Indexed OCR Text
Pages 281-300
هُوَ والحَسَنُ الكُوفَةَ رَاكِبَيْنِ، وتَسَلَّمَ مُعاويَةُ الخِلافَةَ في آخِرِ رَبِيعِ وسُمِّيَ عَامَ الجَماعَةِ الاجْتِماعِهِم على إمامٍ، وهو عامُ أحَدٍ وأرْبَعينَ(١) . وعن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنه قال: دَخَلتُ على حَفْصَةٍ ونَوْساتُها تَنْطُفُ فقُلْتُ : قد كان من النَّاسِ ما تَرَيْنَ ، ولَمْ يُجعَلْ لي من الأمرِ شيءٌ، قالت: فالْحَقْ بِهِم فإنَّهم يَنْتَظِرُونَك ، وإِنِّي أَخْشَىْ أنْ يَكُونَ في احْتِبَاسِكَ عنهم فُرْقَةٌ فَلَمْ يَرْعَهُ حتىْ ذَهَبَ قال : فلمَّا تَفَرَّقَ الحَكَمَانِ ، خَطَبَ مُعاويَةُ ، فقال: مَنْ كان يُريدُ أنْ يَتَكَلَّمَ في هذا الأمرِ ، فليُطلعْ إليَّ قَرْنَه، فنحنُ أحَقُّ بذلِكَ منهُ ومن أبِيهِ ، يُعَرِّضُ بابنِ عُمَر (٢) . عن الشّعبيِّ، قال : كان مَسْروقٌ إذا قِيلَ له : أبْطَأْتَ عن عَلَيٍّ وعن مَشَاهِدِه ، فِيَقُولُ : أَرَأيْتُم لَوْ أنَّه حين صَفَّ بَعضُكُمْ لِبَعضٍ فَتَزَلَ بَيْنَكُمْ مَلَكٌ فقال: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّاللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾(٣) أكانَ ذلكَ حَاجِزاً لكُم ؟ قالوا : نَعَم قال : فَوَاللهِ لِقَدْ نَزَلَ بها مَلَكٌّ كَرِيمٌ علىْ لِسانِ نَبِيِّكُم، وإنَّها لمُحْكَمَةٌ ما نَسَخَها شيءٍ(٤) . وعن أبي عَقيلٍ بَشيرِ بنِ عُقْبَة قال : قُلتُ لِيَزِيدَ بنِ الشِّخِّير : ما كانَ مُطَرِّفٌ يَصْنَعُ إذا هاجَ النَّاسُ؟ ، قال: يَلْزَمُ قَعْرَ بَيْتِهِ ، ولا يَقْرَبُ لهم جُمُعَةً ولا جَمَاعَةً حتى تَنْجَلي(٥) . قال مُطَرِّفُ: لَأَنْ آخُذَ بالثَّقَةِ في القُعُودِ أحَبُ إليَّ منْ أنْ أُلْتَمِسَ فَضْلَ الجِهادِ بالتَّغْرِيرِ (٦) . وقال أبو العالية: لمَّا كان زَمانُ عَليٍّ ومُعاويَة، وإنِّي لشَاتُ القِتالُ أحَبُّ إليَّ من (١) انظر السير: ( مُعاوية بن أبي سفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ٣/٣٥٢. (٢) انظر السير: (عبد الله بن عُمَر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ٧/٣٧٠. (٣) سورة النساء ، الآية : ٢٩ . انظر السير: ( مَسروق) ٤/ ٦٣ - ٦٩، وانظر النزهة: ٣/٤٤٦. (٤) انظر السير: ( مُطرّف بن عبد الله) ١٨٧/٤- ١٩٥، وانظر النزهة : ٩/٤٧٥. (٥) (٦) انظر السير: (مُطرّف بن عبد الله) ١٨٧/٤ - ١٩٥، وانظر النزهة: ١٠/٤٧٥. ٢٨١ الطَّعَامِ الطَّيِّبْ ، فَتَجَهَّزْتُ بجَهَازٍ حَسَنٍ حتى أتَيْتُهُم ، فإذا صَفَّانِ ما يُرَى طَرَفَاهُما ، إذا كَبََّ هَؤلاء ، كَبَّرَ هؤلاء ، وإذا هَلَّلَ هُؤلاء ، هَلَّلَ هؤلاء . فراجَعْتُ نَفْسِي، فَقُلتُ : أَيُّ الفَرِيقَيْنِ أُنْزِلُهُ كافِراً !! ؟ ، ومَنْ أَكْرَهَني على هذا؟ ، قال : فما أَمْسَيْتُ حتىْ رَجَعْتُ وتَرَكْتُهُم (١). وقال : شُعْبةُ بنُ الحَجَّاجِ : سَمعتُ الحَسَنَ البَصْريّ يقُولُ فِي فِتْنَةِ يَزِيدِ بنِ المُهَلَّبِ: هذا عَدُوُّ اللهِ يَزِيدُ بَنُ المُهَلَّبِ ، كُلَّمَا نَعَقَ بهم ناعِقُ اتَّبَعُوهُ(٢) . (١) انظر السير: (أبو العالية) ٢٠٧/٤ -٢١٣، وانظر النزهة: ٣/٤٧٩. (٢) انظر السير: (يَزِيدُ بن المُهلّب) ٥٠٣/٤-٥٠٦، وانظر النزهة: ٨/٥٤٥. ٢٨٢ الإسلام ١ - الإسْلامُ دينُ يُسْرٍ وسَماحَةٍ لا تَشْديدَ فيه ولا تَنْفير : عن ابنِ مَسْعُودٍ سَمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((ما خُيَِّ ابنُ سُمَيَّةَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَّ اخْتَارَ أيْسَرَهُما )) (١) . وعن سَعيدِ بنِ أبي بردَة ، عن أبيهِ ، عن أبي مُوسَى أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا بَعَثَه ومُعاذاً إلى اليَمَنِ، قال لهُما : (( يَسِّرا ولا تُعَسِّرا وتَطَاوَعا ولا تُنَفِّرا)) فقال له أبو مُوسَى: إنَّ لنا بأرضِنا شَراباً ، يُصْنَعُ من العَسَلِ يُقالُ له: البِتْعُ، ومن الشَّعيرِ يُقالُ له : المِزْرُ، قال صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ » فقال لي مُعاذٌ: كَيفَ تَقْرأُ القُرآنَ ؟ قُلتُ : أَقْرَأُه في صَلاتِي ، وعلىُ راحِلَتِي وقائِماً وقاعِداً ، أتَّفَوَّقُ تَفَؤُّقاً - يَعْني شَيْئاً بعدَ شَيءٍ ، قال: فقال مُعاذٌ : لكنِّي أنامُ ثمَّ أَقُومُ ، فأَحْتَسِبُ نَوْمَتي كما أَحْتَسِبُ قَوْمَتي ، قال : وكأنَّ مُعاذاً فُضِّلَ عليه(٢) . وعن أبي شُرَيْحِ : أنَّه سَمِعَ سَهْلَ بنَ أبي أُمامَة بنِ سَهْلٍ يُحَدِّثُ عن أبيهِ ، عن جَدِّهِ: أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تُشَدِّدُوا علىُ أَنْفُسِكُم، فإنَّمَا هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُم بِتَشْدِيدِهِم علىْ أَنْفُسِهِم ، وسَتَجِدُونَ بَقَايَاهُم في الصَّوامِعِ والدِّياراتِ )). آخَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بينَ سَهْلٍ وعليّ(٣) . وعنِ الأَزْرَقِ بنِ قَيْسٍ قال: كُنَّا على شاطِىءٍ نَهْرٍ بالأهْوازِ ، فجاءَ أبو بَرْزَةَ يَقُودُ فَرَساً ، فدَخَلَ في صَلاةِ العَصْرِ فقال رجلٌ : انْظُروا إلى هذا الشَّيخ ، وكان انْفَلَتَ فَرَسُه، فاتَّبَعَها في القِبَلَةِ حتى أدْرَكَها فأخَذَ بالمِقْوَدِ، ثمَّ صَلَّى قال : فسَمِعَ أبو بَرْزَةَ (١) انظر السير: (عمَّار بن ياسر) ٤٠٦/١-٤٢٨، وانظر النزهة: ١٨٤/ ٧. (٢) انظر السير: (مُعاذ بن جبل) ٤٤٣/١-٤٦١، وانظر النزهة: ٢/١٩١. (٣) انظر السير: (سهل بن حُنيف) ٣٢٥/٢-٣٢٩، وانظر النزهة: ٣/٢٦٨. ٢٨٣ قَولَ الرَّجُلِ ، فجاءَ فقال : ما عَنَّفَني أحَدٌ مُنذُ فارَقْتُ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم غَيرُ هذا، إنِّي شَيخٌ كَبِيرٌ، ومَنْزِلِي مُتَراخ، ولَوْ أقْبَلْتُ على صَلاتي، وتَرَكتُ فَرَسي ، ثمَّ ذَهَبتُ أطْلُبُها، لَمْ آتِ أهْلِي إِلَّ فِي جُنحِ اللَّلِ ، لقد صَحِبتُ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فرأيتُ من يُسْرِهِ، فأقْبَلْنا نَعْتَذِرُ ممَّا قال الرَّجُلُ(١). وعن أبِي قَيْسٍ مَوْلِى عَمْرو بنِ العاص ، أنَّ عَمْراً كان علىُ سَرِيَّةٍ فأصابَهُم بَرْدٌ شَدِيدٌ لَمْ يَرَوا مِثْلَه ، فخَرَجَ لِصلاةِ الصُّبْحِ ، فقال: احْتَلَمتُ البارِحَةَ ، ولكِنِّي والله ما رَأيتُ بَرْداً مِثلَ هذا، فَغَسَلَ مَغاِنَه(٢)، وتَوَضَّأ الصَّلاةِ، ثمَّ صَلَّى بِهِم فلمَّا قَدِمَ على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سَألَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أصْحابَه: (( كيفَ وَجَدْتُم عَمْراً وصَحَابَتَه؟ )) فَأَثْنَوا عليهِ خَيراً، وقالوا: يا رسُولَ الله، صَلَّى بنا وهو جُنُبٌ، فأرْسَلَ إلى عَمْرو، فسَأَلَه، فأخْبَرَه بذلك وبالذي لَقِيَ من البَرْدِ ، وقال : إِنَّ اللهَ قال: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾(٣) ولَوْ اغْتَسَلْتُ مِتُّ فضَحِكَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم . ولمَّا تُؤُفِّيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم كان عَمْرٌو علىُ عُمانَ ، فَأَتَاهُ كِتَابُ أبي بكرٍ بِوَفاةِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم (٤) . وعن عبدِ اللهِ بنِ شَدَّادٍ ، عن أبِيهِ ، قال: خَرَجَ عَلينا رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو حامِلٌ حَسَناً أو حُسَيْناً ، فتَقَدَّمَ ، فَوَضَعَه، ثمَّ كَبَّرَ في الصَّلاةِ فِسَجَدَ سَجْدَةً أَطَالَها، فرَفَعْتُ رَأْسِي ، فإذا بالصَّبِيِّ علىُ ظَهْرِهِ ، فَرَجَعتُ في سُجُودِي فلمَّا قَضَىُ صَلاَتَه ، قالوا : يا رسُولَ الله: إنَّكَ أَطَلْتَ !! قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فكرِهْتُ أنْ أُعْجِلَهُ حتّى يَقْضِيَ حاجَتَهُ » . قال الذهبيُّ : أيْنَ الفَقِيهُ المُتَنَطُّعُ عن هذا الفِعْلِ !! ؟(٥). انظر السير: ( أبو بَرْزَةَ الأسْلميّ) ٤٠/٣-٤٣، وانظر النزهة : ٢/٣٢٨ . (١) المَغابِنُ : الأرفاغُ وهو بَواطِنُ الأفْخاذِ عندَ الحَوالِبِ ، جَمْعُ مِغْبَنْ من غَبَنَ الثَّوبَ : إذا ثناه وعَطَفه . (٢) (٣) سورة النساء ، الآية : ٢٩ . انظر السير: (عمرو بن العاص) ٥٤/٣ -٧٧، وانظر النزهة: ٣/٣٣٥. (٤) (٥) انظر السير: (الحَسن بن عليّ) ٢٤٥/٣-٢٧٩، وانظر النزهة: ٢/٣٨٠. ٢٨٤ ٢ - مَظاهِرُ من عِزَّةِ الإسْلامِ نَسْألُ اللهَ أنْ يَرُدَّها: (أ) قصَّةُ عُمر مع الهُرْمُزان : قال ابنُ سَعد : بعثَه أبو موسى الأَشْعَريُّ إلى عُمرَ ومعَه اثنا عشرَ نَفَساً من العَجَم ، عليهم ثِيابُ الدِّيباج ومَناطِقُ الذَّهَب وأساوِرَة الذَّهب ، فقَدِموا بهم المَدينةَ ، فعَجبَ النَّاسُ من هَيْئَتِهِم، فدَخلوا فوَجدوا عُمرَ نائماً في المَسْجد مُتَوَسِّداً رِداءَه ، فقالَ الهُرمُزان : هذا مَلكُكُم؟! قالوا: نعم، قالَ: أمَا له حاجبٌ ولا حارسٌ؟ قالوا: اللهُ حارسُه حتى يأتيه أجَلُه، قال: هذا المَلكُ الهَنيُّ(١). فقال عُمرُ : الحَمدُ لله الذي أذَلَّ هذا وشيعَتَه بالإسْلام، ثمَّ قالَ للوَفْد : تَكلَّموا ، فقال أنَسُ بنُ مالك : الحَمدُ لله الذي أَنْجَزَ وَعْدَه وأعزَّ دينَه وخَذلَ مَنْ حادَّه، وأوْرِثَنَا أَرْضَهم وديارَهم ، وأفاءَ علينا أبناءَهم وأمْوالَهم ، فبكى عُمرُ ثم قال للهُرمُزان : كيفَ رأيتَ صَنِيعَ الله بكم ؟ فَلَمْ يُجِبْه ، قالَ: ما لَك لا تَتَكلَّم ؟ قال : أكلامُ حَيٍّ أمْ كلامُ ميِّت؟ قال : أوَلَسْتَ حَياً؟ فاسْتَسْقى الهُرمُزان، فقال عُمرُ: لا يُجْمَعُ عليكَ القَتَلُ والعَطشُ ، فَأَتَوْهُ بماءٍ فأمْسَكه ، فقال عُمرُ : اشْربْ لا بأسَ عليك ، فرَمى بالإناءِ وقال : يا مَعْشرَ العَرب كُنتم وأنتم على غَير دينٍ نَسْتعبِدُكم ونَقْتُلُكم وكُنتم أسْوأَ الأُمَم عندنا حالاً ، فلمَّا كانَ الله مَعكم لمْ يَكنْ لأحَد بالله طاقَة، فأمَرَ عُمرُ بقَتلِه ، فقال : أوَلمْ تُؤَمَّنِّي ؟! قال : وكيف ؟ قال : قُلتَ لي: تَكلَّم لا بأسَ عليكَ، وقُلتَ : اشْرَب لا أقتلك حتى تَشْرَبِه، فقال الزُّبَيرُ وأنسٌ: صَدقَ ، فقال عُمرُ: قاتَله الله أخَذَ أماناً وأنا لا أَشْعِرُ، فَتَزَعَ ما كان عليه ، فقال عُمرُ لسُراقَةَ بنِ مالك بنِ جَعْشَم - وكان أسْودَ نَحيفاً - : إِلْبَسْ سوارَيّ الهُرمُزان، فلَبسَهما ولبسَ كِسْوتَهَ(٢) . فقال عُمرُ : الحَمدُ لله الذي سَلبَ كِسْرَى وقَومَه حُليَّهم وكِسْوتَهم وألْبَسَها سُراقَةَ ، (١) انظر السير: (عُمرُ بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٣/٥٧. (٢) انظر السير: ( عُمرُ بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ١/٥٨. ٢٨٥ ثم دَعا الهُرمُزانَ إلى الإسْلامِ فأبى، فقال عليُّ ابنُ أبي طالب: يا أميرَ المؤمنين فَرِّقْ بين هؤلاء ، فحَملَ عُمرُ الهُرمُزانَ وجُفَيْنَةَ وغيرَهما في البَحر ، وقال: اللَّهُم اكْسر بهم، وأرادَ أن يَسيرَ بهم إلى الشَّامِ فكسرَ بهم ولمْ يَغْرَقوا فرَجَعوا فأسْلَموا ، وفَرضَ لهم عُمرُ ألْفَين ألفَين ، وسَمَّى الهُرمُزانَ عَرْفَطة . قال المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمة : رأيتُ الهُرمُزانَ بالرَّوْحاءِ مُهِلاً بالحَجِّ مع عُمرَ ، وقال عليٌّ بنُ زَيد بنُ جُدعان ، عن أنسٍ قال: ما رأيتُ رَجلاً أخْمَصَ بَطْناً ولا أبْعدَ ما بينَ المِنْكَبَين من الهُرمُزان(١). (ب) حِوارُ سَعدِ بنِ مُعاذٍ مع أبي جَهْلٍ وأُمَيَّةِ بنِ خَلَف : عن ابنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: انْطَلَقَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ مُعْتَمِراً ، فَنَزَلَ علىْ أُمَّيَّةَ بنِ خَلَفْ وكان أُمَّةُ إذا انْطَلَقَ إلى الشَّامِ يَمُرُّ بِالمَدِينَةِ ، فَيَنْزِلُ عليه، فقال أُمَيَّهُ له : انْتُظِرْ حتى إذا انْتُصَفَ النَّهَارُ وغَفَلَ النَّاسُ طُفْتَ فبَيْنما سَعدٌ يَطُوفُ إذ أتاهُ أبو جَهْلٍ ، فقال : مَنْ الذي يَطُوفُ آمِناً؟ قال : أنا سَعدٌ فقال: أَتَطُوفُ آمِناً وقد آوَيْتُم مُحمَّداً وأصْحابَه !! ؟ قال: نَعَم فتَلاحَيَا فقال أُمَيَّةُ: لا تَرْفَعْ صَوْتَكَ على أبي الحَكَمِ ، فإنَّه سَيِّدُ أهْلِ الوادي فقال سَعدٌ: والله لَوْ مَنَعْتَني ، لَقَطَعْتُ عليكَ مَتْجَرَكَ بالشَّامِ قال : فجَعَلَ أُمَّهُ يُقُولُ : لا تَرْفَعْ صَوْتَك فَغَضِبَ وقال : دَعْنا منك، فإِنِّي سَمعتُ مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم يقُولُ: يَزْعُمُ أنَّه قاتِلُك، قال: إيّايَّ؟ قال : نَعَم قال : واللهِ ما يَكْذِبُ مُحمَّدٌ فكادَ يُحْدِثُ ، فَرَجَعَ إلى امْرأْتِهِ فقال : أما تَعْلَمينَ ما قال لي أخي الْيَثْرِبِيّ؟ زَعَمَ أنَّه سَمِعَ مُحمَّداً يَزْعُمُ أنَّه قاتِلي قالت: والله ما يَكْذِبُ مُحمَّدٌ فلمَّا خَرَجوا لبَدْرٍ قالت امْرأْتُه : ما ذَكَرْتَ ما قال لكَ أخُوكَ اليَثْربِيّ؟ فأرادَ أنْ لا يَخْرُجَ فقال له أبو جَهْلٍ : إنَّك من أشْرافِ أهْلِ الوادي ، فسِرْ مَعَنا يوماً أو يَومَينِ ، فَسَارَ معهم ، فقَتَلهُ الله(٢) . (١) انظر السير: (عُمرُ بن الخطاب)، وانظر النزهة: ٢/٥٨. (٢) انظر السير: (سعد بن معاذ) ٢٧٩/١ -٢٩٧، وانظر النزهة: ٢/١٦٣. ٢٨٦ (ج ) مُخاطَبَةُ المُغيرَةِ لعامِلٍ كسْرى : أُخْرَجَ البُخاريُّ(١) عن جُبَيْرِ بنِ حَبَّةً، قال: بَعَثَ عُمَرُ رضي الله عنه النَّاسَ في أفْناءِ الأمْصارِ يُقاتِلُونَ المُشْركين فأسْلَمَ الهُرمُزانُ، فقال: إنِّي مُسْتَشِيرُكَ في مَغازِيَّ هذه قال : نَعَم مَثَلُها ومَثَلُ مَنْ فيها من النَّاسِ ، من عَدُوِّ المُسلِمِينَ ، مَثَلُ طائِرٍ له رَأْسٌ ، وله جَناحان وله رِجْلان ، فإنْ كُسِرَ أحَدُ الجَناحَيْنِ نهَضَتْ الرِّجْلانِ بجَناحِ والرَّأسِ ، فإنْ كُسِرَ الجَناحُ الآخَرِ نَهَضَتْ الرِّجْلانِ والرَّأسِ وإِنْ شُرِخَ الرَّأسِ ذَهَبَتِ الرِّجْلانِ والجَناحانِ والرَّأسُ فالرَّأْسُ كِسْرى، والجَناحُ قَيْصَرُ، والجَناحُ الآخَرُ فارِسُ فَمُرٍ المُسلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا إلىْ كِسْرى . عن جُبَيْرِ بنِ حَبَّةٌ قال: فنَدَبَا عُمَرُ، واسْتَعْمَلَ علينا النُّعْمانَ ابنَ مُقَرِّن حتى إذا كُنَّا بِأَرْضِ العَدُوِّ ، وخَرَجَ عَلينا عامِلُ كِسْرى في أرْبَعِينَ ألْفاً فقال: لِيُكَلِّمَنِي رَجُلٌ منْكُم فقال المُغيرَةُ: فَسَلْ عَمَّا شِئْتَ قال: ما أنْتُم؟ قال: ((نَحنُ أُناسٌ من العَرَبِ ، كُنَّا في شَقَاءٍ شَدِيدٍ وبَلاءٍ شَدِيدٍ ، نَمُصُّ الجِلْدَ والنَّوَى من الجُوعِ، ونَلْبَسُ الوَبَرَ والشَّعرَ ، ونَعْبُدُ الشَّجَرَ والحَجَرَ فبَيْنا نَحنُ كذلكَ إذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَرَبُّ الأَرْضِينَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ وجَلَّتْ عَظَمَتُه - إلَيْنَا نَبِياً من أنْفُسِنا، نَعْرِفُ أبَاه وأُمَّه، فأمَرَنا نَبَيْنا رسُولُ رَبًِّا صلى الله عليه وسلم أنْ نُقَاتِلَكُم حتى تَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَه، أو تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ وأخْبَرَنا نَبِيُنا صلى الله عليه وسلم عن رِسالَةِ رَبِّنا أنَّه مَنْ قُتِلَ مِنَّ صَارَ إلى الجَنَّةِ في نعيمٍ لَمْ يُرَ مِثْلُها قَطُ ، ومَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ))(٢) . (د) لبسُ أسامَةَ بنَ زَيد لِحُلَّ ذي يَزن: عن عِراكِ بنِ مالِك أنَّ حَكِيمَ بنَ حِزام قال: كان مُحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم أَحَبَّ النَّاسِ إليَّ في الجاهِليَّةِ فلمَّا نُّىءَ وهاجَرَ شَهِدَ حَكِيمُ المَوْسِمَ كافِراً، فَوَجَدَ حُلَّةً لِذِي يَزَن تُبَاعُ ، فاشْتَراها بِخَمسينَ ديناراً لِيُهْدِيَها إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقَدِمَ بها (١) صحيح البخاري : باب الجزية (٣١٥٩). (٢) انظر النزهة: ١٨٣ / هامش (١). ٢٨٧ عليه المَدينَةَ، فأرادَه علىْ قَبْضِها هَديّةً، فأبَى، قال عبدُ الله حَسِبْتُه قال: (( إنَّا لا نَقْبَلُ من المُشْرِكِينَ شَيئاً، ولَكِنْ إنْ شِئْتَ بالثَّمَنِ))، قال: فأعطَيتُه حينَ أبَى عليّ الهَديَّة(١) . وفي رِوايَةِ ابنِ صالِحِ زِيادَةٌ: ((فَلَسَها، فرَأيْتُها عليه على المِنْبَرِ، فَلَمْ أَرَ شَيْئاً أحْسَنَ منه يَؤْمئذٍ فيها، ثمَّ أعطاها أُسَامَةَ فرآها حَكِيمُ على أُسامَة ، فقال: يا أُسَامَة !! أَتَلْبَسُ حُلَّةَ ذي يَزَن؟ قال: نَعَم والله لأنا خَيْرٌ منه، ولأَبِي خَيْرٌ من أبيه فانْطَلَقْتُ إلى مَكّةَ فأعْجَبْتُهُم بقَولِه))(٢) . (هـ) أمانُ عبدِ الرَّحمَن الدَّاخِل للتَّصَارَى : قال الإمامُ الذهبيُّ في ترجمة عبد الرحمن بن معاوية بن هشام: وأمَّا الإسْلامُ فكان عَزِيزاً مَنيعاً بالأنْدِلُسِ في دَولَةِ الدَّاخِلِ ، فانْظُر إلى هذا الأمانِ الذي كُتِبَ عنه للنَّصَارَى : بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيم كِتابُ أمانٍ ورَحْمةٍ ، وحَقْنِ دِماءٍ وعِصْمَة، عَقَدَه الأميرُ الأكْرَمُ المَلِكُ المُعَظِّمُ عبدُ الرَّحمَن بنِ مُعاويَة ، ذو الشَّرَفِ الصَّميمِ، والخَيْرِ العَميم ، للبَطَارِقَةِ والرُّهْبانِ ، ومَنْ تَبِعَهُم من سائِرِ الْبُلْدَانِ ، أهْلِ قَشْتَالَةَ وأعمالها، ما دامُوا على الطَّاعَة في أداءِ مَا تَحَمَّلُوه، فَأَشْهَدَ علىُ نَفَسِه أنَّ عَهْدَه لا يُنْسَخُ ما أقامُوا على تأدِيَةِ عَشْرَةِ آلافٍ أُوْقِيَّة من الذهَبِ ، وعَشْرَةِ آلافٍ رَطْلٍ من الفِضَةِ، وعَشْرَةِ آلافٍ رأسٍ من خِيارِ الخَيْلِ ، ومِثِلِها من البِغَالِ ، مع ذلك ألفُ دِرْعٍ وألفُ بَيْضَةٍ، ومن الرِّماحِ الدَّردار مِثلِها في كُلِّ عام ، ومتى ثَّبْتَ عليهم النَّكثُ بأسيرٍ يَأْسِرُونَه ، أو مُسْلمٍ يَغْدِرونَه، انْتُكَثَ ما عُوهِدُوا عليه ، كُتِبَ لهم هذا الأمانُ بأيْدِيهِم إلى خَمسٍ سِنِينَ ، أوَّلُها صَفَرُ عامِ اثْنَيْنٍ وأرْبَعِينَ ومِئَة . (١) انظر السير: (حَكيم بن حِزام) ٤٤/٣-٥١، وانظر النزهة: ٦/٣٢٩. (٢) انظر السير: (حكيم بن حزام) ٣/ ٤٤-٥١، وانظر النزهة: ١/٣٣٠. ٢٨٨ وقال أبو المُظَفَّرِ الأَبِيوَرْديّ في أخْبَارِ بَنِي أُمَّيّة : كان النَّاسُ يَقُولون : مَلَكَ الأرضَ ابْنَا بَرْبَرِيَّتَيْنِ - يَعْني عبدَ الرَّحمَن والمَنْصُور . وكان المَنْصُورُ يقُولُ عن عبدِ الرَّحمَنِ بنِ مُعاويَةٍ: ذاكَ صَقْرُ قُرَيْشٍ، دَخَلَ المَغْرِبَ وقد قُتِلَ قَومُه ، فَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ العَدْنانِيَّةَ بالقَحْطانِيَّةِ حتىْ مَلَكَ . وقال سَعيدُ بنُ عُثمانَ اللّغَويّ المُتَوَفَّى سَنَةَ أَرْبع مِئَة: كانت بِقُرطُبَة جَنَّةٌ اَتَّخَذَها عبدُ الرَّحمَن بنُ مُعاويَة ، كان فيها نَخْلَةٌ أَدْرَكتُها . وَغَزَا عِدَّةَ غَزَواتٍ ، من ذلك: غَزْوةُ قَشْتَالَة ، جازَ إليها من نَهْرِ طُلَيْطِلَة، وفَرَّتِ الرُّومُ أمامَه ، وتَعَلَّقَتْ بالحِبالِ ، فَلَمْ يَزَلْ حتىٌ وَصَلَ مَدينَةَ بَرْنيقَة ، من مَملكَةٍ قَشْتَالَة، فَتَزَلَ عليها، وأمَرَ برَفْعِ الخِيامِ ، وشَرَعَ في البِناءِ ، وأَخَذَ النَّاسُ يَبْنُونَ ، فسَلَّموا إليه بالأمانِ عندَ إِياسِهِم منَ النَّجْدَةِ ، وخَرَجُوا بِشِابِهِم فَقَط، وما يُزَوِّدُهم ، ثمَّ كَتَبَ لأَهْلِ قَشْتَالَة ذلكَ الأمانَ الذي تَقَدَّم، وهو بِخَطُّ الوزيرِ بِشْرِ بنِ سَعيد الغافِقِيّ(١). ( و) المُعتَصِمُ وطَاغِيَّةُ الرُّومِ : قال الرِّياشيُّ: كتَبَ طاغِيَةُ الرُّومِ إلى المُعتَصِم يَتَهَذَّدُه، فأمَرَ بجَوابِهِ ، فلمَّا عُرِضَ عليه رَماهُ ، وقال للكاتِبِ: اكْتُبَ: (( أمَّا بَعدُ، فقد قَرأْتُ كتابَكَ ، وسَمعتُ خِطابَكَ، والجَوابُ ما تَرَى لا ما تَسْمَع)) ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَرُ لِمَنْ عُقْبَ الدَّارِ﴾(٢) (٣). (ز) قِصَّةُ المَازِنِيّ مع اليهُوديّ : قال الذهبيُّ : قِيلَ : كان المَازِنِيُّ ذا وَرَعِ ودينٍ ، وبَلَغَنا أنَّ يَهُودِيّاً حَصَّلَ النَّحْوَ فجاءَ لِيَقْرَأَ على المَازِيِّ ((كِتَابَ سِيْبَوَيْه))، فَبَذَلَ له مِئَةَ دينارٍ، فامْتَنَعَ وقال: هذا الكِتابُ يَشْتَمِلُ على ثلاثٍ مِئَةِ آيَةٍ ونٍَّ ، فلا أُمَكِّنُ منهما ذِمِّيً(٤) . (١) انظر السير: (عبد الرحمن بن معاوية بن هشام) ٢٤٤/٨ -٢٥٣، وانظر النزهة: ١/٧٤٩. (٢) سورة الرعد ، الآية : ٤٢ . (٣) انظر السير: (المعتصم) ٢٩٠/١٠ -٣٠٦، وانظر النزهة: ٥/٨٧٨. (٤) انظر السير: (المازنيّ) ٢٧٠/١٢ -٢٧٢، وانظر النزهة: ١/٨٩٩. ٢٨٩ (ح) قِصَّةُ طُغرلبك مع مَلِكِ الرُّومِ : قال الذهبيُّ في تَرَجَمَة طُغْرُلْبَك: ولَمْ يُرْزَق طُغرِلبَك ولَداً، وعاشَ سَبعينَ عاماً ، وكان بيَدِهِ خُوارَزْم ونيسابُور وبَغْداد والريّ وأصْبَهان ، وكان أخُوهُ إِبراهيم يَنال قد حارَبَه ، وجَرَتْ أمُور، وحصل في يدِهِ مَلِكٌ كَبِيرٌ للُّومِ ، فَبَذَلَ في نَفَسِه أموالاً عَظيمَةً ، فأبَى عليه فبَعَثَ نَصْرُ الدَّولَة صاحِبُ الجَزِيرَة وميَّافارِقين يَشْفَعُ في فِکاكِهِ ، فَبَعَثَه ◌ُغرِلبَك إلى نَصرِ الدَّولَة بِلا فِداءٍ فَانْتُخَى مَلِكُ الرُّومِ ، وأهْدَى إلىْ طُغْرِبَك مِثْتَيْ ألفِ دينارٍ ، وخَمسَ مِثَّةٍ أسير ، وألْفاً وخَمسَ مِئَةَ ثَوْبٍ ، ومِتَةَ لَبِنَةٍ فِضَّة ، وأَلْفَ عَنْزِ أبيض وثلاثٍ مِئَةَ شِهْرِي(١)، وبَعثَ إلى نَصرِ الدَّولَة تُحَفاً ومِسْكاً كَثيراً (٢). (ط) رِسالَةُ المُطَفَّرِ إلى مَلِكِ الرُّومِ : وكان كاتبُ المُظَفَّر بن الأَفْطَسِ الوَزِيرُ أبو مُحمَّد عبدُ الله بنُ النَّحويّ أحَدُ الْبُلَغَاءِ فكتب أذفونش ـ لعَنَهُ الله - يُرْعِدُ ويُبْرِقُ، فأجَابَ: وصَلَ إلى المَلِكِ المُظَفَّرِ من عَظيمِ الرُّومِ كتابُ مُدَّعِ في المَقَادِيرِ ، يُرْعِدُ ويُبْرِقُ ، ويَجمَعُ تارةً ويُفَرِّقُ تارةً ، ويُهدِّدُ بالجُنُودِ الوافِرَةِ ، ولَمْ يَذْرِ أَنَّ الله جُنُودًاً أعَزَّ بهم الإسْلامَ ، وأظْهَرَ بهم دينَ نبيًِّا صلى الله عليه وسلم ، يُجَاهِدُون في سَبيلِ الله، ولا يَخافُونَ في الله لَوْمَةَ لائِمٍ، فأمَّا تَعْبِيرُك للمُسلمينَ فيما وَهَنَ من أحْوَالِهِم، فبالدُّنوبِ المَركُوبَةِ ، والفِرَقِ المَنْكُوبَة ، ولو اتَّفَقَتْ كلمَتُنا عَلمتَ أيَّ صائبٍ أَذَقْناكَ، كما كانت آباؤُك مع آبائِنا ، وبالأمْس كانت قَطِيعَةُ المَنْصُورِ على سَلَفِك ، أَهْدَى ابنَتَه إليه ، مع الدَّخائِ التي كانت تَفِدُ في كلِّ عامِ عليه ، ونحنُ فإن قَلَّتْ أعْدادُنا، وعُدِمَ من المَخْلُوقِين اسْتمْدادُنا فما بَيْنَنَا وَبَيْنَك بَحرٌّ تُبْصِرُه في يَومِك، وبالله وملائِكَتِهِ نَتَقَوَّى عَليْك ، ليْسَ لنا سِواهُ مَطْلَبٌ ، ولا إلى غَيرِهِ مَهْرَبٌ ، وهل تَرَبَّصُونَ بِنَا إلَّ إحْدَى الحُسْنَيْنِ : شَهَادَةٌ ، أو نَصْرٌ عَزِيزٌ . ولمَّا تُوفِّيَ المُظَفَّرُ بعد السبعِينَ وأربع مِئَةٍ أو قبلَها ، قامَ في المُلْكِ بعدَه ولَدَهُ (١) قال في (الأساس ) والبرذون الشهري بين الرمكة والفرس العتيق. (٢) انظر السير: (طَغرلبك) ١٠٧/١٨-١١١، وانظر النزهة: ٢/١٣٩٠. ٢٩٠ المُلَقَّبُ بالمُتَوَكِّلِ على الله أبو حَفْصٍ عُمَرُ بنُ الأَفْطَسِ صاحِبُ بَطَلْيَوس ويابرة وشَنْتُرِين وأشْبُونَةَ فكان نَخْواً من أبِيه في الشَّجاعَةِ والبَرَاعَةِ والأدَبِ والبَلاغَةِ فبَقِيَ إلى أن قَتَلَه المُرابِطُون جُندُ يُوسُفَ بنَ تاشفينَ صَبراً ، وقَتَلُوا مَعَه ولَدَيْهِ الفَضْلَ وعَبَّاساً ، في سنةٍ خَمْسٍ وثَمَانِينَ وأربعٍ مِئَة، إذ اسْتَولَوا على الأنْدَلْسِ(١). (ي ) صَلاحُ الدِّينِ مع أرناط : قال الإمامُ الذهبيُّ: وفي سَنَةِ ثلاثٍ وثمَانِينَ اقْتَحَ صَلاحُ الدَّينِ بلادَ الفِرَنْجَ ، وقَهَرَهم، وأبَادَ خَضْراءَهم، وأَسَرَ مُلُوكَهم على ((حِطِّينَ))، وكان قد نَذَرَ أنْ يَقْتُلَ أَرْناطَ صاحِبَ الكَرَكِ ، فَأُسِرَ يومَئذٍ ، كان قد مَرَّ به قومٌ من مِصْرَ في حَالِ الهُدْنَةِ ، فَغَدَرَ بهم ، فَنَاشَدُوهُ الصُّلْحَ ، فقال ما فيه اسْتَخْفافٌ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وقَتَلَهم ، فاسْتَحْضَرَ صلاحُ الدِّينِ المُلُوكَ ، ثمَّ ناوَلَ المَلِكَ جِفْرِي شَرْبَةَ جلابِ ثلجٍ فَشَرِبَ ، فنَاوَلَ أرْناطَ فَشَرِبَ ، فقال السُّلطانُ للتُّرِجُمَانِ: قُلْ لِحِفْرِي : أنْتَ الذي سَقَيْتَه، وإلاَّ أنا فمَا سَقَيْتُه، ثمَّ اسْتَخْضَرَ البرِنْسَ أرْنَاطَ في مَجْلِسٍ آخَرَ ، وقال: أنا أنتَصِرُ لمُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنْكَ، ثمَّ عَرَضَ عَلَيهِ الإسْلامَ، فَأَبَى فحَلَّ كَتِفَه بالنَّيمجاه(٢). وافْتَتَحَ عامَهُ ما لَمْ يَفْتَحْهُ مَلِكٌ، وطارَ صِيتُه في الدُّنيا ، وهَابَتْهُ المُلُوكُ . تُوفِّيَ بقَلَعَةِ دِمَشْقَ سَنَةَ تِسْعٍ وثمَانِينَ وخَمسٍ مِئَّة . مَحاسِنُ صلاحُ الدِّينِ جَمَّةٌ ، لا سِيَّمَا الجِهَادُ ، فَلَه فيه اليَدُ البَيْضاءُ بِبَذْلِ الأمْوالِ والخَيْلِ المُثَمَّنَة لجُنْدِهِ، وله عَقلٌ جَيِّدٌ، وفَهِمٌّ وحَزْمٌ وعَزمٌ (٣). ٣- نَواحِ حَضَارية في الإسلام : (أ) بدء التاريخ الهجري : وفي سَنة سِتّة عَشر كُتبَ التاريخُ في شَهر رَبيع الأوّل ، فعَن ابنِ المُسَيِّب قال : أوَّلُ (١) انظر السير: (المُظَفّر بن الأفْطس) ٥٩٤/١٨-٥٩٧، وانظر النزهة: ٢/١٤٤٦. (٢) النيمجاه : وهو خنجر مقوس يشبه السيف القصير . انظر السير: ( صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٢. (٣) ٢٩١ مَنْ كَتبَ التاريخَ عُمرُ بنُ الخَطَّاب لسَنَتَينِ ونصف من خِلافَته ، فكُتبَ لستِّ عَشرة من الهجرة بمَشُورة عليٍّ رضي اللهُ عنهما(١). ( ب ) بنَاءُ مُدن جديدة : قال الذهبيُّ في تَرجمة عبد الرحمَنِ بنِ محَمَّد بنِ عبدِ اللهِ المَرْوَانِيّ : وابْتَدَأُ بينَاءِ مَدينَةِ الزَّهْرَاءِ في أوَّلِ سَنَّةٍ خَمسٍ وعِشْرِينَ وَثَلاثِ مِنَّةٍ فَكانَ يُقَسِّمُ دَخْلَ مَمْلَكَتِهِ أثلاثاً : فثُلُثٌ يَرصُده للجُند ، وثُلثٌ يَدّخِرُه في بَيْتِ المَالِ وثُلثٌ يُنْفِقُه فِي الزَّهْراءِ(٢) . ولَمْ يَزَلْ عبدُ الرحمَن يَغْزُو حتّى أَقَامَ العِوَجَ، ومَهَّدَ البلادَ ، ووَضَعَ العَدلَ ، وكَثُرَ الأمْنُ، ثمّ بَعثَ جَيشاً إلى المَغربِ ، فَغَزَا بَرْغَواطة بِنَاحِيَّةِ سَلَا(٣) ولَمْ تَزَلْ كَلِمَتُه نافِذَةٌ ، وسِجِلماسة (٤) وجَميعَ بلادِ القِبَلَة ، وقَتَلَ ابنَ حَفْصون(٥) . وصَارَتْ الأَندَلُس أقْوَى ما كانت وأحْسَنِها حَالاً ، وصَفَا وَجْهُهُ للرُّومِ ، وشَنَّ الغَاراتِ على العَدُوِّ ، وَغَزَا بِنَفْسِه بلادَ الرُّومِ اثْنَيْ عَشْرَةٍ غَزْوَةً ودَوَّخَهُم ، ووَضَّعَ عليهِم الخَرَاجَ ، ودَانَتْ له مُلُوكُها ، فكانَ فيمَا شَرَطَ عليهِمِ اثْنَا عَشَرَ ألْفَ رَجُلٍ يَصْنَعُون في بِنَاءِ الزَّهْرَاءِ التي أقَامَهَا لسُكْنَاه علىُ فَرْسَخ من قُرْطُبَةٍ (٦) وسَاقَ إليها أنْهَاراً، ونَقَبَ لها الجَبَلَ، وأَنْشَأْها مُدَوَّرةً ، وعِدَةُ أبراجِهَا ثَلاثُ مئة بُرْجٍ، وشُرُفَاتِهَا من حَجَرٍ واحدٍ ، وقَسَّمَها أثلاثاً، فالثُّلُثُ المُسْنَدُ إلى الجَبَلِ قُصُورُه ، والثُّلُثُ الثاني دُورُ المَمَاليك والخَدَم ، وكَانُوا اثْنَي عَشَرَ أَلْفَأَ بِمَنَاطِقِ الذَّهَبِ ، يَرْكَبُونَ لرُكُوبِه ، والثُّلُثُ الثَّالثُ بَسَاتين تخَتَ القُصُورِ وعَمِلَ مَجْلِسَاً مُشْرِفاً على البَسَاتين ، انظر السير: ( عُمرُ بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ١/٦٩. (١) انظر السير: ( عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله) ٢٦٥/٨-٢٦٩، وانظر النزهة : ٣/٧٥٦ . (٢) (٣) مدينة بالمغرب على ساحل المحيط الأطلسي قرب المعمورة ويقربها برغواطة . (٤) مدينة داخلية في جنوب المغرب بينها وبين فاس عشرة أيام . انظر السير: ( عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ) ٨/ ٢٦٥-٢٦٩، وانظر النزهة: ٤/٧٥٦. (٥) انظر السير : ( عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله) ٢٦٥/٨-٢٦٩، وانظر النزهة : ١/٧٥٧. (٦) ٢٩٢ صَفَّحَ عُمُدَهُ بِالذَّهَبِ، ورَصَّعَهُ بِالْيَاقُوتِ والزُّمُرُّدِ ، واللُّؤْلُؤِ، وفَرَشَه بمَنْقُوشِ الرُّخَامِ ، وصَنَعَ قُذَّامَه بُحَيْرَةً مُستديرَة مَلأَها زِئْبَقاً، فكان النُّورُ يَنْعَكِسُ مِنْه إلى المَجْلِسِ، فَدَخَلَ عليه قاضِيه، مُنْذِرُ بنُ سَعيد البَلُّوطِيّ، فَوَقَفَ وقَرَأَ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ا وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكُونَ﴾(١) . فقال: وَعَظْتَ أبا الحَكَم، ثمّ قَامَ عن المَجْلِس ، وأَمَرَ بنَزْعِ الذَّهَبِ والجَوَاهِرِ . ويُقَالُ: إِنَّ بِنَاءَ الزَّهْراءِ أُكْمِلَ في اثْنَيْ عَشْرَةَ سَنَة ، بأَلْفِ بَنَّاءِ في اليوم ، مع البنَّاءِ اثْنَا عَشَرَ فَاعِلاً(٢) . (ج) الاهتمام بالطِّبِّ وبناء المُستشفيات : قال صَالحُ بنُ مُحمّد جزرة : سَمعتُ الرَّبيعَ ، سَمعتُ الشَّافِعِيَّ يَقولُ : لا أَعْلَمُ عِلْماً بَعدَ الحَلالِ والحَرامِ أنْبَلُ من الطُّبِّ، إلاَّ أنَّ أَهْلَ الكتاب قد غَلَبُونا عليه(٣). قال حَرملةُ : كان الشَّافِعِيُّ يَتَلَهَّفُ على ما ضَيَّعَ المُسلمُونَ من الطِّبِّ ، ويقُولُ : ضَيَّعُوا ثُلُثَ العِلمِ ، ووَكَلُوهُ إلى اليَّهُودِ والنَّصَارَى(٤) . وقِيلَ : إِنَّ المَازِرِيَّ مَرِضَ مَرْضةً ، فَلَمْ يَجدْ مَنْ يُعالِجُه إلاَّ يَهُوديّاً ، فلمَّا عُوفِي على يَدِهِ ، قال : لَوْلا التِزَامِي بحِفْظُ صِناعَتِي لأَعْدَمْتُك المسلمينَ فأثَّرَ هذا عند المَازِرِيِّ، فَأقْبَلَ على تَعَلُمِ الطِّبِّ حتّى فَاقَ فيه ، وكان مِمَّنْ يُفْتِي فيه كمَا يُفْتِي في الفِقْهِ(٥) . وبَنَى صَاحبُ المَغربِ السُّلطانُ يَعْقُوبُ بنُ يُوسُف مارستاناً ما أظنُّ مثله ، غَرسَ فيه (١) سورة الزخرف، الآيتين : ٣٣، ٣٤. (٢) انظر السير: (عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله) ٢٦٥/٨-٢٦٩، وانظر النزهة: ٢/٧٥٧. (٣) انظر السير: (الشافعي) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٤/٨٥٠. انظر السير: ( الشافعي) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة : ٥/٨٥٠. (٤) (٥) انظر السير: (المَازِريّ) ١٠٤/٢٠-١٠٧، وانظر النزهة: ١/١٥٣٤. ٢٩٣ من جَميعِ الأشْجَارِ ، وزَخْرَفَهُ وأجْرَى فيه الميّاهَ ، ورَتَّبَ له كُلَّ يومٍ ثَلاثينَ دينَاراً للأدويةِ ، وكان يَعُودُ المَرضَى في الجُمُعَة . وكان لا يقُولُ بالعِصْمَةِ في ابنِ تومرت . وسَأَلَ فَقِيهاً: ما قَرأتَ؟ قال: تَوالِيفَ الإمَام، قال: فَزَوَرَنِي ، وقال : ما كذا يُقُولُ الطَّالِبُ! حُكمكَ أنْ تقولَ : قَرأْتُ كتَابَ اللهِ، وقَرأْتُ من السُّنَّةِ، ثمَّ بعدَ ذا قُلْ ما شِئْتَ . وكانت مَجَالِسُه مُزَيَّنَةٌ بحُضُورِ العُلمَاءِ والفُضَلاءِ ، تُفْتَتَحُ بالتِّلاوَة ثمّ بالحَديثِ ، ثمّ يَدعُو هوَ ، وكان يُجِيدُ حِفْظَ القُرآنِ، ويَحفَظُ الحَديثَ، ويَتَكلَّمُ في الفِقْهِ ، ويُنَاظِرُ ، ويَنْسِبُونَه إلىْ مَذْهِبِ الظَّاهِرِ، وكان فَصيحاً، مَهيباً ، حَسَنَ الصُّورَةِ، تَامَّ الخِلْقَةِ، لا يُرَى منه اكْفِهْرارٌ، ولا عن مُجالِسِه إِعْراضٌ، بِيِّ الزُّهَادِ والعُلماء ، وعَليه جَلالَةٌ المُلُوكِ، صَنَّفَ في العِبادات، وله ( فَتَارٍ ) ، وبَلَغَني أنَّ السُّودانَ قَدَّموا له فِيلاً فوَصَلَهم ، ورَدَّه، وقال: لا نُريدُ أن نكونَ أصْحَابَ الفيلِ ، وكان يَجْمَعُ الزَّكَاةَ ، ويُفَرِّقُها بنَفْسِه، وعَمِلَ مَكْتَباً للأيتامِ ، فيه نَحْوُ ألفِ صَبِي، وعَشْرَةُ مُعَلِّمُونَ ، حَكَىْ لي بَعضُ عُمَّالِهِ : أنَّه فَرَّقَ في عيدٍ نَّمَاً وسَبعينَ ألْفَ شاةٍ . وقال عبدُ الواحد : كان مُهْتَمَّاً بالبناءِ ، كُلَّ وَقتٍ يُجَدِّدُ قَصراً أو مَدينةً، وأنَّ الذين أسْلَمُوا كُرهاً أمَرَهُم بلِبْسٍ كُحْليٍّ وأكْمَام مُفْرِطَةِ الطُولِ ، وكلوتاتٍ ضخمةٍ بَشِعَةٍ ، ثمَّ الْبَسَهم ابنُهُ العَمَائِمَ الصُّفْرِ، حَمَلَ يَعقُوَّبَ على ذلكَ شَكُهُ فِي إِسْلامِهِم، ولَمْ تَنْعَقِد عندنا ذمَّةٌ لِيَهُودِيِّ ولا نَصْرانيّ مُنذُ قَامَ أمْرُ المَصَامِدَةِ ، ولا في جَميعِ المَغْرِبِ كَنيسَةٌ ، وإِنَّمَا الْيَهُودُ عندنا يُظْهِرونَ الإسْلامَ، ويُصَلُّونَ ، ويُقْرِئُونَ أوْلادَهُم القُرآنَ جارينَ على مِلَّتِنَا. وكان ابنُ رُشْد الحفيدُ قد هَذَّبَ له كتابَ «الحَيَوان ))، وقال : الزُّرافة رأيتُها عند مَلِكِ البَرْبَر ، كذا قال غيرَ مُهتبل، فأحْنَقَهُم هذا، ثمَّ سَعَىُ فيه مَنْ يُناوِتُهُ عند يَعقُوبَ فَأَرَوْهُ بِخَطِّهِ حاكياً عن الفَلَاسِفَة أنَّ الزُّهْرَةَ أحَدُ الآلِهَةِ ، فَطَلَبَه، فقال: أهذا خَطُّك ؟ ٢٩٤ فأنْكَرَ ، فقال: لَعَنَ اللهُ مَنْ كَتَبَه، وأمَرَ الحاضِرينَ بلَعْنِهِ، ثمَّ أَقَامَه مُهَاناً، وأحْرَقَ كُتُبَ الفَلْسَفَةِ سِوَى الطِّبِّ والهَنْدَسَةِ(١) . وجَاءَ في تَرْجَمَةِ الرَّحبيّ، قال الذَّهبيُّ : البارعُ العَلَّمَةُ إِمَامُ الطِّبِّ رَضِيُّ الدينِ يُوسُفُ بنُ حَيْدَرَة بن حَسَن الرَّحْبيّ الحَكِيم (٢) . كان أبُوه كَخَالاً من أهْلِ الرَّحْبة، فوُلدَ له يُوسُفُ بالجَزِيرَة العُمَرِيّة وأقَامَ بنَصِيبين مُدّة وبالرَّحْبةِ ، ثمّ قَدِمَا دِمَشْقَ في سنة خَمسٍ وخَمسينَ وخَمسٍٍ مِئَة، ثمَّ أقْبَلَ يُوسُفَ على الدَّرْسِ والنَّسْخِ ومُعالَجَة المَرضَى، ولازَمَ المُهَذَّبَ ابنَ النَقَّاش، وبَرَعَ ، فَنَوَّهَ المُهَذَّبُ باسْمِه ، وحَسُنَ مَوقِعُهُ عند السُّلطان صَلاح الدين ، وقَرَّرَ له ثلاثينَ ديناراً على القَلْعَةِ والبيمارسْتان واسْتَمَرَتْ عليه حتّى نَقَضَها المُعَظّمُ، ولَمْ يَزَلْ مُبَجَّلاً في الدّولَةِ وكان رئيساً عَالِيَ الهِمَّة كَثيرَ التحقيقِ، فِيهِ خَيْرٌ وعَدَمُ شَرِّ، تَصَدَّرَ للإِفَادَة ، وخَرَّجَ له عِدّةَ أطِبَّاءَ كِبار(٣) . وقال الرَّحْبِيُّ : جَميعُ مَنْ قَرَأَ عليَّ سُعِدُوا وانْتُفَعَ النَّاسُ بهم. وكان لا يُقْرِىءُ أحَداً من أهْلِ الذِمَّةِ بلىُ ، قَرَأْ عليه منهُم عِمْرانُ اليَهُوديّ ، وإبراهيمُ السَّامريُّ تَشَفَّعا إليه ، وكُلٌّ مِنْهُمَا بَرَعَ (٤) . قال ابنُ أبي أُصَيْبِعة : قَرَأْتُ عليه في سنة اثْنَتَين وثلاثٍ وعِشْرين كُتُباً وانْتُفَعتُ به ، وكان مُحِبَّاً للتجارةِ مُغْرَىّ بها ويُراعِي مزاجَه ، ولا يَصْعَدُ في سلَّم ، وله بُسْتَانٌ ، وكان الوَزِيرُ ابنُ شُكر يَلْزَمُ أكْلَ الدَّجاجِ حتّى شَحبَ لَوْنُه، فقالَ له الرَّضي : الْزَمْ لَحْمَ الضَّأْنِ فَفَعَلَ فِظَهَرَ دَمُهُ . مات الرَّحْبِيُّ سَنَةَ إِحْدَى وثَلاثينَ وسِتٌ مِئَّة، ولَه سَبْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةٌ (٥) . (١) انظر السير: (صاحب المغرب) ٣١١/٢١-٣١٩، وانظر النزهة: ١/١٦٢٨. (٢) انظر السير: ( الرَّحبيُّ) ٢٢/ ٣٧١ -٣٧٢، وانظر النزهة: ٣/١٧٠٣. انظر السير : ( الرَّحبيُّ) ٣٧١/٢٢ -٣٧٢، وانظر النزهة : ٤/١٧٠٣. (٣) انظر السير: ( الرَّحبيُّ) ٣٧١/٢٢ -٣٧٢، وانظر النزهة : ١/١٧٠٤. (٤) (٥) انظر السير: (الرَّحبيُّ) ٣٧١/٢٢ -٣٧٢، وانظر النزهة: ٢/١٧٠٤. ٢٩٥ وقال الذهبيُّ في تَرَجَمَةِ المُسْتَنْصِرِ باللهِ : قال ابنُ النجَّار : فَنَشَرَ العَدْلَ ، وبَثَّ المَعْرُوفَ، وقَرَّبَ العُلماءَ والصُّلَحَاءَ، وبَى المَسَاجِدَ والمَدَارِسَ والرُّبطَ ، ودُورَ الضِّيافَةِ والمارستانات، وأجْرَى العَطِيَّاتِ، وقَمَعَ المُتَمَرِّدَةَ وحَمَلَ النَّاسَ على أقْوَم سَنَن، وعَمَّرَ طُرُقَ الحَاجّ وعَمَّرَ بالحَرَمَيْنِ دُوراً للمَرْضَىْ وبَعَثَ إليها الأدْويَةَ : تَخْشَى الإِلَهَ فمَا تَنَامُ عِنَايَةً بالمُسْلمِيِنَ وكُلُّمُ بِكَ نَائِمُ إِلَىْ أَنْ قالَ: ثُمَّ قَامَ بأمرِ الجِهَادِ أَحْسَنَ قِيامِ وجَمَعَ العَسَاكِرَ ، وقَمَعَ الطعام ، وبَذَلَ الأَمْوالَ، وحَفِظَ الثُّغُورَ ، وافْتَتَحَ الحُصُونَ، وَأَطَاعَهُ المُلُوكُ . قال الذهبيُّ: كانت دَولَتُّهُ جَيدَةَ التَّمَكُّن وفيه عَدلٌ في الجُمَلَةِ ووَقْعٌ في النُّفُوسِ(١) . وقال الذهبيُّ في ترجمَةِ ابنِ البِيطار : العلاّمةُ ضياءُ الدينِ عبدُ اللهِ بنُ أحمَدَ المالقيُّ النَّباتيُّ الطَّيبُ، ابنُ البيطارِ ، مُصَنِّفُ كتابِ ((الأدْوَةِ المُفْرَدَةِ)) وما صُنَّفَ في مَعْنَاه و مِثلُه . انْتُهَتْ إليه مَعْرِفَةُ الحَشَائِش، وسَافَرَ إلى أقاصي بلادِ الرُّوم، وحَرَّرَ شَأْنَ النِبَاتِ ، وكان أحَدَ الأَذْكياءِ، وخَدَمَ المَلكَ الكَامِلَ، وابنَهُ المَلكَ الصَّالِحِ . تُوُفِّيَ بدمَشْقَ سَنَّةَ سِتٍّ وأرْبعينَ وسِتُّ مِئَةَ (٢). (د) مَدَارسُ نظَام المُلك : أنْشَأَ الوزيرُ نِظَامُ المُلْكِ المَدْرِسَةَ الكُبْرِىُ بِبَغْدَادَ ، وأُخْرَى بِنِسَابُورَ وَأُخْرَى بِطُوسَ ورَغَّبَ في العِلْمِ، وأدَرَّ على الطَّلَبَةِ الصِّلاتَ وأمْلَى الحَديثَ وبَعُدَ صِيتُهُ(٣). (هـ) قانونُ مِنْ أَيْنَ لكَ هَذَا؟ : عن أيُّوبَ، عن مُحمَّدٍ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه اسْتَعْمَلَ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه على البَحْرَيْنِ ، فَقَدِمَ بعَشْرةِ آلافٍ ، فقالَ له عُمَرُ : اسْتَأْثَرْتَ بهذهِ الأَمْوالِ يا عَدُوَّ اللهِ ، (١) انظر السير: (المستنصر بالله) ١٥٥/٢٣ -١٦٨، وانظر النزهة: ١/١٧١٩. (٢) انظر السير: (ابن البيطار) ٢٥٦/٢٣ -٢٥٧، وانظر النزهة: ١٧٣٤ / ابن البيطار. (٣) انظر السير: (نظام الملك) ٩٤/١٩ -٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٤٦٤. ٢٩٦ وعَدُوَّ كِتَابِهِ ؟ ، فقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فقُلتُ: لسْتُ بِعَدُوِّ اللهِ وعَدُوٌّ كِتابِهِ ، ولكِنِّي عَدُوُ مَنْ عاداهُما، قال عُمَرُ : فِمِنْ أَيْنَ هي لكَ ؟ !! قُلتُ : خَيْلٌ نُتِجَتْ، وغَلَّةُ رَقِيقٍ لي ، وأُعْطِيَةٌ تَتَابَعَتْ فَنَظَرُوا ، فوَجَدُوا كَمَا قال(١) . ( و) الرِّفْقُ بالحَيَوانِ : عن أبي إسْحاقَ الشِّيرازيّ: أنَّ رَجلاً أخْسَأَ كَلْباً، فقال: مَوْ !! ، الطَّريقُ بَيْنَكَ وبَيْنَه(٢) . وقِيلَ : إنَّ هِرَّةَ نامَتْ على كُمِّ الشَّيخ أحمَدَ الرِّفاعيّ، وقامَتِ الصَّلاةُ ، فقَصَّ كُمَّهُ، وما أَزْعَجَهَا، ثُمَّ قَعَدَ، فَوَصَلَه، وَقَالَ: ما تَغَيَّرَ شيءٍ(٣). (ز) دُورُ الأيتامِ والعَجَزَةِ والعُمْيان : كانَ صاحِبُ إرْبل ، السُّلْطانُ مُظَفَّرُ الدين بَكْتكين مُحِبَّاً للصَّدَقَةِ ، له كُلُّ يَومٍ قَنَاطِيرُ خُبْزِ يُفَرِّقُهَا، ويَكْسُو في العَامِ خَلْقاً ويُعْطِيهِم دِينَاراً ودِينَارَيْنِ ، وبَنَى أربَعَ خَوانِكْ للزَّمْنَى والأضِرَّاءِ ، وكان يَأْتِيهِمَ كُلَّ اثْنَيْنِ وخَميسٍ ويَسْألُ كُلَّ واحِدٍ عن حَالِهِ وَيَتَفَقَدُّه ويُبَاسِطُه ويَمْزَحُ مَعَه وبَنَى داراً للنِّسَاءِ ، وداراً للأيتام، وداراً للقَضَاءِ ورَتَّبَ بها المَرَاضِعَ ، وكان يَدُورُ علىُ مَرْضَى البيمَارِسْتَانِ ولَه دَارُ مُضيفٍ يَنْزِلُهَا كُلُّ وَارِدٍ ، ويُعْطَى كُلَّ ما يَنْبَغِي له وبَنَى مَدْرسَةً للشَّافِعِيَّة والحَنَفيّة وكان يَمُدُّ بها السّماطَ، ويَحْضُرُ السَّمَاعَ كَثِيراً ، لَمْ يَكُنْ له لَذَّةٌ فِي شَيءٍ غَيْرُهُ وكَانَ يَمْنَعُ من دُخُولِ مُنْكَرٍ بَلَدَه ، وبَى للصُّوفيّة رِبَاطَيْنِ ، وكَانَ يَنْزِلُ إليهم لأَجْلِ السَّماعات وكان في السَّنَة ◌ُخْرِجُ سَبِيلاً للحَجِّ ويَبْعثُ للمُجاوِرِين بِخَمْسَةِ آلافٍ دينار ، وأجْرَى المَاءَ إلى عَرَفَات وأمَّا احْتِفالُهُ بالمَوْلِدِ فِيَقْصُرُ التعْبِيرُ عَنْهُ ، كانَ الخَلْقُ يَقْصِدُونَه من العِراقِ والجَزِيرَةِ وتُنْصَبُ قِبَابُ خَشَبٍ له ولأُمَرَائِه وتُزَكِّنُ ، وفيها جوق المَغاني واللّعب، ويَنْزِلُ كُلَّ يومٍ (١) انظر السير: ( أبو هريرة) ٢/ ٥٧٨-٦٣٢، وانظر النزهة: ٥/٢١٣. (٢) انظر السير: (أبو إسحاق الشيرازيّ) ٤٥٢/١٨ - ٤٦٤، وانظر النزهة: ٣/١٤٢٩. (٣) انظر السير: ( الرفاعيّ) ٢١/ ٧٧ - ٨٠، وانظر النزهة: ٢/١٦٠١. ٢٩٧ العَصْرَ فيَقْفُ علىْ كُلِّ قُبَةٍ وَيَتَفرَّجُ ، ويَعْمَلُ ذلكَ أيّاماً ويُخْرِجُ من البَقَرِ والإِبِلِ والغَنَمِ شيئاً كثيراً فتُنْحَرُ وتُطْبَخُ الألوانُ، ويَعْمَلُ عِدَّةَ خِلَع للصُّوفيَّةِ ، ويَتَكلَّمُ الوُغَاظُ في المَيْدَانِ، فيُتْفِقُ أمْوالاً جَزِيلَةً، وقد جَمَعَ له ابنُ دِخَّيَةَ ((كتابَ المَوْلِد)) فأعْطَاهُ ألفَ دینار . وكان مُتَوَاضِعاً، خَيِّراً سُنِّياً ، يُحِبُّ الفُقَهَاءَ والمُحَدِّثينَ، ورُبَّما أعْطَى الشُّعَرَاءَ ، وما نُقِلَ أنَّه انْهَزَمَ فِي حَرْبٍ ، وقد ذَكَرَ هذا وأمْثالَه ابنُ خَلْكان. ماتَ سَنَةَ ثلاثينَ وسِتٌّ مِئَة، وعُمِلَ فِي تَابُوتٍ، وحُمِلَ مع الحُجَّاجِ إلى مَكّةَ ، فاتَّفَقَ أنَّ الوَفْدَ رَجَعُوا تِلكَ السَّنَّةَ لعَدَمِ المَاءِ ، فَدُفِنَ بالكُوفَةِ رَحِمَهُ اللهُ تعَالى ، وعاش اثْنَتَيْنِ وثمَانِينَ سَنَةٌ(١) . وعاشَ أَبُوهُ فَوقَ الِمِئَّةِ ، وعُمِيَ وأَصَمَّ ، وكان من كِبَارِ الدّولَةِ الأتابِكيّة ، وما انْهَزَمَ قَطُ ومَدَحَه الخَيْصُ بَيْص ، فقال : ما أعرفُ ما تقُولُ ولكنِّي أدْرِي أَنَّكَ تُريدُ شَيئاً !! ، وأمَرَ له بخِلْعَةٍ وفَرَسٍ وخَمْسٍ مِئَّةِ دينار(٢) . (ح ) المَدرسَة المُسْتنصِريّة : قال الإمامُ الذهبيُّ : في سَنَةِ إِحْدَى وثلاثين أُديرَتْ(٣) المُسْتَنِصِريّة بِبَغْدَادَ ولا نَظِيرَ لها في الحُسْنِ والسِّعَةِ، وكَثْرةِ الأوْقَافِ ، بها مِئَتَانِ وثَمانيَةٌ وأرْبَعُونَ فَقيهاً وأربَعةُ مُدرِّسينَ ، وشَيْخٌ للحَديثِ ، وشَيْخٌ للطّبِّ، وشَيْخٌ لِلنَّحْوِ، وشَيْخُ للفَرَائِضِ ، وإذا أقبَلَ وْفُها غَلَّ أزْيَدَ من سَبعينَ ألْفَ مِثْقَال، ولَعَلَّ قِيمَةَ ما وُقِفَ عليها يُساوي ألفَ ألفٍ دينار (٤) . انظر السير: ( صاحب إربل ) ٣٣٤/٢٢ - ٣٣٧، وانظر النزهة: ١/١٦٩٧. (١) انظر السير: ( صاحب إربل ) ٣٣٤/٢٢ - ٣٣٧، وانظر النزهة: ٢/١٦٩٧. (٢) (٣) يعني افتُتحت . (٤) انظر السير: (المستنصر بالله) ١٥٥/٢٣-١٦٨، وانظر النزهة: ٢/١٧٢٠. ٢٩٨ عَقيدَةُ التَّوحيد ١ - مِثالٌ للعَقيدَةِ الصَّحيحَة : قال الحافظُ أَبُو القاسِمِ اللَّلَكَائِيّ : وجَدْتُ في كِتابِ أبي حاتِم مُحمّدٍ بنِ إِدْرِيسَ الحَنْظَلَيّ ، ممَّا سَمِعَ منه، يقولُ: مَذْهَبُنا واخْتيارُنا اتِباعُ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأصْحابِهِ والتَّابِعين ، والتَّمَشُّكُ بمَذَاهِبِ أهْل الأثَر، مثلُ الشَّافعيِّ، وأحمَدَ ، وإِسْحاقَ ، وأبي عُبَيْدٍ ، ولُزُومُ الكتابِ والسُّنَّةِ، ونَعْتِقِدُ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - علىُ عَرْشِهِ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(١) وأنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ ، ونُؤْمِنُ بِعَذابِ القَبْرِ ، وبالحَوْضِ ، وبالمَسْألِةِ في القَيْرِ ، وبالشَّفَاعَةِ ، ونَتَرَخَّمُ علىْ جَميعِ الصَّحَابَةِ وذَكَرَ أشْياءَ (٢) . ٢ - صاحبُ العَقْيدَةِ الصَّحيحَة لا يَخافُ القُدومَ على اللهِ : عن يَحْيَى بِنِ عَوْن، قالَ : دَخَلتُ مع سُحْنُونَ على ابنِ القَصَّارِ وهو مَريضٌ ، فقال : ما هذا القَلَقُ !! ؟ قال له : المَوْتُ والقُدُومُ على اللهِ قال له سُحْنُونُ: أَسْتَ مُصَدِّقاً بالرُّسُلِ والبَعْثِ والحِسابِ، والجَنَّةِ والنَّارِ وأنَّ أَفْضَلَ هذه الأُمَّةِ أَبُو بَكْر ، ثُمَّ عُمَرُ، والقُرآنَ كَلامُ اللهِ غَيرُ مَخْلُوقٍ وأنَّ اللهَ يُرَى يَومَ القِيامَةِ، وأنَّهُ على العَرْشِ اسْتَوَىُ، ولا تَخْرُجُ على الأئِمَّةِ بالسَّيْفِ ، وإنْ جارُوا قالَ : إي واللهِ، فقالَ: مُتْ إذا شِئْتَ ، مُتْ إِذا شِئْتَ(٣) . ٣- صاحبُ العَقْيدَةِ الصَّحيحَة لا يَأْبَهُ باتِّهام النَّاسِ له في عَقیدَتِه : عن السَّمْعانيِّ قال: سَمعتُ الحُسَيْنَ بنَ عبدِ المَلكِ الخَلاَّل ، سَمعتُ عبدَ (١) سورة الشورى، الآية : ١١ . (٢) انظر السير: ( أبو حاتم الرازي) ٢٤٧/١٣ -٣٦٣، وانظر النزهة : ١/١٠٧٧. (٣) انظر السير: (سُحنون) ٦٣/١٢ -٦٩، وانظر النزهة: ٥/٩٨٣. ٢٩٩ الرَّحمَنِ بنَ مَنْدَه يَقولُ : قد عَجبْتُ من حالي ، فإنِّي وَجَدتُ أكثَرَ مَنْ لَقِيتُه إنْ صَدَّقْتُه فيما يَقُولُهُ مُداراةً له ، سَمَّاني مُوافِقاً ، وإنْ وَقَفْتُ في حَرفٍ من قَولِه أو في شَيءٍ من فِعْلِهِ ، سَمَّاني مُخالِفاً، وإنْ ذَكَرتُ في واحدٍ منهَما أنَّ الكتَابَ والسُّنََّ بِخِلافِ ذلكَ ، سَمَّاني خارجيّاً ، وإن قُرىءَ عليَّ حَديثٌ في الثَّوحيدِ ، سَمَّاني مُشَبِّهاً ، وإنْ كان في الرُّؤْيَةِ، سَمَّاني سالميّاً إلى أنّ قالَ: وأنا مُتَمَسِّكٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ مُتَبرِّىءٌ إلى اللهِ من الشِّبْهِ والمِثْلِ والنِّدُ والضِّدِّ والأعْضاءِ والجِسْمِ والآلات، ومن كُلِّ ما يَنْسِبُهُ النَّاسِبُونَ إليَّ، ويَدَّعيهِ المُدَّعُونَ عليَّ من أنْ أقُولَ في اللّهِ تعَالَى شَيئاً من ذلكَ أو قُلْتُهُ ، أو أرَاهُ ، أو أتَوَهَّمُه، أو أصِفُه به(١). ٤- وُجُوبُ التَّسْليم في أخْبارِ الصِّفات : قال ابنُ القاسِم: سَألتُ مالِكاً عمَّنْ حَدَّثَ بالحَديثِ: الذين قالوا: ((إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ علىُ صُورَتِهِ))، والحَديثِ الذي جاءَ: ((إنَّ اللهَ يَكشِفُ عَنْ سَاقِهِ))، ((أنَّه يُدْخِلُ يَدَهُ فِي جَهَنَّمَ حتّى يُخْرِجَ مَنْ أَرَادَ )) فَأَنْكَرَ مَالِكٌ ذلكَ إنْكاراً شديداً، ونَهَى أنْ يُحَدِّثَ بها أحَدٌ ، فِقِيلَ له : إنَّ ناساً من أهلِ العِلمٍ يَتَحدَّثون به ، فقال : مَنْ هو ؟ !! ، قِيلَ : ابنُ عَجْلان عن أبي الزِّناد ، قال: لَمْ يَكُنِ ابنُ عَجلان يَعرفُ هذه الأشْيَاءَ ، ولَمْ يَكُنْ عَالِمَاً ولمْ يَزِلْ أبو الزِّناد عاملاً لهؤلاء حتى ماتَ، وكان صاحب عُمَّال يتبعُهم . قال الذهبيُّ : الخبرُ لمْ يَنفَردْ به ابنُ عَجْلان، بلْ ولا أبو الزِّناد ، فقد رَواهُ شُعَيبُ بنُ أبي حَمزة عن أبي الزِّناد ، ورَواهُ قَتَادَةُ عن أبي أيُّوبَ المَراغي ، عن أبي هُريْرَة، ورَواهُ ابنُ لُهَيْعَة عن الأعْرج وأبي يُونُس، عن أبي هُريْرَة، ورَواهُ مُعمَّرُ عن هَمَّام ، عن أبي هُريْرَة، وصَحَّ أيضاً من حَديث ابنِ عُمَر . وقد قال إِسْحاقُ بنُ راهَوَيْهِ ، عَالمُ خُراسان : صَحَّ هذا عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا الصَّحيحُ مُخرجٌ في كتابَي البُخاري ومُسلم فنُؤْمنُ به ونُفُوِّضُ ونُسلِّمُ ولا نَخوضُ فيما لا يَعْنينا مع عِلْمنا بأنَّ اللهَ ليسَ كَمثْلِهِ شَيءٌ وهو السَّميعُ البَصيرُ . (١) انظر السير: (ابن منده) ٣٤٩/١٨ -٣٥٤، وانظر النزهة: ٢/١٤١٩. ٣٠٠