Indexed OCR Text

Pages 161-180

ووَاعدَني بِقُرْبِ الانْتِصارِ
حبَاني مالِكي بدَوامٍ عِزّ
وقالَ : انْعَمْ بعَيْشٍ في جِواري
وقَرَّبَتي وأَدْناني إليه
ونَزَلَتِ التَّتَارُ علىَ خَوَارِزْمَ فِي سَنَةٍ ثَمانِي عشرة وسِتٌّ مِئَة فخَرَجَ الإمَامُ نَجْمُ الدِّين
الكُبْرَى فِيمَنْ خَرَجَ للجِهَادِ ، فقَاتَلُوا على بابِ البَلَدِ حتى قُتِلُوا رَضِيَ اللهُ عنهم ، وقُتْلَ
الشَّيْخُ وهو في عَشْرِ الثَّمَانِين .
وفي كلامِه شيءٌ من تَصَوُّفِ الحِكْمَةِ(١) .
١٨ - الأُمَرَاءُ المُجَاهِدون :
قُتِلَ أبو المَلِكِ النَّاصِرِ الدينِ الله شاباً وعُمْرُ النَّاصِر لدينِ الله عِشْرُونَ يوماً ، فَكَفَلَه
جَدُّهُ ، فلمَّا ماتَ جَدُّهُ ، بُوِيعَ هذا سَنَّةَ ثلاثٍ مِئَة مع وُجُودِ الأكَابِرِ من أعْمَامِه وأعْمام
أبِيهِ ، فوَلِيَ وعُمْرُه اثْنَتَانِ وعِشْرُونَ سَنةً، فضَبَطَ المَمَالِكَ، وخافَتْهُ الأعْداءُ، وعَمِلَّ
الزَّهْراءَ على بَرِيدٍ (٢) من قُرطُبَة، فَشَيَّدَها وزَخْرَفَها، وأنْفَقَ عليها قَنَاطِيرَ من الذَّهَبِ ،
وكان لا يَمَلُّ من الغَزْوِ ، فيه سُؤْدُدٌ وحَزْمٌ وإِقْدَامٌ ، وسَجَايا حَمِيدَةٌ .
وقد تُؤُنِّيَ النَّاصِرُ قبلَ تَتِمَّةِ زَخْرَفَةِ مدينَةِ الزَّهْراءِ ، فأَتَمَّها ابنُه المُسْتَنْصِرُ ، وبها
جامِعٌ عَدِيمُ المِثْلِ ، وكَذَا مَنَارَتُه(٣) .
وافْتَتَحَ النَّاصِرُ لِدِينِ الله ( صاحبُ الأنْدَلُسِ ) سَبعِينَ حِصْناً من أعْظَمِ الحُصُونِ ،
وقد مَدَحَتْه الشُّعَرَاءُ .
قال الإمامُ الذَّهَبِيُّ : تُوفِيَ سَنَةَ خَمسِين وثلاثٍ مِئة وله اثنَتَانِ وسَبعُون عاماً
رَحِمَهُ الله (٤) .
قال الذَّهَبِيُّ : وقد كُنتُ ذَكَرتُ تَرجَمَتَه مع جَدِّهم، فأَعَدْتُها بزَوائِدَ وفَوَائِدَ ، وإذا
(١) انظر السير: (نجم الدين الكُبرى) ١١١/٢٢ - ١١٤، وانظر النزهة: ٢/١٦٧٠.
(٢)
البريد اثنا عشر ميلاً .
انظر السير : (صاحب الأندلس ) ٥٦٢/١٥-٥٦٤°، وانظر النزهة: ٦/١٢٥٨.
(٣)
(٤) انظر السير: (صاحب الأندلس) ١٥/ ٥٦٢- ٥٦٤، وانظر النزهة: ١/١٢٥٩.
١٦١

كانَ الرَّأسُ عَالِيَ الهِمَّةِ في الجِهَادِ ، احْتُمِلَتْ له هَنَاتٌ، وحِسَابُه على الله أمَّا إذا أمَاتَ
الجِهَادَ، وظَلَمَ العِبَادَ، وللخَزَائِنِ أَبَادَ ، فإنَّ رَبَّكَ لبالمِرْصَادِ(١) .
وجاءَ في تَرَجَمَةِ سَيْفِ الدَّولَة ، قال الذَّهَبِيُّ: أبو الحَسَنْ عليُّ ابنُ عبدِ الله ابنِ
حَمْدان ، صاحِبُ حَلَبْ ، مَقْصِدُ الوُفُودِ، وكَعْبَةُ الجُودِ ، وفارِسُ الإسْلامِ ، وحامِلُ
لِواءِ الجِهَادِ كان أدِيِبَاً مَلِيحَ النَظْمِ ، فيه تَشَيُّع (٢) .
ويُقالُ: تَمَّ له من الرُّومِ أرْبَعُونَ وَقْعَةً ، أكثَرُها يَنْصُرُهُ اللهُ عَلَيْهِم(٣) .
وتُوفِّيَتْ أخْتُ سَيْفِ الدَّولَةِ فخَلَّفَتْ له خَمسَ مِئَةِ ألف دينار ، فافْتَكَّ بها جَمِيعَ
الأَسْرَىُ (٤).
وكان مَوْلِدُهُ فِي سَنةِ إحْدَى وثلاثٍ مِئَة ، وله غَزْوٌ ما اتَّفَقَ لمَلِكِ غَيْرُه ، وكان
يُضْرَبُ بِشَجَاعَتِهِ المَثَلُ ، وله وَقْعٌ في النُّقُوسِ ، فاللهُ يَرْحَمُهُ(٥) .
ماتَ بالفَالِجِ ، وقِيلَ : بِعُسْرِ البَوْلِ ، سَنَ سِتِّ وخَمسِين ، وكان قد جَمَعَ من الغُبارِ
الذي يَقَعُ عليه وقْتَ المصافات قدرَ الكَفِّ ، وأَوْصَى أن يُوضَعَ على خَدِّه وكانت دولَتُه
نَّاً وعِشْرين سَنةً(٦) .
قال الذهبيُّ : كان ابنُ أبي عامر بطلاً شُجاعاً ، حازِماً ، سائساً ، غَزَّاءً ، عالماً ،
جَمَّ المَحاسِنِ ، كَثيرَ الفُتوحات ، عاليَ الهِمَّة ، عَديمَ النَّظير .
دامَ في المملكة نَّفاً وعشرين سنة ، ودانَت له الجَزيرة(٧) وأمنت به (٨).
وقد غَزَا أبو عَامِر ( الملكُ المَنْصُورُ) في مُدَّتِهِ نَّفاً وخمسينَ غَزْوَةً ، وكَثُرَ السَّبْيُ
انظر السير : ( صاحب الأندلس) ١٥/ ٥٦٢ - ٥٦٤، وانظر النزهة: ٢/١٢٥٩.
(١)
انظر السير: ( سيف الدولة) ١٦/ ١٨٧-١٨٩، وانظر النزهة: ٤/١٢٨٢.
(٢)
(٣)
انظر السير: ( سيف الدولة) ١٦/ ١٨٧-١٨٩، وانظر النزهة: ٦/١٢٨٢.
انظر السير: ( سيف الدولة) ١٦/ ١٨٧ -١٨٩، وانظر النزهة: ٨/١٢٨٢.
(٤)
انظر السير: ( سيف الدولة) ١٦ /١٨٧-١٨٩، وانظر النزهة: ٩/٢٨٢١.
(٥)
انظر السير: ( سيف الدولة) ١٦/ ١٨٧ -١٨٩، وانظر النزهة: ١/١٢٨٣.
(٦)
(٧)
يعني بلاد الأندلس .
انظر السير: ( ابن أبي عامر) ١٥/١٧ -١٦، وانظر النزهة: ١/١٣٢٠.
(٨)
١٦٢

حتى لأُبِيعَتْ بنتُ عَظِيمٍ ذاتِ حُسْنٍ بِعِشْرِينَ ديناراً، ولقد جُمِعَ من غُبارِ غَزَوَاتِه
ما عُمِلَتْ منه لَبِنَةٌ، وأُلْحِدَتْ على خَدِّه، أو ذُرَّ ذلك علىْ كَفَتِهِ(١).
تُوفِّيَ ابنُ أبي عامِر بأقْصَى التُّغُورِ ، سنةَ ثلاثٍ وتسعينَ وثلاثٍ مِئَة ، وكان جَوَاداً
مُمَذَّحاً مِعْطَاءَا(٢) .
ومن مَفَاخِرِ المَنْصُورِ حاجِب صاحِب الأنْدَلُسِ ( هِشَامِ بنِ المُؤَيَّدِ ) أنَّ قَدِمَ من
غَزْوَةٍ ، فَتَعَرَّضَتْ له امرأةٌ عند القصرِ ، فقالت: يا مَنصُورًا يَفْرَحُ النَّاسُ وأنكِي ؟! إنَّ
ابْنِي أَسِيرٌ في بلادِ الرُّومِ فَثَنِى عَنَانَه وأَمَرَ النَّاسَ بِغَزْوِ الجِهَةِ التي فيها ابنُهَا (٣).
وقد عَصَاهُ مرةً وَلَدٌ له، فهَرَبَ، ولَجَأَ إلى مَلِكِ سَمّورة ، فَغَزَاها المَنصُورُ
وحاصَرَها ، وحَلَفَ ألَّ يرْحَلَ إلَّ بابِهِ، فسَلَّمُوهُ إليه، فَأَمَرَ بقَتْلِهِ ، فَقُتِلَ بِقُرْبٍ
سَمّورة(٤) .
ومن رُجْلَةِ المَنصُورِ : أنَّه أُحِيطَ به في مدينة فُتَة، فَرَمَى بنفسِه من أَعْلَى جَبَلِها ،
وصَارَ في عَسْكَرِهِ، فَبَقِيَ مُفْدَعَ(٥) القَدَمَيْنِ لا يَركَبُ، إنَّما يُصنَعُ له مَحْمَلٌ علىُ بَغْلِ
يُقَادُ به في سَبْعِ غَزَوَاتٍ وهو بِضْعَةُ لَحمٍ ، فَانْظُر إلى هذه الهِمَّة العَلِيَّة والشَّجَاعَةِ
الزَائِدَةِ(٦).
وجاءَ في تَرَجَمَةِ السُّلطانِ ، قال الذهبيُّ: المَلِكُ يَمِينُ الدَّولَةِ ، فاتِحُ الهِنْدِ ،
أبو القَاسِمِ ، مَحمُودُ بنُ سَيِّدِ الأُمَرَاءِ ، ناصِرُ الدَّولَةِ سُبُكْتِكِين ، التُّركِيُّ، صاحِبُ
خُراسَان والهِنْد وغير ذلك .
فَرَضَ على نَفْسِهِ كُلَّ سَنَةٍ غَزْوَ الهِنْدِ ، فاقْتَتَحَ بلاداً شاسِعَةً .
(١) انظر السير: (ابن أبي عامر) ١٥/١٧-١٦، وانظر النزهة: ٣/١٣٢٠.
(٢)
انظر السير: ( ابن أبي عامر) ١٥/١٧-١٦، وانظر النزهة: ٤/١٣٢٠.
(٣)
انظر السير : (هِشَام المُؤَيَّد بالله) ١٧/ ١٢٣ -١٣٣، وانظر النزهة : ١/١٣٢٧.
(٤)
انظر السير: (هِشَام المُؤَيَّد بالله) ١٢٣/١٧ - ١٣٣، وانظر النزهة : ٢/١٣٢٧.
الفدع مُحرّكة : عِوج وميل في المفاصل قد زالت عن مواضعها ، لا يُستطاع بسطها معه ، وأكثر
(٥)
ما يكون في الرسغ من اليد والقدم .
(٦) انظر السير: (هِشَام المُؤَيَّد بالله) ١٢٣/١٧ -١٣٣، وانظر النزهة: ٣/١٣٢٧.
١٦٣

وكان الشُّلطانُ مائِلاً إلى الأثَرِ إلاَّ أنَّه من الكرّاميّة(١).
وقال عبدُ الغَافِرِ الفَارِسيُّ في ترجَمَةِ مَحمُود سبكتكين : كان صادِقَ النِيّة في إعْلاء
الدين ، مُظَفَّراً كثيرَ الغَزْوِ، وكان ذَكيَّا بَعِيدَ الغَوْر، صائِبَ الرأيِّ، وكان مَجْلسُه مَوْرِدَ
العُلماء وقَبْرُه بِغَزْنَة يُزارُ .
مَولِدُ مَحمُود في إحْدَى وستِين وثلاث مِئَة ، ومات بغَزْنة سنةَ إِحْدَىُ وعِشْرين
وأرْبع مِئَة (٢).
وكانت غَزَواتُ السُّلطانِ مَحْمودٍ مَشْهُورةً عَدِيدً وفُتُوحاتُه المُبتَكَرَة عظِيمٌ(٣) .
وبَلَغَ الشُّلطانَ أنَّ الهُنودَ قالوا: أَخْرَبَ أكْثرَ بلادِ الهِنْدِ غَضَبُ الصَّنَمِ الكبيرِ سُومَنات
على سائِرِ الأصْنامِ ومَنْ حَوْلَها ، فعَزَمَ على غَزْوِ هذا الوَثَنَ ، وسَارَ يَطْوِي الْقِفَارَ في
جَيشِه إليه، وكانَوا يقُولونَ : إِنَّه يَرْزُقُ ويُحْيِي ويُميتُ ويَسْمَعُ ويَعِي، يَحُجُّون إليه
ويُتْحِفُونَه بالنَّغَائِس، ويَتَغَازَلُون فيه كثيراً، فَتَجَمَّعَ عند هذا مالٌ يَتَجَاوَزُ الوَصْفَ ،
وكانوا يَغْسِلُونَه كلَّ يومٍ بماءٍ وعَسَلٍ ولَبَن ، ويَنْقُلُونَ إليه الماءَ من نَهْرِ حيل مَسِيرَةً
شَهرٍ ، وثلاثُ مِئَةٍ يَحْلِقُونَ رُؤُوسَ حُجَّاجِه ولِحَاهُم ، وثلاثُ مِئَةٍ يُغَنُّونَ فسَارَ الجَيشُ
من غَزْنة، وقَطَعُوا مَفَازَةً صَعبَةً وكانوا ثلاثينَ ألفَ فارسٍ وخَلْقاً من الرَّجَّالَةِ
والمُطَوِّعَة ، وقَوَّى المُطَّوِّعَةَ بِخَمْسِينَ ألفَ دينارٍ ، وأَنْفَقَ في الجَيْشِ فَوقَ الكِفَايَةِ ،
وارْتَحَلَ من المُليا ثانِيَ يوم الفِطْرِ سنةَ ٤١٦ هـ، وقاسُوا مَشَاقَّ وبَقُوا لا يَجِدُونَ الماءَ
إلاَّ بعدَ ثلاثٍ، غَطَّاهُم في يومٍ ضَبَابٌ عظيمٌ، فقالت الكَفَرَةُ : هذا من فِعْلِ الإلَهِ
سُومَنات .
ثمَّ نازَلَ مدينةَ أَنْهَلْوَارَة، وهَرَبَ مِلِكُها إلىْ جَزِيرَةٍ، فَأَخْرَبَ المُسلمُونَ بِلَدَه ،
ودَكُوها ، وبينَها وبَيْنَ الصَّنَمِ مَسِيرَةَ شَهِرٍ فِي مَفَاوِزَ ، فسَارُوا حتى نَازَلُوا مدينةً
انظر السير : (السلطان) ٤٨٣/١٧-٤٩٥، وانظر النزهة: ١/١٣٥٢.
(١)
انظر السير : (السلطان) ١٧/ ٤٨٣-٤٩٥، وانظر النزهة: ١/١٣٥٣.
(٢)
انظر السير: (السلطان) ١٧/ ٤٨٣-٤٩٥، وانظر النزهة: ٢/١٣٥٣.
(٣)
١٦٤

دَبُولوارة ، وهي قَبْلَ الصَّنَمِ بَيَوْمَيْن، فَأُخِذَت عُنْوَةً، وكُسِرَتْ أصْنَامُهَا، وهي كثيرةٌ
الفَوَاكِه، ثمَّ نَازَلُوا سُومَنات في رابعٍ عَشَرَ ذي القِعِدَة ، ولها قَلْعَةٌ مَنِيعَةٌ على البحرِ ،
فوَقَعَ الحِصَارُ فِنُصِبَتِ السَّلَالِمُ عليها، فهَرَبَ المُقاتِلَةُ إلى الصَّنَمِ وتَضَرَّعُوا له ، واشْتَدَّ
الحالُ وهم يَظُنُّون أنَّ الصَّنَمَ قد غَضِبَ عليهم ، وكان في بيتٍ عظِيمٍ مَنِيعٍ على أبْوَابِهِ
السُّتُورُ الدِّيْبَاجُ وعلى الصَّنَمِ من الحُلِيِّ والجَوَاهِرِ ما لا يُوصَف والقَنَادِيلُ تُضِيءُ ليلاً
ونهاراً، علىَ رَأسِه تاجٌ لا يُقَوَّمُ ، يَنْدَهِشُ منه النَّاظِرُ ويَجْتَمِعُ عندَه في عِيدِهم نَحْوَ مِنَةِ
ألفِ كافٍ ، وهو على عَرْشٍ بَدِيعِ الزَّخْرَفَةِ عُلُوَّ خَمسةٍ أَذْرُعٍ، وطُولُ الصَّنَمِ عَشْرَةَ
أذْرُعٍ ، وله بَيْتُ مالٍ فيه من النَّفَائِسِ والذَّهَبِ ما لا يُحْصَى، فَفَرَّقَ مَحمُودٌ في الجُنْدِ
مُعْظَمَ ذلك ، وزَعْزَعَ الصَّنَمَ بالمَعَاوِلِ ، فخَرَّ صَرِيعاً، وكانت فِرِقَةٌ تَعْتَقِدُ أنَّه مَنَاتْ ،
وأنَّه تَحَوَّلَ بنفسِه في أيَّامِ النُُّوَّةِ من سَاحِلِ جُدَّة، وحَصَلَ بهذا المَكَان لِيُقْصَدَ ويُحَجَّ
إليه مُعَارَضَةً للكَعْبَةِ ، فَلَمَّا رَآهُ الكُفَّارُ صَرِيعاً مَهِينَاً، تَحَسَّرُوا وسُقِطَ في أيدِيهِم ، ثمَّ
أُحْرِقَ حتىْ صَارَ كلساً ، وأُلُقِيَت النِّيرَانُ فِي قُصُورِ القَلْعَة، وقُتِلَ بها خَمسُونَ ألفاً، ثمَّ
سارَ مَحمُودٌ لأَسْرِ المَلِكِ بهيم ، ودَخَلُوا بالمَرَاكِبِ ، فَهَرَبَ ، وافْتَتَحَ مَحمُودٌ عِدَّةَ
حُصُونٍ ومَدَائِنَ ، وعادَ إلى غَزْنَةَ فَدَخَلَها في ثامِنٍ صَفَرَ سَنَّةَ سَبْعَ عَشْرَةَ ، ودَانَتْ له
المُلُودُ، فكانت مُدَّةُ الغَيْبَةِ مِئَةً وثلاثَةً وستِّينَ يوماً
وقد خُطِبَ له بالغُورِ وبخُراسَان والسِّنْدِ والهِنْدِ وناحِيَّةَ خَوَارِزْم وبَلْخ ، وهي من
خُرَاسَان، وبجُرجان وطَبَرِسْتَان والرَّيِّ والجِبَال، وأصْبَهَان وأذْرَبِيجان وهَمَذَان
وأَرْمِينيَة .
وكان مُكْرِماً لأُمَرَائِهِ وأصْحابِهِ ، وإِذا نَقَمَ عَاجَل ، وكان لا يَفْتُرُ ولا يَكَادُ يَقِرُ وكان
يَعْتَقِدُ في الخَلِيفَةِ، ويَخْضَعُ لجَلالِهِ، ويَحْمِلُ إليه قَنَاطِيرٌ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وكان
إِلْباً على القَرَامِطَة والإِسْمَاعِيلِيَّةِ وعلى المُتَكَلِّمين ، على بِدْعَةٍ فيه فيما قَبْلِ ، ويَغْضَبُ
للكرّاميّة، وتَصَرُّفه على الأخْلاقِ الزَّكيَّة، وكان فيه شِدَّةُ وَطْأةٍ على الرَّعِيَّة ، ولكن
كانوا في أَمْنٍ وإِقامَة سِياسَة .
وقال مَحمُودٌ يوماً للأميرِ أبي طاهِرِ السَّامانيّ : كَمْ جَمَعَ آبَاؤُكُ من الجَوْهَرِ ؟ قال :
١٦٥

سَمعتُ أنَّه كان عند الأميرِ الرَّضي سَبْعَةُ أرْطالٍ فسَجَدَ شُكراً وقال : أنا في خِزَانَتِي
سَبْعُون رَطْلاً(١).
كان المُظَفَّرُ بنُ الأفْطس رأساً في العِلْمِ والأدَبِ والشَّجَاعَة والرَّأيّ، فكان مُنَاغِرَاً(٢)
اللُّومِ شَجَىَ في خُلُوقِهِم، لا يُنَفِّسُ لهم مَخْتَقَاً ولا يُوجِدُ لهم إلى الظُّهُورِ عَلَيْه
مُؤْتَقَىَ ، وله آدابٌ تُغيرُ سَرَايَاها ، فَتَسْبِي عَذَارَى مَعَانٍ لا تَعْشِقُ المَحَامِدَ إلاَّ إِيَّاها ،
ألفَاظُ كالزِّلْزال ، وأغْراضٌ أبعدُ من الهِلَال ، رائِقُ النَّظْمِ ذَكيُّ النُّورِ رَصِيفُ المَعَانِي ،
شاهِقُ الغَورِ ، وله تأليفٌ كبيرٌ في الآدابِ على هيْئَةِ ((عُون الأخْبار)) لابنِ قُتَنْبَة ، يكون
عَشرَ مُجَلَّدات ، ومن نَثْرِه - وقد غَنِمَ بلادَ شلمنكة وهي مُجاوِرَتُه ، فكتَبَ إلى المُعْتَمِد
بالله يَفْخَرُ، ويُنَكِّتُ عليه بمُسالَمَتِهِ للُّومِ، فِقِيلَ: إنَّه حَصَّلَ من هذه الغَزْوَةِ ألفَ
جارِيةٍ حَسْناءَ من بَنَاتِ الأصْفَر - : مَنْ يَصِدْ صَيْداً فَلْيَصِدْ كَمَا صَيْدِي، صَيْدِي الغَزَالَةُ
من مَرَابِضِ الأسَدِ أيُّها المَلِكُ إنَّ الرُّومَ إذا لَمْ تُغْزَ غَزَتْ، ولَوْ تَعَاقَدنا تَعَاقُدَ الأَوْلِياءِ
المُخْلِصِين فَلَلْنا حَذَّهم وأذْلَلْنا جَدَّهم(٣)، ورأيُ السيِّدِ المُعتَمِدِ على الله سِراجٌ تُضِيءُ
به ظُلُماتِ المُنَی .
وللمُظَفَّرِ تَفْسِيرٌ للقُرآنِ، وكان مع اسْتَغْراقِه في الجِهَادِ لا يَفْتُرُ عن العِلْمِ ، ولا يَتْرُكُ
العَدلَ (٤).
وكان كاتبُهُ الوَزِيرُ أبو مُحمَّد عبدُ الله بنُ النَّحويّ أحَدَ البُلَغَاءِ فكتب أذفونش -
لعَنَهُ الله - يُرْعِدُ ويُبْرِقُ، فَأَجَابَ: وصَلَ إلى المَلِكِ المُظَفَّرِ من عَظيمِ الرُّومِ كتابُ مُدَّعِ
في المَقَادِيرِ ، يُرْعِدُ ويُبْرِقُ ، ويَجمَعُ تارةً ويُفَرِّقُ تارةً، ويُهدِّدُ بالجُنُودِ الوَافِرَةِ ، ولَمَّ
يَدْرِ أنَّ لله جُنُوداً أعَزَّ بهم الإسْلامَ، وأظْهَرَ بهم دينَ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم ،
يُجَاهِدُون في سَبيلِ الله، ولا يَخافُونَ في الله لَوْمَةَ لائِمٍ ، فأمَّا تَعْبِيرُك للمُسلمينَ فيما
انظر السير: ( السلطان) ٤٨٣/١٧- ٤٩٥، وانظر النزهة: ٣/١٣٥٣.
(١)
(٢)
أي مُغيظاً لهم .
(٣)
الجدُّ : الجَلالُ والعظمة .
(٤) انظر السير: (المُظفّر بن الأفطس) ٥٩٤/١٨-٥٩٧، وانظر النزهة: ١/١٤٤٦.
١٦٦

وَهَنَ من أحْوَالِهِم، فبالدُّنوبِ المَركُوبَةِ، والفِرَقِ المَنْكُوبَة ، ولو اتَّفَقَتْ كلمَتُنَا عَلمتَ
أيَّ صائبٍ أَذَقْناكَ ، كما كانت آبَاؤُك مع آبائِنا ، وبالأمْس كانت قَطيعَةُ المَنْصُورِ على
سَلَفِك ، أهْدَى ابَتَه إليه ، مع الذَّخائِرِ التي كانت تَفِدُ في كلِّ عامِ عليه ، ونحنُ فإن
قَلَّتْ أعْدادُنا ، وعُدِمَ من المَخْلُوقِينِ اسْتَمْدادُنا فما بَيْنَنَا وَبَيْنَكِ بَحرٌ تُبْصِرُه في يَومِك ،
وبالله وملائِكَتِهِ نَتَقَوَّى عَليْك، ليْسَ لنا سِواهُ مَطْلَبٌ ، ولا إلى غَيرِهِ مَهْرَبٌ ، وهل
تَرَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الحُسْنَيْنِ : شَهَادةٌ ، أو نَصْرٌ عَزِيزٌ .
ولمَّا تُوفِّيَ المُظَفَّرُ بعد السبعِينَ وأربع مِئَةٍ أو قبلَها، قامَ في المُلْكِ بعدَه وَلَدُهُ
المُلَقَّبُ بالمُتَوَكِّلِ على الله أبو خَفْصِ عُمَرُ ابنُ الأَفْطَسِ صاحِبُ بَطَلْيَوس ويابُرة وشَنْتُرِين
وأَشْبُونَةَ فكان نَحْواً من أبيه في الشَّجاعَةِ والبَرَاعَةِ والأدَبِ والبَلاغَةِ فبَقِيَ إلى أن قَتَلَه
المُرابِطُون جُندُ يُوسُفَ بنَ تاشفينَ صَبراً، وقَتَلوا مَعَه ولَدَيْهِ الفَضْلَ وعَبَّاساً، في سنةٍ
خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وأربعٍ مِنَة ، إذ اسْتَولَوا على الأنْدَلُسِ(١).
وكان نُورُ الدِّينِ زِنْكِي بَطَلاًّ شُجَاعَاً وافِرَ الهَيْبَة، حَسَنَ الرَّمِيِّ، مَلِيحَ الشَّكْلِ ، ذا
تَعَبُّد وخَوْف ووَرَع ، وكان يَتَعرَّضُ للشَّهَادَةِ ، سَمِعَه كاتِبُه أبو اليُسْرِ يَسْألُ الله أنْ يُحْشَرَ
من بُطُونِ السِّباعِ وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ .
وبنىْ دَارَ العَدْلِ، وأَنْصَفَ الرَّعِيَّة، ووَقَفَ على الضُعَفَاءِ والأيتام والمُجاوِرِين وأَمَرَ
بَتَكْميل سُورِ المدينة النَّبَويَّة، واسْتَخْرَاجِ العَيْن بأُحد دَفَنَهَا السَّيْلُ، وفَتَحَ دَرْبَ
الحِجَاز، وعَمَّر الخَوَانِقِ والرُّبُطَ والجُسُورَ وَالخاناتِ بِدِمَشْقَ وغيرها وكذا فعل إذْ مَلَكَ
حَرَّانَ وسنْجَارَ والرُّها والرَّقَّة ومَنْبج وشَيْزَر وحِمْصَ وحَمَاة وصَرْخَدٍ وبَعْلِبَكَّ وَتَدْمُرَ
ووَقَفَ كُتُباً كثيرةً مُثَمَّنَةٍ، وكَسَرَ الفِرِنْجَ والأَرْمَنَ على حارِم وكانوا ثلاثين ألفاً فقَلَّ مَنْ
نَجًا ، وعلى بانياس (٢) .
وكانت الفِرِنْجُ قد استضَرَّتْ على دِمَشقَ ، وجعلوا عليها قطيعةً، وأتاهُ أميرُ
الجُيُوشِ شَاوَرُ مُستَجِيراً به ، فأكْرَمَه ، وبَعَثَ معه جَيشاً ليُرَدَّ إلى مَنْصِبِه، فانتَصَرَ ،
(١) انظر السير: (المُظفَّر بن الأفطس) ٥٩٤/١٨-٥٩٧، وانظر النزهة: ٢/١٤٤٦.
(٢) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ١/١٥٨٠.
١٦٧

لكنَّه تَخَابَثَ وتَلاثَمَ، ثم استنجَدَ بالفِرِنْجِ ، ثم جَهَّزَ نورُ الدين رحِمَه الله جَيشاً لَجِباً مع
نائِه أسَدِ الدين شِيركُوه ، فافتَتَحَ مِصرَ ، وقَهَرَ دولتَها الرَّافِضِيَّة ، وهَرَبَتْ منه الفِرِنْجُ ،
وقُتِلَ شَاوَرُ وصَفَتِ الدِّيارُ المِصْرِيَّة لشِيركُوه نائبٍ نورِ الدين ، ثم لصَلاحِ الدين ، فأبَادَ
العُبَيْدِيِينَ واسْتَأَصَلَهم، وأقَامَ الدَّعوةَ العَبَّاسِيَّة .
وكان نورُ الدِّينِ مَلِيحَ الخَطِّ ، كثيرَ المُطالَعَةِ ، يُصَلِّي فِي جَماعَةٍ ويَصُومُ ويَتْلُو
ويُسَبِّحُ، ويَتَحَرَّى في القُوتِ ويَتَجَنَّبُ الكِبرَ، ويَتَشَبَّه بالعُلمَاءِ والأخْيَارِ ، ذَكَرَ هذا
ونَحْوَه الحافِظُ ابنُ عَسَاكِرِ ، ثم قال : رَوَىَ الحَدِيثَ، وأسْمَعَه بالإجازَةِ ، وكان مَنْ
رَآهُ شَاهَدَ من جَلالِ السَّلْطَنَةِ وهَيْبَةِ المُلكِ ما يَبْهَرُهُ ، فإذا فَاوَضَهُ، رَأى من لَطَافَتِهِ
وتَوَاضُعِهِ ما يُحَيِّرُهُ، حَكَىْ مَنْ صَحِبَهُ حَضَراً وسَفَراً أنَّه ما سُمِعَ منه كَلِمَةُ فُحْشٍ في
رِضَاهُ، ولا في ضَجَرِه، وكان يُواخِي الصَّالِحِين، ويَزُورُهم، وإذا احْتَلَمَ مَمَالِيكُهُ
أعْتَقَهُم، وزَوَّجَهُم بجَوَارِيهِ، ومتى تشكَّوْا من وُلاتِهِ عَزَلَهُم، وغَالِبُ ما تَمَلَّكَهُ من
البُلدَانِ تَسَلَّمَهُ بالأمانِ، وكان كُلَّمَا أَخَذَ مدينةً، أسْقَطَ عن رَعِيَّتِهِ قِسْطاً(١) .
وقال أبو الفَرَجْ بنُ الجَوْزِيّ: جاهَدَ نورُ الدِّين وانْتَزَعَ من الكُفَّارِ نَّمَاً وخَمْسِين
مدينةً وحِصْناً ، وبَنَى بالمَوْصِلِ جامِعَاً غَرِمَ عليه سَبْعِينَ ألفَ دِينَار ، وتَرَكَ المُكُوسَ قبلَ
مَوْتِه ، وبَعَثَ جُنُوداً فَتَحُوا مِصْرَ، وكان يَمِيلُ إلى التَّواضُع وحُبِّ العُلمَاءِ ،
والصُلَحَاءِ ، وكاتَبَنِي مِراراً، وعَزَمَ علىْ فَتْحِ بَيْتِ المَقْدِسِ ، فَتُوُفِّيَ سَنةَ تسعٍ وسِتِّينَ
وخَمْسٍ مِئَة (٢) .
وقال المُوَفَّقُ عبدُ اللَّطِيفِ : كان نورُ الدِّين لَمْ يَنْشَفْ له لِبدٌ من الجِهَادِ ، وكان يأكُلُ
من عَمَلِ يَدِهِ ، يَنْسِجُ تارةً، ويَعْمَلُ أغْلافاً تارةً، ويَلْبَسُ الصُّوفَ، ويُلازِمُ السِّجَادَةَ
والمُصْحَفَ ، وكان حَنَفِيَّا يُراعِي مَذْهَبَ الشَّافِعِيَّ ومَالِك وكان ابنُهُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ
أحْسَنَ أهْلِ زَمَانِهِ(٣).
(١) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٨٠.
(٢) انظر السير: (نور الدين) ٢٠/ ٥٣١-٥٣٩، وانظر النزهة: ١/١٥٨١.
(٣) انظر السير: (نور الدين) ٢٠/ ٥٣١-٥٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٨١.
١٦٨

وقال ابنُ الأثير : جاءَ نورَ الدين زنكي رجلٌ يَطْلُبُه إلى الشَّرْعِ، فجاءَ معَهُ إلى
مَجْلِسٍ كمَالِ الدينِ الشَّهرَزورِيِّ، وتَقَدَّمَه الحَاجِبُ يقولُ للقاضي : قد قالَ لكَ:
اسْلُك مَعَهُ ما تَسْلُك مع آحَادِ النَّاسِ، فلمَّا حَضَرَ سَوَّىُ بينَه وبينَ خَصْمِهِ وتَحَاكَمَا فَلَمْ
يَثْبُتْ للرَّجُلِ عليه حَقٌّ ، وكان مِلْكَاً ، ثم قال السُّلطَانُ: فاشْهَدُوا أَنِّي قد وَهَبْتُهُ له .
قال العِمَادُ في (( البَرْقِ الشَّامِيّ)) أكثَرَ نورُ الدين عامَ مَوْتِه من البِرِّ والأوْقَافِ وعِمَارَةِ
المَسَاجِد، وأسْقَطَ ما فيه حَرَامٌ، فما أبْقَى سِوَى الجِزْيَةَ والخَرَاجَ والعُشْرَ ، وكَتَبَ
بذلك إلىْ جَميعِ البِلادِ ، فَكَتَبْتُ له أكثرَ من ألْفِ مَنْشُورٍ (١) .
وقال ابنُ وَاصِل: كان نورُ الدِّين من أَقْوَى النَّاسِ قَلْباً وبَدَناً ، لَمْ يُرَ على ظَهْرٍ فَرَسٍ
أَحَدٌ أَشَدَ منهُ ، كأنَّما خُلِقَ عليه لا يَتَحَرَّكُ، وكان يقولُ : طالَمَا تَعَرَّضْتُ لِلشَّهَادَةِ ،
فلَمْ أُدْرِكْها .
قال الذَّهبيُّ : قد أدْرَكَها علىْ فِراشِه، وعلى ألْسِنَةِ النَّاسِ: نُورُ الدِّينِ شَهِيدٌ(٢).
قال سِبطُ الجَوزِيّ : حَكَى لِي نَجْمُ الدِّين بنُ سَلام عن وَالِدِهِ أنَّ الفِرِنْجَ لمَّا نَزَلَت
علىُ دِمْياطَ ، ما زالَ نورُ الدِّين عِشْرِين يوماً يَصُومُ، ولا يُفطِرُ إلاَّ على المَاءِ ، فضَعُفَ
وكادَ يَتْلَفُ، وكان مَهِيباً، ما يَجْسُرُ أحدٌ يُخاطِبُه في ذلك، فقال إمامُه يَحْيَى: إنَّه
رَأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النَّومِ يقولُ: يا يَحْيَى، بَشِّرْ نورَ الدِّينِ برَحِيلِ الفِرِنْجَ
عن دِمْياطَ ، فقلتُ : يا رسُولَ الله، رُبَّما لا يُصَدِّقُنِي قال: قُلْ لَهُ : بِعَلامَةِ يومِ حارِمِ
وانتُبَهَ يَحْيَى، فلمَّا صَلَّى نورُ الدِّين الصُّبحَ، وشَرَعَ يَدْعُو، هَابَه يَحْيَى فقالَ له :
يا يَحْيَى تُحَدِّثُنِي أوْ أُحَدِّثُكَ؟ فَارْتَعَدَ يَحْيَى، وخَرُسَ ، فقال نورُ الدين: أنا أُحَدِّثُكَ ،
رَأَيْتَ النَبيَّ صلى الله عليه وسلم هذهِ الليلَةَ، وقال لكَ كَذَا وكَذَا، قال : نَعَم فبالله
يا مَوْلانا ما مَعْنَى قولِه بعَلامَةِ يومِ حارِم؟ فقال: لمَّا الْتَّقَيْنَا العَدُوَّ ، خِفْتُ على
الإسْلامِ، فَانْفَرَدْتُ ونَزَلْتُ ، ومَرَّغْتُ وَجْهِيَ على التُرابِ ، وقُلتُ : يَا سَيِّدِي مَنْ
(١) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٨٢.
(٢) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٤/١٥٨٢.
١٦٩

مَحمُودٌ في البَيْن ، الدِّينُ دِينُك ، والجُنْدُ جُنْدُك ، وهذا اليَوْمِ افْعَلْ ما يَلِيقُ بكَرَمِكْ ،
قال : فَنَصَرَنا اللهُ عَليهِم .
وتَمَلَّكَ بعدَهُ ابنُه المَلِكُ الصَّالِحُ أَشْهُراً، وسَلَّمَ دِمَشْقَ إلى السُّلطانِ صَلاحِ الدِّين
وتَحَوَّلَ إِلى حَلَبَ فَدَامَ صَاحِبَها تِسْعَ سِنينَ وماتَ بالقُولَنْجِ ، وله عِشْرُونَ سنةً ، وكان
شاباً دَيِّناً رَحِمَهُ الله(١) .
وجاءَ في تَرجَمَةِ صَلاح الدِّين: قال الذَّهبِيُّ : السُّلطَانُ الكَبِيرُ ، المَلِكُ النَّاصِرُ،
صَلاحُ الدِّينِ ، أبو المُظَفَّر، يُوسُفُ بنُ الأميرِ نَجْمِ الدِّينِ أُوبَ بنِ شَاذِي التَّكْرِيِيّ
المَوْلِد ..
وُلِدَ فِي سَنَةِ اثْنَتَين وثلاثين وخَمْسٍ مِئَةٍ إِذْ أَبُوهُ نَجْمُ الدِّينِ مُتَوَلِي تِكْرِيتَ نِيَابَةً .
ودُونِنُ : بُلَيْدَةٌ بَطَرَفِ أَذْرِبِيجَانَ من جِهَةِ أرانَ ، والكَرَج ، أهْلُها أكْرَادُ هَذَبَانِيَّةٍ(٢) .
وكان نُورُ الدِّينِ قد أَمَّرَه ، وبَعَثَه في عَسْكَرِه مع عَمِّه أَسَدِ الدِّين شِيركُوه ، فحَكَمَ
شِيرِكُوه مِصْرَ، فما لَبِثَ أنْ تُؤُفِّيَ ، فَقَامَ بَعْدَه صَلاحُ الدِّين ، ودَانَتْ له العَسَاكِرُ ، وقَهَرَ
بني عُبَيْدٍ ، ومَحَا دَوْلَتَهُم واسْتَولَىُ على قَصْرِ القَاهِرَة بما حَوَىُ من الأَمْتِعَةِ والنَّفَائِس ،
منها الجبلُ الياقُوتُ الذي وزْنُهُ سَبْعةَ عَشَرَ دِرْهَماً، قال مُؤَلِّفُ ((الكَامِلْ))، ابنُ
الأَثِير : أنا رَأيْتُه ووَزَنْتُه .
وخَلا القَصْرُ من أهْلِه وذَخَائِرِه ، وأقَامَ الدَّعْوَةَ العَبَّاسِيَّة .
وكان خَلِيقاً للإِمَارَةِ، مَهِيباً ، شُجَاعَاً حَازِمَاً، مُجَاهِداً كَثِيرَ الغَزْوِ ، عَالِيَ الهِمَّة ،
كانت دَوْلَتُه نَّفاً وعِشْرِينَ سنةً .
وتَمَلَّكَ بعد نُورِ الدِّين ، واتَّسَعَتْ بلادُه.
ومنذُ تَسَلْطَنَ، طَلَّقَ الخَمْرَ واللَّذاتِ، وأنْشَأَ سُوراً على القاهِرةِ ومِصْرَ(٣) وبَعَثَ
(١) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠_٥٣٩، وانظر النزهة: ٥/١٥٨٢.
(٢) انظر السير: (صلاح الدين وبَنوه) ٢٧٨/٢١ - ٢٩١، وانظر النزهة: صلاح الدين: ١/٩١٦١.
(٣) يعني فسطاط مصر ، وكانت لفظة مصر وحتى اليوم تُطلق على الفسطاط.
١٧٠

أخَاه شَمْسَ الدِّين في سَنَةِ ثمانٍ وسِتِينَ ، فافْتَتَحَ بَرْقَةَ، ثمَّ افْتَتَحَ اليَمَنَ وسَارَ صَلاحُ
الدِّين، فأخَذَ دِمَشْقَ من ابنِ نُورِ الدِّين(١).
وفي سَنَةِ إِحْدَى وسَبْعين وثَبَتْ عليه البَاطِنِيَّةُ فجَرَحُوه .
وفي سَنَةِ ثلاثٍ كَسَرَتْه الفِرِنْجُ على الرَّمْلَةِ ، وفَرَّ فِي جَمَاعَةٍ ونجا ، وفي سَنَةَ خَمْسٍ
الْتَّقَاهُم وكَسَرَهُم .
وفي سَنَّةِ ثمانٍ عَدَّى الفُرَاتَ، وأَخَذَ حَرَّانَ، وسَرُوجَ، والرَّقَّةَ ، والرُّهَا ،
وسِنْجَار، والبِيْرَةَ، وَآمِدَ ، ونَصِيِْينَ، وحَاصَرَ المَوْصِلَ، ثمَّ تَمَلَّكَ حَلَبَ ، وعَوَّضَ
عنها صاحِبَهَا زِنْكِي بسِنْجَار ، ثم إنه حاصر المَوْصِلَ ثانياً وثالثاً، ثمَّ صَالَحَه صاحِبُها
عِزُّ الدِّينِ مَسْعُود(٢) .
وفي سَنَةِ ثلاثٍ وثمَانِينَ فَتَحَ طَبَرِيَّةَ ، ونَازَلَ عَسْقَلانَ، ثمَّ كانت وَفْعَةُ ((حِطَّيْنَ ))
بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِرَنْج، وكانوا أرْبَعِينَ ألفاً ، فحَالَ بيْنَهُم وبينَ المَاءِ علىْ تَلِّ ، وسَلَّمُوا
نُقُوسَهُم، وأُسِرَتْ مُلُوكُهم، وبَادَرَ ، فَأَخَذَ عَكَّا وبَيْرُوتَ وكَوْكَبَ، وسَارَ فخَاصَرَ
القُدْسَ ، وجَدَّ في ذلك فأخَذَها بالأَمَانِ (٣).
ثُمَّ إنَّ الفِرَنْجَ قامَتْ قِيامَتُهُم علىْ بَيْتِ المَقْدِس، وأَقْبَلُوا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ بَرّاً
وبَحْرَاً، وأَخَاطُوا بِعَكًا لِيَسْتَرِدُوها، وطَالَ حِصَارُهم لها ، وبَنَوا علىَ نفُوسِهِم خَنْدَقاً ،
فأَحَاطَ بهم السُّلطَانُ، ودَامَ الحِصَارُ لهم وعلَيْهِم نَيَّفَاً وعِشْرينَ شَهْراً، وجَرَىَ في
غُضُونِ ذلك مَلاحِمُ وحُرُوبٌ تُشَيِّبُ النَّوَاصِي ، وما فُُوا حتّى أَخَذُوها، وجَرَتْ لهُم
والسُّلطَانِ حُرُوبٌ وسِيَرٌ وعِنْدَما ضَرِسَ الفَريقَان، وكَلَّ الحِزْبَان، تَهَادَنَ المِلَّتان (٤).
وكانت له هِمَّةٌ في إقامَةِ الجِهَادِ ، وإيادَةِ الأضْدَادِ ، ما سُمِعَ بمثلِها في دَهْرٍ (٥).
(١) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ - ٢٩١، وانظر النزهة: صلاح الدين: ٢/١٦١٩.
(٢)
انظر السير: ( صلاح الدين وبَنوه) ٢٧٨/٢١ - ٢٩١، وانظر النزهة: صلاح الدين: ٣/١٦١٩.
انظر السير: ( صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: صلاح الدين: ١/١٦٢٠.
(٣)
انظر السير: ( صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: صلاح الدين: ٢/١٦٢٠.
(٤)
(٥) انظر السير: (صلاح الدين وبَنوه) ٢٧٨/٢١-٢٩١، وانظر النزهة: صلاح الدين: ٣/١٦٢٠.
١٧١

قال ابنُ واصِل في حِصَارِ عزاز : كانت خَيْمَةٌ كان السُّلطانُ يَحْضُرُ فيها ، ويَخُضُّ
الرِّجَالَ، فَحَضَرَ بَاطِنِيَّةٌ فِي زِيِّ الأَجْنَادِ ، فَقَفَزَ عليه واحدٌ ضَرَبَه بسِكِينٍ لَوْلا المِغْفَرُ
الزَّرَدُ(١) الذي تحتَ القَلَنْسُوة لقَتَلَه، فأمْسَكَ السُّلطَانُ يَدَ البَاطِنِيِّ بَيَدَيْهِ ، فَبَقِيَ يَضْرِبُ
في عُنُقِ السُّلطَانِ ضَرْباً ضَعِيفاً، والزَّرَدُ تَمْنَع، وبادَرَ الأميرُ بازكوج، فأمْسَكَ
السِّكِّينَ ، فجَرَحَتْه ، وما سَيَّبَها الباطِنِيُّ حتّى بَضَّعُوه ، ووَثَبَ آخَرُ ، فوَثبَ علیه ابنُ
منكلان ، فجَرَحَه الباطِنِيُّ فِي جَنْبِهِ ، فمَاتَ، وقُتِلَ الباطِيُّ، وقَفَزَ ثالثٌ، فأمْسَكَه
الأميرُ عليٌّ بنُ أبي الفَوَارِس ، فضَّمَّه تحتَ إِطِه، فطَعَنَهُ صاحِبُ حمص ، فقَتَلَهُ ،
ورَكِبَ السُّلطانُ إلى مُخَيَّمِه، ودَمُّه يَسِيلُ علىُ خَدِّه، واحْتَجَبَ في بَيْتِ خَشَبٍ ،
وعَرَضَ جُنْدَهُ، فَمَنْ أَنْكَرَهُ، أَبْعَدَهُ(٢) .
قال المُوفَّقُ عبدُ اللَّطيف : أتَيْتُ، وصَلاحُ الدِّين بالقُدْسِ ، فَرَأيْتُ مَلِكاً يَمْلأُ
العُيُونَ رَوعَةٌ ، والقُلُوبَ مَحَبَّةً، قريباً بَعِيداً، سَهْلاً مُحَيَّباً، وأصْحَابُه يَتَشَبَّهُون به
يَتَسَابَقُون إلى المَعْرُوف كما قال تعالَى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِىِ صُدُورِهِم مِّنْ غِلّ إِخْوَانًا﴾(٣) وأولُ
ليلةٍ حَضَرْتُهُ وَجَدْتُ مَجْلِسَه حَفْلاً بأهْلِ العِلْمِ يَتَذَاكِرُون، وهو يُحْسِنُ الاسْتِمَاعَ
والمُشَارَكَةَ ، ويأخُذُ في كَيْفِيَّةِ بناءِ الأَسْوارِ ، وحَفْرِ الخَنَادِقِ ، ويأتي بكُلِّ مَعْنىَ بَدِيعٍ ،
وكان مُهْتَمَّاً في بِنَاءِ سُورٍ بَيْتِ المَقْدِسِ وحَفْرِ خَنْدَقِهِ، ويَتَوَلَّى ذلك بِنَفْسِهِ ، ويَنْقُلُ
الحِجَارَةَ على عاتِه ويَتَأْسَّى به الخَلْقُ حتّى القَاضِي الفَاضِلِ، والعِمَادُ إلى وَقْتِ
الظُّهْر، فيَمُدُّ السماطَ ويَسْتَرِيحُ، ويَرْكَبُ العَصْرَ، ثمَّ يَرْجِعُ فِي ضَوْءِ المَشَاعِل ، قال
له صَانِعٌ : هذه الحِجَارَةُ التي تُقَطَّعُ من أسْفَلِ الخَنْدِقِ رِخْوَةٌ ، قال: كذا تَكُونُ
الحِجَارَةُ التي تَلِي القَرَارَ والنَّدَاوَةَ، فإذا ضَرَبَتْها الشَّمسُ، صَلُبَتْ وكان يَحْفَظُ
(( الحَمَاسَة )) ، ويَظُنُّ أنَّ كُلَّ فَقِيهِ يَحْفَظُها، فإذا أَنْشَدَ وتَوَقَّفَ ، اسْتَطْعَمَ فلا يُطْعَمُ ،
وجَرَى له ذلك مع القاضِي الفَاضِل، ولَمْ يَكُنْ يَحْفَظُها، وخَرَجَ ، فما زَالَ حتّى
حَفِظَها .
(١) الزَّرَدُ: زرد يُنسج من الدروع على قدر الرأس ، يُلبَس تحت القلنسوة.
(٢) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ - ٢٩١، وانظر النزهة: صلاح الدين: ٤/١٦٢٠.
(٣) سورة الحجر ، الآية : ٤٧ .
١٧٢

وكانت وَقْعَتُهُ بِمِصْرَ مع السُّودان ، وكانوا نَحْوَ مِئَتَيْ ألفٍ ، فَنُصِرَ عليهم، وقَتَلَ
أکثرهم .
حُمَّ صَلاحُ الدِّين، فَفَصَدَه مَنْ لا خِبْرَةَ له ، فخَارَتْ القُوَّةُ، وماتَ ، فَوَجَدَ النَّاسُ
عليه شَبيهاً بما يَجِدُونَه على الأنْبِيَاءِ ، وما رَأيْتُ مَلِكَأَ حَزِنَ النَّاسُ لمَوْتِهِ سِواهُ ، لأنَّه
كان مُحَيَّباً، يُحِبُّه البَؤُ والفَاجِرُ ، والمُسْلِمُ والكَافِرُ، ثمَّ تَفَرَّقَ أوْلادُه وأصْحَابُه أيَادِيَ
سَبَأٍ، وَتَمَزَّقُوا ولقَدْ صَدَقَ العِمَادُ في مَدْحِهِ حَيْثُ يقولُ: (١) .
حِ صَلاحٌ ونَصْرٌ كَبِيرُ
وللنَّاسِ بِالمَلِكِ النَّاصِرِ الصَّلا
دِ ومَطْلَعُهُ سِرْجُهُ والسَّرِيرُ
هوَ الشَّمسُ أَفْلاكُهُ فِي الْبِلا
فَمَا اللَّيْثُ مِنْ حَاتِمٍ ما ثَبِيرُ(٢)
إذ مَا سَطَا أوْ حَبَا واحْتَبَى
وفي سَنَةِ ثلاثٍ وثمَانِينَ افْتَتَحَ صَلاحُ الدَّينِ بلادَ الفِرَنْجَ ، وقَهَرَهم ، وأبَادَ
خَضْراءَهم، وأَسَرَ مُلُوكَهم على ((حِطِينَ)) وكان قد نَذَرَ أنْ يَقْتُلَ أرْناطَ صاحِبَ
الكَرَكِ، فَأُسِرَ يومَئذٍ ، كان قد مَزَّ به قومٌ من مِصْرَ في حَالِ الهُدْنَةِ ، فَغَدَرَ بهم ،
فَنَاشَدُوهُ الصُّلْحَ ، فقال ما فيه اسْتَخْفافٌ بالنَبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وقَتَلَهم ،
فاسْتَحْضَرَ صلاحُ الدِّين المُلُوكَ، ثمَّ ناوَلَ المَلِكَ حِفْرِي شَرْبَةَ جلابٍ ثلجِ فَشَرِبَ ،
فَنَاوَلَ أرْناطَ فَشَرِبَ ، فقال السُّلطانُ للتُّرِجُمَانِ ، قُلْ لِحِفْرِي : أَنْتَ الذي سَقَيْتَه، وإلاَّ
أنا فمَا سَقَيْتُه، ثمَّ اسْتَحْضَرَ البرِنْسَ أرْنَاطَ في مَجْلِسٍ آخَرَ ، وقال: أنا أنتَصِرُ لمُحمَّدٍ
صلى الله عليه وسلم مِنْكَ، ثمَّ عَرَضَ عَلَيه الإسْلامَ، فأبى فحَلَّ كَتِفَه بالنَّيمجاه(٣)
وافْتَتَحَ عامَهُ ما لَمْ يَفْتَحْهُ مَلِكٌ، وطارَ صِيتُهُ في الدُّنيا ، وهَابَتْهُ المُلُوكُ .
تُوفِّيَ بقَلعَةِ دِمَشْقَ سَنَةَ تِسْعِ وثمَانِينَ وخَمسٍ مِنَّة .
مَحاسِنُ صلاحُ الدِّينِ جَمَّةٌ ، لا سِيَّمَا الجِهَادُ ، فَلَه فيه اليَدُ البَيْضَاءُ بَبَذْلِ الأمْوالِ
(١) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: صلاح الدين: ١/١٦٢١.
(٢) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: صلاح الدين: ١/١٦٢٢
(٣) النَّيمجاه : خنجر مقوس يُشبه السيفَ القصير .
١٧٣

والخَيْلِ المُثَمَّنَة لجُنْدِهِ، وله عَقْلٌ جَيِّدٌ، وفَهمٌّ وحَزمٌ وعَزمٌ(١) .
قال العِمادُ : لا يَلْبَسُ إلاَّ ما يَحِلُّ لُبْسُهُ كَالكِتَّانِ والقُطْنِ ، نَزَّهَ المجالِسَ من الهَزلِ ،
ومَحَافِلُه آهِلَةٌ بالفُضَلاءِ ، ويُؤْثِرُ سَمَاعَ الحَدِيثِ بالأسَانيدِ ، حَلِيماً ، مُقِيلاً للعَثْرةِ ، تَقِيَّاً
نَقِيَّاً وَفِيًَّ صَفِيَّاً، يُغْضِي ولا يَغْضَبُ، ما رَدَّ سَائِلاً، ولا خَجَّلَ قائلاً، كَثيرَ البِرِّ
والصَّدَقاتِ ، أنْكَرَ عليَّ تَحْلِيَةَ دَواتِي بِفِضَّةٍ فَقُلتُ : في جَوَازِهِ وَجْهٌ ذَكَرَه أبو مُحمَّد
الجُوَيْنِيُّ ، وما رَأيْتُه صلَّى إلاَّ فِي جَمَاعَةٍ .
قال الذهبيُّ: وحَضَرَ وفَاتَه القاضي الفَاضِلُ(٢).
وذَكرَ أبو جَعفَر القُرطُبيُّ إمامُ الكلَّسةِ (٣): إنَّنِي انتَهَيتُ في القراءةِ إلى قولِه تعَالَى :
﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوٌّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾(٤)، فسَمعتُ صَلاحَ الدِّين وهو
يقول : صَحِيح وكان ذِهْنُهُ قبلَ ذلك غَائِبً(٥) ، ثمَّ ماتَ، وارْتَفَعَتِ الأَصْواتُ بالبُكَاءِ ،
وعَظُمَ الضَّحِيجُ ، حتى إنَّ العاقِلَ لْيُخَيَّلُ له أنَّ الدُّنْيا كُلَّها تَصيحُ صَوْتاً واحداً ، وغَشِيَ
النَّاسَ ما شَغَلَهم عن الصَّلاةِ عليه، وتَأَسَّفَ النَّاسُ عليه حتى الفِرِنْجُ لما كان من صِدْقِ
وَفَائِهِ (٦) .
وفي الرَّوضَتَين لأبي شامَة: أنَّ الشُّلطانَ لَمْ يُخَلِّفْ في خَزَانَتِهِ من الذَّهبِ والفِضَّةِ
إلاَّ سَبعَةً وأربعينَ درهماً ، وديناراً صُورِيَّاً، ولَمْ يُخَلِّفْ مِلْكاً ولا عَقَاراً رحمه الله ،
ولَمْ يَخْتَلِفْ عليه في أيَّامِه أحدٌ من أصْحَابِهِ وكان النَّاسُ يَأْمَنُون ظُلمَه، ويَرِجُونَ رِفِدَه ،
وأكثرُ ما كان يَصِلُ عَطَاؤُه إلى الشُّجْعانِ، وإلى العُلَماءِ وأرْبَابِ الْبُيُوتاتِ، ولَمْ يكُنْ
المُبطِلٍ ولا لمَزَّاحِ عنده نَصِيبٌ .
(١) انظر السير: (صلاح الدين وبَنوه) ٢٧٨/٢١-٢٩١، وانظر النزهة: صلاح الدين: ٢/١٦٢٢.
(٢) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: صلاح الدين: ٣/١٦٢٢.
كان الشيخ أبو جعفر قد استدعي ليبيت عنده يقرأ القرآن ويُلقنه الشهادة عند حضور الوفاة ، وتوفي
(٣)
أبو جعفر هذا سنة ٥٩٦ .
(٤) سورة الحشر ، الآية : ٢٢
وتمام الخبر أن القاضي الفاضل جاءه عند آذان الصبح وكان في آخر رمق، فلما قرأ القارىء ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا
(٥)
هُوَّعَلَيْهِنَّوَكَاةٌ﴾ تبسّم وتهلَّل وجهُه وأسلم روحه إلى ربه سبحانه .
(٦) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: صلاح الدين: ١/١٦٢٣.
١٧٤

قال المُوَفَّقُ : وكان إذا نَازَلَ بَلَداً، وأَشْرَفَ على أخْذِهِ، ثمَّ طَلَبُوا منه الأمَانَ ،
آمَنَهُم، فيَألَّمُ لذلك جَيشُه ، لِفَوَاتٍ حَظُّهم (١) .
وكتَبَ القاضِي الفاضِلُ تَعْزِيَةً إلى صاحِبٍ حَلَبْ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ
حَسَنَّةٌ﴾ (٢)، ﴿إِنَ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾(٣) ، كَتَبْتُ إلى مَولانا المَلِكِ الظَّاهِرِ
أحْسَنَ اللهُ عَزَاءَه ، وجَبَرَ مُصَابَه وجَعَلَ فيه الخَلَفَ من السَّلَفِ فِي السَّاعَةِ المَذْكُورةِ ،
ولقَدْ زُلْزِلَ المُسْلِمُونَ زِلْزالاً شَدِيداً، وقد حَضَرَتِ الدُّموعُ المَحَاجِرَ وبَلَغَت القُلوبُ
الحَنَاجِرَ ، وقد وذَّعتُ أبَاكَ ومَخْدُومي وَدَاعاً لا تَلَاقِيَ بعدَه، وقَبَّلتُ وجهَه عنِّي
وعَنْكَ، وأسْلَمْتُه إلى اللهِ وَحْدَه مَغْلُوبَ الحِيلَةِ ضَعِيفَ القُوَّةِ راضِياً عن اللهِ ، ولا حَوْلَ
ولا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ وبالبابِ من الجُنُودِ المُجَنَّدَةِ والأسْلِحَةِ المُعَمَّدَةِ ما لَمْ يَدْفَع البَلاءَ ولا ما
يَرُدُ القَضَاءَ ، تَدْمَعُ العَينُ ويَخْشَعُ القَلبُ، ولا نقولُ إلَّ ما يُرضِي الرَّبَ ، وإنَّا بك
يا يُوسُفُ لمَحْزُونُون .
ولِلْعَلَمِ الشَّاتانيِّ فيه قَصِيدةٌ مَطْلَعُها :
أَرَى النَّصْرَ مَقْرُوناً بِرَايَتِكَ الصَّفْرَا
فسِرْ وامْلُكِ الدُّنيا فأنْتَ بها أحْرَى (٤)
وقال المُنْذِرِيُ: أَنْشَأَ الكَامِلُ دارَ الحَدِيثِ بالقاهِرةِ ووَقََ الوُقُوفَ على أنوَاعِ البِرِّ ،
وله المَوَاقِفُ المَشْهُورَةُ في الجِهَادِ بِدِمْيَاطَ المُدَّةَ الطويلة ، وأنفَقَ الأموالَ وكافَحَ الفِرِنْجَ
بَراً وبَحْراً يَعْرِفُ ذلكَ مَنْ شَاهَدَهُ ، ولَمْ يَزَلْ على ذلكَ حتى أعَزَّ اللهِ الإسْلامَ، وخَذَلَ
الكُفْرَ ، وكان مُعَظِّمَاً للسُّنَّةِ وأهْلِها، رَاغِباً في نَشْرِها والتَّمَسُكِ بها، مُؤثِراً للاجْتِمَاع
بالعُلَمَاءِ والكَلامِ مَعَهُمْ حَضَراً وسَفَراً(٥) .
ومِن هِمَّتِهِ أنَّ الفِرِنْجَ لمَّا أَخَذُوا دِمْيَاطَ أنْشَأَ على بَرِيدٍ منها مَدينَةَ المَنْصُورَةَ
(١) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: صلاح الدين: ٢/١٦٢٣.
(٢)
سورة الأحزاب ، الآية : ٢١
(٣)
سورة الحج ، الآية : ١
انظر السير: ( صلاح الدين وبَنوه) ٢٧٨/٢١ - ٢٩١، وانظر النزهة: صلاح الدين: ٣/١٦٢٣
(٤)
(٥) انظر السير: ( الكامل) ١٢٧/٢٢ -١٣١، وانظر النزهة: ٢/١٦٧٥.
١٧٥

واسْتَوَطَنَهَا مُرابِطاً حتى نَصَرَهُ الله فإنَّ الفِرِنْجَ طَمِعُوا فِي أخْذِ مِصْرَ، وعَسْكَرُوا بقُربٍ
المَنصُورَة، والْتَحَمَ القِتَالُ أيّاماً وأَتَّ الكَامِلُ على إخْوَتِهِ بالمَجِيء، فجاءَهُ أَخَوَاهُ
الأَشْرَفُ والمُعَظّمُ فِي جَيْشٍ لَجِبٍ ، وهَيْئَةٍ تامَّةٍ فقَوِيَ الإسْلامُ، وضَعُفَتْ نُفُوسُ الفِرِنْجِ
ورُسُلُهُم تَتَرَدَّدُ، وبَذَلَ لهم الكاملُ قبلَ مَجِيءِ النَّجِدَةِ القُدسَ وطَبَرِيَّة وعَسْقَلانَ وجَبْلَةَ
واللَّذِقِيَّ وأشياءَ على أن يَرُدُّوا له دِمْيَاطَ فَأَبَوا ، وطلَبُوا مع ذلك ثلاثَ مِئَةِ ألفِ دينار
لِيُعَمِّرُوا بها أسْوارَ القُدس، وطَلَبُوا الكَرَكَ، فاتَّفَقَ أنَّ جمَاعَةً من المُسلِمِين فَجَّرُوا من
النِّيلِ ثَلْمَةً على مَنْزِلَةِ العَدُوِّ، فَأَحَاطَ بهم النِّيلُ فِي هَيَجَانِهِ ، ولا خِبْرَةَ لهم بالنِّلِ ،
فحَالَ بينهم وبين دِمْياطَ ، وانقَطَعِتْ المِيرَةُ عنهُم، وجاعُوا وذَلُّوا ، فأرسَلُوا في طَلَّبٍ
الأمَانِ علىْ تَسْلِيمِ دِمْياطَ، وعَقْدِ هُدنَةَ، فَأُجِيبُوا فسَلَّمُوا دِمْياطَ بعد اسْتِقِرارِهم بها
ثلاثَ سِنِينَ، فللَّهِ الحَمْدُ(١).
١٩- مُحاوَلَةُ صَلاح الدِّينِ الاسْتِنْجَادَ بسُلطَانِ المُؤَخِّدِينَ ضِدَّ الصَّلِينَ فما
اسْتَجابَ لعُذْرٍ سَمِجٍ :
كَتَبَ صَلاحُ الدِّينِ إلىْ يَعْقُوبَ ( صَاحِبُ المَغْرِبِ ) يَسْتَنْجِدُ به في حِصَارِ عَكًا ،
ونَقَّذ إليه تقدمةً، وخَضَعَ له، فما رَضِيَ لكَوْنِه ما لَقَّبَهُ بأمِيرِ المُؤْمِنِينَ(٢).
٢٠-صُوَرٌ من الچِهَادِ :
( ويدخل معها فقرة الأمراء المجاهدون التي ذكرت آنفاً )
وعن ابنِ عُبَيْنَةَ: عن ابنِ أبِي خَالِدٍ ، مَوْلَى لَآلِ خالدِ بنِ الوَلِيدِ، أنَّ خَالِداً قال :
ما مِنْ لَيْلَةٍ يُهْدَى إليَّ فيها عَرُوسٌ أنا لها مُحِبّ أَحَبّ إليَّ من لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ ، كثِرَةِ
الجَلِيدِ فِي سَرِيَّةٍ أُصَبِّحُ فيها العَدُوَ(٣).
عن أَنَسِ: أنَّ أبا طَلْحَةَ قَرَأَ: ﴿آنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالَا﴾(٤). فقال: اسْتَنْفَرَنا اللهُ،
انظر السير: ( الكامل) ١٢٧/٢٢ - ١٣١، وانظر النزهة: ٣/١٦٧٥.
(١)
انظر السير: ( صاحب المغرب) ٣١١/٢١-٣١٩، وانظر النزهة: ١/١٦٢٩.
(٢)
انظر السير: ( خالد بن الوليد) ٣٦٦/١ -٣٨٤، وانظر النزهة : ٥/١٧٩.
(٣)
سورة التوبة ، الآية : ٤١ .
(٤)
١٧٦

وأَمَرَنَا شُيُوخَنا وشَبابَنا، جَهِّزُونِي فقال بَنُوهُ: يَرِحَمُك الله! إنَّكَ قد غَزَوْتَ علىَ عَهْدِ
رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكرٍ رضي الله عنه، وعُمَرَ رضي الله عنه ،
ونَحنُ نَغَزُو عَنكَ الآن قال : فَغَزَا البَحرَ ، فمَاتَ، فَلَمْ يَجِدُوا له جَزِيرَةً يَدِفِنُونَهُ فيها ،
إلَّ بعدَ سَبعَةٍ أَيَّامٍ ، فَلَمْ يَتَغَيَّر(١) .
وشَهِدَ أبو سُفيَانَ بِنُ حَرب قِتَالَ الطَّائِفِ، فَقُلِعَتْ عَيْنُه حِينَئِذٍ، ثم قُلِعَتْ الأُخرى
يومَ اليَرْمُوكِ، وكان يَومَئِذٍ قد حَسُنَ إنْ شَاءَ اللهُ إِيمَانُهُ، فإنَّه كان يومَئِذٍ يُحَرِّضُ على
الجِهَادِ ، وكان تحت رايَةِ ولَدِهِ يَزِيد ، فكان يَصِيحُ : يا نَصْرَ الله اقْتَرِبْ ، وكان يَقِفُ
على الكَرَادِيسِ (٢) يُذَكِّرُ، ويقولُ: اللهَ اللهَ، إنَّكُم أَنْصَارُ الإسْلامِ ودَارَةُ العرَبِ،
وهَؤُلاءِ أَنْصَارُ الشِّرْكِ ودَارَةُ الزُّومِ ، اللَّهُمَّ هذا يومٌ من أيَّامِك، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ.
قال الذَّهبِيُّ : فإنْ صَحَّ هذا عنه، فإِنَّه يُغْبَطُ بذلك، ولا رَيْبَ أنَّ حَدِيثَهُ عن هِرَقْلَ
عظِيمِ الزُّومِ ، وكِتَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يدُلُّ على إِيمَانِهِ، ولهِ الحَمْدُ(٣) .
وقال الذَّهبيُّ في تَرجَمَةِ أُمّ عُمَارَة: شَهِدَتْ أُمْ عُمَارَة ( نُسَيْبَةُ بنتُ كَعْب ) ليْلَةَ
العَقَبَةَ، وشَهِدَتْ أُحُدَاً، والحُدَيْبِيَة، ويومَ حُنَيْنٍ ، ويومَ اليَمَامَة وجاهَدتْ، وفَعَلَتْ
الأفَاعِيلَ ، وقُطعَت يدُها في الجِهَادِ .
وكان ضَمْرَةُ بنُ سَعِيدِ المَازِنِيّ يُحَدِّثُ عن جَدَّتِهِ ، وكانت قد شَهِدَتْ أُحُداً ،
قالت : سمعتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((لَمُقَامُ نَسِيبَةَ بنت كَعْبِ اليومَ
خَيْرٌ مِنْ مُقَام فُلان وفُلان )»
وكانت تَرَاهَا تُقَاتِلُ أَشَدَّ ما يكونُ القِتَالُ، وإنَّها لحَاجِزَةٌ ثَوْبَها علىْ وَسَطِهَا حتى
جُرِحَتْ ثَلاثَةَ عَشَرَ جُرْحاً ، وكانت تقولُ : إنِّي لأَنْظُرُ إلى ابنِ قَمِتَة وهو يَضْرِبُها على
عَاتِقِها ، وكان أعْظَمَ جِرَاحَهَا ، فدَاوَتْهُ سَنةً ثم نادَى مُنَادِي رسُولِ الله صلى الله عليه
(١) انظر السير: (أبو طلحة الأنصاريّ) ٢٧/٢ -٣٤، وانظر النزهة: ٣/٢١٤.
(٢) الكراديس : كتائب الخيل ، واحدها كردوس ، يُقالُ: كردس القائد خيله : أي جعلها كتيبة كتيبة .
(٣) انظر السير: ( أبو سفيان بن حرب) ١٠٥/٢ -١٠٧، وانظر النزهة: ٤/٢٢٤.
١٧٧

وسلم : إلىْ حَمْراءِ الأَسَد فشَدَّتْ عليها ثِيَابَها، فما اسْتَطَاعَتْ من نَزْفِ الدَّمِ رَضِيَ الله
عنها وأَرْضاها ورَحِمَها .
وعن عُمَارَةِ بنِ غزيّة قال : قالَتْ أُمُّ عُمَارَة : رَأيْتُنِي، وانْكَشَفَ النَّاسُ عن
رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فما بَقِيَ إلَّ نُفَيْرٌ ما يُتِقُّونَ عَشرة، وأنا وابْنَايَ وزَوْجِي
بِينَ يَدَيْهِ نَذُبُّ عنه ، والنَّاسُ يَمُرُونَ به مُنْهَزِمِينَ، ورَآنِي ولا تُرْسَ مَعِي ، فَرَأىَ رَجُلاً
مُؤَلِّياً ومعه تُرْسٌ ، فقال : أَلْقِ تُرْسَكَ إلى مَنْ يُقَاتِلُ فَأَلْقَاهُ فَأَخَذْتُهُ فجَعَلتُ أَتَرِّسُ به عن
رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّما فَعَلَ بنا الأفَاعِيلَ أصْحابُ الخَيْلِ ، لَوْ كَانُوا
رِجَالَةً مِثْلَنا أَصَبْناهم ، إنْ شَاءَ اللهُ فيُقْبِلُ رَجَلٌ علىٌ فَرَسِه يَضْرِيُِّي ، وتَرَّسْتُ له ، فَلَمْ
يَصْنَعْ شَيئاً ، فَأَضْرِبُ عُرقوبَ فَرَسِه ، فَوَقَعَ علىُ ظهْرِه فجَعَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم
يَصِيحُ : ((يا ابْنَ أُمّ عُمَارَةَ، أَمَّكَ! أُمَّكَ! ))، قالت : فعَاوَنَنِي عليه، حتىْ أَوْرَدْتُه
شعوب(١) .
وعن مُحمَّدِ بنِ يَحْيَى بِنِ حَبَّانِ قال: جُرِحَتْ أُمْ عُمَارَة بأُحُدِ اثْنَيّ عَشرَ جُرْحاً ،
وقُطِعَتْ يَدُها يومَ اليَمَامَةِ، وجُرِحَتْ يومَ اليَمَامَةِ سِوَى يدِها أَحَدَ عَشَرَ جُرْحاً ، فقَدِمَتِ
المدينةَ وبها الجِرَاحَةُ ، فلقد رُئِيَ أبو بكرٍ رضي الله عنه وهوَ خَلِيفةٌ، يأتِيهَا يَسْألُ
عنها(٢) .
جَاءَ فِي تَرجَمَةِ أُمّ سُلَيم ( الغُمَيْصَاء ): قال الذَّهَبِيُّ: شَهِدَتْ حُنَيْناً، وأُحُداً من
أَفَاضِلِ النِّساء .
وعن أَنَسٍ : أنَّ أُمَّ سُلَيم اتَّخَذتْ خِنْجَراً يومَ حُنَيْن ، فقال أبو طَلْحَة: يا رسُولَ الله
هذه أُ سُلَيم معها خِنْجَرً! فقالت: يا رسُولَ الله، إنْ دَنَا مِنِّي مُشْرِكٌ بَقَرْتُ بَطْنَهُ.
وعن إسْحاقَ بنِ عبدِ الله، عن جَدَّتِهِ أُمِّ سُلَيم: أنَّهَا آمَنَتْ برسُولِ الله صلى الله عليه
وسلم، قالت : فجاء أبو يُونُس، وكان غائِبَاً، فقال: أَصَبَوْتِ ؟ فقالَت:
ما صَبَوْتُ ، ولكِنِّي آمَنْتُ! وجَعَلَتْ تُلَقِّنُ أَنَسَاً: قُلْ: لا إِلَهَ إلاَّ الله، قُلْ: أَشْهَدُ أنَّ
(١) شعوب : من أسماء المنية .
(٢) انظر السير: (أم عمارة) ٢٧٨/٢ -٢٨٢، وانظر النزهة: ٤/٢٥٨.
١٧٨

مُحمَّداً رسُولُ الله ، ففَعَلَ فِيقُولُ لهَا أَبُوهُ : لا تُفْسِدِي عليَّ ابنِي، فتقُولُ : إنِّي
لا أُفْسِدُه ! .
فخَرَجَ مَالِكٌ، فَلَقِيَّهُ عَدُوٌّ له فقَتَلَهُ فقالت: لا جَرَمَ ، لا أَفْطِمُ أَنَسَأَ حتى يَدَعَ
الثَّدْيَ ، ولا أتَزَوَّجُ حتى يأمُرَنِي أَنَسٌ .
فخَطَبَها أبو طَلْحَةَ، وهو يَومَئِذٍ مُشْرِكٌ، فَأَبَتْ(١) .
عن أيُّوبَ، عن مُحمَّدٍ قال: شَهِدَ أبو أيُّوبَ بَدْراً، ثم لَمْ يَتَخَلَّفْ عن غَزَاةٍ إلاَّ
عاماً ، اسْتُعمِلَ على الجَيشِ شَابٌّ، فَقَعَدَ، ثم جَعَلَ يَتَلَهَّفُ، ويقولُ : ما عليَّ مَنِ
اسْتُعمِلَ عليَّ فمَرِضَ، وعلى الجَيشِ يَزِيدُ ابنُ مُعاوِيَة، فأتاه يَعُودُه ، فقال :
حاجَتُكَ ؟ قال : نَعَم إذا أنا مِثُ، فارْكَبْ بِي ثم تَبَيَّغْ(٢) في أرضِ العَدُوِّ ما وَجَدتَ
مَسَاغاً ، فإذا لَمْ تَجِدْ مَسَاغاً ، فادْفِنِّي ، ثم ارْجِع (٣) .
عن أبي قَتَادَةَ ، قال: خَرَجْنا مع رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عامَ حُنَين ، فلمَّا
الْتَّقَيْنا ، رَأيتُ رَجُلاً قد عَلَا المُسلمينَ ، فاسْتَدَرْتُ له من وَرَائِه ، فضَرَبْتُه بالسَّيفِ على
حَبْلِ عاتِقِه ضَربةً قَطَعَتُ منها الدِّرْعَ، فأقبَلَ عليَّ وضَمَّنِي ضَمَّةً وجَدْتُ منها رِيحَ
المَوتِ ، ثم أرْسَلَنِي ، وماتَ إلى أنْ قالَ : فقال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم :
(( مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ بََّةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ)) ، فقُمتُ ، فقلتُ: مَنْ يَشْهِدُ لِي؟ وقَصَصْتُ عليه ،
فقالَ رَجُلٌ : صَدَقَ يا رسُولَ الله، وسَلَبُ ذلك القَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ منه فقال أبو بكرٍ
رضي الله عنه : لا ها الله، إذاً لا يَعْمِدُ إلى أَسَدٍ من أُسْدِ الله يُقَاتِلُ عن اللهِ ورسُولِه
(١) انظر السير: (أم سُليم الغُميصاء) ٢/ ٣٠٤ -٣١١، وانظر النزهة: ١/٢٦٤.
(٢) قوله: ( ثم تَبَيّغ) كذا الأصل، وقد أثبت فوق الكلمة (صح)، يُقال: تَبَيّغ به الدم ، أي: تردّد فيه
الدم، وتَبَيّغ الماء إذا تردّد فتحيّر في مجراه مرةً كذا، ومرةً كذا، وفي ((الطبقات))، و((النهاية))،
و(( أسد الغابة))، و((تهذيب ابن عساكر، ( ثم سخ)، وفسّره ابن الأثير فقال : أي ادخل فيها
ما وجدت مدخلاً ، وساغت به الأرض ، أي : ساخت ، وساغ الشراب في الحلق يسوغ ، أي : دخل
سهلاً .
(٣) انظر السير: (أبو أيوب الأنصاريّ) ٢/ ٤٠٢-٤١٣، وانظر النزهة: ٧/٢٨٢.
١٧٩

صلى الله عليه وسلم فيُعْطِيكَ سَلَبَه! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((صَدَق))
فأعْطانِه ، فبعْتُ الدِّرعَ ، وابْتَعتُ به مَخْرَفاً في بَنِي سَلَمَة، فإنَّه لأَوَّلُ مالٍ تَأَثَّلْتُه في
الإسْلام(١).
وسَكَنَ بُرَيْدَةُ بنُ الحَصِيبِ بنِ عبدِ الله البَصْرةَ مُدَّةً ، ثم غَزَا خُراسَانَ زَمَنَ عُثْمان ،
فحَكَىْ عنه مَنْ سَمَعَه يقولُ : وَرَاءَ نَهْرِ جَيْجُون :
لا عَيْشَ إلاَّ طرادُ الخَيْلِ بِالخَيْلِ(٢) .
وقال يَزِيدُ ( مَوْلَى سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ) : رَأيتُ سَلَمَةَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَه وسَمِعتُه يقولُ :
بايَعْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم على المَوتِ، وغَزَوْتُ معَه سَبْعَ غَزَوَاتٍ(٣).
وعن إِيَاسِ بنِ سَلَمَةَ ، عن أبيهِ قال : بَيَتْنَا هَوَازِنَ مع أبي بَكرِ الصِّدِّيق رضي الله عنه
فَقَتَلْتُ بَيَدِي لَيْلَتَئِذِ سَبْعَةَ أهلِ أَبْيَاتٍ (٤) .
وقال حَمَّادُ بنُ سَلَمَة : أخْبَرَنا ثابتٌ : أنَّ صِلَةَ بنَ أشْيَم كان في الغَزْوِ ، ومعَه ابنُه ،
فقال : أيّ بُنَي! تَقَدَّم، فقَاتِل حتى أَحْتَسِبَك، فحَمَلَ، فَقَاتَلَ حتى قُتِلَ، ثم تَقَدَّمَ
صِلَةُ، فَقُتِلَ، فاجْتَمَعَ النِّسَاءُ عند امْرَأَتِهِ مُعَاذَة، فقالت: مَرْحَباً إنْ كنتُنَّ حِثْتُنَّ
لُهََّْنِي ، وإنْ كِتْنُنَّ جِئْتُنَّ لغيرِ ذلك فَارْجِعْنَ(٥) .
وقِيلَ إنَّ يَزِيدَ بنَ الأَسْوَدِ الجُرَشِيّ قال : قُلتُ القَومِي: اكْتُبُونِي فِي الغَزْوِ ، قالوا :
قد كَبُرْتَ قال : سُبحانَ الله اكْتُبُونِي فأيْنَ سَوَادِي في المُسلمين ؟ قالوا : أمَا إِذْ فَعَلْتَ ،
فَأَفْطِرِ وتَقَوَّ على العَدُوِّ ، قال: ما كُنتُ أَرَانِي أَبْقَى حتى أُعَاتِبَ نَفْسِي، والله لا أُشْبِعُها
من الطَّعَامِ ولا أُوطِتُها من مَنَامٍ حتى تَلْحَقَ بالله(٦).
انظر السير : ( أبو قتادة الأنصاري السلمي) ٤٤٩/٢-٤٥٦، وانظر النزهة : ٤/٢٨٩.
(١)
(٢)
انظر السير: ( بريدة بن الحصيب) ٤٢٩/٢-٤٧١، وانظر النزهة: ٢/٢٩١.
(٣)
انظر السير: ( سلمة بن الأكوع) ٣٢٦/٣ -٣٣١، وانظر النزهة: ٢/٣٨٨
انظر السير: ( سلمة بن الأكوع) ٣٢٦/٣ -٣٣١، وانظر النزهة: ٣/٣٨٨
(٤)
(٥)
انظر السير : ( صِلة بن أشيم ) ٣/ ٤٩٧ - ٥٠٠، وانظر النزهة: ٢/٤١٦
(٦) انظر السير: (الجُرَشيّ) ١٣٦/٤-١٣٧، وانظر النزهة: ٢/٤٦٢
١٨٠