Indexed OCR Text

Pages 321-340

خالدٌ ومَنْ معَه ، وتخلَّفَت الأنْصارُ يوماً أو يومين ينظرون في أمرِهم ، ونَدِموا وقالوا :
ما لكم والله عُذرٌ عند الله ولا عند أبي بَكْر إنْ أُصيبَ هذا الطرفُ وقد خَذلناهم ،
فأسْرَعوا نحو خالد ولَحقوا به ، فسارَ إلى اليَمامَة ، وكان مُجّاعة بن مُرارة سَيِّد بني
حَنِيفَةٍ خَرجَ في ثلاثة وعشرين فارساً يطلبُ دماءً في بني عامر ، فأحاطَ بهم
المسلمون ، فقُتل أصحابُ مُجّاعةٍ(١) .
قِتالُ مسيلمة الكذَّاب :
عن الزُّهريّ : قاتلَ خالدٌ مُسَيْلِمة ومن مَعه من بَني حَنِيفَة ، وهم يَومئذ أكثرُ العَرب
عَدداً وأشدُّه شَوكة ، فاسْتُشهد خلقٌ كثير، وهَزمَ اللهُ بني حَنِيفَة ، وقُتْلَ مُسَيْلِمة ، قَتلَه
وَحْشيٌّ بِحَرْبة .
عن موسى بن أنَس ، عن أبيه قال : لمَّا كان يومُ اليَمامَة دخلَ ثابتُ ابنُ قَيْس
فَتَحتَّطَ ، ثم قامَ فأتى الصفَّ والنَّاسُ مُنهَزمون فقال : هلكذا عن وجُوهنا ، فضارَب
القوم ثم قالَ : بِثْسما عوَّدْتم أقْرانكم ، ما هكذا كُنَّا نُقاتل مع رسُولِ الله صلى الله عليه
وسلم ، فاسْتُشهد رضي الله عنه .
عن الزُّهريِّ قال: ثم تَحصَّن من بَنِي حَنِيفَة من أهلِ اليَمامَة سِتةُ آلاف مُقاتل في
حِصْنهم ، فتَزلوا على حُكْم خالد فاسْتَخْياهم .
عن عُروَة قال: وعَمدَت بَنو حَنِيفَة حين انْهَزموا إلى الخُصُون فدَخَلوها ، فأراد
خالد أن يَنْهَد إليهم الكَتائب ، فلم يَزَل مُجّاعة حتى صالَحَه على الصَّفْراء والبَيْضاء ،
والحلْقة والكُراع ، وعلى نصف الرَّقيق ، وعلى حائط من كل قَرِيَة ، فتَقاضوا على
ذلك .
وقال سلامةُ بنُ عُمَير الحَنفي : يا بَنِي حَنِيفَة قاتِلُوا ولا تُقاضوا خالداً على شيء فإنَّ
الحصْنَ حَصينٌ، والطَّعامَ كثيرٌ، وقد حَضَرَ النِّساءُ ، فقال مُجّاعة : لا تُطيعوه فإنَّه
(١) انظر السير: ( أبو بكر الصِّديق)، وانظر النزهة: ٣٧ -٣٨/ خبر الردة.
٣٢١

مَشْؤوم فأطاعوا مُجّاعة ثمّ إنَّ خالداً دَعاهم إلى الإسلام والبَراءَة ممَّا كانوا عليه، فأسْلَمَ
سائرُهم (١) .
وَقْعَةُ جُواثا :
بعثَ الصدّيقُ رضي الله عنه العَلاءَ بنَ الحَضْرميّ إلى البَحرَين، وكانوا قد ارْتَدُّوا -
إِلَّ نَفَرَأَ ثَبَتوا مع الجارود - فالْتَّقَوا بِجُواثا فهَزَمَهم اللهُ .
قال ابنُ إسْحاق : حاصَرَهم العَلاءُ بجُواثا حتى كادَ المسلمون يَهلَكون من الجَهْد ،
ثم إِنَّهم سَكِروا لَيلةً في حِصْنِهِم ، فبَيَتَهم العَلاءُ .
وفي نَفْسِ السَّنَة بَعثَ الصدِّيقُ عِكْرِمَةَ بنَ أبي جَهْل إلى عُمانَ ، وكانوا ارْتَدُّوا ،
وبَعثَ المُهاجِرَ بنَ أبي أُميّة المَخْزومي إلى أهل النُّجَيْرِ (٢)، وكانوا ارْتَذُوا، وبعَثَ
زيادَ بنَ لُبَيْد الأنْصاري إلى طائفة من المُرتَدَّة .
بعد فَراغ قتالِ أهل الرِّدَّة بعَثَ أبو بَكْر الصدِّيق خالدَ بنَ الوَليد إلى أرضِ البَصْرَة ،
وكانت تُسمَّى أرضَ الهِنْد، فسار خالدٌ بمَنْ معَه من اليَمامَة إلى أرضِ البَصْرَة ، فَغَزَا
الأُبلَّةَ(٣) فافْتَتَحَها، ودَخلَ مَيْسانَ(٤) فَغَنِمَ وسَبى من القُرى ، ثم سارَ نَحوَ السَّواد ،
فأخذَ على أرض كَسْكَر (٥) وزَنْدَوَرْد(٦) ، وبعد أن اسْتَخلفَ على البَصْرَة قُطْبةَ بنَ قَتَادَة
السّدوسي، وصالَحَ خالدٌ أهلَ أُلَيْس(٧) على ألف دينار في ظهر رَجَب من السَّنة ، ثم
افْتَحَ نهرَ الملك (٨)، وصالَحَه ابنُ بُقَيلَة صاحبُ الحِيرَة على تسعينَ ألفاً ، ثم سارَ نحوَ
أهلِ الأنْبَارِ فصالَحُوه .
انظر السير : ( أبو بكر الصِّديق )، وانظر النزهة : ٣٩/ قتال مسيلمة الكذَّاب.
(١)
النُّجَير ، بالتصغير : حصن باليمن قرب حضر موت منيع لجأ إليه أهل الردّة مع الأشعث بن قيس .
(٢)
الأُبلَّة : بلدة على شاطىء دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج .
(٣)
مَيْسان : اسم كورة واسعة كثيرة القرى والنخيل بين البصرة وواسط قصبتها ميسان .
(٤)
كَسْكَر : كورة واسعة قصبتها واسط بين الكوفة والبصرة .
(٥)
زَنْدَوَرْد : مدينة كانت قرب واسط مما يلي البصرة خربت بعمارة واسط .
(٦)
أُلَيْس : مُصغر بوزن فُلَيس ، الموضع الذي كانت فيه الواقعة بين المسلمين والفرس في أول أرض
(٧)
العراق من ناحية البادية .
(٨) نهر الملك : كورة واسعة ببغداد بعد نهر عيسى.
٣٢٢

ثم حاصَرَ عَينَ الثَّمْرِ (١) ونزَلوا علىُ حُكْمِهِ ، فقَتلَ وسَبى .
قال محمَّدُ بنُ جَرِير الطَّبَري : ولمَّا فَرَغَ خالدٌ من فُتوح مَدائنٍ كسْرَى التي بالعِراق
صُلْحاً وحرباً خَرجَ لخَمسٍ بَقينَ من ذي القعدة مُتَكِّماً بحَجَّتِهِ ، ومعَه جماعةٌ تَعْتَسِفُ(٢)
البلادَ حتى أتَى مَّة، فتأَتَّى له من ذلكَ ما لمْ يَتَأْتّ لدَليل، فسارَ طَرِيقاً من طُرُقِ الحِيرَة
لمْ يُرَ قَطُّ أعْجَبَ منه ولا أصْعَب ، فكانت غَبَتُه عن الجُنْدِ يَسيرَة ، فَلَمْ يَعلمْ بِحَجِّه أحَدٌ
إلاَّ مَنْ أَفْضَى إليه بذلك .
فلمَّا علمَ أبو بَكْر بحَجِّه عَتَبَه وعنَّفَه وعاقَبَه بأنْ صَرَفَه إلى الشَّام ، فلمَّا وافاهُ كتابُ
أبي بَكْر عند مُنْصرَفِه من حَجِّه بالحِيرَة يأمُرُه بانْصِرافِه إلى الشَّامِ حتى يأتي مَنْ بها من
جُموع المسلمين باليَرْموك، ويقولُ له : إِيَّاكَ أنْ تَعودَ لمثلِها .
قلتُ: وإنمَّا جاءَ الكتابُ بأنْ يَسيرَ إلى الشَّامِ في أوائل سَنة ثلاث عشرة .
قلتُ : سارَ خالدٌ بجَيشِه من العِراقِ إلى الشَّام في البَرِّيَّة ، وكادُوا يَهْلكون
عَطَشاً(٣).
١٧ - الوَلاءُ والبَراء
( أ) الوَلاءُ والبَرَاءُ سَببٌ لِمَحَبَّةٌ الله عَبْدَه :
سُئلَ المُرتَعشيُّ: بماذا يَنالُ العَبدُ المَحَبَّةَ؟ قالَ: بِمُوالاةٍ أَوْلِيَاءِ الله ومُعَاداةٍ
ـث (٤)
أعْداءِ الله(
.
( ب ) أمثلةٌ جَميلةٌ على الوَلاءِ لله سُبْحانَه ولِرَسُوله صلى الله عليه وسلم :
شَهِدَ أَبُو عُبَيْدَةَ بَدْراً فقَتَلَ يَومَئِذٍ أَبَاهُ ، وأَبْلَى يومَ أُحُدٍ بَلاءً حَسَناً ، ونَزَعَ يَومَئذٍ
الحَلْقَتَيْنِ اللَّتَينِ دَخَلَتا من المِغْفَرِ في وَجْنَةِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ ضَرْبةٍ
(١) عين التمر : بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة .
(٢) اعتسف الطريق : إذا قطعه دون صوب أو توخاه فأصابه .
(٣) انظر السير: (أبو بكر الصِّديق)، وانظر النزهة: ٤٠ - ٤١ / وقعة جُواثا.
(٤) انظر السير: (المرتعشي) ٢٣٠/١٥-٢٣١، وانظر النزهة: ٤/١٢٢٣.
٣٢٣

أصَابَتْهُ فانْقَلَعتْ ثَنِيََّاهُ، فحَسُنَ ثَغْرُهُ بِذَهابِهِما حتّى قِيلَ: ما رُئِيَ هَتْمُ(١) أحْسَنُ من هَتْمٍ
أبي عُبَيْدة (٢) .
وعن عبدِ الله بنِ مَعْقِل، قالَ : نَزَلَ ابنُ أمِّ مَكْتُوم على يَهُوديّةٍ بالمَدينَةَ كانَتْ
تَرْفُقُه ، وتُؤْذيهِ في النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَتَناوَلَها فضَرَبَها ، فقَتَلَها ، فرُفِعَ ذلكَ
إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال هُوَ : أمَا والله إنْ كانت لَتَرْفُقُني، ولكنْ آذَتْني
في اللهِ ورسُولِه فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((أَبْعَدَهَا اللهُ، قَدْ أَبْطَلْتُ دَمَهَا))(٣).
وقال المُغيرةُ بنُ شُعبة : بَعَنتْ قُرِيشٌ عامَ الحُدَيْبِيَة عُرْوَةَ بنَ مَسْعُود إلىْ رسُولِ الله
صلى الله عليه وسلم لِيُكلِّمَه فأتَاهُ، فَكَلَّمَه، وجَعَلَ يَمَسُّ لِحْيَتَه، وأنا قائِمٌ علىْ رَأْسِ
رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُقَنَّعٌ في الحَديدِ ، فقالَ المُغيرةُ لِعُرْوَة : كُفَّ يَدَكَ قَبلَ
أنْ لا تَصِلَ إِلَيْكَ ، فقالَ: مَنْ ذَا يا مُحمَّد؟ ما أَفَظَّهُ وأغْلَظَه قال صلى الله عليه وسلم:
((ابنُ أخِيكَ))، فقالَ: يا غُدَرُ واللهِ ما غَسَلْتُ عَنِّي سَوءَتَكَ إلَّ بالأمْسِ (٤)، (٥).
(ج ) أمْثلَةٌ على مُوالاةِ المُسلمينَ الكافِرِينَ :
١ - استعانةُ المسلمين بالفِرَنْج ضِدَّ مسلمين :
وقالَ الإمامُ الذهبِيُّ في تَرَجَمَةِ العَاضِدِ صاحِبٍ مِصْرَ: ثمَّ قَدَّمَ شَاوَرُ السَّعديُّ دِمَشْقَ
جريدَةً إلى نُورِ الدِّينِ مُسْتَنْجِداً به ، فجَهَّزَ مَعهُ شِيرْكُوه، بَلْ بَعْدَه بِسَنَةٍ ، فاسْتَردَّ له
الوَزارَةَ، وَتَمَكَّنَ ، ولَمْ يُجازِ شِيرْكُوهَ بما يَلِيقُ به، فأضْمَرَ له الشَّرَّ ، واسْتَعَانَ شَاوَرُ
بالفِرَنْجِ، وتَحَصَّنَ منهم شِيرْكُوهُ ببلْبِسَ، فحَصَرُوهُ مُدَّةً ، حتّى مَلُّوا .
الهَتْمُ كَسْرُ الثنايا من أصُولِها .
(١)
(٢) انظر السير: (أبو عبيدة بن الجرّاح) ٥/١-٢٣، وانظر النزهة: ٤/١٢١.
(٣) انظر السير: (ابن أم مكتوم) ١/ ٣٦٠ -٣٦٥، وانظر النزهة: ٤/١٧٧.
قال ابن هشام في السيرة ٣١٣/٢: أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر
(٤)
رجلاً من بني مالك من ثقيف ، فتهايج الحيَّان من ثقيف: بنو مالك رهط المقتولين ، والأحلاف رهط
المغيرة ، فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية ، وأصلح ذلك الأمر .
(٥) انظر السير: (المُغيرة بن شعبة) ٢١/٣ -٣٢، وانظر النزهة: ٤/٣٢٣.
٣٢٤

واغْتَنمَ نورُ الدين خُلوَّ الساحلِ منهُمْ فَعَمَلَ المَصَافَّ على حارِم وأسَرَ مُلوكاً في سَنة
تَسْع وخَمسينَ وخمسٍ مثَّة .
ورجعَ شِيرُكُوه بعد أمور طويلة الشرح(١) .
قالَ الإمامُ الذهبيُّ في تَرَجَمَةِ هِشامِ المُؤيَّد بالله ابنِ صاحِبِ الأنْدَلُسِ النَّاصِر عبدِ
الرّحمَن أَخِي المُظَفَّرِ ، وكان شنشولُ قَد اسْتَعانَ بِعَسْكَرِ الفِرَنْجِ لأنَّ أمَّه مِنْهُم ، وقامَ
مَعَهُ ابنُ غومِش، فجاءَ إلىْ قُرطُبَة ، فَتَسَخَبَ جُنْدُهُ ، فقالَ له ابنُ غومِش : ارْجِعْ بنا
قَبلَ أنْ تُؤْخَذَ فَأَبَى ، ومَالَ إلى دَيْرِ شربش جَوْعانَ سَهْرانَ ، فَأَنْزَلَ له راهِبٌ دَجاجَةٌ
وخُبْزاً، فأكَلَ وشَرِبَ وسَكِرَ ، وجَاءَ لِحَرْبِهِ ابنُ عَمِّ المَهْدِيّ وحاجِبُهُ مُحمّدُ ابنُ المُغيرَةِ
الأُمَويّ ، فَقَبَضَ عليهِ ، فَظَهَرَ منهُ الجَزَعُ ، وقَبَّلَ قَدَمَ ابنِ المُغيرَةِ ، وقالَ : أنا في طَاعَةِ
المَهْدِيّ ثمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُه، وطِيفَ بَرَأْسِهِ: هذا شنشولُ المَأْبُونُ المَخْذُولُ فلمَّا اسْتَوثَقَ
الأمْرُ للمَهْدِيِّ أَظْهَرَ من الخَلاعَةِ والفَسادِ أكْثَرَ مِمَّا عَمِلَهُ شنشولٌ(٢).
قالَ الحُمَيْدُّ : فقَامَ على المَهْدِيِّ ابنُ عَمِّه هشامُ بنُ سُلَيْمانُ ابنُ النَّاصِر لدين الله ،
فِي شَوَّال سَنَةَ تِسْعِ وتِسْعِينَ ، وقَامَ مَعهُ البَرْبَرُ، وأُسِرَ هشامٌ هَذا فقَتَلَه المَهْدِيُّ وَتَحِيَّرَ
جُلُّهم إلى قَلَعَةِ رَبَاحِ ، فَهَرَبَ مَعُهُم سُلَيْمَانُ بنُ الحَكَمِ بنِ سُلَيْمَانَ بِنِ النَّاصِر ، وهُو
ابنُ أَخِي هِشامِ المَقْتُولِ ، فَبَايَعُوهُ ، وسَمَّوْهُ: المُسْتَعِينَ بالله، وجَمَعُوا لَه مالاً ، حتّى
صَارَ له نَحْوٌ مَن مِنَّةِ ألْفِ دينارٍ ، فَتَوَجَّهَ بالبَرْبَرِ إلى طُلَيْطِلَةَ، فَتَمَلَّكَها، وقَتَلَ وَالِيَها ،
فِجَزَعَ المَهْدِيُّ، واعْتَدَّ للحِصَارِ ، وتَجَزَّأْتْ عليه العَامَّةُ ، ثم بَعَثَ عَسْكَراً ، فَهَزَمَهُم
سُلَيْمَانُ المُسْتَعِينُ ثمَّ سَارَ حتّى شَارَفَ قُرْطُبَة، فَبَرَزَ لِحَرْبِهِ عَسْكَرُ المَهْدِيِّ، فنَاجَزَهُم
سُلَيْمانُ ثمَّ خَرَجَ أهلُ قُرْطُبَةَ إلى المُسْتَعِينِ سُلَيْمانَ، فَأحْسَنَ مَلْقَاهُم واخْتَفَى مُحمّدٌ
المَهْدِيُّ واسْتَوْثَقَ أمْرُ المُسْتَعِينِ، ودَخَلَ قَصْرَ الإمارَةِ ، ووَارَى النَّاسُ قَتْلاهُم فكانُوا
نَخْواً من اثْنَيْ عَشَرَ ألْفاً ، ثمَّ تَسَخَّبَ المَهْدِيُّ إلى طُلَيْطِلَة، فقامُوا مَعَهُ، وكَتَبَ إلى
الفِرَنْجِ ، ووَعَدَهُم بالأمْوالِ ، فَاجْتَمَعَ إليهِ خَلقٌ عَظيمٌ وهو أوّلُ مال انْتُقَلَ من بَيْتِ
(١) انظر السير: (العاضد) ٢٠٧/١٥-٢١٥، وانظر النزهة: ٣/١٢١٩.
(٢) انظر السير: (هشام المُؤيد بالله) ١٢٣/١٧-١٣٣، وانظر النزهة: ١/١٣٢٨.
٣٢٥

المَالِ بالأَنْدِلُسِ إلى الفِرَنْج ، وكانت الثُّغُورُ كُلُّها باقِيةً على طاعَةِ المَهْدِيِّ ، فقَصَدَ قُرْطُبَة
في جَحْفَلٍ عَظيمٍ ، فالْتَّقَى الجَمعانِ علىُ عَقَبَةِ البَقَرِ على بريدِ من قُرْطُبَة، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتالٍ
فَانْهَزْمَ سُلَيْمَانُ الْمُسْتَعِينُ ، واسْتَوْلَى المَهدِيُّ علىْ قُرْطُبَة ثانياً ، ثم خَرَجَ إلى قِتالِ جَماهیرِ
البَرْبَرِ ، فالْتَّقَاهُم بِوادِي آرُهُ ، فَهَزَموهُ أقْبَحَ هَزِيمَةٍ ، وقُتِلَ من جُندِهِ الفِرَنْج ثلاثةُ آلاف ،
وغَرِقَ خَلقٌ ، فَجَاءَ إلىْ قُرْطَُة ، ثم وَثَبَ عليه العَبيدُ ، فضُرِبَتْ عُنُقُه، وقُطِعَتْ أرْبَعَتُه ،
وكَفَى اللهُ شَرَّهُ في ثامِنِ ذي الحِجَّة عام أربعٍ مِئَة ، وعَاشَ أرْبَعاً وثلاثينَ سَنَّةٌ (١) .
المَأمونُ ( مَلكُ طُلَيْطِلَة ) :
قال الذهبيُّ في تَرْجَمَة المَأمُون مَلِكِ طُلَيْطِلَة ، أبو زكريّا، يَحْيَى بنُ صاحبٍ
طُلَيْطِلَةَ الأميرِ إسْماعيلَ بنِ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ عامِرْ الهَوَّاري، الأنْدِلُسيّ.
اسْتَوْلَى أَبُوهُ على البَلَدِ بعدَ العِشْرِينَ وأرْبَع مِئَّة، ونَزَعُوا طاعَةَ المُرْوانيّة ، وتَمَلَّكَ
المَأمُونُ بعدَ أبِيه سَنةَ خَمسٍ وَثَلاثينَ ، فامْتَدَّتْ أيامُه خَمساً وعِشرينَ سَنةً ، عَاكِفاً على
اللّذَّاتِ والخَلاعَة، وصَادَرَ الرَّعِيَّة وهادَنَ العَدُوَّ ، وقَدِمَ الأطْرافَ ، فطَمِعَتْ فيه الفِرَنْجُ ،
بَلْ في الأنْدِلُسِ وأُخِذَتْ عِدَّةُ حُصُونٍ إلى أنْ أخَذُوا منهم طُلَيْطِلَةَ في سَنةِ ثَمانٍ وسَبعين
وأربَع مِثَّة، وجَعَلُوها دارَ مُلْكِهِم - فإنَّا لله وإنَّا إِلَيْهِ راجِعُون - وكان المَأْمُونُ أرادَ أنْ يَسْتَنْجِدَ
بالفِرَنَّجِ على تَمَلُّكِ مَدائنِ الأنْدِلُسِ ، فكاتَبَ طاغِيَتَهم : أنْ تَعَالَ في مِئَةِ فَارِسٍ ، والمُلتَقَى
في مكانٍ كَذَا ، فسَارَ فِي مِئْتَينٍ ، وأقْبَلَ الطَّاغِيَّةُ فِي سِتَّةِ آلافٍ ، وجَعَلَهم كَميناً له ،
وقالَ : إذا رَأَيْتُمُونا قد اجْتَمَعْنا، فأحِيطُوا بِنَا فلمَّا اجْتَمَعَ المَلِكَانِ أَحَاطَ بِهِم الجَيشُ ،
فَنَدِمَ المَأْمُونُ، وحَارَ ، فقالَ الفِرَنْجيُّ: يا يَحْبَى، وحَقِّ الإنْجِيلِ كُنتُ أظُنُّكَ عاقِلاً ،
وأَنْتَ أحْمَقُ !! جِئْتَ إليَّ، وسَلَّمْتَ مُهْجَتَكَ بِلا عَهْدٍ ولا عَقْدٍ ، فلا نَجَوْتَ مِنِّي حتّى
تُعطِيَني ما أطْلُبُ قالَ: فَاقْتَصِدْ فسَمَّى له حُصُوناً ، وقَرَّرَ عليه مالاً في كُلِّ سَنَةٍ ، ورَجَعَ
ذَلِيلاً مَخْذُولاً ، وذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ تُوفِّي سَنَّةَ ستّينَ وأربَع مِئَةُ(٢) .
(١) انظر السير: (هشام المُؤيد بالله) ١٢٣/١٧ -١٣٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٢٨.
(٢) انظر السير: (المأمون - ملك طُليطلة) ٢٢٠/١٨ -٢٢١، وانظر النزهة: ١٤٠٤ _ ١٤٠٥.
٣٢٦

أحمدُ بنُ عبد الملك بن هُود :
وجاءَ في تَرَجَمَةِ أحمدَ بنِ عبدِ المَلِكِ ابنِ هُود ، قال الذهبيُّ : المُلقَّبُ بالمُسْتَنْصِر
بالله الأنْدِلُسيّ، مَنْ بَيْتِ مَمْلَكَةٍ وحِشْمَةٍ ، وأمْوالٍ عَظيمَةٍ ، وكانَ بِيَدِهِ قِطْعَةٌ من
الأنْدِلُسِ، فَاسْتَعَانَ بالفِرَنْجِ على إقامَةِ دَولَتِهِ(١) .
ذَكرَهُ الْيَسَعُ بنُ حَزْم ، فقالَ : انْعَقَدَ الصُّلْحِ بينَ المُسْتَنْصِرِ بنِ هُودٍ وبينَ الشُّليطينِ
مَلكِ الرُّومِ وهو ابنُ بِنتِ أذْفُونْش إلى مُدَّةٍ عِشِرِينَ سَنة على أنْ يَدْفَعَ للِفِرَنْجِ رُوطَة ،
ويَدْفَعُوا إِلَيْهِ حُصُونَاً عِوَضاً عنها ، ويُعِينُوهُ بِخَمْسِينَ ألْفاً من الرُّومِ ، يَخْرُجُ بها إلى بِلادِ
المُسلمينَ لِيُمَلَّكَ، فجَعَلَ اللهُ تَدْميرَهُ في تَذْبِيرِهِ ، وكُنَّا نَجِدُ في الآثَارِ عنِ السَّلَفِ فَسَادَ
الأَنْدِلُسِ على يَدَيْ بَنِي هُودٍ وصَلاحُها بَعدُ عَلى أيْدِيهِم ، فخَرَجَ اللَّعينُ السُّليطينُ وابنُ
هُودٍ فِي نَحْوٍ من أرْبَعِينَ ألْفَ فارسٍ ، وتاشْفينُ بالزَّهْراءِ ، فَقَصَدَ ابنُ هُودٍ جِهَةَ
إِشْبِيليّة ، وبَقِيَ يُنْفِقُ على جُيُوشِ الشُّليطينِ نَحوَ ثَمانيَةَ أَشْهُر، وشَرطَ عليهِم أنَّهم
لا يَأْسِرُونَ أَحَداً، فحَدَّثَنِي المُسْتَنْصِرُ - وَقَد نَدِمَ على فِعْلِه من شَيْطَنَةِ الشَّبِيبَة وطَلَبٍ
مُلكِ آبائِه - فقالَ لي : الذي أنْفَقتُ في تِلكَ السَّفْرَةِ من الذَّهَبِ الخالِصِ ثلاثَةُ آلافِ أَلْفِ
دينارٍ ، والذي دَفَعتُ إلَيْهِم من مَخَازِنِ رُوطَة من الدُّروعِ أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِرْعٍ ، ومن
البيضِ مِثْلَها، ومن الطَّوارِقِ ثَلاثُونَ أَلْفاً ، وذَكَرَ لي جَماعَةً أَنَّه دَفَعَ إلى السُّليطَيْنِ خَيْمَةً
كان يَحْمِلُها أرْبَعُونَ بَغْلاً، وذَكَرَ لي مُحمّدُ بنُ مَالكِ الشَّاعِرُ أنَّه أبْصَرَ تِلكَ الخَيْمَةَ،
قال : فمَا سُمِعَ بأَكْبَرَ منها قَطُّ، ولمَّا طالَتْ إقامَتُه على البلادِ ، ولَمْ يَخْرُجْ إلى ابنِ هُودٍ
أَحَدٌ ، رَجَعَ ومَعهُ ابنُ هُودٍ ، ولَمْ يَكنْ معَ ابنِ هُودٍ إلَّ نَحْوٌ من مِتْنَيْ فارِسٍ ، فأقَامَ ابنُ
هُودٍ بِطُلَيْطِلَة لِيَذْهَبَ منها إلى حُصُونِه التي عُوِّضَ بها - وبِئْسَ للظَّالِمِينَ بَدَلاً - ثمّ إنَّ
قُرْطُبَةَ اضْطَرَبَ أمْرُها ، واشْتَغَلَ أميرُ المسلمين بما دَهَمَهُ من خُرُوج التُّومَرْتِيَّة(٢) فَجَاءَ
المُسْتَنْصِرُ باللهِ أحمَدُ من مَدينَةٍ غرليطش وقَصَدَ قُرْطُبَةَ، وكانَ مُحَبَّياً إلى النَّاسِ
بالصِّيتِ ، فَبَرَزَ إليهِ ابنُ حَمْدین زَعيمُ قُرْطُبَة بِعَسْكَرِها ، فقَصَدَ عَسْكَرُها نَحوَ ابنِ هُودٍ
(١) انظر السير: (أحمد بن عبد الملك بن هود) ٤١/٢٠-٤٤، وانظر النزهة: ١/١٥٢٧.
(٢) هم جماعةُ مُحمّد ابن عبد الله ابن تومرت - مَهْدِيُّ المَغرب - زَعيمُ المَوَحِّدين .
٣٢٧

طائِعِينَ فَفَرَّ حِينَذِ ابنُ حَمْدين إلىْ بُلَيْدَة ، ودَخَلَ ابنُ هُودٍ قُرْطُبَةَ بِلا كُلْفَةٍ ولا ضَرْبَةٍ
ولا طَعْنَةٍ ، فاسْتَوْزَرَ أبا سَعيدِ المَعْرُوفِ بِفَرَجِ الذَّليل ، وكاتَبَ نُؤَابَ البِلادِ ، ففَرِحُوا به
الأصالَتِهِ في المُلْكِ ، ثم خَرَجَ فَرَجُ الدَّليلِ إِلَى حِصْنِ المُدَوَّر ، فِقِيلَ لابنِ هُودٍ : قد
نَافَقَ وفَارَقَ ، فخَرَجَ بنَفْسِه واسْتَنْزَلَه من الحِصْنِ ، فَنَزَلَ غَيرَ مُظْهِرٍ خِلافاً، وكان رَجُلاً
صَالِحاً فقَتَلَه صَبْراً، فَسَاءَ ذَاكَ أهْلُ قُرْطُبَة ، وثارَتْ نُفُوسُهم ، وعَظُمَ عَليهِم قَتْلُ أَسَدٍ
من أُسْدِ الله، فَزَحَفُوا إلى القَصْرِ ، فَفَرَّ ابنُ هُودٍ من قُرْطُبَة فَقَصَدَها ابنُ حَمْدين ،
فأدْخَلَهُ أهْلُهُ، وكَثُرَ الهِيجُ ، واشْتَدَّ البَلاءُ بِالأَنْدَلُسِ ، وغَلَتْ مَرَاجِلُ الفِتْنَة، وأمَّا أَبُو
مُحمّد ابنُ عِياضٍ ، فَكَانَ علىْ مَمْلَكَةٍ لارِدَةٍ ، فخَرَجَ في خَمْسٍ مِئَّةِ فارِسٍ لِيَسْعَىُّ في
إِصْلاحِ أمْرِ الأُمَّة وقَصَدَهُ أهلُ مَرْسيّةٍ وبَلَنْسيّة ليُمَلِّكُوهُ عليهِم ، فامْتَنَعَ ، ثمَّ بابَعَ أهلُ
بَلَنْسيّة عن الخَليفَةِ عبدِ الله العَبَّاسِيّ، ثمَّ اتَّفَقَ ابنُ عِياضٍ وابنُ هُودٍ على اسْمَ الخِلافَةَ
لأميرِ المُؤْمِنِينَ العَبَّاسِيّ ، وأنَّ النَّظَرَ في الجُيُوشِ والأمْوالِ لابنِ عِياضٍ رَحِمَهُ الله ،
وأنَّ السَّلْطَنَةَ لابنِ هُودٍ(١).
محمد بن يوسف بن هود :
قالَ الإمامُ الذهبيُّ في تَرَجَمَةِ ابنِ هُود حِينَمَا خَلُصَتِ الأنْدِلُسُ كُلُّها له وقاتَلَ بها
المُوَحِدِّينَ ثم جَهَّزَ الخَلقَ للقاءِ الإِفْرَنْجِ فلمَّا تَرَاءَى الجَمْعانِ وَقَعتْ الهَزِيمَةُ للمُسلِمين
أقْبَحَ هَزِيمَة ورَجَعَ ابنُ هُود في أسْوَأٍ حَالٍ ، ثم قالَ الذهبيُّ قامَ عليه شُعَيْبُ بنُ هلالة
◌ِلَبْلَة ، فصَالَحَ ابنُ هُود الأدْفُونَش على مُحاصَرَةِ لَبْلَة ومُعاوَنَتِهِ علىْ أنْ يُعْطِيه قُرْطُبَة ،
واتَّفَقَا على ذلكَ، وقالَ لَهُ: لا يَسُوغُ أنْ يدخُلَها الفِرَنْجُ على البَديهَة، وإنَّما تُهمِلُ
أمْرَها ، وتُخْلِيها من حَرَسٍ ، ووَجِّهْ أنْتَ الفِرَنْجَ يَتَعَلَّقُونَ بأسْوارِها باللَّيْلِ وَيَغْدُونَ بها ،
ففَعَلُوا كذلكَ ووَجَّهَ ابنُ هُود إلىْ والِيهِ بِقُرْطُبَة فَأَعْلَمَه بذلكَ ، وأَمَرَهُ بضِياعها من حَيّز
الشَّرقيّة فجَاءَ الفِرَنْجُ ، فَوَجَدُوهُ خالياً، فجَعَلُوا السَّلالِمَ واسْتَوَوا على الشُّورِ فلا حَوْلَ
ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله(٢).
(١) انظر السير: (أحمد بن عبد الملك بن هود) ٤١/٢٠-٤٤، وانظر النزهة: ٢/١٥٢٧ (أحمد بن هود).
(٢) انظر السير: (محمد بن يوسف بن هود) ٢٠/٢٣ -٢٢، وانظر النزهة: ٤/١٧١١.
٣٢٨

وكانت قُرْطُبَةُ مَدينَتَيْن : إحْدَاهُما الشَّرقِيَّة والأخْرَى المَدينَةُ العُظْمَىُ، فقامَتْ
الصَّيْحَةُ والنَّاسُ فِي صَلاةِ الفَجْرِ ، فَرَكِبَ الجُنْدُ وقالوا للوَالِي : اخْرُجْ بِنَا للمُلْتَقَى،
فقالَ : اصْبِرُوا حَتّى يُضْحي النَّهارُ، فلمَّا أضْحَى رَكِبَ وخَرَجَ مَعَهُم، فلمَّا أشْرَفَ على
الفِرَنْجِ قالَ : ارْجِعُوا حَتّى أَلْبَسَ سِلاحِي !! ، فرَجَعَ بهم وهُم يُصَدِّقونَه ، وذا أمرٌ قد
دُبَِّ بِلَيْلٍ ، فَدَخَلَ الفِرَنْجُ علىُ إِثْرِهِم، وانْتُشَرُوا، وهَرَبَ النَّاسُ إلى البَلَدِ ، وقُتِلَ خَلْقٌ
من الشُّيُوخِ والوِلْدانِ والنِّسْوانِ ، ونُهِبَ للنَّاسِ ما لا يُحْصَى، وانْحَصَرَتْ المَدينَةُ
العُظْمَىْ بالخَلْقِ فحاصَرَهُم الفِرَنْجُ شُهوراً، وقاتَلُوهم أشَدَّ الِقِتَال، وعُدِمَ أهلُها
الأقْواتَ، ومَاتَ خَلقٌ كثيرٌ جُوعاً، ثُمَّ اتَّفَقَ رأيُهُم مع أدْفُونْشَ - لَعَنَه الله - على أنْ
يسَلِّمُوها ويَخْرُجُوا بأمْتِعَتِهِم كُلُّها، ففَعَلَ، ووَفَّى لَهُم ووَصَلَهم إلى مَأْمَنِهِم فِي سَنَةٍ
أربَعٍ وثلاثينَ وسِتٍّ مِئَة .
قال الذهبيُّ: ولَمْ يُمَثَّعْ بَعدَها ابنُ هُود ، بَلْ أَخَذَهُ اللهُ فِي سَنةِ خَمسٍ فَكانَتْ دَولَتُه
تسعَةَ أعْوامٍ وتسعَةَ أشْهرٍ وتسعَةَ أيّامٍ ، وهَلَكَ بالمريّة جَهَزَ عليه مَنْ غَمَّهُ وهو نائمٌ ،
وحُمِلَ إلى مُرسيةَ فِدُفِنَ هُناكَ ، ولَمْ يَمُتْ حتىْ قَوِيَ أمْرُ المُوَحِّدينَ وقَامَ بَعدَهُ مُحمّدُ ابنُ
يُوسُف بنُ نَصْر بنُ الأَحْمَر، ودَامَ المُلكُ في ذُرِيَتِهِ(١).
قالَ الإمامُ الذهبيُّ وفي سَنَة ثمانٍ وثلاثين وستٌ مئة سَلَّمَ الصَّالِحُ إِسْماعِيلُ قَلْعَةً
الشَّقِيفِ إلى الفِرَنْجِ ليُنْجِدُوهُ على المِصْريّين فأنْكَرَ عليه ابنُ الحاجِبِ وابنُ عبد السَّلامِ
فسَجَنَهُما مُدَّةً(٢) .
٢ - مَنْ خَافَ من الصَّليبيّن فهادَنَهم وأعْطَاهُم مالاً وبُلداناً إِسْلاميّة :
قال الإمامُ الذهبيُّ في تَرجَمَة السُّلطانِ العَادِل سَيفِ الدِّين : خافَ من الفِرَنْجِ
فصَالَحَهم وهادَنَهم وأعْطاهُم مَغَلّ الرَّمَلَة ولُدَّ، وسَلَّمَ إليهِم يَافَا، فَقَويَتْ نُفُوسُهم ،
فالأمْرُ لله .
(١) انظر السير: (محمد بن يوسف بن هود) ٢٠/٢٣ -٢٢، وانظر النزهة: ١/١٧١٢.
(٢) انظر السير: (المستنصر بالله) ١٥٥/٢٣-١٦٨، وانظر النزهة: ٥/١٧٢٠.
٣٢٩

قال المُوَفَّقُ عبدُ اللَّطيف : كانَ أعْمَقَ إخْوَتِهِ فِكْراً، وأْوَلَهم عُمْراً وأنْظَرَهُم في
العَوَاقِبِ، وأحَبَّهُم للدِّرْهَم، وكان فيه حِلمٌ وَنَةٌ وصَبْرٌ على الشَّدائِدِ ، سَعيدُ
الجَدِّ(١)، عاليَ الكَعْبِ، مُظَفَّراً، أَكُولاً، نَهِمَاً، يَأْكُلُ من الحَلْواءِ الشُّكرِيَّةِ رَطْلاً
بالدِّمَشْقيّ وكان كَثيرَ الصَّلاةِ، ويَصُومُ الخَميسَ ، يُكْثِرُ الصَّدَقَةِ عندَ نُزُولِ الآفاتِ ،
وكان قَليلَ المَرَضِ ، لقد أُحْضِرَ إليه أرْبَعُونَ حِمْلاً من البَطِّيخِ فَكَسَرَ الجَميعَ وبَالَغَ في
الأكْلِ فحُمَّ يَوماً وكان كَثيرَ التَّمَثُّعِ بالجَوارِي ، ولا يُدْخِلُ عَلَيْهِنَّ خادِماً إلاَّ دُونَ
البُلُوعِ .
نُجِبَ له ◌ِدَّةُ أوْلادٍ سَلْطَنَهُم ، وزَوَّجَ بِنَاتَهُ بِمُلُوكِ الأطْرافِ(٢).
٣- مَنْ اسْتَنَّجَدَ بالنَّصارَىْ ضَّ جَيْشٍ مُسْلِمٍ ظالِمٍ :
وجاءَ في تَرجمةِ الأميرِ جَوْهَر قائد الجيوش الرُّومِيّ المَغْربيّ ، قال الذهبيُّ : كان
جَوْهَرٌ هذا حَسَنَ السِّيرَة في الرَّعايَا ، عاقِلاً أدِيباً شجاعاً ، مَهيباً ، لكنَّه على نِحْلَةِ بَني
عُبَيْد التي ظاهِرُها الرَّفْضُ وباطِنُها الانْحِلالُ، وعُمُومُ جُيُوشِهِم بَرْبَرٌ وأهْلُ زعارة وشَرٍّ ،
لا سِيَّمَا مَنْ تَزَنْدَقَ منهُم، فكانُوا في مَعْنَى الْكَفَرَةِ، فَيَا ما ذَاقَ المُسلِمُونَ منهم من
القَتلِ ، والنَّهبِ ، وسَبْي الحَريمِ ، ولا سِيَّما في أوائِل دَوْلَتِهِم حتى إنَّ أهلَ صُورٍ قامُوا
عَلَيْهِم وقَتَلُوا فيهم، فَهَرَبُوا حتى إنَّ أهلَ صُورِ اسْتَنْجَدُوا بِنَصَارَى الرُّومِ فجاؤُوا في
المَرَاكِبِ وكان أهلُ صُورٍ قد لَحِقَهُم من المَغَارِبَة من الظُّلْمِ والجُورِ وأخْذِ الحَريمِ من
الحَمَّامَاتِ والطُّرُقِ أمْرٌ كَبِيرٌ(٣).
٤- مَنْ اسْتَنَّجَدَ بالنَّصارَى خَوفاً مِنْ حَربِ المُسلِمِينَ له :
وجاءَ في تَرجَمةِ مُحمّد بنِ سَعد بنِ مُحمّد بنِ مَرْدنيش، قال الذهبيُّ : كان صِهْراً
للمَلِكِ المُجاهِدِ الوَرِعِ أبي مُحمّد عبد الله ابنِ عياض فلمَّا تُوفِيَ ابنُ عِياض ، اتَّفَقَ رأُ
(١) الجَدّ : الحظ أو البخت.
(٢) انظر السير: (العادل وبنوه) ١١٥/٢٢-١٢٠، وانظر النزهة: ٢/١٦٧١.
(٣) انظر السير: (جوهر) ٤٦٧/١٦-٤٦٨، وانظر النزهة: ٣/١٣٠٦.
٣٣٠

أجْنادِهِ علىْ تَقْديمٍ ابن مَرْدنيش هذا عليهم ، وكان صَغيرَ السِّنِّ شاباً ، لَكَّه كان مِمَّن
يُضْرَبُ بِشَجاعَتِهِ المَثلُ وابتُلي بجَيشِ عبدِ المُؤمن يُحارِبُونَه ، فاضْطَرَّ إلى الاسْتِعَانَةَ
بالفِرَنْجِ فلمَّا تُؤُفِّي الخَليفَةُ عبدُ المُؤْمن تَمَكَّنَ ابنُ مَرْدنيش، وقَوِيَ سُلطانُهُ وجَرَتْ له
حُروبٌ وخُطُوبٌ .
ذَكَرَهُ الْيَسَعُ في ((تاريخِه)) وقال: نازَلَتِ الرُّومُ المَرِيَّةَ عندَ عِلمِهِم بِمَوتِ ابنِ
عِياض ، ولِكَونِ ابنِ مَرْدنيش شَاباً ، لَكنَّه عِندَهُ من الإقْدام ما لا يُوجَدُ في أحَدٍ حتى
أضَرَّ به في مَواضِعَ شاهَدْناها معه، والرَّأيُّ قبلَ الشَّجَاعَةِ، وإلاَّ فهُو في القُوَّةِ
والشَّجاعَة في مَحلِّ لا يَتَمَكَّنُ منه أحَدٌ في عَصْرِهِ، ما اسْتَتَمَّ خَمسَةَ عَشَرَ عَاماً حتى
ظَهَرتْ شَجاعَتُه ، فإنَّ العَدُوَّ نازَلَ إفراغة ، فَقَرُبَ فارِسٌ منهُم إلى الشُّورِ، فخَرَجَ
مُحمّدٌ ، وأبُوهُ سَعدٌ لا يَعرِفُ ، فالْتَّقَيَا على حاقَّةِ النَّهْرِ ، فضَرَبَهُ مُحمّدٌ ألقَاهُ مع حِصانِهِ
في المَاءِ ، فلمَّا كان الغَدُ طَلَبَ فارِسٌ من الرُّومِ مُبارَزَتَه ، وقال : أيْنَ قاتلُ فارِسِنا
بالأمْسِ ؟ فامْتَنَعَ والِدُه من إخراجِه له، فلمَّا كَان وَقتُ القَائِلَة وقد نَامَ أَبُوهُ رَكِبَ
حِصانَه، وخَرَجَ حتّى وَصَلَ إلى خِيامِ العَدُوِّ، فِقِيلَ للمَلِك: هذا ابنُ سَعد فأحْضَرَهُ
مَجْلِسَه ، وأكْرَمَه وقال : ما تُريدُ ؟ قال : مَنَعَنِي أبي من المُبارَزَةِ ، فَأَيْنَ الذي يُبارِزُ ؟
فقال : لا تَعْصِ أبَاكَ فقالَ: لا بُدَّ فحَضَرَ المُبارِزُ فالْتَّقَيَا، فَضَرَبَ العِلْجُ مُحمَّداً في
طارِقَتِهِ ، وضَرَبَ هو العِلْجَ ألْقَاهُ ثمَّ أوْمَاً إليه بالرُّمْحِ لَيَقْتُلَه، فحالَتْ الرُّومُ بِينَهُما ،
وأعْطَاهُ المَلِكُ جَائِزَةً (١).
وقال الذهبيُّ : كان السُّلطانُ المَلِكُ الصَّالِحُ عِمادُ الدِّين أبُو الخيس إسْمَاعِيلُ ابنُ
المَلِكِ العادِلِ قَليلَ البَخْتِ ، بَطَلاً، شُجاعاً، مَهِيباً، شَديدَ البَطْشِ، مَلِيحَ الشَّكلِ ،
كان في خِدمَة أخيه الأشْرَف ، فلمَّا ماتَ الأَشْرَفُ تَوَثَّبَ على دِمَشْقَ، وتَمَلَّكَ، فَجَاءَ
أخُوهُ السُّلطانُ المَلكُ الكامل، وحَاصَرَه، وأخَذَ منه دِمَشْقَ، ورَدَّهُ إلى بَعْلَبَك ، فلمَّا
ماتَ الكاملُ وتَمَلَّكَ الجَوَادُ ثمّ الصَّالِحُ نَجْمُ الدين ، وسارَ نَجْمُ الدين يَقْصِدُ مِصْرَ ،
هَجَمَ الصَّالِحُ إسماعيلُ بإعانَةٍ صاحِبٍ حِمْصَ المُجَاهِدِ فَتَمَلَّكَ دِمَشْقَ ثانياً فِي سَنةِ سَبْعٍ
(١) انظر السير: (محمد بن سعد) ٢٤٠/٢٩ -٢٤٢، وانظر النزهة: ٢/١٥٤٨.
٣٣١

وثلاثين ، فبَقِيَ بها إلىْ سَنَةِ اثْتَيْنٍ وأرْبَعِينَ وحَارَبَه الصَّالِحُ بالخُوارِزْمِيّة، واسْتَعانَ هو
بالفِرَنْجِ، وبَذَلَ لهم الشَّقيفَ وغَيرَها فمُقِتَ لذلك وكان فيه جُورٌ واسْتَقَضَى على النَّاسِ
الرَّفيعَ الجيليَّ، وتَضَرَّرَ الرَّعِيَّةُ بدمَشْقَ في حِصارِ الخُوارِزميّة حتى أُبِيعَ الخُبزُ رِطلٌ بستة
دَراهم، والجُبْنُ واللَّحمُ بِنِسْبَةِ ذلك، وأَكَلُوا المَيْنَةَ وَوَقَعَ فيهم وَبَاءٌ شَدِيدٌ(١).
٥- مَنْ حَاربَ مع النَّصارَىُ ضدَّ المُسلمينَ يَأساً من أحْواله :
قال الذهبيُّ في تَرجَمَة السُّلطانِ المَلكِ الجَوَادِ مُظَفَّر الدين يُونُس ابن مَمْدُود : كان
جَواداً مُبَدِّراً للخَزائِنِ، قَليلَ الحَزْمِ، وفيه مَحَبَّةٌ للصَّالحين ، والْتُفَّ حَولَه ظَلَمَةٌ ثم
تَزَلْزَلَ أمْرُهُ ، فَكَاتَبَ المَلكَ الصَّالِحَ أَيُّوبَ بنَ الكاملِ صَاحِبَ سِنْجار وغَيْرَها ، فَبَادَرَ
إليه وأعْطَاهُ دِمَشْقَ وعَوَّضَه بسِنْجَارَ وعَانَةَ فخابَ البَيعُ ، فَذَهَبَ إلى الجَزيرَةِ ، فَلَمْ يَتمَّ
له أمرٌ، وأُخِذَتْ منه سِنْجَارُ، ويَقِيَ في عَانَةٌ حَزِيناً ، فَتَرَكَها ومَضَىْ إلى بَغْدَادَ فَبَاعَ عَانَةَ
للمُسْتَنْصِرِ بمالٍ ، ثمّ قَدِمَ على المَلكِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ فما أقْبَلَ عليه ، وهَمَّ باعْتِقَالِهِ ففَرَّ
إلى الكَرْكِ، فقَبَضَ عليه النَّاصِرُ، ثمَّ هَرَبَ من مَخاليِه ، فقَدِمَ علىُ صاحِبٍ دِمَشْقَ
يومَئذٍ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ عَمِّه، فمَا بِشَّرَ به ، وتَرَاجَمَتْهُ الأَحْوالُ، فقَصَدَ الفِرَنْجِيَّ مَلكَ
بَيْرُوتَ، فأكْرَمُوهُ وحَضَرَ مَعهُم وَفْعَةَ قلنسوةَ من عَملِ نابلس قَتَلُوا بها ألْفَ مُسلمٍ ،
نَعُوذُ باللهِ من المَكْرِ والخِزْي ، ثم تَخَيَّلَ عَمُّه الصَّالِحُ فسَجَنَه بعزّتا ، ثم إنَّ الفِرَنْجَ أَلَخُوا
على الصَّالِحِ ، وكان مُصافِياً لهم ، في إطْلاقِ الجَوَادِ ، وقالوا: لا بُدَّلْنَا مِنْهُ، وكانت
أمُّه إِفْرَنْجِيّةَ فيما قِيلَ، فَأَظْهَرَ لهم أنَّه قد تُوُفِيَ فِقِيلَ : خَنَقَهُ فِي سَنَةِ إحْدَى وأرْبعينَ
وسِتُّ مِئَة، وحُمِلَ فدُفِنَ عند المُعظّمِ بسَفْحِ قاسيُونَ ، سَامَحَه اللهُ تَعالَى(٢).
٦ - مُهادَنةُ الكامل للصَّليبيِّين وإعْطَاؤُهم بَيَتَ المَقْدس :
قال الذهبيُّ في ترجمة المستنصر بالله : وفي سَنةِ خَمسٍ وعِشرينَ وستمائة اسْتَوْلَى
الفِرَنجُ على صَيْدا وقَويَتْ نُفُوسُهم وجاءَهم مَلكُ الألمانِ الأنبرُور وقد اسْتَولَى على
(١) انظر السير: (الصالح) ١٣٤/٢٢ -١٣٧، وانظر النزهة: ٤/١٦٧٦.
(٢) انظر السير: ( الجواد) ١٨٤/٢٣-١٨٥، وانظر النزهة: ٢/١٧٢٦.
٣٣٢

قُبُرُصَ فكاتَبَه الكاملُ ليُعينَه على النَّاصِرِ، وخافَتْهُ مُلوكُ السَّواحِلِ والمُسلِمونَ
فكاتَبَ مُلوكُ الفِرَنْج الكاملَ بأنَّهم يُمْسِكُونَ الأنبرور فَبَعَثَ وأوْقَفَهم علىُ عَزْمِهِم
فَعَرَفَها الكاملُ(١) وأَجابَه إلى هَواهُ وتَرَدَّدت المُراسَلاتُ وخَضَعَ الأنبرور وقالَ : أنا
عَتيقُكَ وإنْ أنا رَجَعتُ خائِباً انْكَسَرَتْ حُرْمَتي، وهَذهِ القُدْسُ أصْلُ دِينِنَا وهي خَرابَةٌ
ولا دَخْلَ لهَا ، فَتَصَدَّقْ عليَّ بِقَصَبَةِ البَلدِ وأنا أحْمِلُ مَحْصُولَها إلى خَزَانَتِكَ ، فَلانَ
لِذلك(٢).
قال الذهبيُّ : وفي سَنة ستٍّ وعشرين وستمائة سَلَّمَ الكاملُ القُدسَ إلى الفِرَنْجِ
فَوَاغَوْثاهُ بالله(٣) . وأَتْبَعَ ذلكَ بحِصَارِ دِمَشْقَ وأذِيَّةِ الرَّعيَّةِ، وجَرَتْ بينَهم وَقعاتٌ منها
وَقْعَةٌ قُتِلَ فيها خَلقٌ من الفَرِيقَينِ، وأُحْرِقَتْ الحَواضِرُ وزَحَفُوا علىْ دِمَشْقَ مِرارا،
واشْتَدَّ الغَلاءُ، ودَامَ البَلاءُ أَشْهُراً ثمّ قَنِعَ النَّاصِرُ بالكَرْكِ ونابلسَ والغُورَ ، وسَلَّمَ الكاملُ
دِمَشْقَ للأشْرَفِ وعُوِّضَ عنها بِحَرَّانَ والرَّقَّةَ ورأسِ عَين، ثمّ حاصَرُوا الأَمْجَدَ بَعْلَبَكْ ،
ورَمَوْها بالمَجانيقَ وأُخِذَتْ، فَتَحوَّلَ الأمْجَدُ إلى دَارِهِ بِدِمَشْقَ.
وفي سَنة ثلاثينَ: حَاصَرَ الكاملُ آمدَ فَأَخَذَها من المَلكِ المَسْعُودِ الأتَابكيّ وكان
فاسِقاً يَأْخُذُ بَاتِ النَّاسِ قَهْراَ(٤) .
٧- الاحتفال بأعْیادِهم :
وجَاءَ في تَرَجَمَةِ المَلكِ الرَّحيمِ بَدْرِ الدِّينِ الأتَابِكِيّ ، قال الذهبيُّ: وكان يَحْتِفِلُ
لعيدِ الشَّعانينَ لبَقايَا فيه من شِعارِ أهْلِه، فَيَمُدُّ سِماطاً عَظيماً إلى الغاية ، ويُحْضِرُ
المَغَاني، وفي غُضُونِ ذلك أوَاني الخُمورِ ، فَيَفرَحُ ويَنْتُرُ الذَّهبَ من القَلْعَةِ ،
(١) العبارة ملبسة بسبب الاختصار المخل وسرعة الصياغة، والأصل في ((تاريخ الإسلام)): ( فكاتبوا
الكامل : إذا حصل مصاف نمسك الأنبرور فسيّر إلى الأنبرور كتبهم ، وأوقفه عليها فعرف الأنبرور
ذلك للكامل وأجابه إلى كل ما يريد ) .
انظر السير: ( المستنصر بالله) ١٥٥/٢٣-١٦٨، وانظر النزهة: ٣/١٧١٩.
(٢)
(٣) قال في ((تاريخ الإسلام)): (وكانت هذه من الوصمات التي دخلت على المسلمين ) .
(٤) انظر السير: (المستنصر بالله) ١٥٥/٢٣-١٦٨، وانظر النزهة: ١/١٧٢٠.
٣٣٣

ويَتَخاطَفَهُ الرِّجالُ، فمُقِتَ الإِحْياءِ شِعَارِ النَّصارَىُ ، وقِيلَ فيه(١) :
ويَزْعُمُ أَنَّ اللهَ عِيسَى ابنُ مَرْيَمٍ
يُعَظِّمُ أعْيَادَ النَّصَارَى مَحَبَّةً
إلى المَجْدِ قَالَتْ أرْمِنيُهُ نَمٍ
إذا نَّهَتْهُ نَخْوَةٌ أرْيَحِيَّةٌ
(١) انظر السير: (الملك الرحيم) ٣٥٦/٢٣-٣٥٨، وانظر النزهة: ١/١٧٤٠
٣٣٤

البذْعَة
١ - ضابط لبعض صفات المبتدعة :
عن أبي قِلابَة ، قال : إذا حَدَّثتَ الرَّجُلَ بِالسُّنَّةِ ، فقالَ: دَعْنا من هذا ، وهَاتِ
كِتَابَ اللهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ ضَالٌ(١) .
قال الذهبيُّ : وإذا رَأْيتَ المُتَكَلِّمَ المُبْتَدِعَ يقُولُ : دَعْنا من الكتاب والأحاديثِ
الآحادِ، وهَاتِ العَقْلَ فاعْلَمْ أنَّه أبو جَهْل ، وإذا رَأْيتَ السَّالِكَ الَّوحيديَّ يَقولُ : دَعْنا
من النَّقْلِ ومن العَقْلِ ، وهَاتِ الذَّوْقَ والوَجْدَ ، فَاعْلَمْ أنَّه إبليسٌ قد ظَهَرَ بصُورَةٍ بَشَر ،
أو قد حَلَّ فيه ، فإِنْ جَبُنْتَ منه، فاهْرُبْ، وإلاَّ فاصْرَعْهُ وابْرُكْ على صَدرِهِ واقْرَأ عليه
آيةَ الكُرْسيّ واخْتُقْهُ(٢).
( أ) تعريفُ البدعة المَذْمومَة :
قال الشافعيُّ : المُحْدَثاتُ من الأمُورِ ضَرْبان: ما أُحْدِثَ يُخالِفُ كِتاباً أو سُنَّة أو
أَثَراً أو إجماعاً ، فهذه البدْعَةُ ضَلالَةٌ، وما أُحْدِثَ من الخَيْرِ لا خِلافَ فيه لواحدٍ من
هذا، فَهَذه مُحْدَثَةٌ غَيرُ مَذْمومَة، قد قالَ عُمَرُ في قِيامِ رَمَضَانَ: نِعْمَتِ البِدْعُ هذه ،
يَعني أنَّها مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ ، وإذ كانَت فَلَيْسَ فيها رَدٌّ لما مَضَى(٣).
(ب ) الْتِمَاسُ الذهبيّ العُذْرَ لمَنْ تَلَّس ببعض البِدَع وهو حَسَنُ النيّة :
قال الذهبيُّ في تَرْجَمَة قَتَادَةَ بن دعامة قُدوة المُفَسِّرين: هُوَ حُجّةٌ بالإجماعِ إذا بَيَّنَ
السَّماعَ ، فإنَّه مُدَلِّسٌ مَعْروفٌ بذَلكَ، وكان يَرَى القَدَرَ، نَسْألُ اللهَ العَفْوَ ، وَمَع هذا
فما تَوَقَّفَ أحَدٌ في صِدْقِهِ ، وعَدالَتِهِ، وحِفْظِهِ، ولَعَلَّ اللهَ يَعْذُرُ أَمْثَالَه مِمَّن تَلَّسَ بِدْعَة
انظر السير: ( أبو قلابة) ٤ / ٤٦٨ - ٤٧٥، وانظر النزهة: ٣/٥٣٤.
(١)
انظر السير : ( أبو قلابة) ٤٦٨/٤ - ٤٧٥، وانظر النزهة: ٤/٥٣٤.
(٢)
انظر السير: ( الشافعي) ١٠/ ٥-٩٩، وانظر النزهة: ٢/٨٥١.
(٣)
٣٣٥

يُريدُ بها تَعْظِيمَ البَارِي وتَنْزِيهَه، وبَذَلَ وُسْعَه، والله حَكَمٌ عَدْلٌ لَطيفٌ بعِبادِه ،
ولا يُسْألُ عَمَّا يَفْعَلُ، ثُمَّ إِنَّ الكَبيرَ من أئِمَّةِ العِلْم إذا كَثُرَ صَوابُه، وعُلِمَ تَحَرِّهِ للحَقِّ ،
واتَّسَعَ عِلمُه، وظَهَرَ ذَكاؤُهُ، وعُرِفَ صَلاحُه ووَرَعُه واتِّبَاعُه، يُغْفَرُ لَه زَلَلُه،
ولا نُضَلِّلُهُ ونَطْرَحُه، ونَنْسَى مَحاسِنَه، نَعَم ولا نَقْتَدي به في بِدْعَتِهِ وخَطَئِهِ ونَرْجُو له
الثَّوبَةَ من ذلك(١) .
قال أبو الفَرَج ابنُ الجَوْزِيّ : رَأيتُ العَلَّمَةَ أبا عبدِ الله العُثمانيّ يَعِظُ بِجَامِعِ
القَصْرِ ، وكان غالياً في مَذْهَبِ الأشْعَريِّ .
ماتَ فِي سَنةَ سَبِعٍ وعِشرينَ وخَمسٍ مِئَةٌ(٢) .
قال الذهبيُّ : غُلاةُ المُعتَزِلَة، وغُلاةُ الشِّيعَةِ، وغُلاةُ الحَنابِلَة ، وغُلاةُ الأشَاعِرَة ،
وغُلاةُ المُرْجِئَةِ، وغُلاةُ الجهْميَّة ، وغُلاةُ الكرّاميّة ، قد ماجَتْ بهم الدُّنيا ، وكَثُرُوا ،
وفيهم أذْكَيَاءُ وعُبَّدُ وعُلَماءُ، نَسْألُ اللهَ العَفْوَ والمَغْفِرَةَ لأَهْلِ التَّوحِيد، ونَبَرَأُ إلى الله
من الهَوَى والبِدَعِ ونُحِبُّ السُّنَّةَ وأهْلَها ، ونُحِبُّ العَالِمَ على ما فيه من الاتِّباع والصِّفاتِ
الحَميدَة، ولا نُحِبُّ ما ابْتُدِعَ فيه بتأويلٍ سائِغ، وإنَّما العِبرَةُ بكَثْرةِ المَحاسِنَ (٣).
٢ - الاتِّبَاعُ يَنفي الابْتِداع:
يَقُولُ أَبُو عُثْمانَ الحيْرِيّ : مَنْ أمَّرَ السُّنَّةَ على نَفْسِهِ قَوْلاً وفِعْلاً، نَطَقَ بالحِكْمَةِ ،
ومَنْ أمَّرَ الهَوَىُ على نَفْسِه نَطَقَ بالبِدْعَة، قالَ تَعالَى: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ (٤) .
قال الذهبيُّ: وقالَ تَعالَى: ﴿ وَلَا تَشَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾(٥)،(٦).
انظر السير: ( قتادة) ٢٦٩/٥-٢٨٣، وانظر النزهة: ٤/٦٠١.
(١)
انظر السير: ( العثماني) ٢٠/ ٤٤-٤٦، وانظر النزهة: ٢/١٥٢٩.
(٢)
انظر السير: ( العثماني) ٢٠/ ٤٤-٤٦، وانظر النزهة : ٣/١٥٢٩.
(٣)
سورة النور ، الآية : ٥٤ .
(٤)
سورة ص ، الآية ٢٦ .
(٥)
انظر السير: ( أبو عثمان الحيري) ١٤ / ٦٢ - ٦٦، وانظر النزهة: ٢/١١٣١.
(٦)
٣٣٦

٣- وُجُوبُ اتِّباع ما جاءَ به النّبيُّ صلى الله عليه وسلم :
قال مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله ، سَمعتُ مَالِكاً يَقُولُ : سَنَّ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
ووُلاةُ الأَمْرِ بَعدَهُ سُنَنَاً ، الأخْذُ بها اتِّبَاعٌ لكِتابِ الله، واسْتِكْمَالٌ بِطَاعَةِ الله ، وقُوةٌ على
دِينِ الله ، لَيسَ لأحَدٍ تَغْيِيرُها، ولا تَبْدِيلُها ، ولا النَّظَرُّ في شيءٍ خالَفَها، مَنْ اهْتَدَى
بها ، فهُوَ مُهْتَدٍ، ومَنْ اسْتَنْصَرَ بها، فهُوَ مَنْصُورٌ، ومَنْ تَرَكَها ، اتَّبَعَ غَيرَ سَبِيلٍ
المُؤمِنينَ، ووَلاَهُ اللهُ ما تَوَلَّى، وأصْلاهُ جَهَنَّمَ وسَاءَتْ مَصِيراً(١) .
٤- التَّحْذيرُ من تَرْك اتِّباع ما جاءَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم والاستماع إلى
الجَدَلِ والآراء :
قال مالكٌ: أكُلَّمَا جاءَنا رَجُلٌ أجْدَلُ من رَجُلٍ تَرَكْنَا ما نَزَلَ به جِبْرِيلُ على مُحمَّدٍ
صلى الله عليه وسلم لِجَدَلِه؟ !! (٢) .
٥ - زَجْرُ أهلِ البِدَعِ والأهْواءِ ومَنْعهم من الكلام :
ذَكَرَ ابنُ أبي الدُّنيا أنَّ المَهْدِيَّ الخَليفَة العبّاسيّ كَتَبَ إلى الأمْصارِ يَزْجُرُ أنْ يَتَكلَّمَ
أحدٌ من أهلِ الأهواءِ في شيءٍ منها(٣) .
وعن يُوسُفَ الصَّائِغَ قال : رَفَعَ أهلُ البِدَعِ رُؤوسَهم وأخَذُوا في الجَدَلِ فأمَرَ بِمَنْعِ
النَّاسِ من الكَلام ، وأنْ لا يُخاضَ فيه (٤) .
٦ - الحَتُّ على البُعد عنهم وتَجَتْبِهِم حتّى لا يُضِلُّوا غَيرَهم:
رَوَىْ عَمْرُو بنُ مالك عن أبي الجَوْزاء ، قالَ : لأنْ أُجالِسَ الخَنازِيرَ أحَبُّ إليَّ مِنْ
أنْ أُجالِسَ أحَداً مِنْ أهْلِ الأَهْوَاءِ (٥).
(١) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٣/٧٣٤.
(٢) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة : ٤/٧٣٤.
(٣)
انظر السير: ( المَهديّ) ٧/ ٤٠٠ -٤٠٣، وانظر النزهة: ١/٧١١.
انظر السير: ( المَهديّ) ٧/ ٤٠٠ -٤٠٣، وانظر النزهة: ٢/٧١١.
(٤)
(٥) انظر السير: (أبو الجوزاء) ٣٧١/٤ -٣٧٢، وانظر النزهة: ٥/٥١٢.
٣٣٧

وعن أبي قِلابة ، قال: إذا حَدَّثتَ الرَّجُلَ بالسُّنَّةِ، فقالَ: دَعْنا من هذا، وهَاتِ
كِتَابَ اللهِ، فاعْلَمْ أَنَّهُ ضَالُّ (١).
وقال عبدُ الصَّمَد مَرْدَوَيه : سَمعتُ الفُضَيْلَ يَقُولُ : مَنْ أَحَبَّ صَاحبَ بِدْعةٍ ،
أحْبَطَ اللهُ عَمَلَه وأخْرَجَ نُورَ الإسْلامِ من قَلبِهِ ، لا يَرتَفِعُ لِصاحِبٍ بِدعَةٍ إلى الله عَمَلٌ نَظَرُ
المُؤمِنِ إلى المُؤْمِنِ يَجْلُو القَلبَ،َ ونَظَرُ الرجُلِ إلى صاحبِ البِدعَة يُورِثُ العَمَىُ ، مَنْ
جَلَسَ مع صاحِبٍ بِدْعَةٍ لَمْ يُعْطَ الِحِكْمَةَ(٢) .
٧- التَّحْذيرُ من إلْقاءِ الشُّبَه على العامّة :
عن سُفْيَانَ الثَّوريّ: مَنْ سَمِعَ بِبِدْعَةٍ فلا يَحْكِهَا لجُلَسَائِهِ، لا يُلْقِهَا فِي
قُلُوبِهِم(٣) .
قال الذهبيُّ: أكْثِرُ أئِمَّة السَّلَفِ على هذا التَّحْذِيرِ، يَرَوْنَ أنَّ القُلوبَ ضَعِيفَةٌ والشُّبَهَ
خَطَّافَةٌ (٤) .
٨- مُناقَشَة اعتقادات بعضِ الفِرَق المُبتدِعَة :
قال أحمدُ بنُ حَنْبَل : أخْبَرَني رجلٌ من أصْحابِ الحَديثِ أنَّ يَحْيَىُ بنَ صالحِ قال :
لَوْ تَرَكَ أصْحابُ الحَديثِ عَشْرَةَ أحَادِيثَ - يَعْني هذه التي في الرُّؤْية - ثم قال أحمدُ :
كأنَّه نَزَعَ إلىْ رَأيٍ جَهْم .
قال الذهبيُّ : والمُعْتَزِلَةُ تقُولُ: لَوْ أنَّ المُحَدِّثينَ تَرَكُوا ألْفَ حَديثٍ في الصِّفاتِ
والأسْماءِ والرُّؤْيَةِ ، والتُّزولِ ، لأصابُوا والقَدَريَّةُ تقُولُ: لَوْ أنَّهِم تَرَكوا سَبْعينَ حَديثاً
في إِثْبَاتِ القَدَرِ .
والرَّافِضَةُ تَقُولُ : لَوْ أَنَّ الجُمهُورَ تَرَكوا من الأحَاديثِ التي يَدَّعُونَ صِحَّتَها ألفَ
(١) انظر السير: (أبو قلابة) ٤٦٨/٤- ٤٧٥، وانظر النزهة: ٣/٥٣٤.
(٢) انظر السير: (الفضيل بن عياض) ٤٢١/٨ -٤٤٢، وانظر النزهة: ٨/٧٧٧.
(٣) انظر السير: (سُفيان الثوريّ) ٢٢٩/٧ -٢٧٩، وانظر النزهة: ١/٦٩٨.
(٤) انظر السير: (سُفيان الثوريّ) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٢/٦٩٨.
٣٣٨

حَديثٍ ، لأصابوا، وكَثِيرٌ من ذَوي الرَّأَي يَرُدُونَ أحاديثَ شَافَهَ بها الحَافِظُ المُفْتِي
المُجْتِهِدُ أبو هُرَيْرَةَ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ويَزْعُمونَ أنَّه ما كانَ فَقيهاً ،
ويَأْتُونَنَا بأحاديثَ ساقِطَةٍ ، أو لا يُعْرَفُ لها إسْنادٌ أصْلاً مُحْتَجِّينَ بها .
ثم قال الذهبيُّ: ولِلكُلِّ مَوْقِفٌ بين يَدَى اللهِ تَعالَى: يا سُبْحانَ الله !! أحَادِيثُ
رُؤْيَةِ اللهِ فِي الآخِرَةِ مُتَوَاتِرَةٌ ، والقُرآنُ مُصَدِّقٌ لهَا، فأيْنَ الإنْصافُ؟ !! (١).
٩- كيْفِيَّةُ الرَّدِّ على بَعضِ أهلِ البِدَعِ :
عن أبي ثَوْرِ قالَ : سَمعتُ الشَّافعيَّ يقُولُ: كان مَالكٌ إذا جاءَهُ بَعْضُ أهْلِ الأهْواءِ
قال : إنِّي علىُ بَيِّنةٍ من دينِي ، وأمَّا أنْتَ، فَشَاكٌ ، اذْهبْ إلىْ شَاكٌّ مِثْلِك
فخاصِمْهُ(٢).
١٠ - مَنْ كُفِّرَ بِذْعَة فَلَيسَ هو كالكَافِرِ الأَصْليّ :
قال الإمامُ الذهبيُّ: مَنْ كُفِّرَ بِبِدْعَةٍ وإنْ جَلَّتْ، لَيسَ هو مثلُ الكَافِرِ الأصْلِيِّ ،
ولا اليَهُودِيِّ والمَجُوسيِّ، أبَى اللهُ أنْ يَجْعَلَ مَنْ آمَنَ باللهِ ورسُولِهِ واليَومِ الآخِرِ ، وصَامَ
وصَلِتَىُ وحَجَّ وزَكَّى وإِنِ ارْتَكَبَ العَظائِمَ وضَلَّ وابْتَدَعَ، كمَنْ عَانَدَ الرسُولَ ، وعَبَدَ
الوَثَنَ، ونَبَذَ الشَّرائِعَ وكَفَرَ ، ولكنْ نَبَرَأُ إلى الله من البِدَعِ وأَهْلِها (٣) .
١١- الإِنْكارُ على المُبْتَدِعَة يكُونُ بقَدَرٍ حتى لا يُجاوزَ المُنْكِرُ الحَدَّ الشرعي في
إنكاره :
جاءَ في تَرجمَةِ يَحْيَى بنِ عَمَّار المُحَدِّث الواعِظ قال الذهبيُّ: كان مُتَحَرِّقاً على
المُبْتِدِعَة والجَهْميّة بحيثُ يَؤولُ به ذلك إلى تَجاوز طَريقة السَّلَف، وقد جَعلَ الله لكلِّ
شيءٍ قَدراً ، إلاَّ أنَّه كان له جَلالَةٌ عَجيبَة بِهَراةَ ، وأَتْباعٌ وأنْصارٌ .
وكان فَصيحاً مُفَوَّهاً حَسَنَ المَوعِظَة ، رَأسا في التَّفْسِير ، أكْمَلَ التَّفْسِيرَ على المِنْرِ
(١) انظر السير: (الوحاظيّ) ١٠/ ٤٥٣ -٤٥٦، وانظر النزهة: ٦/٨٨٢.
(٢)
انظر السير: ( مالك بن أنس ) ٤٨/٨ -١٣٥، وانظر النزهة : ٥/٧٣٤.
(٣) انظر السير: (المَريسيّ) ١٩٩/١٠ -٢٠٢، وانظر النزهة: ٥/٨٦٧.
٣٣٩

فِي سَنة اثْنَتَين وتسعين وثلاثٍ مِئَة ، ثم افْتَتَح خَتْمةً أخْرى فماتَ وهو يُفسِّرُ في سُورة
القِيامَة ، وعاشَ تسعينَ سنةً .
قال أبو إسْماعيلَ الأنْصاريُّ: كان يَحْيِىُ بنُ عَمَّار مَلكاً في زِيِّ عالِمٍ ، كان له
مُحِبٌّ مُتَمَوِّلٌ يَحمِلُ إليه كُلَّ عامِ ألفَ دينارٍ هَرَويّة ، فلمَّا ماتَ يَحْبِىُ، وجَدُوا له أرْبَعينَ
بَدْرَةً لِمْ يَفُكَّ خَتْمَها (١) .
١٢ - خَوفُ الصَّالحين من الإِقْدَام على أمُورٍ مَخَافَةَ الانْتِداع :
عن عُبَيدِ الله بنِ واصِل ، سَمعتُ أحمَدَ السُّرْماريَّ يَقولُ ، وأخْرَجَ سَيفَه، فقالَ :
أَعْلَمُ يَقينا أنِّي قَتَلْتُ به ألفَ تُرْكِيٍّ ، وإنْ عِشْتُ قَتَلتُ به ألفاً أُخْرى ، ولَولا خَوْفِ أنْ
يَكُونَ بِدعَةً لأمَرْتُ أنْ يُدْفَنَ مَعي .
وعن مَحمودِ بنِ سَهْل الكاتب ، قال : كانوا في بَعضِ الحُروبِ يُحاصِرونَ مَكاناً ،
ورَئيسُ العَدوُّ قاعدٌ على صُفَّةٍ فَرَمَى السُّرْماريُّ سَهْماً، فَغَرَزَهُ في الصُّفَّةِ ، فَأَوْمَأْ الرَّئيسُ
لِيَنْزِعَهُ ، فَرَماهُ بسَهْمٍ آخر خاطَ يَدَه ، فَتَطاوَلَ الكافِرُ لِيَنْزِعَهُ من يَدِهِ ، فَرَماهُ بِسَهْمٍ ثالثٍ
فِي نَحْرِهِ ، فَانْهَزَمَ العَدوٌّ ، وكان الفَتْحُ .
قال الذهبيُّ : أخْبارُ هذا الغَازي تَسُرُ قَلبَ المُسلِم .
تُوقِّي في سَنة اثنتَينِ وأرْبَعينَ ومِتَتين، رَحِمَه اللهُ تَعالَى ، فإنَّه كان مع فَرْطِ شَجاعَتِهِ
من العُلَماءِ العامِلينَ العُبَّاد(٢).
(١) انظر السير: (يَحيى بن عمّار) ٤٨١/١٧ -٤٨٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٥١.
(٢) انظر السير: (أحمد بن إسحاق) ٣٧/١٣ - ٤٠، وانظر النزهة: ١/١٠٥٠.
٣٤٠