Indexed OCR Text
Pages 201-220
- ٢٠١ -
وقد أفرط أبو عبد الله المازَرِىّ فى ذلك، ظنًا منه أن الإمام ينفى العلم بالجزئيات، وأن
كلامه هذا لا يحتمل غير ذلك، ولا يقبل التأمين .
وقال: أول ما نقدّمه تحذير الواقف على كتابه هذا أن يُصِىَ إلى هذا المذهب ، إلى
أن قال: وددت لو محوتُ هذا من هذا الكتاب بماء بصرى؛ لأن هذا الرجل له سابقةٌ
قديمة ، وآثار كريمة فى عقائد الإسلام والذَّبِّ عنها وتشييدها، وتحسين العبارة عن حقائقها،
وإظهار ما أخفاء العلماء من أسرارها، ولكنه فى آخر أمره ذكر أنه خاض فى فنونٍ
من علم الفلسفة، وذاكَر أحدَ أمتها؛ فإن ثبت هذا القولُ عليه، وقطع بإضافة هذا المذهب
فى هذه المسألة إليه، فإما سمَّل عليه ركوبَ هذا الذهب إدمانُه النظر فى مذهب أولئك.
ثم قال : ومن العظيمة فى الدِّين أن يقول مسلم إن الله سبحانه تخفى عليه خافية.
إلى قوله: والمسلمون او تمعوا أحدا يبوح بذلك ◌َتَبرَّ،وا منه، وأخرجوه من جملتهم.
إلى قوله: إذا كان خطابى مع موجِّد مسلم، نقول (١) له: إن زعمتَ أن الله سبحانه
تخفى عليه خافية، أو يتصوَّر العقل معنى، أو يثبت(٢) فى الوجود صفة أو موصوف،
أو عَرَض أو جوهر، أو حقائق نفسية أو معنوية، وهو تعالى غيرُ عالِم به فقد فارَق الإِسلام،
وإن كان كلامُنا مع ملحِد فتردّ عليه بالأدلة العقلية .
قلت: هذه العبارات من المازَرِىّ تدل على أنه لم يفهم كلام الإمام، أو فَهِمِ وقَصَد
أن يُشْفِّع، وهذا بعيدٌ على الرجل ؛ فإنه من أئمة العلم والدين؛ فالأغلب على ظنِى أنه لم يَفهم،
وكيف يفهم كلام الإمام ، ولم يقصد التشنيع عليه، مِن نسبته إلى اعتقاد الفلاسفة، وأن
الله سبحانه وتعالى تخفى عليه خافية، أو أن العقل يتصوَّر معنًى والله عالم به، أو يثبت
فى الوجود صفة أو موصوف، أو جوهر أو عَرَض ، أو حقائق نفسية أو معنوية، والربُّ
غيرُ عالِمٍ به، أو أنه لا يعلم الجهات إلا على الوجه الكلّى الذى هو مذهب الفلاسفة،
وقد بنى دليلَه، كما سبق، على أن الله عالم بكل شىء، لا تخفى عليه خافية، وأنه يعلم الأشياء
(١) فى المطبوعة: ((يقول له)). وفى د: ((بقوله)). وامل الصواب ما أثبتناه.
(٢) فى المطبوعة: ((ثبت)». وأثبتنا ما فى د .
- ٢٠٢ -
على ما هى عليه، إن مُجْمِلةً فىجملةٌ، وإن مفصّلةً ففصّلةٌ، هذا ما لا يمكن، ومع تصريحه
فى مواضِعَ شتّى بأن الله تعالى يعلم كلَّ شىء .
وقد بالغ فى (( الشامل)) فى الردّ على مَن يعتقد أنه يعلم بعض المعلومات دون بعض.
ثم إن المازَرِىّ ومَن نَيِه من شُرَّاح ((البرهان)» أخذوا فى تقرير مسألة العلم بالجزئيات،
وهو أمرٌ مفروعٌ منه عند المسلمين، وكان الأولى بهم مرف العناية إلى فهم كلام الإمام،
لا أن سيل(١) بما لا يخفى فهمه فيه الإمام ولا غيره، فالذى ينبغى للمنصف الواقف على
كلام الإمام أن يتأمله ؛ ليظهر له أن الإمام إنما منع من تعلَّق العلم التفصيلى بما لا تفصيل له،
وهى الأمور التى لا تتناهى باعتقاد عدم تمييز بعضها عن بعض ، وأن ما لا يتناهى لا يمكن
أن يتميز بعضه عن بعض؛ لا لكونها غيرَ متناهية، والمانع عنده من تعلَّق التفصيل بها
هو عدم تمييز بعضها عن بعض، لا لكونها غير متناهية، وإنما تمنع(٣) من تمكَّق العلم
التفصيلىّ بها والحالة هذه؛ لأن الرب العليم الخبير إنما يعلم الأشياء على ماهى عليه. والله أعلم
وأما الاستنباط الذى ذكره المازَرِىّ من القَطْع بفساد ما ذهب إليه الإمام من مذهب
الأشعرىّ، فى أن العلم بالشىء مجملا، لا يُضادُّ العِلمَ به مفصّلا، ففاسد؛ لأن الإمام
لم يمنع من تعلّق العام التفصيلىّ بما لا يتناهى لحدٍّ تعلَّق العلم الإجمالى به، حتى يتوهّم مقرهٌم
أنه يعتقد التضادّ، وقد صرّح فى (الشامل)) أنهما غيرُ متضادين؛ بل إنما منع من ذلك؟
لأن ما لا يتناهى لا يكون فى نفسه إلا مجملًا غيرَ متميّ بعضه عن بعض؛ فإنه إذا امتنع
أن يكون فى نفسه متميزً ا امتنع تعلّق العام التفصيلىَّ به؛ لأن العلم إنما يتعلق بالشىء
على ما هو عليه من إجمال أو تفصيل؛ وإلا كان جهلا ..
وأما الأمور المتناهية المعلومة على سبيل الإجمال فإن الإمام قد لا يمنع العلم بها على سبيل
التفصيل ، إذا كانت متميزة بعضها عن بعض، كالسواد والبياض والحمرة، وغيرها من
أجناس الألوان، فإنها معلومة لرب العالمين، على سبيل الإجمال، من حيث كونها أعراضاً.
وألوانا ، وعلى سبيل التفصيل، من حيث كونها سواداً وبيانا، وكذلك شُرْب زيد فى :.
(١). كذا بالأصول.
(٢) كذ فى المطبوعة. وفى د: ((تتبع)) ..
- ٢٠٣ -
الجنة من الكأس الفلانىّ الموصوف بصفاته المختصة به، الإمام أن يقول: هو معلوم لله
تعالى إجمالا، من حيث اندراجُه تحت مطلق الشُّرْب من كأس ماء من فضة أو ذهب،
المندرج تحت مطلق النعيم ، ومعلوم على التفصيل .
وهنا وقفة فى كيفية ذلك العلم التفصيلىّ، بحث عن معرفتها الإمامُ المتكلّم بهاء الدين
عبد الوهاب بن عبد الرحمن المِصرىّ الإِخْمِيمِىّ، وكانت له يدْ باسطة فى علم الكلام،
وكان يقول: يعلم الله تعالى ذلك على التفصيل، حيث تعلّقُ(١) الإرادة به، وحين(٢) تعلُّق
القُدرة به، فإنه إذا علمه أراده؛ وإذا أراده أوجده، كالعلوم على التفصيل، لا يكون
إلا متناهيا .
وأنكرت أما عليه ذلك وقلت: إنه يلزمه تجدُّد العِلم القديم، ولكن الإمام أن
يقول : يعلم على التفصيل الخارج منه إلى الوجود ؛ لأنه يعلم ما سيخرج منه، وهنا نظرٌ"
دقيق ، وهو أنك تقول: إذا كان نعيم أهل الجنة لا يتناهى، ومالا يتناهى عنده لا تفصيل
له، فكيف تقول إنه يعامه مفصَّلا، والفَرْض [أن](٣) لا يفصّل.
والجواب : أن مالا يتناهى له حالتان، حالةٌ فى العَدَم، ولا كونَ له إذ ذاك
ولا تفصيلَ عند الإمام، وحالة خروجه من العدم إلى الوجود، وهو مفصّلٌ يسلمه الرب
تعالى مفصَّلا، وهذا ردّ على المازَرِىّ، على قاعدة مذهب شيخنا أبى الحسن.
ثم نقول: مذهب إمام الحرمين الذى صرَّح به فى ((الشامل)) أنه يستحيل اجتماع
العلم بالجملة، والعلم بالتفصيل؛ فإن مَن أحاط بالتفصيل استحال فى حقّه تقدير العلم بالجملة.
قال فى ((الشامل)): فإن قيل: فيلزمكم من ذلك أحدُ أمرين: إمّا أن تَصِفِوا الربّ
سبحانه وتعالى بكونه عالما بالجملة، على الوجه الذى يعلمه، وإمّا أن تقولوا: لا يتَّصِفِ
الربُّ بكونه عالما بالجملة، فإن وصفقموه بكونه عالِما بالجملة لَزِم عن طَرْد ذلك وصْفُه بالجهل
(١) فى المطبوعة: ((تعلقت)) وأنيتنا ما فى د. وانظر ما بعده.
(٢) كذا بالأصول. ولعل صوابه: ((وحيث)). (٣) ساقط من المطبوعة وهو فى د.
- ٢٠٤ -
بالتفعيل، تعالى وتقدّس، وإن لم تصفوه بكونه عالما بالجملة فقد أثبتم العيد معلوما، وحكتم
بأنه لا يثبت معلوماً للرب تعالى سبحانه، وهذا مستفكر فى الدُّين، مستعظم فى إجماع
المسلمين؛ إذ الأمة مُجمِعةٌ على أنّ الربَّ عالم بكل معلوم لنا.
فالجواب عن ذلك أن نقول: لا سبيل إلى وصف الربّ تعالى بكونه عالماً بالمعلومات
على الجملة؛ فإن ذلك حتضمِّن جهلاً بالتفصيل، والربّ تعالى يتقدّس عنه، عالم بتفاصيل.
المعلومات، وهى مميزة منفصلة البعض عن البعض، فى قضية علمه، والعلم بالتفصيل يناقض
العلم على الجملة، فلم (١) يبقَ إلا ما استبعده ( الشامل)) من تصوّر معلوم فى حق المخلوق،
ولا يُتصوَّر مثلُه فى قضية علم الله تعالى، وهذا مالا استنكار فيه، وليس بيد الخصم
إِلا التشفيعُ المجرّد. انتهى.
وفيه تصريح بأن الرية يعلم مالا يتناهى مفصّلا، ثم صرَّح بأن العلم بالجملة يخالف العلم
بالتفصيل، وأنهما غيرُ متضادين.
قال: ولكن لما افتقر العام بالجملة إلى ثبوت جَمْلِ بالتفصيل أو شَكٍ أو غيرهما من
أضداد العلوم ، فيؤول إلى المُضادّة.
ثم نَقَلَ آخِرا(٢) عن الشيخ رضى الله عنه أن الربّ تعالى عالم بالجملة والتفصيل.
ثم قال: وهذا مما أستخير الله فيه، وصرَّح فى هذا الفصل فى غير موضع بأن الربّ
تعالى يعلم مالا يتناهى مفصّلًا .
واستدلّ أيضا المازَرِيّ على فاد ما ذهب إليه الإمام من أن العلم التفصيلى لا يتعلق
بما لا يتناهى بأن ما استرسل إليه علم الله تعالى إمّا أن يخرج منه إلى الوجود، أولا، فإن
لم يخرج منه شيء منعنا نعيم أهل الجنة، الثابت بالشرع، وإن خرج منه فردّان أو ثلاثة،
فإن لم يعلمها ، الربُ سبحانه، على سبيل التفصيل يلزم أن يكون جاهلاً بكل شىء ، وإن
حلمها على (٣) التفصيل بعلم حادث، فهذا مذهب الجَهْمِيَّة، القائلين بأن الله سبحانه وتعالى
يعلم المعلومات بعلومٍ مُحْدَثة، وهو باطل، فلم يبق إلا أن يعلمها بعلمه القديم الواحد على:
(١) فى المطبوعة: ((فلا يبقى)) والمثبت من د. وسيأتى له نظير.
(٢) كذا فى المطبوعة. وفي د: ((أجزاء)). (٣) فى المطبوعة: ((علم». وأنبتناما فى د.
- ٢٠٥ -
التفصيل، ويُفْرَض(١) ذلك فى كل ما خرج منها إلى الوجود، حتى يؤدِّىّ إلى إثبات علمه
بالتفصيل، فيما لا يتناهى ، كما قال المسلمون . انتهى .
والإمام أن يقول: يعلمها بالعلم القديم الواحد ، إلا أن العلم القديم يشملها معدومة
على سبيل الإجمال، لعدم تفصيلها حالةَ العَدّم فى نفسها، ويشملها موجودةً على سبيل التفصيل،
وإن لم تتفاءَ فلا جَهْلَ ولا جَهْمِيَّة، ولا عِلم تفصيل بما لا تفصيل له.
هذا أقصى ما عندى فى تقرير كلام الإمام، ثم أنا لا أوافقه(٣) على أن ما [لا](٣)
يتناهى لا تفصيلَ ولا تمييزَ فه، بل هو مفصّل مميزَّ. وقد صرَّح الإمام بذلك فى («الشامل»،
ودعواه، أن ما (٤) يحيل دخولَ ما لا يتناهى فى الوجود وقوعُ تقديراتٍ غير متناهية فى العلم،
دعوى لا دليل عليها، فمِن أين يلزم من كون الموجود متناهِىَ العَدَد أن يكون المعلومُ
متناهيا ؟
وقوله: (( إن دخول ما لا يتناهى فى الوجود مستحيل)) كلام ممجمج (٥)، فإنه
دخل وخرج عن كونه غير متناه .
ولئن عَنى بغير التناهى الذى لا آخر له فنعيم (٦) أهل الجنة يدخل فى الوجود ،
وهو لا يتناهى .
وإن تَنَّى ما لا يحيط العلم بجملته، فإن أراد علم البَشَر فصحيح ؛ لأن علمهم يَقصُر
عن إدراك ما لا يتناهى مفصّلا؛ وإن مَفى عِلم البارِى، فمنوع، بل هو محيط بما لا يتناهى
مفصّلا.
وسمعت بعض الفضلاء يقول: إن الإمام لم يتكلم فى هذا الفصل إلا فى العلم الحادث،
دون العلم القديم . وفى هذا نظر .
(١) فى المطبوعة: ((ويفر من)). والمثبت من د.
(٢) فى المطبوعة: ((توافقه)). والمثبت من د.
(٣) ساقط من المطبوعة، وهو من د.
(٤) كذا فى المطبوعة. وفى د : « ما»،
(٥) فى المطبوعة: ((مجمج)). والمثبت من د .
(٦) فى المطبوعة: ((فى نعيم)). وأثبتنا ما فى د.
- ٢٠٦ -
فهذا منتهى الكلام على كلامه، ولا أقول: إنه مراده، وإنما أقول: هذا ما يدل عليه
كلامُه هنا، وليس هو من العظيمة فى الدِّين فى شىء، ولا خارجاً (١) عن قول المسلمين ،
حتى يجعلَهم فى جانبٍ والإِمامَ فى جانب، وإنما العظيمة فى الدين، والسوء فى الفهم أن يظُنَّ:
العاقل انسلالَ إمام الحرمين من ربقة المسلمين، ولا يحلّ لأحدٍ أن ينسب إليه أنه قال
إن اللهَ لا يحيط علماً بالجزئيات، من هذا الكلام.
وأما اعتذار المازَرِىّ بأنه خاص فى علوم من الفلسفة، إلى آخره ، فهذا العذر أشد من
الذنب .
ثم قال المازَرِىّ فى آخر كلامه: لعل أبا المعالى لا يخالف فى شىء من هذه الحقائق،
وإنما يريد الإشارة إلى معنى آخر، وإن كان مما لا يحتمله قوله (( إلا على استكراه وتعنيف)
ونحن نقول: إنما أشار إلى معنى آخر، وقد أرينا كه واضحا.
وقال الشريف أبو بحمى، بعد مانال من الإمام وأفرط، تبعا للمازَرِىّ: يمكن الاعتذارُ
عن الإمام فى قوله: (( يستحيل ثمأَّق على البارى تعالى بما لا يتناهى، آحادا على التفصيل،
بل يسترسل عليها استراسالا)) بتمهيد أمر، وهو أن الحدَّ الحقيقى فى المِثْلَين أن يقال؛ هما
الموجودان اللذان تعددا فى الجس (٢). واتحدا فى العقل، وحَدُّ الخلافين أنهما الموجودان
المتعددان فى الحس (٢) والعقل؛ ألا ترى أن البياضين والسوادين وغيرهما من المثلين
متعددان فى الحسّ بالمحل، وفى العقل متحدان، والسواد والبياض وغير ذلك من المختملفات
متعددان حِسّاً وعقلا. وإذا تقرر هذا فيمكن أن يقال: إنما أراد بقوله: «يسترسل عليها
استرسا لا)» للأمثال المتفقة فى الحقيقة؛ فإن العلم يتعلق بها، باعتبار حقيقتها تعلقاً واحداً،
فإن حقيقتها واحدة، كالبياض مثلا، فإن آحاده لا تختلف حقيقة، فعبَّر عن هذا بتعلَّق
العلم بالأمثال جملة، يريد العام بالحادث، وإن كان العلم القديم يفصِّل ما يقع منها، مما (٣).
عُلم أنه يقع فى زمان دون زمان، ومَحَلّ دون محلّ . انتهى.
(١ ) فى الأصول : "
(٢) فى المطبوعة: ((الجنس)). والتصويب من ذ.
خارج )»
(٢) كذا فى المطبوعة. وفى د: (( فيا)) .
- ٢٠٧ --
وأقول: هذا راجع إلى ما قلناه، بل هو زائد عن كلام الإمام؛ لأنه يدَّعى أن الماتلات
لا تُعَرَف إلا بحقيقتها، ولا شك أنها ممتازة بخواصها.
ثم قال أبو يحيى: والذى يَعْضُد هذا التأويلَ ما ذكره فى الكلام مع الشهود (١) فى
((الفتح)) حيث قال: فإن الربَّ تعالى كان عالما فى الأزَل بتفاصيل ما لم يقع، فكيف يذكر
فى أول الكتاب أمرا وينقصه فى آخره ؟ هذا بعيد ممن له أدنى فطنة فى العلوم، فكيف
-هذا الرجل المتبحِّر فى العلوم؛ فيكون هذا تعضيد ما ذكرناه من التأويل له، وإن كان
الكلام الأوّل قيقاً جداً، وظاهره شفيع، أو يكون ما ذكره آخرا من التصريح بعدم تعلّق
العلم بما لا يتنامى تفصيلا مما تقُوِّل عليه ودُسَّ عليه فى كتابه، وقد يعقل (٢) ذلك، والله
أعلم بما وقع من ذلك . انتهى.
قلت: وإنىّ أستبعد(٣) أن يكون كما ذكر من أنه افُتُرِىَ عليه ودُسَّ فى كتابه. ويشهد
لذلك تصريحه فى ((الشامل)) بأنه تعالى يعلم ما لا يتناهى على سبيل التفصيل، وأنه متمّرٌ
بعضُه (٤) عن بعض.
وقد أطلنا الكلام فى هذه المسألة، ولو لا يستعيب السُّفهاء على هذا الإمام :بالمَا
تكلمنا عليها.
( ذكر بقايا من ترجمة إمام الحرمين، رضى الله تعالى عنه)
أخبرنا الحافظ أبو الفتح محمد بن عبد اللطيف بن يحيى الشُّبكى، بقراءتى عليه ، أخبرنا
علىّ بن معمر الوائيّ (٥)، سماعا، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الوبينى، سمَّاعا عليه،
أخبرنا الشريف قوام الدين عَرَ بشاء بن أحمد بن عبد الرحمن العَلَوِىّ، قاضى نَّهاوَنْد، سماعا.
(١) كذا فى المطبوعة. وفى د: «اليهود)).
(٢) كذا فى المطبوعة. وفى د: «يغفل)).
(٣) في المطبوعة: ( يستبعد)». والمثبت من د.
(٤) فى المطبوعة: ((يتميز بعضها)).
وأثبتنا ما فى د. (٥) كذافى الأصول. ولم نجد هذه النسبة وامل صوابها: ((الونى) بفتح الواو وفى آخرها
نون مشددة . الباب ٢٨٠/٣
- ٢٠٨ -
ح: وقرأت على أبى الفرج عبد الرحمن بن شيخنا الحافظ أبى الحجّاج يوسف بن
عبد الرحمن الزِّىّ، أخبرتك حرية(١) بنت عامر بن إسماعيل، بقراءة وَلَدِ لك(٣) عليها وأنت
حاضر فى الثالثة، قالت: أخبرنا عربشاء، إجازةً، أخبرنا الحوارىّ، قراءةً عليه، وأنا أسمع
بنيسابور سنة خمس وثلاثين وخمسمائة فى شهر رمضان، أخبرنا الإمام خر الإسلام ركن الدين
إمام الحرمين أبو المعالى عبد الملك بن عبدالله بن يوسف الجُوّبنىّ الخطيب، رحمه الله ، أخبرنا
والدى الإمام أبو محمد عبد الله بن يوسف، أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الأزْهَرِىّ،
أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، حدثنا عمر بن شَبَّة النَّمَيَرِىّ (٣)، حدثنا
عبدالوهّاب بن عبد المجيدِ التَّقفىّ، قال: سمعت يحيى بن سعيد، بقول: أخبر نى محمد بن إبراهيم
قال: سمعت علقمة بن وَّفَاص اللَّيِىّ، يقول: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إِنََّا الْأَعْمَلُ بِالنَّيَّاتِ (٤) وَإِنَّمَ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا.
نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَيِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ
هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَ [يُعِبُهَا](٥) أَوِ امْرَ أَقِ يَّوَّجُهَاَ فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرٍ إِلَيْهِ)»
ومن شعر إمام الحرمين رحمه الله تعالى، وقد قدمنا من كلام الباخَرْ زِىّ ما يدلّ على
أنه كان لا يسمح بإخراجه، ولكن أنشدوا له :
أُمِيخُ أن تنالَ الِلَ إلا بسِتَّةٍ -أُنْدِئِك عن تفصيلها ببيانٍ(٦
ذَكَاءُ وحِرِمْ وافْتِقِارٌ وغُرْبَةٌ
وَتَأْقِيْنُ أُسْتاذٍ وطُولُ زَمَانِ (٧).
ووجدت بخطّه ، رضى الله عنه، فى خطبته، الغيائى، وهو عندى بخطه، مما خاطب
به نظام الملك ومن خطِّ نتات:
(١) كذا فى المطبوعة. وفى 5: ((حرمه بنت مام)).
(٢) كذا فى المطبوعة. وفي د : «واندك» .
(٣) فى الأصول ((النمرى)) وأثبتنا الصواب من العبر ٢٥/٢، تقريب التهذيب ٥٧/٢
(٥) ساقط من د وهو من المطبوعة
(٤) كذا فى المطبوعة، وفى د: «بالنية».
(٦) فى المطبوعة: (((أخى أن تنال)). والمثبت من سائر الأصول ..
(١) فى المطبوعة:، ج: (( وحرص واجتهاد وبلغة)). وأنبتا ما فى ، والطبقات الوسطى
- ٢٠٩ -
لِذِرْوَتِكَ العُليا ولا زِلْتَ مَنْعِدَا
فلا زال رَكْبُ المُعْتَفِينَ مَنيحةً .
ولو أن زُهْرَ الأُفْقِ أبدت تَمُرُّدًا(١)
تَدِينُ لَكَ الثُّمُّ الأنوفِ تَخَضُّعاً
إليك لِتنمو أو لِتُورِدَها الرَّدى(٢)
لجاءتك أفطارُ السماء تجرُّها
وسَقَّيْتَهَا حَتى تَمَادَى بها المدى(٢)
وما أنأُ إلا دَوْحةٌ قد غَرَسْتَها
فلما اقْشَعَرَّ المُودُ منها وصَوَّحَتْ
أنتك بأغْصانٍ لها تَطلبُ النَّدَى
ثم رأيته قد ضرب على البيتين الأخيرين، وسُرِرت بذلك، فإنى سمعتُ الشيخ الإمام
رحمه الله، يحكى عن شيخنا أبى حَيّان أنه كان يتعاظمهما، ويقول: كيف يرضى الإمام أن
يخاطِب النظام بهذا الخطاب؟ ثم يذُمّ الدنيا التى تُخْوج مثل الإمام إلى مثل ذلك.
﴿ مناظر تان اتفقتا بمدينة نيسابور، بين إمام الحرمين، والشيخ أبى إسحاق
الشِّيرازِىّ ، عند دخول الشيخ رسولا إلى نيسابور، نقلتهما من
خط الشيخ تقي الدين أبى معمرو بن الصَّلاح فى مجموع له)
· سئل الشيخ الإمام أبو المعالى الجَوَيْنِىّ عمّن اجتهد فى القِبْلة وصَلّى ثم تيقَّن الخطأ،
فاستدل فيها بأنه قعيَّن له يقين الخطأ فى شرط من شروط الصلاة، فلزمه الإعادة، كما لو نيقَن
الخطأ فى الوقت .
اعترض عليه الشيخ الإمام أبو إسحاق الشِّيرازى بأن قال: لا يجوز اعتبار القبلة
بالوقت ، فإنّ امْرِ القِبلة أخَفَتُّ من أمر الوقت، والدليل عليه شيآن :
أحدهما : أن القِبلة يجوز تركها فى النافلة فى السَّر، والوقت لا يجوز تركه فى النوافل
المؤقتة كصلاة العيد(٤) وسُنّة الفجر فى السفر، وإن استويا فى كونهما شرطين.
(١) فى س وحدها: ( يلين لك الشم الأنوق)).
(٢) في س وحدها: ((السماء بحبوها)) ولملها: بجندها.
(٣) فى المطبوعة: ((وأسقبتها)). والمثبت من مس، د. (٤) فى ى وحدها: ((العيدين)».
(٥/١٤ طبقات )
:
- ٢١٠ -
والثانى: أن القِبلة بجوز تركها فى الفَرْض فى شِدّة الحرب، والوقت لا يجوز بركه
فى شدة الحرب فى الفرض.
فقال الشيخ أبو المعالى: لا خلاف بين أهل النَظَر أنه ليس من شَرْط القياس أن يشابه
الفَرْعُ الأصل من جميع الوجوه، وإنما شرطه أن يُاوِيَه فى عِلّة الحكم، فإذا استويا
فى عِلَةُ الْحُكْم لم يَضُرَّ افتراقُهما فيما سواها، فإنه لو اعتبر تساويها فى كل شىء لم يصح
القياس ، لأنه ما من شىء يُشبه شيئاً فى أمي إلا ويخالفه فى أمر(١)، ثم كون أحدِهما:
أخفَّ والآخر آكدَ لا يمنع الاعتبار؛ ألا ترى أنّ نقيس الفَرْض على النقل، والنقل
على الفرض ، وإن كان أحدهما أخفَّ والآخرآلَد، ونقيس العبادات بعضها على بعض،
مع افتراقها(٢) فى القوة والضعف، ونَقِيس الحقوقَ بعضها على بعض، وإن كان بعضها
أخفَ وبعضها آكد، فكذلك هذا يجوز أن أعقبر القبلة بالوقت، وإن كان أحدهما آكد،
والن شر أخفّ ..
وجواب آخر: أنه كما يجوز (٣) تَرْك القِبلة مع العِلم فى النافلة فى السفر والحرب؛
فالوقت أيضا يجوز تركه فى الجمع بين الصلاتين فى السفر، ولا فارِقَ بينه وبين القِبلة، بل
القبلة آكد من الوقت ، ألا ترى أنه لو دخل فى صلاة الفرض قبل دخول الوقت، مع العلم
انقلبت صلاته نقلا، ولو دخل فى الفرض إلى غير القِبلة لم تنعقد نفلا، فدل على أن القِبلة
أكدُ من الوقت .
فقال له الشيخ أبو إسحاق: أما قولك: (( إنه ليس من شرط القياس أن يساوى
الفرعُ الأصلَ من كل وجه ، بل يكفى أن يساويه فى علة الحكم، ولا يضر افتراقهما فيا
سواء)) يعارضه أنّ من شرط القياس أن يُرَدَّ الفَرْع إلى نظيره، وهذا الأصل ليس بنظير
للفرع، بدليل ما ذكرتَ ، في (٤) يصح القياس، ولأن افتراقهما فيما ذكرت من جواز
(١) فى المطبوعة: ((أمور)). والمثبت من س، د.
(٢) فى الأصول: ((افتراقهما). (٣) كذا فى المطبوعة. وفى في، د، والطبقات الوسطى:
((كان يجوز)). (٤) فى المطبوعة: ((فلا)». والمثبت من دائر الأصول.
- ٢١١ -
ترك القِبلة فى النافلة فى السفر وشدة الحرب، وأن ذلك لا يجوز فى الوقت دليلٌ على أنهما
لا يستويان فى المنّة؛ لأنهما لو استويا فى العامّة لاستوبا فى الفَّظير، وإذ لم يستويا فى المِلَّة
لم يصح القياس .
وقولك: ((لِمَ (١) إذا كان أحدُهما أخفَّ والآخر آكد لم يَجُز قياس أحدهما على
الآخر))؛ لأنه إذا كان أحدهما آكد والآخر أخف دلّ على أن أحدهما ليس بنظير للآخر،
ولا يجوز قياس الشىء على غير نظيره.
وقولك (( إنّا نقيس الفَّل على الفرض، وأحدهما آكد، ونقيس العبادات بعضها على
بعض ، والحقوقَ بعضها على بعض، مع اختلافها)) غير صحيح؛ لأنه إذا اتّفق فيها مثل
ما اتفق ها هنا، فأنا أمنع من القياس، وإنما نُجيز القياس فى الجملة، فإذا بلغ الأمر إلى
التفصيل، وقِيس (٢) الشىء على غير نظيره لم أُجَوِّز ذلك، وهذا كما نقول: إن القياس فى
الجملة جاز، ثم إذا اتفق منه ما خالف الفصَّ لم يجز، ولا نقول: إن القياس فى الجملة جائز،
فوجب أن يجوز ما اتفق منه ، مخالفا للنَّصَ .
وقولك: (( إنه يكفى أن يستويا فى عِلَّةً الحكم، ولا يَضُر" افتراقها بـ ... "
لا يصحّ؛ لأنه [لا](٣) يكفى أن يستويا فى منّة الحكم، غير أنى لا أسلم أنهما استويا
فى عِلَّة الحكم؛ لأن افتراقهما فيما ذكرتَ يدلّ على أنهما لم يستويا فى عِلّة الحكم.
وقولك: (( إنه ليس من شرط القياس أن يستوىَ الأصلُ والفرع فى جميع الأحكام ؛
لأنه لو شُرِط ذلك السَّدَ باب القياس)) يعارضه أنه ليس من شَرْط الفرق أن يفارق الفرعُ
الأصلَ فى جميع الأشياء؛ لأنه لو شُرِط ذلك المد باب الفَرْق، والفرق مانع، كما أن
القياس جامع .
وأما قولك: ((إنه كما يجوز ترك القِبلة فى النافلة فى السفر، وشدّة الحرب فكذلك
.
(١) في المطبوعة، د: ، ثم)). وأنيتنا ما فى ى، والطبقات الوسطى.
(٢) فى المطوعة: ((وقي لى)). والمثبت من سأر الأصول.
(٣) زيادة من الطبقات الوسطى.
- ٢١٢ -
يجوز ترك الوقت فى الجمع بين الصلاتين)) لا يصح؛ لأن ترك الوقت فى الجمع ليس على
سبيل التخفيف لموضع العُدْر، وإنما هو من سُنَنَ النُّسْك، فلا يدل ذلك على التخفيف،
كما لا يدل(١) الاقتصار فى الصبح على الركعتين على أنها أضعف من الظهر والعصر، وابن
كذلك ما ذكرناه من رك القبلة فى القافلة فى السفر، والفريضة فى الحرب؛ لأن ذلك أجهـ
لتخفيف أمر القبلة فى العذر، فهو كالقَصْر فى الظهر والعصر فى السفر.
وأما قولك: ( إنه إذا دخل فى الفرض قبل الوقت العقد تفلا، واو دخل فيه وهو غير
مستقبل القبلة لم تنعقد له الصلاة نفلا)» فإن ما قبل الوقت وقت للنقل، وغير القِبلة ليس
بموضع للنفل من غير عذر.
فقال الشيخ أبو المعالى: أما قولك: (( إنى لا أسلُم أن هذا علة الأصل) فهذا من أهم
الأَسْولة(٢) وأجودها، ولكن كان من سبيلك أن تطالبنى به وتصرّح به، ولا تَكْنِى عنه،
فلا أقبله بعد ذلك .
وأما قولك: (( إنه إن كان ما ذكرت بسد باب القياس، لأنه ما من فرغ يشابه أصلا
فى شىء إلا ويفارقه(٣) فى أشياء، فماذكرتَ أيضا يمنع الفرق؛ لأنه ما مِن فَرْع يفارِق
أصلافى شىء إلا ويساويه فى أشياءً))، فصحيح، إلا أنك إذا أردتَ الفرق فيجب أن تبيِّن.
الفرق، وتدُل عليه، وتردّه إلى أصل، ولم تفعل ذلك، وإن تركت ما ذكرتُ، واستأنفت
فرقًا تكلمتُ عليه .
.وأما قولك: ((إن هذا نظير؛ لأنه ترك (٤) القبلة فى النافلة فى السفر وفى العرض فى الحرب»
فغير صحيح؛ لأن فيما ذكرت تْرَكُ القِبلةُ لهُدْر من جهة المَجْز، جاز أن يسقط الفرض
(١) فى المطبوعة، د: ((لا يدل على». وأثبتنا ما فى س، والطبقات الوسعلى
(٢) فى المطبوعة: «الأسؤلة)) والتصويب من سائر الأصول، والأسولة هى الأسئلة، وهى لفقـ
حكاما ان جتى . اللبان ( س و ل) .
(٣) فى المطبوعة: ((ويفارقه فيه فى». والمثبت من سائر الأصول.
(٤) فى المطبوعة: « يترك) وأثبتنا ما فى سائر الأصول. وقد وضعت فتحة على الكاف فى
الطبقات الوسطى.
- ٢١٣ -
معه، وهاهنا تُرِكَ للاشتباء، وليس الترك للعجز كالترك للاشتباه، ألاترى أن المستحاضة
ومَنْ بِهِ سَلَسُ البول يصلًِّا:، مع قيام الحدث، ولوٍ فَلَنَّ أنه متعطِّر وصلّى لم يسقط الفرض.
وأما قولك: (( إن تَرْك الوقت فى الجمع لِحَقَّ النَّسُكِ على وجه العبادة)) فلا يصح؛
لأنه لو كان لهذا المعنى توجب إذا أخْر المصر إلى وقتها إلا يصح، لأنه فعل العبادة على غير
وجهها، فدَلّ عنى أنه على وجه التخفيف لِحَقِّ المُذْر.
وجواب آخر من حيث الفِقْه: أنّا فَرَّقنا بين الوقت والقِبلة؛ لأن الحاجة تدعو إلى ترك
القِبلة فى الناقلة لمذر السفر؛ لأنا لو قلنا: إنه لا يجوز تَرْك القِبلة أَدَّى إلى تحمُّل المشقة،
إن صَلّها أو تركها ، ولا مشقةَ فى ترك الوقت؛ لأن السُّنن الراتبة مع الفرائض تابعة
الفرائض فيصابها فى أوقاتها، وكذلك فى شِدَّة الحرب(١) الحاجةُ داعية إلى ترك القِبلة،
فإنّا لو الزمناء استقبالَ القِبلة أدَّى إلى هزيمتهم أو قَتْلهم، ولا حاجةَ بهم إلى تَرْك الوقت،
فإنه يصليها فى وقتها وهو يقاتل .
فقلت له : أما قولك: (( إنه كان يجب أن تطالبنى بتصحيح المِلَّة وتصرّح ولا تَكْسِنِى))
فلايصحّ؛ لأنى بالخيار بين أن أطالِبَك بتصحيح المِلَّة، وبين أن أذكر ما يدلّ على فسادها،
كما أن القائِسَ بالخيار، بين أن يذكر عِّ المسألة، وبين أن يذكر ما يدلُّ على العِلَّة ،
والجميع جائز، فكذلك ما هنا .
وأما قولك: ((إن الجمع لو كان للعبادة لما جاز التأخير)) لا يصح؛ لأنه لا يجوز التأخير؟
لأنه يفعلها فى وقتها ، وتقديمها أفضل؛ لأنه وقت لها على سبيل القربة والفضيلة.
وأما قولك: ((إنّ تَرْك القِبْلة فى النافلة والحرب العجز أو المشقة)) فلا يصح؛ لأنه
كان يجب لهذا المجز أن يترك الوقت، فتؤخَّر الصلاة فى شدة الخوف ليؤدِّبَها على حال الكمال؛
ويتوفّر على القتال، ولمّا لم يجز ترك الوقت وجاز ترك القِبلة دلَّ على أن فرض القِبلة أخفُ
من فرض الوقت، جاز أن يكون الاشتباه عذرا فى سقوط فرض القبلة، ولا يكون عذرا
فى ترك الوقت [وهذا}(٣) آخرها.
(١) كذا فى المطبوعة. وفى -أر الأصول: ((الخوف)).
(٢) زيادة فى المطبوعة على ما فى سائر الأصول.
- ٢١٤ -
قال ابن الصَّلاح؛ نقلتها من خط الشيخ أبى على بن عمار، وقال نقلتها من خط رجل
من أصحاب الشيخ أبى إسحاق ، وذكر فى آخر الخط أنه كتبها من خط الشيخ الإمام
أبى إسحاق. وقوله فيها: فقلت له هذا حكاية قول الشيخ أبى إسحاق(١) وهو دليل أنها
نُقُلت من خطه.
قلت: وقول الشيخ أبى إسحاق فى جوابه: «ترك الوقت فى الجمع ليس للتخفيف بل
هو من سُنَن النُّسُك)» يقتضى أنه فهم عن إمام الحرمين أنه إنما استدلَّ بالجمع الذى هو
مَن ◌ُسَنَ الشُّمُك، لا تُطلَق الجمع بين الصلاتين فى السفر، إذ ذاك على سبيل التخفيف بلا
إشكال، وهو فهم حجيح عن الإمام، فإنه لم يُرِدْ سواه، كما يشهد به كلامه فى أجوبته،
ولم يتضح لى وجه التخصيص بجَمْع النَّسُك، ولم لا وقعَ الاستدلال بمطلق الجَّمْع أُدْر
السفر؟ وينبغى أن يُتَأْمَّل هذا؛ فإن الشيخين ماعَدَلا عن ذلك إلا لمعنى، ولم تفهمه محن.
(المناظرة الثانية)(٢)
استدل الشيخ الإمام أبو إسحاق ("رحمه الله بنيابور٣) فى إجبار البكر البالغة،
بأن قال: باقية على بكارة الأصل، نجاز الأب تزويجها بغير إذنها. أصله إذا كانت صغيرة.
فقال السائل: جعلتَ صورة المسألة عِلّة فى الأصل، وذلك لا يجوز.
فقال : هذا لا يصح ، لثلاثة أوجه :
أحدها: أنى ما جعلت صورة الحالة مّة فى الأصل؛ لأن صورة المسألة ترويج البكر
البالغة من غير إذن ، وعِلَتى أنها باقية على بكارة الأصل، وليس هذا صورةُ المسألة؛ لأن
هذه العِلّة غير مقصورة على البكر البالغة، بل هي عامة فى كل بكر، ولهذا قشْت(٤)
على الصغيرة.
(١) بعد هذا فى المطبوعة: (( وقوله فيها)) وانى فى سائر الأصول.
(٢) سبقت هذه المناظرة فى ترجمة أبى إسحاق. الجزء الرابع ٢٥٢:
(٣) زيادة من ـ وحدها. (٤) فى الضوعة، س: (( فيت)). والمثبت من د، والطبقات.
الوسطى ، ومما سبق فى الجزء الرابع:
- ٢١٥ -
: الثانى: قولك ((لا يجوز أن تجعل صورة المسألة علة)) دعوى لا دليل عليها،
وما المانع من ذلك؟
الثالث: أن العِلَل شرعية، كما أن الأحكام شرعية، ولا يُنكَر فى الشرع أن يعلِّق
الشارعُ الحكم على الصورة مرّة، كما يعلَّق على سائر الصفات، فلا معنى المنع من ذلك؛
فإن كان عندك أنه لا دليل على صحتها فطاِبنى بالدليل على صحتها من جهة الشرع .
ء
فقال السائل: دُلِّ على صِحّتها من الشَّرع .
فقال: الدليل على صحة هذه العِلّة الخبرُ والنَّظَر.
أما الخبر، فما رُوى أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((الْأُبِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَإِهاَ ))
والمراد به انثيِّب؛ لأنه قابلها بالمِكر، فقال: ((وَالْبِكْرُ نُسْتَأْمَرُ)) فدَلَّ على أن غير اثيِّب،
وهى البكر ليست أحقَّ بنفسها (١). وأقوى طريق تثبت به العِلّة نُطْق صاحب الشرع.
وأما النَّظَرِ فلا خِلافَ أن البِكْر يجوز أن يزوِّجها من غير نطق لبكارتها ، ولو كانت
ثيّبا لم يجز تزويجها من غير نطق، أو ما يقوم مقام النُّطْق عنده، وهو الكتابة(٢)،
ولو لم يكن تزويجها إلى الولىّ لَما جاز تزويجها من غير نطق.
اعترض عليه الشيخ الإمام أبو المعالى ابن الجِوَيْنِىّ، فقال: المعَوَّل فى الدليل على
ما ذكرتَ من الخبر والنّظر، فأما الخبر فإنه يَحْتُمِل التأويلَ؛ فإنه يجوز أن يكون
المراد به أن القيِّب أحقُّ بنفسها(٣)؛ لأنه لا يملك تزويجها إلا بالنطق، والبكر بخلافها،
وإذا احتمل التأويلَ أوَّلنا على ماذكرت(٤) بطريقٍ يوجب العلم، وهو أنه قد اجتمع السكر
البالغة الأسبابُ التى تَسقط معها ولايةُ الولِيّ، وتستقلّ بنفسها فى التصرف فى حق نفسها؛
لأن المرأة إنما تفتقر إلى الولى؛ امدم استقلالها بنفسها، لصِغَرٍ أو جنون، فإذا اجتمع فيها
(١) بعد هذا فى المطبوعة: ((من وليها)) وليس فى سأر الأصول، ولا فيما سبق فى الجزء الرابع
(٢) فى أصول الطبقات الكبرى: ((الكتابة)). والمثبت من الطبقات الوسطى، ومما سبق
(٣) بعد هذا فى المطبوعة: ((من وليها)) وليس فى سائر الأصول، ولا فيما سبق.
(٤) الضبط بالضم من الطبقات الوسطى.
- ٢١٦ -
الأسبابُ التى تستغنى بها عن ولاية الولىّ لم يجُز ثبوتُ الولاية عليها فى التزويج بغير إذنها،
ولأن [ فى ](١) الخبر ما يدلُ على صحة هذا التأويل من وجهين:
أحدهما : أنه ذكر الولىَّ وأطلق، ولم يُفصِّل بين الأب والجدا، وغيرِهما من
الأولياء، ولو كان المرادُ ولايةَ الإجبار لم يُطلِق الولاية؛ لأن غير الأب والجد لا يملك
الإجبار بالإجماع، فثبت أنه أراد به اعتبار النطق فى حق الثيِّب، وسقوطه فى حق البِكر؛
ولأنه قال: ((وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَ إِذْنُهَاَ صِمَاَ نُهاَ)) فدل أنه أراد فى الثيِّبَ اعِتَبَارَ النطق.
أجاب الشيخ الإمام أبو إسحاق فقال: لا يجوز حمله على ما ذكرت من اعتبار
النطاق؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: ((الثَّيْبُ أَحَقُّ بِنَفْسِها)) وهذا يقتضى أنها أحقُّ
بنفسها فى العَقْد والتصرُّف دون النطق.
وقولك: ((إنه أطلق الولى)) فإنه عموم، فأَحْمِلُه على الأب والجد، بدليل التعليل الذى
ذكره فى الثيِِّ فإنه قال: ((والتَّيْبُ أَحَقُّ بِغَفْسِها مِنْ وَلِيُّهَا)) وذِكْرِ الصفة فى الحكم
تعليلٌ، والتعليل بمنزلة النص، فيُخَصُّ به العموم، كما يُخَص(٣) بالقياس.
وقولك: ((إنه ذكرِ السِّمات فى حَقِّ البِكْر فدَلَّ على إرادته النطقَ فى حق الثيِّ»
لا يضح، بل هو الحجّة عليك؛ لأه لما ذكر المكر ذكر صفة إذنها وأنه الصَّمات،
فلو كان المراد به فى الثيب النطقَ لما احتاج إلى إعادة الدِّمات فى قوله: ((وَأْمِكْرُ
تُسْتَأْمَرُ)).
وأما قوله(٣): ((إنّ ها هنا دليلاً يوجب القطع)) غير صحيح، وإنما هو قياس على سائر
الولايات ، والقياس يُتْرَك بالنَّعْنَ ..
فقال الشيخ أبو المعالى: لا يخلو؛ إما أن تدَّعى أنه نَصّ؛ ودعواه لا تصح ؛ لأن
النصَّ مالا يَحْتَمِل التأويلَ، فإذا بطل أنه أَصَىِّ جاز التأويل بالدليل الذى ذكرتُ (٤).
(١) ساقط من المطبوعة، د. وهوفى من، والطبقات الوسطى، وفيما سبق.
(٢) فى المطبوعة، د: ((به بالقياس)). والمثبت من س، والطبقات الوسطى، ومما سبق.
(٣) فى المطبوعة: «قولك)». والمثبت من سائر الأصول، والجزء الرابع ٢٥٤°.
(٤) الضم على الماء من الطبقات الوسعلى.
- ٢١٧ -
وأما قولك: (( إنى أحمل الولىَّ على الأب والجد))، بدليل التعليل الذى ذكره فى
الخبر، فليس بصحيح؛ لأن ذكر الصفة فى الحكم إنما يكون تمليلا. إذا كان مناسبا
للحكم الذى عُلِّق عليه؛ كالصرفة فى إيجاب القطع، والثَّيوبةُ غير مناسبة للحكم الذى عُلِّق
عليها، وهى أنها أحقُّ بنفسها؛ فلا يجوز أن تكون عِلّة؛ ولأن ما ذكرتَ ليس بقياس،
وإنما هو طريق آخر، فجاز أن يُتْرك له التعليل.
أجاب الشيخ الإمام أبو إسحاق، فقال: أما التأويل فلا تصح دعواه؛ لأن التأويل
صَرْفُ الكلام عن ظاهره إلى وجه يحتمله، كقول الرجل: رأيت حمارا، وأراد به الرجل
البَليد، فإن هذا منتعمل، جاز صَرْف الكلام إليه، (أما ما لا يُستعمل اللفظ فيه،
فلا يصحُّ تأويل اللفظ عليه ، كما لو قال : رأيت بغلا ، ثم قال: أردت به رجلا بليدا،
ثم يُقبل؛ لأن البغل لا يُستعمل فى الرجل بحال، فكذلك هاهنا قوله: «الْأَبِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا
مِنْ وَرِيَّهَا )).
وقولك: (( ليس بتعليل؛ لأنه لا يناسب الحكم)) لا يصح؛ لأن ذكر الصفة
فى الحكم تعليل فى كلام العرب، ألا ترى أنه إذا قال: اقطعوا السارقَ، كان معناه لِسَرقته،
وإذا قل: جالسِ العلماء، كان معناه لعلمهم.
وقولك: ((إنه إنما يجوز فيما يصلح أن يكون تعليلا للحكم الذى عُلِّق عليه كالسرقة فى
إيجاب القطع)) لا يصح؛ لأن التعليل(!) للحكم الذى عُلِّق عليه طريقُه الشرع، ولا يُذْكر
فى الشرع أن تُجَعَل الثَّيوبة عِلّةً لإسقاط الولاية، كما لا يُنكر أن تُجمل السرقة عِلَّهُ
الإيجاب القطع، والزِّنا للجَلْد.
وقولك: ((هذا الذى ذكرتَ ليس بقياسٍ)) خطأ، بل جعلت (٢) استقلالها بهذه الصفات
مُغنياً (٣) عن الولاية، ولا تصحُّ هذه الدعوى إلا بالإسناد إلى الولايات الثابتة فى الشرع ،
(١) فى المطبوعة: "تعليل الحكم)). والمثبت من سأر الأصول، وما سبق فى الجزء الرابع ٢٥٥
(٢) فتح التاء من الطبقات الوسطى .
وهناك خطأ يصلح ماهنا .
(٣) سبق فى الجزء الرابع: ((معينا على الولاية)).
- ٢١٨ -
والولايات الثابتة فى الشرع إنما زالت بهذه الصفات فى الأصل، فحُمِلت ولاية الفكاح عليها،
وذلك يحصل بالقياس، ولو لم يكن هذا الأصل لما صَحّ لك دعوى الاستقلال بهذه الصفات،
فإنه لا يُسلَّ أن الولايةَ تثبت فى حق المجنون والصغير بمقتضى العقل، وإنما يثبت ذلك:
بالشرع، والشرع ما ورد إلا فى الأموال، فكان حمل الفكاح عليه قياسا، والقياس
لا يعارض النَّصَّ، وقد ثبت أن الخبر نَصّ لا يحتمل التأويل، فلا يجوز لركه بالقياس؛
ولأن هذا طريقٌ يعارضه(١) مثله، وذلك أنه إذا كانت الأصول موضوعةً على ثبوت الولاية.
للحاجة وسقوطها بالاستقلال بهذه الصفات ، فالأصول موضوعة على أن النطق لا يُعتبر
إلا فى موضع لا يثبت فيه الولاية ، وقد ثبت أن النطق سقط فى حق البكر فوجب أن تثبت
الولاية عليها.
فقال الشيخ الإمام أبو المعالى: النطق سقط ذَهًّا(٢).
۔۔
فقال الشيخ الإمام أبو إسحاق: هذا تأكيد ؛ لأن سقوطه بالنص دليل
على ما ذكرتُ(٣).
وهذا آخر ما جرى بينهما. والله أعلم.
﴿ومن الفوائد والمسائل والغرائب عن إمام الحرمين رحمه الله تعالى)
قال فى (النهاية)) فى (باب دية الجنين)) فيما إذا ألقت المرأة لحما وذكر القوايل
أنهن لا بدرين هل هو أصل للولد أو لا: لا يتعلق به أُمِّيةُ الولد، ولا وجوب الغَرَّة(٤)
ولا الكفارة. وهل يتعلَّق به انقضاء العدّة؟ ذكر العراقيون فيه وجهين: أحدهما أنه
(٢) كذا فى المطبوعة ، والطبقات الوسطى .
(١) فى الجزء الرابع: ((تعارضه مسألة))
وفى س، د، والجزء الرابع ٢٥٦: ((أيضا)). وهو خطأ. (٣) بعد هذا فى الطبقات الوسطى:
((وإنبا حكيت هانين المناظرتين، وإن كنت قد التزمت فى هذا الكتاب [يقصد الطبقات الوسطى].
ألا أحكى المناظرات، لجريانهما بين كبيرين مشهورين بالجدال، ولأنهما غير مذكورتين إلا فى مجموع
(٤) فى المطبوعة: ((القود)) والتصحيح من س، ". والغرة: العبد فه
يخشى عليه العدم » .
أو الأمة. وأصل الغرة: البياض الذى يكون فى وجه الفرس النهاية ٣٥٣/٣
.
:
.
:
- ٢١٩ - .
لا يتعلَّق به انقضاؤها، وهو الأصح؛ لأنّا نُفَرِّع على اتباع قول القَوابل، ولو قُلْنَ:
إنه ليس لحم وَلَدٍ ، فلا يتعلَّق به انقضاء العِدَّة، فإذا قُلْنَ: لا ندرى، فالأصل بقاء العِدَّة،
تخرج يِما ذكرناه فى هذا الفصل(١) أن القوابل لو قُلْن فى العَلَقَة إنها أصل الولد ،
ف فى انقضاء المِدَّة بوضعها خلاف، واو شككن فى اللحم ففى تعلُّق انقضاء المِدَّة به
وجهان للعراقيين. والخلاف فى المسئاتين جميعا بعيد. انتهى.
فقد صَرَّح فى (٢) حالة شكِّهنّ بحكاية وجهين، وكرَّر ذكر ذلك، وبه يُستدرَك
على الرافعىّ، ثم النَّوَوِىّ دعواهما أنه لا خلاف فى صورة الشك، وأنه لا يحصل انقضاء
المدّة به .
• ذكر الإمام فى كتابه المسمى (( بالدارِك)) أن الطلاق فى الحيض ليس حراما. قال:
وإنما الحرام تطويل العِدّة .
وهذا يؤيد أحدَ وجهين حكاها النّورِىّ عن حكاية شيخه الكمال سَلار(٣)، فيما إذا راجع
بعد طلاقه فى الحيض ، هل يرتفع الإثم ؟.
والمشهور أن طلاق الحائض حرام .
• لو غصب العَبْدَ المرتدَّ غاصبٌ فقتله، فلا شىءَ عليه، وإن مات فى يده. قال الإمام
فى (( النهاية)) فى أثناء (( السير فى باب إظهار دين الله)): إنه يجب الضَّان.
قال الإمام فى ((باب زكاة الفطر )) من ((النهاية)) وقد ذكر القدرة على بعض الصاع:
كل أصل ذى بَدَل فالقُدرة على بعض الأصل لا حُكْمَ لها، وسبيل القادر على البعض كسبيل
العاجز عن الكل. ثم ذكر ما يُستثنى من هذا الضابط، إلى أن قال: وكذلك إذا انتقضت
الطهارة بانتقاض بعض المحل ، فالوجه القَطْعُ بالإتيان بالمقدور عليه، وقد ذكر بعض
الأصحاب فيه اختلافا بعيدا. انتهى.
ومنه أخذ شارح ((التعجيز)) مصنّف ابن يونس إثباتَ خلاف فى المسألة، وقد تكلمنا
(١) فى س وحدها: ((الأصل).
(٢) فى المطبوعة: ((خرج من)). وأنبتنا ما فى س ، د.
(٣) سيترجمه المصنف فى الطبقة السادسة.
السكن فى د : « من)) مثل المطبوعة.
- ٢٢٠ -
عليه فى جواب أسئلة(١) سألنى عنها الشيخ شهاب الدين الأذْرَعِىّ فقيه [أهل](٢) حَلَبُ،
نفع الله به .
• قال الإمام رحمه الله قُبَيْل «باب الرحمة)» من ((النهاية)): فَرْع، الزوج إذاادَّعى اختلاع
امرأته بألف درهم، فأنكرته، فأقام شاهدا وحَلَف معه أو شاهدا وامرأتين ثبت المال ،
فإن المالَ يثبت بما ذكرناه، أما الْفُرْقة فقد ثبتت بقوله، ولو أدَّعت المرأةُ الخُلم فأنكر
الزوج فلا بدَّ من شاهدين، فإنّ غرضها إثباتِ الْفُرْفة ..
قال الشيخ أبو على: لو ادَّعى على المرأة الوطءَ فى النَّكاح وغَرَضُه إثباتُ العِدَّة والرَّجعة
فلا يُقبل منه إلا شاهدان ، إن أراد إقامة البيئة.
• ولو ادَّعت المرأة مَهْرًّا فى الفِّكاح وأفكر الزوج أصْلَ النكاح ، فأقامت شاهدا
وحَلَفت يمينا على النكاح، وغرضها إثبات النَّهْ، قال الشيخ : لم يثبت شىءٍ بخلاف
ما قدَّمناء؛ وذلك أن النكاح ليس المقصود منه إثباتَ المال، وإنما المال تابع، والنكاح
لا يثبت إلا بشهادة عدلين.
وكان شيخى يقول: يثبت المَهْر إذا قصدتَه، وماذكره الشيخ أبو على أفقه ، فإنها وإن
أبدت مقصود المال فقصودها فى النكاح غير(٣) المال، والشاهد لهذا أن الشافعى" رضى الله
تعالى عنه لم يقض بالعقاد النكاح بحضور رجل وامرأتين، وهذا يُشْعِر بأن النكاح
من الجانبين لا يثبت إلا بعَدْلين، فلا يثبت شىء من مقاصده.
وفى المسألة احتمال على حال، وسأجمع بتوفيق الله فى ((الدعاوَى والبيّنات)) قواعدَ
المذهب، فيما يثبت بالشاهد والرأتين، وما لا يثبت إلا بعدلين، وإلى الله الا بتهالُ
فى تصديق الرجاء وتحقيق الأمل، وصَرْف ما سعيت(٤) فيه إلى نفع المسلمين. انتهى.
ذكره آخر الطلاق وقُبَيْلِ الرَّجْعة، والمقصود منه أنه حكى وجهين فى ثبوت الصَّدَاق
بشاهد ويمين ، وأن الأفقه عنده عدمُ ثبوته، وهو خلاف ما جزم به الرافعىّ ومن تبعه
(١) فى المطبوعة: ((مسألة)). والمثبت من س، د. (٢) زيادة من س وحدها.
(٣) فى المطبوعة: (( عين)). والمثبت من س، د .
(٤) ق س وحدها : ((تعب »