Indexed OCR Text

Pages 41-60

- ٤١ -
وقَوْلُ المُدَّعِى إِنَّهمَ أَظْهَرُ وا هذا، ويقولُ: عَلَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّ كلّ شىءٍ
حتى الخَرْأَةَ، وما عَلَّ هذا المُهِمَّ، هذا بَهْرَجٌ (١) لا يمثِى على الصَّيْرَفِّ النَّقَّادِ، أَوَمَا عِلِمٍ
أنَّ الخَراءَ يحتاج إليها كلُّ واحد، وربما تكرَّرت الحاجةُ إليها فى اليومِ مَرَّات ،
وأُّ حاجةٍ بالمَوامِّ إلى الخَوْضِ فى الصِّفات؟ نعم الذى يحتاجون إليه من التوحيد قد تبيَّن
فى حديث: (أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ الَّاسَ))، ثم هذا الكلامُ من الدَّعِ بِهِمْ بُنْيَانَهُ، وَيَهُ
أَرْ كَانَه، فإِن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ عَّ الخَرْأَ تَصْرِيحً، وما عَّ الناسَ أنَّ اللهَ تعالى
فى جِهَةِ العُلُوِّ ، وما ورَد من العَرْشِ والسماء فى الإِسْتواء، قد بَنَى المُدَّعِى مَبْناه، وأوْثَقَ
◌ُرَى دَعْواه، على أنَّ الُرادَ بهما شىٍّ واحد، وهو جِهَةُ الْعُلُوِّ، فما قالَّه هذا الُدَّعى
لم يُعَلِّمْه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّ أُمَّتَهُ، وعلَّمهم الخَرَاةَ، فعندَ المُدَّعِى يجب تعليمُ العَوام
حديثَ الجِهَةِ، وما علَّها رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّ، وأما نحن فالذى نقولُه أنه لا يُخاضُ
فى مثلِ هذا، ويُسْكَتُ(٢) عنه كما سكّت رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّ وأصحابُهُ، ويَسَمُنا
ما وَسِعَهم، ولذلك لم يُوجَدْ منَّا أحدٌ بأمرُ العَوامَّ بشىءٍ من الخَوْضِ فى الصِّمَاتِ، والقومُ
قد جعلوا دَأَبَهِم الدُّخولَ فيها والأَمْرَ بها، فليت شِعْرِى مَن الأَشْبَهُ بِالسَّلَفِ؟
وها نحن نذكُر عقيدةَ أُهلِ السُّنَّة، فتقول:
عقيدتُنا أنَّ الله قديمٌ أَزَلِيٌّ، لايُشْبِهُ شِيئًا ولا يُشْبِهُه مى، ليس له جِهَةٌ ولا مكانٌ،
ولا يَجْرِى(٣) عليه وَقْتٌ ولا زمانٌ، ولا يقال له أين ولا حيث، يُرَى لاعن مُقَابَّةٍ
ولا على مُقَابَلَةٍ، كان ولا مَكانَ، كَوَّن المكان، ودَبَّرَ الزمان، وهو الآن على
ما عليه كان .
هذا مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ ، وعقيدةُ مشابخ الطريقِ رضى الله عنهم .
(١) فى المطبوعة: ((النبهرج))، والمثبت من: ج، ز. وهما بمعنى الزيف والردئ *.
(٢) فى المطبوعة: ((ولنكت))، والمثبت من: ج، ز.
(٣) فى المطبوعة: ((محتوى))، والمثبت من: ج، زر.

- ٤٢ -
قال الجُنَيْدُ رضى الله عنه: متى يَدَّصِلُ مَن لاشَبِيَةَ [له](١) ولا نَظِيرَ له من له
شَِبِهٌ وَنَظِيرٌ؟
وكما قيل ليحيى بنِ مُعاذِ الرَّازِىِّ: أُخْبِرْنا عن اللهِ عزّ وجلَّ؟ فقال: إِلهٌ واحدٌ.
فقيل له : كيف هو؟ فقال: مالِكٌ(٢) قادِرٍ. فقيل [ له](٣): أين هو ؟ فقال: بالمِرْصادِ.
فقال السائلُ: لم أسألُكَ عن هذا، فقال: ما كان غيرَ هذا كان صِفَةَ المخلوقِ، فأمَّا ضِفَتُهُ.
فا أخْبَرْتُ عِنْه .
وكما سأَلَ ابنُ شاهِين الجُنَيْذَ رضى الله عنهما عن مَعْنَى ((مع)) فقال: ((مع)) على معنيَيْن؟
مع الأَنْبياء بالنُّصْرة والكلاءةِ، قال الله تعالى: ﴿ إِنَِّى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾(٤).
ومع العالَمِ بالعلمِ والإِحاطة، قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَا هُوَ
رَائِعُهُمْ﴾(٥) فقال ابنُ شاهين: مِثْلُك يصلُحْ دَالًا للأُمَّةِ عَلى اللهِ.
وسُئِلِ ذو النُّونِ المِشْرِىُّ رَضِىَ الله عنه، عن قولِهِ تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْمَرْشِ
أُسْتَوَى﴾(٦)، فقال: أَثْبَتَ ذاتَهَ ونَفَى مكانَه، فهو موجودٌ بذاتِهِ، والأَشْياءِ بِحِكْمَتْهِ
کما شاء.
وسُئِلٍ عنه الشَّيْلِىُّ رضى الله عنه فقال: الرحمنُ لم يزَلُ والَعَرْشُ مُحْدَثٌ، والعرشُ
بالرحمن اسْتَوَى .
وسُئِلِ عنها جعفرُ بن ◌ُصَيْر، فقال: اسْتَوَى علمه بكلِّ شىءٍ، وليس شىء أقربَ إليه
من شىء.
وقال جعفرُ الصادقُ رضى الله عنه: مَن زعَم أنَّ الله فى شىء أو مِن شىء أو علَى عِىء
(١) ساقط من المطبوعة، وهو من : ج، ز.
(٢) فى المطبوعة: ((ملك))، والمثبت من: ج، وهو ساقط من : ز ..
(٣) زيادة من المطبوعة على ما فى: ج، ز .
(٤) سورة طه ٤٦.
(٥) سورة المجادلة ٧. وموضع الاستشهاد فى تمام الآية الكريمة: ((إلا هو معهم أين ما كانوا)).
(٦) سورة طه ٥ .
---

- ٤٣ -
فقد أشرك؛ إذْ لو كان فى شىء لَكان محصورًا، ولو كان على شىء لَسكان محمولًا، ولو كان
من شىء لَكان مُحْدَثًاً.
وقال محمد بن محبوب خادمُ أبى عثمان المغْرِبِيِّ، قال لى أبو عثمان المغربىُّ يوماً: يا محمد،
لو قال لك قائلٌ: أين معبودُك أَيْشٍ تقولُ؟ قلت: أقول: حيث لم يزَلْ. قال: فإن قال: فأين
كان فى الأَزَلِ أَيْش تقولُ؟ قلت: حيث هو الآن. يعنى أنه كان ولا مكان فهو الآن كما كان،
قال: فإِرْتَضَى ذلك مِّى، وزَع قميصَه وأعْطانِيه .
وقال أبو عثمان الَغْرِبِيُّ: كنتُ أُعتقدُ شيئاً من حديثِ الجِمَةِ، فلمّا قدِمتُ بغدادَ زال
ذلك عن قلبى، فكتبتُ إلى أصحابى بمكةَ انِّى أسلمتُ جديدًا. قال: فرجَع كلٌّ من كان
تَجَعَهُ على ذلك .
فهذه كلماتُ أعْلامِ أهلِ التوحيد، وأَنْخَّةِ جُمْهور الأُمَّة، سوى هذه الشِّرْزِمَةِ الزائِنة،
وكُتُبهم طافِحةٌ بذلكِ، وَرَؤُّهم على هذه النَّازِعة لا يكاد يُحْصَر، وليس غَرَضُنا بِذلك(١)
تقليدَهم، لِمَنْع ذلك فى أُصولِ الدِّيانات، بل إنما ذكرتُ ذلك ليُعْلَ أنَّ مذهبَ أهل
السُّنَّة ما قَدَّمْنَا ..
ثم إِنَّ(٢) قولنا إِنَّ آيَاتِ الصَِّاتِ وأخبارها، على مَن يسْمَعُها وظائفُ التقديسِ،
والإيمانُ بما جاء عن اللهِ تعالى وعن رسولِهِ صلَّى الله عليه وسلم على مُرادِ الله تعالى، ومُرادِ
رسولِهِ (٣) صلى الله عليه وسلم، والتَّصدِيقُ والاعْتِرانفُ بالعجزٍ، والسُّكوتُ والإِمْساكُ
عن النَّصَرُّفِ فى الألْفاظ الواردةِ، وَكَفُّ الباطِنِ عن التّفَكُّر فى ذلك، واعتقادُ أَنَّمَاخَفِىَ
عليه منها لم يَخْفَ عن (٤) اللهِ ولا عن(٤) رسولِهِ صلَّى الله عليه وسلَّ، وسيأتِى شَرْحُ هذه الوظائف
إن شاء الله تعالى، فليت شِعْرِى فى أىِّ شىءٍ نُخالِفُ السَّلَف، هل هو فى قولِنا: كان ولا
مكان؟ أو فى قولِنا: إِنه تعالى كَوَّن السكانَ ، أو فى قولِنا: وهو الآنَ على ما عليه كان ؟
(١) فى المطبوعة: ((من ذلك))، والمثبت من: ج، ز.
(٢) فى المطبوعة بعد هذا زيادة على ما فى ج، ز: ( فى)) .
(٣) فى المطبوعة: ((رسول الله))، والمثبت من : ج، ز .
(٤) كذا فى الأصول. والمعروف أن هذا الفعل يتعدى بـ ((على)) فيقال : خفى عليه.

- ٤٤ -
أو فى قولِنا: تقدَّس الحَقُّ عن الْجِسْمِيَّةِ ومُشاعَبَتِها؟ أو فى قولِنا: يجب تصديقُ.
ما قالَه اللهُ تعالى ورسولُه بالمعنى الذى أراد؟ أو فى قولِنا: يجبُ الإِعْترَافُ بالَجْزِ؟
أو فى قولنا: نسكتُ عن السُّؤالِ والخَوْض فيما لاطاقة لنا به؟ أو فى قولِنا: يجبُ إمساك
اللّسَانِ عن تَشِيرِ الظواهِرِ بالزِّيادةِ والنَّقْصانِ؟
وليت شِعْرِى فى ماذا وافَقَواهم السَّلَفَ، هل فى دُعالِم إلى الخَوْض فى هذا والْحَثِّ
على البحثِ مع الأَحْداث الفِرِّين، والعَوامِ الطَّمِ الذين يعجزون عن تَسْلِ مَحَلِّ النَّحْوِ(١)
وإقامةٍ دعائِمٍ (٢) الصلاة؟ أو وافَقُوا السََّفَ فى تَخْرِبِهِ البارِى سبحانه وتعالى عن الجِهَةِ؟
وهل سّمِعوا فى كتابِ الله أو أثارةٍ من عِلْمِ عِنِ السَّلَفِ أنهم وصَفُوا اللهَ تعالى بجمَةٍ
الُلُوِّ ، وأن كُلَّ ما لا يَعِفُه به فهو ضَالٌّ مُضِلٌّ مِن فِراخِ الفلاسفة والُنودِ(٣) واليُونان؟
﴿اَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِنْماً مُبِيناً﴾(٤).
ونحن الآن نبتدىُ بإِفْسادِ ما ذكره، ثم بعدَ ذلك نُقِيم الحُجَّةَ على نَفْىِ الْجَمَّةِ
والنَّشْبِيهِ، وعلى جميعٍ ما يدَّعِيه، وبالله المُسْتعان ، فأقول :
ادَّعى أوَّلا أنه يقولُ بما قالَهُ اللهُ ورسولُه صلّى الله عليه وسلَّم والسَّايقون الأوَّلونَ
من المهاجرين والأنصار رضى الله عنهم، ثم إنه قال مالم يقُلْه اللهُ ولا رسولُه ولا السابقون
الأوَّلون من المهاجرين والأنصار، ولا شيئا منه، فأمَّا الكتابُ والسُّنّة فَسَنُبَيِّن مُخالفَتَهِ
لهما، وأما السابقون الأَوَّلون من المهاجرين والأنصار فذِكْرُه لهم فى هذا الموضع اسْتعارَةُ
للَّهِوِيل، وإِلَّا فهو لم يُورِدْ من أقوالِهِم كلمةً واحدة، لا نَفْياً ولا إِنْباتا، وإذا تصفّحتٌ.
كلاَمَه عرفتَ ذلك، اللَّهُمَّ إِلَّا أن يكونَ مُرادُه بالسَّابقين الأَوَّلين من المهاجرين والأنصار
مشايخ عقيدته دون الصحابة
(١) النجو : ما يخرج من البطن من ربح أو غائط.
(٢) فى المطبوعة: ((دعاء))، والتصويب من : ج، ز .
(٣) فى المطبوعة هنا وفيما يأتى: ((اليهود))، والتصويب من: چ، ز.
(٤) سورة النساء ٥٠

- ٤٥ -
وأخذ بعد هذه الدَّعْوَى فى مدحِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وفى مدحٍ دينه، وأنَّ أصحابَه
أعلمُ الناس بذلك، والأَمرُ كما قالَه وفوقَ ماقالَه، وكيف المدائحُ تستوفى مناقبه،
ولكنَّ كلامَه كما قال أميرُ المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: كلمةُ حَقّ أُرِيدَ
بها باطلٌ.
ثم أخذ بعد ذلك فى ذَمِّ الأَِّمَّةِ وأعلامِ الأُمَّة، حيث اعترفوا بالنَجْزِ عن إِذْراكِه
سبحانه وتعالى، مع أن سيِّدَ الرُّسل صلَّى الله عليه وسلّم قال: ((لَا أُحْصِى ثَنَاءَ عَلَيْكَ
أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ))، وقال الصِّدِّيقُ رضى الله عنه: العجزُ عن دَرْكِ الإِذْراكِ
إِذْراكٌ. وتجاسَر الُدَّعِى على دعوَى المعرفة، وأن ابن الحَيْضِ(١) قد عَرَف القديمَ على
ما هو عليه، ولا غُرورَ ولا جهلَ أعظمُ عمّن يدَّعِى ذلك، فنعوذ بالله من الخِذْلان.
ثم أخذ بعد ذلك فى نِسْبَةِ مذهبٍ جُمهور أمةٍ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أنه مذهبُ
فِرَاخِ الفلاسفةِ، وأتْباعِ اليُونان والُنودِ {سَتُكْتَبُ شَهَدَمُهُمْ وَيُسْثَلُونَ)(٢).
ثم قال: كتابُ الله تعالى من أوَّله إلى آخِرِه، وسنةُ رسولِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم من
أولها إلى آخرها ، ثم عامَّة كلامِ الصحابة والتابعين، ثم كلامُ سائر الأئمّةِ ملوا بما هو:
إمَّا نَصٌّ وإِما ظاهِرٍ فى الله تعالى أنه فوقَ كلِّ شىءٍ، وعلى كلِّ شىءٍ، وأنه فوقَ العَرْشِ،
وأنه فوق السماء. وقال فى أثناء كلامه، وأواخر مازعمَهَ: إِنه فوق المَرْشِ حقيقةً. وقالَه
فى موضِع آخَر عن السَّلفِ، فليت شِعْرِى أين هذا فى كتاب الله تعالى على هذه الصُّورة،
التى نقَلها عن كتابٍ ربِّه وسُنَّةٍ نَبِّه صلَّى الله عليه وسلَّم؟! وهل فى كتابِ الله تعالى
كلمةٌ عَمَّا قَالَه حتى يقول: إنه فيه أَصَنٌّ ؟! والنَّسُّ هو الذى لا يَحْتَمِل التأويلَ أَلْبَتَّةً، وهذا
مُرَادُه ؛ فإِنَّه جعَلُه غيرَ الظاهرِ ، لَمَطْفِهِ له عليه، وأىُّ آيَةٍ فى كتابِ الله تعالى أَمنُّ بهذا
الاعْتبار! فأوّلُ مَا اسْتَدَلَّ به قولُه تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾(٣)، فليت
(١) فى ج، ز وردت الكلمة بدون نقط الضاد، والمثبت من المطبوعة. ويعنى بابن الحيض الإنسان.
(٢) سورة الزخرف ١٩.
(٣) سورة فاطر ١٠.

-٤٦ -
شِعْرِى أىُّ نَصٍ فى الآية أو ظاهرٍ على أن الله تعالى فى السماء أو على العَرْشِ؟ ثم نهاية
ما يقمسَّك به أنه يدُلُّ على ◌ُلُوّ يَفْهَمُ من الصُّعودِ، وهيهاتَ، زَلَّ حمارُ العلمِ فى الْطَيْن،
فإنَّ الصُّعودَ فى الكلام كيف يكونُ حقيقةً مع أن المفهومَ فى الحقائق أنَّ الصُّعودَ من صِفاتٍ
الأَجْسَام! فليس المرادُ إِلّ القبولَ، ومع هذا لا حَدَّ ولا مكانَ ..
وأَنْبَعَهَا بقوله تعالى: ﴿إِنِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾(١) وما أدرى مِن أين اسْتَنْبِطَ
من هذا الخبرِ أنَّ الله تعالى فوقَ العَرْشِ من هذه الآية! هل ذلك بدلالةٍ المطابقة أو التَّضَُّّن
أو الإِلْتزام، أو هو شىء أخَذه بطريقِ الكَشْفِ والنَّفْثِ فى الرُّوع؟ ولعله اعتقدَ أَنِ الرَّفْعَ
إِنَّما يكونُ فِى الْعُوِّ فِى الْجِهَةِ، فإن كان كما خطَر له هذاك أيضاً لا يُعْقَلُ إِلَا فِى الْجِسْمِيَّة
والْحَدِّيَّةِ، وإِن(٢) لم يقُلْ بهما، فلا حقيقةَ فيما اسْتَدَلَّ به، وإن قال بهما فلا حاجة إلى
الْغَالَطَةِ، ولعله لم يَسْمِعِ الرَّفْعَ فِى الَرْتَبَةِ وَالتَّقْرِينَ(٣) فى المكانة، من (٤) استعمالِ العرب
والعُرْفٍ، ولا (( فلانٌ رَفَع الله شأْنَه)).
وأَنْبَعَ ذلك بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِ السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَِ﴾(٥) وخَصَّ
هذا المُسْتَدِلُّ ((مَن)) بالله تعالى، ولعله لم يُجَوِّزْ أنَّ المُرادَ بهِ ملائكةُ الله تعالى، والمله
يقولُ: إن الملائكةَ لا تفعلُ ذلك، ولا أن جبريل عليه السلام خَف بأهلٍ سَدُومَ(٦) ،
فلذلك اسْتَدَلَّ بهذه الآيةِ ، ولعلها هى النّصُّ الذى أشار إليه.
وأنْبَعَهُ بقولِهِ تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾(٢) والعُروج والصُّعُودِ شىء
واحدٌ، ولا دَلالة فى الآية على أنَّ المُرُوجَ إلى سماء ولا عَرْشٍ ولا شىء من الأشياء التى
١٨
(١) سورة آل عمران ٥٥.
(٢) فى المطبوعة: ((وإنه))، والمثبت من: ج، ز.
(٣) فى المطبوعة: (( والتقرب))، والمثبت من: ج، ز .
(٤) فى المطبوعة: (مع))، والمثبت من: ج، زى .
(٥) سورة الملك ١٦
(٦) سدوم: مدينة من مدائن قوم لوط، وقال الميدانى: سدوم فى سرمين، بلدة من أعمال حلب
معروفة عامرة . معجم البلدان ٥٩/٣ ٠
(٧) سورة المعارج ٤

- ٤٧ -
ادَّعاها بَوَجْهٍ من الوُجُوهِ؛ لأنَّ حقيقته المُسْتعمَلة فى لُغَةِ العرب فى الإِنْقالِ فى حَقِّ
الأَجسام:، إذ لا تعرفُ العربُ إِلَّ ذلك، (١ فليت لو١) أظهره واستراح من كِتْمانه.
وأَرْدَفَه بقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾(٢) وتلك أيضا لا دَلالَةَ [ له](٣)
فيها على سَاهُ ولا عَرْشٍ، ولا أنه فى شىء من ذلك حقيقةً.
ثم الفَوْقِيَّةُ تَرِدُ لمعنيَيْن:
أحدهما، نِسْبةُ جسمٍ إلى جسم، بأن يكونَ أحدُهما أعلى والآخرُ أسْفَلَ، بمعنى أن أسْفَلَ
الأعلى من جانبٍ رأسِ الأَسْفَلِ، وهذا لا يقول به مَن لايُجْسِّم ، وبتقْديرِ أن يكونَ هو
المرادَ ، وأنه تغالى ليس بجسمٍ فلِمَ لا يجوز أن يكون ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ صِلَةٌ إِ ﴿يَخَفُونَ﴾
ويكونُ تقديرُ الكلام: يخافون مِن فوقِيهِم ربِّهم، أى أنَّ الخوفَ من جِمَةِ المُلُوِّ، وأن
المذابَ بأتى من تلك الجِهَةِ .
وثانيهما، بمعنى المَرْتَبَةِ، كما يُقال: الخليفةُ فوقَ السُّلطان، والسلطان فوق الأمير.
وكما يقال: جلس فلانٌ فوق فلانٍ، والعِلمُ فوق العَمَلِ، والصِّباغةُ ،وَقَ الدِّبّاغة. وقد وقَع
ذلك فى قوله تعالى، حيث قال: ﴿وَرَفَعْنَاَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾(٤) ولم يطلعْ
أحدُهم على أكتافِ الْآخّر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا نَوْقَهُمْ فَهِرُونَ)(٥) وما ركبتٍ
القِبْطُأ كتافَ بنى إِسرائيل، ولا ظُهورَهم .
وأرْدَف ذلك بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْمَرْشِ أُسْتَوَى)(٦) ووَرد هذا فى كتاب
الله فى سِتَّةِ مواضعَ من كتابِهِ(٧)، وهى عُمْدَةُ المُشَيِّةِ وأقْوَى مُعْتَمَدِهم، حتى إنهم
كتبوها على بابٍ جامع هَمّذانَ، فلْنَصْرِفِ العِنايَة إلى إيضاحِها، فنقول:
(١) فى المطبوعة: ((فليته)) والمثبت من: ج، ز .
(٢) سورة النحل ٥٠ .
(٣) زيادة من المطبوعة على ما فى : ج ز .
(٤) سورة الزخرف ٣٢.
(٥) سورة الأعراف ١٢٧.
(٦) سورة طه ٥ ٠
(٧) أى الاستواء على العرش فى غير الموضع السابق ، وهى : سورة الأعراف ٥٤، سورة
٠
يونس ٣، سورة الرعد ٥٢، سورة الفرقان ٥٩ ، سورة السجدة ٥٤، سورة الحديد ٤.

- ٤٨ -
إِمَّ أَنْهم يعزِلُون العقلَ بكلِّ وَجْهٍ وسببٍ، ولا يلتفتون إلى ما سُمَّ(١) فرعاً وإدرا كا،
فمرحباً فِعْلِهِم، وبقَوْلٍ (٢) ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْمَرْشِ أُسْتَوَى)، وإن تَعَدَّوا هذا إلى (٣) إنّه
مُسْتَوِ على المَرْشِ فلا حُبًّا ولا كَرامَة، فإنَّ الله تعالى ما قالَه، مع أن علماءَ البَيَانِ كالْمُتْفِقِينَ
على أنّ فى اسْمِ الفاعلِ من الثَّبوتِ مالاً يُفْهَم من الفعلِ. وإن قالوا: هذا يدُلُّ على أنه
فوقَهَ، فقد تركوا منا الْتَزَّهُوه، وبالَغُوا فى الشَّاقُضِ والنَّشَهِّى والجُرْأَةِ.
وإنْ قالوا: بل نْقِى(٤) البَقْلَ، ونَفْهم ماهو المرادُ، فنقول لهم: ماهو الاستواء فى كلام
العرب ؟ فإن قالوا: الجلوسُ والإِسْتقرارُ. قلنا: هذا ما تعرفُهُ العربُ إِلّ فى الجسم؛
فقولوا: يسْقَوِى جسمٌ عَلَى العرشِ، وإِن قالوا: جلوسْ واسْتِقْرَارٌ نِسْبَتُه إلى ذاتِ اللهتعالى
كَنِسْبَةِ الْجُلوسِ إلى الجسمِ. فَالعربُ لا تعرفُ هذا حتى يكونَ هو الحقيقةَ، ثم العربُ تفهم
اسْتِواءُ القِدْحِ الذى هو ضِدُّ الِمْوِجاجِ، فَوَصَفُوه بذلك وتَبَرَّ وامعه من التّجْسِيم،
وسَدُّوا بابَ الحَمْلِ على غيرِ الجُلوس، ولا يسُدُّونه فى قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ مَمَكُمْ
أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾(٥) وقولِهِ تعالى: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِبِدٍ﴾(٦)، ولا
تقولُوا: معهم بالعِلم(٧) . وإن قلتُم ذلك فلِمَ تُحُِّونَه عاماً وتُحرِّمُونه عاماً؟ ومن أين
لكم أنّ ليس الاسْتِواء فعلًا من أفعالِهِ تعالى فى المَرْش؟ فإن قالوا: ليس هذا كلام العرب.
قلنا: ولا كلامُ(٨) العربِ (اسْتَوَى)) بالمعنى الذى تقولونه بلا جِسْمٍ.
ولقد رام المُدَّعِىِ التَّقَلُّتَ من شَرَكِ التَّجْسيمِ، بما زَعَمه من أنّ الله تعالى فى جهة.
(١) فى المطبوعة: ((إيمى))، والمثبت من: ج، ز ..
(٢) فى المطبوعة: ((وتقول))، وفى ج: ((وتقول))، وفى ز: ((ويقول))، ولعل الصواب ما أثبتناء.
(٢) مكان هذه الكلمة فى المطبوعة: ((وقالوا هذا بدل))، والمثبت من: ج، ز.
(٤) فى الأصول: ((تنفى))، وما أثبتناه هو المناسب لمقابلة الاحتمال الأول.
(٥) سورة الحديد ٤.
(٦) سورة فى ١٦.
(٧) فى المطبوعة: (( فى العلم))، والمثبتّ من: ج، ز .
(٨) فى المطبوعة: (( تعرف»، والثبت من : ج، ز.

- ٤٩ -
وأنه اسْتَوَى على المرشِ اسْتِواء يَلِيقُ بَجَلالِهِ. فنقولُ له: قد صِرْتَ الآنَ إلى قولِنا
فى الاِسْتِواء، وأمَّا الجِهَةُ فَلا تَلِيقُ بالجَلالِ.
وأخذ على الُكلِّمين قولهم: إنَّ الله تعالى لو كان فى جِهَةٍ، فإِمَّا أن يكونَ أكبرَ
أو أصغرَ أو مُساوياً، وكلُّ ذلك مُحالٌ. قال: فلم يفهمُوا من قولِ الله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾
إلّ ما يُفْبتون لأىِّ جسمٍ كان على أى جسمٍ كان. قال: وهذا اللازمُ تابِعٌ لهذا المفهوم،
وأمَّا اسْتِواْهَ يَلِيقُ بحَلالِ الله فلا يلزمُه شىء مِنِ اللَّوازِم. فنقول له: أَتَمِيًّا مَرَّةً وَغَيْسِيًا
أُخرى (١)! إِذا قلتَ: استوى اسْتواءَ بَنِيقُ بجلالِ الله، فهو مذهبُ المُتْكَلِّمين، وإذا قلتَ:
استواء(٢) هو استقرارٌ واخْتِصَاصْ بحِمَةٍ دون أخرى لم يُجْدِ ذلك تخلَّصاً من التَرْدِيد
الذكور، والاستواء بمعنى الإستيلاء.
وأشهدُ له (٣) فى هذه الآية أنها لم تَرِدْ قَطُّ ◌َلَا فِى إِظْهَارِ العَظَمَةِ والقُدْرةِ والسُّلْطان.
والمُلْكِ، والعربُ تَكْفِى بذلك عن المُلْكِ فيقولون: فلانٌ اسْتَوى على كُرْسِىِّ الَمَلَدِهِ،
وإن لم يكنْ جلس عليه مَرَّةً واحدةً، ويريدون بذلك المُلْكَ.
وأمَّا قولُهُم: فإن حملتُم الاستواء على الاستيلاء لم يَبْقَ لذِكْرِ العَرْشِ فائدةْ، فَإِنَّذِهِ
فى حَقِّ كلِّ المخلوقاتِ ، فلا يَخْتَصُّ بالعَرْشِ. فالجوابُ عنه: أن كلَّ الموجوداتِ لمْا حواها
المرشُ كان الاستيلاء عليه اسْتيلاء على جميعها، ولا كذلك غيرُه، وأيضا فكِنايَةُ العربِ
السابقةِ تُرَجِّحُه، وقد تقدَّم الكلامُ عن السَّلَفِ فى معنى الاسْتواء، كفر الصَّادقِ،
ومَن تقدَّم .
وقولُهم : اسْتَوَى بمعنى اسْتَوْلَى، إنما يكون فيما يُدافَع عليه. قلنا: واسْتَوَى بمعنى
جلس أيضا إِنما يكونُ فى جسم، وأنّم قد قلتُم إِنكم لا تقولون به ، ولو وصَفُوه تعالى
(١) هذا من الشواهد النحوية. راجع كتاب سيبويه ٣٤٣/١.
(٢) فى المطبوعة: ((استوى))، والمثبت من : ج، ز .
(٣) فى المطبوعة: « نت))، والمثبت من : ج، ز .
(٤ / ٩ - طبقات الشافعية)

- ٥٠ -
بالاسْتواءِ على العرش لَما أَنْكَرْنا عليهم ذلك، بل تقدم (١) إلى مايُشْبِهُ النَّشْبية، أو هو
النَّشِْهُ المَحْذُورُ(٢)، والله المُوقّق.
واسْتَدَلَّ بقوله تعالى حكايةً عن فِرْعُونَ: ﴿ يَاَ هَامَانُ أَبْنِ لِ صَرْحاً لَلَّى أَبْلُغُ
اُلْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمْوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلهِ مُوسَى﴾(٣) فَليت شِعْرِى كيف فَهِم من كلامٍ.
فِرْعَوْنَ أنَّ اللهَ تعالى فوقَ السَّمواتِ، وفوقَ المرش يُطَّلِعُ إلى إلهِ موسى، أمَّا أنَّ إلَّهَ
موسى فى السَّموات فما ذكَّرَه، وعلى تقديرٍ فَهْمِ ذلك من كلام فِرْعَوْنَ فكيف يَسْتَدِلُّ
بِظَنَّ فِرْعَوْنَ وَفَهْمِهِ، مع إِخْبَارِ الله تعالى عنه أنه زُيِّنَ له سُوءِ عملِهِ، وأنه حادَ عِنْ
سبيلِ اللهِ عزّ وجلَّ، وإِن كَيْدَه فى ضَلالٍ، مع أنَّه لمَّا سأل موسى عليه السلامُ وقال:
وَمَا رَبُ السَّمَوَاتِ (٤)؟ لم يَتَعَرَّضْ موسى عليه السلام للجِهَةِ، بل لم يذْكُرُ إِلَّ اخَصَّ
الصَّاتِ، وهى القُدْرةُ على الاختراعِ، ولو كانت الجِهَةُ ثابتةً لَكان التَّعْرِيفُ بها أَوْلَى؛
فإنَّ(٥) الإِشارةَ الحِسِّيَّةَ من أقْوَى الُرِّفَاتِ حِيًّاً وعُرْفاً، وفِرْ بَوْنُ سأل بلفظةِ ( مَا))
فكان الجوابُ بالنَّحَيَِّ أَوْلَى مِنِ الصِّفَةِ، وغايةُ ما فَهِعَهُ من هذه الآية واسْتَدلَّ بِهِ فَهْمُ
فِرْعَوْنَ، فيكون ◌ُمْدَةُ هذه العقيدةِ كُونَ فِرْ عَوْنَ ظَنَّها، فيكون هو مُسْتَتَدَها (٦)،
فليت شِعْرِى لِمَ لا ذكَرَ النِّسْبةَ إليه(٧) كماذكَر أن عقيدةً ساداتِ أُمَّةٍ محمدٍ صلّى الله
عليه وسلّم، الذين خَالَفُوا اعْتقادَه فى مَسْأْلةِ التَّحَيِّ والجِهَةِ الذين أَلْحَقَهم بالجَهْمِيَّة،
مُثَلَفَّاةٌ مَن كَبِيدِ بنِ الأَعصَمِ اليَهُودِىِّ الذى سحَر النبيَّ - لَّى الله عليه وسلَّم.
(١) كذا فى المطبوعة، والكلمة فى ج، ز بدون نقط .
(٢) فى المطبوعة: ((المحظور))، والمثبت من : ج، ز ..
(٣) سورة غافر ٣٦.،٣٢،
(٤) كذا ورد فى الأصول. والسؤال المعنى جاء فى قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَارَبُّ الْمَالِينَ﴾
وجاء جوابه بعد ذلك: ﴿قَالَ رَبُّ السَّعَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُمْتُمْ مُوقِنِينَ﴾
سورة الشعراء ٢٣، ٢٤ .
(٥) فى المطبوعة: ((لأن))، والمثبت من: ج، ز.
.(٦) فى المطبوعة: ((مشيدها»، والمثبت من: ج، ز.
(٢) فى ج، ز: ((إليها))، والمتبت من المطبوعة.

- ٥١ -
وختم الآياتِ الكريمةَ بالاستدلالِ بقوله: ﴿تَزْبِلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾(١)
﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ)(٢) وما فى الآيَتَيْن لا عَرْشٌ ولا كُرْسِىٌ ولا سماءٌ ولا أَرْضٌ، بل
(٣ ما فيهما إلَّا؟» مُجَرَّدُ الَّتْيل، وما أدْرى من أيِّ الدَّلالاتِ اسْتَنْبَطَهَا الْمُدَّعِى! فإِن
السَّماء لا تُفْهَمَ من النَّنْزِيِل، فإن النَّْيلَ قد يكونُ من السماءِ وقد يكونُ من غيرِها،
ولا تَنْزِيلُ القرآن كيف يُفْهَم منه النَزُولُ، الذى هو انتقالٌ من فوقَ إلى أسفل! فإنَّ
العربَ لا تفهم ذلك فى كلامٍ، سواءا كان من عَرَضٍ (٤) أو غير عرضٍ (٤)، وكما تُطْلِقُ
العربُ النَّولَ على الانتقالِ تُطْلِقُهُ على غيرِهِ، كما جاء فى كتابه العزيز: ﴿وَأَنْزَ لْنَ اْلْحَدِيدَ
فِيْهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾(٥)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَمِ ثَانِيَةً أَزْوَاجٍ﴾(٦)
ولم يَرَ أحدٌ قطعةَ حديدٍ نازلةً من السماء فى الهواء، ولا جَمَلًا يُحَلّق (٧) من السماء إلى
الأرض، فكما(٨) جَوَّزَ (٩) هنا أنَّ التُُّولَ غيرُ الإِنْتقال مِنِ الْعُلُوِّ إلى السُّغْلِ،
فَلْيُجَوِّزْهُ(١٠) هناك.
هذا [آخِرُ](١١) مااسْتدَلَّ به من الكتاب العزيز، وقد الدَّعَى أوَّلا أنه يقول ما قالَه اللهُ،
وأنَّ ما ذكره من الآياتِ دليلٌ على قولِهِ؛ إِمَّا نَصَّا وإِنَّا ظاهِراً، وأنت إذا رأيتَ ما ادَّعَاهُ،
(١) سورة فصلت ٤٢.
(٢) سورة الأنعام ١١٤.
(٣) فى المطبوعة مكان هذا: ((فيهما))، والمثبت من: ج، ز.
(٤) فى المطبوعة: ((غرض))، والتصويب من: ج، ز .
(٥) سورة الحديد ٢٥ .
(٦) سورة الزمر ٦ .
(٧) فى المطبوعة: ((ينزل))، والمثبت من: ج، ز، والكلمة فيهما بدون نقط.
(٨) فى ز: ((وكما))، والمثبت من: المطبوعة، ج.
.(٩) فى المطبوعة: ((جوزنا))، والمثبت من: ج، ز .
(١٠) فى المطبوعة: ((فلنجوزه))، والكلمه فى ج، ز بغير فقط على النون أو الياء، وامل
الصواب ما أثبتناه ، ويؤيده ما سبق .
(١١) ساقط من المطبوعة، وهو من : ج، ز .

-٥٢ -
وأمْعَنْتَ النَّظَرَ فيما قُلْناه، واسْتَقْرَيْتَ هذه الآياتِ ، لم يجِدْ فيها كلمةً على وَفْقِ ما قالَه أوَّلًا؛
لا نَصَّا ولا ظاهراً أَلْبَّةَ، وكلُّ أَمْرٍ بعدَ كتابِ الله تعالى والدَّعْوَى عليه خَلَلٌ".
ثم اسْتَدَلَّ مِنِ السُّنّةِ بحديثِ العُراج، ولم يَرِدِ فى حديث المعراج أنَّ الله فوق السماء
أو فوق العرش حقيقةً، ولا كلمةٌ واحدة من ذلك، وهو لم يسْرُد حديثَ المعراج، ولا بَيِّن
الدَّلالَةَ منه، حتى نُجِيب عنه؛ فإن بَيْنَ وَجْهَ الاسْتدلال(١) عَرَّمْنَاه كيف الجوابُ.
واسْتَدَلَّ بُول الملائكة من عند الله تعالى، والجوابُ عن ذلك أنَّ نزول الملائكة
من السماء إنما كان لأنَّ السماءَ مَقَرُّهم، والعِنْدِيَّةُ لا تدل على أنَّ الله فى السماء؛ لأنَّه يُقال
فى الرُّسُل الْآدَمِّيِّين: إِهم من عند الله، وإن لم يكونوا نزلوا من السماء، على أنَّ المِنْدِيَّة
قد يُراد بها الشرفىُ والرُّنْبَةِ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْغَى وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾(٢)،
وتُستعمل فى غير ذلك، كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، حِكَايةً عن ربِّه ◌َزَّ وجَلَّ:
( أَنَ عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِ)).
وذكَر ◌ُروجَ الملائكة، وقد سَبق، وربما شَدَّ فِقِرَ ظَهْرِهِ، وقَوَّى [مُنّةَ](٣) مُنَّتِهِ
بلفظةِ ﴿ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ وأنّ ﴿إِلَى﴾ لانتهاء الغابةِ، وأَّها فى قَطْعِ المسافة، وإذا سكت
عن هذا لم يتكلّمْ بكلامِ الغرب، فإنَّ المسافة لاتَفْهَمُ العربُ منها إِلَّا مَا تَنْتَقِ فيه الأجسامُ،
وهو يقول إنهم لا يقولون بذلك، وقد قال الخليلُ صلّى الله عليه وسلَّم: ﴿إِنِى ذَاهِبٌ
إِلَى رَبّى﴾(٤) وليس المرادُ بذلك الانتهاءَ الذى عَنَاهُ المُدَّعِىِ بالاتِّفَاقِ، فَلِمَ بِجْتَرِىُّ على
ذلك فى كتاب الله تعالى ، ولا يُجاب به فى خبرِ الواحد !
وذكَر قولَه صَلّى الله عليه وسلَّم: ((أَلَا تَأْمَنُونِى وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِى السَّماءِ،
يَأْ تِى خَبَرُ مَنْ فِى السَّماءِ صَباحاً ومَساءَ))، وليس المرادُ بِمَن هو اللهُ تعالى، ولا ذَكَر
النبيُّ صَلّى الله عليه وسلَّم ذلك، ولا خَصَّهُ به، ومن أين للمُدَّعِى أَنَّه ليس المرادُ بِمن
(١) فى المطبوعة: ((الدلالة))، والمثبت من: ج، ز.
(٢) سورة ص ٢٥.
(٣) ساقط من المطبوعة، وهو من: ج، ز. و(( منته)) جاءت فى ج بتشديد النون، وبعدها تاء
ولعل صوابها ((متته)) بالتاء الساكنة، بعدها نون، والمتن: الظهر.
(٤) سورة الصافات ٩٩.

- ٥٢ -
الملائكة ، فإنهم أكبرُ المخلوقات عِذْعاً بالله تعالى، وأشدُّهم اطلاعاً على القُرْبِ، وهم يعلمون
أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أمينٌ، وهو عندهم فى هذه الرُّتْبة، فليعْلَم المُدَّعِى أَنَّه
ليس فى الحديث ما يَغْفِى هذا، ولا [ما](١) ◌ُثْبِت ما ادَّعاه.
ثم ذكر حديثَ الرُّفِيَةَ: ((رَبُّنَ اللهُ الذى فى السَّماءِ تَقْدَّسَ اسْمُك، أمْرُكَ فى السَّماءِ
والْأَرْضِ، كما رِزْقُك فى السَّماءِ)) الحديث. وهذا الحديثُ بتَقْدِير ثُبُوتِهِ، فالذى ذَكَره النبيُّ
صَلَّى الله عليه وسلَّم فيه: (( رَبُّنَا الذى فى السَّماءِ تَقَدَّس اسْمُكَ)) ماسكت النبيُّ صلَّى الله
عليه وسلَّم على ((فى السماء )) فِلِأَىِّ معَّى نقفُ نحن عليه، ونجمل ((تَقَدَّس اسْمُك))
كلاما مُسْتَأْنَفاً؟ هل فَعَله رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم هكذا، أو أمَر به؟ وعند ذلك
لا يجد المُدَّعِى ◌َخْلَصَا إلّا أن يقول: اللهُ تقدَّس اسمُه فى السماء والأرض، فلم خُصِّصَتِ
السَّماءِ بالذِّكْرِ؟ فنقول له: ما معنى ((تقدَّس))؟ إن كان المرادُ به التّْزِيهَ من حيث هو ◌َِْيهُ
فذلك ليس فى سَماء ولا أرضٍ، إذ الِّْيهُ نَفْىُ النَّائِصِ، وذلك لا تَعَلُّقَ له يجرِباء
ولَا غَبْراءَ، فإنَّ المرادَ أنَّ المخلوقاتِ (٢ تُقَدِّسُ وتعترفُ(٢) بالتَّغْرِهِ، فلاشَكَّ أنَّ أهل السماء
مُطْبِقون على تَنْزِيهه تعالى، كما أنه لاشكَّ أنَّ فى أهلِ الأرض من لم يُنَزِّه، وجعل له نِدًّا،
ووصَفه بما لا يليقُ بجلالِهِ، فيكون تُخْصِيصُ السماءِ بذِكْرِ التَّقْدِيس فيها لا نْفِراد أهلِها
بالإِطْباق على التّنْزِيهِ، كما أنَّه سبحانه لمَّ انْفَرد فى المُلْكِ فى يومِ الدِّين عمَّن يُتَوَهَّم
مُلْكُه خَصَّصه بقولِهِ تعالى: ﴿ مَالِكِ (٣) يَوْمِ الدِّينِ)، وكما قال سبحانه وتعالى بعدَ
وَمَارٍ (٤) من ادَّعَى الْمُلْكَ والعِلْك: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ أَلْيَوْمَ لِهِ الْوَاحِدِ الْقََّّارِ﴾(٥).
وأعاد هذا المُدَّعِى الحديثَ من أُوَّله، ووصل إلى أن قال: فَلَيَقُلْ ربُّنَا الذى فى السماء.
(١) تكلة من : ج، ز ، على ما فى المطبوعة .
(٢) فى المطبوعة: ((تقدسه وتعرفه))، والمثبت من: ج، ز.
.
(٣) فى المطبوعة: ((ملك))، والمثبت من: ج، ز، وكلاهما صحيح متواتر فى السبع. انظر تفسير
ابن كثير ٠٤٠/١
(٤) فى المطبوعة: ((زمان))، والتصويب من: ج، ز.
(٥) سورة غافر ١٦.

- ٥٤ -
قال: وذكَره ووقَف على قولِهِ ((فى السَّماءِ)) فليت شِعْرِى هل جَوَّزَ أحدٌ من العطاء أن
◌ُفْعَل مثلُ هذا؟ وهل هذا إلّا مُجَرَّدُ إِيهام أنَّ سيد المرسلين صلّى الله عليه وسلم وعليهم
قال: (( رَبُّنَا اللهُ الذى فى السَّاءِ»؟
وأمَّا حديثُ الأَوْعَالِ (١)، وما فيه من قولِهِ: (( وَالْمُرْشُ فَوْقَ ذلِكَ كُلِّهِ، وَاللهُ
فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ)) فهذا الحديثُ قدِ كَثُر منهم إِيهامُ المَوَامِّ أَنَّهم يقولون به، ويُرَوِّجون
به زَخَارِفَهِم، ولا يتركون دَعْوَى مِن دَعاويهم(٢) عاطلةً من التَّحَلَّى بهذا الحديث، ونحن
نُبَيِّن أنَّهم لم يقولوا بحَرْفٍ واحدٍ منه، ولا اسْتَقَرَّ لهم قَدَمْ بأنَّ اللهَ تعالى فوقَ المَرْشِ
حقيقةً، بل نقَضُوا ذلك، وإِيضاحُ ذلك بتقديم ما أخَّر هذا الُدَّعِى؛ قال فى آخِرِ كلامِه: ولا
يَظُنَّ الظَّنُّ أنَّ هذا يُخالف ظاهِرَ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَبِكُمْ أَيْتَمَا كُنْتُمْ﴾(٣) وقولِ
الفِىِّ صَلّى الله عليه وسلم: ((إِذَا قَمَ أَحَدُ كُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَإِنَّ اللّهَ قِبَلَ وَحْهِهِ))،
ونحو ذلك، قال: فإِنَّ هذا غَلَطٌ ظاهرٌ، وذلك أنَّ اللهَ تعالى معنا حقيقةً، فَوقَ الَرْشِ
حقيقةً، قال: كما جمَع اللهُ بِيْهما فى قوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْسَ
وَمَا بَيْنَهُمَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا بَلِجُ فِى الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ
مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَ تَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ﴾(٣) قال هذا المُدَّعِى بِمِلٍْ مَاضِفَتَيْهِ (٤) مِن غيرِ تَكتُّمٍ ولا تَلَمْتُمِ: فقد أخبر
اللهُ تعالى أنَّه فوقَ المَرْشِ، ويعلم كلَّ شىءٍ وهو مَعنا أيْتَمَا كُنّا، كما قال(٥) صلّى الله
عليه وسلَّم فى حديثِ الأَوْتَالِ: ((واللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلْهِ)) فقد
فهِمِتَ أنَّ هذا المُدَّعِى الدَّعَى أنَّ اللهَ فوقَ العَرْشِ حقيقةً، واسْتَدَلَّ بقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ
أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وجَعَل أنَّ ذلك مِن اللهِ تعالى: خَبَّرَ أَنَّه فوقَ العَرْشِ، وقد علم
(١) فى المطبوعة هنا وفيما يأتى: ((الأوغال))، والتصويب من ج، ف. وهم الملائكة الذين يحملون
العرش، أى أنهم على صورة الأوعال. النهاية ٠٢٠٧/٥ والوعل : التيس الجبلى.
(٢) فى المطبوعة: ((دعواتهم))، والثبت من: ج، ز.
(٣) سورة الحديد ٤.
(٤) فى المطبوعة: ((ماضفيه)»، والمثبت من : ج، ز .
(٥) فى المطبوعة: ((كما قال قال))، وأسقطنا الثانية، كما فى: ج، ز.

- ٥٥
كلُّ ذى ذِهْنٍ قويمٍ وفكرٍ مستقيمٍ، أن لفظ (أُسْتَوَى عَلَى الْمَرْشِ﴾ ليس(١) مُرادِفِا
لَلَفْظِ ((فوقَ العَرْشِ)) حقيقةً، وقد سبَقْ مِنَّا الكلامُ عليه، ولا فى الآية ما يدُلُّ على الجَمْعِ
الذى ادَّعاهُ، ولا بَيِّنَ التَّقْرِيب فى الاسْتِدْلال، بل سَرَدَ آيَةً مِن كتاب الله تعالى لا يُدْرَى
هل حَفِظَها أو نَقَلها من الُصْحَف، ثم شَبِّهَ الآيةَ فى الدَّلالةِ على الجَمْعِ بحديثِ الأَوْعَالِ،
[ قال](٢) كما قال صلى الله عليه وسلم فيه: ((واللهُ نَوْقَ الْمَرْشِ))، وقد علمت أنَّه ليس
فى الحديث ما يدُلُّ على الْمَعِيَّةِ، بل لا مَدْخَلَ لِمَعَ فى الحديث، قال: وذلك أنَّ ((مع))
إذا أُطْلِفِتْ فليس ظاهرُها فى اللُّغَةِ إِلَّ الْمُقارَنِةِ(٣) المُطْلَقَةِ من غيرِ وُجوبٍ مُماسَّةٍ ولا
◌ُاذاةٍ عن ◌َمِينٍ أو شِمالٍ، فإِذا فُيِّدَتْ بمعنى من المانى دلَتْ على المُمارَنَةِ فى ذلك المعنى،
فإنَّه ◌ُقال: مازلنا نسيرُ والقمرُ مَعنا والنَّجْمُ(٤) معنا. ويُقال: هذا المتاعُ معَنا. وهو أجامعتِهِ
لك (٥) وإن كان فوقَ رَأْسِك، فإِنَّمَ الله (٦) مع خَلْقِهِ حقيقةً، (٧) وهو فوق العرشِ حَقيقَةً(٧)
ثم هذه الْمَعِيَّةُ تختلفُ أحكامُها بحسَب المَوَارِدِ، فلمَّا قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَلِجُ فِى الْأَرْضِ
وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَاَ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللهُ
◌ِمَ تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ دَلَّ ظاهرُ الخطابِ على أنَّ حكَمَ هذه المَعِيَّةِ ومُقتضاها أنَّه مُطَلِعٌ
عليكم عالمٌ بَكم. قال: وهذا معنى قولِ السَّلَفِ: إنه معهم بعاِه. قال: وهذا ظاهرُ
الخطاب وحقيقته .
قال: وكذلك فى قوله تعالى: ﴿مَآَ يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾(٨) الآية، وفى قوله
،
(١) بعد هذا فى المطبوعة زيادة: ((إلا))، والصواب من: ج، ز.
(٢) ساقط من المطبوعة، وهو من : ج، ز .
(٣) فى المطبوعة: ((المقارنة))، والمثبت من: ج، ز.
(٤) فى ج: ((أو النجم))، والثبت من المطبوعة، ز .
(٥) فى المطبوعة: ((معك))، والمثبت من: ج، ز.
(٦) فى المطبوعة: ((فإن الله))، والمثبت من: ج، ز .
(٧) ساقط من المطبوعة، وهو من : ج، ز .
(٨) سورة المجادلة ٧ .
-
۔

- ٥٦ -
تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَمَ﴾(١)، ﴿إِنَّاللهَ مَعَالَّذِينَ أَنَّقَوْا وَلَّذِينَ هُمُ مُخْسِنُونَ﴾(٢)
﴿ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾(٣) .
قال: ويقول أبو الصَِّيِّ (٤له مِن٤) فرقِ السَّقْفِ: لا تخفْ، أنا معك. تَنْسِهاً
على الْمَعِيَّةِ المُوجِبةِ الحُكمِ الحال. فْلَيَفْهِم الناظرُ أدبَ هذا المُدَّعِى فى هذا المَثَلِ،
وحُسْنَ الفاظِهِ فى اسْتِثْمَارِ مَقاصدِ ..
ثم قال : فَقَرْقٌ بين العَمِّيّةِ وبين مُقْتضاها، المفهومِ من معناها، الذى يختلف باختلاف
المواضع. فَلْيَفْهم النّاظرُ هذه العبارةَ التى ليست بالعربّة ولا بالعَجَمِيّة، فسبحان الُسَيَّحِ
باللغاتِ المختلفة.
قال : فلفظُ المَعِّةِ قد اسْتُفْعِل فى الكتابِ والسُّنَّةِ فى مواضعَ، يقتضى فى مَن موضع.
أُمورًا لايقتضيها فى الموضع الآخَر . هذه عبارتُه بحروفها.
ثم قال: فإِنَّ أن تختلفَ دَلالُها بحسَب المواضعِ، أو تَدُلَّ عَلَى قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ بين
جميعٍ مَوارِدِها، وإنْبِ امْتَازَ كُلُّ موضعٍ بخاصِّيَّةٍ فْلِيُفْهَمْ تقسيمُ هذا الدَّعِى،
وحسنُ نصرُّفه .
قال: فعلى التَّقْديرين ليس مُقتضاها أن تكون ذاتُ الرَّبِّ مختلِطَةَ بالخلق، حتى يُقال:
صُرِفت عن ظاهرِها.
. ثم قال فى موضعٍ آخَرِ: مَنَ عَلِمَ أن المَعِيّةَ تُضافُ إلى كل نوع من أَنْواع المخلوقاتِ ،
كإضافة الرُّبُوبِيّةِ مَثَلًا، وأنَّ الإِسْتِواءَ على العرشِ ليس إِلَّا المرشَ، وأنَّ الله تعالى
يُوصَف بِالْعُنُوِّ والفَوْفِّةِ الحقيقيّةِ، ولا يُوصَف بالسُّغُولِ ولا بالتَّحْتِيّة قَطَّ، لا حقيقةً
ولا تَجازا، عَلِمَ أنَّ القرآنَ على ماهو عليه من غيرِ تحريفٍ . فَلَيَفْهم الناظرُ هذه المُقَدِّمَاتِ
(١) سورة التوبة ٤٠٠
(٢) سورة النحل ١٢٨
(٣) سورة طه ٤٦.
(٤) فى الطبوعة: ((الذى))، والمثبت من: ج، ز.

- ٥٧ -
القَطْعِيَّةَ، وهذه العباراتِ الرَّائقةَ الجليةَ، وحَصْرُ الإِسْتواء على الشىء فى العَرْشِ ممَّا
لا يقولُه عاقلٌ ، فَضْلًا عن جاهل .
ثم قال: مَن تَوَهَّم أنَّ كَوْنَ اللهِ فى السماءِ، بمعنى أنَّ السماءَ تُحِيطُ به وتَحْوِيه، فهو
كاذبٌ إن نَقْلَه عن غيره، وضَالٌّ إن اعتقده فى رَبِّه، وما سمِعنا أحدًا يفهمُه من اللَّفظ ،
ولا رأيْنا أحدًا نَقَلَهُ عن أَحدٍ. فَلْيَسْتَفِدِ الناظرُ أن القيمَ يُسْمَعُ.
قال: ولو سُئِلِ سائرُ المسلمين: هل يفهمون من قولِ الله تعالى ورسوله صلَّى الله عليه
وسلَّم أنّ اللهَ تعالى فى السماء تَحْوِيِه(١)، لَبَادَر كلُّ أُحدٍ منهم إلى أن يقولَ: هذا
شى؛ لعلَّه لم يخطر ببالِنا، وإذا كان الأمرُ هكذا فمن التكلَّفِ أن يُجْعَلَ ظاهرُ اللفظِ شيئاً
مُحَالًّا، لا يفهمُه الناسُ منه، ثم يُرِيد أن يتأوَّلَه.
قال: بل عند المسلمين أنَّ الله فى السماء، وهو على العرشِ واحدٌ ، إذ السماء إِنما يُراد
بها العُلُّ ، فالمعنى: اللهُ فِى الْعُلُوِّ لا فى السُّفْلِ. هكذا قال هذا المُدَّعِىِ نْلَيْنِ (٢) الناظرُ
على هذه بالخَناصر، ولْيَضَّ عليها بالنَّواجِذ، ولْيعلمْ أنَّ القَومَ (يُخْرِبُونَ بُيُونَهُمْ بِأَبْدِيهِمْ
وَأَيْدِى اُلْمُؤْمِنِينَ﴾(٢).
قال: وقد علم المسلمون أنَّ كُرْسِيَّه تعالى وَسِعَ السَّمَواتِ والأرضَ ، وأنَّ الكُرْسِيَّ
فى العرشِ كَحَلْقَةٍ مُلقاةٍ بأرضٍ فَلَاةٍ، وأنَّ العرشَ خَلْقٌ من مخلوقاتِ الله تعالى، لا نِسْبةَ له
إِلَّا قدرةُ اللهِ وَعَظَمْتُه، وكيف يَقَوَهَّم مُتَوَهِّمٌ بمدَ هذا أنَّ خَلْقَاً بحصُره ويَحْوِيه،
وقد قال تعالى: ﴿وَلَأَصَلّبَّنَّكُمْ فِىِ جُذُوعِ النَّخْلِ﴾(٤)، وقال تعالى: ﴿فَسِيرُوا
فِي الْأَرْضِ﴾(٥) بمعنى ((على))، ونحو ذلك، وهو (٦) كلامٌ عَرَبِيٌّ حقيقةٌ لا مجازٌ ،
(١) فى المطبوعة: ((أنها تحويه)) وأسقطنا هذه الزيادة كما فى: ج، ز، وسيأتى نظيره فى صفحة ٦٠.
(٢) فى المطبوعة: ((فليشد))، والمثبت من : ج ، ز .
(٣) سورة الحشر ٢.
(٤) سورة طه ٧١ .
(٥) سورة آل عمران ١٣٧، وسورة النحل ٣٦.
(٦) فى المطبوعة: ((وهذا))، والثبت من : ج، ز.

- ٥٨ -
وهذا يعلُه مَن عَرَف حقائقَ معنى الحروف، وأنها مُتواطِئَةٌ فى الغالب ، هذا آخر
ما تمسّك به.
فيقول: أولا، ما معنى قولِك: إن (( مع)» فى اللغة للُقارَنَةِ المُطْلقَةِ من غيرِ مُماسّة ولا
◌ُاذاةٍ، وما هى المقارنةُ؟ فإن لم يفهم مِن المقارنة غيرَ صفةٍ لازمةٍ للجِسْمِيَّة، حَصَل المقصودُ،
وإن فهِمْ غيرَه فَلُتَنَبَّهْ حتى نَنْظُرُ (١) هل تفهمُ العربُ من المقارنةِ ذلك أولا.
ثم قوله: فإذا قُيِّدَتْ (٢) بمعنى من المعانى دَلَّتْ على المقارنة فى ذلك المعنى. فنقول له:
ومَن نَجَاَ ذلك فى ذلك؟
قولُه: إِنَّها فى هذه المواضعِ كلِّما بمعنى العِلْم. قُلْنا: من أينَ لك هذا؟ فإن قال : من
جِهَةِ قوله تعالى: ﴿مَا يَبِكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾(٣) الآية، دلَّ ذلك
على المَغِّيّةِ بالعلمِ، وأنَّه على سبيلِ الحقيقة: فنقولُ له: قد كِلْتَ بالصَّاعِ الوَافِى فكِلْ لنا
بِمْثِه، واعلمْ أنّ «فوقَ)) كما يُسْتَعْمَلُ فى المُلُوِّ فى الجهةِ كذلك يُسْتَمَل فى العُلُوِّ فِى الَرْتَبَةِ
والسَّلْطَفَةِ والمُلْكِ، وكذلك الإِسْقواء، فيكونان مُتَواطِئَيْن، كماذكرتَهَ حَرْفاً بحرفٍ ،
وقد قال اللهُ تعالى: ﴿ وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾(٤)، وقال تعالى: ﴿وَنَوْقَ كُلِّ ذِى
عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾(٥)، وقال الله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾(٦) وقال تعالى حكايةً عن
قومٍ فِرْعَوْن: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾(٧) وقال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ
دَرَجَّاتٍ﴾(٨)، ومعلومٌ أنه ليس المرادُ جِهَةَ العُلُوِّ، فَأَعِدِ البحثَ وقُلْ: فوقَ العربشْفٍ
(١) فى المطبوعة: ((ينظر))، والمثبت من : ج، ز.
(٢) فى المطبوعة: ((قيد))، والمثبت من: ج، ز .
(٣) سورة المجادلة ٧ .
(٤) سورة الأنعام: ١٨.
(٥) سورة يوسف ٧٦
(٦) سورة الفتح ٠١٠
(٧) سورة الأعراف ١٢٧
(٨) سورة الزخرف ٣٢

-- ٥٩ -
بالإِسْتيلاء. وكذا فى حديثِ الأوْعَال، وما فعلته فى (( مع)) فافْعَلْهُ فى ((فوق))،
وخَرِّج هذا كما خرَّجتَ ذلك، وإِلَّا اثْرُك الجميعَ .
ثم قوله: ومَن عَلِمٍ أنّ المَعِيَةَ تُضافُ إلى كلِّ نوعٍ مِن أنواعِ المخلوقات ، وأنّ
الإِسْتواء على الشىء ليس إلَّا العرشَ. فُلْنَا حتى نُبْصِرَ لك رجلًا اسْتعملها يعلمُ ما تقولُه من
غيرٍ دليلٍ، فإِنّك إن لم تُقُمِ دَلالَةً على ذلك وإِلَّ أَبْرَزْتَ لفظةً تدلُّ على تحتُّم ((فوق))
لِلاسْتِواء فى جِهَةِ الْعُلُوِّ، فَليت شِعْرِى مِن أبن تعلمُ أن المَعِيّةَ بالعلم حقيقة، وأنّ آيَةً
الإِسْتواء على العرشِ وحديثَ الأوْعَال دالان على صفةِ الرُّبوبيّةِ بالفَوقّةِ الحقيقيّةِ!
اللهم غَفْرًا، هذا لا يكونُ إِلَّ بالكَشْفِ، وإِلَّ فالأدِلَّةِ التى نصَبها اللهُ تعالى لُتُعْرَفَ بها
ذاتُه وصفاتُهُ وشرائعُه لم يُورِدْ هذا الدَّعِى منها حرفاً واحدا على وَفْقٍ دعوَى، ولا ثبّت له
قَدمٌ إِلَّ فِى مَهْوَى.
ثم قوله: لا يُوصَفُ اللهُ تعالى بالسُّفُولِ والنَّحْتِيّة، لاحقيقةً ولا مَجازًا، ليت شِعْرِى!
مَنَ ادَّعَى له هذه الدعوى حتى بُكَلَّفَ الكلامَ فيها ؟
ثم إِنَّ قولَه بعد ذلك: من تَوَهَّم كونَ اللهِ تعالى فى السماء، بمعنى أنَّ السماء تُحِيط به
وتحْوِيه ، فهو كاذبٌ إِن نَقَلَهُ عن غيرِهِ، وضالٌّ إن اعْتقَده فى رَبِّه. أيُّها المُدَّعِىِ، قُلْ
ما تفهم، وافْهَمْ ما تقول، وكلُّم الناسَ كلامَ عاقل أما قلِ، تُفُعِد وتَسْتِفِيد، إذا طلبتَ أن تَسْتَفْسِط
من لفظةٍ ((فى )) الجهةَ، وحمْلَّهَا على حقيقتها هل (١) يُفْهَُ منها غيرُ الَّرْميّةِ، أو ما فى
معناها؟ وإذا كان كذلك فهل يَفْهَم عاقلٌ أنَّ الظرفَ بنْفَكُّ عن إحالطَةٍ(٢) ببعضٍ أو جميعٍ
أو ما يلزم ذلك؟ وهل جرَى هذا على سَمْعٍ؟ وهل مَن بخاطِرِ أنَّ ((فى)) على حقيقتها
فى جهةٍ ، ولا ◌ُفْهَمُ منها احْتِواه ولا إحاطةٌ ببعضٍ ولا كُلٍّ؟ فإن كان المرادُ أن يعزِل
الناسُ عقولَهم، وتتكلّمَ أنت وهم يُقلِدون ويُصَدِّقون، !(٣) تأمَنْ أنّ بعضَ المسئولين
(١) فى ج، ز: ((هو))، والمثبت من المطبوعة.
(٢) فى المطبوعة: (( إحاطته))، والمثبت من : ج، ز.
(٣) فى المطبوعة: (( ثم))، والتصويب من: ج: ز .

- ٦٠ -
من المخالفين للمِلَّةِ (١) يأمرُك بذلك وُيُثْبِتُ(٢) الباطلَ عليك.
ثم قولُك: لو سُئِلِ سائرُ المسلمين، هل يفهمون من قول الله تعالى ورسوله أنّ الله
فى السماءِ تَحْوِيهِ، لبادَر كلُّ واحدٍ منهم إلى أن يقول: هذا شىء للَّه لم يخطر ببالِنا.
فنقولُ: ما الذى أردتَ بذلك؟ إن أردتَ أنّ هذا اللفظَ لا يُعْطِى هذا المعنى فإنَّك أن تسأل
عن هذا مَن هو عارفٌ بكلامِ العرب، فإِنه لا يُصَدِّفُك فى أنَّ هذا اللغطَ لايُعْطِى هذا ،
مع كَوْنِ ((فى )) لظَّرْفيّة، وأنّها على حقيقتها فى الجِهَةِ؛ وإن أردتَ أنّ المقولَ : أَبِى ذلك
فى حَقِّ اللهِ تعالى، فلبْنَا نحن معك إِلَّا فى تَقْرِيرِ هذا، ونَفْىِ كلِّ مايُوهِمِ نَقْصًا فى حَقِّ
الله تعالى .
ثم قولُك: عند المسلمين أنّ اللهَ فى السماء وهو على العرشٍ واحدٌ . لاَ يَنْبَغِى أنْ تُضِيف
هذا الكلامَ إِلّ إلى نفسِك، أو إِلى مَن تلقَّيْتَ هذه الوَصْمَةَ منه، ولا نَجْملِ المسلمين
بَرْتِكون فى هذا الكلامِ الذى لا يُعْقَل .
ثم اسْتَدْلَلْتَ على أنّ كَوْنَ اللهِ فى السماء والمرشِ (٣) واحدٌ بأنّ السماء إنما بُراد بها العُلُّ،
فالمعنى: الله فِى الْعُلُوِّ لا فى السُّغْلِ. قُلْ لِى: هل قال اللهُ تعالى ورسولُه صلَّى الله عليه وسلم والسابقون
الأوَّلُون من المهاجرين والأنصار رضى الله عنهم أجمعين: إِنّ اللهَ تعلى فى العُلُوِّ لا فى السُّفْلِ؟
وكُلُّ ما قلتَ من أوَّلِ الُقُدِّمة إلى آخِرِها، لو سُلِّمَ لكَ لَكان حاصِلُه أنّ اللهَ تعالى وصَفَ
نفسَه بأنّه اسْتَوَى على البرشِ، وأنّ اللهَ تعالى فوقَ العرش .
[و](٤) أمَّا أنّ السماءِ المُرَادُ بها جِهَةُ الْعُلُوِّ فىا ظَفِرَتْ كَفَّكُ بنَقْلِه.
ثم قولك: قد علم المسلمون أنّ كُرْسِيّه تعالى وَسِعَ السَّمَواتِ والأرضَ، وأنّ
۔۔۔
(١) فى المطبوعة، ز: ((المسألة))، والمثبت من: ج.
(٢) فى المطبوعة: ((أو يثبت))، والتصويب من: ج، ز.
(٣) فى المطبوعة: (( وعلى العرش))، والتصويب من: ج، ز.
(٤) زيادة من المطبوعة على ما فى: ج ، ز .