Indexed OCR Text

Pages 261-280

- ٢٦١ -
فنه أن جميع الناس فى عصره أجمعوا مع اختلاف آراءهم وتشكب أنحائهم على حسن
مُنْتَقَد هذا الشيخ وزهده وورعه .
. وعن أحمد بن محمد الأمين، وكان ممَّن استعلى على ابن القَرْوِينىّ: ما كان أبو الحسن
يخرِّج المجلس لنفسه عن شيوخه، ولا يَدَع أحدا يخرِّجه، إنما كان يدخل إلى منزله، وأىّ
جزء وقع بيده خرج به، وأملى منه عن شيخ واحد جميع المجلس ، ويقول : حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم لا يُنْتَقَى(١)، وكان أكثر أصوله بخطّه.
وقال القاضى أبو الحسن البيضاوىّ: حدثنى أبى، أبو عبد الله البيضاءِىّ، قال:
كان ثقة (٢) يتفقَّه معنا على الدارَ كِىّ(٣) وهو حديث السِّنّ، وكان حسنَ الطريقة، ملازِما
للصمت، فَلَّ أن يتكلم فيما لا يَعنيه، ومضى على ذلك سِنُون، ولم أجتمع به ، فلما كان يوم
شَيَّعتُ جِنازة إلى باب حَرْب، ثم رجعت من الجنازة، فدخلت مسجدا فى الحرْبِيَّة،
صَلّيت فيه جماعة، فافتقدت الإمام، فإذا به أبو الحسن بن القَزْوِبنىّ، فسلمت عليه، وفلت:
مِن تلك السنين ما رأيناك ، فقال: تفقّهنا جميعا، وكلُّ بعد ذلك سلك طريقا، أو كما قال.
وعن ابن القَزْوِينِىّ أنه سمع الشاة تذكر الله تعالى، سمعها تقول: لا إلهَ إلا الله،
وكان جالسا فى منزله يتوضأ لصلاة العصر، فقال لأهل داره : لا تخرج هذه الشاة غدا
إلى الرَّعمى، فأصبحت ميتةً .
وعن بعضهم : مضيتُ لزيارة قبر ابن القَزْوِينىّ، تَخَطَر لى(٤) ما يذكر الناسُ عنده
من الكرامات ، فقلت: ثُرَى إيش منزاته عند الله تعالى؟ وعلى قبره مَصاحِفُ، حدثتنى
نفسى بأخذ واحد منها وفتحه ، فأى شىء كان فى أول ورقة من القرآن فهو فيه، ففتحته،
فكان فى أول ورقة منه(٥): ﴿وّ ◌ِيهاً فِ الدُّنْيَا وَالْآ خِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
(١) فى المطبوعة: ((لا يشقى)). وفى د: ((لا ينتفى)). وقد أحمل النقط فى س. وامل الصواب
فيما أثبتنا. (٢) فى المطبوعة: ((كان ثقته معنى)) والتصحيح من س، د.
(٣) بعد هذا فى س وحدها: ((ابن القزوبنى)).
(٤) فى المطبوعة: ((فحضرنى)). وفى د: ((فحضر لى)). والمثبت من س.
(٥) سورة آل عمران ٤٥ .

-: ٢٦٢ -
وقال أبو محمد الدهان اللغويّ: كنتُ ممّن يقرأ على ابن القَزْوِينىّ فقلت يوما فى نفسى:
أريد أن أسأله من أىّ شىءٍ يأكل، وأسأله أن يطعمنى منه، فلما جلست بين يديه قرأت
ثم هَمَمْت أن أسألِهِ، فَلحقنى له هيبةٌ [عظيمة](١) فنهضت فأص فى بالجلوس، فجلست
إلى أن فرغ من الإقراء، ثم قال: بسم الله، فقمت معه فأدخلنى داره، وأخرج إلىَّ رغيفين
سَمِيذًا، وبينهما عَدَسٌ، ورغيفين وبينهما تمر أو (٢) تين، وقال: كُلْ، فمِن هذا تأكل.
وعن(٣) القاضى المأوَرْدِىّ: صِليتُ يوما خلفَ ابن القَزْوِيِىّ، فرأيت عليه قميصا أَنْقَى
ما يكون من التَّياب، وهو مُطَرَّزَ، فقات فى نفسى: أن الطَّرْز مِنِ الزُّهد؟ فلما قضى
صلاته قال: سبحان الله الطَّرْزِ لا يَنْقُص أحكامَ الرُّهد، الطَّرْز لا يَنْقُص أحكامَ الزهد،
مرتين أو ثلاثا .
وعن أبى بكر محمد بن الحسين القَزّاز قال: كان ينزل بنَهْر طابق (4) رجلٌ صالح زاهد،
على طريقةٍ حسنة ، يلبَس الصوف وبأكل الشَّمير بالمِلْح الجريش، وكان يبلغه أن ابن
الغزوينيّ يأكل طَيِّب الطعام، ويلبس رقيق الثياب، فقال: يا سبحان الله ! رجلٌ زاهد
مُجْمَعٌ على زهده لا يختلف فيه اثنان؛ بأكل هذا المأكول، ويلبس هذا الملبوس ! أشتهى
أن أراء، فجاء إلى الحربية، فدخل مسجد القَزْوينىّ وهو فى منزله، ثم إنه خرج، فأذن
ودخل المسجد، وفيه ذلك الرجل وجماعة غيره، فقال القَزْوِينيّ: سبحان اللهما رجلٌ يُوماً
إليه بالزُّهد [ والورع](٥) ، يعارِضُ الله فى أفعاله أو فيما يَجْرى فيه عبيده، مرتين أو ثلاثاً.
وما ها هذا محرَّمٌ ولَا مُنكَرٍ، بحمد الله، فَطَفِق ذلك الرجل يتشاهق، ويبكى بكاء شديدا،
والجماعة ينظرون إليه، لا يدرون ما الخير، وصلى القروينى الظهر، فلما فرغ من صلاته
خرج الرجل من المسجد يُهَرْوِل حافيا، إلى أن خرج من الحربية. فلما قضى الفُرْوِبِىّ
ركوعه التفت إلى أبى طالب، فقال له: بين الحربية والمشهد حائط وُضِع (٦) يتكون شُورا
(١) ساقط من المطبوعة، وهومن سن ، د .
(٢) فى المطبوعة: (وتين)). والمثبت من ى، د. (٣) المطبوعة: ((وقال وعن)) وأثبتنا
(٤) نهر الطابق: محلة بغداد، من الجانب الغربي. معجم البلدان ٨٤/١/٤
ما فی س ، د .
(٥) زيادة من س وحدها. (٦) فى الضوعة: ((ومتع)). وأثبتناها فى س ..

- ٢٦٣ -
وماتَمَّ، تمضى إليه وتحمل هذا المداس معك، وتقول لذلك الشخص الجالس عليه: لا يكون
لك عَوْدة(١) ، أو كما قال .
قال أبو طالب: وواللهِ ما أعلم أن ثَمَّ حائطا غيرَ متموم - كذا قال، والصواب مُتَمَّم -
ولا رأيته قَطُّ، فإذا الرجل بعينه جالسٌ على الحائط يبكى ويتشاهق، فوضعت المداس بين
يديه ، وانصرفت .
وقال أبو نصر بن الصَّبَّاغ رحمه الله: حضرت القَزْوِينِىّ بوما، ودخل عليه أبو بكر
ابن الرَّحِىّ، فقال له: أيها الشيخ، أىّ شىء أمرتْنى نفسى أخالفها؟ فقال له: إن كنتَ
مريدا فنعمْ، وإن كنت عارِفاً فلا. فلما انكفأتُ من عنده فكّرت فى قوله ، وكأننى لم
أسوِّ به ، فرأيت تلك الليلة فى منامى شيئا أزعجنى، وكأنّ قائلاً يقول لى: هذا بسبب القَزْوِيِنِىّ،
يعنى لما أخذتَ فى نفسك عليه ، أو كما قال .
قال ابن الصلاح: ذلك لأن العارِفَ ملك(٢) نفسَه فأمِنَ عليها من أن تدعوَ، إلى
محذور، بخلاف المريد ؛ فإن نفْسه بحالها، أَمَّرةٌ بالسُّوء، فلْيخالفها كذلك.
وعن محمد بن هِبة الله، خادم ابن القَزْوِيِنِىّ: صليتُ ليلة مع ابن القَزْ وِيِىّ صلاةَ عِشاء
الآخِرة، فأمسى(٣) فى ركوعه، ولم يبق فى المسجد غيرى وغيرُه، فلما قضى صلاته أخذتُ
القنديل بين يديه، ومشينا، فرأيته فد عزّ منزله ، فمشيت بين يديه، تخرج من الحربية
وأنا معه، وقد صلى فى مسجدها الآخَر ركعتين، فلم أعقل بشىء إذا أنا بموضعٍ أطوف به
مع جماعة خلفَه، حتى مضى هَوِيٌّ (٤) من الليل، ثم أخذ بيدى وقال لى: بسم الله، ومشيت
معه ، فلم أعقل بشىء إلا وأنا على باب الحربية، فدخلناها قبل الفجر، فسألته وأقسمت
عليه : أين كنا ؟ فقال لى: (٥) ﴿إِنْ هُبِوَ إِلَّ عَبْدُ أَنْعَمْنَ عَلَيْهِ﴾ ذلك البيت الحرام،
أو بيت المقدس ، راوى الحكاية يشك
(١) فى س وحدها: ((دعوة)). (٢) فى المطبوعة، د: ((ملك)). والمثبت من س.
(٢) كذا فى المطبوعة، د.وفى س: ((فأسى)).
(٤) فى المطبوعة: ((هوب)). والمثبت من م، د. والهوى، بالفتح: الحين الطويل من الزمان
وقيل هو مختص بالليل. النهاية ٥ /٢٨٥ ٠ (٥) سورة الزخرف ٥٩.

- ٢٦٤ -
قال النَّوِىّ: أمى فى ركوعه: يعنى صلاة، والصلاة تسعَّى ركوها. قال: ولفظ
الطواف يدل على أنه البيت الحرام؛ فإن الطواف لا يُشْرَع لغيره(١).
قلت: عبارته ((أطوف به» فيَحْتَمِل أن يريد الطوافَ الشرعى، ويَحْتَمِل أن يريد
أنه يدور فى جوانبه؛ فلا يتمَّن أن يكون هو (٣ العاواف الشرعى" حتى يتعين أن يكون هو٣)
البيتَ الحرام .
ثم ساق جامعُ فضائل الفَزْ وِيِنِىّ حكاياتٍ كثيرةً، تدل على أن الله تعالى أكرمه بهذه
المَنْقْبَةِ(٣)، وهى طَىُّ الأرضِ له.
وعن أبى نصر عبد الملك بن الحسين(٤) الدَّلال، قال: كنت أقرأ على أبى طاهر:
ابن فضلان المقرى، وكنت ، إذ ذاك أقرأ على أبى الحسن بن القَرْوِينيّ، فقال لى ابن
فضلان يوما، وقد جرى ذِكر كرامات القَرْوِينىّ: لا تعتقد أن أحدايهم ما فى
قلبك ، خرجت من عنده إلى ابن القزوبنىّ فقال: سبحان الله مقاومة معارضة،
رُوى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إِنَّ تَحْتَ الْمَرْشِ رِيحً هَفَّافَةَ تَهُبُ إِلَى
قُلُوبِ الْمَارِفِينَ)). ورُوى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قَدْ كَانَ فِيمَنْ
خَلَ قَبْلَكُمْ نَسٌ مُحَدَّنُونَ(٥)؛ فَإنْ يَكُنْ فِى أُمَّسِى فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ)).
وعن بعضهم: أصبحتُ يوماً لا أملك شيئاً، فقلت فى نَفسى: أشتهى أن أجد الساعة
فى وسط الحرْبِيّة ديناراً أعود به على عيالى، ومثبت(٦) فوافيت القَرْ وينى يخرج من
منزله، فصاح بى، فجئْت إليه فقال لى: أما علمتَ أَن الأَقْطَة إذا لم تُعَرَّف فعى حرام،
وأخرج لی دینارا فوضعه فى كفى ، وقال: خذه حلالا .
وعن آخَرِ: دخلت مسجده وقد حُمِل إليه تفاح ومِشْمِض كثيرٌ جدًّا، وهو يفرِّق
علىضعفاء الحر ییة ، فكانی استكثرته وقلت فی نفسی : قد بقی فی الناس لله بَعْدُ شی×!
(١) فى المطبوعة: ((يغيره)) والثبت من س، د. (٢) ساقط من المطبوعة. واستكملناه من مضى،ود
(٣) فى المطبوعة: ((البيئة)». وفى د: ((اليه)». والمثبت من س.
(٤) و المطبوعة: ((الحمن)». والمثبت من س، ".
(٥) المحدثون ، يتشديد المال المهملة المفتوحة : م اللهمون. النهاية ٣٥٠١١.
(٦) و المطبوعة: «فطيت فرأيت». وأنيتنا ما فى س ، د.

- ٢٦٥ --
فرفع القَزْوِيِنِىّ رَأْسَه إلىّ فى الحال، وقال: سبحان الله ا يُستكثَر شه شىء ؟ لو رأيتم
ما ◌ُنفَق فى معاصى الله !
وعن بعضهم: أصابنى ريح الَفَاصِل حتى رميت(١) لأجلها، فأمَرَّ القَزْ وِيِنِىُّ يدَه من
٢
وراء كمه عليها ، فقمت من ساعتى معاقَى.
وذكر ابن الصلاح كراماتٍ أُخَر كثيرة، حذفتها اختصاراً لدلالة ما ذكرناه عليها؛
لكونها من نوعه.
مات ابن القَزْ وِينيّ فى ليلة الأحد (٢) لخمس خلون من شعبان، سنة اثنتين وأربعين
وأربعمائة (٣).
﴿ومن الفوائد عنه)
• عن الشيخ أبى نصر بن الصبَّاغ الفقيهُ، رحمه الله: حضرت الفَرْوِيِّ للسلام
عليه ، فقلت فى نفسى: قد ◌ُحكى له أننى أشعرىّ، فربما رأيت منه فى ذلك شيئا، فلما
جلست بين يديه ، قال لى: لا نقول(٤) إلا خيرا لا نقول إلا خيرا، مرتين أو ثلاثا، ثم
التفت إلىَّ وقال لى: مَن صلى على جَنازة فله قيراط، ومَن تَبعها (٥ حتى تُدْفَنُ) فله
قيراطان، مع القيراط أو غير القيراط .
قال : قلت : مع القيراط .
قال: جَيِّدٌ بالغ .
(١) ف س وحدها: ((زمت)».
(٢) بعد هذا فى الطبقات الوسطى: «ودفن فى منزله بالحربية يوم الأحد)).
(٣) بعد هنافى الطبقات الوسطى: ((وصلى عليه فى الصحراء قال [ أى الخطيب البغدادى]: وكان
الجمع متوافرا حدا يقوت الإحصاء، لم أر جما على جنازة أعظم منه، وغلق جميع البلد فى ذلك اليوم».
(٤) فى المطبوعة، د: ((لا تقل إلا خيرا)) مرة واحدة، وأنبتنا ما ق س .
(٥) ساقط من س وحدها .

- ٢٦٦ -
(١) ونهض فدخل مسجده، وطالبنى أهل المسجد بالدليل، فقلت لهم: فى القرآن مثله،
قال الله تعالى(٢): ﴿قُلْ أَثِنْكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِىِ يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ
أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّالْعَالِمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَانَهَاَ
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ مع اليومين(٣).
قلت: ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِى جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ
نِصْفِبَالَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِى جَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ الَلَيْلَ كُلَّهُ )) .
وقد اختلف فيمن صلاها جماعة (٤)، هل يكون كمن قام ليلة وأضف ليلة؟ والأرجح :
لا يكون:
قال أبو طاهر بن جَحُْويه : أردت سفرا وكنت خائفا منه، فدخلت إلى القَزْ وِبنى
أسأله الدعاء، فقال ابتداء: مَن أراد سَفَرَ أَففَرِعَ مِن عدوّ أو وحش، فليقرأ(٥): ﴿لا يلْفٍ قُرَيْ﴾
فإنها أمان من كل سوء، فقرأتها، فلم يَعْرِض لى عارِض حتى الآن.
٥٠٧
على بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن سعيد المحاملِّ
أبو القاسم بن أبى الفضل بن أبى الحسن(٦) (٧ بن أبى الحسين(٧).
تفقه على أبى إسحاق الشيرازيّ وسمع من الخطيب وغيره، وأعاد عند بخير الإسلام
الشافي.
توفى فى ذى الحجة سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة .
(١) هنا انتهى السقط فى نسخة (ز) الذى أشرنا إليه فى صفحة ٣٩٧ من اجزء الرابع ونبه
هنا إلى أنا سيل ذكر فروق النسخة ((د)) ما سلمت لنا النختان: ((ز، س)». وانظير تعليقها على
التخة ((د)) فى مقدمة التحقيق. (٢) سورة فضلت ٩
(٢) بعد هذا و س وحدها: ٥ غير اليومين؟
.:
(٥) الآية الأولى من سورة فريش.
(٤) فى المطبوعة: ((بجماعة)) والمثبت من ز، س.
(٦) فى أصول الطبقات الكبرى: ((الحين)). وأنيتنا ما فى الطبقات الوسطى.
(٧) ساقط من ز، س، وهو فى المطبوعة، والطبقات الوسطى.

- ٢٦٧ -
٥٠٨
على بن محمد بن إسماعيل العراقيّ
تفقه على أبى محمد الجُوَيِنِىّ، وولى القضاء بُطُوسٍ.
وسمع أبا حفص بن مَسْرور ، وأبا عمان الصابُونِىّ، وغيرَهما.
توفى بطوس فى مستهل شهر رمضان، سنة ثمان وتسمين وأربعمائة، عن أربع وثمانين
سنة .
٥٠٩
على بن محمد بن حبيب
الإمام الجليل القَدْر، الرفيع (١) الثان
أبو الحسن المأوردِىّ*
صاحب ((الحاوى)) و((الإقناع)) فى الفقه، و((أدب الدِّين والدنيا)) و((التفسير)
و(دلائل النبوة) و (الأحكام السلطانية)) و(( قانون(٢) الوزارة وسياسة الملك)) وغير ذلك.
روى عن الحسن بن علىّ الحِيلِىّ(٣)، صاحب أبى خليفة(٤)، ومحمد بن عَدِىّ
الِنْقَرِىُّ(٥)، ومحمد ابن الُعَلَى الأَزْدِىّ، وجعفر بن محمد بن الفضل البغدادِىّ.
روى عنه أبو بكر الخطيب، وجماعة، آخرهم أبو العِزّ بن كارش.
(١) فى المطبوعة: (( الرفيع المقدار والمأن ». والمثبت من زة س.
# له ترعة فى : الأنساب ١٥٠٤، البداية والنهاية ٨٠/١٢، تاريخ بغداد ١٠٢/١٢ ، شذرات
الذهب ٣ / ٢٨٥، طبقات الشيرازى ١١٠، طبقات المفسرين ٢٥، طبقات ابن هداية الله ٥١، العبر
٢٢٣/٣، الكامل لابن الأثير : /٢٢٩، الباب ٩٠/٣، لسان الميزان ٤ / ٢٦٠، المختصر فى أخبار البشر ١٧٩/٢
مرآة الجنان ٧٢/٣، معجم الأدباء ٥٢/١٥، مفتاح السعادة ١٩٠/٢، المنتظم ١٩٩/٨، ميزان الاعتدال
١٥٥/٣، النجوم الزاهرة ٥/ ٦٤، وفيات الأعيان ٤٤٤/٢.
(٢) هو كتاب واحد. وجعله بعضهم كتابين.
(٣) فى المطبوعة، ز: ((الحنبلى)) . وفى سى: ((الحلى)) وأثبتنا ما فى الطبقات الوسطى، والعبر
(٤) الجمعى، كما فى العبر. (٥) فى المطبوعة: ((القرى؟. والمثبت من سائر الأصول.

- ٢٦٨ -
وتفقه بالبصرة على الصَّيْمَرِىّ، ثم رحل إلى الشيخ أبى حامد الإسْفَرابنىّ ببغداد
وكان إماما جليلا رفيع الشأن ، له اليد الباسطة فى المذهب، والتفنن العام فى سائر
العلوم .
قال الشيخ أبو إسحاق: درس بالبصرة وبغداد سنين كثيرة، (١ وله مصنفات
كثيرة (١)، فى الفقه والتفسير وأصول الفقه والآداب، وكان حافظا للمذهب" انتهى.
وقال الخطيب: [ كان](٢) من وجوه العقهاء الشافعيين، وله تصانيف عِدّة فى أصول
الفقه وفروعه، وغير ذلك، قال: وجُعِل إليه [ولاية (٣) القضاء ببلدان كثيرة.
وقال ابن خَيْرون: كان رجلاً عظيم القَدْر، مقدَّما عند السلطان، أحد الأئمة ،
له التصانيف الحسان فى كل فن من العلم، بينه وبين القاضى أبى الطيّب فى الوفاة أحد
عشر يوما ..
وقيل : إنه لم يُظهِر شيئا من تصانيفه فى حياته، وجمعها فى موضع ، فلما دنت وفاته قال
لَمَن يثق به: الكتب التى فى المكان الغلابى كلَّما تصنيفى، وإنما لم أظهرها لأنى لم أجد نيّة
خالصة(٤)، فإذا عاينتُ الموتّ ووقعتُ فى النَّع، فاجعل يدك فى يدى، فإن قبضتُ عليها
وعصرتُها فاعلم أنه لم يُقْبِل مِنِى شىء منها، فعمد إلى الكتب وأَلْقِها فى وَجْلةِ(٥)،
وإن بسعلت يدى ولم أقبض على يدك، فاعلٍ أنها قد قُبِلت، وأبى قد ظَفِرت بما كنت
أرجوه من النية .
قال ذلك الشخص: فلما قارب الموتَ وضعتُ بدى فى يده، فبَسَطُها ولم يقبض على يدى،
فعلمت أنها علامة القبول، فأظهرت كتبه بعده (٦).
(١) ساقط من المطبوعة- وهو من سائر الأصول، وطبقات الميرازى.
(٢) ساقط من المطبوعة، وهو من سائر الأصول . وتاريخ بغداد ..
(٣) زيادة من الطبقات الوسطى، وتاريخ بغداد.
(٤) بعد هذا في وفيات الأعيان: ((نق تعالى لم يشبها كسر)» ..
(٥) بعده فى وفيات الأعيان: ((ليلا)). (٦) بعد هذا فى المطبوعة: «وعليه خطه)) وليس
فور ى ، ز ، ووفيات الأعيان.

- ٢٦٩ -
قلت (١: لعل هذا بالنسبة إلى ((الحاوى)) وإلا فقد رأيت من مصنّفاته(٢) غيره كثيرا١)،
وعليه خَطّه، ومنه (٣) ما أُحْملت قراءته عليه فى حياته .
ومن كلام الماوردىّ الدالَّ على دينه ومجاهدته لنفسه ما ذكره فى كتاب(1) ((أدب
الدِّين والدنيا)) فقال: ((وممّا أنذرك به من حالى أنى صنفت فى البيوع ((كتابا)) جمته
ما استطعت من كتب الناس، وأجهدت فيه نفسى، وكَدَدْتُ(٥) فيه خاطرى، حتى إذا
تهذّب واستكمل وكدت أُعْجَب به، وتصورت أنِى أشدُّ(٦) الناسِ الظَّلاءا(٧) بعلمه،
حضر نى وأنا فى مجلسى أعرابيان، فسألانى عن بيع عقداء فى البادية على شروط تضمّنت
أربعَ مسائل، ولم أعرف لشىء(٨) منها جواباً، فأطرقت مفكرا، ويحالى وحالهما معتبرا،
فقالا: أما عندك فيما سألناك جواب، وأنت زعيم هذه الجماعة؟ فقلت: لا. فقالا(٩):
إيهالك. وانصرفا، ثم أتيا مَن رقم](١٠) يتقدمه فى العلم كثيرٌ من أصحابى، فسألاء، فأجابهما
مسرعا بما أقنعهما ، فانصرفا عنه راضيتين بجوابه، حامِدَيْن لعلمه.
إلى أن قال: فكان ذلك زاجرَ نصيحةٍ ونذيرَ عِظَةَ (١١) تذلَّلَ لها(١٢) قيادُ النفس،
وانخفض لهما جناح المُجْب)».
قال الخطيب: (١٣) كان ثقةً، مات فى يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول سنة خمسين
وأربعمائة، ودُفِن من الغد فى مقبرة باب حَرْب (١٤).
قال : وكان قد بلغ ستا وثمانين سنة .
(١) ساقط من ز وحدها .
(٤٣ ف الأصول: ((ومنها)).
(٢) فى المطبوعة: ((عدة كثيرة)» والتصحيح من ى.
(٤) صفحة ٥٧ .
(٥) فى المطبوعة: ((وكررت)). وفى ز: ((وكدرت)). وأثبتنا ما فى س، وكتاب أدب الدين
والدنيا. (٦) فى ز وحدها: ((أحد)). (٧) فى أدب الدين والدنيا: ((اضطلاعا)».
.
(٨) فى أدب الدين والدنيا: ((لواحدة منهن حوابا)»
(٩) فى أدب الدين والدنيا: ((واما)). (١٠) ساقط من أدب الدين والدنيا ...
(١١) و المطبوعة، ز: ((عظيمة)). والثبت من ، وأدب الدين والدنيا.
(١٢) فى أدب الدين والدنيا: « بهما)). (١٣) فى الطبقات الوسطى، وتاريخ بغداد .: « كتبت
(٤ ١) فى تارخ بغداد بعد هذا زيادة: ((وصليت عليه فى طعم المدينة».
عنه وكان ثقة )» .

- ٢٧٠ -
﴿ذَكِر البحث عمارُمى به الماوَرْدِىّ من الاعتزال).
قال ابن الصلاح: هذا الملوَرْدِىّ، عفا الله عنه، يُتَّهم بالاعتزال، وقد كفت
لا أتحقق(١). ذلك عليه، وأنأوّل له وأعتذر عنه فى كونه يُورد فى تفسيره فى الآيات التى
يختلف فيها أهل التفسير ، تفسيرَ أهل السُّنَّة ، وتفسيرَ المعتزلة، غيرَ متعرِّض لبيان ما هو
الحق منها، وأقول: لعلّ قَصْدِه إيرادُ كلّ ما قيل من حق أو باطل، ولهذا يورد من أقوال
المُشَبَّهَةِ أشياءَ، مثل هذا الإيراد ، حتى وجدته يختار فى بعض المواضع قولَ المعتزلة،
وما بنَوْه على أصولهم الفاسدة، ومن ذلك مصيره فى ((الأعراف))(٢) إلى أن الله لا يشاء عبادة
الأوثان، وقال فى قوله تعالى: (٣) ﴿ وَكَذْلِكَ جَعَلْنَاَ لِكُلِّ فِىّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ
وَالْجِنَّ﴾ وجهان فى (جَعَلْنَ)) أحدهما: معناه حكمنا بأنهم أعداء، والثاني تركناهم
على العداوة فلم تمنعهم منها .
وتفسيره عظيم الضرر؛ لكونه مشحوناً بتأويلات أهل الباطل، تلبيا وتدسيبا (٤)،
على وجه لا يفطن له غيرُ أهل العلم والتحقيق، مع أنه تأليف رجلٍ لا يتظاهر بالانتساب
إلى المعتزلة، بل يجتهد فى كتمان موافقتهم فيما هو لهم فيه موافق، ثم هو ليس معتزلياً
مطلقا؛ فإنه لا يوافقهم فى جميع أصولهم، مثل خَلْقِ القرآن، كما دل عليه تفسيره فى قوله:
عز وجل: ﴿مَا يَأْتِهِمْ مِنْ ذِكْرِمِن رَّبِِّمْ مُحْدَثٍ}(٥) وغير ذلك، ويوافقهم فى
القَدَر، وهى البَلِيَة التى غلبت على البصريِّن، وعِيبُوا بها قديما. انتهى.
﴿شرح حال الفشْيا الواقعة فى زمان الماوردىّ فيمن لقب بشاهنشاه)
a
وهى من محاسن الماوردى، وقد ساقها الشيخ محمد بن الشيخ أبى الفضل عبد الملك(٦)
(١) فى من وحدها: (أحقق)). (٢) فى المطبوعة، ز: ((الاعتراف)). والمثبت من س
(٤) فى س وجدها: ((وتدليا)».
ولعله يقصد سورة الأعراف. (٣) سورة الأنعام: ١١٢.
(٦) فى المطبوعة، ز: « عبد الكريم)). والتصحيح من س،
(٥) سورة الأنبياء ٢ ..
والأعلام للزركلى ١٢٧/٧. وسيترجمه المصنف فى الطبقة الخامسة.

- ٢٧١ -
ابن إبراهيم المَمَذانىّ، فى ((ذيله)) (١ الذى ذبَّله١) على تاريخ (٢أبى شجاع محمد بن الحسين
الوزير العالم ، وأبو شجاع أيضا مُذَيِّل على تاريخ٢) متقدم.
• وحاصلها: أنه فى سنة تسع وعشرين وأربعمائة فى شهر رمضان أمر الخليفة أن يُزاد
فى ألقاب جلال الدولة ابن نويه: شاهنشاه الأعظم ملك الملوك، وخُطِب له بذلك، فأفتى
بعض الفقهاء بالمنع، وأنه لا يقال ، ملكُ الملوك إلا لله، وتبعهم العوام، ورَمَوْا الخطباء
بالآجُرّ.
وكتب إلى الفقها، فى ذلك، فكتب الصَّيْمَرىّ الحنفيّ أن هذه الأسماء يُعتبر فيها
القَصْد والنية .
وكتب الفاضى أبو الطيِّب الطبرىّ بأن إطلاق مَلِكِ الملوك جاز، ومعناه ملك ملوك
الأرض ، قال : وإذا جاز أن يقال ، قاضى القضاة، جاز أن يقال: ملك الملوك .
ووافقه التَّعِيمِىّ من الحنابلة.
وأفتى المَوَرْدِىّ بالمنع، وشدَّد فى ذلك، وكان الماوِرْدِىّ من خَواصَّ جلال الدولة،
فلما أفتى بالمنع انقطع عنه، فطلبه جلال الدولة ، فمضى إليه على وَجَلٍ شديد ، فلما دخل قال
له : أنا أنحقق أنك لو حابيت أحدا لمابيتنى؛ لما بينى وبينك، وما حملك إلا الدِّينُ، فزاد
بذلك مَحَلَّك عندى .
قلت: وما ذكره القاضى أبو الطيِّب هو قياس الفقه، إلا أن كلام الماوَرْدِىّ يدلّ له
حديث ابن عُيَيْنة، عن أبى الزَّناد، عن الأعرج ، عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه
وسلم قال: ( أُخْتَعُ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ تَعَلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ)).
رواه الإمام أحمد(٢). وقال: سألت أبا عمرو الشَّيْبانِيّ عن ((أخنع)) فقال: أَوْضَعُ.
والحديث فى ((صحيح البخارى)) (٤).
(١) زيادة من س وحدها .
. (٢) ساقط من ز وجدها .
(٣) منده ٢٤٤/٢. والرواية عنده: ((تسمى بملك الأملاك)).
(٤) فى باب ( أبغض الأسماء إلى الله، من كتاب الأدب) ٨ / ٥٦ وروايته بالطريق الذى ذكره
ان السبكى: ((تسمى بملك الأملاك)).

- ٢٧٢ -
وفى حديث(١) عَوْفٍ، عن خِلاس، عن أبى هريرة، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم
قال: ((اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى مَنْ فَتَلَ نَفْسَهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُ الّهِ عَلىَ رَجُلٍ تَسَعَّى
◌ِمَلِكِ الْمُلُوكِ، لَا مَلِكَ إِلَّ اللهُ تَعَلَى)).
قلت: ولم تمكث دولة بنى بْوَيْه بعد هذا اللقب إلا قليلا، ثم زالت كأن لم تكن،
ولم يعش جلال الدولة بعد هذا اللقب إلا أشهرا بسيرة، ثم ولى الملك الرحيم(٣) [ منهم](٢)
و به انقرمت دولهم
﴿ومن الرواية عن الماوَرْدِىّ﴾
أخبرنا الشيخ الإمام الوالد ("رحمه الله تعالى) قراءةٌ عليه وأنا أسمع ، أخبرنا إسحاق
ابن أبى بكر الأَسَدِىّ، سماعا، أنبأنا أبو البقاء يَعِيش بن على النحوى، حدثنا الخطيب
أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطُّوسِىّ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن على
ابن بدران(٥) الحلوانى، أخبرنا أقضى القضاة أبو الحسن على بن محمد بن حَبِيب الماوَرْدِىّ،
قراءةٌ عليه؛ أخبرنا أبوعلىّ الحسن بن علىّ بن محمد الجَبَلِى(٦)، حدثنا أبو خليفة الفضل بن
أُحباب أُلْجَمَحِى، حدثنا أبو الوليد الطَّياليىّ، حدثنا شُعْبة، حدثنا أبو إسحاق ، قال:
سمعت البرَاء رضى الله عنه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقُل معنا التراب يومَ
الأحزاب ، وقد وارى التُرابُ بياضَ بَطْنه وهو يقول:
الَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا أُهْتَدَيْنَ وَلاَ تَصَدَّفْنَ وَلاَ صَلَّيْنَا
(١) بهذا الطريق فى مبند أحمد ٤٩٢/٢. وروايته: ((اعتد غضب الله عز وجل على رجل قتله
نبيه - وقال روح: قتله رسول الله - واشتد غضب الله على رجل تسمى بملك الأملاك؛ لا ملك إلا الله
عز وجل». (٢) فى المطبوعة، ز: ((العزيز)). والتصويب من س. والملك الرحيم هو أبو نصر
ابن الملك أبى كاليجار بن الملك سلطان الدول. توفى سنة ٤٥٠ ه وهو آخر ملوك الديلم. انظر العبر
١٩١/٣، ٠٢٢٤ (٣) ساقط من ز وحدها. (٤) زيادة من س وحدها.
(٥) فى المطبوعة، ز: (( بن بدر بن الحلوانى. والثبت من س، والعبر ١٣/٤
(٦) فى المطبوعة: ((التجلى)). وفى ز: «الحلى ، والتصويب من س، والمشتبه ١٣٥ قال الذهى:
( والحسن بن على الجبلى من بلاد الجبل)».

- ٢٧٣ -
وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لاَفَيْنَاَ
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةٌ عَلَيْفَاَ
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَاً
إِنَّ الألى قَدْ بَغَوْا عَلَيْناً
أخبرنا الحافظ أبو العباس بن الظفر، بقراء تى عليه، أخبرنا أحمد بن عِبة الله بن
عساكر، بقراءتى عليه، أخبرنا إسماعيل بن عثمان القارئ، إجازةً، أخبر نا هِية الرحمن
ابن عبد الواحد القُشَيْرِىّ، إملاء، حدثنا الإمام ركن الإسلام والدى ، إملاء، أخبرنا
أفْضَى القضاة أبو الحسن على بن محمد المتوَرْدِىّ ببغداد، حدثنا أبو القاسم جعفر بن محمد
البغدادىّ، بالبصرة، حدثنا أبو الفوارس العَطّار، بمصر، أخبرنا المُزَّبِىّ، حدثنا الشافى،
عن مالك، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُرُوا
ليلةَ القَدْرِ فى المنام فى السبع الأواخر، فقال: ((إِنِّى أَرَى رُؤْيَ كُمْ قَدْ تَوَاطَتْ فِ السَّبْعِ
الْأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَحَرَّباً فَلْيَتَحَرَّهَا فِ السَّبْعِ الْأُوَاخِرِ » .
﴿ومن الفوائد عن الماوَرْدِىّ﴾
قال الماوَرْدِى فى ((كتاب الشهادات)) من ((الحاوى)) فى الكلام على قول الشافعى"
رضى الله تعالى عنه ((وإن كان يُديم الغِناء)): كتب إلىّ أخى من البصرة، وقد اشتد
شوقه إلى لقائي ببغداد ، {شعرا](١):
قِدْماً إليها وإن عاقت مَقَادِيرُ(٣)
طِيبُ الَواءِ بَنْدَادٍ يُشَوَّقِنِ
طِيبَ الهواءين ممدود ومقصورُ
فكيف صَبْىَ عنها الآنَ إذ جمعَتْ
قال النَّوَوِىّ: قوله (( طيب الهواءين)) لحن عند النحويين؛ لأنهم لا يجيزون تثذية
المختلفَيْن فى الصيغة، إلا فى ألفاظ سمعت من العرب، كالأبوين والعُمَرَين(٣)، وشبهه
من المسموع .
(١) سقط من س وحدها. والبيان فى تاريخ بغداد٠٤/١ وفى وفيات الأعيان فى ترجمة الماوردى.
(٢) فى تاريخ بغداد: ((معاذير)» وكذلك جاء بهامش سر. (٣) فى س وحدها: ((والقمرين».
( ٠/١٨ طبقات )

- ٢٧٤ -
قلت : فى المسألة مذاهب للفحاء ، فيِن قائل: يمتنع مطلقا، ويؤوّل ما ورد من ذلك،
وهو اختيار شيخنا أبى خَيّان، ومن قائل: يجوز مطلقا، وهو اختيار ابن مالك، وقال
ابن عُصفور: إن اتفقا فى المعنى الموجب للنسميه، كالأحمرين، الذعب والزَّعْفران، والأطيبين،
للشباب والنكاح، وإلا فلا .
ولى على هذه المسألة كلام مفرد، فى جواب سؤال سألتيه صاحبنا الإمام الأديب صلاح
الدين خليل بن أيْنَكُ الصَّفَدِىّ، على قول الكرِبرِىّ، صاحب (المقامات)) :"
جاد بالعين جين أعمى هَواهُ عينَه فَانْتَغَى بلا عَيْفَيْنِ
وهو البيت الذى لجَّنه الملفمون فيه، ولعلنا تتكلم على ذلك فى ترجمة الحريرىّ، إن شاء؛
الله تعالی(!)
﴿ومن المسائل والفوائد عنه﴾
قال فى ((الأحكام السلطانية))(٢): يجوز أن يكون وزير التنفيذ ذِمِّياً، بخلاف وزير
التفويض، وفرَّق بأن وزير التفويض يُولَّى وَيَعْزِل، ويباشر الحكم، ويسيرِّ الجيش،
ويتصرف فى بيت المال، بخلاف وزير التنفيذ.
• وقال(٣): إذا استسقى كافر تخيَّر الأمير (٤) بين سقيه ومنعه، كما يتخير بين قتله
وزکه .
وقال (٥): إذا غاب إمام المسجد ولم يستنِب، استوزِن (٦) الإمام، فإن تعذر استئذانه.
ترافى أهل البلد بمن يؤمّهم، فإذا حضرت صلاة أخرى والإمام على غينته، فقد قيل :
المُرْ تَغَى فى الصلاة الأولى أوْلى فى الثانية، وما بعد، إلى أن يحضر الإمام وقيل: بل يُخْتار
(١): بعد هذا فى سي: (قال الماوردى فى الحاوى فى ٠٠٠ بياض)).
(٢) انظر الأحكام السلطانية ٢٧ والمصنف ينقل عنها بتصرف، هناوفيما يأتى." (٣) الأحكام ٥٣
(٤) فى المطبوعة: ((المرء)). وفى س: ((الإمام)). والمثبت من زى، والأحكام
:(٦) فى الأحكام: ((استأذن)) ..
(٥) الأحكام.

- ٢٧٥ -
للثانية ثانٍ (١) يُرْ أَضَى، غيرُ الأول، ائلا يصيرَ هذا الاختيار تقليداً سلطانيًا.
قال المنوَرْدِى: ورأيى أن يراعَى حالُ الجماعة فى الثانية، فإن حضرها مَن حضر (٢)
فى الأولى كان المرتضى فى الأولى أحقّ، وإن حضرها غيرهم، كان الأول كأحدم، واستأنفوا
اختيار إمام .
● فار (٣) السلطان إمامين فى مسجد ولم يخصَّ أحدَهما بزمن ولا صلوات، فأيهما سَبَق
كان أحقَّ بالإمامة، وليس للآخَر أن يؤمَّ فى تلك الصلاة بقوم آخرين، لأنه لا يجوز
أن تقام فى المساجد السلطانية جماعتان فى صلاة واحدة، واختلف فى السَّبْق الذى يستحقّ
به التقدّم على وجهين، أحدهما: سبقه بالحضور إلى المسجد، والثانى بالإمامة فيه، فإن حضرا
مما ولم يتفقا على تقديم أحدهما فوجهان، أحدهما: بُقْرَع، والثانى يختار أهل الناحية.
· قال الماوَرْدِىّ فى ((الحاوى)) فيما إذا قال: فارضتُكَ على أن لك سدسَ عُشْرِ كُمع
الربح، والأصح فيه الصحة؛ لأنه معلوم من الصِّيغة، يمكن الاطلاع عليه، غير أنانتحب
لهما أن يعدِلا عن هذه العبارة الغامضة إلى ما يُعْرَف على البديهة من أوّل وَهْلة؛ لأن هذه عبارة
قد توضع لإخفاء والإغماض ، قال الشاعر:
وثُلْتا ثُلْتِهِ الباقي
لك الثُّلُثَانِ من قَنِى
وتُلْثُ الذُّلْكِ السابقِ
وثُلْمًا ثُلْتِ ما يبقى
تُقَُّ بِين ◌ُشَّاقِ
وتبقى أسهُمْ سِتَّ
فانظر إلى هذا الشاعر وبلاغته وتحسين عبارته، كيف أغمض كلامه، وقسّم قلبه ،
وجعله مجزًّاً على أحد وثمانين جزءا، هى مضروب ثلاثة فى ثلاثة، ليصح منها مَخْرج ثلث
ثاث الثلث، جعل إن خاطبه أربعة وسبعين جزءا من قلبه، وجعل الساقى جزءا، وبقى السنة
الأجزاء ففرّفها فيمن يحبّ.
وليس الإغماض فى عقود المعاوضات وجه مَرْضِىّ، ولا حال يُسْتَحَبّ، غير أن العَقد
(١) فى الأصول: ((بان)) والثيت من الأحكام، وفيها: ((يرتضى لها)).
(٢) فى المطبوعة، ز: ((حضرها)). والتيت من س، والأحكام. (٣) الأحكام ١٠١.

- ٢٧٦ -
لا يخرج به عن حكم الصحّة إلى الفساد، ولا عن حال الجواز إلى المنع؛ لأنه قد يؤول بهما
إلى العلم، ولا يُجهل عند الحكم. انتهى كلام الماوَرْدِى.
وقد أورثه حبُّ الأدب إدخال هذه الأبيات الغزلية فى الفقه .
وقوله (( جزءاً قلبه على أحد وثمانين جزءا)) وجهه ظاهر، وقد أعطاء فى الأول أربعة
وخمسين، وهى ثلثا القَدْر المذكور، ثم ثلثى الثلث الثالث، وهى ثمانية عشر، وبقيت
تسمة، فأعطاه ثلثى ثلثها، وهو اثنان، ويبقى سبعة، واحد، وهو ثات الثلث الباقى للساقى،
وستة مقسومة .
وقوله ((ليس الإغماضِ فى المعاوضات حالٌ مَرْضِى)) فمنوع، فقد يقصد التعاقدان
إخفاء ما يتعاقدان عليه، عن سامعه، لغرضٍ ما، ومثله مذكور فى: بمتك مثل ما باع به
فلان فرسه .
• قال الماوَرْدِىّ فى ((الحاوى)): يجب فى سَلْخ جلد ابنِ آدم حُكومةٌ لا تبلغ دِيةَ
النفس.
ذكره قبل ((باب اصطدام الفارسين)) بأوراق. وهو خلاف ما جزم به الرافعى أنه.
حجب الدية فيه .
• وفى ((الحاوى)) فى ((باب كيفية اللَّمان)): لو قال لابنه: أنت وَلَّهُ زِنا، كان
قاذفا لأمه . انتهى .
وهى مسألة حسنة تعمّ بها البَلْوَى، ذكرها ابن الصَّلاح فى ((فتاويه)) بحثاً من قِبَل
نفسه، وكأنه لم يطَّلع فيها على نَقْل، وزاد ابن الصلاح: أنه يُعَزَّد المشتوه ..
وقال عند كلامه على إمامة العبد: إمامة الحر الضرير أولى من إمامة العبد البصير
لأن الرّقَّ نْص. انتهى .:
وهو غريب منه، فإنه قطع بأن البصير أولى من الأعمى، كما يقول صاحب ((التنبيه)
فهذه صورة تقع مستثناة من ذلك.
• وقيد فى ((باب اختلاف نية الإمام والمأموم)) الصبى الذى يصح أن يؤم البالغير

- ٢٧٧ -
بالمراهِقِ، ولم أر لفظة ( المراهِق)) لغيره، إنما عبارة الأصحاب ((الميزَّ)) فإن أراد بالمراحِق
المميزِّ ، وهو الظاهر، فقد وضع القيّد موضع المطبق؛ لأن التمييز أعمُّ من من المراهقة،
وإلا فلا أعرف له قُدْوة ، فإن كل من أجاز إمامة الصبى قفَع بالتمييز.
• قال فى ((الحاوى)) قبيل ((باب فقل المحرم صيدا)) فيمن مات وعليه حجّة
الإسلام وحجّة منذورة؛ لو استؤجر رجلان، ليحُجًّا عنه فى عام واحد، أحدهما يُحرم
بَحَجّة الإسلام، والآخر بحَجّة النذر، فيه وجهان، أحدهما: أنه لا يجوز؛ لأن حَجَّ
الأجير يقوم مقامٍ حَجِّه، وهو لا يقدر على حَجَّتين فى عام [واحد](١) فكذا لا يصح أن.
يحج عنه رجلان فى عام واحد .
وانوجه الثانى أن ذلك جائز، لأنه إنما لم يصح منه حجّتان فى عام ، لاستحالة وقوعهما
منه، والأجيران قد يصحّ منهما حَجّتان فى عام، فاختلفا، فعلى هذا، أىّ الأجيرين سَبَق
بالإحرام كان إحرامه متعيّنًا لحجَّة الإسلام، وإحرام الذى بعده متعينًا لَحَجْة النذر، فإن
أحرما معا فى حالة واحدة من غير أن يسبق أحدهما الآخر، احْتَمَل وجهين ، أحدهما: أنه
يُعتبر أسبَقُهما إجارةً وإذنا، فينعقد إحرامه بحَجَّة الإسلام، والذى بعده بحجّة النذْر.
والثانى: أن الله تعالى يحتسب له بإحداهما عن حجّة الإسلام، لا بعينها، والأخرى
عن حَجّة النذر . انتهى .
وقد تضمَّن استحالةَ حَجِّتين فى عام واحد، من رجل واحد، وأنه مفروغ { منه](٢).
وهو حق، وعليه نَصَ الشافعىّ رضى الله تعالى عنه، ومتوهُّم خلافَه مخطئ، كما غوره
الوالد الشيخ الإمام رحمه الله .
ومن العجب أن صاحب ((البَحْر)) أهمل فيه، مع كثرة تتبعه ((الحاوى)) أوَّلَ هذا
هذا الفصل، واقتصر على قوله مانصه: فرع، لو كانت عليه حَجَّة الإسلام وحَجّة النذر ،
فاستأجر رجلين فى عام واحد ، وأحرما عنه فى حالة واحدة، من غير أن يسبق أحدُهما
(١) زيادة من سر وحدها. (٢) ساقط من س . وق ز: « مفروع :٨).

- ٢٧٨ -
الآخر، يَحْتَمِل وجهين، أحدهما: أنه يُعتبر أسبقُهما إجارة وإذنا، فينعقد إحرامه بحجّة.
الإسلام، وما بعده بحجّة(١) النذر.
والثانى: يحتَسَ(٢) له بإحداهما عن حَجّة الإسلام لا بعينها، والأخرى عن حجّة
النذر. اتفى ..
. ذكر (٣) المتوردى فى ((الحاوى) وتبعه الرُّويانى فى (( البحر)) أنه تى أسهم إليه فى
جارية بصفة فأتاه بها على تلك الصفة وهى زوجته، لم يلزمه قبولُها؛ لأنه لو قبلها بطل
نكاحه، فيدخل عليه بقبولها نَقْص. قال: وكذلك المرأة إذا أسلمت، فأخْضِر إليها
زوجها، لم يلزمها القبولُ؛ لما فيه من قَسْخ الفكاح
. واعترضه أبن الرَّقعة بأن الزواج عيب فى الزوج والأمة، فعدم إيجاب القبول لوجود
العيب، لا لخوف الضرر بفسخ(٤) النكاح ..
قلت : وهو اعتراض صحيح، إن لم تكن صورة المسألة: أنه أسلم فى أَمَّة ذات
زوج، والذى يظهر، وعليه جرى الوالد فى ((شرح المنهاج)) أن المسألة مصوّرة من أسهم
فى أبة ذات زوج
ثم قال ابن الرَّفعة: وإذا كان كذلك أمكن أن يقال: إذا قبض المحضر ولم يَعْرِف
المُشيم العورة، فإن لم يَرُدّ افسخ النكاح، ولو رَدّ ولم يَرْضَ به يكون فى إصلاحه
خلاف، مبنىٌّ على أن الدَّين النافص هز بَعْلَك بالفَبْض، ويرتد بالرّدْ، أو لا ◌ِمْلَك
إلا بالرضا بعده؟ فعلى الأول بينفسخ النكاح، وعلى الثانى لا ينفسخ.
وقد يجاب بأن الفكاج لما كان يرتفع بالتسليم، وإن كان عيباً غذّر عدّله فى الحال،
نظرالما جُعِل ◌ْمُحقّق الوقوع كانوامع، والمشرف على الزوال كالزائد، ويشهد لذلك أمران،
أحدهما: أنه إذا اشترى جارية وزوجها، وقال لها الزوج: إن ردّك المشترى بعيب فأنت
(٢) فى س وحدها: ((يحتسب الله بإحداها)».
(١) والمطبوعة: ((لحجة)) والمثبت من ش، ز
(٣) من هنا سقط فى من ينتهى إلى أول مسألة الجهر فى قبوت الصبح.
(٤) ق المطبوعة: «النفخ)» والتيت من : زود

- ٢٧٩ -
طالِق، فإن للمشترى زوَّها بما اطلع عليه من غيبها؛ لأن الزوجية زول بالرد، وقُدِّرت
كالمعدومة .
والثانى: أنه لو قتل أمةً مزوَّجة يلزمه قيمتُهَا خَلِيَّةً عن الزوج .
قلت : والفرعان المستشهد بما ممنوعان.
أما قول الزوج: «إن ردَّكِ المشترى(١) بعيب فأنتِ طالق)) فهو شىء قاله
والد الرُّوبانى، وسكت عليه الرافعى.
وقد قال الوالد فى ((شرح المنهاج)»: الأقرب خلافه.
وأما مَن قتل أمة مزوَّجة، فالظاهر. أنه إنما يلزمه قيمتها، ذات زوج.
• وحكى الماوَرْدِيّ ثم الرُّوبانى وجهين(٢)، فيما لو أسلم إليه فى عبد فأقام بأخيه أو عمه،
وجهين فى أنه هل له الامتناع من قبوله؛ لأن من الحكام من يحكم بعتقه عليه ، فيكون
قبوله ضررا، أما لو أتاه بأبيه أو جَدِّه فلا يلزمه القبول قطعا، فإن قَبَضه وهو لا يعلم ثم
عَلِمٍ ، ففى صحة القبول وجهان. قاله الماوَرْدِىّ.
● وذكر فى اليمين الغَمُوس أنها أوجبت (٣) الكفّارة، [ وهى](٤) محلولة ، غير
منعقدة، وبه جزم ابن الصلاح فى ((شرح مشكل الوسيط)) وقال: إنما وجبت الكفارةُ
بمجرَّد العَقْد، وهو كونه حَلِف، والحِنْثِ، وهو كونه كَذِب. والذى صرح به صاحب
((البَحْر)) أنها منعقدة، وهو قضيّة تصريح صاحب ( التنبيه)) والرافعىّ، وغيرهما، وهو
الأشبه واللائق من يوجب الكفّارة. وكلام ابن الصَّلاح يؤول إلى أنه لا يلزم من عَقْدٍ
انعقادٍ (٥) ، وفيه نظر ..
● وذكر الوَرْدِىّ أيضا، فى كلامه على اليمين الغَمُوس فى أثناء الحجاج أن الخلف
بالمخلوق حرام، والذى فى الراقىّ عن الإمام أن الأصحّ القَطع بأنه غير محرَّم، وإنما هو
(١) فى زر، د: ((السيد)) والمثبت فى المطبوعة. وقد سبق فى أصل المسألة.
(٢) فى المطبوعة: ((وحين)) والتصحيح من ز، د. (٣) كذا فى المطبوعة، وفى ز، " :
(( حت)). (٤) زيادة من المطبوعة على ما فى ز، د. (٥) كذا فى المطبوعة، وفى ز، ": «انعقد»
-.

- ٢٨٠ - ٠.
مكروه. وعبارة الشافعى رضى الله تعالى عنه: ((أخشى بأن يكون الجلف بغير الله
معصية ) .
وقد اقتصر الماوَرْدِىّ عند كلامه فى هذا النَّصّ على الكراهة. كما فعله المُعْظَمِ.
• نقل الرافعىّ أن الماوَرْدِىّ قال فى ((الأحكام السلطانية))(١): إن القاضى أن يحكم
على عدوه، بخلاف الشهادة عليه؛ لأن أسباب الحكم ظاهرة، وأسبابَ العداوة (٢) خافية،
وهو كما نقله فى (( الأحكام السلطانية)) لكنه أطلق فى المسألة (٣) فى (الحاوى)) عند
الكلام فى التحكيم، ثلاثة أوجه، ثالثها: الفَرْق بين الحكم والتحكيم ، فيجوز على
العدوّ؛ لاختياره، والحكم بولاية القضاء فلا يجوز، ولم يرجّح فيها شيئا، وقيد المسألة
قبل ذلك، وهذه عبارته: قال قبل (( باب كتاب قاضٍ إلى قاض)) ويجوز أن يحكُمَ
أعدوّه على عدوّه، وجهاً واحدا، وإن لم يشهد عليه، بخلاف الوالدين والمولودين، لوقوع
الفرق بينهما من وجهين، أحدهما : أن أسباب العداوة طارئة، تزول بعد وجودها
الحادث بعد عدمها، وأسباب الأنساب لازمة، لا تزول ولا تَحُور، فغُلَّظت هذه،
وخَفَّفْتِ تَلك .
الثانى: أن الأنساب محصورة معينة، والعداوة منقشرة مُبْهَمة، فيُقْضِى تَرْكُ الحكم
معها إلى امتناع كلِّ مطلوب بما يدَّعيه من العداوة . انتهى.
غير أن هذين الفرقين يقتضيان جواز الحكم على العدو مطلقا، كما نقله الرافعى، وإذا
تأمّلت الفرقين عرفت إندفاع قول الشافعي مشككاً (٤) عليه، وهذا يُشْكِل بالتسوية
بينهما فى حق الأبعاض وغيره، وعرفت أيضا أنه إن لم يكن الأمر كما نقله، من جواز الحكم
على العدوّ مطلقا، وإلا فالعلة عامّة، والدعوى خاصة، فإنه قد يقال: يَقْضَى لعدوٌّ.
(١) الأحكام السلطانية ٧٦، وعبارته: « ويشهد لمذوه ولا يشهد عليه، ويحكم لقدوه ولا
يحكم عليه». (٢) و الأحكام السلطانية: «الشهادة)). وهو الأظهر.
(٣) كذا فى المطبوعة، وفى ز، د: «الطاقة)). (٤) فى المطبوعة: ((مشكلا)». والمثبت
من زيد .