسَ ويُضِلُّهُم ، فاسْتَمالَ عِدَّة من الحاكَة
(١) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٣٢.
(٢) هجر : مدينة في البحرين.
(٣) انظر السير: (الخَبيث) ١٢٩/١٣ -١٣٦، وانظر النزهة : ٤/١٠٦٤.
٣٤٧

بِمَخاريقِه ، والجَهَلَةُ أسْبَقُ شيءٍ إلىْ أرْبابِ الأحْوالِ الشَّيْطانيّةِ، ومَاتَ مُتَولِّي البَصْرَة ،
وهَاجَتِ الأعْرابُ بها ، وفَتَحُوا السُّجونَ ، فَتَخَلَّصَ قَومُه فبَادَرَ إلى البَصْرَة في رمَضانَ
سَنةً خمس وخمسين ، وحَولَهُ جَماعَةٌ ، واسْتَجابَ له عَبِيدٌ زُنوج للنَّاسِ ، فَأَفْسَدَهم
وجَشَّرَهم، عَمَدَ إلى جَرِيدَةٍ ، فَكَتَبَ على خِرِقَةٍ عليها ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةً﴾(١) وكَتبَ اسْمَه، وخَرَجَ بهم فِي السَّحَر لِلَيْلَتَين
بَقِيَت من رمَضانَ في ألفِ نَفْسٍ، فَخَطَبَهُم ، وقال: أنْتُم الأُمَراءُ وسَتَمْلِكُون
ووَعَدَهم ، ومَنَّاهُم .
ثم لَمْ يَزَلْ يَنْهَبُ ويُغِيرُ ، ويَكْثِرُ جَمْعُه من كلِّ مائِقٍ (٢) وقاطِع طريق، حتى اسْتَفْحَلَ
أمرُه، وعَظُمَتْ فِتْتُه، وغَنِمَ الخُيولَ والسِّلاحَ ، والأمْتِعةَ والأمْوالَ والمَواشي ، وصَارَ
من المُلوك وصَارَ كُلَّما حارَبَه عَسكَرٌ وانْهَزَموا، فَرَّ إليه غِلْمانُ العَسكَر ، فحَشَدَ له أهلُ
البَصْرَة في ذي القعْدَة من العام ، والتَّقَوا ، فهَزَمَهُم ، وقَلَ منهم مَفْتَلَة ، ووَقَعَ رُعْبُه في
النُّفُوسِ ، فوَجَّهَ الخَلِيفَةُ جَيشاً ، فما نَفَعُوا .
ثم أخَذَ الأهْوازَ، فخَافَه أهْلُ البَصْرة، وانجَفَلُوا، فَأَخَذَها بالسَّيفِ فِي شَؤَّالَ ،
سَنَةَ سَبعٍ وخمسين ، وقْتَ صَلاةِ الجُمُعَة ، وهَرَبَ جُندُها فأحْرَقَ الجامِعَ بمَنْ حَوَى ،
ولَمْ تَزَلْ الحَربُ بَيْنَه وبينَ المُوَفَّقِ سِجالاً .
واسْتَبَاحَ واسطَ فِي سَنة أربع وسِتِّين ، وحَصَلَ للخَبيثِ جَواهِرُ وأمْوالٌ ، فاسْتأثرَ
بها، فأنْكَرَ عليه المُتَقشِّفونَ منَ أصْحابِهِ، وذَكَرُوا له سِيرَةَ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ ، فقالَ :
لَيسَ فيهِما قُدْوَة .
وإذَّعَىْ أَنَّه هُو عَبدُ الله المَذْكُور في: ﴿قُلْ أُوحِىَ﴾ (٣) وزَعَمَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه
وسلم ما يَمْتازُ عليه إلاَّ بِالنُّبُوَّة .
وزَعَمَ أنَّه تَكلَّمَ في المَهْدِ ، صِيحَ به : يا عَليّ! فقالَ : يَا لَبَّيْك .
(١) سورة التوبة، الآية : ١١١ .
(٢) مائق : حاقد ، والمأقة : الحقد .
(٣) سورة الجن ، الآية : ١ .
٣٤٨

وكان يَجْمعُ الْيَهودَ والنَّصَارَى، يَسْألُهم عمَّا في التَّوْراةِ والإنْجيلِ مِنْ ذِكْرِه ، وهم
يَسْخَرونَ منه ، ويَقْرَؤُونَ له فُصُولاً، فيَدَّعي أنَّها فيه وزادَ من الإفْكِ فَنَفَرَت منه قُلُوبُ
خَلقٍ من أتْباعِه ومَقَتُّوه وبَقِيَ المُوَفَّقُ يُكْرِمُ كلَّ مَنْ فَرَّ إليه ، ويَخْلعُ عليهِم ، وكَتَبَ إلى
الخَبيثِ يَدعُوهُ إلى الثَّوبَة من ادِّعاءِ مُخاطَبَة المَلائِكَة، ومن تَحْرِيفِهِ القُرآنَ وضَلالَتِهِ ،
فما أجابَ بشيءٍ، وحَصَّنَ مَدينَتَه ( المُخْتَارَة ) التي بِنَهْرِ أبي الخَصيبِ ، حتّىَ بَقْيَتْ
يُضْرَبُ بها المَثَلُ، ونَصَبَ فيها المَجانيقَ والأسْلِحَةَ بما بَهَرَ العُقولَ ، وبها نَحْوَ مِئْتَي
ألفِ مُقاتِل، فما قَدِرَ عليها الجَيشُ إلاَّ بالمُطاوَلَةِ، وأَنْشَأَ تِلْقَاءَها المُوَفَّقُ مَدينَةً
وسَكَنَها ، ولَمْ يَزَلْ إلى أنْ أخَذَ ( المُخْتَارَة ) فَهَرَبَ الخَبِيثُ إلى مَضائِقَ فِي نَهْرِ
أبي الخَصيب ، لا تَصِلُ إليها سَفينَةٌ ولا فارِسٌ ثم بَرَزَ في أَبْطَالِه وقَاتَلَ أَشَدَّ قِتالٍ ، وهو
يَقولُ :
نَفْسٌ أصُولُ بها كَنَفْسِ القَسْوَرِ
وعَزِيمَتِي مِثْلُ الحُسَامِ وهِمَّتِي
قَتْلٌ يُريْحُكِ أوْ صُعُودُ المِنْبَرِ(١)
وإذا تُنازِعُني أَقُولُ لها اسْكُتِي
وجاءَ في تَرجَمَة القِرْمِطَيّ الجَنّبِيِّ، عَدوِّ الله، قال الذهبيُّ: واتَّفْقَ أنَّ أبا السَّاجِ
الأميرَ نَزَلَ بأبي سَعيدِ الجَنّابِيِّ(٢) فأكْرَمَه، فلمَّا سَارَ لِحَرْبِهِ، بَعَثَ يَقولُ: لكَ عليّ
حَقٌّ ، وأنْتَ في خَمْسٍ مِئَّة وأنا في ثلاثينَ ألفاً فانْصَرِفْ ، فقالَ للرسُولِ : كَمْ معَ
صَاحِبِك؟ قالَ : ثلاثُونَ ألفَ راكبٍ، قال: ولا ثَلاثَة، ثم دَعَا بعَبْدِ أسْوَدِ ، فقالَ
له : خَرِّقْ بَطْنَكَ بهذه السِّكين، فبَدَّدَ مَصارينَه، وقالَ لَآخَر : اغْرَقْ فِي النَّهْرِ ،
ففَعَل، وقال لآخَر : اصْعَدْ على هذا الحَائِطِ ، وانْزِلْ على مُخِّكَ ، فَهَلَك فقال
للرسُولِ : إنْ كانَ مَعَهُ مِثلُ هؤلاء، وإلاَّ فمَا مَعَه أحَدٌ .
وقِيلَ صَعَدَ قِرْمِطِيٌّ لقَلع المِيزاب ، فسَقَطَ ، فماتَ وكان ذلكَ سَنةَ سَبعَ عَشْرَة ،
(١) انظر السير: (الخَبيث) ١٢٩/١٣ -١٣٦، وانظر النزهة: ١/١٠٦٥.
(٢) هذه النسبة إلى جنّابة، وهي بلدة من أعمال فارس متصلة بالبحرين عند سيراف، والقرامطة منها
فنُسبوا إليها .
٣٤٩

وكان أميرُ العِراقَيْنِ مَنصُورٌ الدَّيْلَمَيّ وجافَتْ(١) مَكَّةُ بِالقَتْلَى.
قال المراغيُّ : حَدَّثنا أبو عبدِ الله بنُ محرم، وكانَ رسُولَ المُقْتَدِر إلى القِرْمِطيِّ ،
قال : سألتُه بعدَ مُناظَرَات عن اسْتحْلالِه بما فَعَلَ بمَكّة فأحْضَرَ الحجر في الدِّيْباجِ ، فلمَّا
أَبْرِزَ كَبَّرتُ ، وأَرَيْتُهم من تَعْظِيمِه والتَّبَرُّكِ به علىُ حَالَةٍ كبيرةٍ ، وافْتِنَتِ الْقَرَامِطَةُ
بأبي طاهر ، وكان أبُوهُ قد أطْلَعَه وحْدَه علىْ كُنُوزٍ دَفَنَها ، فلمَّا تَمَلَّكَ ، كان يقولُ:
هُناكَنْزٌ ، فَيَحْفِرُون، فإذا هم بالمَالِ فِيَفْتَتِنُونَ به ، وقالَ مَرّةً: أريدُ أنْ أحْفرَ هُنا عَيْناً ،
قالوا: لا تَنْبُع ، فخَالَفَهُم، فَنَبَعَ المَاءُ ، فازْدَادَ ضَلالُهُم به، وقالوا: هُوَ إِلَةٌ، وقالَ
قَومٌ: هُوَ المَسيحُ، وقِيلَ: نَبِيٍّ وقد هَزَمَ جُيوشَ بَغْدَادَ غَيرَ مَرّة، وعَتَا وَتَمَرَّدَ(٢).
وقال الذهبيُّ في تَرْجَمَة طَغْتِكِين صاحِبٍ دِمَشْقَ الأتابك : قد كان طَغْتِكِينُ سَيْفاً
مَسْلُولاً على الفِرَنْجِ ، ولكن له خَرْمَةٌ ، كان قد اسْتَفْحَلَ البَلاءُ بدَاعِي الإسْماعيليّة بَهْرام
بالشَّام، وكان يَطُوفُ المَدائِنَ والقِلاعَ مُتَخَفِّياً، ويُغْوي الأغْتَامَ والشُّطَّارَ ، ويَنْقَادُ له
الجُهَالُ إلى أنْ ظَهَرَ بدِمَشْقَ بِتَقْرِيرٍ قَرَّرَهُ صاحبُ ماردين إيلغازي مع طَغْتِكِين، فَأَخَذَ
يُكْرِمُهُ، ويُبَالِغُ، اتَّقَاءَ لِشَرِّه، فَتَبَعَهُ الغَوْغَاءُ، والسُّفَهَاءُ والفَلأَحُونَ، وكَثُرُوا ،
ووَافَقَهُ الوَزِيرُ طاهرُ المزدقانِيُّ، وبَثَّ إليه سِرَّه، ثم الْتَمَسَ من المَلِكِ طَغْتِكِين قَلَعَةً
يَحْتَمي بها فأعْطَاهُ بانياسَ في سَنةِ عِشْرينَ وَخَمسٍ مِئَة، فعَظُمَ الخَطْبُ، وتَوَجَّعَ أَهْلُ
الخَير، وتَسَتَّروا مِنْ سَبِّهم، وكانوا قد قَتَلُوا عِدَّة من الكِبار، فما قَصَّرَ تَاجُ المُلوكِ
فقَتَلَ الوَزيرَ كَمَالَ الدّين طاهِرَ ابنَ سَعد المَذْكور سَنَ ثلاثٍ وعِشْرِينَ بالقَلْعَة ، ونَصبَ
رَأْسَه، ورَكِبَ جُندَه، فوَضَعُوا السَّيفَ بدِمَشْقَ في المَلَاحِدَة الإسْماعيليّة ، فسبّكوا
منهم في الحالِ نَخْواً من سِتّة آلافِ نَفْسٍ في الطُّرُقات ، وكانوا قد تَظاهَروا ، وتَفَاقَمَ
أمرُهُم ، ورَاحَ في هذه الكائِنَةِ الصَّالِحُ بالطَّالِحِ (٣) .
وجاءَ في تَرجَمَة سِنان ( كَبِيرُ الإسْماعيليّة ): وبَعثَ صَبَّاحٌ الدَّاعي أبا مُحمّدٍ إِلى
جافَت : أنتنت .
(١)
(٢)
انظر السير: (القرمطيُّ) ٣٢٠/١٥ _٣٢٥، وانظر النزهة: ١/١٢٣١.
انظر السير: ( طغتِكِين) ٥١٩/١٩-٥٢١، وانظر النزهة: ٣/١٥٠٥.
(٣)
٣٥٠

الشَّامِ ، ومَعهُ جَماعَةٌ، فقَوِيَ أمْرُه، واسْتَجابَ له الجبليَّةُ ، واسْتَولَوا على قَلَعَةٍ من
جَبَلِ السَّماقِ(١) .
ثم هَلكَ هذا الدَّاعِي، وجَاءَ بَعدَه سِنانُ، فكانَ سَخطَةٌ وبَلاءً، مُتَنَسِّكاً ،
مُتَخَشِّعاً، واعِظاً، كان يجلسُ على صَخْرةٍ كأنَّه صَخْرَةٌ لا يَتَحرَّكُ مِنْهُ سِوَى لِسَانُه ،
فرَبَطَّهُم ، وغَلَوا فيه ، واعْتَقْدَ منهم فيه الإلَهِيَّةِ ، فَتَبََّ له ولِجَهْلِهِم ، فاسْتَغْواهُم بسِحْرٍ
وسيمياءَ ، وكان له كُتبٌ كَثيرةٌ ومُطالَعَةٌ ، وطالَتْ أيّامُه .
وأمَّا الألَمُوت(٢) فوَلِيَها بعدَ صَبَّاحِ ابنُهُ مُحمّد، ثمَّ بَعدَهُ حَفيدُه الحَسَنُ ابنُ مُحمّدٍ
الذي أظْهَرَ شِعارَ الإسْلام، ونَبَذَ الانْحلالَ تَقِيَّةً، وزَعَمَ أنَّه رَأى الإمامَ عَلَّاً ، فأمَرَه
بإعادَةِ رسومِ الدين، وقالَّ لخَواصِّهِ: أَلَيْسَ الدينُ لي؟ قالوا: بلى ، قال: فتارَةً أَضَعُ
عَلَيْكُمْ التَّكَالِيفَ، وتارَةً أَرْفُضُها، قالوا: سَمِعنا وأطَعْنَا، واسْتَحْضَرَ فُقَهَاءَ وقُرَّاءَ
لِيُعَلِّمُوهم(٣) .
جاءَ في تَرْجَمةِ ابنِ عَديّ ، قال الذهبيُّ: الشَّيخُ الكَبِيرُ المَدْعُو بتاجِ العَارِفِينَ
حَسَنُ بنُ عَديّ بنِ أبي البركاتِ بنِ صَخْر بنِ مُسافر شَيخُ الأَكْراد ، كان هذا مِنْ رِجَالٍ
العَالَمِ دَھاءً وهِمَّةً وسُمُواً، له فَضِيلَةٌ وأدَبٌ وَتَوالِيفُ في التَّصَوُّفِ الفَاسِدِ ، وله أتْبَاعٌ
لا يَنْحَصِرون وجَلالَةٌ عَجيبَةٌ ، بَلَغَ من تَعْظِيمِهِم له أنَّ واعِظَاَ أتَاهُ فَتَكَلَّمَ بَينَ يَدْه ، فَكَیُ
تاجُ العَارفينَ وغُشِيَ عليه، فوَثَبَ كُردٌّ، وذَبَحَ الواعِظَ ، فأفاقَ الشَّيخُ فرَأى الواعِظَ
يَخْتَبِطُ فِي دَمِه ، فقال : أيش هذا؟ فقالوا : أيُّ شيءٍ ، هذا مِنَ الكِلابِ حتّى يُنْكِي
سَيدي الشَّيخَ .
وزادَ تَمُّنُ الشَّيخ حتّى خافَ منه بَدرُ الدِّينِ صاحِبُ المَوْصِلِ ، فَتَحَيَّلَ عليه حتّى
اصْطَادَهُ، وخَنَقَهُ بالمَوْصِلِ، خَوْفاً من غائِلَتِهِ(٤).
(١) انظر السير: (سنان) ١٨٢/٢١ - ١٩٠، وانظر النزهة: ١/١٦٠٨.
(٢) انظر عن هذه القلعة وتاريخها - دائرة المعارف الإسلامية - ٣٧١/٤ (ط الجديدة).
(٣) انظر السير: (سنان) ١٨٢/٢١- ١٩٠، وانظر النزهة: ٢/١٦٠٨.
(٤) انظر السير: (ابن عديّ) ٢٢٣/٢٣ -٢٢٤، وانظر النزهة: ١/١٧٣١.
٣٥١

وهُناكَ جَهَلٌ يَعْتَقِدُونَ أنَّ الشَّيخَ حَسَناً لا بُدَّ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا ، وكانَ يُلَوِّحُ في
نَظْمِه بالإِلْحَادِ ، ويَزْعُمُ أنَّه رَأَىْ رَبَّ العِزَّةِ عَياناً ، واعْتِقَادُه ضَلالَةٌ .
قُتِلَ سَنةَ أرْبَعِ وأَرْبَعِينَ وسِتُّ مِئَّة ، وله ثلاثٌ وخَمْسُونَ سَنَةٌ(١).
( ب) إياحَةُ المُحرَّمات :
جاءَ في تَرْجَمَة ابنِ أبي العَزاقِ الزِّنديقِ الرَّافضيّ:
ومِنْ رَأَيُّه تَركُ الصَّلاةِ والصَّومِ، وإِياحَةُ كلِّ فَرْجٍ ، وأنَّه لا بُدَّ للفاضِلِ أنْ يَنِيكَ
المَفْضُولَ ليُولِجَ فيه النُّورَ ، ومَنْ امْتَنَعَ مُسِخَ في الدَّورِ الثاني، فرَبَطَ الجَهلَةَ وتَخَرَّقَ ،
وأضَلَّ طائِفَةً ، فأَظْهَرَ أمرَهُ أبُو القاسِم الحُسَينُ بنُ روحٍ - رَأْسُ الشِّيعَة ، المُلَقَّبُ بالبَاب
- إلى صاحِبِ الزَّمانِ، فطُلِبَ ابنُ أبي العزاقر، فاخْتَفَى، وتَسَخَّبَ إلى المُوصِل ،
فأقامَ هناكَ سِنِينَ ورَجَعَ ، فَظَهَرَ عَنهُ ادِّعاءُ الرُّبوبيّةِ، واتَّبَعَه الوَزيرُ حُسَينُ ابنُ الوَزيرِ
القاسِمِ بنِ عُبَيدِ الله بنِ وَهْب - وَزيرُ المُقْتَدِر - فيما قِيلَ، وابْنا بِسْطامٍ وإبراهيمُ بنُ
أبي عَون، فطُلِبُوا، فَتَغَيَّبوا، فلمَّا كان في شَوَّالَ من سَنةِ اثنتَينٍ وعشرينَ ظَفَرَ الوَزيرُ
ابنُ مُقلة بهذا ، فسَجَنَه ، وكَبَسَ دَارَه ، فوَجَدَ فيها رِقاعاً وكُتُباً مِمَّا يُدَّعَى عليه ، وفيها
خِطابُهُ بما لا يُخاطَبُ به بَشَر فَعُرِضَتْ عليه فأقَرَّ أنَّها خُطُوطُهم، وتَنصَّلَ ممَّا يُقالُ
فيها ، وتَبَّأَ منهم فمَدَّ ابنُ عَبْدُوس يَدَه، فصَفَعَه، وأمَّا ابنُ أبي عَون فمَذَّ يَدَه إليه
فارْتَعَدَتْ يَدُه، ثمَّ قَبَّلَ لِحْيتَه ورَأْسَه وقال: إلَهي، ورازِقِي، وسَيِّدي! فقالَ له
الرَّاضي بالله : قد زَعَمتَ أنَّكَ لا تَذَّعي الإلَهِيَّة، فمَا هَذا؟ قالَ: وما عليَّ مِنْ قَولِ
هذا؟ واللهُ يَعلَمُ أنَّني ما قُلتُ له : إِنَّنِي إِلَهٌ قَطُ.
فقالَ ابنُ عَبْدُوس: إِنَّه لَمْ يَدَّعِ إِلَاهِيّة، إنَّما ادَّعَى أَنَّه البابُ إلى الإمام المُنْتَظَر ثمَّ
إِنَّهم أُخْضِروا مَرَّاتٍ بمَحْضر الفُقَهَاء والقُضاة ، ثمَّ في آخِرِ الأمْر أفْتَى العُلماءُ بإباحَةٍ
دَمِه ، فأُحْرِقَ في ذي القَعْدة من السَّنَةِ وضُرِبَ ابنُ أبي عَون بالسِّيَاطِ ، ثمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُه
وأُخْرِف .
(١) انظر السير: (ابن عديّ) ٢٢٣/٢٣ -٢٢٤، وانظر النزهة: ١/١٧٣٢.
٣٥٢

وله مُصَنَّفَاتٌ أدَبِيَّة ، وكانَ من كِبارِ الكُتَّاب .
وقُتِلَ بِسَبَبِهِ وَزِيرُ المُقْتَدِر ، الحُسَينُ ، اتُّهِمَ بالزَّنْدَقَة، وقُتِلَ أبُو إسْحاق إبراهيمُ بنُ
أحمَدَ بنِ هِلال بنِ أبي عَون الأنْباريُّ الكاتِب .
وقد كانَ أبُو عليٍّ الحُسيَنُ - ويُقالُ: الجمَّال - وزَرَ للمُقْتَدِر في سَنة تِسْعِ عَشرةَ
وثلاث مِئَةَ، ولَقَّبُوه عَميدَ الدولة، وعُزِلَ بعدَ سَبعةِ أشْهرٍ وسُجِنَ ، وعُقِدَ له مَجْلسٌ في
كائِنَة الشَّلْمَغانِيّ، ونُوظِرَ، فَظَهَرَت رِقاعُهُ يُخاطِبُ الشَّلْمَغانِيَّ فيها بالإلَهِيَّة ، وأنَّه
يُخْبِيه ويُميتُه، ويَسْألُه أنْ يَغْفِرَ له ذُنوبَه ، فأخْرِجَت تِلكَ الرِّقاعُ، وشَهِدَ جَماعَةٌ أنَّه
خَطُه ، فضُرِبَت عُنُقُه وطِيفَ برأسِه في ذي الحِجَّة سَنةَ اثْنَتَين وعِشْرِينَ وثلاث مِئَة وعاشَ
ثمانياً وسَبعينَ سَنةً (١).
قال مُحمّدُ بنُ رزام الكُوفيّ : حَكَىْ لي ابنُ حمْدان الطَّبيبُ ، قال : أقَمتُ بالقَطيفِ
أُعالِجُ مَريضاً ، فقالَ لي رَجلٌ: إنَّ اللهَ ظَهَرَ ، فخَرَجْتُ فإذا النَّاسُ يُهْرَعونَ إلىَ دَارِ
أبي طَاهِر ، فإذا هو ابنُ عِشْرينَ سَنة، شَابٌّ مَليحٌ عَليه عَمامَةٌ صَفْرَاءُ ، وَثَوبٌ أصْفَرُ
علىْ فَرَسٍ أَشْهَبَ ، وإِخْوَتُهُ حَوْلَه فصَاحَ : مَنْ عَرَفَنِي عَرَفَني ، ومَنْ لَمْ يَعْرِفْني ، فأنا
أبو طاهر سُليمانُ بنُ أبي سَعيدِ الحَسَنُ الجَنَّبِيُّ، اعْلَمُوا أَنَّا كُنَّا وإيّاكُمْ حَميراً، وقد
مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا بِهَذا، وأَشَارَ إلى غُلامِ أَمْرَدَ ، فقالَ: هَذا رَيُّنَا وإِلَهُنا وكُلُّنا عِبَادُهُ فَأَخَذَ
النَّاسُ التُّرابَ، فوَضَعُوهُ على رُؤُوسِهِم ثمَّ قالَ أبُو طاهر: إنَّ الدِّينَ قَد ظَهَرَ وهُو دينُ
أبينا آدَمَ ، وجَميعُ ما أوْصَلَت إليكُم الدُّعاةُ باطِلٌ مِنْ ذِكْرِ مُوسَى وعيسَىُ ومُحمّد ،
هَؤلاءِ دَجَّلُونَ وهذا الغُلامُ هو أبُو الفَضْلِ المَجُوسيّ، شَرَعَ لهُم اللُّواطَ، ووَطْءَ
الأُخْتِ ، وأمَرَ بقَتْلِ مَنْ امْتَنَعَ فأُدْخِلتُ عليه وبَينَ يَدِيْهِ عِدّةُ رُؤُوسِ ، فَسَجَدْتُ له ،
وأبُو طاهر والكُبَرَاءُ حَولَهُ قيامٌ فقالَ لأبي طاهر : المُلوكُ لَمْ تَزَلْ تُعِدُّ الرُّؤوسَ في
خَزائِها فسَلُوهُ كَيفَ بَقاؤُها؟ فسُئِلْتُ ، فَقُلتُ: إِلَهُنا أعْلمُ ، ولكِنِّي أَقُولُ : فجُمْلةُ
الإنْسانِ إِذا مَاتَ يَحْتَاجُ كَذَا وَكَذَا صَبْراً وكافُوراً والرَّأسُ جُزْءٌ فيُعْطَى حِسَابَه فقال :
(١) انظر السير: (ابن أبي العزاقر) ١٤/ ٥٦٦-٥٦٩، وانظر النزهة: ٤/١١٧٤.
٣٥٣

ما أحْسَنَ ما قال ثم قالَ الطَّبيبُ: ما زِلْتُ أسْمَعُهُم تِلكَ الأيّامِ يَلْعَنونَ إِيْراهيمَ ومُوسَى
ومُحمَّداً وعَلَّاً ورَأيتُ مُصْحَفاً مُسِحَ بغَائِطٍ .
وقال أبو الفَضْلِ يَوماً لكاتِبِه : اكْتُبْ إلى الخَلِيفَةِ ، فصَلِّ لهم على مُحمَّد ، وكِلْ
مِنْ جِرابِ النُّورَةِ (١) قالَ: واللهِ ما تَنْبَسِطُ يَدي لذلك، فافْتَضَّ أَبُو الفَضْلِ أُخْتاً لأبي
طاهر الجَنَّابِيِّ ، وذَبَحَ ولَدَها في حِجْرِها ثمَّ قَتَلَ زَوجَها، وهَمَّ بقَتْلِ أبي طاهر ، فاتَّفَقَ
أبو طاهر مع كاتِه ابنِ سَنْبر ، وآخَر عليه فقالا: يا إلَاهَنا، إنَّ والِدَةَ أبي طاهر قد ماتَتْ
فاحْضَرْ لِتَحْشُوَ جَوْفَها ناراً ، قال : وكان سُنَّةً له ، فأتَى فقالَ : ألا تُجِيبَها ؟ قال:
لا فإنَّها ماتَتْ كافِرَةً ، فعاوَدَهُ ، فَارْتَابَ وقالَ : لا تَعْجَلا عليَّ، دَعاني أَخْدِمُ دَوائِّكُما
إِلَىْ أنْ يَأْتِيَ أبي، قالَ ابنُ سَنْبر : وَيْلَكَ هَتَكْتَنا ، ونَحنُ نُرَتِّبُ هذه الدَّعوَةَ من سِتِينَ
سَنةً، فَلَوْ رَاكَ أَبُوكَ لَقَتَلَكَ أُقْتُلُهُ يا أبا طاهر، قال: أخافُ أنْ يَمْسَخَني ، فضَرَبَ أخُو
أبي طاهر عُنُقَه ، ثمَّ جَمَعَ ابنُ سَنْبرِ النَّاسَ، وقالَ : إنَّ هذا الغُلامَ وَرَدَ بَكَذِب سَرقه
من مَعْدن حَقّ ، وإنَّا وَجَدْنا فَوْقَهُ مَنْ يَنْكِحُه، وقد كُنَّا نَسْمَعُ أنَّه لا بُدَّ للمُؤمنينَ مِنْ فِتْنِةٍ
يَظْهَرُ بَعدَها حَقٌّ، فَأَطْفِئُوا بُيُوتَ النِّيرانِ وارْجِعُوا مِنْ نِكاحِ الأُمِّ، ودَعُوا اللَّواطَ ،
وعَظِّمُوا الأنْبياءَ ، فضَجُوا وقالوا : كلُّ وَقتٍ تَقُولُونَ لنا قَوْلاً ، فأنْفَقَ أبُو طاهر الذَّهَبَ
حتّى سَكَنُوا قال الطَّيبُ: فأخْرَجَ إليَّ أبُو طاهر الحَجَرَ ، وقالَ : هَذا كانَ يُعْبَدُ قُلتُ :
كلّ، قالَ: بَلَى قُلتُ: أَنْتَ أعْلَمُ، وأَخْرَجَهُ في ثَوبٍ دَبيقيٍّ(٢) مُمَسَّك.
ثُمَّ جَرَت لأبي طاهر مع المُسلمينَ حُروبٌ أوْهَنَتْه وقُتِلَ جُنْدُه ، وطَلَبَ الأمانَ على
أنْ يَرُدَّ الحَجَرَ ، وأنْ يأخُذَ عن كلِّ حَاجٌّ دينَاراً ويَخْفِرَهم .
قال الذهبيُّ: ثمَّ هَلَكَ بالجُدَرِيِّ - لا رَحِمَهُ الله - سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وثلاثٍ مِئَة بِهَجَر كَهْلاً
وقامَ بَعدَه أبُو القاسِمِ سَعيد(٣).
وجاءَ في تَرْجَمَةِ سِنان كَبير الإسْماعليّة الباطِنِيّ، قال الذهبيُّ: أَوْصَىْ يَوماً
(١) أي اعمل معهم بالتقيّة .
(٢) نسبة إلى ((دبيق)) وهي بُليدَة كانت بين الفرما وتنيس، من أعمال مصر.
(٣) انظر السير: (القرمطيّ) ٣٢٠/١٥ -٣٢٥، وانظر النزهة: ١/١٢٣٢.
٣٥٤

أتْباعَه ، فقالَ: عَليكُم بالصَّفاءِ بَعضُكُم لبَعضٍ، لا يَمْنَعَنَّ أحَدَكُمْ أَخَاهُ شَيئاً له، فَأَخَذَ
هذا بِنتَ هذا، وأخَذَ هذا أُخْتَ هذا سِفاحاً، وسَمَّوا نُفُوسَهم الصُّفَاةَ، فاسْتَدْعاهُم
سِنانُ مَرَّةً ، وقَتَلَ خَلْقَاً منهم (١) .
قال ابنُ العديم : تَمَكَّنَ في الحُصونِ وانْقَادُوا له، وأخْبَرَنِي عليٍّ ابنُ الهَوَّاريّ أنَّ
صَلاحَ الدِّينِ سَيَّرَ رَسُولاً إلى سِنانٍ يَتَهِدَّدُه، فقالَ للرسُولِ: سَأُرِيكَ الرِّجالَ الذين ألْقاهُ
بِهِم، فأشَارَ إلى جَماعَةٍ أنْ يَرْمُوا أنْفُسَهم من الحِصْنِ من أعْلاه ، فألْقَوا نُفُوسَهم ،
فَهَلَكُوا(٢) .
(ج ) السِّخر :
جاء في ترجمة الشُّهْرَوَرْديِّ ، الفيلسوف السَّيَماويِّ ، قال الذهبيُّ : قال ابنُ
أبي أُصَيِعَةَ : وحَذَّثني إبراهيمُ بنُ صدقَة الحَكِيمُ ، قال : خَرَجْنا من بابِ الفرجِ معه ،
فَذَكَرْنا السِّيمياءَ فقالَ: ما أحْسَنَ هذه المَواضِحَ، فَنَظَرْنا من ناحيةِ الشَّرقِ جُواسَقَ
مُبيضةً كبيرةً مُزَخْرَفةً، وفي طاقاتِها نِساءٌ كالأقْمَارِ ومَغاني، فَتَعَجَّبنا، وانْذَهَنْنا،
فَبَقِينا ساعةً ، وعُدْنا إلى ما كُنَّا نَعْهَدُه، إلاَّ أنّي عِندَ رُؤْيَة ذلك بقيتُ أُحِسُّ من نَفْسِي
كأنَّنِي فِي سَنةٍ خَفيةٍ ، ولَمْ يَكُنْ إِذْراكِي كالحَالَةِ التي أتَحَقَّقُها مِنِّي وحَدَّثَنِي عَجَمِيٌّ قالَ :
كُنَّا مع السُّهْرَوَرْدِيِّ بالقابُونِ(٣) فقُلْنَا: يا مَوْلانا، نُريدُ رَأْسَ غَنَم، فأعْطانا عَشْرَةَ
دَراهِمَ ، فَاشْتَرَيْنا بها رَأْساً، ثمَّ تَنَازَعْنا نَحنُ والتُّرْكُمانيّ(٤)، فقالَ الشَّيخُ: رُوحُوا
بالرَّأسِ، أنا أُرْضِيهِ، ثمَّ تَبِعَنا الشَّيخُ، فقال التُّرْكُمانيُّ: أرْضِني، فما كَلَّمَه ، فجاءَ ،
وجَذَبَ يَدَهُ ، فإذا بيَد الشَّيخ قد انْخَلَعَتْ من كَتِفِه، وبَقِيَتْ فِي يَدِ ذَاكَ ، ودَمُها
يَشْخَبُ، فَرَماها، فَأَخَذَ الشَّيَخُ يَدَه باليَدِ الأُخْرَى، وجاءَ .
وله كِتابُ ((التَّلْويحاتِ اللَّوْحِيّة والعَرْشِيَّة))، وكِتَابُ ((اللَّمْحَة))، وكِتابُ ((هَياكِل
(١)
انظر السير: ( سِنان) ٢١/ ١٨٢ - ١٩٠، وانظر النزهة: ١/١٦٠٩.
(٢)
انظر السير: ( سنان) ٢١/ ١٨٢ - ١٩٠، وانظر النزهة: ٢/١٦٠٩.
(٣)
هي قرية على باب دمشق في طريق من يتوجه إلى حلب .
(٤) وهو صاحب الغنم .
٣٥٥

النُّور))، وكِتابُ ((المَعَارِجُ والمُطَارَحَات))، وكِتابُ ((حِكْمَةُ الإِشْراقِ )) وسائِرُها لَيْسَ
من عُلُومِ الإسْلامِ .
قال ابنُ خلكان : وكان يُتَّهَمُ بالانْحِلالِ والتَّعْطِيلِ، ويَعْتَقدُ مَذهبَ الأوَائِل ، اشْتُهِرَ
ذلكَ عَنه، وأَفْتَى عُلَمَاءُ حَلَبَ بِقَتْلِه .
قال الذهبيُّ : أَحْسَنُوا وأصَابُوا(١) .
قال المُوَفَّقُ يَعيشُ النَّحْويُّ: لمَّا تَكلَّمُوا فيه، قالَ له تِلمِيذُه: إنَّكَ تَقُولُ: النُّجُوَّةُ
مُكْتَسَبَةٌ، فانْزِحْ بنا ، قالَ: حتّى نَكُلَ بطبخَ حَلبْ ، فإنَّ بِي طَرَفاً من السُّلِّ ، ثمَّ خَرَجَ
إلىُ قَريةٍ بها بطيخٌ، فَأَقَمْنا أيّاماً ، فجَاءَ يَوماً إلى مَحْفرةٍ فحَفَرَ حتىْ ظَهرَ له حَصَى ،
فدَهَنَهَ بدُهْنٍ معَه، ولَفَّهُ في قُطْنٍ، وحَمَلَه في وَسَطِهِ أَيَاماً ، ثمَّ ظَهرَ كُلُّهُ ياقُوتاً أحْمَر ،
فباعَ منه ، ووَهَبَ أصْحابَه ، ولمَّا قُتِلَ كان مَعهُ منْهُ .
قال الذهبيُّ : كانَ أحمَقَ طِيَّاشاً مُنْحَلاً .
قُتِلَ في أوائِلِ سَنةِ سَبِعٍ وثمانينَ وخَمسٍ مِئَةَ(٢)
( د) الخِدَع والحِيَل :
قال التَّنُوخِيُّ : أخْبَرَنا أبي قال: مِنْ مَخاريق الحَلاَّجِ: أنَّه كان إذا أرادَ سَفراً ومَعه
مَنْ يَتنمَّسُ عليه ويَهُوسُه ، قدَّمَ قبلَ ذلك من أصْحابه الذين يَكشِفُ لهم الأمرَ ، ثمَّ
يَمْضي إلى الصَّحْراءِ ، فَيَدْفِنُ فيها كَعْكاً ، وسُكَّراً وسَويقاً ، وفاكِهَةً يابِسَةً ، ويعلِّمُ على
مَواضِعها بحَجَر ، فإذا خَرَجَ القَومُ وتَعِبُوا قال أصْحابُه: نُريدُ السَّاعَةَ كَذا وكذا فيَنْفَرِدُ
ويُرَىْ أنَّه يَدْعو ، ثمَّ يَجِيءُ إلى المَوْضِعِ فَيُخْرِجُ الدَّفينَ المَطْلُوبَ منه، أخْبَرَني بذلكَ
الجَمُّ الغَفيرُ، وأَخْبَرُوني قالُوا: رُبَّما خَرَجَ إلى بَساتينِ البَلَدِ ، فَيُقدِّمُ مَنْ يَدْفنُ الفالوذَجَ
الحار في الرُّقاقِ ، والسَّمَكَ الشُّخنَ في الرُّقَاقِ ، فإذا خَرَجَ طَلبَ منه الرَّجُلُ - في الحالِ
- الذي دَفَنَه ، فُخْرِجُه هو .
(١) انظر السير: (السُّهر ورديّ) ٢٠٧/٢١ -٢١١، وانظر النزهة: ١/١٦١٤.
(٢) انظر السير: (السُّهر ورديّ) ٢٠٧/٢١-٢١١، وانظر النزهة: ٢/١٦١٤.
٣٥٦

وقال التَّنُوخِيُّ : أَخْبَرَنا أبي: سَمعتُ أحمَدَ بنَ يُوسُفَ الأزْرقُ: أنَّ الحَلَجَ لمَّا
قَدَمَ بَغدادَ اسْتَغْوَى خَلقَاً من النَّاسِ والرُّؤساءِ، وكانَ طَمَعُه في الرَّافِضَةِ أَقْوَىُ
لِدُخولِه في طَريقِهم ، فراسَلَ أبا سَهل ابنَ نوبخت يَسْتَغْوِيه وكانَ أَبُو سَهل فَطِناً ،
فقالَ لرَسُولِه : هذه المُعْجِزاتُ التي يُظْهِرُها يُمْكنُ فيها الحِيل ، ولَكِنِّي رَجلٌ
غَزِلُ ، ولا لذَّةَ لي أكْبَرُ من النِّساءِ، وأنا مُبْتَلَىَ بالصَّلَع، فإنْ جَعَلَ لي شَعْراً ورَدَّ
لِحْيَتِي سَوداءَ ، آمَنْتُ بما يَدْعُوني إليه وقُلتُ: إنَّهُ بابُ الإِمَام، وإنْ شَاءَ قُلتُ : إنَّه
الإمامُ ، وإنْ شاءَ قُلتُ: إنَّه النَّبيُّ، وإنْ شاءَ قُلتُ: إنَّه اللهُ، فَآيَسَ الحَلاَجُ منهُ
وكَفَّ .
وقالَ الفَقيهُ أبو عليّ بنُ البَنَّاءِ: كانَ الحَلَجُ قَدَ ادَّعَى أَنَّه إلَهُ وأنَّه يَقولُ بِحُلُولٍ
اللَّهُوتِ في النَّاسُوتِ ، فَأَحْضَرَهُ الوَزِيرُ عليُّ بنُ عيسَى فَلَمْ يَجْدهُ - إذْ سَأَلَه - يُحْسِنُ
القُرآنَ والفِقْهَ ولا الحَديثَ فقالَ : تَعَلُّمُكَ الفَرضَ والطَّهورَ أجْدَى عَليكَ من رَسائِلَ
لا تَذْري ما تَقُولُ فيها كَمْ تَكتُبُ - وَيْلَك - إلى النَّاسِ: تَبَارَكَ ذو النُّورِ الشَّعْشَعانيّ ؟!
ما أَحْوَجَكَ إلى أدَبٍ! وأمَرَ به فصُلِبَ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، ثمَّ في الغَربِيِّ، ووَجَدَ في
كُتُبِهِ : إِنِّي مُغْرِقُ قَومِ نُوحٍ ، ومُهْلِكُ عادٍ وَثَمُودَ .
وكان يَقولُ للواحِدِ من أصْحابِهِ : أنْتَ نُوحٌ، ولآخَرَ : أنْتَ مُوسَى ولآخَرَ : أَنْتَ
مُحمّدٌ .
وقالَ مُحمّدُ بنُ يَحْيَى الرَّازي : سَمعتُ عَمَرَو بنَ عُثمانَ يَلْعِنُ الحَلَّجَ ويَقولُ : لَوْ
قَدَرتُ عَليه لقَتَلتُه بِيَدِي فَقُلتُ : أيش وَجَدَ الشَّيخُ عليه؟ قالَ : قَرأْتُ آيةً من كِتابِ الله
فقال : يُمْكِنُي أنْ أُؤْلِّفَ مِثْلَه .
وقال أبُو يَعقُوبَ النُّعْمانيُّ: سَمعتُ أبا بكر مُحمّدَ بنَ داوُدَ الفَقيهَ يَقولُ : إنْ كانَ
ما أَنْزَلَ اللهُ علىُ نَبِيِّه حَقاً، فما يَقولُ الحَلَّجُ باطِلٌ، وكان شَديداً عَليه(١) .
(١) انظر السير: (الخَلاج) ١٤/ ٣١٣ -٣٥٤، وانظر النزهة: ١/١١٥٥.
٣٥٧

(هـ) إِسْقاطُ الواجِبَات:
قالَ أبُو القاسِمِ التَّنُوخِيّ: أخْبِرَنا أبي: حَذَّثني حُسَينُ بنُ عَبَّاس عَمَّنْ حَضَرَ مَجلِسَ
حامِد وجاؤُوهُ بدَفاتِرِ الحَلَّجِ ، فيها : أَنَّ الإنْسَانَ إذا أرادَ الحَجَّ فإنَّه يَسْتَغْني عنه بأنْ
يَعمِدَ إلى بَيَتٍ في دارِهِ ، فَيَعْمَلَ فيه مِحْراباً، ويَغْتَسلَ ويُحْرِمُ ويَقولَ كَذا وكَذا ،
ويُصَلِّي كَذا وكذا ، ويَطُوفَ بذلك البَيتِ ، فإذا فَرَغَ فَقَد سَقَطَ عَنْهُ الحَجُّ إلى الكَعْبةِ ،
فأقَرَّ به الحَلاَجُ وقالَ: هذا شيءٌ رَوَيتُه كَما سَمعتُه ، فَتَعَلَّقَ بذلكَ عليه الوَزِيرُ ،
واسْتَفْتى القاضِيَينِ: أبا جَعفَر أحمدَ ابنَ البُهْلول، وأبا عُمَرَ مُحمّدَ ابنَ يُوسُف ، فقال
أبو عُمَر : هَذه زَنْدَقَةٌ يَجبُ بها القَتلُ وقال أبو جَعفَر: لا يَجبُ بهذا قَتَلٌ إلاَّ أنْ يُقِرَّ
أنَّه يَعْتَقِدُه، لأنَّ النَّاسَ قد يَرْؤُونَ الكُفرَ ولا يَعْتِقِدُونَه، وإنْ أخْبَرَ أنَّه يَعتَقِدُهُ اسْتُنِيبَ
منه ، فإنْ تابَ فلا شيءَ عليه ، وإلاَّ قُتِلَ، فَعَمِلَ الوَزيرُ على فَتْوَى أبي عُمَر على
ما شاعَ وذاعَ من أمْرِهِ ، وظَهرَ من إلحادِه وكُفْرِه فاسْتُؤْذِنَ المُقْتَدِرُ في قَتْلِه ، وكان قد
اسْتَغْوَى نَصْراً القشُوريَّ من طَريقِ الصَّلاحِ والدِّين ، لا بما كان يَدعُو إليه ، فخَوَّفَ
نَصرُ السَّيدةَ أُمَّ المُقْتَدِر من قَتْلِه وقال: لَا آمَنُ أنْ يَلْحَقَ ابنَكِ عُقوبَةُ هذا الصَّالِحِ
فمَنَعَت المُقتدرَ من قَتْلِه، فَلَمْ يَقبَلْ، وأمَرَ حامِداً بقَتْلِهِ، فحُمَّ المُقتدرُ يَومَه ذلك ،
فازْدادَ نَصرٌ وَأُمُ المُقتدِرِ افْتِتَاناً ، وتَشَكَّكَ المُقتدرُ ، فَأَنْفَذَ إلى حامد يَمنَعُه من قَتْلِهِ ،
فأخَّرَ ذلك أيّاماً إلى أنْ عُوفِيَ المُقتدرُ ، فَأَلَخَّ عليه حامدٌ وقال : يا أميرَ المُؤمنينَ ،
هذا إنْ بَقِيَ قَلَبَ الشَّريعَةَ، وارْتَكَّ خَلقٌ على يَدِهِ ، وأدَّى ذلكَ إلىُ زَوالِ سُلطانِك ،
فدَعْني أقْتُلُهُ ، وإِنْ أصابَكَ شَيءٌ فاقْتُلني، فأذِنَ له في قَتْلِهِ ، فقَتَلَه مِنْ يَومِه، فلمَّا قُتِلَ
قال أصْحابُه: ما قُتِلَ وإنَّما قُتِلَ بِرْذَوْنٌ كان لفُلان الكاتب ، نَفَقَ(١) يومَئِذٍ وهو يَعودُ
إليْنا بعدَ مُدّة ، فصارَتْ هذه الجَهالَةُ مَقالَة طائِفَة قال: وكانَ أكْثَرُ مَخاريق الحَلَّجِ أنَّه
يُظْهِرُها كالمُعْجِزاتِ ، يَسْتَغْوِي بها ضَعَفَةَ النَّاسِ .
ثُمَّ قُطِعَتْ يَدُه ، ثمَّ رِجلُه، ثمَّ حُزَّ رَأْسُهُ، وأُحْرِقَتْ جُنثَتُّه ، ونُصِبَ الرَّأسُ يَومَينِ
(١) أي مات .
٣٥٨

بَبَغْدَادَ ، ثمَّ حُمِلَ إلى خُراسَانَ وطِيفَ به وأقْبَلَ أصْحابُه يَعِدُونَ أنْفُسَهُم برُجُوعِه بعدَ
أَرْبَعينَ يَوماً .
قال السُّلميُّ : وحُكِيَ عَنْهُ أنَّه رُبِيَ واقِفَاً في المَوْقِفِ ، والنَّاسُ في الدُّعاءِ ، وهو
يَقولُ: أُنَزِّهُكَ عمَّا قَرَفَكَ به عبادُك، وأبْرَأُ إليكَ ممَّا وَحَدَّكَ به المُوَحِّدون .
قال الذهبيُّ : هذا عَينُ الزَّندَقَة، فإنَّه تَبَزَّأَ ممَّا وَحَّدَ اللهُ به المُوخِّدون الذين هم
الصَّحَابَةُ والتَّبِعُونَ وسائِرُ الأمَّة، فهلْ وَخَّدوهُ تَعالَى إلاَّ بكِلِمَةِ الإخلاصِ التي قال
رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قَالَهَا مِنْ قَلْبِهِ فَقَدْ حَرُمَ مَالُهُ ودَمُهُ )) ، وهي :
شَهادَةُ أنْ لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ وأنَّ مُحمَّداً رسُولُ الله فإذا بَرَىءَ الصُّوفيُّ منها، فهُو مَلْعونٌ
زِنْدِيقٌ، وهو صُوفِيُّ الزِّيِّ، والظاهِرِ ، مُتَسَتِّرٌ بِالنَّسَبِ إلى العارِفِينَ ، وفي الباطِنِ فَهُو
من صُوفِيَّة الفَلَاسِفَة أعْداءِ الرُّسُلِ كمَا كانَ جَماعَةٌ في أيَّامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
مُنْتَسِبون إلى صُحْيَتِه وإلىْ مِلَّتِهِ، وهُم في البَاطِنِ من مَرَدَةِ المُنافِقِين ، وقَد لا يَعْرِفُهُم
نَبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم، ولا يَعْلَمُ بهم، قال اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ
عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾(١)، (٢).
وجاءَ في تَرْجَمَة ابنِ أبي العَزاقِرِ الزِّديقِ الرَّافضيّ :
ومِنْ رَأْيُّه تَركُ الصَّلاةِ والصَّومِ، وإِياحَةُ كلِّ فَرْجٍ، وأنَّه لا بُدَّ للفاضِلِ أنْ يَنِيكَ
المَفْضُولَ ليُولِجَ فيه النُّورَ ، ومَنْ امْتَنَعَ مُسِخَ في الدَّورِ الثاني ، فرَبَطَ الجَهلَةَ وَتَخَرَّقَ ،
وأضَلَّ طائِفَةً ، فَأَظْهَرَ أمرَهُ أبُو القاسِم الحُسَينُ بنُ روح - رَأْسُ الشِّيعَة ، المُلَقَّبُ بالْبَاب
- إلى صاحِبِ الزَّمانِ ، فَطُلِبَ ابنُ أبي العزاقر، فاخْتَفَى، وتَسَخَّبَ إلى المُوصِل ،
فأقامَ هناكَ سِنِينَ وَرَجَعَ ، فظَهَرَ عَنْهُ ادِّعاءُ الرُّبوبيّةِ ، واتَّبَعَه الوَزِيرُ حُسَينُ ابنُ الوَزيرِ
القاسِمِ بنِ عُبَيدِ الله بنِ وَهْب - وَزِيرُ المُقْتَدِر - فيما قِيلَ ، وابْنا بِسْطامِ وإِبراهيمُ بنُ
أبي عَون ، فطُلِبُوا، فَتَغَيَّوا، فلمَّا كان في شَؤَّالَ من سَنةِ اثنتَينِ وعِشرينَ ظَفَرَ الوَزِيرُ
ابنُ مُقلة بهذا ، فسَجَنَه ، وكَبَسَ دَارَه ، فوَجَدَ فيها رِقاعاً وكُتُباً مِمَّا يُدَّعَى عليه ، وفيها
(١) سورة التوبة، الآية : ١٠١ .
(٢) انظر السير: (الخَلاَّج) ١٤/ ٣١٣ -٣٥٤، وانظر النزهة: ١/١١٥٦.
٣٥٩

خِطابُهُ بما لا يُخاطِبُ به بَشَر فَعُرِضَتْ عليه فأقَرَّ أنَّها خُطُوطُهم، وتَنصَّلَ ممَّا يُقالُ
فيها، وتَبَّأَ منهم فمَدَّ ابنُ عَبْدُوس يَدَه ، فصَفَعَه، وأمَّا ابنُ أبي عَون فمَدَّ يَدَه إليه
فارْتَعَدَتْ يَدُه، ثمَّ قَبَّلَ لِحْيتَه ورَأْسَه وقال: إلَاهي، ورازِقِي، وسَيِّدي! فقالَ له
الرَّاضي بالله : قد زَعَمتَ أنَّكَ لا تَذَّعي الإلَهِيَّة، فمَا هَذا؟ قالَ : وما عليَّ مِنْ قَولِ
هذا؟ واللّهُ يَعلَمُ أنَّني ما قُلتُ له: إنَّنِي إِلَهٌ قَطُّ .
فقالَ ابنُ عَبْدُوس: إنَّه لَمْ يَدَّعِ إلَاهيّة، إنَّما ادَّعَى أَنَّه البابُ إلى الإمام المُنْتَظَر ثمَّ
إِنَّم أُحْضِروا مَرَّاتٍ بمَحْضر الفُقَهَاء والقُضاة ، ثمَّ في آخِرِ الأمْر أفْتَى العُلماءُ بإباحَةٍ
دَمِهِ ، فَأُحْرِقَ في ذي القَعْدة من السَّنَة وضُرِبَ ابنُ أبي عَون بالسِّيَاطِ ، ثمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُه
وأُحْرِق .
وله مُصَنَّفَاتٌ أَدَبيَّةِ ، وكانَ من كِبارِ الكُتَّاب .
وقُتِلَ بسَبَبِه وَزيرُ المُقْتَدِر ، الحُسَينُ ، اتُّهِمَ بالزَّنْدَقَة، وقُتِلَ أَبُو إسْحاق إبراهيمُ بنُ
أحمَدَ بنِ هِلال بنِ أبي عَون الأنْباريُّ الكاتِب .
وقد كانَ أبُو عليٍّ الحُسيَنُ - ويُقالُ: الجمَّال - وزَرَ للمُقْتَدِر في سَنة تِسْعِ عَشرةَ
وثلاث مِئَة، ولَقَبُّه عَميدَ الدولة، وعُزِلَ بعدَ سَبعةِ أشْهرٍ وسُجِنَ ، وعُقِدَ له مَجْلسٌ في
كائِنَة الشَّلْمَغانيّ، ونُوظِرَ، فَظَهَرَت رِقاعُهُ يُخاطِبُ الشَّلْمَغانيَّ فيها بالإلَهِيَّة ، وأنَّه
يُحْيِيه ويُميتُه ، ويَسْألُهُ أنْ يَغْفِرَ له ذُنوبَه ، فأخْرِجَت ◌ِلكَ الرِّقاعُ، وشَهِدَ جَماعَةٌ أَنَّه
خَطُه، فضُرِبَت عُنُقُه وِيفَ برأسِه في ذي الحِجَّة سَنةَ اثْنَتَين وعِشْرِينَ وثلاث مِئَة وعاشَ
ثمانياً وسَبعينَ سَنةٌ(١).
( و) التَّزَهُد :
وجاءَ في تَرَجَمَةِ المُعْتَضِد باللهِ قالَ الذهبيُّ: ولمَّا قُتِلَ المُعْتَزُّ ، ثُمّ المُسْتَعينُ
والمُهْتَدي وضَعُفَ شَأنُ الخِلافَةِ تَوَثَّبَ ابْنا الصَّفَّارِ إلى أنْ أخَذَا خُراسَانَ بعدَ أنْ كانا
يَعْمَلانِ النُّحاسَ ، وأقْبَلا لأخْذِ العِراقِ وقَلْعِ المُعْتَمِد .
(١) انظر السير: (ابن أبي العزاقر) ٥٦٦/١٤-٥٦٩، وانظر النزهة : ٤/١١٧٤.
٣٦٠