Indexed OCR Text

Pages 221-240

مِن لَوَازِمِ الإِيمَان
أولاً : الابْتِلاءُ
١- فَضْلُ المُبْتَلَى الصَّابِرِ :
قال عبدُ الله بنُ أحمد بنِ حَنْبَل : حَدَّثِي ثابِتُ بنُ أحمد بنِ شَبُّويه قال : كان يُخَيَّلُ
إليَّ أنَّ لأبي فَضِيلَةً على أحمَدَ بنِ حَنْبَل لِجِهَادِهِ ، وفِكَاكِ الأسْرَى ، فَسَألْتُ أخي
عبدَ اللهِ ، فقال: أحمَدُ بنُ حَنْبَل أرْجَحُ ، فَلَمْ أقْنَعْ، فَأُرِيتُ شَيْخاً حَوْلَهُ النَّاسُ ،
يَسْألُونَه، ويَسْمَعُونَ مِنْه، فسَألتُهُ عنهُما، فقال: سُبْحانَ الله !! ، إنَّ أحمَدَ ابنَ حَنْبَلٍ
ابْتُلِيَ فصَبَر، وإنَّ شبُّويه عُوفِي، المُبتَلَى الصَّابرُ كالمُعَافَى؟ !! هَيْهَات(١).
٢ - التَّصْبِيرُ حَالَ الابْتِلاء:
قال التَّنُوخِيُّ : حَدَّثْنَا جَعْفَرُ بنُ وَرْقاء الأميرُ قال: اجْتَزْتُ عبدَ الله ابنَ الجَصَّاص
وكان مُصاهِرِي ، فَرَأيْتُه على حَوْشِ دَارِهِ حافِياً حاسِراً ، يَعْدُو كالمَجْنونِ ، فلمَّا رَآنِي
اسْتَحْيَى ، فقُلتُ : ما لَكَ؟ قال: يَحِقُّ لي، أخَذُوا مِنِّي أمْراً عَظِيماً ، فلُمْتُهُ وقُلْتُ:
ما بَقِيَ يَكْفِي ، وإِنَّمَا يَقْلقُ هذا القَلَقَ مَنْ يَخَافُ الحَاجَةَ، فاصْبِرْ حتى أُبَيِّنَ لكَ غِنَاكَ
قال : هاتِ قُلتُ : أَيْسَ دارُكَ هذه بآلتِها وفُرُشِها لك؟ وعَقَارُكَ بالكَرْخِ وضِياءُكَ ؟
قال: بلَى فما زِلِتُ أُحاسِبُه حتىُ بَلَغَ قِيمَةَ سَبعٍ مِنَةِ ألفِ دينارٍ ، ثمَّ قُلتُ : واصْدُقْني
عمَّا سَلِمَ لك، فحَسَبْنَاهُ ، فإذا هو بثلاثٍ مِئَةٍ أَلْفِ دينار ، قُلْتُ : فمَنْ له ألفُ ألفٍ
دينارِ بَغْداد؟ هذا وجاهُكَ قائمٌ فِلِمَ تَغْتَمُّ؟ !! فسَجَدَ لله وحَمِدَهُ وبَكَى ، وقال :
أَتْقَذَنِي اللهُ بِكَ ، ما عَزَّانِي أحدٌ بأنْفَعَ من تَعْزِيَتِك ما أَكَلْتُ شيئاً منذُ ثلاثٍ ، فأقِمْ عندي
لنَّأَكُلَ ونَتَحدَّث فأقَمتُ عنده يومَينٍ (٢).
(١) انظر السير: (ابن شَبُّويه) ٧/١١-٩، وانظر النزهة: ٣/٩٠٥ .
(٢) انظر السير: (ابن الجصاص) ٤٦٩/١٤-٤٧٣، وانظر النزهة: ٤/١١٦٦ الوزير.
٢٢١

٣- الصَّبرُ حالَ الابْتِلاء:
عن زِرِّ، عن عبدِ الله ، أوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ إسْلامَهُ سَبْعَةٌ: رسُولُ الله صلى الله عليه
وسلم، وأبُو بَكرٍ ، وعَمَّارٌ، وأُّه سُمَيَّةُ، وبِلالٌ، وصُهَيْبٌ، والمِقْدَادُ، فأمَّا النبيُّ
صلى الله عليه وسلم، وأَبُو بَكْرٍ فمَنَعَهُما اللهُ بِقَومِهِما، وأمَّا سَائِرُهُم فَأَخَذَهُم
المُشْرِكُونَ، فَأَلْبَسُوهُم أدْرَاعَ الحَديدِ وصَهَرُوهُم في الشَّمْسِ ، فما مِنْهُم أحدٌ إلاَّ
وأتاهُم على ما أرادوا إلَّ بلال ، فإنَّه هَانَت عليه نفسُه في الله ، وهَانَ علىُ قَوْمِه ،
فأعْطَوهُ الوِلْدَانَ، فجَعَلُوا يَطُوفُونَ به في شِعابٍ مَّةَ، وهو يقولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ(١) .
عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ ، أنَّ أَبَاهُ خَرَجَ إلى الوَليدِ بنِ عبد المَلِك ، حتى إذا كان بوادِي
القُرى، وَجَدَّ في رِجْلِهِ شيئاً فِظَهَرتْ به قُرحَةٌ، ثمَّ تَرَفَّى به الوَجَعُ ، وقَدِمَ على الوَليدِ
وهو في مَحمِلٍ ، فقال: يا أبا عبدِ الله اقْطَعْها ، قال : دُونَك فدَعا له الطَّبِيبَ ،
وقال : اشْرَبِ المُرقِد فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقَطَعَها منِ نِصْفِ السَّاقِ ، فما زَادَ أن يقولَ :
حَسِّ ، حَسِّ، فقال الوَليدُ : ما رأيتُ شَيْخاً قَطُّ أصْبَرَ من هَذا، وأُصِيبَ عُرْوَةُ بابنِهِ
مُحمَّد في ذلكَ السَّفَرِ ، رَكَضَتْهُ بَغْلَةٌ في إِصْطَبْلٍ لَمْ يُسْمَعْ منه في ذلكَ كَلِمَةٌ فلمَّا كان
بِوَادِي القُرَى قال: ﴿ لَقَدْ لَقِيْنَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾(٢) اللَّهُمَّ كان لِي بَنُونَ سَبْعَةٌ،
فَأَخَذْتَ واحِداً وأبْقَيْتَ لِي سِتَّةً، وكان لِي أَطْرَافٌ أَرْبَعَةٌ ، فَأَخَذْتَ طَرفاً ، وأَبْقَيْتَ
ثلاثةً ، ولَئِنْ ابْتَلَيْتَ ، لَقَد عافَيْتَ، ولَئِنْ أَخَذْتَ لقَدْ أَبْقَيْتَ(٣).
وقال الذهبيُّ : قَد أخْبَرَنِي عبدُ المُؤْمِنِ - شَيْخُنا - أنَّ أبا قِلابَةَ ممَّنِ ابْتُلِيَ في بَدَنِهِ
ودِينِهِ ، أُرِيدَ على القَضَاءِ فَهَرَبَ إلى الشَّامِ فمَاتَ بعَريضٍ مِصْرَ سَنةَ أرْبَع، وقد ذَهَبَتْ
يَدَاهُ ورِجْلاهُ وبَصَرُه ، وهوَ مَعَ ذلكَ حامِدٌ شَاكِرُ(٤).
(١) انظر السير: (بلال بن رَباح) ١ / ٣٤٧ -٣٦٠، وانظر النزهة: ٨/١٧٤.
(٢) سورة الكهف ، الآية : ٦٢ .
(٣) انظر السير: (عُروَة) ٤٢١/٤-٤٣٧، وانظر النزهة: ٢/٥٢٧.
(٤) انظر السير: ( أبو قلابة) ٤٦٨/٤- ٤٧٥، وانظر النزهة: ٨/٥٣٤ ( وانظر فهرس الصبر).
٢٢٢

٤ - المِحْنَةُ المَحْمُودَةُ :
قال الإمامُ الذهبيُّ: ثَمَرَةُ المِحْنَة المَحْمودَة ، أنَّها تَرْفَعُ العَبدَ عند المُؤمِنينَ ،
ويُكُلِّ حالٍ فهي بمَا كَسَبَتْ أَيْدينَا، ويَعْفُو اللهُ عن كَثِير: ((ومَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ
مِنْهُ))، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ قَضَاءِ المُؤْمِنِ خَيْرٌ لَهُ))، وقال اللهُ
تَعَالَى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ اَلْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَِّينَ﴾(١) ، وأَنْزَلَ تَعَالَىْ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ
قوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْأَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾(٢) وقال
تعَالَى: ﴿ وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾(٣) فالمُؤمِنُ
إذا امتُحِنَ صَبَرَ واَّعَظَ واسْتَغْفَرَ ، ولَمْ يَتَشَاغَلْ بِذَمِّ مَنْ انْتُقَمَ منه، فاللهُ حَكَمٌ مُقْسِطٌ ، ثمَّ
يَحْمَدُ اللهَ على سَلامَةِ دِينِهِ ، ويَعْلِمُ أنَّ عُقُوبَةَ الدُّنيا أهْوَنُ وخيرٌ له .
ولمَالِكِ رحمَه اللهُ رِسَالٌ في القَدَرِ ، كَتَبَها إلى ابنِ وَهْبٍ وإِسْنادُهَا صَحِيحٌ وله
مُؤَلَّفٌ في النُّجومِ ومَنَازِلِ القَمَر، ورِسالةٌ فِي الأَقْضِيَة ، ورسَالةٌ إلى اللَّيْثِ في إجْمَاعِ
أهْلِ المَدِينَةِ ، مَغْرُوفَة .
فأمَّا ما نَقَلَ عنهُ كِبَارُ أصْحَابِهِ من المَسَائِلِ، والفَتَاوَى ، والفَوائِدِ ، فشيءٌ كَثِيرٌ،
ومن كُنُوزِ ذلك: ((المُدَوَّنَةُ))، و((الواضِحَةُ))، وأَشْياء(٤).
٥- صُوَرٌّ من الابْتِلاءِ :
وعن زِرُّ، عن عبدِ الله، أولُ مَنْ أظْهَرَ إِسْلامَه سَبْعةٌ : رسُولُ الله صلى الله عليه
وسلم، وأبو بكرٍ ، وعَمَّارٌ، وأُّه سُمَيَّةُ ، وبِلالٌ، وصُهَيْبٌ ، والمِقْدادُ ، فأمَّا النبيُّ
صلى الله عليه وسلم، وأبو بكرٍ فمَنَعَهُما الله بقَوْمِهِما، وأمَّا سائِرُهم فأخَذَهُم
المُشْرِكُونَ ، فَأَلْبَسُوهم أدْراعَ الحَديدِ ، وصَهَرُوهم في الشَّمسِ ، فما منهم أحدٌ إلاَّ
وأتَاهُم على ما أرادُوا إلَّ بلالٌ ، فإنَّه هانَتْ عليه نَفْسُه في الله ، وهان علىُ قَوْمِه ،
(١) سورة محمد، الآية: ٣١ .
(٢)
سورة آل عمران ، الآية : ١٦٥.
(٣)
سورة الشورى ، الآية : ٣٠.
انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٢/٧٣٠.
(٤)
٢٢٣

فأعْطَوهُ الوِلْدَانَ، فجَعَلُوا يَطُوفُونَ به في شِعابٍ مَكةَ، وهو يقولُ: أحَدٌ أَحَدٌ(١).
وعن عبدِ الرَّحمَن بنِ حاطبٍ بنِ أبي بَلْتَعَة: أنَّ أباه كَتَبَ إلى كُفَّارِ قُرَيْشٍ كتاباً
فدَعا رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَليّاً والزُّبَيْرَ ، فقال: ((انْطَلِقَا حَتّى تُدْرِكا امْرأةً
معَهَا كِتَابٌ فَأْتِيَانِي به)) فَلَقِياها، وطَلَبَا الكتابَ، وأخْبَراها أنَّهما غَيرُ مُنْصَرِفَيْنِ حتّى
يَنْزِعا كُلَّ ثَوبٍ عليها، قالت: ألَسْتُما مُسْلِمَيْنِ؟ !! قالا: بَلَىُ ، ولكنَّ رسُولَ الله
صلى الله عليه وسلم حدَّثنا أنَّ معَكِ كتاباً ، فحَلَّتْهُ من رأسِها قال: فدَعا رسُولُ الله
صلى الله عليه وسلم حاطِباً حتى قُرِىءَ عليه الكتابُ ، فاعْتَرَفَ فقال صلى الله عليه
وسلم : (( ما حَمَلَكَ؟)) قال: كان بمَكَّةَ قَرَابَتِي ووَلَدِي ، وكُنْتُ غَريباً فيكم مَعْشَرَ
قُرَيْش فقال عُمَرُ رضي الله عنه: ائْذَنْ لي يا رسُولَ الله في قَتْلِه قال صلى الله عليه
وسلم: ((لا ، إنَّه قَد شَهِدَ بَدْراً، وإنَّكَ لا تَذْرِي، لَعَلَّ اللهَ قد اطَّلِعَ على أهْلِ بَدْرٍ
فقال : اعْمَلُوا مَا شِئْتُم ، فإنِّي غافِرٌ لكُم)).
إسْنَادُه صَالِحٌ، وأصْلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ(٢).
شَأْنُ الإِفْكِ :
كان في غَزوةِ المُرَيْسيعِ سَنةَ خَمسٍ من الهِجْرةِ وعُمرُ أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ بنتِ
أبي بكر الصِّديق رَضِيَ اللهُ عنها يومَئذ اثْنَتَا عَشرة سَنةً .
عن ابنِ شِهابٍ : أَخْبَرَني عُروَةُ، وابنُ المُسَيِّب، وعَلْقَمَةُ بنُ وَقَّاص ،
وعُبَيْدُ الله بنُ عبد الله ، عن حَديثِ عَائِشَةَ حينَ قالَ لها أهْلُ الإفْكِ ما قالوا ، فبَرَّأها اللهُ
تعَالَى وكُلٌّ حَدَّثني بطائِفَةٍ من حَديثِها ، وبَعضُ حَديثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعضاً ، وإنْ كان بَعضُهم
أوْعَى له من بَعضٍ ، قالت : كان رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أرَادَ سَفَراً أفْرَعَ بين
نِسائِهِ ، فَأَيْتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بها معَه فَأَقْرَعَ بَيْتَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزاها ، فخَرَجَ سَهْمِي ،
فَخَرَجْتُ مَعَه بعدَ ما نَزَلَ الحِجابُ ، وأنا أُحْمَلُ في هَوْدَج وأُنْزَلُ فيه ، فسِرْنا ، حتى إذا
فَرَغَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم من غَزْوَتِهِ تِلكَ، وَقَفَلَ ودَنَّوْنا من المَدِينَةِ ، آذَنَ
(١) انظر السير: (بلال بن رباح) ١/ ٣٤٧ - ٣٦٠، وانظر النزهة: ٨/١٧٤.
(٢) انظر السير: (حاطب بن أبي بلتعة) ٤٣/٢-٤٥، وانظر النزهة: ٣/٢١٦.
٢٢٤

ليلةً بالرَّحيلِ فَقُمتُ حَيْنَئِذٍ فمَشَيْتُ حتى جاوَزْتُ الجَيشَ فلمَّا قَضَيْتُ حاجَتِي ، أقْبَلْتُ
إلىُّ رَحْلِي، فإذا عِقْدٌ لي من جَزْعِ ظَفَار(١) وقد انْقَطَعَ، فالْتَّمَسْتُه، وحَبَسَنِي الْتِماسُهُ،
وأقْبَلَ الرَّهْطُ الذين كانوا يَرِحَلُونَ بِي، فاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوا على بَعيرِي ، وهم
يَحْسَبون أنِّي فيه ، وكان النِّساءُ إذْ ذَاكَ خِفافاً لَمْ يُتْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ، إنَّما يَأْكُلْنَ العُلْقَةَ(٢) من
الطعام فلَمْ يَسْتَنْكِروا خِفَّةَ المَحْمَلِ حين رَفَعُوه، وكُنتُ جاريةً حَديثةَ السِّنِّ ، فَبَعَثُوا
الجَملَّ وساروا ، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بعدما اسْتَمرَّ الجَيشُ، فجِئتُ مَنازِلَهم وَلَيسَ بها دَاع
ولا مُجيب فأمَّمْتُ مَنْزِلِي الذي كُنتُ فيه، وظَنْتُ أنَّهم سَيَفْقِدُوني فيَرْجِعُون إليَّ فبّنا أنا
جالِسَةٌ غَلَتْنِي عَيْنِي، فِنِمْتُ وكان صَفْوانُ بنُ المُعَطَّل الشُّلَميّ ، ثمَّ الذَّكْوانِيّ ، من
وَراءِ الجَيشِ ، فَأَدْلَجَ ، فَأصْبَحَ عند مَنْزِلِي ، فرأىْ سَوادَ إِنْسانِ نَائِم ، فأتاني ، فعَرَفَني
حين رآني ، وكان يَراني قبلَ الحِجابِ فاسْتَرْجَعَ ، فَاسْتَيْقَظْتُ باسْتِرْجاعِه حين عَرَفْتُ
فخَمَّرْتُ وَجْهِيَ بِجِلْبابي ، واللهِ ما كَلَّمَني كَلِمَةً ، ولا سَمعتُ منه كَلِمَةً غَيرَ اسْتِرجاعِه ،
فأناخَ راحِلَتَه، فَوَطِىءَ على يدَيْها فَرَكِبْتُهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بي الرَّاحِلَةَ حتى أتَيْنا الجَيشَ
بعدما نَزَلُوا مُوغِرِينَ(٣) فِي نَحْرِ الظَهِيرَةِ ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فيَّ وكان الذي تَوَلَّىُ كِبْرَ هذا
الإِفْكَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُول فقَدِمْنا المَدِينَةَ ، فاشْتَكَيْتُ شَهْراً ، والنَّاسُ يُفِيضُونَ في
قَولِ أهْلِ الإِفْكِ ولا أشْعُرُ بشيءٍ من ذلك، ويَرِيبُي في وَجَعِي أَنِّي لا أعْرِفُ من
رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كُنتُ أرى منه حين أَشْتَكِي، إنَّما يَدْخُلُ
عليَّ، فيُسَلِّمُ، ثمَّ يَقُولُ: ((كيْفَ تِيكم؟)) ثمَّ يَنْصَرِفُ فذلك الذي يَرِيبُني ولا أَشْعُرُ
بالشَّرِّ، حتى خَرَجْتُ بعدما نَقَهْتُ .
فَخَرَجْتُ مع أُمُّ مِسْطَحِ قِبَلَ المَناصِعِ(٤) ، وهو مُتَبَرَّزُنا وكُنَّا لا نَخْرُجُ إلَّ لَيلاً إلى
لَيْلٍ ، وذلك قَبَلَ أنْ تُتَّخَذَ الكُنُفُ قَريباً من بُيُوتِنا، وأمْرُنا أمْرُ العَرَبِ الأُوَل من التََّرُّز
قِبل الغائط، وكُنَّا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أنْ نتَّخِذَها عند بُيُوتِنا فانْطَلَقْتُ أنا وأُمْ مِسْطَح بنتُ
(١) الجزع : خرز يماني، وظفار : قرية باليمن.
(٢) العُلقة ( بضم العين ) : كل ما يتبلغ به من العيش ، وهي من الطعام اليسير منه.
(٣) أي نازلين في وقت الوغرة، وهي شدة الحر، ونحر الظهيرة : وقت القائلة.
(٤) المناصع : مواضع خارج المدينة كانوا يتبرزون فيها .
٢٢٥

أبي رُهم بنِ عبدِ مَناف، وأُمُّها ابْنَةُ صَخْرِ بنِ عامِر خالَةُ أبي بَكْرِ الصِّدِّيق ، وابنُها
مِسْطَحِ بنُ أثاثَةَ بنِ المُطَّلِب ، فأقْبَلْتُ أنا وهي قِبَلَ بَيْتِي، وقد فَرَغْنا من شَأْتِنا ، فَعَثُرَتْ
أُمْ مِسْطَح في مِرْطِها ، فقالت : تَعِسَ مِسْطَح، فقُلتُ لها : بِئْسَ ما قُلتِ !! ، أَتَسُبِينَ
رجلاً شَهِدَ بَدْراً؟ !! قالت: أَيْ هَنْتَاهُ (١) ، أوَلَمْ تَسْمَعِي ما قال؟ قُلتُ: وما ذَاكَ ؟
فأخْبَرَتْنِي الخَبَرَ ، فازْدَدْتُ مَرَضاً علىُ مَرَضِي .
فلمَّا رَجَعتُ إلى بَيْتِي، ودَخَلَ عليَّ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسَلَّمَ ثم قال :
((كيْفَ تِيكم ؟ )) فقُلتُ: أَذَنُ لي أنْ آتي أبَوَيَّ؟ وأنا حينئذ أُريدُ أنْ أسْتَيْقِنَ الخَبرَ من
قِبَلهما فأذِنَ لي فجِثْتُ أَبَوَيَّ، فقُلتُ : يا أُمَّنَاه، ما يَتَحدَّثُ النَّاسُ؟ قالت: يا بُنيَّةُ!
هَوِّني عليك، فواللهِ لَقَلَّما كانت امرأةٌ وَضيئَةٌ عند رجُلِ يُحِبُّها لها ضَرائِرُ إلاَّ كَثَرنَ
عليها ، فقُلتُ : سُبحانَ اللهِ !! وقد تَحدَّثَ النَّاسُ بهذا؟ فبَكَيْتُ الليلةَ حتى لا يَرْقَأُ لي
دَمْعٌ ولا أكْتَحِلُ بنَومِ ثُمَّ أَصْبَحتُ أنْكِي .
فَدَعا رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالِبٍ وأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ ، حين
اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ ، يَستأمِرُهما في فِراقِ أهْلِه فأمَّا أُسَامَةُ ، فأشارَ علىُ رسُولِ اللهِ صلى الله
عليه وسلم بالذي يَعْلَمُ من بَرَاءَةِ أهْلِهِ ، وبالذي يَعْلمُ لهم في نَفْسِه من الوُدِّ ، فقال :
يا رسُولَ اللهِ أهْلُكَ ، ولا نَعْلمُ إلَّ خَيْراً وأمَّا عليٌّ فقال: لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عليكَ، والنِّساءُ
سِواها كَثِيرٌ، واسْألِ الجارِيَةَ تَصْدُقْكَ فدَعا رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بريرةً(٢)
فقال: ((أَيْ بريرةُ ، هَلْ رَأيْتِ من شَيءٍ يَرِيبُكِ؟)) قالت: لا والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ ، إنْ
رَأيتُ عليها أمْراً أَغْمِصُه(٣) عليها أكْثَرَ من أنَّها جارِيَةٌ حَديثَةُ السِّنِّ ، تَنَامُ عن عَجينٍ
أهْلِها ، فيأتي الدَّاجِنُ ، فَيَأْكُلُه .
(١) قال ابن الأثير: أي: يا هذه، وتُفُتح النون وتسكن، وتُضم الهاء الآخرة وتسكن قال الجوهريّ :
هذه اللفظة تختص بالنداء ، وقيل : معنى يا هنتاه : أي يا بلهاء ، كأنها نُسبت إلى قلة المعرفة بمكايد
الناس وشرورهم .
(٢) كون الجارية بريرة هنا، وهمٍّ من بعض الرواة نبّه عليه ابن القيم في ((زاد المعاد» ٢٦٨/٣ طبع مؤسسة
الرسالة ، وأخذ عنه الزركشيّ في ((الإجابة )) ص ٤٨.
(٣) أغمصه : أي أعيبه .
٢٢٦

فقامَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فاسْتَعْذَرَ من عبدِ اللهِ بنِ أُبَّيِّ بنِ سَلُول ،
فقال وهو على المِنْبَرِ: ((يا مَعْشَرَ المُسْلِمينَ، مَنْ يَعْذِرُني (١) مِنْ رَجلٍ قد بَلَغَنِي أَذَاهُ
في أهْلِ بَيْتِي ، فوَاللهِ ما عَلِمْتُ علىُ أهْلِي إلَّ خَيراً، ولَقَد ذَكَرُوا رَجُلاً ما عَلِمْتُ عليه
إلَّ خَيراً وما كان يَدخُلُ على أهْلِي إلَّ مَعِي)) فقامَ سَعدُ بنُ مُعَاذٍ ، فقال:
يا رسُولَ الله، أنا أعْذِرُكَ مِنْه، إنْ كانَ من الأَوْسِ، ضَرَبْتُ عُنُقَه ، وإنْ كان منْ
إخْوانِنا من الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا ، فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ .
فقامَ سَعدُ بنُ عُبَادَة - وهو سَيِّدُ الخَزْرَج - وكان قَبَلَ ذلكَ رَجُلاً صالِحاً ، ولكنْ
احْتَمَلْهُ الحَمِيَّة (٢) ، فقال لسَعدٍ: كَذَبتَ لَعَمْرُ الله !! لا تَقْتُلُه، ولا تَقْدِرُ علىْ قَتْلِه فقامَ
أُسَيْدُ بنُ حُضَيْر - وهو ابنُ عمِّ سَعدِ ابنِ مُعاذ - فقال: كَذَبْتَ !! لَعَمْرُ الله لَنَقْتُلَنَّه ، فإِنَّكَ
مُنافِقٌ تُجادِلُ عن المُنافِقِين فَتَنَاوَرَ(٣) الحَيَّن: الأَوْسُ والخَزْرَج، حتىْ هَقُّوا أنْ
يَقْتَتلوا ، ورسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المِنْبَرِ فَلَمْ يَزَلْ يُخَفِّصُهم حتى
سَكَنُوا وسَكَتَ صلی الله عليه وسلم .
قالت : فَبَكَيْتُ يَومي ذلكَ ولَيَلَتي، لا يَرْقُ لي دَمعٌ، حتى ظَنَنتُ أنَّ البُكاءَ فالقِّ
كبدِي فبينما هما جالِسان عندي ، وأنا أبكي ، اسْتَأَذَنَتْ عليَّ امرأةٌ من الأنْصارِ ، فأذِنْتُ
لها ، فجَلسَت تَبكي مَعي ، فبينما نحنُ على ذلك، دَخَلَ علينا رسُولُ الله صلى الله عليه
وسلم ، فسَلَّمَ ثمَّ جَلسَ ، ولَمْ يَجلِسْ عندي منذُ قِيلَ لي ما قِيل، ولقد لَبِثَ شَهراً
لا يُوحَى إليه في شَأني شيءٌ قالت: فَتَشَهَّدَ، ثمّ قال صلى الله عليه وسلم: (( أمَّا
بَعدُ، يا عائِشَةُ، فإِنَّه قد بَلَغَني عنْكِ كذا وكذا، فإنْ كنتِ بَرِيئَةً، فسَيُبَُّكِ اللهُ، وإنْ
كنتِ أَلْمَمْتِ بِذَنبٍ ، فاسْتَغْفِرِي اللهَ ، وتُوبي إليه، فإنَّ العَبْدَ إذا اعْتَرَفَ بذَنِبِه ثمَّ تَابَ ،
تَابَ اللهُ عَليهِ )) فلمَّا قَضَىْ مَقَالَتُه ، قَلصَ دَمْعي حتى ما أُحِسُّ منه قَطْرَة ، فقُلتُ لأبي :
(١) يعذرني : أي مَن يقوم بعذري إن جازيته على قبح فعله، وسوء ما صدر منه وقيل : معناه من
ينصرني ، والعذير : الناصر .
(٢) احتملته الحَمية : أي أغضبته .
(٣) تثاور : أي تواثبا ، وتناهضا للنزاع والعصبية.
٢٢٧

أجِبْ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فيما قال ، قال : والله ما أدري ما أقُولُ
لرسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقُلتُ لأُمِّي: أجِيِي رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ،
قالت : ما أدري ما أقُولُ لرسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقُلتُ وأنا يَومَئذٍ حَديثةُ
السَّنِّ لا أَقْرأُ كثيراً من القُرآنِ: إنِّي والله لقد عَلمتُ ، لقد سَمعتُم هذا الحَديثَ حتى
اسْتَقَرَّ في أنفُسِكِم، وصَدَّقْتُم به ، فَلَئِنْ قُلتُ لكم : إنِّي بَرِيئَةٌ - واللهُ يَعلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ -
لا تُصَدِّقُوني بذلك، ولَئِنْ اعْتَرَفْتُ لكم بأمْرٍ ، واللّهُ يَعلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ ، لَتُصَدِّقُنِّي واللهِ
ما أَجِدُ لي ولَكُم مَثلاً إلاَّ قَولَ أبي يُوسُفَ عليه السلام: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُالْمُسْتَعَانُ عَلَى
مَا تَصِفُونَ﴾(١) . ثمَّ تَحوَّلْتُ، فاضْطَجَعْتُ على فِراشي، وأنا أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وأنَّ الله
تَعَالَىْ يُبَرُِّنِي بِبَرَاءَتي، ولكنْ والله ماظَنَنتُ أنَّ اللهَ يُنْزِلُ في شأنِي وَحْياً يُتْلَى ، ولَشَأْنِي
كان في نَفْسِي أَحْقَرُ مِنْ أنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بأمْرٍ يُتْلَى ، ولكنْ كُنتُ أَرْجُو أَنْ يَرَىْ رسُولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم في النَّومِ رُؤْيا يُبَرِّكُني اللهُ بها ، قالت : فَوَاللهِ ما قَامَ رسُولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم، ولا خَرَجَ أحَدٌ من أهْلِ البَيْتِ ، حتىْ نَزَلَ عليه الوَحْيُ ، فَأَخَذَهُ
ماكان يأْخُذُه من البُرَحَاء ، حتى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِثْلُ الجُمَان من العَرَقِ ، وهو في يَومٍ
شَاتٍ ، من ثِقَلِ القَوْلِ الذي يَنزِلُ عليه فلمَّا سُرِّيَ عنه وهو يَضْحَكُ، كان أَوَّل كَلِمَةٍ
تَكَلَّمَ بها صلى الله عليه وسلم: ((ياعَائِشَةُ، أَمَا واللهِ، لَقَدْ بَرَّأَكِ الله)) فقالت أُمِّي:
قُومي إِلَيْهِ فَقُلتُ: والهِ لا أَقُومُ إلَيْهِ، ولا أَحْمَدُ إلَّ اللهَ وأنْزَلَ اللهُ تَعالَى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ
جَمُ وبِلاَفِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾(٢) العَشْر الآياتِ كُلّها.
فلمَّا أَنْزَلَ اللهُ هذا في بَرَاءَتي، قال أبُو بَكْر ، وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ لِقَرابَتِهِ
وفَقْرِه: واللهِ لا أُتْفِقُ علىْ مِسْطَحِ شَيْئاً أبداً بعد الذي قال لِعَائِشَةَ فَأُنْزِلَتْ: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ
أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُرْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِ سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُواْ
وَلْيَصْفَحُوَاْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾(٣)، قال: بَلَىْ واللهِ، إنِّي لأُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي
(١) سورة يوسف، الآية : ١٨.
(٢) سورة النور ، الآية : ١١ وما بعدها .
(٣) سورة النور ، الآية : ٢٢ .
٢٢٨

فَرَجَعَ إلى مِسْطَحِ النَّفَقَةَ التي كان يُنْفِقُ عليه ، وقال واللهِ لا أَنْزِعُها منه أبداً قالت : وكان
رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسْألُ زَيْنَبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمْرِي فقالت : أَحْمِي
سَمْعِي وبَصَرِي ، ما عَلِمتُ إلَّ خَيْراً، وهي التي كانت تُسَامِيني(١) من أزواجِ النبيِّ
صلى الله عليه وسلم، فَعَصَمَها اللهُ بالوَرَعِ ، وطَفِقَت أُختُها حِمْنةُ تُحارِبُ لها (٢)
فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ من أصْحابِ الإِفْكِ (٣) .
قال الذهبيُّ في تَرْجَمة مُعَيْقِيب بنِ أبي فاطمَة الدَّوْسيّ : له هجرةٌ إلى الحَبشَة ،
وقيل : إنَّه قَدم مع جَعفرٍ ليالي خَيْبَر ، وكان مُبْتَلى بالجُذام .
عن محمود بن لُبُيد ، قال : أمَّرَني يَحْبَى بنُ الحَكَم علىُ جُرَش ، فقَدمتُها
فحَدَّثوني أنَّ عبدَ الله بنَ جَعْفَر حَدَّثهم : أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لصاحب
هذا الوَجَع - الجُذام -: ((اتَّقُوهُ كمَا يُتَّقَى السَّبُعُ، إذا هَبَطَ وَادِياً فاهْبِطُوا غَيْرَه )) ..
فقَدمتُ المدينةَ ، فسَألْتُ عبدَ الله بنَ جَعفر فقال: كَذبُوا والله !! ما حَدَّثتُهم هذا ،
ولقد رأيتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ يُؤْتَى بالإناء فيه الماءُ فيُعطيه مُعَيْقيباً - وكان رجُلاً قد أسْرعَ
فيه ذاكَ الدَّاءُ - فيَشربُ منه، ويُناولُهُ عُمَرَ ، فَيَضِعُ فَمَه مَوْضعَ فَمِه ، حتى يَشْرَبَ منه ،
فعَرفتُ أنَّه يَفعلُهُ فِراراً من العَدْوَى .
وكان يَطلب الطِّبَّ من كلِّ من سُمع له بطِبٌّ ، حتى قَدم علينا رجلان من أهل
اليمن ، فقال : هل عندكما من طبّ لهذا الرجل الصالح ؟ ، فقالا: أمَّا شيءٌ
يُذْهبُهُ ، فلا نَقَدرُ عليه، ولكنَّا سنُداويه دواءً يُوقِفُه، فلا يَزيد فقال عُمرُ: عافيَةٌ عَظيمة
فقالا : هل تُنْبتُ أرضُك الحَنْظَلَ ؟ قال : نعم قالا : فاجْمَعْ لنا منه ، فأمرَ ، فجُمعَ له
ملءُ مِكتَلَيْنِ عظيمَين .
(١) تساميني: تعاليني، من السُّمو والعُلو والارتفاع، أي تطلب العُلو والرفعة والحظوة عند النبيّ صلى الله
عليه وسلم ما أطلب .
(٢) تحارب لها : أي تجادل لها وتتغضب ، وتحكي ما قال أهل الإفك لتنخفض منزلة عائشة وتعلو مرتبة
أختها زينب .
(٣) انظر السير: (عائشة أم المؤمنين) ١٣٥/٢ -٢٠١، وانظر النزهة: ٢٣٤/٣ -٢٣٨.
٢٢٩

فشَقًّا كل واحدة نصفين ، ثم أضْجَعا مُعَيقِيباً ، وأخذَ كلُّ واحدٍ منهما برِجلٍ ، ثم
جعلا يُدلِّكان بُطون قدميه بالحنظلة ، حتى إذا مُحقت ، أخذا أخرى ، حتى إذا رأيا
مُعَيقيباً يَتنخَمُه أخضراً مُرَّاً أرْسلاه ثم قالا لعُمرَ : لا يَزِيدُ وَجَعُه بعد هذا أبداً قال :
فوالله ما زالَ مُعَيقيباً مُتماسكاً ، لا يزيدُ وَجَعُه حتى مات .
عاشَ مُعَيقيبٌ إلى خلافة عثمان رضي الله عنه .
والفِرارُ من المجذومِ ، وتَرك مُؤاكلته جائزٌ ، لكن لِيَكُن ذلك بحيث لا يكادُ يَشْعرُ
المَجذوم ، فإنَّ ذلك يُحْزِنُهُ، ومَن واكَله - ثِقَةً بالله، وتَوكُّلاً عليه - فهو مؤمن(١) .
عن ابنِ عبَّاسٍ قال : كان ابنُ أبي سَرْح يَكتبُ لرسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ،
فأزَلَّهِ الشَّيْطانُ ، فَلَحِقَ بالكُفَّارِ ، فأمَرَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يُقْتَلَ ، فَاسْتَجارَ
له عُثْمانٌ(٢) .
وقال الإمامُ الذهبيُّ في مِحْنَةِ آلامِ سَعيدِ بنِ المُسَيِّب ، قال الواقِديُّ : حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ جَعْفَر، وغَيرُهُ من أصْحابِنا قالوا : اسْتَعْمَل ابنُ الزُّبَيْرِ جَابِرَ بنَ الأسْوَدِ بنِ
عَوْف الزُّهْرِيّ على المَدينَةَ ، فَدَعا النَّاسَ إلى البَيْعَة لابنِ الزُّبَيْرِ فقال سَعيدُ بنُ
المُسَيِّب : لا، حتى يَجْتَمِعَ النَّاسُ فضَرَبَه سِتّينَ سَوْطاً فبَلَغَ ذلكَ ابنَ الزُّبَيْرِ ، فَكَتَبَ إلى
جابرٍ يَلُومَه ويقولُ : ما لَنا ولسَعِيدٍ ، دَعْهُ .
وعن عبد الواحِد بنِ أبي عَوْن ، قال : كان جابِرُ بنُ الأسْوَدِ عامِلُ ابنِ الزُّبَيْرِ على
المَدِينَة قد تَزَوَّجَ الخامسَةَ قبلَ انقِضاءِ عِدَّةِ الرَّابِعَةِ ، فلمَّا ضَرَبَ سَعيدَ بنَ المُسَيِّبِ صاحَ
به سَعيدٌ والسِّيَاطُ تأخُذُه، واللهِ ما رَبَّعْتَ على كتاب الله ، وإنَّكَ تَزَوَّجْتَ الخامسَةَ قبلَ
انِقِضاءِ عِدَّةِ الرَّابعَةَ، وما هي إلاَّ لَيَالٍ فاصْنَعْ ما بَدَا لَكَ، فسَوْفَ يأتِيكَ ما تَكْرهُ فما
مَكَثَ إلاَّ يَسيراً حتى قُتِلَ ابنُ الزُّبَيْرِ (٣).
قال الواقِديُّ: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جَعْفَر وغيرُه أنَّ عبدَ العَزيز ابنَ مَرْوانَ تُوفِّيَ بِمِصْرَ
انظر السير: ( مُعَيْقيب بن أبي فاطمة الدوسيّ) ٤٩١/٢-٤٩٣، وانظر النزهة: ٢/٢٩٤.
(١)
(٢)
انظر السير: ( عبد الله بن سعد) ٣٣/٣ -٣٦، وانظر النزهة: ٢/٣٢٦.
(٣) انظر السير: (سعيد بن المسيّب) ٢١٧/٤ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٢/٤٨٤.
٢٣٠

سَنَةَ أرْبِعٍ وثمَانينَ ، فعَقَدَ عبدُ المَلِك لابْنَيْه : الوَلِيدِ وسُليْمان بالعَهْدِ، وكَتَبَ بالبَيْعَةِ
لهُما إلىّ البُلْدان، وعامِلُهُ يومَئذٍ على المَدينَة هشامُ بنُ إسْماعيل المَخْزوميّ ، فَدَعا
النَّاسَ إلى البَيْعَة، فبايَعُوا ، وأبَى سَعيدُ بنُ المُسَيِّب أن يُبايعَ لهما وقال : حتى أَنْظُرَ ،
فضَرَبَه هِشامُ سِتّيْنَ سَوْطاً ، وطَافَ به في تُتَّانِ من شَعْر ، حتىْ بَلَغَ به رأسَ الثَنِيَّةِ ، فلمَّا
كَؤُوا به قال : أيْنَ تَكِرُونَ بِي؟ قالُوا: إلى السِّجنِ، فقال: والله لَوْلا أَنِّي ظَنَنْتُه
الصَّلْبَ، ما لَبِسْتُ هذا الثُّبَّانَ أَبَداً فرَدُوهُ إلى السِّجْنِ، فحَبَسَه وكَتَبَ إلى عبد المَلِك
يُخْبِرُه بخِلافِهِ فَكَتَبَ إليه عبدُ المَلِك يَلُومُه فيما صَنَعَ به ويقولُ : سَعيدٌ ، كان والله
أحْوَجَ إلى أنْ تَصِلَ رَحِمَهُ من أنْ تَضْرِبَه وإِنَّا لَنَعلَمُ ما عنْدَهُ خِلافٌ (١) .
وقال أبو بكرٍ بنُ أبي داوُدَ : كانت بنْتُ سَعيد بنِ المُسَيِّب قد خَطَبَها عبدُ المَلِكِ
لابْنِهِ الوَلِيدِ ، فأبَى عليه فَلَمْ يَزَلْ يَحْتَالُ عبدُ المَلِكِ عليه حتىْ ضَرَبَهُ مِئَّةَ سَوْطٍ في يومٍ
بارِدٍ ، وصَبَّ عليه جَزَّةَ ماءِ ، وألْبَسَهُ جُبَّةَ صُوفٍ .
وعن ابنِ أبِي وَدَاعَةَ - يَعِنِي كَثِيراً - قال: كُنتُ أُجالِسُ سَعيدَ ابنَ المُسَيِّبِ ، فَفَقَدَنِي
أيَاماً ، فلمَّا جِئْتُهُ قال: أيْنَ كُنتَ ؟ قُلتُ : تُوفِّيَتْ أهْلِي فاشْتَغَلْتُ بها ، فقال : ألا
أخْبَرْتَنَا فَشَهِدْناها، ثمَّ قال: هَلْ اسْتَحْدَثْتَ امرأةً؟ فقُلتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، ومَنْ
يُزَوِّجُنِي وما أمْلِكُ إلَّ دِرْهَمَيْنِ أو ثلاثة ؟ !! ، قال: أنا فقُلتُ: وتَفْعَلُ؟ !! قال :
نَعَمْ ، ثمَّ تَحَمَّدَ ، وصَلَّى على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وزَوَّجَنِي علىْ دِرْهَمَيْنِ - أوْ
قال : ثلاثة - فقُمتُ وما أدْرِي ما أصْنَعُ من الفَرَحِ فصِرتُ إلى مَنْزِي وجَعَلْتُ أَتَفَكَّرُ
فيمَنْ أَسْتَدِینُ .
فصَلَّيْتُ المَغْرِبَ ، ورَجَعْتُ إلى مَنْزِلِي، وكُنتُ وَحْدِي صائِماً ، فقَدَّمْتُ عَشَائِي
أُفْطِرُ، وكان خُبْزاً وزَيْتاً ، فإذا بابي يُقْرَعُ، فَقُلتُ : مَنْ هذا؟ فقال: سَعيدُ ،
فَأَفْكَرْتُ في كُلِّ مَنْ اسْمُه سَعيدٌ إلَّ ابنَ المُسَيِّبِ ، فإنَّه لَمْ يُرَ أرْبَعِينَ سَنةً إلاَّ بينَ بَيْتِهِ
والمَسْجِدِ ، فخَرَجْتُ ، فإذا سَعيدٌ، فظَنَنْتُ أنَّه قد بَدَا لَهُ، فقُلتُ: يا أبا مُحمَّدٍ ألا
أَرْسَلتَ إليَّ فَآتِيكَ؟ قال: لا، أنْتَ أحَقُّ أنْ تُؤْتَى، إنَّكَ كُنتَ رجُلاً عَزَباً فَتَزَوَّجْتَ ،
(١) انظر السير: (سعيد بن المسيّب) ٢١٧/٤ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٣/٤٨٤.
٢٣١

فكَرِهْتُ أنْ تَبِيتَ اللَّيْلَةَ وَحْدَكَ ، وهذه امرأتُكَ ، فإذا هي قائِمةٌ من خَلْفِهِ في طُولِهِ ، ثمَّ
أَخَذَ بِيَدِها فدَفَعَها فِي البَابِ، وَرَدَّ البَابَ، فسَقَطَتِ المَرأةُ من الحَيَاءِ ، فَاسْتَوْثَقْتُ من
البابِ ثمَّ وَضَعْتُ القَصْعَةَ في ظِلِّ السِّراجِ لكي لا تَرَاهُ ، ثمَّ صَعَدْتُ إلى السَّطحِ فِرَمَيْتُ
الجِيرانَ ، فجَاؤُونِي فقالوا : ما شَأْنُكَ ؟ !! فأخْبَرْتُهُم ونَزَلُوا إليها، وبَلَغَّ أُمّي ،
فجاءَتْ وقالت : وَجْهي من وَجْهِكَ حَرامٌ إِنْ مَسَسْتَهَا قبلَ أنْ أُصْلِحَها إلى ثلاثةِ أَيَّامٍ ،
فَأَقَمْتُ ثلاثاً ثمَّ دَخَلْتُ بها ، فإذا هي من أَجْمَلِ النَّاسِ ، وأحْفَظِ النَّاسِ لكتابِ اللهِ ،
وأعْلَمِهِم بسُنَّةِ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأعْرَفِهِم بحَقِّ زَوْجٍ فمَكَثْتُ شَهراً
لا آتِي سَعيدَ ابنَ المُسَيِّبِ ثم أتَيْتُهُ وهو في حَلْقَتِهِ، فسَلَّمتُ، فَرَذَّ عَليَّ السَّلامَ ولَمْ
يُكَلِّمْنِي حتى تَقَوَّضَ المَجْلِسُ ، فلمَّا لَمْ يَبْقَ غَيري قال : ما حالُ الإنْسانِ ؟ قُلتُ :
خَيراً يا أبا مُحمَّد ، على ما يُحِبُّ الصَدِيقُ، ويَكْرَهُ العَدُؤُّ قال: إنْ رابَكَ شَيءٌ فالعَصَا
فانْصَرَفْتُ إلى مَنْزِلِي، فَوَجَّهَ إليَّ بِعِشرينَ ألفِ دِرْهم .
قال أبو بكر بنُ أبي داود : ابنُ أبي وَداعَة هو كثير بن المطلب ابن أبي وَدَاعَة .
قال الذهبيُّ: هو سَهميٌّ مَكِّيٌّ، روى عن أبيه المطلب أحد مُسْلمَة الفَتح(١).
عن هِشَامٍ بِنِ عُرْوَةَ ، أَنَّ أَبَاهُ خَرَجَ إلى الوَليدِ بنِ عبد المَلِك ، حتى إذا كان بوادِي
القُرى، وَجَدَ في رِجْلِهِ شيئاً فَظَهَرتْ به قُرحَةٌ، ثمَّ تَرَفَّى به الوَجَعُ ، وقَدِمَ على الوَليدِ
وهو في مَحمِلٍ ، فقال: يا أبا عبدَ الله اقْطَعْها، قال: دُونَك فدعا له الطَّبِيبَ ،
وقال : اشْرَبْ المُرقِد فَلَمْ يَفْعَلْ، فقَطَعَها من نِصْفِ السَّاقِ، فما زَادَ أن يقولَ :
حَسِّ، حَسِّ، فقال الوَليدُ : ما رأيتُ شَيْخاً قَطُّ أصْبَرَ من هَذا، وأُصِيبَ عُرْوَةُ بابِهِ
مُحمَّد في ذلكَ السَّفَرِ ، رَكَضَتْهُ بَغْلَةٌ فِي إِصْطَبْلٍ لَمْ يُسْمَعْ منه في ذلكَ كَلِمَةٌ فلمَّا كان
بِوَادِي القُرَى قال: ﴿ لَقَدْ لَقِيْنَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾(٢) اللَّهُمَّ كان لِي بَنُونَ سَبْعَةٌ ،
فَأَخَذْتَ واحِداً وأبْقَيْتَ لِي سِنَّةً ، وكان لِي أَطْرَافٌ أَرْبَعَةٌ ، فَأَخَذْتَ طَرفاً ، وأبْقَيْتَ
(١) انظر السير: (سعيد بن المسيب) ٢١٧/٤-٢٤٦، وانظر النزهة: ٣/٣٨٥.
(٢) سورة الكهف ، الآية : ٦٢ .
٢٣٢

ثلاثةً ، ولَئِنْ ابْتَلَيْتَ، لقَد عافَيْتَ، ولَئِنْ أخَذْتَ لقَد أبْقَيْتَ(١).
وقال الذهبيُّ : قد أخْبَرَنِي عبدُ المُؤْمن - شَيْخُنا - أنَّ أبا قِلابَة ممَّن ابتُلِيَ في بَدَنِه
ودِينِهِ، أُرِيدَ على القَضَاءِ فَهَرَبَ إلى الشَّامِ فماتَ بعَريضٍ مِصْرَ سَنةَ أرْبع ، وقد ذَهَبَتْ
يَدَاهُ ورِجْلاهُ وبَصَرُه ، وهو مع ذلك حامِدٌ شَاكِرٌ(٢).
ولمَّا تَمَادَى مُوسَىُ بنُ نُصَيْرِ فِي سَيْرِهِ في الأنْدَلُسِ ، أَتَىْ أَرْضاً تَميدُ بأهْلِها ، فقال
عَسْكَرُهُ : إلى أيْنَ تُريدُ أنْ تذهَبَ بنا؟ حَسْبُنَا ما بأيِدِينا ، فقال: لَوْ أَطَعْتُمونِي لَوَصَلْتُ
إلى القُسْطَنْطِينِيَّة، ثمَّ رَجَعَ إلى المَغْرِبِ وهو راكبٌ علىْ بَغْلَةٍ وهو يَجُرُّ الدُّنيا بِينَ يَدَيهِ ،
أمَرَ بالعَجَلِ تَجُزُ أوْقارَ الذَّهَبِ والحَريرِ، واسْتَخْلَفَ ابْنَه بإِفْرِيقِيَّة، وأخَذَ معه مِئَةً من
كُبَرَاءِ البَرْبَرِ ، ومِئَّةً وعشرين من المُلُوكِ وأولادِهم، فقَدِمَ مِصْرَ فِي هَيْئَةٍ ما سُمِعَ
بِمِثْلِها، فوَصَلَ العُلمَاءُ والأشْرافُ، وسَارَ إلى الشَّامِ فبَلَغَهُ مَرَضُ الوَلِيدِ ، وكَتَبَ إليه
سُلَيْمَانُ يأمُرُهُ بِالتَّوَقُّفِ، فما سَمِعَ منهُ، فَلَى سُلِيْمَانُ إِنْ ظَفِرَ بِهِ لَيَصْلِنَّهُ وقَدِمَ قبلَ
مَوْتِ الوَلِيدِ ، فَأَخَذَ ما لا يُحَدُّ من النَّائِسِ ، ووَضَعَ باقِيهِ فِي بَيْتِ المَالِ ، وقُوِّمَتِ
المَائِدَةُ بِمِئَةِ الْفِ دینار .
ووَلِيَ سُلْمانُ فأهانَه، ووُقِّفَ في الحَرِّ - وكان سَميناً - حتى غُشِيَ عليهِ وبَقِيَ
عُمَرُ بنُ عبد العَزِيزِ يَتَأَلَّمُ له ، فقال سُلْمانُ: يا أبا حَفْصِ ما أظُنُّ إلاَّ أنَّنِي خَرَجْتُ من
يَمِينِي .
وضَمَّهُ يَزِيدُ بنُ المُهَلَّبِ إليهِ ، ثمَّ فَدَى نَفْسَه بِبَذْلِ ألفِ ألفِ دينارٍ ، وقِيلَ له : أنْتَ
فِي خَلقٍ من مَوَالِيكَ وجُنْدِكَ ، أَفَلا أَقَمْتَ في مَقَرِّ عِزِّكَ ، وبَعثتَ بالتَّقادُم ، قال : لَوْ
أرَدْتُ، لَصَارَ ، ولكنْ آثَرْتُ اللهَ ولَمْ أَرَ الخُروجَ ، فقال له يَزِيدُ : وكُلُنا ذاكَ الرجُلُ -
أرادَ بهذا قُدومَهُ على الحَجَّاجِ(٣) .
وقد امْتُحِنَ وَهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ ، حُبِسَ وضُرِبَ ، فَرَوىْ حِبَّنُ بنُ زُهَيْرِ العَدَوِيّ ، قال :
(١) انظر السير: (عروة) ٤٢١/٤ -٤٣٧، وانظر النزهة: ٢/٥٢٧.
(٢) انظر السير: ( أبو قلابة) ٤٦٨/٤ - ٤٧٥، وانظر النزهة: ٨/٥٣٤.
(٣) انظر السير: ( موسى بن نصير) ٤٩٦/٤- ٥٠٠، وانظر النزهة: ٤/٥٤٠ .
٢٣٣

حدَّثَنِي أبو الصَّيْداءَ صالِحُ بنُ طَرِيفٍ ، قال: لمَّا قَدِمَ يُوسُفُ بنُ عُمَرَ العِراقَ بَكَيْتُ
وقُلتُ : هذا الذِّي ضَرَبَ وَهْبَ بنَ مُنبِّهِ حَتَّى قَتَلَه .
يَعْنِي لَمَّا وَلِيَ إِمْرَةَ الْيَمَنِ ، ثمَّ نَقَلَهُ الخليفَةُ هِشَامٌ إلى إِمْرَةِ العِراقِ، وكان جَبَّاراً
عَنِيداً مَهِيباً ، كان سِماطُهُ بالعِراقِ فيما حَكَى المَدائِيُّ كلَّ يومٍ خميسٍ مِئَةُ مَائِدَةٍ ، أبْعَدُ
المَوَائِدِ وأقْرَبُّها سَواءٌ في الجَوْدَةِ .
ثمَّ إِنَّه عُزِلَ عن العِراقِ عند مَقْتَلِ الوَلِيدِ الفاسِقِ، ثمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ وللهِ الحَمْدُ في سَنةِ
سَبْعٍ وعشرينَ ومِئَةٍ(١).
قال الإمامُ الذهبيُّ في مِحْنَةِ الإمامِ مالِك : قال ابنُ سَعْد: حدَّثنا الواقِدِيُّ قال : لمَّا
دُعِىَ مالكٌ، وشُووِرَ ، وسُمِعَ منه ، وقُبِلَ قَولُهُ ، حُسِدَ ، وبَغَوهُ بِكُلِّ شيءٍ ، فلمَّا وَلِيَ
جَعْفَرُ بنُ سُليْمانَ المَدِينَةَ، سَعَوْا به إليه وكَثُرُوا عليه عندَه، وقالوا : لا يَرَى أَيْمَانَ
بَيْعَتِكُم هذه بشيءٍ ، وهو يأخُذُ بحَديثٍ رَوَاهُ عن ثابتِ بنِ الأحْنَفِ فِي طَلاقِ المُكْرَهِ :
أنَّه لا يَجُوزُ عِنْدَه، قال : فَغَضِبَ جَعْفَرُ، فَدَعا بمَالِكِ ، فَاحْتَجَّ عليهِ بما رُفِعَ إليْهِ
عنهُ، فأمَرَ بِتَجْرِيدِهِ ، وضَرْبِهِ بالسِّيَاطِ ، وجُبِذَتْ يَدُهُ حتى انْخَلَعَتْ مِنْ كَتِفِهِ ، وارتُكِبَ
منه أمْرٌ عظيمٌ، فواللهِ ما زَالَ مالكٌ بَعدُ فِي رِفْعَةٍ وعُلُوٌّ(٢) .
وقال الذهبيُّ في مِحْنةٍ وَكِيعِ : مِحْنَةُ وَكِيعٍ - وهي غَرِيبَةٌ - تَوَرَّطَ فيها ولَمْ يُرِدْ إلاَّ
خَيْراً، ولكنْ فاتَتْه سَكْنةٌ، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( كفَى بالمَرْءِ إِثْماً أنْ
يُحَدِّثَ بكلِّ ما سَمِعَ ، فَلْيَتَّقِ عبدٌ رَّه، ولا يَخافَنَّ إِلَّ ذَنْبَه)).
قال عليُّ بنُ خَشْرَم : حَدَّثنا وَكيعٌ عن إسْماعيلَ عن أبي خالد ، عن عبدِ الله
البَهِيّ ، أنَّ أبا بَكْرِ الصِّديق جاءَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعد وَفاتِهِ ، فأكَبَّ
عليه ، فقَّلَه، وقال : بأبي وأُمِّي، ما أطْيَبَ حَياتَكَ ومَيْتَتَكَ، ثمَّ قال البَهيُّ : وكان
تُرِكَ يَوماً وليلةً حتى رَبَا بَطْنُهُ، وانْثَنَتْ خِنْصَراهُ - قال ابنُ خَشْرم : فلمَّا حدَّثَ وَكيعٌ
بهذا بمَكَةَ ، اجْتَمَعتْ قُريْشٌ، وأرادُوا صَلْبَ وَكيع، ونَصَبوا خَشَبَةً لِصَلْبِه ، فجاء
(١) انظر السير: (وَهب بن مُنبّه) ٥٤٤/٤-٥٥٧، وانظر النزهة: ٢/٥٥٧.
(٢) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ١/٧٣٠.
٢٣٤

سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَة ، فقال لهم: اللهَ اللهَ !! ، هذا فَقِيهُ أهْلِ العِراقِ ، وابنُ فقيهِه ، وهذا
حَديثٌ مَعروفٌ قال سُفيانُ: ولَمْ أَكُنْ سَمِعْتُه إلاَّ أنِّي أرَدْتُ تَخْليصَ وَكيعٍ .
قال عليُّ بنُ خَشْرم : سَمعْتُ الحديثَ من وَكيع ، بعدما أرادُوا صَلْبَهُ فَتَعَجَّبتُ من
جَسَارَتِهِ، وأُخْبِرتُ أنَّ وَكيعاً احْتَجَّ ، فقال : إنَّ عِدَّةٌ من أصْحابِ رسُولِ الله صلى الله
عليه وسلم منهم عُمَرُ رضي الله عنه قالوا: لَمْ يَمُتْ رسُولُ الله فأرادَ اللهُ أنْ يُرِيَهُم آيةَ
المَوْتِ .
فهذه زَلَّهُ عَالِمٍ ، فما لوَكيعٍ ولرِوايَةِ هذا الخَبَرِ المُنْكَرِ المُنْقَطِعِ الإسْناد !! ، كادَتْ
نفْسُه أنْ تَذْهَبَ غَلطاً، والقائمُونَ عليه مَعْذورُونَ ، بَلْ مَأْجُورُونَ ، فإنَّهم تَخَيَّلُوا مِنْ
إشاعَةِ هذا الخَبَرِ المَرْدودِ ، غَضَّأَ ما لمَنْصِبِ النُّبُوَّة ، وهو في بادِىءَ الرَّأْيِ يُوهِمُ
ذلك ، ولكِنْ إذا تَأَمَّلْتَهُ، فلا بَأسَ إنْ شاءَ اللهُ بذلك، فإنَّ الحَيَّ قد يَرْبُو جَوْفُهُ،
وتَسْتَرْخِي مَفاصِلُه، وذلك تَفَرُّعُ من الأمْراضِ، و(( أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءَ الأنْبياء))، وإنَّما
المَحْذورُ أنْ تُجَوِّزَ عليه تَغَيُّرَ سائِرٍ مَوْتَى الْآدَمِيِّينَ ورائِحَتَهم، وأَكْلَ الأرضِ
لأجْسامِهِم ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم فمُفارِقٌ لسائِرِ أُمَّتِهِ في ذلك ، فلا يَبْلَى،
ولا تَأْكُلُ الأرضُ جَسَدَه ، ولا يَتَغَيَّرُ رِيحُه، بَلْ هو الآن ، وما زالَ أَطْيَبَ رِيْحاً من
المِسْكِ، وهو حِيٍّ في لَحْدِهِ حَياةَ مِثْلِهِ فِي البَرْزَخِ ، التي هي أكْمَلُ من حَياةِ سائِرٍ
النَّبِّينَ، وحَياتُهم بلا رَيْبٍ أَتَمُّ وأَشْرَفُ من حَياةِ الشُّهَداءِ الذين هم بِنَصِّ الكِتَابِ أحياء
عند ربهم يرزقون ، وهَؤلاءِ حَياتُهُم الآنَ التي في عالَمِ البَرْزَخِ حَقٌّ ، ولكِنْ لَيْسَت هي
حَياةَ الدُّنْيا من كُلِّ وَجْهٍ ، ولا حَياةَ أهْلِ الجَنَّةِ من كُلِّ وَجْهٍ ، ولهُم شِبْهُ بحَياةِ أهْلِ
الكَهْفِ ، ومن ذلك : اجْتِماعُ آدَمَ ومُوسَى ، لمَّا احْتَجَّ عليه مُوسَى، وحاجَّهُ آدَمُ بالعِلْمِ
السَّابِقِ كان اجْتِماعُهُما حَقًَّ ، وهُما في عالَمِ البَرْزَخِ ، وكذلك نَبِيُنا صلى الله عليه وسلم
أَخْبَرَ أنَّه رَأى في السَّماواتِ آدَمَ ومُوسَى وإبراهيمَ وإدريسَ وعِيسَىُ ، وسَلَّمَ عليهِم ،
وطَالَتْ مُحاوَراتُه مع مُوسَى، هذا كُلُّهُ حَقٌّ والذي منهم لَمْ يَذُقِ المَوتَ بَعْدُ هو عِيسَى
عليه السلام .
فقد تَبَرْهَنَ لك أنَّ نَبِيَّنا صلى الله عليه وسلم ما زالَ طَيِّياً مُطَيِّياً، وأنَّ الأرضَ مُحَرَّمٌ
٢٣٥

عليها أكْلُ أجْسادِ الأنْبياءِ، وهذا شيءٌ سَبِيلُهُ التَّوقيفُ، وما عَنَّفَ النبيُّ صلى الله عليه
وسلم الصَّحابَةَ رضي اللهُ عنهُم لمَّا قالوا له بِلا علْمٍ : وكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنا عليك وقد
أَرَمْتَ؟ - يَعْنِي بَلِيتَ - فقال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ حَرَّمَ على الأرْضِ أنْ تَأْكلَ
أجْسادَ الأنْبياءِ ».
وهذا بَحثٌ مُعتَرِضٌ في الاعْتِذارِ عن إمامٍ من أئِمَّةِ المسلمين ، وقد قَامَ في الدَّفْع
عنْهُ مثْلُ إمامِ الحِجازِ سُفْيَانَ بنِ عُبَيْنَة ، ولولاَ أَنَّ هذه الواقِعَةَ في عِدَّةِ كُتُبٍ ، وفي مثلَ
(( تاريخِ الحافِظِ بنِ عَساكِر ))، وفي ((كاملِ الحافِظِ ابنِ عَدِيّ )) لأَعْرَضْتُ عنها جُملَةً ،
ففيها عِبْرةٌ .
قال عليُّ بنُ عثَّام: مَرِضَ وَكِيعٌ ، فَدَخَلْنا عليه، فقال: إنَّ سُفْيَانَ أَتَانِي، فَبَشَّرَنِي
بجوارِهِ ، فأنا مُبادِرٌ إليه .
ماتَ وَكيعٌ سَنةَ سَبعٍ وتِسْعينَ ومِئَة يومَ عاشُوراءَ .
قال الذهبيُّ: عاشَ وَكِيعٌ ثمَانياً وسِتِّينَ سَنةٌ سِوىْ شَهرٍ أو شَهْرَينِ(١).
قال ابنُ سَعدٍ : كان أبو مُسْهِرٍ راويَةَ سعيدِ بنِ عبد العَزِيزِ، وكان أُشْخِصَ من دِمَشْقَ
إلى المَأمُونِ بالرَّقَّةِ، فسَألَه عن القُرآنِ، فقال: هُوَ كلامُ الله، وأبَىْ أنْ يَقُولَ :
مَخْلُوقٌ ، فَدَعَا له بالنَّطْعِ والسَّيْفِ ليَضْرِبَ عُنْقَهُ ، فلمَّا رأى ذلكَ ، قال : مَخْلُوقٌ
فَتَرَكَهُ من القَتْلِ ، وقال :َ أمَا إِنَّكَ لَوْ قُلتَ ذاكَ قبلَ السَّيْفِ ، لقَبِلْتُ مِنْكَ ، ولكنَّكَ
تَخْرُجُ الآنَ فتقولُ : قُلتُ ذاكَ فَرَقاً من القَتْلِ، فأمَرَ بحَبْسِه بِبَغْدَادَ في ربيع الآخر سَنَةَ
ثمَانِ عشرة وماتَ بعدَ قليلٍ في الحَبْسِ فِي غُرَّةِ رَجَبَ من السَّنَة ، فَشَهِدَهُ قَومٌ كثيرٌ منْ
أهْلِ بَغْدَادَ(٢) .
قال الصُّولِيُّ: كان أحمدُ بنُ نَصْرِ الخُزاعِيّ وسَهلُ بنُ سَلامَة حين كان المَأمُونُ
بخُرَاسَان بايَعَا النَّاسَ على الأمر بالمَعْروف والنَّهي عن المُنكَرِ ، ثم قَدِمَ المَأْمُونُ فبايَعَه
(١) انظر السير: (وَكيع) ٩/ ١٤٠-١٦٨، وانظر النزهة: ١/٨١٢.
(٢) انظر السير: (أبو مُشْهر) ٢٢٨/١٠ -٢٣٨، وانظر النزهة: ٤/٨٧١.
٢٣٦

سَهْلٌ، ولَزِمَ ابنُ نَصْرٍ بَيْتَه ، ثمَّ تَحَرَّك في آخِرِ أيام الوَاثِقِ، واجتمَعَ إليهِ خَلْقٌ يَأْمُرُونَ
بالمَعْروف ، قال: إلى أنْ مَلَكُوا بَغْدادَ، وتَعَدَّى رَجُلانِ موسِران من أصحابه فَذَلا
مالاً وعَزَما على الوُثُوبِ في سنة إحْدَى وثلاثين فنَمَا الخَيَرُ إلى نائِبٍ بَغْدَادَ إِسْحاقَ بنِ
إبْراهِيمَ، فَأَخَذَ أحمَدَ وصاحِبَيْه وجَمَاعَةً، ووَجَدَ في مَنزِل أحَدِهما أعْلامَاً، وضَرَبَ
خادِماً لأحْمَدَ ، فَأَقَرَّ بأنَّ هؤلاء كانوا يَأْتُونَ أحمَدَ ليلاً ويُخْبِرُونه بما عَمِلوا فحُمِلُوا إلى
سَامَرَّاء مُقَيَّدِين فجَلَسَ الوَاثِقُ لهم، وقال لأحمَدَ : دَعْ مَا أُخِذْتَ له، ما تقُولُ في
القُرآنِ ؟ : قال : كَلامُ الله قال : أفَمَخْلُوقٌ هو ؟ قال : كَلامُ الله قال فَتَرَى رَبَّكَ في
القِيَامَة؟ قال: كَذَا جَاءَت الرِّوايَةُ قال: وَيْحَكِ يُرَى كَمَا يُرَى المَحْدُودُ المُتَجَسِّمُ ،
ويَحْوِيه مكانٌ ويَحْصُرُه نَاظِرٌ ؟ أنا كَفَرَتُ بمَنْ هَذِهِ صِفَتُه ، ما تَقُولُون فيه ؟ فقال قاضي
الجانِبِ الغَرْبيّ: هو حَلالُ الدَّم ، ووَافَقَه فُقَهَاءٌ، فأظْهَرَ أحمَدُ ابنُ أبي دُواد أنَّه كارِهُ
لقَتْله وقال شَيخٌ مُخْتَلٌ تَغَيَّرَ عَقلُه، يُؤَخَّر قال الوَائِقُ ما أَرَاه إلاَّ مُؤَدِياً لكُفْرِه قائماً بما
يَعْتَقِدُه، ودَعَا بِالصَّمْصَامَة وقام ، وقال: أَحْتَسِبُ خُطَايَ إلى هذا الكَافِرِ، فَضَرَبَ
عُنُقَه بعد أن مَدُّوا له رَأْسَه بحَبْلٍ وهو مُقَيَّدٍ ونُصِبَ رأسُه بالجانبِ الشَّرقِيّ ، وتُبِّعَ
أصحابُه فسُجِنُوا(١).
يقولُ الإمامُ الذهبيُّ في مِحْنَة الإمام أحمد بن حَنْبَل : الصَّدْعُ بالحَقِّ عظيمٌ ، يَحْتَاجُ
إلىْ قُوَّةٍ وإخلاصٍ، فالمُخْلِصُ بِلا قُوَّةٍ يَعْجِزُ عن القِيامِ به ، والقَويُّ بِلا إخْلاصٍ
يُخْذَلُ، فمَنْ قامَ بهما كاملاً، فهُوَ صِدِّيقٌ ومَنْ ضَعُفَ ،َ فلا أَقَلَّ من الثَّالُمِ والإنكارِ
بالقَلْبِ ، لِيْسَ وَرَاءَ ذلك إيمانٌ ، فلا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ .
عن ثَوْبانَ قال : قال رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ أَخْوَفَ ما أَخَافُ على
أُمَّتِي الأَئِمَّةُ المُضِلُّونَ، وإذا وُضِعَ السَّيْفُ عليهِم، لَمْ يُرْفَعْ عَنْهُم إلى يومِ القِيامَةِ ،
ولا تَزَالُ طائِفَةٌ من أُمَتِي على الحَقِّ ظاهِرِينَ، لا يَضُرُّهُم مَنْ خَالَفَهُم أوْ خَذَلَهُم حتى
يَأْتِيَ أمْرُ اللهِ »
عن أبي سَعِيدٍ قال: قال رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكمْ نَفْسَهُ
(١) انظر السير: (الخُزاعيّ) ١٦٦/١١-١٦٩، وانظر النزهة: ٣/٩١٨.
٢٣٧

أنْ يَرَى أَمْراً للهِ فِيهِ مَقَالٌ، فَلا يَقُولُ فِيهِ ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا مَنَعَكَ ؟ !! فيَقُولُ: مَخَافَةُ
النَّاسِ فَيَقُولُ: فإِيَّايَ كِنْتَ أحَقَّ أنْ تَخَافَ))(١).
قِصَّةُ مُحمَّد بنِ إِسْماعيلَ البُخاري مع مُحمَّدٍ بنِ يَحْتَى الذُّهليّ رَحِمَهُما اللهُ
قال الحاكِمُ أبو عبدِ الله: سَمعتُ مُحمَّدَ بنَ حامِدِ البَزَّازَ قال : سَمعتُ الحَسَنَ بنَ
مُحمَّد بنِ جابِرِ يقُولُ: سَمعتُ مُحمَّدَ بنَ يَحْيى قال لنا: لمَّا وَرَدَ مُحمَّدُ بنُ إِسْماعيل
البُخاريُّ نيسابُورَ: اذْهَبُوا إلى هذا الرجُلِ الصَّالِحِ فاسْمَعوا مِنْه، فَذَهَبَ النَّاسُ إليه ،
وأقْبَلُوا على السَّماع منه، حتّى ظَهَرَ الخَلَلُ في مَجْلِسٍ مُحمَّدٍ بنِ يَحْيَى، فَحَسَدَه بعدَ
ذلكَ وتَكَلَّمَ فیه(٢) .
وقال الحاكِمُ : حَدَّثنا طاهِرُ بنُ مُحمَّد الوَرَّاق ، سَمعتُ مُحمَّدَ ابنَ شاذِل يقولُ :
لمَّا وَقَعَ بينَ مُحمَّدٍ بنِ يَحْيَى والبُخارِيِّ، دَخَلْتُ على البُخارِيِّ فقُلتُ : يا أبا عبدَ اللهِ
أَيش الحيلَةُ لنا فيما بَيْنَكَ وبينَ مُحمَّد ابنٍ يَحْبَى كُلُّ مَنْ يَخْتِلِفُ إلَيْكَ يُطْرَدُ ؟ ، فقال :
كَمْ يَعْتَرِي مُحمَّدَ ابنَ يَحْيَى الحَسَدُ في العِلْمِ ، والعِلْمُ رِزْقُ الله يُعْطِيهِ مَنْ يَشاءُ فَقُلتُ :
هذه المَسْألَةُ التي تُحْكَىُ عَنْكَ؟ قال: يا بُنيَّ، هذه مَسْألَةٌ مَشْؤُومَةٌ ، رَأيْتُ أحْمَدَ بنَ
خَنْلَ وما نالَهُ في هذه المَسْأَلَة ، وجَعلتُ على نَفْسِي أن لا أتَكَلَّمَ فيها(٣) .
قال الإمامُ الذهبيُّ : المَسْألَةُ هي أنَّ اللَّفْظَ مَخْلوقٌ، سُئِلَ عنها البُخاريُّ، فَوَقَفَ
فيها ، فلمَّا وَقَفَ واحْتَجَّ بأنَّ أَفْعالَنا مَخْلُوقَةٌ ، واسْتَدَلَّ لذلكَ، فَهِمَ منه الُّهليُّ أنَّه
يُوَجِّهُ مَسْألَةَ اللَّفْظِ ، فَتَكَلَّمَ فيه ، وأخَذَهُ بِلازِمٍ قَوْلِهِ هو وغيره(٤)، (٥) .
انظر السير: ( أحمد بن حنبل ) ١٧٧/١١ - ٣٥٨، وانظر النزهة : ٥/٩٣١.
(١)
(٢)
انظر السير: ( أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢-٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٠١٧.
(٣)
انظر السير: ( أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٣/١٠١٧.
ولازم المذهب ليس كما هو مذهب جمهور المحققين من العلماء ، ونقل ابن ناصر الدين في مقدمة
(٤)
كتابه (( الرد الوافر)) ٢٠ عن الإمام الذهبي - ووصفه بإمام التعديل والجرح، والمعتمد عليه في المدح
والقرح - كلمة جاء فيها : ونعوذ بالله من الهوى والمراء في الدين ، وأن نكفر مسلماً موحداً بلازم
قوله ، وهو يفر من ذلك اللازم ، وينزه ويعظم الرب .
(٥) انظر السير: (أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٤/١٠١٧.
٢٣٨

قال الحاكِمُ: أخْبَرَنا أبو عبدِ الله مُحمَّدُ بنُ يَعْقوبَ بنِ الأخْرَمِ سَمعتُ ابنَ عليٍّ
المَخْلَديّ، سَمعتُ مُحمَّدَ بنَ يَحْيَى يقولُ: قد أَظْهَرَ هذا البُخَارِيُّ قَوْلَ اللَّفْظِيّةِ
واللَّفْظيّةُ عندي شَرٍّ من الجِهَميَّة .
قال مُحمَّدُ بنُ نَصْر المَرْوزيُّ : سَمعتُهُ يقولُ: مَنْ زَعَمَ أَنِّي قُلتُ : لَفْظي بالقُرآنِ
مَخْلُوقٌ فهُو كذَّابٌ ، فإنِّي لَمْ أقُلْهُ ، فَقُلتَ له : يا أبا عبدَ الله ، قد خاضَ النَّاسُ في
هذا وأكْثَروا فيه ، فقال: لَيْسَ إلاَّ ما أقُولُ(١).
وقال سَمعتُ مُحمَّدَ بنَ صالِح بنِ هانِىء : سَمعتُ أحمَدَ بنَ سَلَمَةَ يقُولُ : دَخَلتُ
على البُخاريِّ ، فقُلتُ : يا أبا عبدَ الله ، هذا رَجلٌ مَقْبُولٌ بخُراسانَ خُصُوصاً في هذه
المَدينَةِ ، وقد لَجَّ في هذا الحَديثِ حتى لا يَقْدِرُ أحَدٌ منَّا أنْ يُكَلِّمَهُ فيه ، فمَا تَرَى ؟
فقَبَضَ علىْ لِحْيَتِه، ثمَّ قال: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهَّ إِنَّ اللّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾(٢) اللَّهُمَّ
إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أُرِدْ المُقَامَ بنيسَابُورَ أَشَراً ولا بَطَراً، ولا طَلَباً للرِّئَاسَةِ، وإنَّما أَبَتْ
عليَّ نَفْسِي في الرُّجوعِ إِلَى وَطَنِي لِغَلَبَةِ المُخالِفِينَ وقد قَصَدَنِي هذا الرجُلُ حَسَداً لما
آتاني اللهُ لا غَيْرِ ، ثمَّ قال لي: يا أحمدُ إنِّي خَارِجٌ غَداً لِتَتَخَلَّصُوا من حَدِيثِهِ لأجْلِي .
قال : فأخْبَرَتُ جَماعَةَ أصْحابِنا ، فو الله ما شَيَّعه غَيري كُنتُ معهُ حين خَرَجَ من
البَلَدِ ، وأقامَ علىْ بَابِ البَلَدِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ الإصْلاحِ أمْرِه(٣).
قال : وسَمعتُ مُحمَّدَ بنَ يَعْقُوبَ الحافِظَ يقولُ: لمَّا اسْتَوطَنَ البُخاريُّ نيسابُورَ
أكْثَرَ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ الاخْتِلافَ إليه ، فلمَّا وَقَعَ بينَ الذُّهليِّ والبُخاريِّ ما وَقَعَ في
مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ ونادَى عليه ، ومَنَعَ النَّاسَ عنه ، انْقَطَعَ عنه أكْثَرُ النَّاسِ غَيْرَ مُسْلمٍ .
فقال الدُّهليُّ يوماً : ألا مَنْ قالَ باللَّفْظِ فلا يَحِلُّ له أنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَنا فَأَخَذَ مُسْلمٌ
رِداءَ فَوقَ عَمامَتِهِ وقام على رُؤُوسِ النَّاسِ وبَعَثَ إلى الدُّهليِّ ما كَتَبَ عنه علىُ ظَهْرِ
(١) انظر السير: (أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢-٤٧١، وانظر النزهة: ١/١٠١٨.
(٢) سورة غافر ، الاية : ٤٤.
(٣) انظر السير: (أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢-٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٠١٨.
٢٣٩

جمَّال وكان مُسْلِمٌ يُظْهِرُ القَوْلَ باللَّفْظِ ولا يَكْتُمُه(١).
وقال مُحمَّدُ بنُ أبي حاتِمٍ : أتى رجلٌ أبا عبدَ اللهِ البُخاريَّ، فقال : يا أبا عبدَ اللهِ ،
إِنَّ فُلاناً يُكَفِّرُكَ !! فقال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إذا قَالَ الرَّجُلُ لأخِيهِ :
يا كافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أحَدُهُمَا)) (٢) .
وكان كثيرٌ من أصْحابِهِ يقُولونَ له : إنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقَعُ فيك، فيقُولُ: ﴿إِنَّ كَيْدَ
الشَّيْطَنِ كَنَ ضَعِيفًا﴾(٣) ويَتْلُو أيضاً: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُّ إِلَّ بِأَهْلِ،﴾ (٤)، (٥).
فقال له عبدُ المَجيدِ بنُ إبراهيمَ : كَيْفَ لا تَدْعو اللهَ على هؤلاءِ الذين يَظْلِمونَكَ
ويَتَنَاوَلُونَك ويَبْهَتُونَكَ !! ؟، فقال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((اصْبِرُوا حتّى
تَلْقَوْنِي على الحَوْضِ))(٦) .
قال مُحمَّدُ بنُ أبي حاتِمٍ : وسَمعتُهُ يقولُ: لَمْ يَكُنْ يَتَعرَّضُ لنا قَطُّ أَحَدٌ من أفْنَاءِ
النَّاسِ إلَّ رُمِيَ بقارِعَةٍ، ولَمْ يَسْلَمْ، وكُلَّمَا حَدَّثَ الجُهَّالُ أَنفُسَهم أنْ يَمْكُرُوا بنا رَأيتُ
مِن لَيْلَتِي فِي المَنامَ ناراً تُوقَدُ ثمَّ تُطْفَأُ من غَيرِ أنْ يُنْتَفَعُ بها، فَأَتَأوَّلُ قولَه تعَالَى: ﴿ كُلَّمَاً
أَوْقَدُ واْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَاَهَا اللَّهُ﴾(٧) (٨) .
وكان هِجِّيراه من اللَّيلِ(٩) إذا أتَيْتُه في آخِرٍ مَقْدَمِه من العِراقِ: ﴿إِن يَنصُرُّكُمُ اللَّهُ فَلَ
غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلَكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنصُرُّكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية(١٠)، (١١).
(١) انظر السير: (أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٣/١٠١٨.
(٢)
انظر السير: ( أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢-٤٧١، وانظر النزهة: ٤/١٠١٨.
(٣)
سورة النساء ، الآية : ٧٦ .
(٤)
سورة فاطر ، الآية : ٤٣ .
انظر السير: ( أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢-٤٧١، وانظر النزهة: ١/١٠١٩.
(٥)
انظر السير: ( أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٠١٩.
(٦)
(٧) سورة المائدة ، الآية : ٦٤ .
انظر السير: ( أبو عبد الله البخاريّ) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة: ٣/١٠١٩ .
(٨)
(٩) أي كلامه ودأبه وشأنه ، وفي حديث عُمَر رضي الله عنه: ما له هجيرى غيرها ، أي : الدأب والعادة
والدَّيْدَن .
(١٠) سورة آل عمران، الآية ١٦٠.
(١١) انظر السير: (أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٤/١٠١٩.
٢٤٠