Indexed OCR Text

Pages 161-180

- ١٦١ -
وقال أيضاً (١):
لو كنتَ ساعةَ بَيْنِنا ما بَيْنَا. وشهدتَ حين نكرِّر التوديعا
وعلمتَ أن مِن الحديث دُمُوعا
أيقنتَ أن مِن الدموع محدَّتاً
وقال أيضا :
أَلْقَيْتُ مِن فَرْطَ الحمار خمارِى
وإذا سُقِيتُ من المحبَّةِ مَصَّةً
قَلمْتُ مِن ذاك المِذارِ عِذارِى(٣)
كم تُبْتُ قَصْدًا ثم لاح عِدَارُهُ
وقال أيضا :
طالباً حُجَّةَ ما يعتقدُ،(٣)
أيها الباحِثُ عن دِين الهُدَى
إنّ ما تَطْلُبُه مجتهداً
غيرَ دِينِ الشافعِ لا تجِدْء
وقال أيضا :
لا تَدَعْ خِدمةَ الأكابرِ واعلمْ
وابْعِ مَنَ فى يمينه لك يُمْنٌَّ
قلت : ذكرت هنا قولى(٥) قديما :
قبيحٌ بِى وربُّ العَرْشِ رَبِى
وكيف وإن أُمُدَّ له يميناً
أن فى عِشْرَةِ الصَّغَار صَغارا(٤)
وترى فى اليسار منه ،سيارة
أخافُ الضُّرَّ أو أُخشى افتقارا
لتدعو ظَلَّ ◌َمْنَحُها الْبَسارا
وقال أيضا :
جَمِّالى الُجُونَ يَا صَاحِبَيًّا واتْلُوَا سورةَ الصَّلاةِ عَلَيًا (٦)
(١) البيتان فى وفيات الأعيان، ونبهما لذى القرنين بن حمدان.
(٢) فى المطبوعة: ((كم الت)) وأنبتنا ما فى سائر الأصول.
(٣) فى أصول الطبقات الكبرى: ((دين الهوى)). وأثبتنا ما فى الطبقات الوسطى.
(٤) فى س، د: ((خدمة الصغار)). والمثبت فى المطبوعة، والطبقات الوسطى.
(٥) فى د وحدها: ((قولا)) ..
(٦) فى س، د: ((سورة الصلاح)) وأنيتنا ما فى المطبوعة، والطبقات الوسعلى ..
(٥/١٠١ ١مان)

- ١٦٢ -
قد أُجِبْنا لزاجرِ العقلِ طَوْعاً وتركْنا حديثَ سَلْمَى وَمَيًّا
وشَرَّعْنا لموجِبِ اللّهْوِ طِيًّا
ومنحنا لمُوجِبِ الشَّرْعِ نَشْرًا
كَيَـ
فوضعنا على المطامع:
ووجدنا إلى القناعةِ باباً
فتعوَّضْتُ بالرِّضَى منه فَيَّا
كنتُ فى حَرّ وَحْشَتِى لاختيارِى
فَهْوَ فى الِمِنْ حَازِ أَوْجَ الثَُّيَّ (١)
إِنَّ مَنْ يَبْتَدِى لِقَطْع هواهُ
فعلى الصِّدِّ سوف يَلْقَوْنَ غَيًّا
والذين ارتوَوْا بِكَأْسٍٍ مُنَاهُمْ
٤٧٢
عبد الكريم بن يونس بن محمد بن منصور أبو الفضل الأزْجاهِىّ
نسبة إلى أَزْجاه، يفتح الألف وسكون الزاى وفتح الجيم وفى آخرها الهماء، وهى إحدى
قرى خابران ، من خراسان .
جال ابن السمعاني: ( إمام فاضل، ورع متقِن، حافظ لمذهب الشافعى، متصرّف فيه.
سه٢ بنيسابور على الشيخ أبى محمد (٢)، ثم بمَرْ و على أبى طاهر السُّنْجِىّ، وبَمَرْو الرُّوذِ
على القاضى الحسين، وسمع الحديث وأملى)).
قال: (( وتوفى سنة ست وثمانين وأربعمائة)(٤)
٤٧٣
عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد أبو الفضل الهمذانىّ الفَرَضِىّ
المعروف بالمَقْدِسِىّ **
من أهل هَمَذان سكن بغداد إلى حين وفاته .
(١) فى س وحدها: ((جاز)).
* لي ترجمة فى: الأتاب ٣٧ ب، الباب ٣٥/١، معجم البلدان ٠٢٣٢/١
(٢) فى الأنساب زيادة: ((أولا) .. (٣) الجويني، كما صرح به فى الأناب
(٤) قال صاحب الأنساب: ((وزرت قبره بأزجاه)).
** له ترجمة فى نكت الهميان ٠٤.

- ١٦٣ -
سمع أبا نصر بن هُبَيْرَة، وأبا الفضل بن عَبْدان الفقيه، وأبا محمد عبد الله بن جعفر
الخَبَّازِيّ وغيرهم.
وحدَّت باليسير. وكان من أئمة الدين وأوعية العلم .
وقيل: إنه كان يحفظ ((مُجْمَل اللغة)) لابن فارس، و((غريب الحديث)) لأبى عُبَيْد.
و کان زاهدا ناسكا ، عابدا ورعا .
وأما الفرائض والحساب وقِسْمة التركات فكان قَيِّمَ عصره بها.
وأريد على أن يَنِىَ قضاء القضاة فامتنع، ولم يُعرف أنه اغتاب أحداً فطُّ، ولا ذكر.
ما يستحى منه ..
وقيل: إنه كان على مذهب المعتزلة، وقد قال أبو الوفاء ابن عَقِيل: إنه قال: لم أر فيمن
رأيتُ استجمع (١) شرائط الاجتهاد إلا أبا يَعْلَى، وابن الصبّغ، وعبد الملك بن إبراهيم.
وكان ظريفا لطيفا، مع الورع ومحاسبة النفس، والتدقيق فى العمل .
ذكره ولده محمد بن عبد الملك فى «تاريخه)) وقال: كان أبى إذا أراد(٢) يؤدِّبنى بأخذ
العصا بيده، ويقول: نويت أن أضرب ولدى تأديبا، كما أمر الله، ثم يضربنى. قال:
وربما هربت قبل أن يُتِمَّ النَيَّة.
وكان عبد الملك بن إبراهيم قد تفقه على القاضى الماوَرْدِىّ.
توفى فى شهر رمضان سنة تسع وثمانين وأربعمائة ، وقد قارب الثمانين، ولم يكن يخبر
بمولده، على ما ذكر ولده أبو الحسن محمد بن عبد الملك(٣).
• وله فُتياً (٤) وقفت عليها، وفيها: أنه لا حضانة للعمياء، وقد ذكرنا المسألة فى ترجمة
ابن الصبّاغ(٥).
(١) فى المطبوعة: ((إستجمع)). وفى د: ((سيجمع)). والمثبت من س.
(٢) فى د وحدها: ((أراد أن)). وحذف ((أن ) بين الفعلين فاش فى لغة الحجازيين. وقد
ورد كثيرا فى كلام الشافعى، رحمة الله عليه. انظر النهاية. لابن الأثير ٢٨٧/٢.
(٢) زاد فى الطبقات الوسطى: ((فى تاريخه)). (٤) فى س وحدها: ((فتاوى)).
(٥) يعنى أحمد بن محمد، أبا منصور، الذى تقدمت ترجمته فى الجزء الرابع ٨٥، وليس يعنى =

- ١٦٤ -.
وفيها: أن الفطر فى رمضان لأجل إنقاذ الفريق إنما يجب على من تمين عليه إنقاذ،،
والأصحاب أطلقوا الوجوب.
( قال الشيخ الإمام فى ((شرح المنهاج) وفى هذا التقييد نظر؛ لأنه يؤدى إلى التواكل.
٤٧٤
عبد الملك بن عبد الله بن محمود بن مُهيب بن مِسْكِير
أبو الحسن المصرىّ الفقيه
روى عن أبيضَ بِى محمد الغِهْرِىّ صاحب اللَّسائى، وعبد (١) الله بن محمد بن أبى غالب
البزّار، وأبى بكر بن(٢) المهندس، وأبى بكر محمد بن القاسم بن أبي هُرَيرة، وعلى بن الحسن
الأنطاِىّ قاضى أُذَنَّة، وغيرهم.
روى عنه الرازِئُ فى ((مشيخته)» وذكر شيخُنا الذهبىّ أنه كان يُعرف أيضاً بَالزَّجَاج.
مات سنة سبع وأربعين وأربعمائة .
= عبد السيد بن محمد، أبا نصر - وإن كان ((ان الصباغ، عند الإطلاق يراد به عبد السيد هنا. الذى
مرت ترجمته في هذا الجزء، صفحة ١٢٢
وقد ذكر ابن السبكى مسألة العمياء وحفاتها في ترجمة إن الصباغ، أحمد بن محمد. إلا أنه ذكرها
جاك على وجه الاختصار.
.وقال هنا فى الطبقات الوسطى:
(( وهى مسألة لا أعلم فيها نقلا فى غير هذه الفتاوى، إلا أن ابن الزِّفْبة قال: فى كلام
الإمام ما يُسْتَنبط منه أن العمى مانع ، فإنه، أعنى الإمام ، قال: إن حفظ الأم الولد الذى
لا يستقل ليس مما يقبل الفترات، فإن المولود فى حركاته وسكناته لو لم يكن ملحوظا من مراقب
لا يسبهو ولا يغفل لأوشك أن يَهْلِك. ويقتضى هذا أن العمى يمنع؛ فإن الملاحظة معه،
كما وصف، لا تتأتى. وقد يقال فيه ما فى الفالج، إذا كان لا يلهى عن الحضانة، وإنما يمنع
الحركة)».
وقد نقل الصفدى منا الكلام بألفاظة فى نكت الهميان ٠٥٤ (١) فى س وحدها.
. (٢)° فى العبد ٠١٢٣/٣ ١٠٠: ((أبو بكر المهندس) يغير واين)).
أ.ع

- ١٦٥ -
٤٧٥
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن عبد الله بن حيويه الْجُوَيْنِىّ*
النيسابورى، إمام الحرمين ، أبو المعالى ، ولد الشيخ أبى محمد
هو الإمام شيخ الإسلام البحر الخبر، المدقق المحقّق، النّظَّار الأصولى المتكلم،
البليغ الفصيح الأديب، العلم الفَرَّد، زينة المحقّقين، إمام الأمة على الإطلاق، مُجْما وعُرْبًا،
وصاحب الشهرة التي سارت السُّراة والحداة بها شَرْقاً وغَرْباً.
هو البحر وعلومه دُرَره الفاخرة، والسماء وفوائده التى أنارت الوجود نجومُها الزاهرة،
يَلّ الحديدُ من الحديد وذِهْنه لا يَحَلّ من نصرة الدين فُولاذه، وَتَكِلّ الأنفس
وفلمه يَسِحُ وابِلُ دمعه ورَذاذُه، ويدجو الليلُ البَهِيم ولا ترى بدرا إلا وجهه فى محرابه ،
ولا ناظراً (١ إلا طَرْفه ناظراً!» فى كتابه .
بَطَلُ عِلْىٍ، إذا رآء النُّظَارِ أُفْحِمِوا، وقالوا: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾(٢) ،
وفارسُ بَحْث، يُضَيِّق على خُصَاته الفضاء الواسع، حتى لا يفوتَه الهارب منهم، فى الأرض
يُحُور، ولو أنه الطائر فى السماء يحوم ...
تَفِدِ المشِكِلاتُ إليه فيصِدّها، وتَرِد السؤالاتُ عليه فلا يردُّها .
أبداً على طَرَّفِ اللسانِ جَوابُهُ فَكَأْنَا هِى دَفْمَةٌ من صَيٍِّ
وبرُوحُ معترفاً بِذِلَّةِ مذنِبٍ (٣)
يغدُو مُسْجِلُهُ بِيزَّةٌ صَافِعِ
* له ترجة فى: الأنساب ١٤٤ب، تبيين كذب المفترى ٢٧٨، دمية القصر ١٩٦، شذرات الذهب
٣٥٨/٢ طبقات ابن هداية اه ٦١، العبر٠ ٢٩١/٣، العقد الثين ٥٠٧/٥. وأشار محققه إلى أن الجوينى
ترجمة فى التحفة اللطيفة ٣١١/٣، مفتاح السعادة ٤٤٠/١، ١٨٨/٢، المنظم ١٨/٩، النجوم الزاهرة
١٢١/٥، وفيات الأعيان ٢٤١/٣.
وانظر ((الجوبى إمام الحرمين)) للدكتورة فوقية حين محمود. وانظر أيضا مقدمتها لكتاب الجوينى
« لم الأدلة)).
(١) كذا فى المطبوعة. وفى س: ((ناظره الناظر)» وفي د: «ناظرته الناظر».
(٢) سورة الصافات، آية ١٦٤. (٣) والمطبوعة: ((بعز صافح)»، والمثبت من سأر الأصول.

- ١٦.٦ -
وما يرح بدأب، لا يترك ساميةً إلا علاها، ولا غايةً إلا قطع دُونها أنفاس المجاز(١)،
وقطع منتهاها، بذِهِنٍ صِحِّ على بَقْدِ الفِكر إبْرِيرُ، ووضح فى ميدان الجدال تَبْرِيزُه ،
حتى قال [له](٢) الدهر: لقد اشتبه يومُك بأمْسِك، وقالت العَلْياء: هذا حَدِّى،
قِبْ عنده على رِسْلِك، ارفُقَ بنفسك وأمسِكْ.
هذا إلى لفظٍ غُرّه(٣) سِجْر، إلا أنه حِلٌّ وِبِلٌّ، ودُرُّه يتيم، إلا أنه لا يَدِلَ، بفصيح
قالت النحاة: هذا ما عجز عنه زيد وعمرو وخالد، وبليغ قول (٤قالت البَلَغَاءِ» : قصَّر
عن مداه طريفُ الفصاحة والتالد
وما أُحاضِىٍ من الأقْوامِ من أَحَدِ (٥)
وما أرى أحداً فى الناس يُشِهُهَ
أجل والله، إنه لَذُو حَظٍ عظيم، وقَدْرٍ، إذا أنصفت المداة أصبح وإذا الذى بينه(٦)
وبينه عداوة كأنه وليّ حیم .
وعظة أمت ديارُ الأعداء بها وهى محلات مآتم، وجلالة قال القاضي: لا يكتمها
الشاهد المعدّل عندى، ومن بكتُمها فإنه آثم ..
ومهابةٍ بتضاءل النَّجم دونَهَا، وتودّ الأسودُ أن تكونَهَا، ولا تكون إلا دُونَهَا .
ونخارٍ لو رأته ((الأم))(٢) لقالت: قَرَّى عيناً أيتها النفسُ بهذا الولد، أو المُرَنِىّ
اعلم أن بناتِ قرائحِهِ انتهت إليه أبكارا، واتخذ منها ما عَزّ(٨) كلَّ أحد.
(١) كذا فى المطبوعة، د. وفى الى، والطبقات الوسطى: ((المحاربين» بإعجام الياء المتناه من
تحت ، والنون فقط. (٢) زيادة من الطبقات الوسطى.
(٣) كذا فى الأصول. وقد وضعت ضمة فوق القين فى الطبقات الوسطى.
(٤) تكملة لازمة من الطبقات الوسطى .
(٥) البيت النابغة، ديوانه ( التوضيح والبيان) ٢٩ ، والرواية فيه :
ولا أرى فاعلا فى الناسِ يشبهُهُ:
ولا أحاشى من الأقوامِ من أحدٍ
(٦) فى المطبوعة: ((بنك)). والتصحيح من سائر الأصول.
(٧) يقصد كتاب ((الأم) للإمام الشافعى. رحمة الله عليه.
(٨) فى المطبوعة والطبقات الوسطى: ((ما عز على ». وأثبتنا باقی س، د. وعز، هنا بمعنى غلب"

- ١٦٧ -
وأبحاثٍ لو عارضها القّفّال (١ شيخ الخراسانيين١) لقيل: هذا يضرب فى حديدٍ بارِد،
ولو ◌ُرِضت على [شيخ](٢) العراقيين(٣) لقال ابن أبى طاهر: أنا شيخ الطائفة وأنا حامد
وأبو حامد .
وشِعارٍ آوَى الأشعرىُّ منه إلى رُكْنٍ شديد، واعتزل المنزلىّ المناظرةَ عِلْماً أنه ما يلفظ
من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عَتيد. إذا صَعِد المنبر مدَّ يده إلى الفَرَاقِدِ، وأنشده الفضل:
ولما رأيتُ الناسَ دُونَ مَحَلَّهِ تَيقَّنْتُ أن الدهرَ للناسِ نَاقِدُ(٤)
وإذا وعَظ ألبس الأنفسَ من الخشية ثوباً جديداً، ونادته القلوب: إننا بَشَرُءُ
فَأَسْجِحْ(٥)، فلسنا بالجبال ولا الحديدا.
وإذا ناظر قعد الأسد، فلا يستطيع أن يقوم، وقام الحقُّ بحيث يحضر أندية الدِّين ،
وسُهَيل قد نُبِذ بالعَراء كأنه مذموم، وإذا قَصَد رِباع المبتدِعة هَدَ شُبَهها ببراهينَ قائمةٍ
على مُمُد ، وأنْشَد مَن رآها:
أمستْ خَلاءُ وأمسى أهلُها احتَملُوا أَخْتَى عليها الذى أُخْتَى عَلى لُبُهِ (٦)
رُبََّ فى حِجر العِلم رشيدا، حتى رَبا، وارتضعٍ تَدْىَ الفضل فكان فِطامُه هذا النَّبًا ،
وأحكم العربّة ، وما يتعلّق بها من معلوم الأدب، وأُوتِى من الفصاحة والبلاغة ما عَجَّز
الفُصَحَاءِ، وحيَّر البلغاء، وسَكَّت مَن نَطق وداب.
وكان يذكر دروسا ، كل درس منها تضيق الأوراق المديدة عن استيعابه، ويقصُر
(١) زيادة فى المطبوعة والطبقات الوسطى، على ما فى س، د .. (٢) سقط من الطبقات الوسطى.
(٣) فى س، د: ((العراق)). والمثبت من المطبوعة، والطبقات الوسطى.
(٤) البيت للمتنى - ديوانه ٢٧٢/١ بشرح الكبرى. (٥) أى ارفق وسهل . وهذا من قول
عقيبة الأسدى يشكو إلى معاوية بن أبى سفيان جور عماله. والبيت بتمامه:
فَلَسْنا بالجبالِ ولا الحدِيداً.
مُعَاوِىَ إِنّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ
وانظر الكتاب البويه ٦٧/١ .
(٦) البيت النابغة. ديوانه (التوضيح والبيان) ٢٠ .

- ١٦٨ -
مَدُّ البحر عن مدى عُبابه، غير متلعثم فى الكلام ، ولا محتاج إلى استدراك عَثْرة فى لفظةِ
جرت على غير النظام، بل جارٍ كالسِّيل مُنْحدِرا(١)، والبرق إذا سرى.
يعلم المتعمّون أنه لا ◌ُيُدرَك له حَدّ، ويعتَرَف المعزِّزون بأنَّه عمِل صالحاً وأحسن
فى السَّرْد.
قال الثّات: إن ما يُوجَد فى مصنفاته من العبارات قطرة من سَيل، كان يُجربه
لسانه على شفتيه عند المذاكرة، وغَرْفة من بحر، كان يفيض من فمه فى مجالس المناظرة
وأقول: مَن ظَنَّ أن فى المذاهب الأربعة مَن يُدانى فصاحته فليس على بصيرةٍ من
أمره، ومن حسب أن فى المصنّفين من يحاكِى بلاغته فليس يدرى ما يقول
(شرح حال ابتداء الإمام)
والحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة، واعتنى به والده من صغره، لا بل
ولد في ثامن
من قبل موعده
وذلك أن أباه اكتسب من عمل يده مالاً خالصاً من الشَّيهة، اتصل به إلى والدته،
فلما ولدته له حَرّص على أن لا يطعمه ما فيه شبهة(٣) فلم يمازج باطنه إلا الحلالُ الخالص،
حتى يحكى أنه(٣) تاجلج مرة فى مجلس مناظرة، فقيل له: يا إمام، ما هذا الذى لم
يُعْهُد منكِ ؟
فقال: ما أراها إلا آثار بقايا المَصّة.
قيل: وما نبأ هذه المحبة؟
قال: إن أمى اشتغلت فى طعام تطبخه لأبى، وأنا رضيع، فبكيت وكانت عندنا جارية
مرضعة لجيراننا، فأرضعتنى مَعّة أو مَصّتين، ودخل والدى ، فأنكر ذلك، وقال: هذه
الجارية ليست ملكالنا، وليس لها أن تتصرف فى لبنها، وأصحابُها لم يأذنوا فى ذلك،
(١) فى المطبوعة: ((تجدراً)). والمثبت من سأر الأصول.
(٢) فى الطبقات الوسطى زيادة: (ولا أدنى شبهة))
(٣) ف المطبوعة: (( أنه كان)) وليست فى سائر الأصول.

- ١٦٩ -
وقَلَّبَنِى وَفَوَّعَنِى حتى لم يَدَعْ فى باطفى شيئا إلّا (١) أخرجه، وهذه اللَّجْلَجة من بقايا
تلك الآثار .
فانظر إلى هذا الأمر المجيب ، وإلى هذا الرجل الغريب ، الذى يحاسب نفسه على يسيرٍ
جرى فى زمن الصبا الذى لا تكليف(٢) فيه، وهذا يدنو مما ◌ُحُكِى عن أبى بكر الصدِّيق
رضى الله عنه .
ثم أخذ الإمام فى الفقه على والده، وكان والده يُعْجَبْ به ويُسَر؛ لِما يرى(٣) فيه من
تخايل النّجابة ، وأمارات الفلاح.
وجَدَّ واجتهد فى الذهب والخلاف والأصوابن، وغيرها، وشاع اسمه ، واشتهر فى
صباء، وضربت باسمه الأمثال، حتى صار إلى ماصار إليه، وأوقّف علماء المشرق والمغرب
معترفين بالعجز بين يديه ، وسلك طريق البحث والنظر والتحقيق ، بحيث أربى على
كثير من المتقدِّمين وأنسى تصرُّفات الأوَّلين، وسعى فى دين الله سعياً يبقى أثرُه إلى
يوم الدين .
ولا يشك ذو (٤) خِبْرة أنه كان أعلم أهل الأرض بالكلام والأصول والفقه ،
وأكثرهم تحقيقاً، بل الكل من بحره يغترفون، وأن الوجود ما أخرج بعده له نظيرا.
. وأما التفضيل الذى كان بينه وبين مَن تقدّمه فقد طال الشرح فيه فى عصره، ولا ذَرَى
للبحث عن ذلك معنى ..
ثم توفَّ والده وسنه نحو العشرين، وهو مع ذلك من الأئمة المحققين، فأُقد مكانه فى
التدريس ، فكان يدرِّس ثم يذهب بعد ذلك إلى مدرسة البَيْهِىّ، حتى حصَّل الأصول عند.
أستاذه أبى القاسم الإسكاف الإسْفَرابنى، وكان يواظب على مجلسه.
(١) فى المطبوعة: ((حتى)) وأثبتنا ما فى سائر الأصول.
(٢) فى المطبوعة، د: ((يكلف)). والمثبت منخس، والطبقات الوسطى.
(٣) فى المطبوعة، د: ((رأى)). والمثبت من س، والطبقات الوسعلى.
(٤) فى المطبوعة:، د : «دون خبره، وأثبتنا الصواب من لى.

- ١٧٠ :-
قال عبد الفافر الفارسىّ(١): وقد سمعته يقول فى أثناء كلامه: کنت علّقت عليه فى
الأصول أجزاء معدودة، وطالعتُ فى نفسى مائةَ جلَّدة. وكان يَصِل الليل بالنهار في
التحصيل(٢)، ويبكّر كل يوم قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مسجد [أبى عبد الله](٣)
الَّازى، يقرأ عليه القرآن(٤)، ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكنه، مع مواظبته
على التدريس ، وينفق ماورته وما كان يدخل له على التفقيّة، ويجتهد فى المناظرة، ويواظب
عليها، إلى أن ظهر التعَصُّب بين الفريقين، واضطربت الأحوال والأمور .
قال عبد الغافر: فاضطُرَّ إلى السفر، والخروج عن البلد، تخرج مع المشايخ إلى المنكر،
وخرج إلى بغداد ، يطوف مع العسكر، ويلتقى بالأكثر من العلماء ويدارسهم ويناظرم،
حتى(٥) طار ذِكره فى الأقطار، وشاع ذِكره واسمه، فملاً (٦) الديار، ثم زَمْزم له الحادِى
يذكر زَمْزم، وناداء على بُعد الديار البيتُ الحرامُ فلَّى وأحرم، وتوجه حاجًّاً، وجاور بمكة
أربع سنين، بدرِّس وُيُفتى، ويجتهد فى العبادة ونشر العلم، حتى شَرُّق به ذلك النادي،
وأشرقت تِلاع ذلك الوادى ، وأسبات عليه الكعبة ستورها، وأقبلت عليه وهو يطوف
بها، كلما اسودَّ جُنْحِ الليالى بَيَّضَ (٧ بأعماله الصالحة(٧) دَيْجُورَها، وصَفَتْ نَيَّتَه مع الله،
فلو كانت الصَّفا ذات لسان لشافهته جهارا، وشكر له السعى بين الصفا والمروة
إقبالا وإدبارا .
ثم عاد إلى نيسابور بعد ولاية السلطان ألْب أرْسِلان، وتزثُنِ وجه الملك بإشارة(٨)
نظام الملك، واستقرت أمور الفريقين، وانقطع التعصّب.
(١) كلام عبد النافر هذا فى تبيين كذب المفترى ٢٧٩.
(٢) فى التهبين ٢٨٠ بعد هذا زيادة: « حتى فرغ منه،
(٣) زيادة من الطبقات الوسطى، والتبيين.
(٤) فى المطبوعة: ((اأقراآت)) والثبت من شائر الأصول والتبيين.
(٥) فى التبين: ((حتى تهذب فى النظر وشاع ذكره)).
(٦) من هنا يتصرف ان المبكى فى ألفاظ عبد الغافر التى فى التبيين.
(٢) ساقط من المطبوعة، وهو من ضى، د ..
(٨) فى أصول الطبقات البكرى: ((إطاعة)). والمثبت من الطبقات الوسطى، والتدين.
ئے

- ١٧٧ -
وقد قدمنا حكاية الفتنة (١) فى ترجمة أبى سهل بن الموفَّق.
ڤُنِيت له المدرسة النِّظامية بنيسابور، وأُقعد للتدريس فيها ، واستقامت أمور الطلبة،
وبقى على ذلك قريبا من ثلاثين سنة، غيرَ مُزاحَم ولا مُدافع، مسلم له المحراب والمغبر
والخطابة والتدريس، ومجلس التذكير يوم الجمعة، والمناظرة، وهُجِرت المجالسُ من
أجله، والْغَمَرَ غيره من الفقهاء بعلمه، وكدت الأسواق فى جنبه، ونَفَقَ سوقُ المحققين
من خواصّه وتلامذته، فظهرت تصانيفه، وحضر درسَه الأكابرُ والجمع العظيم من
الطلبة، وكان يتعد بين يديه كل يوم نحو من ثلاثمائة رجل من الأئمة ومن الطلبة ،
وأتفق له من المواظبة على التدريس والمناظرة مالم يُعهد لغيره، مع الوجاهة الزائدة فى الدنيا.
وسمع الحديث فى صباه من والده، ومن أبى حسّان محمد بن أحمد المُزَكِّىّ، وأبى سعد
عبد الرحمن بن ◌َمْدان النّضْرَوِىَ، وأبى عبد الله محمد بن إبراهيم بن يحيى المُزَكَّىَ،
وأبى سعد عبد الرحمن بن الحسن بن عَلِيَّك، وأبى عبد الرحمن محمد بن عبد العزيز النَّلِىّ،
وغيرهم .
وأجازله أبو نعيم الحافظ، وحدَّث.
وروى عنه زاهِر الشّحَامِىّ، وأبو عبد الله الفُراوِىّ، وإسماعيل بن أبى صالح المؤذِّن
وغيرُم .
ومن تصانيفه (( النهاية)» فى الفقه، لم يصنّف فى الذهب مثلُها، فيما أجزم به.
و(( الشامل)) فى أصول الدين ...
٠
و (( البرعان)» فى أصول الفقه .
و ((الإرشاد)) فى أصول الدين.
و ((التلخيص)) مختصر ((التقريب والإرشادِ))(٣) أصول فقه أيضا.
٠
(١) فى الأصول: ((الفقيه)) وهو خطأ وقد ذكر ان البكى أحداث هذه الفتنة فى ترجمة أبى الحسن
الأشعرى ٣٨٩/٣، ثم فى ترجمة أبى سهل بن الموفق ٢٠٩/٤، وذكر فى الوضعين لفظ ((الفتنة» صراحة
(٢) التقريب والإرشاد القاضى أبى بكر الباقلانى. كما صرح بذلك الصنف فى الطبقات الوسطى،=
:

- ١٧٢ -
و( الورقات)) فيه أيضا.
و ( غياث الأمم))(١)
و « مُفيت الخَلْق))(٢) فى ترجيح مذهب الشافعى.
و ((الرسالة النظامية)
(٣) ومدارك العقول؟).
وله « ديوان خُطَب )» مشهور .
وله (مختصر النهاية)) اختصرها بنفسه، وهو عزيز الوقوع، من محاسن كتبه، قال
هو نفسه فيه: إنه يقع فى الحجم من ((النهاية)) أقلّ من النَّصف، وفى المعنى أكثر
من الضَّعْف (٤) ..
(ذكرشىء من ثناء أهل عصره عليه)
قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازىّ: تتموا بهذا الإمام، فإنه نزهة هذا الزمان ، يعنى
إمام الحرمين.
وقال له مَرَّة: يا مفيدَ أهل المشرق والمغرب، لقد استفاد من عمك الأوّلون
والآخِرون .
عقال: م ومختصر التقريب والإرشاد تقاضى أبى بكر، سماه التلخيص، وهو من أجل الكتب)). وكذا
ذكر صاحب كشف الظنون ١ /٧٠ كتاب ((الإرشاد)) فى أصول الفقه، القاضى أبى بكر وبهذا يتضح
أن أبى لإمام الحرمين كتاب في أصول الفقه اسمه: ((الإرشاد)». كما ذهب إليه بعضها اعتماد على عبارة
الطبقات الكبرى. وهى عبارة موهمة، كما ترى.
(١) فى الإمامة. كما فى كشف الظنون٠ ١٢١٣/٢. قال: وله كتاب صفة للوزير غيات الدين
نظام الملك سماه ((القبائى)» سبلك فيه غالباً مبلك ((الأحكام السلطانية)». وقال الصنف فى الطبقات
الوسطى : «وقفت عليه بخطه».
(٢) تمام اسمه: «فى اتباع الأحق)» كما فى كشف الظنون ١٢١٣/٢. وإن سماه: ((غياث الخلق))
(٣) ساقط من المطبوعة، وهو من سائر الأصول.
(٤) زاد فى الطبقات الوسطى، من مضاعفات إمام الحرمين: ((التحفة، والفنية .. والأساليب فى
الخلافيات)،. ثم قال: ((وغير ذلك)).

- ١٧٣ -
وقال له مرّة أخرى: أنت اليوم إمام الأئمة .
وقال شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابونى، وقد سمع كلام إمام
الحرمين فى بعض المحافل: صرف الله المكاره عن هذا الإمام، فهو اليوم قرّة عين الإسلام،
والذابُّ عنه بحسن الكلام.
ولعلىّ بن الحسن الباخَرْ زِىّ فيه، وهو شابٌّ، كلام سيمر بك فى أثناء كلام
عبد الغافر الفارسى .
وقلت من خط ابن الصلاح: أنشد بعضُ من رأى إمام الحرمين.
لم تَ عَيْنِى [أَحَداً] تحت أَدِيمِ الفَلَكِ (١)
مِثْلَ إمامِ الحَمَيْ نِ النَّْبِ عبد اللِكِ(٢)
وقال الحافظ أبو محمد الجرجائيّ: هو إمام عصره، ونسيج وَحْدِه، ونادرة دهره ،
عديم المثل فى حفظه وبيانه(٣) ولسانه.
قال: وإليه الرّحلة من خرسان والعراق والحجاز.
وقال قاضى القضاة أبو سعيد الطبرىّ، وقد قيل له إنه لقّ إمام الحرمين: بل هو إمام
خراسان والعراق ؛ لفضله وتقدمه فى أنواع المثوم .
وكان الفقيه الإمام غانم المُوشِيلِىّ(٤) يُنشِد(٥) لغيره فى إمام الحرمين:
دَعُوا لُبْسَ المَعَالِ فَهْو تَوْبُ على مِقِدَار قَدِّ. أبى العالِى
(١) ما بين المعقولتين سقط من المطبوعة، د. وقد استكملناه من س، والطبقات الوسطى.
(٢) فى المطبوعة، د: «الثبت عبد الملك، وأنبتنا ما فى ى ، والطبقات الوسطى ، والندب:
الخفيف فى الحاجة النجيب. (٣) فى المطبوعة، د: ((وشانه». والمثبت من س.
(٤) بضم الميم وسكون الواو وكسر الشين المعجمة وسكون الياء تحتها نقطتان. وفى آخرما لام.
نسبة إلى موعيلا، وهو كتاب النصارى. هذا قول المعانى. وتعقبه ابن الأثير فى الباب ١٨٩/٣ فقال:
قوله إن موغيلا كتاب النصارى ، خنيس هو كذلك، إنما هو من أسماء رجال النصيارى ومعناه بالعربية
موسى، ولعلبعض أجداده كان اسمه، كذلك فذب إليه.
(٥) فى المطبوعة: (بحشد وبقول)). وأثبتنا،ا فى من ، د.

- ١٧٤ ٠
وروى ابن السَّمعانىّ أن إمام الحرمين ناظر فيلسوفاً فى مسألةٍ خَلْق القرآن، فقذف
بالحقِّ على باطله، ودمغه دَمْنا، ودجفن شُبَهه دَحْضًا، ووضَّح كلامه فى المسألة حتى
اقترف الموافق والمخالف له بالفكبة.
وقال الأستاذ أبو القاسم القُشَيْرِىّ: لو ادَّعى إمامُ الحرمين اليومَ النبوّة لاستغنى بكلامه
هذا عن إظهار المعجزة .
( ذكر كلام عبد الغافر الفارسىّ(١ فيه، وهو آت بغالب بالترجمة)
ولا علينا إذا تكرر بعضُ(٢) ما مضى ذِكْره
i :
قال عبد القافر الفارسى(١) الحافظ، في «سياق نيا برر))(٣): إمام الحرمين، غر
الإسلام، إمام الأئمة على الإطلاق، حَبْر الشريعة، المجِمَع على إمامته، شَرْقاً وَغَرِّباً، المُرّ
بفضله السُّراة والحداة، عُجْمًا وعُرْباً، من لم تر العيونُ مثلَه قبله، ولا ترى بعده.
رَبّاء حِجْرُ الإمامة، وحرك ساعدُ السعادة مَهْدَه، وأرضعه تدى العلم والورَعَ، إلى
أن ترعرع فيه وَ يَفَع
أخذ من العربية وما يتعلَّق بها أو فرَ حظّ ونصيب، فزاد فيها على كل أديب، ورُزِق
من التوسّع فى العبارة وعلوَّها ما لم يُعهد من غيره، حتى أنسى ذكر سَحْبَانَ، وفاق فيها
الأفران، وحمل القرآن، فأعجز الفُصَحاء اللّه، وجاوز الوصف والحد ، وكل من سمع
خبره ورأى أثره، فإذا شاهده أقَرَّ بأن خُبْه يَزيد كثيرا على الخَرَ، وَيِبرُّ على ما عُمِد(٤).
من الأر .
وكان يذكر دروسا، يقع كلُّ واحد منهما فى أطباق وأوراق، لا يتلعثم فى كلمة
،
(١) ساقط من د وجدها (٢) فى المطبوعة: ((بعد)). وهو ساقط من د، وأثبتنا ما فى س.
(٣) كلام عبد الفافر هذا بحروفه فى تبين كذب المفترى. وقد أشرنا إلى مكانه فى صدر الترجمة".
(عبده )). والتيت من س ، والتبيين.
(٤) فى المطبوعة،

- ١٧٥ -
ولا يحتاج إلى استدراكْ عَثْرَةٍ (١)، مَرًّا فيها (٢) كالبرق الخاطف، بصوت مطابق كالرَّعد
القاصِف، (٣ينْزِفِ فيه٣) ل المُبرِّزون، ولا يدرك شأوَه المتشدِّنون التعمَّقُون، وما يوجد منه
فى كتبه من العبارات البالغة كنة الفصاحة غَيْضٌ من فَيْضٍ ما كان على لسانه، وغَرْفة من
أمواج ما كان يُعهد من بيانه.
تفقه فى صباه على والده ركن الإسلام ، فكان يُزْهى بطبعه(٤) وتحصيله، وجَوْدة
قريحته، وكياسة غريزته، لما يرى فيه من المخايل، الخانه فيه من بعد وفاته، وأتى على جميع
مصنفاته، فقلبها ظهرا لبطن، وتصرف فيها، وخرّج السائل بعضها على بعض، ودرَّس.
سنين، ولم يرض فى شبابه بتقليد والده وأصحابه، حتى أخذ فى التحقيق وجَّدٌ واجتهد
فى المذهب والخلاف ومجلس النظر، حتى ظهرت نَجابته، ولاح على أيامه عِمّةُ أبيه وفراسته،
وسلك طريق المباحثة، وجَمَع الطَّرُق بالطاعة والمناظرة والمناقشة، حتى أَرْبى على المتقدِّمين،
وأنى تصرفاتِ الأوَّلين، وسعى فى دين الله سعياً يبقى أثره إلى يوم الدِّين.
ومن ابتداء أمره أنه لما توفّىَ أبوه كان سنّه دون العشرين أو قريبا منه، فأُفيد مكانه
للتدريس ، فكان يقيم الرَّسْم فى درسه، ويقوم منه ويخرج إلى مدرسة البَيْهَقِىّ، حتى
حصّل الأصول وأصول الفقه، على الأستاذ الامام أبى القاسم الإسكاف الإِسْفَرًاينى، وكان
يواظب على مجلسه، وقد سمعته يقول فى أثناء كلامه : كنت علَّقت عليه فى الأصول أجزاء
معدودة ، وطالعت فى نفسى مائة مجلدَّدة.
و کان يصل الليل بالنهار فیالتخصیل حتى فرغ منه، ویېگّر كلَّ يوم قبل الاشتغال بدرس
نفسه إلى مجلس (٥) الأستاذ أبى عبد الله الخبازى يقرأ عليه القرآن، ويقتبس من كل نوع.
من العلوم ما يُمْكِنه ، مع مواظبته على التدريس، ويُنْفَق ما ورثه وما كان له من الدخل
(١) فى المطبوعة، د: ((غيره)). والتصحيح من ى، والتيين.
(٢) فى المطبوعة، د: ((مراقبة)). والتصحيح من س ، والتبين.
(٢) فى المطبوعة، د: ((يعترف له)) وأثبتنا ما فى ، التيين.
(٤) فى التبيين : «بطلعه».
(٥) فى التبيين: ((مسجد)).

- ١٧٦ -
على [إجراء](١) المتفقهة، ويجتهد فى ذلك ويواظب على المناظرة، إلى أن ظهر التعصُّب
بين الفريقين، واضطريت الأحوال والأمور، فانظر إلى السفر والجروح عن البلد، تخرج
مع المشايخ إلى المعسكر، وخرج إلى بغداد يطوف مع المعسكر، ويلتقى بالأكابر من العلماء
وبُدارِسهم ويُناظِر هم، حتى بهذّب فى النظر، وشاع ذكره.
ثم خرج إلى الحجاز، وجاور بمكة أربع سنين يدرِّس وَيُفتى، ويجمع طَرُق المذهب،
ويقبل على التحصيل، إلى أن اتفق رجوعه بعد مُضِىَّ تَوْبة التعصّب، فعاد إلى نيسابور ،
وقد ظهرتِ نَوْبَة ولاية السلطان أَلْبِ أُرْسِلاَنَ، وتزُّنِ وجه المُلْك بإشارة(٢) نِظام.
الْمُلْك، واستقرت أمور الفريقين، وانقطع التعصّب، فعاد إلى التدريس، وكان بالغاً فى
العلم نهايته (٣)، مستجمعاً أسبابه، فبنيت المدرسة الميمونة النظامية، وأقعد للتدريس
فيها (٤)، واستقامت أمور الطلبة.
وبقى على ذلك قريبا من ثلاثين سنة، غيرَ مُزاحَم ولا مدافع، مُسَلّم له المحراب
والمِنبر والخطابة والتدريس ومجلس التذكير يوم الجمعة والمناظرة، وهُجرت له المجالس،
وانغمر غيره من الفقهاء بعلمه وتَسَلَّطِهِ(٥)، وكسدتِ الأسواق فى جنبه، ونَفَق سوقٍ
المحقّين من خواصّه وتلامذته، وظهرت تصانيفه، وحضر درسَه الأكابرُ والجمْ(١).
العظيم من الطلبة، وكان يقعد بين بديه كلَّ يوم بنحوٌ من ثلاثمائة رجل من الأئمة ومن
الطلبة .
وبخرَّج به جماعة من الأمة والفحول، وأولاد الصدور، حتى بلغوا محلّ التدريس
فى زمانه .
(١) ساقط من المطبوعية، وهو من س، د، والتدين.
(٢) فى المطبوعة: ((بشارة)) .. والمثبت من سائر الأصول، واتبين
(٣) فى المطبوعة: ((ذامهابة))" والتصحيح من ص، د، والتبيين.
(٤) ساقط من المطبوعة، د. وهو من س.، والتيين.
(٥) فى المطبوعة: ((وبطته)) والمثبت من ش، د، والتبين
(٦) فى المطبوعة: ((الجم الغفير العظيم، وأنيتنا ما فى س، د، والنبيين

- ١٧٧ -
وانتظم بإقباله على العلم ومواظبته على التدريس والمناظرة والمباحثة، أسبابٌ ومحافِلُ.
وَجامِعُ، وإمعانٌ فى طلب العلم، وسوقٌ نافِقة لأهله لم تُعَهَد قبلَه.
واتصل به ما يليق بمَنْصِبِه من التقبول عند السلطان والوزير والأركان، وؤُفور الخِدْمة
عندهم، بحيث لا يُذكرِ غيرُه، فكان المخاطَبَ والمشارَ إليه، والمقبولُ مَنْ قَبِلَه، والمهجورُ.
مَنْ هَجَرَه، والمصدَّرُ فى المجالس من ينتمى إلى خدمته، والمنظورُ إليه مَن يغترف فى الأصول
والفروع من طريقته .
واَّفَقَ (١) منه تصانيف رسم الحضرة النظامية، مثل النَّظامِى، والفِيانى، وإنقاذها
إلى الخضْرة ووفوعب موقعَ القَبُول، ومقابلتها بما يليق بها من الشكر والرضا، والخلَع
الفائقة، والمراكب المثَمَنَّة، والهدايا والمرسومات(٢).
وكذلك إلى أن قُلِّدْ زَعامةَ الأصحاب ورئاسة الطائفة، وفُوِّض إليه أمورُ الأوقاف.
وصارت حِشْمَتُهُ وَزَرَ (٣) العلماء والأئمة والقضاء، وقولُه فى الفتوى مَرْجِعَ العظماء
والأكار والولاة .
.. واتفقت له نهضة فى أعلى ما كان من أيامه إلى أصبهان، بسبب مخالفة بعض من الأصحاب،
غلقى بها من المجلس النظامىّ ما كان اللائق بمنصبه من الاستيشار والإعزاز والإكرام
بأنواع الَبَارّ ، وأُجيب بما كان فوق مطلوبه، وعدد مكرَّها إلى نيسابور .
:
وصارا كثرُ عنايته مصروفاً إلى تصنيف الذهب (٤الكبير المسمى بنهاية المطلب
فى دراية الذهب٤»، حتى خَرَّره وأملاء، وأتى فيه من البَحْثِ والتقرير، والسّبك؟ التنقير،
والتدقيق والتحقيق بما شفى الغَئيل، وأوضح السبيل، ونَّبَّه على قدره وَحلَّه فى على الشريعة،.
ودرَّس ذلك للخواص من التلامذة، وفرغ منه ومن إتمامه، فعقد مجلما لققمّة الكتاب،
(١) فى المطبوعة، د: ((وأنفق)) والمثبت من س، والتبيين.
: (٢) فى المطبوعة، د: (( والرسومات)). وأثبتنا ما فى س ، والتيين.
(٣) أى منها. (٤) ساقط من المطبوعة، وهو من نار الأصول، والتدين.
(٥/١٢٠ طبقات)

- ١٧٨ --.
خضره الأئمة والكبار، وختم الكتاب على رَسم (١) الإملاء والاستملاء، وتبجَّح الجماعةُ
بذلك، ودعوا له وأثنَوا عليه، وكان من المعتدِّين بإتمام ذلك، الشاكرين الله عليه،
هما صُنَّف فى الإسلام قبلَه مثلُه، ولا انَّفَق لأحدٍ ما اتَّق له، ومَن قاس طريقته بطريقة
المتقدِّمين فى الأصول والفروع وأنصف أفَرَّ بعلُوَ منصبه، ووُفورِ تعبه ونَعَبَه فى الدِّين،
وكثرة منهره فى استنباط الغوامض، وتحقيق المسائل وترتيب الدلائل.
ولقد قرأت فصلا ذكره على بن الحسن بن أبى الطَّيِّب الباخَرْزِىّ فى كتاب ((دُمية
القَصْر»(٢) مشتملا على حاله، وهو فقد كان فى عصر الشباب، غير مستكمل ما عهدناه
عليه من اتساق الأسباب، وهو أن قال: فتى الفِتْيان، ومن أنجب به الفتيان(٣)،
ولم يُخَرِّج مثله الفتيان، عنيت (٤) النُّعمانَ بن ثابت، ومحمد بن إدريس، فالفقه فقه الشافعى،
والأدب أدب الأسْمَعِىّ، وحُسْن بَصَره بالوعظ للحسن(9) البعيرنىّ، وكيف كان فهو
إمام كلِّ إمام، والمستعلى بهمَّته على كلّ ◌ُمام، والفائز بالظَّفْر(٦) على إرغام كلّ ضِرْ غام،
إذا تصدَّر [ للفقه ](٢) فالُزَنِّ مِن مُزْنَتَه قَطْرة، وإذا تكلّم فالأشعَرِىّ من وَفْرته (٨) شرة،
وإذا خطب ألجم الفصحاء بالعِىِّ شَقَاشِقُهُ(٩) الهادِرة، ولم البلغاء بالصمت حقائقه البادرة،
ولولا سَدُّه مكانَ أبيه بسُدِّه(١٠) الذى أُفْرَغ على قُطْرِهِ قِطْرَ أَبِّيه(١١) ، لأصبح مذهب
الحديث حديثا، ولم يجد المستغيث منهم مُفيها.
(١) فى الطبقات الوسطى: «رلى». (٢) الدمية ١٩٦
(٤) فى الدمية: ((عنيت محمد بن إدريس والنعمان)).
(٣) فى الطبقات الوسطى: ((الفئتان)).
(٦) فى أصول الطبقات الكبرى: (( بالطعن)). والتيت من
(٥) فى الدمية: (كالحسن ».
(٨) الوفرة: الشعر المجتمع
:
الطبقات الودعلى، والدمية، والتيين ١٠ ٠ (٧) ساقط من الدمية.
على الرأس أو ماسال على الأذنين منه أو ماجاوز شحمة الأذن ثم الجمة ثم اللمة. القاموس ( وفـ ر).
(٩) الثقاشق: جمع شقشقة، بكسر فكون فكر. وهى الجلدة الحمراء التي يخرجها الجمل العربى
من جوفه ينفخ فيها فتظهر من شدقه، وهم يشبهون الفصيح المنطبق بالفعل الهادر، ولسانه بشقشقته النهاية ٤٩٠/٢
(١٠) فى أصول الطبقات الكبرى: ((السبده)) وفى الدمية: ((كبده)). وأثبتنا ما فى الطبقات
الوسطى، والتبيين. (١١) العبارة فى الدمية وردت هكذا: ((الذى فرع على قدر بانيه)). وما فى
أصولنا هو ما سيشرحه ابن السبكى بعد قليل. ويوافقه ما فى التبين، لكن فيه: «على قطرة)).
وفى المطبوعة: ((قطر ثانيه)). وفى الدمية، د: ((بانيه)). وأنبتنا مافى س، والطبقات الوسطى والتبيين.

- ١٧٩ -
.. قال أبو الحسن(١): هذا وهو وحَقِّ الحقِّ فوق ما ذكره، وأعلى ما وصفه، فسكم
مِن فصل مشتمل على المبارات الفصيحة العالية، والفُكّت البديعة النادرة فى المحافل منه
مناه.
وكم من مسائلَ فى النظر شهدناه ورأينا منه إنحام الخصوم وعهدناه .
وكم مِنْ مجلس فى التذكير للموامّ مُسَلْسَل المسائل مشحونٍ بالنَّكَت المستَنْبَطَة مِن
مسائل الفقه، مشتملةً على حقائق الأصول، مُبَكَّةُ(٢) فى التحذير، مفرجةً فى التبشير،
مختومةٌ بالدعوات وفنون المناعة حضر ناه .
وكممن تجمع للتدريس هاي الكبار من الآثمة، والتاء المماثل عليهم والمباحثة
فى غَوْرها رأيناه، وحصَّنا بعض ما أمكننا منه(٣) وعَلَقْناه، ولم نَقْدُر ما كنا فيه
من نُضْرَة أيامه، وزهرة شهوره وأعوامه حقَّ قَدْره، ولم نشكر الله عليه حقَّ شكره،
حتى فقد ناه وسُلِبْنَاه .
وسمعته فى أثناء كلام يقول: أنا لا أنام ولا آ كل عادةً، وإنما أنام إذا غلبنى النومُ
ليلا كان أو نهارا، وآكل إذا أشتهيتُ الطعام أيّ وقت كان.
وكان لذته ولهوه ونزهته [فى](*) مذاكرة العلم ، وطلب الفائدة من أىَّ نَوْعِ
كان .
ولقد سمعت الشيخ أبا الحسن علىّ بن فَضَّال بن علىّ المُجاشِىّ النحوىّ القادمَ علينا
سنة تسع وستين وأربعمائة، يقول وقد قبله الإمام فخر الإسلام وقابله بالإكرام، وأخذ فى
قراءة النحو عليه والتلمذة له، بعد أن كان إمامَ الأئمة فى وقته، وكان يحمله كلّ يوم إلى
داره، ويقرأ عليه كتاب ((إ كسير الذهب فى صناعة الأدب)) من تصنيفه، فكان يحكى
(١) أى عبد الغافر الفارسى ..
(٢) فى أصول الطبقات الكبرى: ((منكته)) وأثبتنا ما فى الطبقات الوسطى، والتدين.
(٣) فى المطبوعة: ((فيه وعقناء)» والمثبت من سأر الأصول والتبين.
(٤) ساقط من المطبوعة. وهو من س، د، والتيين.

- ١٨٠٠ -
بوما ويقول : ما رأيت عاشقاً العلم (١) أىّ نوع كان مثلَ هذا الإمام، فإنه يطلب العلم
العلم(٢)، وكان كذلك.
ومن حميد(٣) سيرته أنه ما كان يستصغر أحدا حتى يسمع كلامه، شادياً (٤) كان
أو متناهيا، فإن أصاب كياسةً فى طبع(٥) أو جَريا على (٦) منهاج الحقيقة استفاد منه، صغيرا
كان أوكبيراً، ولا يستنكف عن أن يَعْزِىَ الفائدةَ المستفادةَ إلى قائلها، ويقول: إن هذه
الفائدةَ مما استفدته من فلان، ولا يحانى أحداً (٧) فى التزييف إذا لم رض كلاماً(٨)،
ولو كان أباه أو أحدا من الأئمة المشهورين.
وكان من التواضع لكل أحد بمحل تخيّل منه الاستهزاء، لمبالغته فيه، ومن رقة
القلب، بحيث يمكن إذا سمع بيتا أو تفكر فى نفسه ساعة. وإذا شرع فى حكاية الأحوال
وخاضٍ فى علوم الصوفية فى فصول مجاله بالغدوات أبكى الحاضرين بيكانه، وقطر الدماء
من الجفون بزعقاته وأَرَاتِه (٩) وإشاراته؛ لاحتراقه فى نفسه، ويحققه بما يجرى من
ءُ
دقائق الأسرار .
هذه الجملة نبذ مما عهدناه منه إلى انتهاء أجله، فأدركه قضاء الله الذى لا بد منه، بعد
ما مِرِض قبل ذلك مرض اليَّرِّقان(١٠)، وبقى به أياما ثم بَرَأ منه وعاد إلى الدَّرْسِ والمجلس،
وأظهر الناسُ من الخواص والعوام السرور بصحته وإقباله من يعملته، فبعد ذلك بعهد قريب
(١) فى المطبوعة: ((العلم من أى نوع)) وأنبتنا ما فى س، د، والتيين.
(٢) فى المطبوعة، د: ((للعمل)). والمثبت من.
(٣) فى المطبوعة، د: «جميله. وفى الطبقات الوسطى: «جنة)). والمثبت من بث، والتيين
(٤) فى الطبوعة، د: « بادئا)). والمثبت من س، والطبقات الوسطى، التعيين
، وفورد: ((فى علم طبع). وأثبتناما فى س، والطبقـ
ئم
.(٥) في المطبوعة:
والتبيين. (٦) فى المطبوعة: ((على منهاجه أى منهاج، والمثبت من سائر الأصول، والتيين،
(٢) فى التبين: ((ولا يجابى أيضا فى التعريف)). وفى المطبوعة: ((ولا يحابى أنها من الزيقب».
وأثبتنا ما فى سائر الأصول. (٨) فى المطبوعة: ((كلامه)). وأثبتنا ما فى سائر الأصول، والتبيين.
.
(٩) فى المطبوعة: ((وبقراءته)). والثبت من سائر الأصول، والتعيين.
(١٠) البرقان، بالتحريك: مرض يتغير منه لون البدن فاحشاً إلى صفرة أو سواد القاموس (أرق)