Indexed OCR Text

Pages 121-140

- ١٢١ -
وسمع من محمد بن عبد الملك بن أبى الشَّوارِب، وإسحاق بن أبى إسرائيل، وإسماعيل
ابن موسى الفَزَارِىّ، وأبى كَرَيب، وهَنَّاد بن السَّرِىّ، والوليد بن شُجَاع، وأحمد بن
مَنِيع، ومحمد بن ◌ُمَيد الرَّازِىّ، ويونس بن عبد الأعلى(١) ، وخلق سواهم .
روَى عنه أبو شُمَيَب الحرَّانِىّ، وهو أكبر منه سِنَّا وسَنَدًا، وَخْلَد البَفَرْ حِىّ(٢)،
والطَّبَرَانِيّ، وعبد الغفار الحصَيْسِىّ(٣)، وأبو عمرو بن حَمْدان، وأحمد بن كامل(٤)،
وطائفة سواهم .
وقرأ القرآن على سليمان بن عبد الرحمن الطَّلِحِىّ(٥)، صاحب خَلاَد.
ومن تصانيفه ((كتاب التفسير)) و((كتاب التاريخ)) و((كتاب القراءات (٦)
والعدد والتنزيل)) و (( كتاب اختلاف العلماء)) و((تاريخ الرجال من الصحابة والتابعين))
و ((كتاب أحكام شرائع الإسلام)» ألفه على ما أدَّاء إليه اجتهادُه، و ((كتاب الخفيف»
وهو مختصر فى الفقه ، و « کتاب التبصير فى أصول الدين )) .
وابتدأ(٧) تصنيف (( كتاب تهذيب الآثار)) وهو من عجائب كتبه ، ابتدأ بما رواه
أبو بكر الصدِّيق رضى اللهعنه، كما (٨) صح عنده بسنده، وتسكلم على كل حديث منه بِعِلّه،
وطُرُقَه، وما فيه من الفقه والسُّنْن، واختلاف العلماء، وحُجَجِهم ، وما فيه من المعانى
والغريب، فَمَّ منه مُسنَد العشرة، وأهل البيْت، والموالى، ومن مسند ابن عباس قطعةٌ
كثيرة ، ومات قبل تمامه .
(١) زد المصنف فى الطبقات الوسطى فيمن سمع منهم ((ويعقوب بن إبراهيم الدورقى، وأبا سعيد الأشج
ومحمد بن بشار)). كما ذكر أنه: «أخذ الفقه عن الزعفرانى، والربيع المرادى».
(٢) يفتح الباء والفاف وسكون الراء وفى آخرها الحاء المهملة، هذه النسبة إلى باقرح ، وهى
قرية من قرى بغداد . اللباب ١ / ٩٠. (٣) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وسكون الياء المثناة من
تحتها وفى آخرها باء موحدة، نسبة إلى الخصيب، والد بريدة بن الحصيب الأسامى. اللباب ١ /٣٠٣
(٤) ذكر المصنف فى الطبقات الوسطى، فيمن روى عن ابنجرير: (( ومحمد بن عبدالله الشافعى)).
(٥) فى المطبوعة: ((الطلخى)) والمثبت من: ج، ز، طبقات القراء ١ / ٣١٤. والطلحى
بفتح الطاء وسكون اللام وفى آخرها جاء مهملة، نسبة إلى طلحة بن عبيدالله، رضى الله عنه. اللباب ٨٨/٣.
(٦) فى المطبوعة: ((القراءة)) والمثبت من: ج، ز. (٧) فى المطبوعة: ((وابتداء)» والمثبت
من: ج، ز. (٨) فى المطبوعة: ((ما)) والمثبت من: ج، ز.

- ١٢٢ -
وابتدأ (( بكتاب البسيط)) فرج منه ((كتاب الطهارة» فى نحو ألف وخمسمائة ورقة،
وخرج منه أكثر ((كتاب الصلاة))، وخرج منه (آداب الحكام)) و((كتاب المحاضر.
والسجلات)) ، وغير ذلك.
قال الخطيب: كان ابن جرير(١) أحد الأمة، بحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه، لمعرفته
وفضله، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحدٌ من أهل عصره، فكان حافظً لكتاب الله(٢)،
بصيراً بالمعانى ، فقيهاً فى أحكام القرآن ، عالمً بالسَُّنَ وطرقها ، صحيحها وسقيمها، وناسخها
ومنسوخها ، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المخالفين(٣) فى الأحكام
ومسائل الحلال(٤) والحرام، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور فى (تاريخ
الأمم والملوك)) و((كتاب فى التفسير)» لم يُصنّف أحد مثله، وكتاب سماه (تهذيب الآثار))
لم أر سِواه فى معناء، إلا أنه لم يُتِمَّه، وله فى أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة(٥).
قال: وسمعت على بن عبد الله بن عبد الغَفَّار اللُّغَوىّ، المعروف بالسِّمِمانِىّ(٦)
يحكى : أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة ، يكتب فى كل يوم منها أربعين ورقة .
(١) فى ج، ز: ((ابن خزيمة)) وهو خطأ، صوابه من المطبوعة، وفى تاريخ بغداد: ((كان أحد
أثّة العلماء)) فى الحديث عن ابن جرير، وكذلك فى الطبقات الوسطى. (٢) بعد هذا فى تاريخ بغداد:
١٦٣/٢: «عارفا بالقراءات)».
(٣) فى تاريخ بغداد ٢ / ١٦٣: ((من المخالفين))
(٤) فى ج، ز: ((ومسائل الخلاف والحرام)» والمثبت فى المطبوعة، وتاريخ بغداد ٢/ ١٦٣،
(٥) فى تاريخ بغداد بعد هذا : (( واختيار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل
والطبقات الوسطى .
حفظت عنه)» .
(٦) فى الأصول هكذا: (على بن عبد الله)) وهو يوافق ما فى وفيات الأعيان ٢ / ٢٧٤، وتخالف
ما فى الطبقات الوسطى وتاريخ بغداد ١٦٣/٢، ومعجم الأدباء ٥٩،٥٨/١٤، وإنياه الرواة ١٨٨/٢
فهو فيهم (على بن عبيد الله)). وفى المطبوعة: ((المانى؟ وهو خطأ صوابه من: ج)، ز، والطبقات
الوسطى والمصادر السابقة، وقد اختلفت هذه المصادر فى ضبط هذه النسبة، فضبطه ناشر معجم الأدباء
السَّمْسَمِىّ أو السَّمْسَمَانِىّ نسبة إلى سمسم، اسم موضع، وضبطها ابن خلكان (السُّمْسِمانِيّ))
وقال: ((ولا أعرف نسبته إلى ماذا هى، وهى بكر السينين المهملتين، وسكون الميم الأولى وفتح الثانية
وبالنون ، ثم وجدت فى درة القواس للخريرى ما مثاله: ويقولون فى النسبة إلى الفاكهة واللاقلاء والنمسم
فاكهانى وباقلانى وسمسمانى، فيخطئون فيه - وبين وجه الخطأ - ثم قال بعد ذلك: ووجه الكلام أن يقال =
٠

- ١٢٣ -
قال: وبلغنى عن الشيخ أبى حامد الإِسْفَرَا بِنَّى أنه قال: لو سافر رجل إلى الصِّين،
حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير ، لم يكن ذلك كثيرا . أو كلاما هذا معناه .
انتهى .
وذكر أبو محمد الفَرْغَنِىّ فى ((صلة التاريخ)» أن قوما من تلامذة محمد بن جرير ،
حسَبوا لأبى جعفر منذ بلغ أُحُم إلى أن مات، ثم قسَّموا على تلك المدة أوراق مصنفاته،
فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة .
قلتُ: وهذا لا ينافى كلام السِّمْسِمانىّ؛ لأنه منذ بلغ، لا بدأن يكون مضت له سِفُون(١)
فى الطَّب، لا يُصنّف فيها .
وذُكِر أن أبا العباس ابن سُرَيح كان يقول: محمد بن جرير الطَّبَرِىّ فقيه العالم.
وذُكِر أن محمد بن جرير، قال: أظهرتُ فقه الشافى، وأفتيْتُ به ببغداد عشر سنين،
وتلقّهُ(٣) مسِِّى ابن بَشَّار الأحول، أستاذ أبى العباس بن سُرِّيج.
ورُوِىَ أن أبا جعفر قال لأصحابه: اتنْشَطون لتفسير القرآن ؟ قالوا: كم يكون قدره ؟
فقال : ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى (٣) الأعمار قبل تمامه. فاختصره فى نحو ثلاثة
الاف ورقة .
ثم قال : هل تنْشطون لتاريخ العالم، من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدرُه؟ فذكر
نحوا مما ذكره فى التفسير، فأجابوه بمثل ذلك فقال: إنا لله، ماتت الهِمِم. فاختصره
فى نحو ما اختصر التفسير .
= فى المنسوبة إلى السمسم حممى، وتم الكلام إلى آخره، فلما وقفت على هذا علمت أن نسبة أبى الحسن
المذكور إلى السمسم، وأنه استعمل على اصطلاح الناس)» وقد تبع الأستاذ محمد ا بو الفضل إبراهيم إن
خلكان على هذا الضبط فى إنباه الرواة. وقد ذكر الفيروزا بادى فى القاموس (ش م م ) قوله :
(( والممان والممانى بضهما: الحقيف اللطيف السريع من كل شىء)). وانظر مقالة الحريرى فى
درة الغواص ٥١،٥٠ . وقد ضبطناه كما ورد فى الطبقات الوسطى بكفر المين.
(٢) فى المطبوعة: ((وتلقاه)) والمثبت من: ج، ز.
.
(١) فى الأصول: ((سنين» ..
(٣) فى: ج، ز: ((ربما يغنى)) والمثبت فى المطبوعة، والطبقات الوسطى، وتاريخ بغداد ١٦٣/٢.

- ١٢٤ -
قال الحاكم: سمعت أبا بكر بن بأَلُوَيِه، يقول: قال لى ابن خُزيمة: بلغني أنك كتبت
التفسير عن ابن جرير. قلت نعم، إملاء. قال: كلَّه؟ قلت: نعم. قال: فى كم سنة؟
قلت : من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين ، قال: فاستعاره مفِى ابن خُزيمة ، ثم رده بعد
سنين، ثم قال: نظرت فيه من أوله إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض أعلى من محمد
ابن جرير، ولقد ظلمته الحنابلةُ.
وقال أبو على الطُّومَارِىّ(١): كنت أحمل القِنْديل فى شهر رمضان، بين يَدَىُ
أبى بكر مجاهد، لصلاة التراويح، مخرج ليلة من ليالى العشر الأواخر من داره، واجتاز
على مسجده فلم يدخله ، وأنا معه ، وسار حتى انتهى ، فوقف على باب مسجد محمد بن
جرير ، وابن جرير يقرأ سورة الرحمن، فاستمع قراءته طويلا ، ثم انصرف ، فقلت له :
يا أستاذ، تركت الناس ينتظرونك، وجئتَ تستمع قراءة هذا! فقال: يا أبا على ؛ دع
[ هذا ](٢) عنك، ما ظننت أن الله خلق بشراً يحسن أن يقرأ هذه القراءة.
وذُكِرِ أن الُكْتَفِى الخليفة قال الحسن بن العبّاس: أريد أن أوقِفٍ وَقْفاً ، يجتمع
أقاويل العلماء على صِحَّته، ويسلم من الخلاف. قال: فأخضرَ ابنَ جرير، فأمْلى عليهم
كتابا لذلك، فأُخرِجت له جائزة سَنَّية، فأبى أن يقبلَها ، فقيل له: لا بد من جازة،
أو قضاء حاجة. فقال: نعم، الحاجة، أسأل أمير المؤمنين أن يتقدّم إلى الشَّرَط أن يمنعوا
الشُّؤَّال من دخول المقصورة يوم الجمعة ، فتقدّم بذلك ، وعظم فى نفوسهم ،
قال أبو محمد الفَرْغَانِىّ ، صاحب ابن جرير: أرسل العباس بن الحسن الوزير إلى ابن
جرير ، قد أحببتُ أن أنظر فى الفقه. وسأله أن يعملَ له مختصرا، فعمل له (( كتاب
"الخفيف)) وأنقذه، فوجَّه إليه ألف دينار، فلم يقبلها، فقيل له: تصدَّقْ بها. فلم يفعل.
وقال حُسَيْنَك بن علىّ النَّيْسَابُورِىّ: أول ما سألنى ابن خُزيمة، قال: كتبتَ عن
(١) بضم الطاء وسكون الواو وفتح الميم وبعد الألف راء، هذه النسبة إلى الطومار، وهو لقب رجل.
الباب ٢ / ٦٣ (٢) زيادة يقتضيها السياق، وهى موجودة فى ج ومضروب عليها. وهى مثبتة فى
الطبقات الوسطى.

٠ ٢٥) -
محمد بن جرير؟ قلت: لا. قال: ولم؟ قلت: لأنه كان لا يظهر، وكانت الحنابلة تمنعُ
مِن الدخول عليه، فقال: بئس ما فعلتَ، ليتك لم تكتب عن كل مَن كتبت عنهم ،
وسمعْتَ منه .
قلتُ : لم يكن عدم ظهوره ناشئا من أنه مُنِع ، ولا كانت للحنابلة شوكة تقتضى
ذلك ، وكان مقدار ابن جرير أرفع من أن يقدروا على منعه، وإنما ابن جرير نفسُه كان قد
جمعَ نفسه عن مثل الأراذل المتعرِّضين إلى عِرْضه، فلم يكن يأذن فى الاجتماع به إلا لمن
يختاره، ويعرف أنه على السُّنّة، وكان الوارد من البلاد مثل حُسَيْنَك وغيره ، لا يدرى
حقيقةَ حاله، فربما أصغى إلى كلام مَن يتكلم فيه؛ لجهله بأمره ، فامتنع عن (١) الاجتماع به.
ومما يدلك على أنه لم يُمنَع، قول ابن خُزيمة، لحسَيْنَك: ليتكَ سمعتَ منه. فإن فيه دلالة
أن سماعه منه كان ممكنا ، ولو كان ممنوعا لم يقل له ذلك ، وهذا أوضح من أن ننبِّه عليه ،
وأمرُ الحنابلة فى ذلك العصر كان أقل من ذلك .
قال الفَرْ غانِىّ: كان محمد بن جرير ممن لا تأخذُه فى الله لومة لائم ، مع عظيم(٢)
ما يلحقه من الأذى والشَّناعات ، من جاهل ، وحاسد، ومُلحِد ؛ فأما أهل العلم والدين
فغير مُنكرين علمه، وزهدَه فى الدنيا، ورفْضَه لها ، وقناعتَه بما كان يَرِد عليه ، من
حِصَّة خلَّفِها له أبوه بَطَبَرِسْتان يسيرة، ولما تقلَّد الْحَاقَائِيّ(٣) الوزارةَ وجَّه إليه بمال
گثیر، فأبى أن يقبله ، فعرض عليه القضاء ، فامتنع ، فعاتبه أصحابه ، وقالوا له : لك فى هذا
ثواب، وتُحِى سنَّةٌ قد دَرَستْ. وطمعوا فى أن يقبل ولاية المظالم؛ فانْتْهرَم ، وقال:
قد كنتُ أظن أنِّى لو رغِبْتُ فى ذلك لنهيْتُمُونى عنه .
وقال الفَرْغَائِيّ: رحل ابن جرير من مدينة آمُل لما ترَتْرع، وسمَح له أبوه بالسفر ،.
وكان طول حياته ◌ُنفِذ إليه بالشىء بعد الشىء إلى البلدان، فسمعتُهُ يقول: أبطأتْ عنِّى
نفقةُ والدى، واضطررت إلى أن فتَقْتُ كُمَّى القميص، فبمتُهُما .
(١) فى المطبوعة: ((على)) والمثبت من: ج، ز. (٢) فى المطبوعة: ((عظم)) والمثبت من:
(٣) بالخاء والقاف بين الألفين وفى آخرها النون، نسبة إلى خاقان، وهو اسم لجد
ج، ز .
النقب إليه . الباب ١ / ٣٣٧.

- ١٢٦ -
وقال ابن كامل: توفى عَشِية الأحد ، ليومين بقيا من شوال ، سنة عشر وثلاثمائة،
ودفن فى داره برَخْبة يعقوب(١)، ولم يغيِّ شَيْبَه، وكان السواد فى رأسه ولحيته كثيرا،
وكان أسمر إلى الأدمة، أعْيَن، نحيف الجسم ، مديد القامة، فصيحا؛ واجتمع عليه من
لا يُحصِيه إلا الله تعالى، وصُلَّىَ على قبره عدة شهور، ليلا ونهارا، ورثاه خلق كثير من
أهل الدِّين والأدب.
من ذلك قول أبى سعيد بن الأغْرابى(٢).
حَدَثْ مُفْظِعٌ وَخَطْبٌ جليلُ دَقَّ عَن مِثْلِهِ اصْطِبَارُ الصَّبُورِ
قام ناعِى محمدٍ بن جَرِيرٍ
وقول ابن دُرِيد(٣):
قام ناعى العلوم أجمعَ لَمَّا
بل أتلفتْ عَلَما الدِّين منصوباً
إِنَّ النَّةَ لم تُتْلِفِ به رجلًا
والآن أصبحَ بالتَّكَدِيرِ مَقْطُوبًا(٤)
كان الزمانُ به تصفُوَ مَشاربه
للعلم نورًا وللتَّوَى تَجارِيباً
كلَّا وأيامِهِ الغُرِّ التى جُمِلتْ
(عجيبة تتضمَّن مسألة)
إذا أدَّعِى المُقْضِىُّ عليه أن القاضى حكم عليه بشهادة فاسقين. قال ابن الرِّفْعَة فى
((المطلب» فى ((باب الشهادة على الشهادة)): يجب على شاهد الفرع تسمية شهود الأصل
خلافاً لمحمد بن جرير الطَّبَرَىّ، الذى أفهم كلامُ صاحب ((الإشراف)) - عند الكلام
فى دعوى المقضىِّ عليه، أن القاضى قضى عليه بشهادة فاسقين - أنه من أصحابنا. انتهى.
وهذا كلام مجيب، يُوهِمٍ أن ابن جَرِير هذا غيرُ ابن جَرِرِ الإمام المشهور، صاحب
الترجمة؛ فإن فى هذا اللفظ تجهيلاً عظيما للمُسمَّى بهذا الاسم، وإن جَرِيرٍ إمام شهير؛
(١) رجية يعقوب بغداد ،وهو يعقوب بن داود وزير المهدى. مراصد الإطلاع ٦٠٨.
(٢) ذكر الخطيب فى تاريخ بغداد ١٦٦/٢ بيتى ابن الأعرابى فى أبيات أخر. كماذكرهما ابن كثير
(٣) الأبات فى ديوان ابن دريد ٣٩ وتاريخ بغداد
/ ١٤٧ ضَمنَ أبيات .
فى البداية والنهاية ١١
١٦٧/٢، ٦٨
(٤) في الديوان وتاريخ بغداد: ((فالآن أصبح ؟"

- ١٢٧ -
لا يخفى حاله على ابن الرِّفْعَة، ولا مَن دونه، وإنما قصد ابن الرَّفْعَة بهذا الكلام الإشارة
إلى أنه وإن كان مجتهدا مطلقا معدودٌ من أصحابنا، بشهادة صاحب (( الإشراف)) فليلْتَحِق
قولُهُ بهذا(١) بالذهب، ويُعَدّ وجها فيه، وهذا أيضاً غير لائق بعُلُوِّ قدر ابن الرِّفْمَة،
قابن جَرِيرِ معدود من أصحابنا، لا يَمْتَرِى أحد فى ذلك، ولو عَدَّ عادٌّ ذَكرَ ابنِ الرِّفْعَة له ،
ولأقواله: ((مِن أصحابنا)) لأكثر المعدود، فلا طائل تحت كلامه هذا، بل هو كلام
مُوهِم، كان السكوت عنه أجملَ بقائله، وما حمله عليه إلا كثرةُ اسْتحضاره لما بَعُد
وما قَرُب، وحيث ذكره فى المَظِنَّة فاستحضره من غير الَظِنَّة، ولو أنه قال: الذى اقتضى
كلامُ صاحب (( الإشراف» موافقةً غيره من أصحابنا له على مقالته فى عدم سماع الدعوى
على القاضى بأنه حكم بشهادة فاسقين . لكان أحسن، فإن موافقة غير ابن جرير من أصحابنا له .
تُؤَّكِّد عدَّ قوله من المذهب ، بخلاف ما إذا لم يُوجَد له موافق، فإن النظَر إذ ذاك
[قد](٢) يتوقف فى إلحاق أقواله بالمذهب؛ لأن المحمدين الأربعة: ابن جزير، وابن خزيمة،
وابن نَصْر وابن المُنْذِرِ ، وإن كانوا من أصحابنا، فربما ذهبوا باجتهادهم المطلَق إلى مذاهب
خارجة عن المذهب ، فلا نَعُدُّ تلك المذاهب من مذهبنا، بل سبيلُها سبيل مَن خالف إمامَه
فى شىء من المتأخِّرين أو المتقدِّمين .
وإنما قلتُ إن صاحب ((الإشراف)) ذكر موافقة غير ابن جرير له ، على عدم الدعوى
بأنه حكم بشهادة فاسقين، لأن عبارة (( الإشراف)):
( فصل )
إذا ادَّعى المقضىُّ عليه أن القاضى قضى عليه بشهادة فاسقين.
قال محمد بن جَرير، وغيره من أصحابنا: لا ينبغى أن يفوق سهمُ هذه الدعوى نحرَ(٣)
القاضى؛ لأن فيه تشفيما عليه، وهو مُستغْنٍ عن هذا التَّشْفيع عليه ، بأن يقيم البيّة على
فسق الشهود ، ويفارق إذا ادَّعى على القاضى أنه أخذ منه الرِّشْوة وفسّرها، وهى مال
.. (١) فى المطبوعة: ((هذا)) والمثبت من: ج)، ز. (٢) زيادة من: ج، ز على ما فى المطبوعة.
(٣) فى الأصول: ((نحو)) بالواو. ولعل الصواب ما أثبتناه.

- ١٢٨ -
مبذول ليصير الحق باطلا والباطل حقا، لأنه أمر خفى، لا يمكنه إقامة البيّنة عليه، دون
الادِّعاء على القاضى، فلما لم يكن مستغْنِيا عن الادِّعاء عليه، جاز له الادِّعاء؛ ليصون
القاضى ماء وجهه ، فيردَّ المالى عليه
وقال بعض أصحابنا: دعوى الطعن على الشهود مسموعة على القاضى ؛ لأنه ربما يتعذّر
عليه إقامة البيِّنة على فِسْق الشهود. انتهى .
وحَى بعده الوجهين المشهورين فى تحليفه إذا أنكر ..
فإن قلتَ : الوجهان فى الدعوى عليه بشهادة فإستيْن مشهوران .
قلتُ: كلاً إنما المشهور الوجهان فى إحضاره إذا ادَّعى عليه هكذا، أما أصل الدعوى،
فقال الرافعى: إنهم متفقون على سماعها على الجملة، وأنكر على (١) الغزالىّ حمله الوجهين
فى أصل الدعوى، وكلام ابن جَرِير هذا صريح فى أن الدعوى لا تُسمَع ، ففيه تأييد عظيم
للغزالىّ، لا سيما مع اعتضادِهٍ بموافقة بعض الأصحاب، بل غالبهم ، كما أشار إليه القاضى
أبو سعد؛ فإن فى قوله: ((قال ابن جَرِير، وغيره من أصحابنا»، مع قوله فى مقابله: ((وقال
بعضُ أصحابنا)) ما يعطى أن الجادّة على قول ابن جَرِير، على خلاف دعوى الرافعىّ الاتفاق،
نعم محل ذلك ((فصل الدَّعوى على القاضى العزُول)) من ((كتاب الأقضية)) لا ((باب
الشهادة على الشهادة)) وقول ابن جَرِير: ((لا يُشترط تسمية شهود الأصل)) هو المختص
((بباب الشهادة على الشهادة)) فكان طريق ابن الرِّفَة إن لم يجد له من خُلَّص الأصحاب
مُتّابِعا أن يقول: ولا مُتَابِع له، لكنه(٢) من أصحابنا(٣).
(١) فى المطبوعة: ((عليه)) والمثبت من: ج، ز. (٢) يمكن قراءة هذه الكلمة فى ، ج، ز
((لكثير)).
(٣) ذكر المصنف بعد هذا فى الطبقات الوسطى هذه المسائل عن ابن جرير ، قال :
• (( ومن مسائل ابن جرير قوله: إن من توضأ ثم قطع بعض أعضائه من محلٌ
الفرض ، كما إذا قُطِعِت يده ، أو كُشطت جلدةٌ من وجهه أو يده، إنه يجب عليه طهارة
ذلك العضو .
=

- ١٢٩ -
١٢٢
محمد بن جعفر بن أحمد بن عيسى، أبو عبد الله ابن بنت عبد الله
ابن أبى القاضى
من علماء خُوارَزْم، من بيت العلم والزهد .
قال صاحب ((الكافى)): كان رجلا حليما، وقورا، فاضلا، رحل فى طلب العلم إلى
العراق .
وتفتَّه على أبى العباس ابن سُرَّيح فيما أظن .
وسمع الحديث بها من محمد بن جرير الطبرىّ.
تكلم يوما فى مسألة مع سعيد(١) بن أبى القاضى، فقال له: يا أبا عبد الله، لم يَأْتِ
لك بعدُ! قال: فدخلت المنزل، فأقمت فيه ستة أشهر حتى استظهرتُ (( كتاب المُزَفِّ))
ثم تكلَّت، فقال لى سعيد: إيباً الآن .
توفى فى ربيع الآخر ، سنة ثمان عشرة وثلاثمائة .
﴿ومن الفوائد عنه ﴾
قيل له: الرجل السعيد فى دُنياه ، يتمنى الولدَ، ولا يتمنَّاه فى الجنة؟ فقال: تمَّى
الناس أولادً فى الدنيا ◌ُحبِّم فيها، حتى إذا انقرضوا يبقى لهم نعيمُهُم ببقاء الولد، وقد
أمِنوا الانقراض فى الجنة .
٠
= ووقع فى ((النهاية)) و («الوسيط» فى هذه المسألة غلط، وهو حكاية رأى ابن جرير
عن ابن خيران ، وليس كذلك، إنما هو ابن جرير )) .
وقال ابن جرير : لا تجوز صلاة الفرض ولا النفل فى جوف الكعبة .
نقله فى (( شرح المهذب)).
(١) فى ج، ز: ((سعد)) وسيأتى بعد قليل فى الأصول كلها ((سعيد)).
(٣/٩- طبقات)
.. .

- ١٣٠ -
• ووقع سؤال فى زمانه عن بيع التراب على الأرض المُسَبَلة(١). فأفتى عامة الفقهاء
بالمنع، ورفِت الفتيا إليه، فقال: ما زاد فيها بعد الوقف يجوز بيعه. فانتهوا(٣) لذلك،
ووافقوه .
ذكر ذلك صاحب ((الكافى فى تاريخ خُوارَزْم)).
١٢٣
(*
محمد بن جعفر بن محمد بن خَازِمِ الخَازِمى، بالخاء المعجمة والزَّاى
الفقيه ، أبو جعفر
من أهل جُرْجَان. تفقّ على أبى العباس ابن سُرّيح، وروى عنه، (٣وعن أبى بكر
عبد الله بن أبى بكر ابن خَيْثَمَةٍ(٣) ..
رَوَى عنه على بن أحمد بن موسى الجِرْجانِيّ ، وغيره.
ويحكى أن أبا العباس ابن سُرَيخ، قال: ما عَبَرَ جِسْرَ النَّهْرَوان أفقهُ من أبى جعفر
ابن خَازِم .
وقد اختصر الذَّهِىّ فى ترجمته جدًّا .
توفى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة .
(١) سبل الأرض بالقشديد : جعلها فى سبيل الله.
(٢) فى المطبوعة: ((فانتبهوا)) والمثبت
من : ج ، ز .
(#) له ترجمة فى: تاريخ جرجان ٢٩٤، الباب ١ / ٢٣٦، الوافي بالوفيات ٢/ ٢٩٦.
(٣) فى تاريخ جربان: ((وأبى عبد الله بن أبى خيثمة)) وفى الطبقات الوسطى: ((وأبى عبد الله
ابن أبى بكر ين خيثمة)) وفوق ((عبد الله)) ((بكر)) وعليها علامة: ((صح)).

- ١٣١ -
١٢٤
محمد بن حِبَّان بن أحمد بن حِبَّان بن معاذ بن مَعْبَد
أبو حاتم بن حِبَّن، البُسْتِىّ، التَّعِيمِىّ(*)
الحافظ، الجليل، الإمام.
صاحب التصانيف: ((الأنواع والتقاسيم)) و((الجرح والتعديل) و(الثقات))،
وغير ذلك .
سمع الحسين بن إدريس الْهَرَوِىّ، وأبا خليفة، والنَّانِىِ ، وعِمْران بن موسى،
وأبا يَعْلى، والحسن بن سُفيان، وابن خُزَيمَةٌ، والسَّرَّاج، وخلائق لا يُحْصَوْن كثرةً
بخراسان ، والعراق، والحجاز، والشام، ومصر، والجزيرة، وغيرها من الأقاليم.
قال فى كتابه ((التقاسيم والأنواع)): املنا كتبنا عن ألف شيخ، ما بين الشَّش(١)
والإسكندرية .
روى عنه الحاكم، ومنصور بن عبد الله(٢) الخالِدِىّ، وأبو معاذ عبد الرحمن بن ﴾.
ابن رِزْق السَّخْتِيَانِىّ(٣)، وأبو الحسن محمد بن أحمد بن هارون الرُّوزَنِيّ، ومحمد بن أحمد
ابن منصور النَّوْقَانِىّ(٤)، وغيرهم .
قال أبو سعد(٥) الإِدْربِىّ: كان على قضاء سَمَرْ فَنْد زمانا، وكان من فقهاء الدين ،.
(*) له ترجمة فى: الأنساب لوحة ١٨١، البداية والنهاية ١١ / ٢٥٩، وهو فيه: ((مهد بن
أحمد بن حبان))، تذكرة الحفاظ ٣ / ١٢٥، شذرات الذهب ٣ / ١٦، لان الميزان ٥ / ١١٢،
ميزان الاعتدال ٥٠٧/٣، النجوم الزاهرة ٣٤٢/٣، الوافي بالوفيات ٣١٧/٢.
(١) فى المطبوعة: ((البشاش)) وفى ج، ز: ((السلس)) ولعل ما أثبتناه هو الصواب، وهو يوافق
ما سيأتى عن ابن المعانى، والعاش بلدة بما وراء النهر، ثم وراء سيحون؛ متاحة البلاد الترك. مراصد
الاطلاع ٧٧٤. (٢) فى ج، ز: «عبيدالله)) والمثبت فى المطبوعة، وهو إيضا فى العبر ٢ / ٧٦،
والباب ٢ / ٣٣٨. (٣) فى المطبوعة: ((الجستانى)» والمثبت من: ج، ز .
(٤) بفتح النون وسكوت الواو وفتح القاف وبعد الألف نون، نسبة إلى نوعان؛ إحدى مدينتى
طوس . اللباب ٣ / ٠٢٤٤ (٥) فى المطبوعة، والطبقات الوسطى ((أبو سعيد))، وهو خطأ صوابه
من: ج، ز، البر ٩٢/٣، والباب ٢٩/١.

- ١٣٢ -
وحُفَّاظ الآثار، عالمً بالطبية، والنجوم، وفنون العلم، ألف (المسند الصحيح)) و ((التاريخ))
و ((الضعفاء» وفقَّهَ الناسَ بِسَمَرْ فَنْد.
وقال الحاكم: كان من أوعية العلم فى الفقه، واللغة، والحديث، والوعظ، ومن
عقلاء الرجال .
ثم ذكر أنه قدم نيسابور مر ◌ّتين، ثم وَلىَ قضاء نَسَا، ثم قدم نيسابور ثالثة ،
وبنى فيها خَانْكاء، وقَرِئْت عليه جملة من مصنفاته ، ثم عاد إلى وطنه سَرْفَتْد، وكانت
الرحلة إليه لسماع مصنفاته
وقال الخطيب: كان ثقة، نبيلا، {فَهِماً](١) ...
وقال ابن السَّمْعَانِىّ: كان أبو حاتم إمام عصره، رجل فيما بين الشَّاش والإسكندرية
توفى ليلة الجمعة لثمان بقين من شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة ، رحمه الله.
(ذكر ما رُمِ به أبو حاتم، وتبين الحال فيه﴾
قدَّمْنا فى الطبقة الثانية(٢) فى ترجمة أحمد بن صالح المِصْرِىّ، أن مما ينبغى أن يُنَظَرِ فيه،
ويُتفقّد وقت الجرح والتعديل ، حالَ العقائد ؛ فإنه باب مُهِم، وقع بسببه كلام بعض الأمة
فى بعض، لمخالفة العقيدة، إذا تذكَّرتَ ذلك فاعلم أن أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الھَرَوِىّ،
الذى تُسَمِّهِ الْمُجَسِّمة شيخَ الإسلام، قال: سألت يحيى بن عمَّر عن ابن حِبّان، قلتُ:
رأيتَه؟ قال: وكيف لم أرَه؟ ونحن أخرجْناه من سِيجِسْتان، كان له علم كثير، ولم يكن له
كبيرُ دِينَ، قدِمِ علينا فأنكر الحدَّلُه، فأخرجناء من سِجِسْتان. انتهى.
قلت : انظر ما أجهل هذا الجارح(٣)، ولَيْت شِعْرِى مَن المجروح(٤): مُثَنَتِ الحَدِّ له،
أو نافيه !
(١) زيادة من : ج ، ز على ما فى المطبوعة.
(١) كذا فى كل النسخ ، وقد تقدمت ترجمة
: (٣) ف: ج، ز: ((الخارج))، والثبت فى المطبوعة.
أحمد بن صالح فى الطبقة الأولى ٢ / ٦.
(٤) فى ج، ز: ((المخروج))، والمثبت فى المطبوعة.

- ١٣٣ -
وقد رأيتُ للحافظ صلاح الدين خليل بن کیلدى المَلائِيّ رحمه الله ، على هذا كلاما
جيداً، أحببتُ نقلَه بعبارته، قال رحمه الله، ومن خطه نقلت: (( ياَللهِ العجبُ، مَن أحقُ
بالإخراج والتَّبْديع، وقلة الدين»(١).
﴿وهذه نخب، وفوائد عن الإمام أبى حاتم)
ذكر فى صحيحه حديث أنَس فى الوصال، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إِنِّى لَسْتُ
كَأَحَدِكُمْ، إِى أَطْعَمُ وَأُسْقَى).
ثم قال: فى هذا الخبر دليل على أن الأخبار، التى فيها ذكر وضع النبيِّ صلى الله عليه
وسلم الحجرَ على بطنه كلها أباطيل، وإنما معناها الحجز لا الحَجَر، والحجَز هو طرَف
الإزار، إذ الله عز وجل كان يُطعِم رسولَه صلى الله عليه وسلم ويسْقيه إذا وَاصَل ، فكيف
يتركه جائعا مع عدم الوِصَال، حتى احتاج إلى شدِّ الحجَر على بطنه، وما يغنى الحجر
عن الجوع!
· قلتُ: فى هذا نظر، وقد أخرج ابن حِبّان قبل هذا بأوراق يسيرة حديث ابن عباس:
خرج أبو بكر بالهاجِزة ... الحديث، وفيه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (( وَالَّذِى نَفْسِى
بِيَدِهِ مَا أَخْرَ جَنِى إِلَّ الْجُوعُ)). وفى الجوع أحاديث كثيرة، والجوع لا يقتضى نقصاً،
بل فيه رِفْعة لدرجاته العُليا صلى الله عليه وسلم.
• والجمع بين ذلك وقضية الوصال أنه صلى الله عليه وسلم كانت له أحوال ، بحسب
ما يختاره الله تعالى له ويرتضيه ، فتارة الجوع، وتارة التَّقْوية على الصوم، وكل حال
بالنسبة إليه فى وقتها أكمل وأولى، هكذا كان خطر لى، والذى أنا عليه الآن أنى لا أدرى
مِن حاله صلى الله عليه وسلم فى الجوع شيئاً، والذى أعتقده أنه كان جوعاً اختياريًا،
لا اضطراريًّا، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يقدر على طَرْدِه عن نفسه ، إما بأن تنصرف
عنه شهوة الطعام والشراب، مع بقاء القوة بإذن الله؛ وإما بتغذية الله الْمُغْنِية له عن الطعام
والشراب؛ وإما بتناول الغذاء، فقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قادراً على ذلك.
(١) بعد هذا فى ج بياض، وليس فى ز ما يدل على وجود بياض.

- ١٣٤ -
وسماعى مرَّاتٍ كثيرات من الشيخ الإمام الوالد رحمه الله، وهو مُعتقَدى، أنه صلى الله
عليه وسلم لم يكن فقيراً قطُّ، ولا كانت حالته حالةَ الفقراء ، بل كان أغنى الناس بالله،
و کان الله تعالى قد کفاه أمر دنياه فى نفسه، وعياله ، ومعاشه .
وأحفظُ أن الشيخ الإمام رحمه الله أقام من مجلسه مَن قال: (( كان النبيُّ صلى الله
عليه وسلم فقيراً)) قياماً صعباً، وكاد يسطو به، وما يُجَّه منه إلا أنه اسْتتابَه، واسْتَسْلَمه.
وكان رحمه الله يقول، فى قوله صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مِسْكِيناً»
إن المراد به استكانةُ القلب، لا المَسْكَنَةِ (١)، التى هى أن يجد(٢) ما لا يقع موقعا
من كفايته، وذكر ذلك فى ( باب الوصية)) من ((شرح المنهاج))، وسمعته منه كذا كذا
مرات، لا أحضى لها عددا:
وكان رحمه الله يشدِّدِ النَّكير على مَن يعتقد ذلك، والحق معه رضى الله عنه؛ فإنَّ مَن
جاءت إليه مفاتيح خزائن الأرض ، وكان قادرا على تناول ما فيها كُلَّ لحظة، كيف يُوصَف
بالعدم؟ ونحن لو وجدنا مَن معه مال جزيل، فى صندوق من جوانب بيته، لَوَ سَمْنَاه بِسِمَة
الغَنَاءِ المُفْرط، مع العلم بأنه قد يُسرَق، أو تَنْتاله غوائلُ الزمان، فيصبح فقيرا، فكيف
لا يُسمَّى مَن خزائن الأرض بالنسبة إليه، أقرب من الصندوق بالنسبة إلى صاحب البيت!
وهى فى يده بحيث لا تتغيَّر، بل هو آمن عليها، بخلاف صاحب الصندوق ، فما كان صلى
الله عليه وسلم فقيرا من المال قطُّ، ولا مسكينا، نعم كان أعظم الناس جُوَّاراً إلى ربه ،.
وخضوعاً له، وأشدَّهم فى أظهار الافتقار إليه ، والتَّمَسْكن بين يديْه.
• ذكر أبو حاتم حديث: ((قَوَائِمُ الْمِنْبَرِ رَوَاتِهُ فِى الْجَنَّةِ)) وبوَّب عليه برجاء
نوالِ الجنان بالطاعة، عند مغير المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وحديث: (( مَا بَيْنَ يَدْتَّى وَمِثْرَى رَوْضَةٌ مِنْ رِيَضْ الْجَنَّةِ)) وبَوَّب عليه رجاء
نوال المرء بالطاعة، روضةً من رياض الجنة إذا أتى بها بين القبر والمنبر.
(١) فى ج، فر: ((والكينة)) والمتبت فى المطبوعة. (٢) فى المطبوعة: ((أن لا يجد)) والمثبت.
فى : ج ، ز .

-- ١٣٥ -
ثم قال : حاصله أن الخطاب فى هذين الخبرين من باب إطلاق الُسبَّب على السَّب،
والمعنى: أن المُسلِمِ يُرْجَى له الجنة بتقرُّبه عند هذين الموضعين.
قال: وهو حديث: ((مِنْبَرِى عَلَى حَوْضِى)) لرجاء المرء نوالَ الشُّرب من الحوض،
بطاعته فى ذلك الموضع، وكحديث: ((عَائِدُالْمَرِيضِ فِى مَخْرَفَةِ الْجَنَّةِ))(١) وحديث: (( الْجَنَّةُ
تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ)) ونظار. كثيرة.
• أشار أبو حاتم إلى أن حجَّ المرء بامر أته، لتقضىَ فريضة حجها إذا لم يكن لها
محرَمَ غيره، أفضلُ من جهاد التَّطوُّع، وذكر حديث: اكتتبتُ فى غَزاة كذا ،
وخرجت امأتى حاجَّةً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اذْهَبْ فَحْتَّ بِامْرَأَنِكَ)).
• وأشار إلى أنه يستحبُّ للمُلسَّى عند التَّلبية إدخال الأصبعين فى الأذنين؛ لحديث :
((كَأَنَّمَا أَنْظُرُ(٢) إِلىَ مُوسى وَاضِعاً أُصْبَعَيْهِ فِى أُذُنَيْهِ ، لَهُ جُوَّارٌ إِلىَ اللهِ بِالتَّلْمِيَةِ».
١٢٥
محمد بن حسَّان بن محمد بن أحمد، أبو (٣) منصور الفقيه، القرشى
ابن الأستاذ أبى الوليد النَّيْسَابُورِىّ
قال الحاكم : كان من أفقه أصحاب أبيه الأستاذ أبى الوليد ، وكان يصوم صوم داوُد ،
قريبا من ثلاثين سنة، وسمع الحديث الكثير، وصنف كتابا فى ((الرد على كتاب الرياضة)).
سمع أبا العباس محمد بن إسحاق، وأبا العباس المَسَرْ جِىّ (٤)، والمؤُمَّل ◌ِن الحسن،
وغيرهم .
واستُشْهِد ، وذاك أنه كان منصرف من عيد الأضحى ، فرفستْه دابة فوقع فى بئر ،
(١) فى المطبوعة: ((عائد المزيد فى محرقة الجنة)) وهو خطأ صوابه من: ج، ز.
(٢) فى: ج، ز ((ينظر)) وأثبتنا ما فى المطبوعة. وهو يوافق رواية مسلم. (باب الإسراء،
من كتاب الإيمان) ١٥٢/١.
(٣) فى المطبوعة: ((ابن منصور)) وهو خطا صوابه من: ج ،
ز، والطبقات الوسطى. وفى ج: «محمد بن حسان بن فهد بن أحدين أحد» وهو خطأ صوابه فى المطبوعة،
ز، والطبقات الوسطى. وسترد ترجمة أبيه فى هذه الطبقة. (٤) فى ج، ز: ((اللرخى)) وهو خطأ صوابه
فى المطبوعة، والطبقات الوسطى، وانظر العبر ٢ / ١٥٥.

- ١٣٦ -
وحمل إلى منزله وغُشِىَ عليه، ثم تُوفِّىَ غداة يوم الأحد ، آخر أيام التشريق"، من سنة سبع
وستين وثلاثمائة ، ودفن بجنب أبيه .
كتب عنه الحاكم فى ((التاريخ)) .
١٢٦
محمد بن الحسن بن إبراهيم، الشيخ الإمام ، أبو عبد الله
الحَن الفارِسِىّ، ثم الإسْتِرَابَادِىّ(*)
أحد أئمة الأصحاب، وعُرِفٍ باَنَ، لأنه كان خَبَنَ(١) الإمامِ أبى بكر الإسْمَاعِيلِىّ
مولده سنة إحدى عشرة وثلاثمائة .
قال الحاكم: أحد أئمة الشافعيّن فى عصره، وكان مُقدَّما فى الأدب، ومعانى القرآن ،
والقراءات، ومن العلماء المُرِّزين فى النّظر والجدل.
سمع أبا نُعَيم عبد الملك بن محمد بن عَدِىّ، وأقرانه فى بلاده، وورد تَيْسابور سنة سبع
وثلاثين وثلاثمائة ، فأقام عندنا إلى آخر سنة تسع .
وسمع أكثر كتب مشايخنا، ثم دخل أصْبَهَان فسمع ((مُسنّد أبى داود)» من عبد الله
ابن جعفر، وسمع من سائر المشايخ بها.
ودخل العراق بعد الأربعين، وأكثر
وكان كثير السَّماع والرحلة .
قدم نيسابور سنة تسع وستين، وأقام مُدَّة، وانتفع الناس بعلومه، وحدَّث، وحضر
مجلس الأستاذ الإمام أبي سهل
قلتُ: وأكثر الروايةَ عن الأصمّ، وعبد الله بن فارس، وأبى بكر الشافعى، وأبى
القاسم الطََّرَانِى، ودَعْلَج، وغيرهم .
وله ((شرح» مشهور على ((تلخيص ان القاص).
(*) له ترجمة فى: تاريخ جرمات ٤٠٨، شذرات الذهب ١٢٠/٣، طبقات العبادى ١١١،
طبقات ان هداية الله ٣٣، المبر ٣٣/٣، الوافي بالوفيات ٢٠/ ٣٣٨، وفيات الأعيان ٣٤١/٣
(١) الحقن: الصهر، أو كل من كان من قبل المرأة، كالأب والأخ،

- ١٣٧ -
وذكر الحاكم أنه جرت بينه وبين الأستاذ أبى سهل مناظرة ، فأغلَظ له الأستاذ القولَ،
تخرج أبو عبد الله مُستوْحِشاً، فكتب إليه الأستاذ أبو سهل :
مَصُوْنَاً عن الأنْظَارِ يَجْلُبُها الغِلَطْ
أُعِيذُ الفقيهَ الْحرَّ مِنِ سَطْوةِ السَّخَطْ
ويعِبُ مِن لفظٍ يغورُ على اللََّطْ
تضايقَ حَتَّى لا يسوِّغُ لفظةً
وأسأله عنْوًا لِغَدِرَةِ السَّقَطُ(١)
أحاكمُه فيهِ إليه محكَّماً
فإنَّ سَدَادَ الرَّأَِّ يُلزِمُه النَّمَطْ
ومهما نَدا وجهُ الصوابِ حِفاظُه
عليهِ من الحَبْ اليسيرَ لِمَنْ لَقَطْ
ورائقُهُ بالْبُرِّ قد يحمِلُ السَّفَطْ (٣)
وطيِّى لمنْشورٍ وفاها بما شَرَطْ (٢)
وَشْرِىٍ لِمَطْوِىٍّ خلافُ إمامِنا
شددْتُ على باِى الفسادِ ولم أدعْ
على رَمَدٍ جاء القريضُ مُرمَّدًا
قال الحاكم: فأنشدنى أبو عبد الله جوابه عنها :
جفاء جَرَى جهْرً الدى النَّاسِ وَانْبَسَطْ
متى طالبَ الشيخُ الْفقيهُ بحقَهُ
سبيلى إذا ضايقته فى العلوم أن
وعُدْتُ أنادِيه التى خصَّنِى بها
فمِن أجلِها فى دارِهِ إذْ حضرتُها
فأىُّ ملامِ يلحقُ الحرَّ بعدَها
هجرتُ افتراضَ الشِّعْرِ لمَا انْقَضَى الصِّبَا
ولولاهُ لاَنْثَلَتْ قَوَافٍ مَلُّهَاَ
وعُذْرٌ أَتى سِرًّا فأكَّدَ مَا فَرَطْ
وضَيَّعَ حقًّا لِ عليه فقد قَسَطْ(٤)
يُضَا بِقَنى فيها ولا يركبَ الشَّطَطْ
فلا حاسبْ أحْصَى ولا كاتبْ ضَبَطْ
سطَا وَاعْتَدَى فى القولِ وَالْفَعلِ وَاحْتْلَطْ (٥)
إذا هُوَ مِن جيرانِهِ أبداً قَنَطْ
ولمَّا رأيتُ الشَّيْبَ فى عارِضِى وَخَطْ
صدورُ ذَوِى الآدابِ لا فارغُ السَّفَطْ (٦)
(١) فى المطبوعة: ((نبادرة السقط)) والمثبت من: ج، ز. (٢) فى المطبوعة: ((لما شرط)» والمثبت
من : ج، ز. (٣) فى المطبوعة: ((القط)) والتصويب من: ج، ز. والرمد: العبر بالرماد،
والقط: كالجوالق أو كالقفة. (٤) قط بار وعدل عن الحق. (٥) فى المطبوعة: ((واختلط)» والمثبت
من: ج، ز« واحتلط: حلف واج وغضب وأسرع فى الأمر. القاموس ( ح ل ط ).
(٦) فى المطبوعة: ((ولولاه لا جاكت فراق محلها)، وفى ى: (لأنالت جوافى محليا)» والمثبت هو
القراءة الصحيحة لما فى ج، وانثال: انصب، وانثال عليه القول: تتابع وكثر فلم يدر بأيه يبدأ . القاموس
(ت ول) .
ص

- ١٣٨ -
وقال حمزةُ الجرجاني: كان أبو عبد الله الخَن من الفقهاء (١) المذكورين فى عصره،
درَّس سفين كثيرة، وتخرَّج به عِدَّ من الفقهاء ، وكان له وَرَع ، وله أربعة أولاد ،
أبو بِشْرِ(٢) الفَضْل، وأبو النَّضْرِ (٣) مُبيد الله، وأبو عمرو عبد الرحمن؛ وأبو الحسن
عبد الواسع، وكان له إملاء من سنة سبع(1) وسبعين إلى أن تُوفى بخُرْجان يوم عيد
الأضحى(٥)، سنة ست. وثمانين وثلاثمائة. وهو ابن خمس وسبعين سنة .
﴿ومن الفوائد عنه)
١٢٧
(٦)
محمد بن الحسن بن دُرَيد بن عَتَاهية، الإمام أبو بكر
الأزْدِىّ ، البَصْرِىّ(*)
نزيل بغداد .
مولده سنة ثلاث وعشرين ومائتين(٧).
وتنقَّل فى جزائر البحر ، وفارس ، فى طلب اللغة ، والأدب ، وكان أبوه من رؤساء
زمانه ؛ وأما هو فكان رأسا فى العربية، وأشعار العرب(٨).
(١) فى تاريخ جرجان: (( من كبار الفقهاء)).
(٢) فى المطبوعة: ((أبو البشر)) والمثبت من: ج، ز ، تاريخ جرجان.
(٣) فى الأصول: ((أبو النصر)) والمثبت من تاريخ جرجان. (٤) فى تاريخ جرجان: «قسم».
(٥) فى تاريخ جرجات: ((توفى رحمه الله يوم عرفة)). (٦) بياض بالأصول.
(*) له ترجمة فى: إنباه الرواة ٣ / ٩٢، الأنساب لوحة ١٢٢٦، البداية والنهاية ١١ / ١٧٦،
تاريخ بغداد ٢ / ١٩٥، شذرات الذهب ٢ / ٢٨٩، طبقات القراء ٢ / ١١٦، الصبر ٢ / ٠١٨٧
لسان الميزان ٥ / ١٣٢، المزهر ٢ / ٤٦٥، معجم الأدباء ١٢٧/١٨، ٠مجم الشعراء ٤٢٥، ميزان
الاعتدال ٣ / ٥٢٠، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٤٢، نزهة الألبا ٣٢٢ الوافي بالوفيات ٢ / ٣٣٩،
وفيات الأعيان ٣ / ٠٤٤٨ (٧) بعد هذا فى الطبقات الوسطى زيادة: ((وتوفى فى شعبان ، سنة
إحدى وعشرين وثلاثمائة ، ودفن هو وأبو هاشم الجبائى معا، فى يوم واحد بمقبرة الخيزران، فقيل:
مات علم الكلام واللغة جميعا)). (٨) بعد هذا فى الطبقات الوسطى زيادة: «وله كتاب الجمهرة،
والأمالى ، وغيرهما)».

- ١٣٩ -
حدَّث عن أبى حاتم السَّجِسْتَانِىّ، وأبى الفضل العباس الرِّباشِىّ، وابن أخى
الأسْمَيِّ، وغيرهم.
روى عنه أبو سعيد السِّرَافِىّ، وأبو بكر بن شَاذَان، وأبو الفرج صاحب ((الأغانى))،
وأبو العباس إسماعيل بن مِيكال، وغيرهم.
قال أحمد بن يوسف الأزرق: ما رأيت أحفظَ من ابن دُرَيد، وما رأيته قُرِئَّ عليه
ديوان قطُّ، إلا وهو يسابق إلى روايته ؛ لحفظه له .
وعن أبى بكر الأسَدِىّ، قال: كان يقال: ابن دُرَيد أعلم الشعراء، وأشعر العلماء.
ولابن دُرَيد قصيدة طنَّانة، مدح بها الشافعى رضى الله عنه، أولها (١):
ذوائدُ عن وِرْدٌ الَّصابى رَوادِعُ(٢)
بُعْلَتَفِتَيْهِ المَشِيبِ مَطالعُ
دعاهُ الصِّبًا فاقتادَه وهْو طائعُ
تُصِرِّقَتْهُ طوعَ العِنَآَنِ ورُبَّمَا
فليس له من شيْبٍ قَوْدَيْهِ وازِعُ
وَمَنْ لم يَزَعْهِ لُبُّه وحياؤُ.
ومنها :
ضياء إذا ما أظلم الخطبُ صادعُ
لِأْىِ ابن إدريسَ ابن عمّ محمدٍ
سَمَاً منه نورٌ فى دُجُهنَّ ساطعُ
إذا المُعْضِلاتُ المشكلاتُ تشابهتْ
أبى اللهُ إِلا رَّفَه وعُلُوَّ
ومنها :
وليس لما يُعلِيه ذو المرش وَاضِعْ
وجادتْ عليه المُدْجِناتُ الهوامِعْ
سلامَ على قبرٍ تَضمَّن جسمَه
جليلٍ إذا التفَّتْ عليه المجامعُ (٣)
لقد غَیَبَتْ أ کفانه شخصَ ماجدٍ
وأما قصيدته التُّرَيْدية فقد سارت بها الرُّ كبان، مدح بها عبد الله بن محمد بن
مِيكال ، وابنه أبا العباس إسماعيل ، وأخاه .
قال الحاكم، فى ترجمة أبى العباس إسماعيل: سمعت أبامنصور الفقيه، يقول: كنت باليمن
سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، فبينا أنا ذات يوم أسير بمدينة عَدَن، إذ رأيت مُؤدِّبا يعلِّم
(١) القصيدة فى ديوانه ٠٧٧ (٢) فى الديوان: ((طوالع)). (٣) فى الديوان ٧٨ « لقد
غيبت أداؤه جسر ماجد)».

- ١٤٠ -
مُستأجراً (١) له مقصورة ابن دُرَيد، وقد بلغ ذكر الميكاليّة، فقال لى: يا خراسانىّ،
أبو العباس هذا له عندكم عَقِب؟ فقلت: هو بنفسه حىّ. فتعجب من هذا أشدَّ العجب،
وقال : أنا أُعلِّم هذه القصيدة منذ كذا سنة ..
﴿ الإقواء فى الشعر)
قال أبو سعيد السِّيرافيّ: حضرت مجلس أبى بكرين دُرَيد، ولم يكن يعرفنى قبل
ذلك، جلست، فأنشد أحد الحاضرين بَيْتَّيْن يُؤْزَبان لآدم عليه السلام:
فوجهُ الأرض مُغْبَةٌ قَبِيحُ
تغيَّرت البلادُ ومَن عليها
وقلَّ بشاشةُ الوجهِ المليح.
تَغَيَّ كُلُّ ذَى حُسْنٍ وطيبٍ
فقال ابن دُرَيد: هذا الشعر قد قيل قديما ، وجاء فيه الإقواء.
قال: فقلت: إن له وجها يُخرِجه عن الإقواء: نصبُ ((بشاشة)) وحذف التنوين
منها لالتقاء الساكنين، فيكون هذا التقدير نسكرة منتصبة على التمييز، ثم رفع («الوجه»
بإسناد ((قلّ)) إليه، فيصير اللفظ ((وقل بشاشةَ الوجهُ المليحُ)).
قال : فرفعنى حتى أقمدتى بجانبه(٣).
قلتُ: وحاصله إنكار الجرِّ، ودعوى نصب ((بشاشة)) على التمييز، وأن التنوين
حذف منه الضرورة، وأن ((الوجه)) مرفوع بالفاعلية، و(المليح)) على الصفة، وهذا
جيد ، لكن فيه دعاوى كثيرة ، وإذا كان الإقواء واقعا فى كلامهم، والرواية بالجر ، فلا
حاجة إلى هذا التكليف ، وقد جاء فى كلامهم(٤):
لا مرحباً بغدٍ ولا أهلاً بهِ إذْ كانِ تَرْحَالُ الْأحِبَّةِ فى غدٍ (٥)
(١) فى المطبوعة، والطبقات الوسطى: ((متأدبا)) والمثبت من: ج، ز :
(٢) روى أبو العلاء المعرى هذا البيت برواية أخرى فى رسالة الغفران ٢٨٣، هكذا
وأوْدَى رَبْعُ أهليها فبانوا
وغُودِر فى الثَرى الوجه المليحُ
وسيذكره المصنف. (٣) فى المطبوعة: ((بجنبه)) والمثبت من: ج، ز.(٤) البيتأن التابعة الذيانى،
وما فى ديوان ه٣٥ وفى الأغاني ٨/١١ بغير هذا الترتيب. (٥) فى الديوان: ((إذا كان تفريق الأحبة فى غد»
وفى الأغانى: ((إن كان )).