Indexed OCR Text

Pages 181-200

وقِيلَ : إنَّ مُوسَى بنِ نُصَيْر قال مَرةً: والله لَوْ انْقَادَ النَّاسُ لِي ، لقُدتُّهم حتى أُوْقِفَهم
علىْ رُومِيَّةَ، ثم لَيَفْتَحَنَّهَا اللهُ علىٌ يَدِي(١) .
وجَاءَ فِي تَرَجَمَةِ طَارِق مَوْلَى مُوسَى بِنِ نُصَيْرِ ، قال الذَّهبيُّ : وله فُتُوحَاتٌ عَظِيمٌ
جداً في المَغْرِبِ ، كمَا كان لقُتَيْبَةَ بنِ مُسْلِمٍ في المَشْرِق - في هذا الوَقْت - فُوحَاتٌ لَمْ
يُسْمَعْ بمثلِها(٢).
ثم قال الذَّهبيُّ: وفي هذه المُدَّةِ وبعدَها كانت غَزْوَةُ القُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي البَرِّ والبَحْرِ ،
ودَامَ الحِصَارُ نَحْواً من سَنَة، وكان عَلَمُ الجِهَادِ في أطْرَافِ البلادِ مَنْشُوراً، والدِّينُ
مَنْصُوراً ، والدَّوْلَةُ عَظِيمَةٌ ، والكَلِمَةُ واحِدةٌ .
قال سَعيدُ بنُ عبدِ العَزِيزِ : أخْبَرَنِي رَجُلٌ أنَّ سُلَيْمانَ هَمَّ بالإقامَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ ،
وقَدِمَ عليه مُوسَى ابنُ نُصَيْرِ وأخُوهُ مَسْلَمَةُ، فَجَاءَه الخَبَرُ أنَّ الرُّومَ طَلَعُوا من سَاحِلٍ
حَمْص ، وسَبوا جَماعةً فيهم امْرأَةٌ لها ذِكْرٌ، فَغَضِبَ سُلَيْمانُ وقال: ما هُوَ إلاَّ هَذا،
نَغْزُوهُم وَيَغْزُونا ، واللهِ لأَغْزُوَنَّهم غَزْوَةً أفْتَحُ فيها القُسْطَنْطِينِيَّةَ أوْ أَمُوتْ ثم الْتَفَتَ إلى
مَسْلَمَةَ وإلى مُوسَى بنِ نُصَيْرٍ ، فقال : أَشِيرا عليَّ، فقال مُوسَى: يا أميرَ المؤمنين ،
إِنْ أَرَدْتَ ذلك، فسِرْ سِيرَةَ الصَّحَابَةِ فيما فَتَحُوهُ، كُلَّمَا فَتَحُوا مدينةً اتَّخَذُوهَا دَاراً ،
وحَازُوهَا للإِسْلام، فابدَأْ بالدُّرُوبِ وافْتَحْ حُصُونَها حتى تَبْلُغَ القُسْطَنْطِينِيَّة ، فإنَّهم
سَيُعْطُون بأيدِيهِم، فقال لمَسْلَمَة : ما تقُولُ أنْتَ؟ قال : هذا الرَّأيُ إنْ طَالَ عُمْرٌ
إليه ، أو كان الذي يأتي على رأيك ويُريدُ بذلكَ، خَمْسَ عَشرَ سَنَةً ، ولكنِّي أَرَى أنْ
تُغْزِي المُسلِمِينَ بَرّاً وبَحْرَاً القُسْطَنْطِينِيَّةَ، فيُحاصِرُونَها، فإنَّهم ما دَامَ عليهِم البَلاءُ
أَعْطُوا الجِزْيَةَ ، أو أُخِذَتْ عُنوَة ، فمتىْ وَقَعَ ذلك، كان ما دُونَها من الحُصُونِ بَيَدِك ،
قال : هذا الرأيُ .
فَأَغْزَىُ أهلَ الشَّامِ ، والجَزِيرَةِ في البَرِّ في نَحْوٍ من عِشرِينَ ومِئَةِ ألفٍ ، وأَغْزَىُ أهلَ
(١) انظر السير: (موسى بن نصير) ٤٩٦/٤ - ٥٠٠، وانظر النزهة: ٢/٥٤١
(٢) انظر السير: (طارق) ٥٠٠/٤-٥٠٢، وانظر النزهة: ٣/٥٤٢
١٨١

مِصْرَ والمَغْرِبَ في البَحْرِ في ألفِ مَركب عليهم عُمَرُ بنُ هُبَيْرَة ، وعلى الكُلِّ مَسْلَمَةُ بنُ
عبد المَلِكِ .
قال الوَليدُ بنُ مُسلم : فأخْبَرِي غَيرُ واحدٍ أنَّ سُلَيْمانَ أخْرَجَ لهم العَطاءَ ، وبَيَّنَ لهم
غَزْوَتَهُم وطُولَها ، ثم قَدِمَ دِمَشْقَ وصَلَّى الجُمُعَةَ، ثمَّ عَادَ إلى المِنْرِ، وأخْبَرَهُم بِيَمِينِه
من حِصَارِهِ القُسْطَنْطِينِيَّة ، فانْفِرُوا على بَرَكَةِ الله، وعلَيْكم بتَقْوَى الله، ثم الصَّبْرَ الصَّبْرَ
وسَارَ حتى نَزَلَ بِدَابِقٍ(١)، وسارَ مَسْلَمَةُ وأخَذَ معه أليُونَ الرُّوميَّ المرعشيَّ لِيَدُلَّه على
الطرِيقِ والعُوار، وأخَذَ مِيثَاقَه على المُناصَحَةِ إلى أنْ عَبَرُوا الخَلِيجَ وحَاصَرُوا
القُسْطَنْطِينِيَّةَ إلى أنْ بَرَّحَ بهم الحِصَارُ، وعَرَضَ أهلُها الغِذْيَة ، فأبىْ مَسْلَمَةُ إلاَّ أنْ
يَفْتَحَها عُنوَةً، قالوا : فابْعَثْ إلينا أليُونَ، فإنَّ منَّا ويَفْهَمُ كَلامَنا، فَبَعَثَه، فَغَدرَ
وقال : إنْ مَلَّكْتُمُونِي أمِنْتُم، فمَلَّكُوه، فخَرجَ وقال : قد أجَابُونِي أنْ يَفْتَحُوها ، لكنْ
لا يَفْتَحُونَها حتى تَتَنَخَى عنهم، قال: أَخْشَى غَدْرَك، فحَلَفَ له أنْ يَدِفَعَ إليه كُلَّ
ما فيها من سَبِيٍ ومَالٍ، فَانْتُقَلَ مَسْلَمَةُ ودَخَلَ ألْيُونُ لَعَنَه الله فلَبِسَ الَّاجَ ، وأَمَرَ بنَقْلِ
العُلوفاتِ من خَارِجِ فمَلؤوا الأهراءَ (٢) ، وجاء الصَّريخُ إلىْ مَسْلَمَةَ، فَكَبَّرَ بالجَيْشِ
فأدْرَكَ شَيْئاً من العُلُّوفاتِ، فَغَلَّقُوا الأبْوابَ دُونَه ، فَبَعَثَ إلى أَلْيُونَ يُنَاشِدُهُ عَهْدَهُ ،
فَأرْسَلَ إليه ألْيُونُ يقولُ: مُلْكُ الرُّوم لا يُبَاعُ بالوَفَاءِ ، ونَزَلَ مَسْلَمَةُ بفِنائِها ثلاثِنَ شَهراً
حتى أَكَلَ النَّاسُ في المُعَسْكَرِ المَيْتَةً والعَذَرَةَ من الجُوعِ، هذا وفي وَسَطِ المُعَسْكَرِ
عُرمةُ حِنْطَةٍ مثلُ الجَبَلِ يَغِطُونَ بها الرُّومَ .
قال مُحمَّدُ بنُ زِيَاد الألهَانِيّ : غَزَوْنا القُسْطَنْطِينِيَّةَ، فجُعْنَا حتّى هَلَكَ ناسٌ كثيرٌ ،
فإن كان الرجُلُ يَخرُجُ إلىْ قَضَاءِ الحَاجَةِ، والآخَرُ يَنْظُرُ إليهِ، فإذا قَامَ أقْبَلَ ذاكَ على
رَجِيعِهِ فَأَكَلَه، وإنْ كان الرجُلُ لِيَذْهَبُ إلى الحَاجَةِ ، فَيُؤْخَذُ ويُذْبَحُ ويُؤْكَلُ ، وإنَّ
الأهراءَ من الطَّعَامِ كالثِّلالِ لا نَصِلُ إليهَا نُكَايِدُ بها أهلَ القُسْطَنْطِينِيَّة .
(١) دابق : قريةٌ قُربَ حَلَب .
(٢) مفردها هُرْي : وهو بيتٌ ضخمٌ يُجمع فيه طعام السلطان .
١٨٢

فلمَّا اسْتُخْلِفَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ ، أَذِنَ لهم في التَّرَخُلِ عنها (١).
وعن الضَّخَّاكِ ، قالَ : كُنتُ ابنَ ثَمانِينَ سَنة جَلْدَاً غَزَّاءً ، وكانت وَفَاةُ الضَّحَّاكِ في
سَنَةِ اثْنَيْنٍ وَمِئَةٍ (٢) .
وقد كان سُليمانُ بنُ عبدِ المَلِكِ من أَمْثَلِ الخُلَفَاءِ ، نَشَرَ عَلَمَ الجِهَادِ ، وجَهَّزَ مِئَّةً
ألفٍ بَراً وبَحْراً، فَنَازَلُوا القُسْطَنْطِينِيَّةَ، واشْتَدَّ القِتالُ والحصَارُ عليها أكْثَرَ من
سَنَةٍ(٣) .
وجاءَ في تَرجَمَةِ عبدِ الرَّحمَنِ بن الحَكَم بن هشام ، ابنُ الدَّاخِل ، قال الذَّهبيُّ :
فلمَّا كانت سَنَة ثلاثينَ ومِئْتَيْن طَرَقَ المَجُوسُ الأردمانيُّون (٤) إِشْبِيلِيَة في ثمانينَ مَرْكَباً في
الوادِي ، فصَادَفُوا أهلَهَا على غِرارَةٍ بِمُطاوَلةِ أُمُدِ الأمانِ لهم مع قِلَّةِ خِبْرتِهِم بِحَرْبِهِم ،
فِطَلَعُوا من المَرَاكِبِ ، وقد لاحَ لهم خَوَرٌ من أهْلِها ، فقاتَلُوهم، وقَوُوا على
المسلمينَ ، ووَضَعُوا السَّيْفَ فيهِم ، ومَلَكُوا إشْبِيلِيَة بعد القَتْلِ الذَّريع في أهلِها حتى في
النِّساءِ والبَهَائِمِ ، وأَقَامُوا بها سَبْعَةَ أيَّامٍ، فوَرَدَ الخَبَرُ على الخَلِيفَةِ عبدِ الرَّحمَن ابن
الحَكَم فاسْتَنفَرَ جيشَه وبعَثَ بهم إلى إشْبيليّة فحلُوا بالشرق ، ووقع القتالُ ، واشتدً
الخطبُ، وانتصرَ المسلمون، واستَحرَّ القتلُ بالملاعين حتى فني جَمِعُ الكَفَرَة ،
لعنهم الله ، وحرق المسلمون ثلاثين مركباً من مراكبهم ، فكان بين دخولهم إلى
إِشْبيليّة وهروبهم عنها ثلاثة وأربعون يوماً وهذا كان السببُ في بناء سور واديها ومات
في سنة ثمانٍ وثلاثين ومئتين(٥) .
وفي دَولَة الحَكَمِ بنِ عبدِ الرَّحمَانِ هَمَّتِ الرُّومُ بأخْذِ مَوَاضِعَ من الثُّغُورِ ، فَقَوَّاها
(٢)
(١) انظر السير: (طارق) ٥٠٠/٤-٥٠٢، وانظر النزهة: ٤/٥٤٢.
انظر السير : ( الضحّاك بن مزاحم) ٤ /٥٩٨ - ٦٠٠، وانظر النزهة : ٧/٥٦٦
(٣)
انظر السير: ( عمر بن عبد العزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ١/٥٨٨
هم النورمان ، كانوا يُغيرون على الأندلس من المنافذ النهرية ، وسمّاهم المسلمون المجوس لأنهم
(٤)
كانوا يُشعلون النيران كثيراً فظن المسلمون أنهم يعبدونها انظر ابن عذاري ١٣٠/٢ .
(٥) انظر السير: (عبد الرحمن بن الحكم بن هشام) ٢٦٠/٨ -٢٦١، وانظر النزهة: ٣/٧٥٣
١٨٣

بِالمَالِ والجُيُوشِ وغَزَا بِنَفسِه، وزَادَ في القَطِيعَةِ على الرُّومِ، وأَذَلَّهم وكان مَوْتُه بالفَالِجِ
سنةَ سِتٍّ وسِتِينَ وثلاثٍ مِئَةٍ (١).
وفي سَنةِ ثَمَانِينَ غَزَا صَاحِبُ ما وَرَاءَ النَّهرِ إِسْمَاعِيلُ بنُ أحْمَد بنِ أَسَد بلادَ التُّرْكِ
وأَسَرَ مَلِكَهم في نَحوٍ من عَشْرَةِ آلافِ نَفْسٍ ، وقَتَلَ مِثْلَهم(٢) .
وَغَزَا المُسلمُونَ بلادَ الرُّومِ فافْتَتَحُوا مَلُوريه(٣).
وفي سَنةِ إحْدَى وتِسْعِينَ ومِئْتَين : أقْبَلَتْ جُمُوعُ الثُّرْكِ، فَبَتَهُمْ وَالِي خُراسَانَ
إِسْماعيلُ، وقَتَلوا منهم مَقتَلَةً عظِيمَةً، وأقْبَلَتْ الزُّومُ في مِئَةِ ألفٍ، وأَتَوا إلى
الحَدَث (٤) فأخْرَقُوه وقَتَلُوا وسَبُوا(٥) .
وفيها: سَارَ عَسْكرُ طرسوسَ ، فافْتَتَحُوا أَنْطَاكِيَة، وحَصَّلَ سَهمُ الفَارِسِ ألفَ دينارٍ (٦).
تُوُفِّيَ ابنُ الأَغْلَبِ صاحِبُ المَغْرِبِ غَازِياً بصِقِلْيَة سَنَ تِسْعِ وثَمانِينَ ومِئْتَين ، وتَمَلَّك
ابنُهُ عبدُ الله، فكان دَيِّناً، عَالِماً ، بَطَلاً، شُجَاعَاً، شَاعِراً، فقَتَلَه غِلْمَانُهُ غِيلةً بعدَ
عامٍ(٧).
٢١ - غَزَوَاتٌ ومَعَارِك
(أ) من أخْبَارِ بعض الغَزَوات :
بَنُو قُرَيْظَة :
عن جَابٍ قال : رُمِيَ سعدٌ يومَ الأحْزابِ، فقَطَعُوا أَكْحلَه، فمَسَّهُ النبيُّ صلى الله
عليه وسلم بالنَّارِ ، فانْتُفَخَتْ يَدُه، فَتَرَكَه، فَنَزَفَه الدَّمُ، فحَسَمَه أُخْرَىُ، فَانْتُفَخَتْ
(١) انظر السير: (الحَكم بن عبد الرحمن بن محمد) ٢٦٩/٨-٢٧١، وانظر النزهة : ٤/٧٥٨
انظر السير: ( المعتضد بالله) ٤٦٣/١٣ -٤٧٩، وانظر النزهة : ١/١١٠٧
(٢)
انظر السير: ( المعتضد بالله) ١٣/ ٤٦٣ -٤٧٩، وانظر النزهة : ٢/١١٠٧
(٣)
(٤)
الحَدَث : قلعة حصينة من الثغور الشامية .
(٥)
انظر السير: ( المكتفي بالله) ٤٧٩/١٣ -٤٨٥، وانظر النزهة : ٢/١١٠٩
(٦)
انظر السير: ( المكتفي بالله) ٤٧٩/١٣-٤٨٥، وانظر النزهة : ٣/١١٠٩
انظر السير: ( ابن الأغلب) ٤٨٧/١٣-٤٨٩، وانظر النزهة: ٢/١١١١
(٧)
١٨٤

يَدُه، فلمَّا رَأَىُ ذلكَ، قال: اللَّهُمَّ لا تُخْرِجْ نَفْسِي حتى تُقِرَّ عَينِي من بَنِي قُرَيْظَة
فاسْتَمْسَكَ عِرْقُه ، فما قَطَرَتْ منه قَطْرَةٌ حتى نَزَلُوا على حُكْمٍ سَعدِ بنِ مُعَاذ ، فَأَرْسَلَ إليه
رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فحَكَمَ أنْ يُقْتَلَ رِجَالُهم ، وتُسْبَى نِسَاؤُهم وذَرَارِيهم ،
قال : وكانُوا أرْبَعَ مِئَةٍ ، فلمَّا فُرِغَ مِن قَتْلِهِم ، انْفَتَقَ عِرْقُه (١).
وعن عَامرِ بنِ سَعدٍ ، عن أبِيهِ قال: لمَّا حَكَمَ سَعدٌ فِي بَنِي قَرَيْظَةَ أن يُقْتَلَ مَنْ جَرَتْ
عليه المَواسِيّ ، قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لَقَدْ حَكَمَ فِيهِمْ بِحُكمِ الله الذِي
حَكَمَ بِهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعٍ سَمَاوَاتٍ))(٢) .
مُؤْتَة :
عن خالِدِ بنِ شُمَيرٍ قَالَ : قَدِمَ علينا عبدُ الله بنُ رَبَاحْ ، فَاجْتَمَعَ إليهِ ناسٌ فقال :
حَدَّثَنَا أبُو قَتَادَة قال : بَعَثَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم جَيْشَ الأُمَرَاءِ وقال صلى الله
عليه وسلم: ((عَلَيْكُمْ زَيْدٌ، فإنْ أُصِيبَ فجَعْفَرٌ، فإنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ، فابنُ رَوَاحَة »
فوَثَبَ جَعْفَرٌ ، وقال : بأبِي أَنْتَ وأُمِّي! ما كُنتُ أَرْهَبُ أنْ تَسْتَعمِلَ زَيْداً عليَّ قال
صلى الله عليه وسلم: ((امْضُوا، فإنَّكَ لا تَدْرِي أَيُّ ذلكَ خَيْرٌ )) فانْطَلَقَ الجَيشُ،
فلَبِثُوا ما شَاءَ اللهُ ثم إنَّ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَعِدَ المِنْبَرَ ، وأَمَرَ أنْ يُنَادَى :
الصَّلاةُ جَامِعَةٌ قال صلى الله عليه وسلم : (( أَلا أُخْبِرُكم عن جَيشِكم، إنَّهم لَقُوا
العَدُوَّ ، فَأُصِيبَ زَيْدٌ شَهِيدَاً، فاسْتَغْفِرُوا اللهَ لَهُ، ثمَّ أَخَذَ اللُّوَاءَ جَعْفَرٌ، فَشَدَّ على
النَّاسِ حتى قُتِلَ، ثمَّ أخَذَهُ ابنُ رَوَاحَة، فأثْبَتَ قَدَمَيْهِ حتى أُصِيبَ شَهِيدًاً، ثمَّ أَخَذَ
اللِّوَاءَ خالِدٌ - ولَمْ يَكنْ من الأُمَرَاءِ ، هُوَ أَمَّرَ نَفَسَه)» - فرَفَعَ رسُولُ الله صلى الله عليه
وسلم أُصْبُعَيْهِ وقال: ((اللَّهُمَّ هُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِكَ فَانْصُرْهُ)) - فيَومَئِذٍ سُمِّيَ سَيفُ الله -
ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((انْفِرُوا فامْدُدُوا إخْوَانَكم، ولا يَتَخَلَّفَنَّ أَحَدٌ ))، فَتَفَرَ
النَّاسُ فِي حَرِّ شَدِيدٍ .
(١) انظر السير: (سعد بن معاذ) ٢٧٩/١ -٢٩٧، وانظر النزهة: ١/١٦٤
(٢) انظر السير: (سعد بن معاذ) ٢٧٩/١ -٢٩٧، وانظر النزهة: ٢/١٦٥
١٨٥

قال ابنُ إسْحاقَ : حَدَّثْنَا يَحْيَىُ بنُ عَبَّادٍ ، عن أبيه قال: حَدَّثني أبي الذي أرْضَعَنِي
وكان من بَنِي مُرَّةَ بنِ عَوْفٍ قال: لَكَأْنِّي أَنْظُرُ إِلَى جَعْفَرَ يومَ مُؤْتَة حينَ اقْتَحَمَ عن فَرَسٍ
لَهُ شَقْرَاء فَعَقَرَها ثم قَاتَلَ حتى قُتِلَ .
قال ابنُ إِسْحَاقَ : وهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَقَرَ في الإسْلامِ وقال :
طَيِّبَةٌ وبَارِدٌ شَرَابُهَا
يا حَبَّذ الجَنَّةُ واقْتِرابُهَا
عليَّ إنْ لَقِيتُها ضِرابُهَا
والزُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا
وعن ابنِ عُمَرَ قال : فَقَدْنَا جَعْفَراً يومَ مُؤْتَةَ، فَوَجَدْنا بَيْنَ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ بِضْعاً
وتِسْعِينَ ، وَجَدْنا ذلكَ فيمَا أقْبَلَ من جَسَدِه (١) .
وقِيلَ : لمَّا جَهَّزَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى مُؤْتَةَ الأُمَرَاءَ الثَّلاثَةَ ، فقال صلى الله
عليه وسلم : ((الأَمِيرُ زَيْدٌ، فإنْ أُصِيبَ فجَعْفَرٌ، فإنْ أُصِيبَ فابنُ رَوَاحَة))، فلمَّا
قُتِلا ، كَرِهَ ابنُ رَوَاحَةِ الإِقْدَامَ فقال :
طَائِعَةً أَوْ لا لَتُّكْرَهِنَّه
أَقْسَمْتُ يا نَفْسِي لَنْزِنَّه
مَالِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الجَنَّه
فَطَالَمَا قَدِ كُنْتِ مُطْمَئِنَّه
وعن أَنَسٍ قَالَ : دَخَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ في عُمْرَةِ القَضَاءِ ، وابنُ
رَوَاحَة بَیْنَ يَدَيْهِ یقولُ :
اليَومَ نَضَرْئُكُم على تَنْزِيلِهِ
خَلُوا بَنِي الكُفَّارِ عَن سَبِيلِهِ
ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عن خَلِيلِهِ
ضَرباً يُزِيلُ الْهَامَ عن مَقِيلِهِ
فقال عُمَرُ : يا ابنَ رَوَاحَة! في حَرَمِ اللهِ وبَيْنَ يَدَيّ رسُولِ اللهِ تَقُولُ الشِّعْرَ ؟ فقال
النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((خَلِّ يا عُمَرُ، فَهُوَ أَسْرَعُ من نَضْحِ النَّبْلِ ».
وفي لَفْظٍ : ((فَوَالِذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، فَكلامُهُ عَلَيهِمْ أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ النَّبْلِ » .
قال التِّرْمِذِيُّ : وجاءَ في غيرِ هذا الحَدِيثِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةً
في عُمْرَةِ القَضَاءِ وكَعْبٌ يَقُولُ ذَلِكَ .
(١) انظر السير: (جعفر بن أبي طالب) ٢٠٦/١ -٢١٧، وانظر النزهة: ٣/١٤٩
١٨٦

قال : وهَذا أَصَحُّ عِندَ بَعضٍ أَهْلِ العِلْمِ، لأنَّ ابنَ رَوَاحَة قُتِلَ يومَ مُؤْتَةً، وإنَّمَا
كانت عُمْرَةُ القَضَاءِ بعدَ ذلكَ .
قال الذهبيُّ: كلاّ، بلْ مُؤْتَة بعدَها بستّة أشْهرِ جَزْماً(١) .
وعن قَيْسٍ ، سَمعتُ خالِداً يقولُ : رَأَيْتُنِي يومَ مُؤْتَةِ انْدَقَّ فِي يَدِي تِسْعَةُ أَسْيَافٍ
فِصَبَرَتْ فِي يَدِي صَفِيحَةٌ يَمَانِيَّة(٢) .
وعن عُمَارةَ بنِ خُزَيْمَة ، عن أبيهِ قال: حَضَرْتُ مُؤْتَةَ، فَبَارَزْتُ رَجُلاً فَأَصَبْتُهُ
وعَلَيْهِ بَيْضَةٌ فيها ياقُوتَةٌ، فَلَمْ يَكِنْ هَمِّي إلاَّ الْيَاقُوتَةَ، فَأَخَذْتُها، فلمَّا انْكَشَفْنَا
وانْهَزَمْنا، رَجَعْتُ بها إلى المَدِينَةِ ، فأَتَيْتُ بها النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَنَفَلَينِيها ،
فبعْتُها زَمَنَ عُمَرَ بِمِئَةِ دِينارٍ(٣) .
تَبُوك :
عن عبدِ الرحمَنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ كَعْبٍ ، عن أبيه : سَمعتُ كعْباً يقولُ: لَمْ أَتَخَلَّفْ
عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوةٍ ، حتى كانت تَبُوك إلاَّ بَدْراً، وما أُحِبُ
أَنِّي شَهِدتُها ، وفاتَتْنِي بَيْعَتي ليلةَ العَقَبَةِ (٤) وقَلَّما أرَادَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
غَزْوةً إلاَّ وَرَّى عنها بغيرِها، فأرَادَ في غَزْوَةٍ تَبُوكُ أنْ يَتَأهَّبَ النَّاسُ أُهبةً وكنتُ أَيْسَرَ
ما كنتُ ، وأنا في ذلك أَصْغُو(٥) إلى الظُّلالِ وطَيِّبِ الثِّمَارِ ، فَلَمْ أَزَلْ كذلك حتى خَرَجَ
فقُلْتُ : أَنْطَلِقُ غَداً، فَأَشْتَرِي جَهَازِي، ثم ألْحَقُ بهِم فانْطَلَقْتُ إلى السُّوقِ، فَعَسُرَ
عليَّ، فرَجَعتُ ، فَقُلتُ: أرْجِعُ غَداً فَلَمْ أَزَلْ حتى الْتَبَسَ بي الذنْبُ، وَتَخَلَّيْتُ ،
فجعَلتُ أمشِي في أَسْواقِ المدِينَةِ ، فَيُحْزِنُنِي أَنِّي لا أَرَىْ إلَّ مَغْمُوصاً(٦) عليه في
انظر السير: ( عبد الله بن رواحة) ١/ ٢٣٠ - ٢٤٠، وانظر النزهة: ٥/١٥٣
(١)
انظر السير: ( خالد بن الوليد) ٣٦٦/١ -٣٨٤، وانظر النزهة : ٤/١٧٩
(٢)
(٣)
انظر السير : ( خُزيمة بن ثابت ) ٢/ ٤٨٥ -٤٨٧، وانظر النزهة : ٣/٢٩٣
في البخاري ومسلم : ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة حين تواثقنا على
(٤)
الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها .
(٥) أصغو : أميل .
(٦) أي مطعوناً عليه في دينه، متهماً بالنفاق، وقيل: معناه مستحقراً، فتقول غمصتُ فلاناً إذا استحقرته . =
١٨٧

النِّفاقِ ، أو ضَعِيفاً وكان جَميعُ مَنْ تَخَلَّفَ عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِضْعَةً
وثَمانِينَ رَجُلاً(١).
ولمَّا بَلَغَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تَبُوكُ ذَكَرَنِي، وقال: (( ما فَعَلَ كَعْبٌ ؟)) فقال
رجُلٌ من قَوْمِي: خَلَّفَهُ يا نَبيَّ اللهِ بَرَادُه، والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ، فقال مُعاذٌ : بِثْسَ
ما قُلتَ : واللهِ ما نَعْلمُ إلَّ خَيْراً .
إلى أنْ قال : فلَمَّا رَآنِي صلى الله عليه وسلم تَبَسَّمَ تَبَشُّمَ المُغْضَب وقال صلى الله
عليه وسلم: ((ألَمْ تَكن ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟)) قُلتُ: بَلَىْ قال: ((فمَا خَلَّفَكَ؟)) قُلتُ :
واللهِ لَوْ بَيْنَ يَدَيّ أَحَدٍ غَيرِكْ جَلَسْتُ لخَرَجْتُ من سُخْطِهِ عليَّ بعدُ ، لقد أُوتِيتُ جَدَلاً ،
ولكنْ قد عَلِمتُ يا نَبيَّ الله أنِّي أُخْبِرُكَ اليومَ بقَولٍ تَجِدُ عليَّ فيه وهُوَ حَقٌّ فإنِّي أَرْجُو فيه
عُقْبَى الله .
إلى أنْ قالَ: والله ما كُنتُ قَطُّ أَيْسَرَ ولا أَخَفَّ حاذاً(٢) مِنِّي حين تَخَلَّفْتُ عَنْكَ فِقَالَ
صلى الله عليه وسلم: ((أمَّا هـذا فَقَدْ صَدَقَكُم، قُمْ حتى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ)) فقُمتُ .
إلى أن قال : ونَهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الناسَ عن كلامنا أيُّها
الثلاثةُ(٣).
فجعلتُ أخرجُ إلى السوق، فلا يُكلِّمني أحدٌ، وتَنَكَّرَ لنا الناسُ، حتى ما هُم
بالذين نعرفُ، وتَنكَّرَت لنا الحيطانُ والأرضُ، وكنتُ أطوفُ وَآتي المسْجدَ ، فأدخلُ
وآتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأسَلِّمُ عليه، فأقولُ : هل حَرَّكَ شَفَتَيْه
بالسلام !! ؟(٤).
انظر السير: ( كعب بن مالك ) ٢/ ٥٢٣ - ٥٣٠، وانظر النزهة: ٣/٣٠٠
(١)
(٢) الحاذ : الحال .
أيُّها الثلاثةُ: مبني على الضم في محل نصب على الاختصاص ، أي : مختصين بذلك دون بقية
(٣)
الناس .
(٤) انظر السير: (كعب بن مالك) ٥٢٣/٢ - ٥٣٠، وانظر النزهة: ٣٠٠ / ٤.
١٨٨

أوْطَاس :
عن أبي مُوسَى قال : لمَّا فَرَغَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم من حُنَيْنٍ ، بَعَثَ أبا
عَامِرِ الأَشْعَرِيّ علىُ جَيشٍ أَوْطَاسَ(١) ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بنَ الصِّمَّة، فَقُتِلَ دُرَيْدُ، وهَزَمَ اللهُ
أَصْحَابَه، فرَمَى رجلٌ أبا عَامِر في رُكْبَتِه بسَهمٍ ، فأثْبَتَه فقُلتُ: يا عَمُّ، مَنْ رَمَاكَ؟
فَأَشَارَ إليهِ فَقَصَدْتُ له، فَلَحقْتُه، فلمَّا رَّآنِي، ولَّى ذاهِباً فجَعَلتُ أقولُ لهُ : ألا
تَسْتَحِي؟ أَسْتَ عَرَبِيَّاً؟ ألا تَثْبُتْ؟ قال: فَكَفَّ، فالْتَّقَيْتُ أنا وهُوَ، فاخْتَلَفْنا
ضَربَتَيْنِ ، فَقَتَلتُه ثم رَجَعتُ إلى أبي عَامِرٍ ، فَقُلتُ : قد قَتَلَ اللهُ صاحِبَكَ قال: فانْزِعْ
هذا السَّهمَ فَتَزَعتُهُ فَتَزَا منهُ المَاءُ فقال : يا ابنَ أَخِي ، انْطَلِقْ إلى رسُولِ اللهِ صلى الله
عليه وسلم فَأَقْرِهِ مِنِّي السَّلامَ ، وقُلْ له : يَسْتَغْفِر ◌ِي واسْتَخْلَفَنِي أبو عَامِر على النَّاسِ ،
فمَكَثَ يَسِيراً ثم مَاتَ فلمَّا قَدِمْنا ، وأَخْبَرتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأ ، ثم رَفَعَ
يَدَيْهِ، ثم قالَ صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لعُبَيْدِ أبِي عَامِر)) حتىُ رَأيتُ بَيَاضَ
إِطَيْه ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يومَ القِيَامَةِ فَوقَ كثيرٍ من خَلْقِك ))
فقُلتُ: ولِيَ يا رسُولَ الله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لعَبدِ الله ابنِ قَيْس
ذَنْبَه، وأَدْخِلْهُ يومَ القِيامَةِ مُدْخَلاً كرِيمَاً )»(٢).
( ب) من أخْبَارِ مَعَارِك الصَّحَابَة :
فَتْحُ بلاد الشَّام :
قال ابنُ إِسْحاق : لمَّا قَفَلَ أبو بكر عن الحجِّ بعثَ عَمرو بنَ العاص قِبِلَ فلسطين ،
ويَزِيدَ بنَ أبي سُفيانَ وأبا عُبَيَدَة بنَ الجرَّاحِ وشُرَحْبِيلَ ابنَ حَسَنَةٍ ، وأمرَهم أن يَسْلُكوا
على البَلْقاء .
ورَوَى ابنُ جَرِير قال: قالوا لمَّا وَجَّه أبو بكر الجنودَ إلى الشَّام أولَ سَنة ثلاث
عَشرة ، فأوّلُ لِواءٍ عَقَدَه لِواءُ خالد بن سعيد بن العاص ، ثم عَزَلَه قبل أن يَسير خالد ،
(١) أوطاس : وادٍ في ديار هوازن ، وهو غير وادي حُنين.
(٢) انظر السير: ( أبو موسى الأشعريّ) ٢/ ٣٨٠ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٦/٢٨٧.
١٨٩

وقيل : بلْ عَزَلَه بعد أشهر من مَسيره ، وكَتبَ إلى خالد فسار إلى الشَّام ، فأغَارَ على
غَسّانَ بمَرْجِ راهِطْ ، ثم سار فَنَزَل علىُ قَناة بُصْرَى، وقَدِمَ أبو عُبَيدة وصاحباه فصالَحوا
أهلَ بُصْرَى، فكانت أول ما فُتِحَ من مَدائن الشَّام ، وصالَح خالدٌ في وجهه ذلك أهلَ
تَدْمُر .
قال ابنُ إسحاق : ثم ساروا جميعاً قِبَلَ فلسْطين ، فالْتَّقوا بأجْنادين بين الرّملةَ وبَيَتَ
جبرين ، والأمراء كلٌّ على جُندِه، وقيل: إنَّ عَمْراً كان عليهم جميعاً ، وانهَزَمَ
المشركون .
وقال الواقِديُّ : الثبتُ عندنا أنَّ أجْنادين كانت في جُمادَى الأولىُ وبُشِّرَ بها أبو بكر
وهو بآخر رَمَق(١) .
وَقْعَةُ مَرْج الصّفر :
قال خليفةُ : كانت وَقْعةُ مَرْج الصّفر لاثنتي عشرة خَلَت من جُمادَى الأولىُ ،
والأميرُ خالد بنُ سعید .
وقال سعيدُ بنُ عبد العزيز : التَّقَوا على النَّهْر عند الطَّاحونة فقُتِلَت الرُّومُ يومئذ حتى
جَرَى النَّهرُ وطحنت طاحونتها بدمائهم فأُنْزِل النَّصْرُ .
وقَتلت يومئذ أمُّ حَكيم سَبعةً من الرُّومِ بعَمودِ فُسْطاطِها(٢)
.
اليَمامَة :
قِيلَ : كَتَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إلىْ أُمَرَاءِ الجَيشِ : لا تَسْتَعمِلُوا البَراءَ على جيشٍ فإنَّه
مُهْلِكَةٌ من المَهَالِكِ يَقْدُمُ بهم .
وبلَغَنا أنَّ البَراءَ يومَ حربٍ مُسَيْلِمَةَ الكذَّابِ أمَرَ أصْحابَه أنْ يَحْتَمِلُوه علىُ تُرسِ ،
علىْ أَسِنَّةِ رِماحِهِم ، ويُلْقُوا به في الحَديقةِ فاقْتَحَمَ إليهم ، وشَدَّ عليهم ، وقاتلَ حتى
(١) انظر السير: ( أبو بكر الصدِّيق)، وانظر النزهة : ٢٤ .
(٢) انظر السير: ( أبو بكر الصدِّيق)، وانظر النزهة : ٤٣.
١٩٠

افْتَتَحَ بابَ الحديقةِ ، فجُرِحَ يومئذٍ بضْعةً وثمانين جُرحاً ، ولذلك أقامَ خالدُ ابنُ الوَليدِ
عليه شَهراً يُداوِي جِراحَه ، وقد اشْتَهَرَ أنَّ البَراءَ قَتلَ في حُروِهِ مِئَةَ نفسٍ من الشُّجعانِ
مُبارَزَةً(١) .
ورَمَىْ أبو دُجَانَةَ بنَفْسِهِ يومَ اليَمَامَةِ إلى داخِلِ الحديقةِ ، فَانْكَسَرتْ رِجْلُهُ، فَقَاتَلَ
وهو مَكْسُورُ الرِّجْلِ حتىْ قُتِلَ رضي الله عنه(٢).
عن مِعْقَلِ بنِ يَسَارِ : أنَّ عُمَرَ شَاوَرَ الهُرمُزَانَ فِي أَصْبَهَانَ، وفارسَ، وأَذَرْبِيجانَ
فقال : أَصْبَهَانُ : الرَّأْسُ، وفارِسُ وأَذَرْبِيجانُ : الجَنَاحَان، فإذا قَطَعْتَ جَنَاحاً فَاءَ
الرَّسُ وجَنَاحٌ ، وإِنْ قَطَعْتَ الرَّأْسَ وَقَعَ الجَنَاحَان، فقال عُمَرُ : للنُّعْمانِ بنِ مُقَرِّن :
إِنِّي مُسْتَعْمِلُك، فقال: أَمَّا جَابِياً فلا ، وأمَّا غَازِياً ، فَنَعَم ، قال: فإنَّكَ غَازٍ فَسَرَّحَهُ ،
وبَعَثَ إلى أهلِ الكُوفَة لِيَمُدُّوه وفيهِم حُذَيْفَةُ، والزُّبَيْرُ ، والمُغِيرَةُ ، والأَشْعَثُ ،
وعَمْرُو بنُ مَعْدِي كَرِبْ ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ بطُولِه وهو في (( مُسْتَدْرَكِ الحَاكِم )) ، وفيه :
فقال : اللَّهُمَّ ارْزُقْ النُّعْمانَ الشَّهَادَةَ بنَصْرِ المُسلمينَ، وافْتَحْ عليهِم، فَأَمَنُوا، وهَزَّ
لِواءَهُ ثلاثاً، ثمَّ حَمَلَ، فكانَ أوَّلَ صَرِيعٍ رضي الله عنه ووَقَعَ ذُو الحَاجِبَيْنِ من بَغْلَتِهِ
الشَّهْباء ، فانْشَقَّ بَطْنُهُ وفَتَحَ اللهُ، ثم أَتَيْتُ النُّعْمانَ وِه رَمَقٌ ، فَأَتَيْتُه بماءٍ ، فصَبَيْتُ على
وَجْهِهِ أَغْسِلُ التُّرابَ ، فقال : مَنْ ذَا؟ قُلتُ : مِعْقَلُ، قال : ما فَعَلَ النَّاسُ ؟ قُلْتُ :
فَتَحَ اللهُ فقال: الحَمْدُ لله، اكْتُبُوا إلى عُمَرَ بذلكَ، وفاضَتْ نفْسُه رضي الله عنه(٣).
(١) انظر السير: (البراء بن مالك) ١٩٥/١-١٩٨، وانظر النزهة: ٢/١٤٧.
(٢) انظر السير: ( أبو دجانة الأنصاريّ) ٢٤٣/١ -٢٤٦، وانظر النزهة: ١/١٥٥.
(٣) أخرج البخاري في الجزية (٣١٥٩) عن جُبير ابن حبّة، قال: بعث عُمر الناس في أفناء الأمصار
يقاتلون المشركين ، فأسلم الهرمزان ، فقال له عُمر : إني مُستشيرك في مغازيّ هذه قال : نعم مثلها
ومثل ما فيها من الناس ، من عدو المسلمين ، مثل طائر له رأس وله جناحان وله رجلان ، فإن كُسر
أحد الجناحين نهضت بجناح والرأس ، فإن كُسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس ، وإن شُرخ
الرأس ذهبت الرجلان والجناحان والرأس ، فالرأس كسرى ، والجناح قيصر ، والجناح الآخر فارس
فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى عن جُبير ابن حبة قال : فندَبنا عُمرُ ، واستعمل علينا النعمان بن
مقرّن حتى إذا كنا بأرض العدو ، وخرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفاً فقام تُرجمان فقال : ليكلمني
رجلٌ منكم، فقال المغيرة: فسل عمّا شئت قال: ما أنتم !! ؟، قال: (( نحن أناس من العرب ، كنا=
١٩١

وعن اللَّيثِ قالَ: كانَ عبدُ الله بنُ سَعد والِياً لعُمَرَ على الصَّعِيدِ، ثمَّ ولاَّه عُثمانُ
مِصْرَ كُلَّها، وكان مَحْموداً غَزَا إفْرِيقِيَّةَ فقَتَلَ جُرْجِيرَ صاحِبَها، وبَلَغَ السَّهِمُ للفارِسِ
ثلاثةُ آلافِ دينارٍ ، وللرَّاجِلِ ألفُ دينارٍ ، ثمَّ غَزَا ذاتَ الصَّوارِي، فَلَقُوا ألفَ مَرَكَبٍ
للرُّومِ ، فَقُتِلَتِ الزُّومُ مَقْتَلةً عظيمةً، لَمْ يُقْتَلُوا مثلها قَطُّ، ثمَّ غَزوةُ الأَسَاوِد(١).
(ج ) مَعارِكُ عظيمةٌ في التاريخ الإسلاميّ :
قال اليَسَعُ بنُ حَزْمِ: هَمَّت الرُّومُ بما لَمْ يَنَالُوا من طَلَبِ الثُّغُورِ ، فَنَكَثُوا العَهْدَ ،
فَتَجَهَّزَ الحَكَمُ بنِ هِشَام ، إليهم حتىُ جَازَ جَبَلَ السَّارة - شَمَالِيَ طُلَيْطِلَةَ - فَفَرَّت الرُّومُ
أمَامَه حتى تَجَمَّعوا بمدينةِ سَمُورَة، فلمَّا الْتَّقَى الجَمْعانِ ، نَزَلَ النَّصْرُ، وانْهَزَمَ الكُفْرُ ،
وتَحَصَّنُوا منه بمدينةٍ سَمُورةً، وهي كبيرةٌ جداً فحَصَرَها المُسلمُون بالمِنْجَنِيقِ حتى
افْتَتَحُوها عُنْوَةً، ومَلَكُوا أكثرَ شَوارِعَها، واشْتَغَلَ الجُندُ بالغَنَائِمِ، وانضَمَّتِ الرُّومُ إِلى
جِهَةٍ من البَلدِ، وخَرجُوا على حَمِيَّة فقَتَلُوا خَلْقاً في خُروجِهم ، فكانت غَزْوتُه من أعْظَمِ
المَغازِي لولا ما طَرَأَ فيها من تَضْيِيعِ الحَزْمِ ، ورامَت الرُّومُ السِّلْمَ ، فَأَبَى عليهم
الحَكَمُ، ثمَّ خَرَجَ من بلادِهم خَوفاً من الثُّلُوجِ، فلمَّا كان العَامُ الآتِي اسْتَعَدَّ أعْظَمَ
اسْتِعِدَادٍ ، وقَصَدَ سَقُّورةَ فقَتَلَ فيها وسَبَى كُلَّ مَا مَرَّ به، ثمَّ نَازَلَهَا شَهْرَينِ ، ثمَّ دَخلُوها
بعد جَهْدٍ، وبَذَلُوا فيها السَّيفَ إلى المَسَاءِ ، ثمَّ انْحَازَ المُسلمونَ فبَاتُوا على أسْوارِها ،
ثُمَّ صَبَّحوها من الغَدِ لا يُبْقُونَ علىُ مُحْتَلِمٍ .
قال الرَّازِيُّ في ((مَغَازِي الأَنْدَلُسِ)) : الذي أُحْصِيَ ممَّن قُتِلَ في سَؤُّورةَ ثلاثُ مِئَّةِ
ألفِ نَفْسٍ، فلمَّا بَلَغَ الخَبَرُ مَلِكَ رُومِيَّة كَتَبَ إلى الحَكَمِ يَرْغَبُ في الأمَانِ ، فَوَضَعَ
في شقاء شديد وبلاء شديد ، نمص الجلد والنوى من الجوع ، ونلبس الوبر والشعر ، ونعبد الشجر
=
والحجر فيينا نحن كذلك إذ بعث رب السماوات ورب الأرضين - تعالى ذكره وجلت عظمته - إلينا نبيّاً
من أنفسنا ، نعرف أباه وأمه ، فأمرنا نبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله
وحده ، أو تؤدوا الجزية ، وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا أنه مَن قَتل منا صار إلى
الجنة في نعيم لم يُرَ مثلها قطّ ، ومَن بقي منا ملك رقابكم )) .
انظر السير: ( النعمان بن مُقرِّن) ١/ ٤٠٣ -٤٠٥، وانظر النزهة : ٥/١٨٢.
(١) انظر السير: (عبد الله بن سعد) ٣٣/٣ -٣٦، وانظر النزهة: ٣/٣٢٦.
١٩٢

الحَكَمُ على الرُّومِ ما كان جَدُّه وَضَعَ عليهم ، وزَادَ عليهم أن يَجْلِبُوا من تُرابِ مدينةٍ
رُوميَّةَ نفسِها ما يُصْنَعُ به أكْوامٌ بِشَرْقِي قُرْطُبَةَ صَغَاراً لهم، وإِعْلاءً لمَنَارَةِ الإسْلامِ ،
فهُما كَوْمانِ من التُّرابِ الأحْمَرِ في بَسِيطِ مدرَتِها السَّوْداءِ(١) .
قال أبو المُظَفَّر بنُ الجَوْزيّ: مُحمَّدُ بنُ عبد الرَّحمَن بنِ الحَكَم هو صاحِبُ وقْعَةِ
سَليط(٢)، وهي مَلْحَمَةٌ مَشْهُورَةٌ لَمْ يُعْهَد قَبلَها بِالأَنْدَلُسِ مِثلَها ، يُقالُ : قُتِلَ فيها ثلاثُ
مِئَّةِ ألفٍ كافِرٍ ، وهذا شيءٌ لَمْ نَسْمَعِ بِمِثْلِه، قال: وللشُّعَرَاءِ فيه مَدَائِحٌ كثيرةٌ .
قال الذهبيُّ : ماتَ في سَنةِ ثلاثٍ وسَبعِين ومِئْتَيْنِ عن أرْبَعِ وسِتِينَ سَنة
رحِمَه الله(٣) .
جاءَ في تَرجَمَةِ المُعْتَمِدِ على الله قال الذهبيُّ : وفي سَنةِ سَبِعِين نازَلتِ الرُّومُ في مِئَّةٍ
ألفٍ طَرَسُوسَ ، فَبََّهم يازمانُ الخادِمُ فِقِيلَ: قُتِلَ منهُم سَبِعُونَ ألفاً ، وقُتِلَ مَلِكُهُم ،
وأُخِذَ منهم صَلِيبُ الصَّلَبُوت فالحَمدُ لله على هذا النَّصْرِ العَزِيزِ الذي لَمْ يُسْمَعِ بِمِثْلِه ،
مع تمَامِ المِنَّةِ على الإسْلامِ بِمَصْرَعِ الخَبِيث .
وعادَ المُوَفَّقُ إلىْ بَغْدَادَ مَرِيضاً من نِقْرسٍ، ثمَّ صَارَ داءَ الفِيلِ وقَاسَى بلاءً ، فكان
يقولُ : في دِيوانِي مِئَّةُ ألفٍ مُرْتَزَقٍ ، ما أَصْبحَ فيهِم أسْوَأَ حالاً مِنِّي، ثمَّ ماتَ .
وفي سَنَةٍ تَسعِ وسَبعينَ خُلِعَ المُفَوَّضُ بنُ المُعْتَمِد من وِلايَةِ العَهْدِ ، وقُدِّمَ عليه
أبو العَبَّاس المُعْتَضِّدُ بنُ المُوَفَّق نَهَضَ بِذَلِك الأُمَرَاءُ .
وفيها مَنَعَ أبو العَبَّاسِ القُصَّاصَ والمُنَجِّمينَ، وأَلْزَمَ الكُتْبِّينَ أنْ لا يَبِيعُوا كُتُبَ
الفَلْسَفَةِ والجَدَلِ ، وضَعُفَ أمْرُ عَمِّه المُعْتَمِد معَه، ثمَّ ماتَ فَجْأةً لإحْدَى عَشر ليلةٌ
بَقِيَتْ من رَجَبَ سَنَّةَ تِسْعِ وسَبْعِينَ ومِئْتَينِ بِبَغْدَادَ ونُقِلَ فدُفِنَ بسَامرَّاءَ ، فكانت خِلافَتُه
ثلاثاً وعِشْرينَ سَنةً وثلاثةَ أيَّامٍ(٤).
(١) انظر السير: (الحكم بن هشام) ٢٥٣/٨ -٢٦٠، وانظر النزهة: ١/٧٥١.
(٢)
انظر ((الكامل)) لابن الأثير: ٧٣/٧، ٧٤، وانظر ((نفح الطيب)) ٣٥٠/١.
(٣) انظر السير: (محمد بن عبد الرحمن بن الحكم) ٢٦٢/٨ -٢٦٣، وانظر النزهة : ٤/٧٥٤.
(٤) انظر السير: (المعتمد على الله) ٥٤٠/١٢ -٥٥٣، وانظر النزهة: ١/١٠٣٤.
١٩٣

وافْتَتَحَ ابنُ سُبْكْتِكِين عِدةَ مَدائِنَ بالهِنْدِ ، ووَرَدَه كِتابُ القَادِرِ بالله ، فِيهِ : صَدَرَ
العَبدُ من غَزْنَةَ في أوَّلِ سَنةِ عَشرٍ وأرْبَع مِئَة ، وانْتُدَبَ لتَنِفِيذِ الأَوامِرَ فَرَتَّبَ فِي غَزْنَةَ
خَمسةَ عَشرَ ألفَ فارِسٍ ، وأَنْهَضَ ابنَه فَي عِشْرِينَ ألفاً وشَحَنَ بَلْخَ وطَخَارُسْتَانَ باثني
عَشرَ ألفَ فارسٍ، وعَشرةَ آلافِ راجلٍ ، وانْتُخَبَ ثلاثينَ ألفَ فارِسِ ، وعَشرَةَ آلافِ
راجِلٍ لصُحْبَةِ رَايَةِ الإِسْلامِ ، وانْضَمَّ إليه المُطَّوِّعَةُ ، فافْتَتَحَ قِلاعَاً وحُصُوناً وأَسْلَمَ زُهَاءَ
عِشِرينَ ألفاً ، وأَذَّوْا نَحوَ أَلْفِ ألْفٍ من الوَرِقِ، وثلاثين فِيلاً، وعِدَّةُ الهَلْكَىْ خَمسُونَ
ألفاً ووَافَى العَبدُ مدينةً لهم عَايَنَ فيها نَحوَ ألفِ قَصْرٍ ، وألفَ بيتٍ للأَصْنَامِ ، ومَبْلَغُ
ما على الصَّنَمِ ثمَانِيَةٌ وتِسْعونَ ألف دينارٍ ، وقَلَعَ أَزْيَدَ من ألفٍ صَنَمٍ ، ولهم صَّنَمٌ مُعَظَّمٌ
يُؤَرِّخُونَ مُدَّتَه بجَهَالَتِهِم بثلاثِ مِئَّةِ ألفِ سَنَةٍ ، وحَصَّلْنا من الغَنَائِمِ عِشْرينَ ألفِ ألفِ
درهمٍ ، وأُفْرِدَ الخُمْسُ من الرَّقِيقِ ، فَبَلَغَ ثلاثةً وخَمْسِينَ ألفاً ، واسْتَعْرَضْنَا ثلاثَ مِئَّةٍ
وسِتٍ وخَمسِينَ فِيلاً .
وفي سَنَّةِ اثْنَتَينِ وعِشرينَ وأرْبَعِ مِئَةٍ ، ماتَ القَادِرُ باللهِ، وعَاشَ سَبْعاً وثمَانِينَ سَنةً
سِوَىُ شهرٍ وثمانيةَ أيَّامٍ، وما عَلَمْتُ أَحَداً من خُلَفَاءِ هذهِ الأُمَّ بَلَغَ هذا السِّنَّ ،
ولا حتى عُثْمانَ رضي الله عنه(١) .
وجاءَ في تَرَجَمَةِ المَنْصُورِ العُبَيْدِيِّ الباطِنِيّ قال الذهبيُّ: وقد كان في سَنَّةِ أَرْبَعِينَ
جَهَّزَ أبو الطَّاهِرِ إِسْمَاعِيلُ بنُ القَائِمِ بنِ المَهْدِيِّ جَيْشَه في البَحْرِ إلىْ صِقِلْيَّةَ ، فَهَزَمُوا
النَّصارَىُ وكانت مَلْحَمَةً عُظْمَى، قُتِلَ فيها من العَدُوِّ ثلاثُونَ ألفاً وأُسِرَ منهم ألُوفٌ ،
وَغَنِمَ الجُندُ ما لا يُعبَّر عنه .
وقِيلَ : إِنَّه افْتَتَحَ مدينةَ جَنْوَةَ .
وحَكَمَ على مَمْلَكَةٍ صِقِلِّيَة وافْتَتَحَ له نائِبُه عليها فُوحاتٍ ، وانْتُصَرَ على العَدُوِّ وفَرِحَ
بذَلك المُسلمونَ ، وتَوَطَّدَ سُلطَانُه .
(١) انظر السير: (القادر بالله) ١٢٧/١٥-١٣٨، وانظر النزهة: ٣/١١٩٤.
١٩٤

وكان المَنْصُورُ مُحَيَّباً إلى الرَّعِيَّة مُقْتَصِراً على إظْهَارِ التَّشَيُّع وقام بعدَه المُعِزّ
وَلَدُه(١) .
وفي سَنةِ أَرْبَعِينَ وأربع مئة غَزَتْ الغُزُّ مع إِبراهِيمَ يَنَالِ السَّلْجُوقِيّ، وقِيلَ : ما كانَ
مَعَهُم ، فَغَزَوْا إلىْ قَرِيبِ القُسْطَنْطِيْنِيَّة، وغَنِمُوا وسَبُوا أَزْيَدَ من مِئَةِ ألفٍ ، وقِيلَ :
جُرَّت المَكَاسِبُ علىْ عَشْرةِ آلافِ عَجَلةً ، وكان فَتْحاً عَظِيماً وكان الرَّفْضُ أيْضاً قَوِيّاً
بالعِراقٍ(٢).
وجاءَ في تَرَجَمَةِ طغَان خَان التُّركِيِّ صاحِبٍ تُرْكِسْتَان وبَلاَسَاغُون ، وكاشغر،
وخَتن، وفاراب : قَصَدَتْهُ جُيوشُ الصِّينِ والخَطَا(٣) في جَمْعِ ما سُمِعَ بِمِثْلِه، حتى
قِيلَ : كانوا ثلاثَ مِئَةِ ألفٍ
وكان مَرِيضاً فقال : اللَّهُمَّ عافِي لأَغْزُوَهم، ثمَّ تَوَقَّنِي إِنْ شِئْتَ ، فعُوفِيَ ، وجَمَعَ
عَسَاكِرَه ، وسَاقَ، فبَيَّتَهم ، وقَلَ منهم مِثَّتَيْ ألفٍ، وأَسَرَ مِئَةَ ألفٍ، وكانت مَلْحَمَةً
مَشْهُودةً في سَنةِ ثمَانٍ وأرْبَعِ مِثَّةٍ، ورَجَعَ بِغَنَائِمَ لا تُخْصَىْ إلى بَلاَسَاغُون، فَتَوَفَّاهُ اللهُ
عَقِيبَ وُصُولِه .
وكان دَيِّناً عَادِلاً ، بَطَلاً شُجَاءً(٤) .
وبَلَغَ السُّلطانَ المَلِكَ يَمِينَ الدَّولَةِ مَحمُودَ سُبْكتِكِين أنَّ الهُنودَ قالوا: أَخْرَبَ أكْثَ
بلادِ الهِنْدِ غَضَبُ الصَّنَمِ الكبيرِ سُومَنات على سائِرِ الأصْنامِ ومَنْ حَوْلَها ، فعَزَمَ علىْ غَزْوِ
هذا الوَثَنَ ، وسَارَ يَطْوِي القِفَارَ في جَيشِه إليه، وكانوا يقُولُونَ : إنَّه يَرْزُقُ ويُحْيِي
ويُميتُ ويَسْمَعُ ويَعِي ، يَحُُون إليه ويُتْحِفُونَه بالنَّائِس، ويَتَغَازَلُون فيه كثيراً ، فَتَجَمَّعَ
عند هذا مالٌ يَتَجَاوَزُ الوَصْفَ، وكانوا يَغْسِلُونَه كلَّ يومٍ بماءٍ وعَسَلٍ ولَبَن ، ويَنْقُلُونَ
(١) انظر السير: (المنصور) ١٥٦/١٥-١٥٩، وانظر النزهة: ١/١٢٠٣.
(٢)
انظر السير: (المستنصر بالله) ١٨٦/١٥ -١٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٢١١.
(٣) قال القلقشندي: إن اسم الخَطا يُطلق على بلاد متاخمة للصين يسكنها جنس من الترك، وقد أسسوا
دولتهم في القرن السادس الهجري ، والثاني عشر الميلادي وكانت بينهم وبين المسلمين حروب
طويلة .
(٤) انظر السير: (طغان خان) ٢٧٨/١٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٢/١٤٣١.
١٩٥

إليه الماءَ من نَهْرِ حيل مَسيرَةَ شَهرٍ ، وثلاثُ مِثَةٍ يَحْلِقُونَ رُؤُوسَ حُجَّاجِه ولِحَاهُم ،
وثلاثُ مِئَةٍ يُغَنُّونَ فِسَارَ الجَيشُ من غَزْنة ، وقَطَعُوا مَفَازَةٌ صَعبَةً وكانوا ثلاثينَ ألفَ فارسٍ
وخَلْقاً من الرَّجَّلَةِ والمُطَّوِّعَة ، وقَوَّى المُطَّوِّعَةَ بِخَمْسِينَ ألْفَ دينارٍ ، وأَنْفَقَ في الجَيْشِ
فَوقَ الكِفَايَةِ، وارْتَحَلَ من العُليا ثانِيَ يوم الفِطْرِ سنةَ ٤١٦ هـ، وقاسُوا مَشَاقَّ وبَقُوا
لا يَجِدُونَ الماءَ إلاَّ بعدَ ثلاثٍ، غَطَّهُم في يومٍ ضَبَابٌ عظيمٌ ، فقالت الكَفَرَةُ : هذا
من فِعْلِ الإِلَهِ سُومَنات .
ثُمَّ نازَلَ مدينةَ أَنْهَلْوَارَة، وهَرَبَ مِلِكُها إلىْ جَزِيرَةٍ ، فأخْرَبَ المُسلمُونَ بَلَدَه ،
ودَكُوها، وبينَها وبَيْنَ الصَّنَمِ مَسِيرَةَ شَهِرٍ فِي مَفَاوِزَ، فسَارُوا حتى نَازَلُوا مدينةَ
دَبُولوارة ، وهي قَبْلَ الصَّنَمِ بَيَوْمَيْن، فَأُخِذَت عُنْوَةً، وكُسِرَتْ أصْنَامُهَا، وهي كثيرةٌ
الفَوَاكِهِ ، ثمَّ نَازَلُوا سُومَنات في رابعَ عَشَرَ ذي القِعدَة ، ولها قَلْعَةٌ مَنِيعَةٌ على البحرِ ،
فَوَقَعَ الحِصَارُ فِنُصِبَت السَّلالِمُ عليها ، فهَرَبَ المُقاتِلَةُ إلى الصَّنَمِ وتَضَرَّعُوا له ، واشْتَدَّ
الحالُ وهم يَظُنُّون أنَّ الصَّنَمَ قد غَضِبَ عليهم ، وكان في بيتٍ عظِيمٍ مَنِيعٍ علىْ أبْوَابِهِ
السُّتُورُ الدِّبَاجُ وعلى الصَّنَمِ من الحُليِّ والجَوَاهِر ما لا يُوصَف والقَنَادِيلُ تُضِيءُ ليلاً
ونهاراً، علىُ رَأْسِهِ تاجٌ لا يُقَوَّمُ، يَنْدَهِشُ منه النَّاظِرُ ويَجْتَمِعُ عندَه في عِيدِهم نَحْوَ مِئَّةِ
ألفِ كافِرٍ ، وهو علىُ عَرْشِ بَدِيع الزَّخْرَفَةِ عُلُوَّ خَمسةٍ أَذْرُعٍ، وطُولُ الصَّنَمِ عَشرَةَ
أُذْرُعٍ، وله بَيْتُ مالٍ فيه من النَّفَائِسَِ والذَّهَبِ ما لا يُخْصَىْ ، فَفَرَّقَ مَحمُودٌ في الجُنْدِ
مُعْظَمَ ذلك، وزَعْزَعَ الصَّنَمَ بالمَعَاوِلِ ، فخَرَّ صَرِيعاً، وكانت فِرِقَةٌ تَعْتَقِدُ أنَّه مَنَاتْ ،
وأنَّه تَحَوَّلَ بنفسِه في أيَّامِ النُّبُوَةِ من سَاحِلِ جُدَّة، وحَصَلَ بهذا المَكَان لِيُقْصَدَ ويُحَجَّ
إليه مُعَارَضَةً للكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآهُ الكُفَّارُ صَرِيعاً مَهِينَاً، تَحَسَّرُوا وسُقِطَ في أيدِيهِم ، ثمَّ
أُحْرِقَ حتىْ صَارَ كلساً، وأُلُقِيَت النِّيرَانُ فِي قُصُورِ القَلْعَة، وقُتِلَ بها خَمسُونَ ألفاً ، ثمَّ
سارَ مَحمُودٌ لِأَسْرِ المَلِكِ بهيم ، ودَخَلُوا بالمَرَاكِبِ ، فَهَرَبَ، وافْتَتَحَ مَحمُودٌ عِدَّةَ
حُصُونٍ ومَدَائِنَ ، وعادَ إلى غَزْنَة فدَخَلَها في ثامِنٍ صَفَر سَنَّةَ سَبْعَ عَشْرَةَ ، ودَانَتْ له
المُلُوكُ ، فكانت مُدَّةُ الغَيْبَةِ مِئَةً وثلاثَةً وستِّينَ يوماً .
وقد خُطِبَ له بالغُورِ وبخُراسَان والسِّنْدِ والهِنْدِ وناحِيَّةَ خَوَارِزْم وبَلْخ ، وهي من
١٩٦

خُرَاسَان، وبجُرجان وطَبَرِستان والرَّيِّ والجِبَال، وأَصْبَهَان وأَذْرَبِيجان وهَمَذَان
وأرْمِينيَة .
وكان مُكْرِماً لأُمَرَائِهِ وأصْحابِهِ ، وإذا نَقَمَ عَاجَل ، وكان لا يَفْتُرُ ولا يَكَادُ يَقِرُّ وكان
يَعْتَقِدُ في الخَلِيفَةِ ، ويَخْضَعُ لجَلالِهِ ، ويَحْمِلُ إليه قَنَاطِيرَ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ ، وكان
إِلْباً على القَرَامِطَة والإِسْمَاعيليَّةِ وعلى المُتَكَلِّمين ، على بِدْعَةٍ فيه فيما قَبْل ، ويَغْضَبُ
للكرّاميّة، وتَصَرُّفه على الأخْلاقِ الزَّكَيَّة، وكان فيه شِدَّةُ وَطْأَةٍ على الرَّعِيَّة ، ولكن
كانوا في أَمْنٍ وإقامَة سِياسَة .
وقال مَحمُودٌ يوماً للأميرِ أبي طاهِرِ السَّامانيّ : كَمْ جَمَعَ آبَاؤُك من الجَوْهَرِ ؟ قال :
سَمعتُ أنَّه كان عند الأميرِ الرَّضي سَبْعَةُ أَرْطَالٍ فسَجَدَ شُكراً وقال : أنا في خِزَانَتِي
سَبْعُون رَطْلاً(١) ..
جاءَ في تَرجَمَةِ السلطانِ ألْب آرْسَلان قال الذهبيُّ : عَظُمَ أمْرُ السلطانِ ألْب
آرسَلان، وخُطِبَ له على مَنَابِرِ العِراقِ والعَجَم وخُراسَان، ودانَتْ له الأُمَمُ ، وأحَبَتْه
الرَّعَايَا، ولا سِيَّمَا لمَّا هَزَمَ العَدُوَّ فإنَّ الطَّاغِيَةَ عَظِيمَ الرُّومِ أَرْمانُوس حَشَدَ ، وأقْبَلَ في
جَمْعٍ ما سُمِعَ بِمِثْلِه في نَحوٍ من مِئَتَّيّ ألفِ مُقاتِلٍ من الرُّومِ والفِرَنْجِ والكَرْجِ وغيرِ ذلك ،
ووَصِّلَ إلى مَنازْكِرْه(٢) وكان السُّلطانُ بِخُوَيّ(٣) قد رَجَعَ من الشَّامِ في خَمسَةَ عشرَ ألف
فارسٍ ، وباقي جُيُوشِه في الأطْرافِ ، فصَمَّمَ على المَصافِّ، وقال : أنا ألْتَقِيهم -
وحَسْبِيَ اللهُ - فإِنْ سَلِمْتُ، وإلاَّ فائِي مَلِكْشاه وَلِيُّ عَهْدِي، وسَارَ، فَالْتَّقَى يَزَكُهُ(٤) ،
ويَزَكُ القومِ فَكَسَرَهم يَزِكُه، وأَسَروا مُقَدَّمَهم، فقَطَعَ الشُّلطانُ أنْفَه، ولمَّا الْتَّقَى
الجَمْعَانِ وَتَراءَى الكُفْرُ والإيمانُ، واصْطَدَمَ الجَبَلانِ ، طَلَبَ الشُّلطانُ الهُدْنَةَ ، قال
أرْمَانُوسُ: لا هُدنَةَ إلاَّ بَذْلِ الرَّيّ، فحَمَي السُّلطانُ وشَاطَ ، فقال إمامُه: إنَّكَ تُقَاتِلُ
عن دينٍ وَعَدَ اللهُ بِنَصْرِهِ ، ولَعَلَّ هذا الفَتْحُ باسْمِك، فالتَقِهِم وقْتَ الزَّوَالِ - وكان يومَ
(١) انظر السير: (السلطان) ٤٨٣/١٧-٤٩٥، وانظر النزهة: ٣/١٣٥٣.
(٢) مَنازْكِرْد : بلد في أرمينية ، وأهله أرمن وروم .
(٣)
خُوَيّ : بلد بأذربيجان .
(٤) اليَزَك : كلمة فارسية معناها : مقدمة الجيش.
١٩٧

جُمُعَة - قال: فإنَّه يكونُ الخُطَبَاءُ على المَنَابِرِ، وإنَّهم يَدْعُونَ للمُجَاهِدينَ ، فَصَلَّوْا،
وبَكَى السُّلطانُ، ودَعَا وأَمَّنُوا، وسَجَدَ، وعَفَّرَ وجْهَهُ وقال: يا أُمَرَاءُ! مَنْ شَاءَ
فلْيَتْصَرِفْ، فمَا ها هُنَا سُلطانٌ، وعَقَدَ ذَنَبَ حصانِهِ بِيَدِهِ، ولَبسَ البَيَاضَ وتَحَنَّطَ ،
وحَمَلَ بجَيْشِه حَمْلَةً صادِقَةً ، فَوَقَعُوا في وَسَطِ العَدُوِّ يَقْتُلُونَ كيفَ شَاؤُوا، وَثَبْتَ
العَسْكَرُ، ونَزَلَ النَّصْرُ، ووَلَّتِ الرُّومُ، واسْتَحَرَّ بهم القَتْلُ، وأُسِرَ طاغِيَتُهم
أرْمَانُوس، أَسَرَهُ مَمْلُوٌ وهَمَّ بِقَتْلِهِ ، فقال إفْرِنْجِيٍّ: لا لا، فهذا المَلِكُ وقَرَأْتُ بخَطِّ
القِقْطِيِّ أنَّ أَلْبَ آرسَلان بالَغَ في التَّضَرُّعِ والتَّذَلُّلِ، وأخْلَصَ للهِ وكَيْفِيَّةُ أَسْرِ الطَّاغُوتِ أنَّ
مَمْلُوكَاً وَجَدَ فَرَساً بِلِجَامِ مُجَوهَرٍ وسِرْجَ مُذَقَّب مع رَجُلٍ ، بينَ يَدَيْهِ مِغْفَرٌّ من الذَّهَبِ ،
ودِرْعٌ من الذَّهَبِ ، فهَمَّ الغُلامُ فأتى بهَ بينَ يَدَيّ السُّلطانِ، فقَنَّعَه بالمِفْرَعَةِ ، وقال :
ويُلَك! ألَمْ أبْعَثْ أطلُبُ مِنْكَ الهُدنَةَ ؟ فقال : دَعْنِي من الثَّبِيخ ، قال : ما كان عَزْمُك
لَو ظَفِرْتَ بِي؟ قال: كُلُّ قَبِيح قال: فما تُؤَمِّلُ وتَظُنُّ بِي؟ قالَ : القَتَّلُ أو تُشَهِّرُني في
بلادِك والثالثةُ بَعِيدَةٌ: العَقْوُ وَقَبُولُ الفِداءِ قال: ما عَزَمْتُ علىُ غَيرِها فاشْتَرَى نفسَه
بألفِ ألفِ دينارٍ وخَمسٍ مِئَةِ ألفِ دينارٍ ، وإِطْلاقِ كُلِّ أسِيرٍ في بلادِهِ ، فخَلَعَ عليهِ ،
وبَعَثَ معَه عُدَّةً وأعْطَاهُ نَفَقَةٌ تُوصلُه، وأمَّا الرُّومُ فَبَادَرُوا، ومَلَّكُوا آخَرَ ، فلمَّا قَرُبَ
أرْمانُوسُ ، شَعَرَ بزَوالِ مُلْكِهِ، فَلَبِسَ الصُّوفَ وتَرَّهَّبَ ، ثمَّ جَمَعَ ما وَصَلَتْ يُدُه إلیهِ
نَحْوَ ثلاثٍ مِئَةِ ألفِ دينارِ ، وبَعَثَ بها ، واعْتَذَرَ وكانت المَلْحَمَةُ فِي سَنَةِ ثلاثٍ
وسِتین .
وقد غَزَا بلادَ الرُّومِ مرَّتَيْن وافْتَتَحَ قِلاعاً ، وأَرْعَبَ المُلُوكَ ، ثمَّ سَارَ إِلَىْ أَصْبَهَانَ
وذَهبَ إلى شِيرازَ، ثمَّ عادَ إلى خُراسَانَ، وكادَ أنْ يَتَمَلَّكَ مِصْرَ .
ثُمَّ في سَنةِ خَمسٍ عَبَرَ السُّلطانُ بِجُوشِهِ نَهْرَ جَيْحُونَ ، وكانوا مِثَتَيّ ألفَ فارسٍ فَأَتِيَ
بِعِلْجِ يُقالُ له : يُوسُف الخَوَارِزْمِيّ كانت بيَدِهِ قَلَعَةٌ ، فَأَمَرَ أَنْ يُشْبَحَ في أَرْبَعَةِ أَوْتادٍ ،
فِصَاحَ: يا مُخَنَّثُ ؛ مِثْلِي يُقتَلُ هكذا؟ !! ، فاحْتَدَّ السُّلطانُ، وأخَذَ القَوْسَ ،
وقال: دَعُوهُ ورَمَاهُ فأخْطَأَهُ، فظَفَرَ (١) يُوسُفُ إلى السَّريرِ، فقامَ السُّلطانُ فعَثَرَ على
(١) ظَفَرَ : أي وثبَ في ارتفاع .
١٩٨

وجْهِهِ ، فبَرَكَ العِلْجُ على السُّلطانِ، وضَرَبَه بسَكِّينِ، وتَكاثَرَ المَماليكُ فهَّرُوهُ،
وماتَ منها الشُّلطانُ، وذلكَ سَنَةَ خَمسٍ وسِتِينَ وأرْبَع مِئَةٍ ، وله أرْبَعُونَ سَنةً(١).
وجاء في تَرَجَمَةِ المُعْتَمِدِ بنِ عَبَّادِ صاحِبِ الأَنْدَلُسِ قال الذهبيُّ : قال ابنُ خَلِّكان:
كان الأَذْفونشُ قد قَوِيَ أمْرهُ، وكانت المُلُوكُ بالأَنْدَلُسِ يُصالِحُونَه، ويَحْمِلُون إليه
ضَرَائِبَ، وأخَذَ طُلَيْطِلَةَ فِي سَنةِ ثمَانٍ وسَبعِين بعد حِصارٍ شَديدٍ من القَادِرِ بنِ ذي
النُّونِ ، فكانَ ذلكَ أوَّلَ وَهْنٍ دَخَلَ من الفِرَنْجِ على المُسلِمِين ، وكان المُعْتَمِدُ بنُ عَبَّاد
يُؤَدِّي إليه، فلمَّا تَمَكَّنَ لَمْ يَقْبَلِ الضَّرِيبَةَ وَتَهَدَّدَه، وطَلَبَ منه أنْ يُسَلِّمَ حُصُوناً ،
فضَرَبَ الرسُولَ وقَتَلَ مَنْ مَعَه ، فَتَحَرَّكَ اللَّعِينُ، واجْتَمَعَ العُلمَاءُ واتَّفَقُوا على أنْ
يُكاتِبُوا الأميرَ أبا يَعْقُوبَ بنَ تاشِفِينَ صاحِبٍ مَرَّاكُش ليُنْجِدَهم ، فعَبَرَ ابنُ تاشِفين
بِجُيُوشِه إلى الجَزِيرَة ، ثمَّ اجْتَمَعَ بالمُعْتَمِدِ ، وأقْبَلَتِ المُطَّوِّعَةُ من النَّواحِي، وَرَكِبَ
الأَذْفونُش في أرْبَعِينَ ألفَ فارسٍ ، وكَتَبَ إلى ابنِ تاشِفين يَتَهَذَّدُه ، فَكَتَبَ فِي ظَهْرِ
كِتَابِهِ: ((الذِي يَكُونُ سَتَراه )) ثمَّ الْتَّقَى الجَمْعَانِ واصْطَدَمَ الجَبَلانِ بالزَّلاَقَةِ من أرْضِ
بَطَلْيَوْس(٢) فانْهَزَمَ الكَلْبُ، واسْتُؤْصِلَ جَمْعُه، وقَلَّ مَنْ نَجَا فِي رَمَضَانَ سَنة تِسْعِ
وسَبِعِين، وجُرِحَ المُعْتَمِدُ في بَدَنِهِ ووَجْهِه ، وشُهِدَ له بالشَّجَاعَةِ والإِقْدَامِ ، وغَنِمَ
المُسْلِمون ما لا يُوصَفُ، وغَدَا(٣) ابنُ تاشِفين (٤).
وقال الذهبيُّ : وفي سَنةِ خَمْسِمِتَة وثلاثٍ وأرْبَعِينَ جاءَتْ ثَلاثَةُ مُلُوكٍ من الفِرَنْج إلى
القُدْسِ، منهُم طَاغِيَةُ الأَلْمانِ، وصَلَّوْا صَلاة المَوتِ، وفَرَّقُوا علىُ جُندِهم سَبعَ مِنَةِ
ألفِ دينارٍ، فَلَمْ يَشْعُرْ بهم أهلُ دِمَشْقَ إلاَّ وقد صَبَّحُوهم في عَشْرَةِ آلافٍ فارسٍ وسِتِينَ
ألفِ رَجْلٍ ، فَخَرَجَ المُسلِمُونَ فارِسُهُم وراحِلُهُم، والْتَّقَوا ، فاسْتُشْهِدَ نَحوَ المِئْتَيْنِ ،
مِنْهُم الفَنْدَلاوِيُّ، وعبدُ الرَّحمَنِ الحَلْجُولِيّ، ثمَّ اقْتَتَلُوا من الغَدِ، وقُتِلَ خَلْقٌ من
(١) انظر السير: ( ألب آرسلان) ٤١٤/١٨-٤١٨، وانظر النزهة: ٥/١٤٢٦.
(٢) مدينة كبيرة بالأندلس ، تقع على الحدود الشرقية للبرتغال ، كانت عاصمة بني الأفطس التجيبيين في
عهد ملوك الطوائف .
(٣) أي رجع إلى بلاده.
(٤) انظر السير: (المعتمد بن عباد) ٥٨/١٩-٦٧، وانظر النزهة: ١/١٤٥٨.
١٩٩

الفِرَنْجِ ، فلمَّا كان خامِسُ يومٍ وَصَلَ من الجَزِيرَةِ غَازِي ابنُ زِنْكِي في عِشْرينَ ألفاً ،
وتَبَعَهُ أَخُوهُ نُورُ الدِّينِ وكان الضَّحِيجُ والدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ بِدِمَشْقَ لا يُعَبَّرُ عنه، ووَضَعُوا
المُصْحَفَ العُثْمَانِيَّ في صَحْنِ الجَامِعِ ، وكان قِسِّيسُ اَلعَدُوِّ قال وعَدَنِي المَسِيحُ بأخْذِ
دِمَشْقَ، فحقُّوا به ورَكِبَ حِمَارَه وفي يدِهِ الصَّلِيبُ، فشَدَّ عليه الدَّماشِقَةُ، فقَتَلُوهُ ،
وقَتَلُوا حِمَارَه، وجاءَتِ النَّجَدَاتُ، فَانْهَزَمَ الفِرَنْجُ(١) .
وقال الذهبيُّ : وفي سَنةِ خَمسٍ وثمَانِينَ غَزَا صاحِبُ المَغرِبِ السُّلطانُ يَعْقُوبُ بنُ
يُوسُفَ الفِرَنْجَ ، ثمَّ رَجَعَ ، فمَرِضَ، وتَكَلَّمَ أخُوهُ أبو يَحْيَى في المُلكِ ، فلمَّا عُوفِيَ
قَتَلَهُ ، وَتَهَدَّدَ القَرَابَةَ(٢) .
وفي سَنةِ تسْعِينَ انْتَقَضَتْ الهُدنَةُ، فَتَجَهَّزَ، وعَرَضَ جُيوشَه بإِشْبِيليةَ، وأَنْفَقَ
الأموالَ ، فَقَصَدَهُ الْفُنْشُ فالْتَقَوْا، وكان النَّصرُ عَزِيزاً ، ما نَجَا الْفُنْشُ إلاَّ فِي شُرَيْدِمَةٍ ،
واسْتُشْهِدَ من الكِبارِ جَماعَةٌ ، واسْتَوْلَى يَعْقُوبُ علىْ قِلاع، ونَازَلَ طُلَيْطِلَةَ، ثمَّ رَجَعَ ،
ثُمَّ غَزَا ووَغَّلَ ، بحيثُ انْتُهى إلى أرْضٍ ما وَصَلَتْ إليها المُلوكُ، فطَلَبَ الْفُنْشُ
المُهَادَنَةَ، فَعُقِدَتْ عَشْراً، ثمَّ رَدَّ الشُّلطانُ إلى مرّاكُشَ بعد سَنَتَيْنِ ، وصَرَّحَ بِقَصْدِ
مِصْرَ .
وكان يَتَوَلَّى الصَّلاةَ بنفسِه أشْهُراً، فَتَعَوَّقَ يوماً، ثمَّ خَرَجَ، وهم يَنْتَظِرُونَه،
فلامَهُم ، وقال : قد قَدَّمَ الصَّحابةُ عبد الرَّحمنِ ابنَ عَوْفٍ للعُذْرِ ، ثمَّ قَرَّرَ إِمَاماً عنه ،
وكان يَجْلِسُ للحُكْمِ ، حتى اخْتَصَمَ إليه اثنانِ فِي نِصْفِ (٣)، فقَضَىْ، ثمَّ أدَّبَهُما،
وقال : أمَا كان في البَلَدِ ◌ُگّامٌ
وكان يَجْمَعُ الأنْتَامَ في العَامِ ، فَيَأْمُرُ للصَّبِيِّ بدينارٍ وَثَوبٍ وَرَغِيفٍ ورُمَّانِةٍ(٤) .
وقال الذهبيُّ : وفي سَنةِ إحْدَىُ وتِسعِينَ كانت بالأَنْدَلُسِ المَلْحَمَةُ العُظْمَىْ، وَقْعَةُ
(١) انظر السير: (المقتفي لأمر الله) ٣٩٩/٢٠ -٤١٢، وانظر النزهة: ٤/١٥٦٨.
(٢) انظر السير: (صاحب المغرب) ٣١١/٢١-٣١٩، وانظر النزهة: ١/١٦٢٧.
(٣) يعني في نصف درهم.
(٤) انظر السير: (صاحب المغرب) ٣١١/٢١-٣١٩، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٧.
٢٠٠