Indexed OCR Text

Pages 281-300

- ٢٨١ -
ثم قال أبو العباس: كتبتُهُ، وحقِّ الحقَّ، الحرمتِهِ، وطاعةً لأمرِ ..
وقرأتُ من خطٍ قديم معروف، أنه حُكِى عن يهوديّ أنه قال: اغتممْتُ لوفاة
أبى نصر الصَّابُونِيّ، وققْلِهِ، فاستغفرتُ له، وِمْتُ، فرأيتُهُ فى المنام، وعليه ثيابٌ
◌ُخُضر، ما رأيتُ مثلَها قطُّ، وهو جالسٌ على كرسىٍ، بين يديه جماعةٌ كثيرة من
الملائكة، وعليهم ثيابُخُضْر، فقلتُ: يا أستاذ، أليسَ قد قتلوكَ ؟
قال : فعلُوا بى ما رأيتَ .
فقلت : ما فعلَ بِكَ رِبُّك ؟
قال: يا أبا حوايمره(١)، كلمة(٢) بالفارسيَّة، ◌ِمِثْلى يُقال هذا؟ غفَرَ لى، وغفَرَ لِمَن
صَلَى علىَّ، كبيرِهِم وصغيرِ هم، ومَن يكون على طريقى.
قلتُ : أمَّا أنا فلم أُصلِّ عليك.
قال : لأنك لم تكن على طريقى .
فقلت : إيش أفعلُ لأكون على طريقِك ؟
فقال: قل أشهد أن لا إله إلَّ الله، وأشهد أن محمداً رسولُ الله .
فقلتُ ذلك ؛ ثم قلتُ : أنا مَوْلاك.
قال : لا، أنتَ مَوْلَى اللهِ .
قال: فانْبِهْتُ، فجاءَ مِن عنده إلى قبْره، وذكر ما رأَى فى المنام، وقال: أنا مولاهُ».
وأسلمَ عند قبره، ولم يأخُذْ شيئاً من أحدٍ، وقال: إنّى غَرِىٌّ، أسلمتُ لوجهِ الله،
لا لوجه المال .
وحكى أبو سهل بن هارون، قال: قال أبو بكر الصَّيْدَلَامِّ، وكان مِن الصالحين:
كنت حاضراً قبرَه؛ حين جاء اليهودِىّ، فأسلم.
(١) فى المطبوعة: ((حوائم))، وفى د: ((حويمر))، والمثبت فى: ز، بدون نقط تحت الياء.
(٢) فى د: ((وكلمه))، والمثبت فى المطبوعة، ز .

- ٢٨٢ -
وقرأتُ مِن مضمون كتابٍ ، كتبه الإمام زَيْنِ الإسلام ، من طُوس ، فى تعزية شيخ
الإسلام أبى عثمان، فصولًا، كتبتُ منها هذه الكلمات اختصاراً: ((ياليلةَ فَتْرةِ الشَّريعة،
لَيْتَكِ تَرَى الإصباح، وبِا ◌ِجْنَة أهل السنة، أَنَخْتِ بَكْلُكَلِكِ ، اللَّه لا بَرَاح، ويا مِعراج
السَّماء ليت شِعرى كيف حالك؟ وقد خلَوْت من صواعدِ دعواتٍ مجلس شيخ الإسلام،
ويا ضَلَّةَ (١) الإِسلام، لولا أنك محكومٌ لك(٢) بالدَّوام لقُلنا فِيتِ عن كل النّظام؛
ويا أصحابَ المحابِر، خُطُوا رحالكم، فقد استَتَر بخلال التُراب مَن كان عليه ◌ِلْمَامُكُمْ،
ويا أرْبابَ المنابر، أعظمَ الله أجُورَ كم. فلقد مضَى سيُِّ كم وإمامَكُم .
وصَيْحةُ مَن قَدِ نعاءُ عَلَتْ
وقالُو الإمامُ قضَى نحبَهُ
ولكنَّهِ أُمَّةٌ قد خَلَتْ
فقلتُ فما واحدٌ قَدَ مَضَى
وفيه فى فصل آخر (( أليس لم يُحْسُرُ مُفتٍَّ أن يكذبَ عَلَى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم
. فى وقته؟ أليست السُّنةُ كانت بمكانة منْصُورة، والبدعة لِفَرْط حِثْمَتِهِ مَقْهُورة؟ أليسَ كان
داعياً إلى الله، هادياً عبادَ الله، شابًّا لاَ صَبْوةً له، ثم كهلًا لا كَبْوة له، ثم شَيْخاً لاهَفْوة
له؟ ، أليس دموعُ ألوفٍ من المسلمين كلَّ مجلس بذِكْره كانت تتَرَّج، وقلوبهم بتأثير وعظه
كانت تتوهَّج؟ تُرَى أن الملائكة لم يُؤْمَروا باسْتقبالِهِ، والأنبياء والصِّدِّيقين، لم يَسْتَبْشِروا
بقدومه عليهم وإقبالِهِ )» !
:
قلتُ: ولما انقلب إلى رحمة الله، كثُرت فيه الرائى والأشْعار، وكانت حاله
كما قيل :
لقد حسُنَتْ فيكَ المرائِى وذكرُهَا. كما حسُنتْ من قبلُ فيكَ المَدَاحُ
ومن أحسن ما قيل فيه، ما كتبته بهَرَاة، فى مَرْثِيَتَهِ للإمام جمال الإسلام أبى الحسن
عبد الرحمن بن محمد الدَّاوُودِىّ(٣) البُوشَفْجِى، حيث يقول:
أودى الإِمامُ الخبرُ إسماعيلُ لْفِى عليه فليس منهُ بَدِيلُ
(١) فى المطبوعة: ((مكة))، والمثبت فى: د، ز. (٢) فى المطبوعة: ((عليك))، والمثبت فى:
د)، ز. (٣) فى المطبوعة: ((الدراوردى))، وهو خطأ، صوابه من: د، ز والقباب ٤٠٧/١
:

- ٢٨٣ -
بَكَتِ السَّا والأرضُ يومَ وفاتِهِ
والشَّمْسُ والقمرُ المُغيرُ تناوَحَاَ
والأرضُ خَشِعَةٌ نُبَكِّى شَجْوَها
إن الإمامَ الفَرْدَ فى آدابهِ
لا تخدَعَنْكَ مُتَى الحياةِ فَإِنّها
وتأهَّتَنْ لِلْمُوتِ قبلَ نُزُولِهِ
هذا كلام عبد الغافر، وقد اشتمل من ترجمة شيخ الإسلام على ما فيه مَقْنَع وَبَلاغ .
(٢ ذكره أبو سعد السَّمْعانىّ أيضاً، وأطنَّب فى وصْفه، وقال: زرتُ قَبَرَه مالا أُحْصيه
كَثْرَةً، ورأيتُ الرَ الإجابة لكل دعاء دعوتُهُ ثَمَّ .
وذكره الإمام الرَّافِعِىّ، فى كتاب ((الأمالى)) (٢).
وقال: نَشَر العلمَ إملاء، وتصنيفاً، وتذكيراً، واستفاد منه الناسُ على اختلاف
طبقاتهم .
قلت: وبالجملة كان مُجْمَعاً على دينه، وسيادته، وعلمه، لا يختلف عليه أحدٌ
من الفِرَق .
وقد حدَّث عنه الْبَيْهَقِىّ وهو من أَفْرانه، وقال فيه: إنه إمام المسلمين حقًّا ، وشيخ
الإسلام صِدْقاً، وأهل عصره كلُّهم مُدْعِفون لُّ شأنِهِ فى الدِّين، والسِّيادة، وحُسن
الاعتقاد، وكثرة العلم، ولزوم طريقةِ السَّف.
وقال أبو عبد الله الماَلِكِىّ: أبوِ عثمان الصَّابُونِيّ مِمِّن شهدتْ له أعيانُ الرجال
[بالكال](٣) فى (٤) الحفظ، والتفسير؛ وغيرهما، حدَّث عن [زاهر](٥) بن أحمد
(١) فى المطبوعة: ((وبكى يولول ابنه إسماعيل))، وهو خطأ صوابه من : د، ز.
(٢) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د، ز، والطبقات الوسطى، وقول ابن السمعانى فى الأنساب لوحة
(٣) مكان هذه الكلمة بياض فى : د، ز ، وهى فى المطبوعة ...
٠١٣٤٧
(٤) فى د، ز: ((وفى))، والمثبت فى المطبوعة.
(٥) مكان هذه الكلمة بياض فى : ز ، وساقطة من: د، وهى فى المطبوعة .
وبكَى عليه الوَحْىُ والشَّنْزِيلُ.
حَزْناً عليه وللنُّجُومِ عَوِيلُ
وَيْلِىِ تُوَأُولُ أَبن إسماعيلُ(١).
ما إن له فى العالمينَ عَدِيلُ
تُلْمِى وتُنْسِى وَالْمَى تَضْلِيلُ.
فَالموتُ حَتْمْ والبقاءُ قَلِيلُ

- ٢٨٤ -
السَّرْخَيِىّ، وأبى سعيد عبد الله بن محمد الرَّازِىّ، والحسن بن أحمد المخْلَدِىّ، وأبى بكر
ابن مِهْران المُقْرِى، وأبى طاهر بن خُزيمة(١)، وأبى الحسين الْخَفَّاف؛ وعبد الرحمن بن أبى
شُرَيخَ (٣)، والحاكم أبى عبد الله الحافظ، وأبى بكر محمد بن عبد الله الجَوْزَتِي، وغيرهم .
قال ابن السَّمْعَائِيّ (٣): وسمع منه (٤) عالمٌ لا يُخْصَوْن.
قلتُ: منهم عبد العزيز الكُتّابِيّ، " وعلى بن الحسَنِ بِن صَصْرَىْ)، وأبو (٦) القاسم
المِصِّيصِىّ، ونصر الله اُلْخَشْنَمِيْ(٧)، وأبو بكر الْبَيْهَقِىّ [وخلق](٨) آخرهم أبو عبد الله
الفُرَاوِىّ .
وتقدَّم فى كلام عبد الغافر (٦)، أنه تُوُفِّىَ لأربع ليال مَضَيْنٍ من المُحَرَّم، سنة تسع
وأربعين وأربعمائة .
ولو لم يكُن فى ترجمة هذا الرجل، إلا ما حكْناء(١٠) من قول الْبَيْهَقِىّ فيه: إنه إمام
المسلمين حقًّا، وشيخُ الإسلام صدقاً، لكنفى فى الدّلالة على عُلُوِّ شأنه، فما ظنَّكَ بِما تقدّم
من کلام أمّة عصر،!
وبه قال زَيْن الإسلام وكتبه من طُوس. وزِيْنَ الإسلام المُشار إليه ليس هو
فيما أظن بالغَزَّالِّ، فإن الغَزَّالِيّ لم يكن وُلِدِ هذا الزمان، ويبعد أن يكون كَتَبَ كتاباً
إسحاق بن خزيمة» .
(١) ذكر المصنف فى الطبقات الوسطى اسمه كاملا فقال: «سمع أبا طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن
(٢) فى المطبوعة: ((سريع))، والمثبت من: د، ز.
(٣) بعدهذا فى الطبقات الوسطى والأنساب زيادة: ((كان إماما مفسرا، محدثا، فقيها، واعظا،
خطيبا ، أوحد وقته فى طريقته ، وعظ المسلمين فى مجالس التذكير ستين سنة ، وخطب على منبر نيابور.
نحوامن عشرين سنة ».
(٤) فى الطبقات الوسطى والأنساب بعد هذا زيادة ((الحديث)).
(٥) فى المطبوعة: ((وعلى بن الحسين بن مصرى))، وفى د، ز: ((وعلى بن الحسين بن صغرى»
والتصويب من العبر٢٦٥/٣ (٦) ((فى المطبوعة وابن» وهو خطأ صوابه من د، ز والعبر ٣١٧/٣ وهو
على بن محمد ين على المصيصى. (٧) فى المطبوعة: ((الحشامى))، وفى د، ز:((الخامى))، وكل ذلك.
خطأ، والتصويب من العبر ٣٥٢/٣، واللباب ٣٧٥/١، وهو نصر انته بن أحمد بن عثمان الخشتامى،
والخشنامى بضم الخاء وسكون الشين وفتح النون وفى آخرها ميم، نسبة إلى جده . الباب.
(٨) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د.ز. (٩) صفحة ٢٧٨
(١٠) فى المطبوعة: ((كتبناه))، والمثبت فى: د، ز.

- ٢٨٥ -
التّعْزِية فيه، مع وفاته قبل ميلادِه، ولعله أبو القاسم القُشَيْرِىّ، كان بنَيْسابور؛ فإنه كان
وقت وفاة أبى عثمان كان(١) بطُوس، وليس بَعِيد. والله أعلم.
﴿ ومن الفوائد عنه)
قال عبد الغافر الفَارِسِىّ: مِن فضائله نظمُ الشِّعر، على ما يليق بالعلماء، من غير مبالغة
فى تممُّقٍ يُلحِقُهُ بالمنْهِىّ، وقد أنشد له الشَّالِىّ فى ((تتمة اليتيمة))(٢):
ولم أَنَلِ المعروفَ مِنْكُمْ ولا البِرَّا
إِذَا لم أُصِبْ أمواَلَكُمُ ونَوَاَلَكُمْ
فَمِن أَجْلِ ماذَا أُنْسِبُ البَدَن الْحُرَّا
وكُنْتم عبيداً للَّذِىِ أنا عبدُهُ
﴿وهذه وصيته، وقد ("وجدت بها٣) بدِمَشْق عند دخوله إليها حاجًا)
هذا ما أوصى به إسماعيل بن عبد الرحمن بن إسماعيل أبو عثمان الصَّابُونِيّ ، الواعظ ،
غيرُ المُتَِّظِ، المُوفِظِ، غيرُ الْتَيَقِّظُ، الآمِر، غيرُ المُؤْمِرِ، الزَّاجر، غيرُ المُنْزَجر،
المُتعلِّم، المُعترِفِ، (٤المُنذِرِ، المُخَوَّف، المُخَلِّطِ، المُفْرِطِ، المُسْرِفِ، المُقْتَرِفِ السَّيِّئَات،
المُغْتَرِفُ)، الوَائِقِ مع ذلك برَحمةِ ربِّه، الرَّاحِى لمغْفَرِهِ، المُحِبّ لرسولِ الله صَلَّى الله
عليه وسلَّ وشِيعَتِهِ ، الدَّاعى الناسَ إلى الدَّعَسُّك بسُنَّتِه وشریعتِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم.
أَوْصَى وهو يشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، إلهاً واحداً [أحداً ](٥) ،
فَرْدًا صَمَدًا، لم يَتَّخِذِ صاحبةً ولا ولداً، ولم يُشِرِك فى حكمِهِ أحداً، الأوَّلُ، الآخِرِ،
الظَّاهر، الباطِن، الحىّ، القيُّوم، الباقى بعد فَنَاء خلقه، الطَّلِع على عباده، العالم بخفِيَّات
الغُيُوب، الخبير بضمائر القلوب، المُبدِئُ، الُعيد، الغفور، الودُود، ذو العرش، الَجيدُ،
الفعَّال لما يريد(٦) ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، هو مولانا، فنعم المَوْلَى،
(١) هكذا فى الأصول ولعل الأولى حذفها. (٢) لم يردهذا فى تتمة اليقيمة عند ترجمة الصابونى ١١٥/٢.
(٣) فى المطبوعة: ((وجدها))، والمثبتفى: د، ز. ولسنا نجد لكل ذلك معنى. (٤) ساقط من: د، ز،
(٥) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د، ز. (٦) سورة الشورى ١١ ٠ ..
وهوفى المطبوعة .

- ٢٨٦ -
ونعم النَّصير، يشهدُ بذلك كلَّه مع الشَّاهدين، مُقِرًّا بلسانه، عن صحة اعتقادٍ ، وصدقٍ يقينٍ،
ويتحمَّلُمَا عن الْمُنْكِرِ ينِ الْجَاجِدِينِ، ويُعِدُّها ليوم الدِّينِ(١): ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ.
إِلَّا مَنْ أَفَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٢) ﴿يَوْمَ لَا يُغْسِىِ مَوْلَى عَنْ مَوْلَى شَيْئًا وَلَا هُمْ
يُنْصَرُونَ . إِلَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
ويشهدُ أن محمَّدًا عبدهُ ورسولُه، أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدِّين كلّه
ولو كره المشركون .
ويشهدُ أن الجنَّةَ حقٌّ، وُجملةٍ ما أعدَّ الله تبارك وتعالى فيها لأوليائِه حقٌّ. ويسأل
مولاه الكريمَ، جلَّ جلاله أن يجملها بأواء، ومثْواه، فضلًا منه وكرماً.
ويشهدُ أن النارَ، وما أعدَّ الله فيها لأعدائه حقىٌّ، ويسأل الله مَؤلاء أن يجيزه منها ،
ويُزَحْزِحه عنها، ويجعله من الفائزين، قال الله عزَّ وجلّ(٣): ﴿فَمَنْ زُخْرِحَ عَنِ النَّارِ
وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّ مَقَعُ الْغُرُورِ﴾ ..
ويشهدُ أن صلاتَه، ونُسُكَه، وَحياهُ ومماتَه لله ربِّ العالمين. لا شريكَ له،
وبذلك (*أُمِر وهو من المسلمين، والحمدُ للهرب العالمين".
وأنه رَضِىَ بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّدٍ نِيًّاً، وبالقرآن إماماً، على ذلك
يحيى(٦)، وعليه يموت إن شاء الله، عزَّ وجلَّ.
ويشهدُ أن الملائكةَ حقٌّ، وأن الضِيِّين حقٌّ، وأن الساعة لا ريْبَ فيها، وأن الله
يَبْثُ مَنْ فِ القُبُورِ ..
ويشهدُ أن الله سبحانه وتعالى قدَّر الخيْرَ، وأمرَ بِهِ، وَرَضِيَه، وأحبَّه، وأراد كَوْنَه
من فاعله، ووعد حُسْن التّوابِ على فِعْلِهِ، وقَدِّر الشَّرَّ، وزجَر عنه، ولم يَرْضَه، ولم يُحِبّه،
(١) سورة الشعراء ٨٩،٨٨ ..
(٢) سورة الدخان ٤١، ٤٢ .
· (٣) سورة ال عمران ٥ ١٨
. (٤) فى المطبوعة: «أمرت وأنا))، والمثبت فى : ز ..
والثبت فى المطبوعة ،د.
عوت )،
(٥) فى ز:« حي

- ٢٨٧ -
وأراد كونَه من مرتكبه غيرُ راضٍ بهِ ، ولا ◌ُحِبٍ له، تَعالَى ربُّنَا عَمَّا يقول الظالمون ◌ُلُوًّا
كبيراً، وتقدّس أن يأمُرَ بالمعصية، أو يُحبها، ويَرْضاها، وجلَّ أن يَقْدِر العيدُ على فعلِ
شىء لم يُقْدِرْه عليه، أو يحدُث من العبد ما لا يريده، ولا يشاؤُه.
ويشهدُ أنَّ القرآن كتابَ الله، وكلامَه، ووخْيَه، وتنزيلَه، غيرُ مخلوقٍ ، وهو الذى
فى المصاحفِ مكتوبٌ، وبالألسِنة مقروء، وفى الصُّدور محفوظٌ، وبالآذانِ مسمُوعٌ. قال الله
تعالى(١): ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِ كِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ﴾، وقال(٢):
﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّئَتٌ فِي صُدُورٍ أَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، وقال(٢): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ
كِتَبَ اللهِ﴾، وقال(٤): ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْ آنٌ مُبِينٌ﴾.
ويشهدُ أن الإيمان تصديقٌ بالقلب، بما أمرَ الله أن يُصدَّق به، وإقرارٌ بِالّان بما
أُمَرَ الله أن يُقَرّبه، وعملٌ بالجوارح بما أمَرَ اللهُ أن يُعَمَل به، وانْزِجار عمّ زجر عنه».
مِن كَسْب قلب ، وقولٍ لسانٍ ، وعمل جوارحَ ، وأركان .
ويشهدُ أن الله سبحانه وتعالى مستوٍ على عرشِه، استوَى عليه كما بيَّنَّه فى كتابه ،
فى قوله تعالى(٥): ﴿إِنَّرَ بَّكُمُ اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِىِسِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى
عَلَى الْعَرْش)، وقوله(٦): (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ فى آياتٍ
أُخَر، والرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم تسليماً، ذكَرَه فيما نِقِل عنه، من غير أن يُكِّف
استواءه عليه، أو يجعل لِفِعْلِهِ، وفَهْلِه، أووَهْمِه سبيلًا إلى إثبات كيفيَّتِهِ، إذالكيفيَّة
عن صفاتِ ربنا مَنْفِيَّة .
قال إمام المسلمين فى عصره أبو عبد الله مالك بن أنس رضى الله عنه، فى جواب
مَن سأله عن كَيْفِيَّة الاسْتِواء: ((الاستواء معلومٌ، والكيْفُ مجهولٌ، والإيمان به واجب.
والسُّؤالُ عنهِ بِدْعة، وأظنُّك زِنْدِيقاً، أُخْرجُوه من المسجد)).
(١) سورة التوبة ٦ .
(٤) سورة يس ٦٩ ٠
(٢) سورة العنكبوت ٤٩.
(٣) سورة فاطر ٢٩ .
(٥) سورة الأعراف ٥٤ .
(٦) سورة الفرقان ٥٩، ونصها: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) الآية.

- ٢٨٨ -
ويشهدُ أن الله تعالى موصوفٌ بصفات العُلَى، التى وصف بها نفسَه فى كتابه،
وعلى لسان نبيِّ صلَّى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً، لا يثْفى شيئاً منها ولا يعتقد شبهاً (١) له
بصفات خلقِهِ، بل يقول: إن صفاتِهِ لا تُشِبِه صفاتِ المرُبوبين، كمالا تُشِبِه ذَاتُهُ ذَوات (٢)
أُحَدَمِين، تعالى الله عما يقول المُعَطِّلة، والمُشَبَّهَة ◌ُلُوًّاً كبيراً.
ويسلكُ فى الآيات التى وردتْ فى ذكر صِفاتِ البارئ، جلَّ جلاله، والأخبارِ التى
حمَتْ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فى بابها، كايات مجىء الرَّبِّ يومَ القيامة، وإنیان
الله فى ظُلَلٍ من الغمامِ، وخُلقِ آدم بيده. واستوائه على عَرْشِه، وكأخْبار نُزُوله كلَّ ليلةٍ.
إلى سماء الدنيا، والضَّحِك، والنَّجْوَى، ووضع الكَنَفِ على مَن يناجيهِ يومَ القيامة، وغيرها ،
مَسْلَكَ السَّف الصالح، وأنَّةَ الدِّين، من قبولها، وروايتِها على وجهِها، بعد حِمَّةً سنّدها،
وإرادِها على ظاهرِها، والتّصديقِ بها، والتَّسليم لها، واتّقَاء اعتقادِ النَّكييف ،
والتَّشبيه فيها، واجْتِناب ما يُؤدِّى إلى القول بردِّها، وتَرْكِ قَبولها، أو تحْرِيِها بتأويلٍ
يُستَفْكَر، ولم ينَزَّل اللهُ به سلطاناً(٣)، ولم يجرِ به للصحابة، والتَّابعين، والسلف
الصالحين لسانٌ.
وينْهَى فى الجملة عن الحوْضِ فى الكلام، والتَّمُّقُ فيه [و](٤) فى الاشتغال بما كرِ.
السلفُ رحمهم الله الاشْتغالَ به، ونَهَوْا، وزَجَرُوا عنه، فإن الجِدال فيه والتَّعَمُّقَ
فى دقائقه، والتَّخْبُّط فى ظُلُماتِه، كلُّ ذلك يُفسدُ القلبَ، ويُسقِط منه هَيْبة الرَّبِّ، جلَّ
جلالُهُ، وُيُوقِع الشُّبَه الكبيرة فيه، ويسأُب البركةَ فى الحالِ ، ويَهْدِى إلى الباطل ،
والمحال، والخصومة فى الدِّين، والجدال، وكَثْرة القيل والقال، فى الرَّبِّ ذى الجلال ،
الكبير المُتَعال، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظَّالمون عُلُوًّاً كبيراً، الحمدُ لله على ما هدَانا
من دِينه وسُنَّة نبِّيه، صلواتُ الله وسلامه عليه، حمداً كثيراً .
(١) فى المطبوعة: ((شبيها))، والمثبت فى: د، ز.
(٢) فى المطبوعة: ((ذات)) والمثبت فى:
د، ز .
(٣) مكان هذه الكلمة فى المطبوعة: ((من سلطان))، والمثبت فى : د، ز.
(٤) ساقط من: د، ز. وهو فى المطبوعة.

- ٢٨٩ -
ويشهدُ أن القيامةَ حقٌّ، وَكلَّ ما ورد به الكتابُ والأخبارُ الصِّحاح من أشراطِها،
وأهوالِها، وما وُعِدنا به، وأُوعدنا به فيها فهو حقٌّ، ◌ُؤمن به وأُصدِّق اللهَ سبحانه،
ورسولَه صلَّى الله عليه وسلَّ فيما أخْبَرَ به عنه، كالحوْض، والميزان، والصِّراط، وقراءة
الكُتُب، والحساب، والسُّؤال، والعَرْض، والوقوف، والصَّدَر عن المُشَر إلى جنةٍ
أو [ إلى](١) نار، مع الشَّفاعة الموعودة لأهل التَّوْحيد، وغير ذلك، ممّا هو مُبيَّن
فى الكتاب، ومدوّن فى الكتُب الجامعة لِصحاح الأخبار.
ويشهدُ بذلك كلَّهُ فى الشَّاهدين، ويستعين بالله تبارك وتعالى فى الثَّبَات على هذه
الشهادات إلى المات، حتى يُتَوَّى عليها، فى جُمْلة المسلمين، المؤمنين، المُوفِئين،
الُوحِّدِين .
ويشهدُ أن الله تبارك وتعالى يَمُنُّ على أوليائِهِ بوجوهٍ ناضِرةٍ ، إلى ربها ناظرة ، وَيَرْونه
عَيَانً فى دار البقاء، لا يُضَارُّون فى رُؤَيتِهِ، ولا (٢) يُعَرُون، ولا٢) يُضامُون، ويسأل الله
تبارك وتعالى أن يجعلَ وجهَه من تلك الوجُوءِ، وَبَقِيَهَ كلَّ بلاء، وسوء ومكروه، ويُبلِّنَه
كلَّ مَا يُؤَمِّله من فضلهِ ، ويرجوهُ بِمَنْه .
ويشهد أنَّ خِيرَ الناس بعدَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّ أبو بكر الصِّدِّيق، ثم عمرُ
الفاروق، ثم عمّانُ بن عمَّان، ثم علىّ بن أبى طالب، رضى الله عنهم أجمعين، وبترحَّمُ
على جميع الصَّحابة، ويقولَّاهم ، ويستغفر لهم، وكذلك ذُرِّيّته، وأزواجه أمَّهَاتِ المؤمنين،
ويسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلَه معهم، ويرجو أن يفعلَه به؛ فإنه قد صحَّ عنده مِن
طُرقٍ شَتَى أَنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّ، قال: (( الْمَرْءُ مَحَ مَنْ أَحَبَّ)) .
ويُوُصِى إلى مَنْ يَخلُفُه من ولدٍ، وأخٍ ، وأهلٍ، وقريبٍ، وصديقٍ ، وجميع مَن
يقبَلَ وصِيَّته من المسلمين عامَّةً أن يشهدُوا بجميع ما شهِدِ به، وأن يتَّقُوا اللهَ حقَّ تُقَاتِهِ،
وأَلَّا يُوتُوا إِلَّ وهُمْ سُدون(٣) ( إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ).
(١) ساقط من: د، ز، وهو فى المطبوعة. (٢) ساقط من: د، ز، وهو فى المطبوعة.
(٣) سورة النحل ١٢٨ .
(٤/١٩ طبقات)

- ٢٩٠ -
ويُوصِيهم بصَلاحِ ذاتِ الَبين، وصِلةِ الأرحام، والإحسان إلى الجيران، والأقارب»
والإخوان، ومعرفةٍ حقِّ الأكابر، والرحمة على الأصاغِ.
وينهاهُم عن التَّابُ، وَالتَّبَاعُض، والتََّاطُحِ والتَّحاسِد.
ويأمرُهم أن يكونوا إخواناً على الخيرات، أعواناً، وأن يعتصِمُوا بحبل الله جميعاً
ولا يتفرَّفوا، ويَّبِعُوا الكتابَ والسُّنَّةِ، وما كان عليه علماء الأمَّة. وأئْمَّة المِلَّة، كالك
ابن أنس، والشَّافِىِّ، وسُفَيَانِ التَّوْرِىّ، وسُفيان بن عُيَينة، وأحمد بن حنبل، وإسحاق
ابن إبراهيم، ويحي بن يحنى، وغيرهم مِن أئمّة المسلمين، وعلماءِ الدِّين، رضى الله عنهم
أجمعين، وجَمَع بِيَنَنا وبينَهم فى ظلِّ طُوبى ومُستَراح العا بدين .
أوْصَى بهذا كلُّهُ إسماعيلُ بن عبد الرحمن الصَّابُونيّ، إلى أولادِه، وأهلِه، وأصحا به،
ومُخَتَلِفَة مجالسِهِ.
وأوْصَى أنه إذا نزَلِتْ بهِ النِيَّة، التى لا شكَّ أنها نازلةٌ، واللهَ يسألُ خيرَ ذلك اليوم
الذى تَنْزِلِ الَّذِيَّة بِهِ فِيهِ، وخيرَ تَلِك العيلة التى تُنْزِلِ بِه فيه، وخيرَ تلك السَّاعَةِ وخيرِمَا قَبْلَهَا،
وخيرَ ما بعدَها، أن يُلْبَسِ لِبَاساً طيِّباً، حسناً ، طاهراً، نقيًّا، ويُوضَعَ على رأسه العمامةُ
التى كان يشدُّها فى حال حياتِهِ ، وضعاً على الحَيْئَة التى (١ كان يضمها على رأسِهِ أَيَّمَ حياتِهِ،
ويُوضَعَ الرِّداء على عاتقْهُ(٣) ويُضْجَع مُستَلقيا١ً) على قَفَاء، مُوجَّهَاً إلى القِبْلة، وتجلِسَ
أولادُه عند رأسِهِ، ويضُوا المصاحِف على حجُورِهم، ويقرءوا القرآن جهْراً، وحرَّج
عليهم ألا يُمَكِّنوا امرأةً لا قرابة بينَه وبيْنَها، ولا نسَب ، ولا سبّب مِن طريق الزَّوْجية
تقُب من مَضْجَمِهِ تلك السَّاعَة، أو تدخُلُ بَيتاً يكون فيه، وكذلك يُخرَّج عليهم أن
يأذْنُوا لأحدٍ من الرِّجال فى الدخول عليه فى تلك السَّعة، بل يَأْ مُرُون الأخَ، والأحباب،
وغيرهم أن يجلسوا فى المدرسة، ولا يدخلُوا الدَّارَ، ولْيُساعدوا الأصحاب فى قراءة
القرآن، وإمداده بالدعاء، فلعلَّ الله سبحانه وتعالى [ أن](٣) يُهُوِّن عليه سَكَراتِ الموت»
(١) ساقط من: د، وهو فى المطبوعة، ز .-
(٢) فى المطبوعة: ((عاتقه))، والمثبت فى : ز.
(٣) ساقط من : د، ز ، وهو فى المطبوعة .

- ٢٩١ -
ويُسبّل له اقْتِحام عَقَبةِ الموت على الإسلام والسُّنَّة، فى سلامةٍ وعافيةٍ .
وأَوْصَى إذا قضَى نَحْبَه، وأجاب ربَّه، وفارقتْ روحُه جسدَه، أن يُشْدَّ ذَقَتْهُ ،
وتُنْمَض عيناه. وتُمَدَّ أعضاؤُ،، ويسجَّى بثوبٍ، ولا يُكْثَفَ عن وجهِهِ لِيُنْظَر إليه، إلا
أنَ يأتيَه غاسلُه، فيحمِله إلى مُغْتَسَله، جعل الله ذلك الحْلَ مُبَاركاً عليه، ونظر بعَيْن الرَّحمةِ
إليه ، وغفر له ما قدَّمه مِن الأعمال السَّيِّئة بين بَدْيِه.
وأوْصَى أَلَا يُتاح عليه، وأن يَمَنَع أولياؤه، وأقرباؤُ. وأحبّاؤُه، وجميعُ النَّاس من الرجال
والنساء أنفُسَهم عن الشَّقِّ، وَالْحَذْقِ، والتَّخْرِيق للثياب، والتَّرْيق، وألا يبْكُوا عليه
إِلَا بُكاءَ حُزْنٍ قلبٍ ، ودموعَ عينٍ ، لا يقْدِرُون على ردِّهما، ودفعهما، وأما دعاءٌ بَوْيلٍ،
وَرَنِّ شيطانٍ وخَمْث وجوه ، وحلْقٍ شَعْرٍ ونَتْفِهِ، وتخريق ثوبٍ وتَمْزِيقِهِ، وفَتَّقْهِ، فلا،
وهو بَرِى لا ثمَّنَ فعل شيئاً من ذلك، كما بَرِئُ النَّسِيّ صلَّى الله عليه وسلّم منهم .
وأوْصَى أن يُتَجَّل تجهيزه، وغَسْلُهُ، وتكفينُه، وحَمْلُهُ إلى حُفْرَتِهِ ، ولا بُحبّس؛
ولا يُبْطَأَّ به ، وإن مات ضَحْوة النَّهار، أو وقت الزَّوال، أو بُكْرةً؛ فإنه لا يُؤَخَّر
تجهيزُ إلى الغد، ولا يُترَك ميّتاً بين أهله بالليل(١) أصلا، بل يُعجَّل أمرُ.، فَيُنْقَل إلى
حُقُرَتَه نَقْلًا، بعد أن يُفَسَّل وِتْرًا، وَيُجَعَل فى آخر غَسْلةٍ من غَمَلانِهِ كافورٌ، وبُكَفِّن فى
ثلاثة أثوابٍ بِضٍ (٢ سَحُوِيَّة(٣) إن وُجِدت، فإن لم تُوجَد سَحوليَّةُ كُمِّنَ فى ثلاثة أثوابٍ
بِيِض٢ٍ)، ليس فيها قميصٌ، ولا عِمامة، وُيُجمَّر (٤) كفتُهُ وِزْرًا، لا شَفْعاً قبل أن يُلَفَّ عليه،
ويُسرَع بالسَّير بجنازته، كما أمر به رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم، ويُحمَل الصَّلاة عليه
إلى مَيْدان الحسين، ويُصَلِّى عليه ولدُه أبو نصر، إن كان حاضراً، فإن عجز عن القيام
بالصَّلاة عليه، فأَمْرِ الصَّلاة عليه إلى أخيه أبى يَعْلى، ثم يُرَدّ إلى المدرسة، فيُدْفَن فيها
بين يَدَى والدِهِ الشَّهيد، رضى الله تعالى عنه، ويُلحَد له تَحْدٌ (٥)، ويُنْصَب عليه اللَّيِنِ أَصْباً،
(١) فى المطبوعة: ((فى الليل))، والمثبت فى: د، زى. (٢) ساقط من: د، وهو فى المطبوعة، ز.
(٣) نسبة إلى السحول، وهو القصار، أو إلى سهول، وهى قرية بالين. انتهاية ٣٤٧/٣.
(٤) فى د، ز: ((ويخمر))، والمثبت فى المطبوعة، وجر ثوبه تجميرا: بخره. المصباح المنير.
(٥) فى الأصول: ((لمدا)).

- ٢٩٢ -
ولاُيُشَقّ له شَقٌْ (١)، ولا يُتَّخَذ له تابوتْ أصلًا، ولا يُوضَع فى التابوت للجَمْل إلى المصلى،
ولْيُوضع على الجنازة ملفوفاً فى الكفن، مُسجّى شوبٍ أَبْيض، ليس فيه إِثْرِبَم(٢) بمالٍ،
ولا يُطِيَّنْ قِبرُه، ولا يُحَصَّص، ويُرَشُّ عليه الماء، وبُوضَع عليه الْحَصَا، وَيُمكَّث عند
قبره مقدارَ ما يُنْحَرَ جَزُورٍ، وَيُقْسَم لحُمُه حتى يَعْلَمَ ما يُراجِعِ بَهِ رُسُلَ ربَّهُ، جلَّ وعلا،
ويُسأل اللهُ تعالى على رأس قبْرِه له التَّثْبيت الموعود لجُمْلة المؤمنين، فى قوله تعالى (٣):
﴿يَبِّتُ اللهُ الَّذِينَءَ امَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَ وَفِى الْآخِرَةِ) ويُسْتَغفر له،
ولوالديه، ولجميع المؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات، ولا يُنْسَى، بل يُذكَر
بالدُّعاءِ؛ فإن المؤمن إذا قُبر كان كالغريق المغْتُوت(٤)، يُنْتَظِرِ دعوةً صالحةً تلحقُهُ،
ولا يُمكَّن أحدٌ"(٥) من الجوارِى، والنِّسوان(٦) [أن](٧) بِكْشِفْنَ رُءُوسهنّ، وأن
يَنْدُبْنَه فى ذلك الوقت، بل يشْتَغِل الكلُّ بالدعاء والاسْتِغفار، أملَّ الله سبحانه وتعالى يُهَوِّن
عليه الأمرَ فى ذلك الوقت، ويُيَسِّرْ خُروجَ مُنْكَر ونَكِيرٍ من قبره، على الرِّضامته، وينصرفان
عنه، وقد قالا له: نَمْ نَوْمَة العَرُوس، فلا رَوْعة عليك. ويفْتَحان فى قبره باباً من الجنة،
فضلًا من الله ومِنَّةَ، فَيفوز فَوْزاً عظيماً، ويُحُوز نواباً كريماً، ويَلْقَى رَوْحاً ورَ يحاناً،
وربَّاً كريماً رحياً. (٨ آخر الوصيَّةُ(٨).
(٢) الإبريسم: الحرير. (٣) سورة إبراهيم ٢٧.
(١) فى الأصول: « شقاء.
(٤) فى المطبوعة: ((المبغوت:))، وفى د، ز: ((العفوت))، ولعل ما أثبتناه هو العنواب،
وغته فى الماء يفته غناء غطه، والمفتوت: الغموم. الان (غ ت ت) ٢ /٦٣.
(٥) فى المطبوعة، د: ((أجدا))، والمثبت فى ؛ ز.
(٦) فى المطبوعة: ((واثناء))، والثبت فى: د، ز. (٧) ساقط من: د.، ز، وهو فى
المطبوعة. (٨) مكان هذا فى المطبوعة: ((١ م))، والمثبت فى : د، ز ..

- ٢٩٣ --
٣٦٧
إسماعيل بن عبدالقاهر بن عبد الرحمن بن محمد بن الحسين الإسماعيليّ،
أبو سعد، الأَطْرُوش(١)
من أهل جُرْجَان .
قال ابن السَّمْعَىّ: كان وافرَ العلم والزُّهد .
دَرَس القرآن ، والفقه .
وكان مجتهدا فى الطّاعة، ثقة، صَدوقاً، أصيلاً، مأموناً.
سمع أبا الحارث محمد بن عبد الرحيم الأَسْوَانِىّ، وعبد الغافر بن محمد الْفَرِىّ، وغيرهما.
[قال](٢): وتُوُلِّىَ بعد (٢) سنة إحدى وسبعين وأربعمائة.
٣٦٨
إسماعيل بن على بن المُثَنَّى، أبو سَعْد الإِسْتِرَا بَذِىّ
الواعظ، الصُّوِفِىّ، الْعَنْتَرِىّ
قدم نَيْابور قديماً، وبَى بها مدرسةً لأصحاب الشَّافِىّ، تُنْسَب إليه.
وروَى عن أبيه، وعن علىّ بن الحسن بن حَيُّوْيَهُ (٤).
روَى عنه أحمد بن أبى جعفر القاضى، وأبو بكر الخطيب البَغْدَادىّ الحافظ، وأحمد
المُوسِياً بَاذِىّ(٥) ، وغيرهم.
(١) يضم الألف وسكون الطاء المهملة وضم الراء وفى آخرها الشين المعجمة، هذا يقال لمن بأذنه
(٢) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د، ز ، والطبقات الوسطى.
أدفى صمم اللباب ٥٨/١.
(٣) فى المطبوعة: «بها))، والمثبت فى: د، ز، والطبقات الوسطى.
* له ترجمة فى : تاريخ بغداد ٦ / ٣١٥، شذرات الذهب ٢٧٣/٣، وهو فى تاريخ بغداد :
« إسماعيل بن على بن الحسين بن بتدار بن المثنى)).
(٥) فى الأصول: ((الوساباذى)»،
(٤) فى المطبوعة: ((حيوة))، والمثبت فى : د ، زى .
والتصويب من اللباب ٣ / ١٨٩، وهو أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد الموسياباذى، والموسيا باذى،
بضم الميم وسكون الواو وكسر السين المهملة وفتح الياء تحتها نقطتان وسكون الألفين بينهما باء موحدة
وبعدها ذال معجمة، نسبة إلى موسياياذ، وهى إحدى قرى هذان.

- ٢٩٤ -
مات فى حدود سنة أربعين وأربعمائة(١).
٣٦٩
إسماعيل بن الفضل، أبو محمد الفضيلىّ، والد الإمام أبى عاصم
الصَّغِيرِ الْهَرَوِىّ*
ذكره أبو النَّصْر عبد الرحمن الهَرَوِىّ فى ((تاريخه))، فقال: هو الفحل القرم،
والإِمام الْقَدَّم فى فنون الفَضْل، وأنواع العلم .
تُؤُفِّىَ سنة ثمان وثمانين وأربعمائة .
والفُضَلى(٢)، بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة وسكون الياء آخر الحروف فى آخرها
اللام، نسبةً إلى الفُضَيل اسمٍ جَدٍّ.(٣)
والله تعالى أعلم.
٢٧٠
إسماعيل بن مَسْعَدة بن إسماعيل بن الإمام أبى بكر أحمد بن إبراهيم
ابن إسماعيل الإسْمَاعِيلِى ** ، الإمام أبو (٤) القاسم
من أهل جُرْجان، من بيت العلم، والفضل، والرِّياسة(٥) ..
(١) ذكر الخطيب البغدادى فى تاريخ بغداد ٣١٦/٦ وفاته على هذا النحو: «ومات بديت
المقدس على ما بلغنى، فى المحرم من سنة ثمان وأربعين وأربعمائة».
* له ترجمة فى: الباب ٢/ ٢١٧، ضمن ترجمة ولده محمد، وذكر المعانى فى الأنساب لوحة ٤٢٩
ب ولده محمدا. وهو فى المطبوعة والباب: ((إسماعيل بن الفضيل)»، والمثبت فى د، ز، والطبقات
الوسطى ، والضبط من الأخيرة ضبط قلم .
(٢) فى الأصول: ((والفضيل».
(٣) فى الطبقات الوسطى: ((جده .
** له ترجمة فى: الأنساب لوحة ٣٦ ت، شذرات الذهب ٣ / ٣٥٤، العبر ٠٢٨٦/٣
المنظم ٠١٠/٩
(٥) بعد هذا فى الطبقات الوسطى زيادة: ((والنبل)».
(٤) فى الأصول: ((أبى» .

- ٢٩٥ -
كان صَدْراً، رئيساً، وعالماً كبيراً، بَعِظ، ويُمْلِى على فَهْمِ [ودِرايةٍ](١) وديانة،
جَيِّد الفقه، مليح الوَعْظ ، والنّظم، والنْرِ .
ولد سنة سبع وأربعمائة ، وقيل: سنة ستٍ بُجُرْ جَان.
قال ابن السَّمْعَائِيّ: والأول أشْبَهُ .
سمع أباه، وعمَّه الْفَضّل، وحمزة السَّهْمِىّ، والقاضى أبا بكر محمد بن يوسف
الثَّالْجِىّ(٢) وأحمد بن إسماعيل الرِّبَاطِىّ، وجماعة، والقاضى أبا عمر البَسْطَاِىّ، وخلقاً.
وروَى عنه زاهر، ووَجيه(٣) ابنا الشَّحَّامِّ، وإسماعيل بن السّمَرْ فَنْدِىّ،
وأبو منصور بن حمدون، وأبو البَدْرِ الكَرْخِى، وآخرون.
قال أبو محمد عبد الله بن يوسف الجرْجَائِّ فيه: أوحدُ عصره، وفريدُ وقته فى
الفقه، والأدب، والورع، والزُّهد، سَمْح جوادٌ، صراعٍ لحقوق الفضلاء، والغُرباء
والواردين.
أخذ الفقهَ عن عمَّه أبى العلاء، وأبى نصر الشَّعِيرِىّ(٤).
وله شعر، وتَرَسُّل، وحُسْن خطٍ .
وإليه اليومَ الدَّرس، والفتوى، والإملاء. انتهى.
وقال ابن السَّمْعَانِىّ: (( سافر البلادَ، ودخلها، وروَى الحديث بها، مثل نَيْابور،
والرَّىّ، وأصْبَهان، ودخل بغداد حاجًّا، وحدَّث بـ ((الكامل)) لابن عَدِىّ، و ((تاريخ
جُرْبانٍ))، وغيرهما). انتهى .
(١) ساقط من: د، ز، وهو فى المطبوعة. (٢) فى المطبوعة، د: ((البالنجى))، والكلمة
كذلك فى: ز بغير نقط على الباء والجيم ، والصواب ما أثبتناه، انظر تاريخ جرجان ٤١٣. وهذه النسبة
إلى بيع الأشياء من الشعر، كالمحلاة والمقود والحبل. الباب ٦/٢.
(٣) فى المطبوعة: ((ودحية))، والتصويب من د، ز.
(٤) فى المطبوعة: ((الجزى))،
وفي د، ز: ((الشعرى)»، والمثبت فى الطبقات الوسطى. وهو بفتح الشين وكسر العين المهملة وبعدها الباء
. المثناة من تحتها وفى آخرها راء، نسبة إلى بيع الشعير، وإلى باب الشعير، وهى محلة معروفة بالكرخ.
الباب ٠٢٢/٢

- ٢٩٦ -
ولما دخل أبو القاسم هذا بغداد، دخل عليه [ الشيخ] (١) أبو إسحاق الشَّيْرَازِىّ
مُسَلَّاً، فقام إليه واستقبله، وقال: لا أدرى بأيِّهما أنا أشدُّ فرحاً، بدخولى مدينةَ السَّلام.
أو رُؤْبةِ الشيخ الإمام . فاسْتَحْسِن أهلُ بغداد قوله.
تُوُفِّى بجُرْجَان، سنةٍ سمع وسبعين وأربعمائة .
٣٧١
بأَىّ بن جعفر بن بأىّ، أبو منصور الجليّ*
وبَىّ، بفتح الباء الموحدة وآخرها آخر الحروف مُشدَّدة.
ووم من زعمه بياءين(٢)، أو بباء مفتوحة بدلَ آخر الحروف(٢).
تفقّه على الشيخ أبى حامد ، وكان من مُدرِّسى أصحاب الشيخ أبى حامد.
وحكى أنه لما آن(٤) أن يجلس فى الحلقة، قيل للخليفة: كيف تُعطى الخَلْقَة مَن
اسمُه هذا؟ فغيَّرَه، وصيَّره عبدَ الله(٥).
قال الخطيب: سمع الحديث من أبى الحسن بن الجندِىّ، (٦ بضم الجيم)، وأبى القاسم
الصَّيْدَلامِ، وغيرها (٧)
٠
قال: وكتبْنا عنه، وكان ثِقَةً.
مات فى أول محرَّم، سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة.
(١) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د، ز، والطبقات الوسطى.
* له ترجمة فى الأنساب لوحة ١٨٤٨، البداية والنهاية ١٢ / ٨٥، تارخ بغداد ٧ /١٣٦،
الباب ٢٦٤/١، معجم البلدان ١٧٩/٢، المنتظم ٢١٦/٨ والجيلى: نسبة إلى بلادمتفرقة وراء طبرستان .
(٢) ذكره كذلك ابن الأثير فى اللباب، وياقوت فى معجم البلدان.
(٢) ذكره كذلك ابن السمعانى فى الأنساب ..
( ٤) فى الطبقات الوسعلى: ((أراد)».
(٥) انظر معجم البلدان.
. (٦) هذا التقييد من الصنف ، ولميرد فى تاريخ بغداد .
(٧) فى تاريخ بغداد: (("وغيرهم))؛ لأن الخطيب ذكر أكثرم انتين، وقد تصرف المصنف فى
عبارته .

- ٢٩٧ -
٣٧٢
بديل بن على بن بديل
بفتح الباء الموحدة وكسر الدال، ثم آخر الحروف ساكنة (١ ثم لام.
البَرْزَنْدِىّ، وبَرْزَنْد بفتح الباء الوحدة وبعدها راء ساكنة ثم زاى ثم نون١)
ثم دال(٢).
كنيته أبو محمد ، ويقال: أبو القاسم، وأبو عبد الله.
تفقَّه ببغداد .
وسمع القاضى أبا الطَّيِّب، والحسن بن على الجَوْ هَرِىّ، وأبا الحسين بن المُهْتَدِى،
وأبا الغنائم بن المأمون ، وغيرهم .
روَى عنه إسماعيل بن السَّمَرْ فَنْدِىّ، وأبو العِزّ(٣) بن كارِش، وجماعة.
مات سنة خمس وسبعين وأربعمائة .
والله تعالى أعلم .
٣٧٣
جعفر بن بَأَىّ*، أبو مسلم(1) الجيلي
أحدُ أصحاب الشيخ أبى حامد .
وهو والد الشيخ أبى منصور المُتقدَّم .
سمِع الحديثَ من أبى بكر المُقْرِى، وابن بَطَّةُ المُكْبَرِىّ .
(١) ساقط من: د، ز، وهو فى المطبوعة. (٢) قال ابن الأثير: ((بليدة من آذريجان)).
وقد ترجم ابنه أبا منصور صالح بن بديل. انظر الباب ٠١١١/١
(٣) فى د: ((العزيز)»، والمثبت
فى المطبوعة، ز ، والعبر ٠٦٨/٤
* له ترجمة فى: الأنساب لوحة ١١٤٨، تاريخ بغداد ٧ /٢٣٥، معجم البلدان ٠٦٠٧/١
(٤) فى الطبقات الوسطى: (( أبو منصور))، وهو خطأ، فإنها كنية ابنه المتقدم.

- ٢٩٨ -
روى عنه الخطيب، وقال: مات سنة [سبع](١) عشرة وأربعمائة، بقرية بَزِيذِى،
بياء موحدة ثم زاى مكسورة (٢) ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ثم ذال معجمة.
٣٧٤
جعفر بن القاسم بن جعفر(٣) بن عبد الواحد (٤بن العباس بن عبد الواحد)
ابن جعفر بن سليمان بن على بن عبد الله بن العباس ، القاضى ،
أبو (٥) محمد ، بن القاضى أبى عمر ، بن القاضى أبى القاسم*
قال الشيخ : وُلِدِ سنة إحدى وستين وثلاثمائة .
ومات سنه خمس عشرة وأربعمائة، بعد مَوْت أَبِيه بسَنة.
وتفقه على أبى القاسم الصَّيْمَرِىّ .
وكان ظريفاً ، عفيفاً ، أديباً ، فقيهاً، جامعاً للمحاسن .
وله (٦°(( ديوان شعر)٦)، قيل: إنه غَسَله (٧) قبل مَوْنه.
(١) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د، ز، والطبقات الوسطى، وتاريخ بغداد.
(٢) فى الطبقات الوسطى: ((مكسورتين)»، والمثبت فى أصول الطبقات الكبرى ومعجم البلدان.
قال ياقوت: ((من قرى بغداد)). والذى فى تاريخ بغداد: ((وكانت وفاته بريدة». ولم يرد فيه
(٣) فى المطبوعة بعد هذا زيادة ((بن العباس))، والمثبت فى : د، ز،
الضبط الذى أورده المصنف .
والطبقات الوسطى. (٤) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د، ز، والطبقات الوسطى. وبعده فى ز:
(بن العباس بن عبد الواحد" تكرار. (٥) فى المطبوعة: ((أبى))، والمثبت فى: د، ز، والطبقات
الوسطى .:
* له ترجمة فى : طبقات الشيرازى ١١١.
(٦) فى طبقات الشيرازي: ((ديوان فى الشعر)).
(٧) فى المطبوعة: ((غبل))، والمثبت فى: د، ز. والطبقات الوسطى، وطبقات الشيرازي

- ٢٩٩ -
٣٧٥
جعفر بن محمد بن عثمان(١)، الفقيه، أبو الخير، المَرْوَزِىّ
قدِمِ مَعَرَّة النُّعمان، فى سنة ثمانى عشرة وأربعمائة، واستَوْطنها، ودرَّس بها، وحمّل
عنه أهلُها الفقهَ .
وصنَّف فى المذهب كتابا، سماء ((الذَّخيرة)» لم أفِفِ عليه. إنما المشهور ((ذخيرة
البَنْدَنِیچِى) .
تُوُفِّىَ أبو الخير سنة سبع وأربعين وأربعمائة .
٣٧٦
حسّان بن سعيد بن حسّان بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد
ابن مَنِيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد الَخْزُومِيّ،
الرَّئِيس أبو علىّ الْمَنِيمِىَ، الْحَاجِّى *
(٢ أما المَنِيمِى٣ّ) فنسبةً(٣) إلى جَده مَنِيع بن خالد، وأما الحاجِّىَ فلغة المجَر فى النِّسبة
إلى مَن حجّ، يقولون(٤) للحاجَ إلى بيت الله الحرام: حَاجِّى(٥).
وأبو علىّ هذا، هو واقف الجامع الْمَنِمِىّ(٦) بنَيْسابور، الذى كان إمامُ الحرمين
خطيبَه، وقبلَه أبو عمان الصَّابُونِ، شيخ الإسلام.
وكان الرئيس أبو علىّ، من أهل مَرْوَ الرُّوذ، وكان فى أول أمره تاجراً، إلى أن نَما
مالُهُ، وتزايدَت النِّمُ عليه، وعَلَت منزلتُه، وصار مُشاراً إليه عند السلاطين.
(١) فى الطبقات الوسطى: ((عفان)).
* له ترجمة فى : الأنساب لوحة ١٥٤٤، البداية والنهاية ١٢ /١٣، شذرات الذهب ٣١٣/٣،
العبر ٢٥٢/٣، معجم البلدان ٦٧٣/٤، المنتظم ٢٧٠/٨ وهو فى الطبقات الكبرى: ((حسان بن سعد»،
والمثبت من الطبقات الوسطى ، والمصادر السابقة .
(٢) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د، ز. (٣) فى المطبوعة: «فنسبته))، والثبت فى: د، ز.
(٤) فى المطبوعة: ((تقول))، والمثبت فى: د، ز. (٥) فى المطبوعة: ((الماجى)، والمثبت
(٦) انظر معجم البلدان ٠٦٧٣/٤
فى : د، ز .

- ٣٠٠ -
وفقَّه الله تعالى، فمحَّ إلى بيت الله الحرام، ثم عادَ، وأنفق أموالاً جزيلةً فى بناء
المساجد، والرُّبُطَ، وتنَوَّع فى المعروف، وبنى جامعاً بمَرْ وَ الرُّوذِ، تقام فيه الجمة ،
والجماعة.
قال عبد الغافر: عمَّ الآفاقَ بخيْرِه، وبِرٍّ ..
وكان يدخل نيسابور فى أوائل أمرٍه، ويُعامِلِ أهْلَها، فلما رأى اضْطِرَاب الأمور،
وتزايدَ التَّعصُّب من(١) الفريقين، قبل أن يجلس السُّلطان ألب أرسلان على سرير مْلِسْكِهِ،
ويُزَيِّن وجهَ الآفاق بطَلْمة نظام مُلْكه، انقطع حتى انْقْطعتْ مَادَّةٍ(٢) الأهْواء، وطُوِىَ
بساطُ العصبيَّةِ، بِذَبَّ نظام المُلك عن حريم (٢) المِلَّهُ الحنيفيَّة، ومساعدة (٤السلطان الذى
هو ٤) سلطان الوقت، المُذُعِن إلى الخير، المُنقاد إلى المعروف، ألب أرسلان، وعند ذلك
سأل الرئيسُ أبو علىّ السلطانَ والوزيرَ فى بناء الجامع الْعَنِيمِىّ، بنَيْسابور، فَأُجِيب إلى
مسْألتِهِ، فعمد إلى خالِصَ مالِهِ، وأنفق فى بنائهِ الأموالَ الجزيلةَ، وكان لا يفْتُر آونة
من ليل ، ولا ساعةً مِن نهار ، مخافةً تغيُِّ الأمور، واضطراب الآراء، إلى أن تَمَّ ،
وأُقيمت الجمةُ فيه، وصار جامعَ البلد المشهور، وهو الذى كان إمام الحرمين خطيبه.
قال ابن السَّمْعَانِىّ: بلغنى أن عجوزاً جاءتْه، وهو يُبْنِى جامعَ نَيْسابور، ومعها ثوبٌ
يُساوِى نصفَ دينار، وقالت : سمعتُ أنَّك تبنى الجامع فأردتُ أن يكون لى فى النَّفَّقة
المباركة(٥) أثر"، فدعا خازِنَه، واستحضَر ألف دينار، واشترى بها مِنْها الثّوب، وسلَّم
المبلغ إليها، ثم قَبَض منها الخازنُ [ الثَّوبَ](٦) ثم قال له : أَنفِق هذه الألف منها فى بناء
المسجد، وقال: احفظ هذا الثّوبَ لكَفَنِى؛ ألْقَى اللهَ فيه.
(١) فى المطبوعة: ((بين)» والمثبت فى: د، ز .
(٢) فى د: ((ماية)))، وفى ز: ((مائية))، والمثبت فى المطبوعة، والطبقات الوسطى
(٣) فى المطبوعة: ((خديم))، والتصويب من: د، ز، والطبقات الوسطى.
(٤) زيادة من المطبوعة على ما فى: د، ز، والطبقات الوسطى.
(٥) فى د، ز: «المعازة)»، ولاثبت فى المطبوعة . (٦) ساقط من: د، ز. وهو فى المطبوعة.