Indexed OCR Text
Pages 281-300
- ٢٨١ - ح: وأخبرنا أبو الفضل محمد بن إسماعيل بن عمر بن الحَمَوِىّ، قراءةً عليه وأنا أسمع، أخبرنا ابن البخارىّ ، أخبرنا ابن طَبَرْزَد. ح: وأخبرنا الوالد تغمده الله برحمته قراءةً عليه، أخبرنا أبو محمد الدّمياطِىّ الحافظ، أخبرنا يوسف بن خليل الحافظ، أخبرنا أبو القاسم الأُزَجِىّ(١)، أخبرنا أبو طالب اليُوسُفىّ، قال النيسابورىّ وابن طَبَرْزَد: أخبرنا القاضى أبو بكر محمد بن عبد الباقى الأنصارىّ قال: سمعت، وقال اليوسفىّ: قال النيابورىّ: أخبرنا أبو محمد الحسن بن على الجوهرىّ، سمعت أبا عبد الله الحسين بن محمد بن مُبيد العسكرىّ يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد ابن مَسروق يقول: سمعت حارثا المُحاسِىّ يقول: ثلاثة أشياء عزيزة أو معدومة: حسن الوجه مع الصيانة، وحمنُ الخُلُق مع الديانة، وحسنُ الإخاء مع الأمانة . • أخبرنا الحافظ أبو العباس بن المظفَر بقراءتى عليه، أخبرنا ابن السِّلْ، أخبرنا الأوقى، أخبرنا السِّلَفىّ، أخبرنى الشيخ أبو بكر أحمد بن على بن الحسين بن زكريا الصُّوفىّ، فيما قرأت عليه ، أخبرنا والدى أبو الحسن على بن الحسين العطُّرَ ينِينيّ الصوفيّ، حدثنا أبو سعد أحمد ابن محمد بن عبد الله بن حفص بن خليل الهروىّ المالينىّ، لفظا، أخبرنا أبو محمد عبد الله ابن محمد بن إسماعيل ابن بنت أبى حفص النَّانىّ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد المَاطِئ(٢)، أخبرنا محمد بن أحمد بن أبى شَيْخ، قال: قال لى أحمد بن الحسن الأنصارىّ: سألت الحارث المحاسبىّ عن العقل فقال: هو تور الغريزة مع التجارب ، يزيد ويَقوى بالعلم والحِلْم . قلت : هذا الذى قاله الحارث فى العقل قريب مما نقُل عنه، أنه غريز؟ يتأتَّى بها دَرْك العاوم . وسنتكلم عن ذلك . (١) فى المطبوعة: ((الأرجى)) بالراء المبلة، والتصويب من د، اللباب ٣٥/١، وهو بفتح الألف وانزاى وفى آخرها الجيم، نسبة إلى باب الأزج، وهى محلة كبيرة بغداد . (٢) بفتح المير واللام وفى آخرها لماء مبملة. هذه النسبة إلى مدينة ملطية. قال ابن الأثير: وكانت من تغور الروم ، وهى الآن فى بلاد الإسلام - اللباب ١٧٦/٣. - ٢٨٢ - ﴿ ومن كلمات الحارث والفوائد عنه) أصل الطاعة الورعُ، وأصل الورع التقوى، وأصل التقوى محاسبة النفس، وأصل محاسبة النفس الخوفُ والرجاء ، وأصل الخوف والرجاء معرفةُ الوعد والوعيد، وأصل معرفة الوعد والوعيد داا عظيم الجزاء(١) ، وأصل ذلك الفكرةُ والعبرةُ، وأصدق بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت الأنصارى رضى الله عنه : وما ◌َلتْ من ناقةٍ فوق كُورِها أعزَّ وأوفى ذمَّةً من محمدٍ (٢) قلت : وهذا حق . ونظير هذا البيت فى الصدق قول حسان أيضا : وَمَا فقد الماضونَ مثلَ محمدٍ ولا مثلُهُ حتى القيامةِ يُفقدُ (٢). وقوله صلى الله عليه وسلم: (( أَصْدَقُ كَلِمَةٍ)) قَلَهَا لَبِيدُ(٣): * ألا كلُّ شيء ما خلا اللهَ بَاطِلُ* ذاك أصدق كلمات لبيد نفسه ، فلا ينافى هذا . وقال الحارث : العلم يورث المخافةً ، والزهدُ يورث الراحة، والمعرفةُ تورث الإنابة ، وخيار هذه الأمة الذين لا تشغلهم آخرتُهم عن دنياهم، ولا دنياهم عن آخرتهم، ومن حسُفت معاملته فى ظاهره مع جُهد باطنه ورَّثْه الله الهداية إليه؛ لقوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِيْنَاَ لَنَهْدِ يَنَّهُمْ سُبُلَنَ ةٍ إِنَّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾(٤). وقال: حُسْنِ الخُلُق احتمالُ الأذى ، وقلّة الغضب، وبسط الرحمة ، وطيب الكلام. ولكلّ شىء جوهر، وجوهر الإنسان العقل ، وجوهر العقل الصبر، والعمل بحركات القلوب فى مطالعات الغيوب أشرف من العمل بحركات الجوارح. (١) فى حلية الأولياء ٧٦/١٠: ((ومعرفة أصل معرفة الوعد والوعيد عظم الجزاء )) (٢) البيت الأول ليس فى ديوان حسان المطبوع. والبيت الثانى فى ديوانه ٨٥، وينسب أيضاً إلى أنس بن زنيم، وإلى سارية ابن زنيم أيضا. انظر الإصابة ٥٢/٣٠،٧٠/١. (٣) ديوانه ٠٢٥٦ وعجزه: * وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائل (٤) الآية الأخيرة من سورة العنكبوت .. - ٢٨٣ - وقال: إذا أنت لم تسمع نداء الله فكيف نجيب دعاه(١)! ومن استغنى بشىء دون الله جَهِل قَدْرَ الله، والظالم نادم وإن مدحه الناس، والمظلوم سالم وإن ذمَّه الناس، والقانع غنىّ وإن جاع ، والحريص فقير وإن ملك، ومن لم يشكر الله تعالى على النّمة فقد استدعى زوالها . • قال إمام الحرمين فى ((البرهان)» عند الكلام فى تعريف العقل: وما حوّم عليه أحدٌ من علمائنا غير الحارث المُحاسِىّ؛ فإنه قال: العقل غريزة يتأتى بها دَرْك العلوم، وليست منها . انتهى . وقد ارتضى الإمام كلام الحارث هذا، كما ترى، وقال عَقيبه: إنه صفة إذا ثبتت يتأنى بها التوصلُ إلى العلوم النظرية، ومقدِّماتِها من الضروريات التى هى من مستند النظريات . انتهى . وهو منه بناء على أن العقل ليس بعلم. والمعزو إلى الشيخ أبى الحسن الأشعرىّ: أنه العلم. وقال القاضى أبو بكر : إنه بعض العلوم الضرورية . والإمام حكى فى ((الشامل)) مقالة الحارث هذه التى استحسنها [هنا](٢)، وقال: إنا لا ترضاها ، ونتَّم فيها النَّقَلة عنه. ثم قال: ولو صح النقل عنه فمعناه أن العقل ليس بمعرفة الله تعالى، وهو إذا أطلق المعرفة أراد بها معرفة الله، فكأنه قال: ليس العقل بنفسه بمعرفة الله تعالى، ولكنه غريزة، وعنى بالغريزة أنه عالم لأمرٍ جَبَل الله عليه العاقل، ويُتوصَّل به إلى معرفة الله. انتهى كلامه فى ((الشامل)). والمنقول عن الحارث ثابت عنه. وقد نص عليه فى كتاب ((الرعاية))، وكأن إمام الحرمين نظر كلام الحارث بعد ذلك ، ثم لاحت له صحّه بعد ما كان لا يرضاه . واعلم أنه ليس فى ارتضاء مذهب الحارث واعتقاده ما ينتقد، ولا يلزمه قولٌ بالطبائع، ولا شىء من مقالات الفلاسفة كما ظنه بعض شرّاح كتاب ((البرهان)». وقد قررنا هذا (١) فى طبقات الصوفية ٦٠ : داعى الله. (٢) من : د. - ٢٨٤ - فى غير هذا الموضع. وقول إمام الحرمين: ((إنه أراد معرفة الله)) ممنوع، فقد قدّمنا عن الحارث بالإسناد قوله: ( إنه نور الغريزة، يقوى ويزيد بالتقوى). نعم، الحارث لا يريد بكونه نورا ما تدعيه الفلاسفة . ٦٦ داود بن على بن خلف أبو سليمان البغدادىّ الأصبهانيّ* إمام أهل الظاهر. ولد سنة مائتين ، وقيل سنة اثنتين ومائتين . وكان أحد أئمة المسلمين وهداتهم . وله فى فضائل الشافعى رحمه الله مصنفات سمع سليمان بن حَرب، والْفَعْنِىّ، وعمرو بن مرزوق، ومحمد بن كثير العَبْدِىّ، ومُسَدَّدًا، وأبا ثور الفقيه، وإسحاق بن راهويه؛ رحل إليه إلى نيسابور ، فسمع منه المسند والتفسير ، وجالس الأمة، وصنف الكتب .. قال أبو بكر الخطيب : كان إماما ورعا ناسكا زاهدا ، وفى كتبه حديث كثير، لكن الرواية عنه عزيزة جدًّا. روى عنه ابنه محمد، وزكريا السَّاجِىّ، ويوسف بن يعقوب الدَّارُدِىّ(١) الفقيه، وعباس بن أحمد المذكِّر(٣) وغيرهم. وقال أبو إسحاق الشِّرازِىّ. ولد سنة اثنتين ومائتين(٣) وأخذ العلم عن إسحاق * له ترجمة فى: أنساب المعانى ١٣٧٧، تاريخ بغداد ٣٦٩/٨، تذكرة الحفاظ ١٣٦/٢، الجواهر المضية فى طبقات الحنفية ٤١٩/٢، ذكر أخبار أصبهان ٣١٢/١، شذرات الذهب ١٥٨/٢، أطبقات الشيرازى ٧٦، العبر ٤٥/٢، الفهرست لابن النديم ٣٠٣، لسان الميزان ٤٢٢/٢، ميزان الاعتدال ٣٢١/١، وفيات الأعيان ٢٦/٢ (١٠) فى المطبوعة: ((الداوردى)) والمثبت من: د، تاريخ بغداد ٣٧٠/٨. (٢) فى المطبوعة: ((المذكور)»، والمثبت من: د، والطبقات الوسطى، وتاريخ بغداد ٢٠/٨ (٣) بعده فى طبقات الشيرازى: ومات سنة تعين ومائتين. - ٢٨٥ - وأبى ثور ، وكان زاهدا متقالا، وقال أبو العباس ثَعلب : كان داود عقلُه أ کثر من علمه . قال الشيخ أبو إسحاق: وقيل: كان فى مجلسه أربعمائة صاحب طَيْلَان أخضر ، وكان من التعصِّبين الشافعى. صنّف كتابين فى فضائله والثناء عليه. وقال أبو إسحاق : وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد . وأصله من أصفهان، ومولده بالكوفة، ومنشأه ببغداد وقبره بها(١). وقال أبو عمرو أحمد بن المبارك المُستَمْلِى(٢): رأيت داود بن علىّ يردّ على إسحاق ابن رائهمويه، وما رأيت أحدا قبله ولا بعده يردّ عليه ؛ هيبةً له . وقال عمر بن محمد بن بحير (٣): سمعت داود بن على يقول: دخلت على إسحاق بن راهُويه وهو يحتجم، فجلست فرأيت كتاب(٤) الشافعىّ، فأخذت أنظر، فصاح: إيش تنظر؟ فقلت: ﴿مَعَذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَعَناَ عِنْدَهُ﴾(٥) جمل يضحك ويتبسَّم . • وقال سعيد البَرْدعِىّ: كنا عند أبى زُرْعة، فاختلف رجلان فى أمر داود والمُزّنىّ. والرجلان فَضْلَك الرازىّ وابن خِراش. فقال ابن خِراش: داود كافر، وقال فَضْلَك: المزنىّ جاهل. فأقبل عليهما أبو زُرْعة فوبّخهما وقال: ما واحدٌ منكما له بصاحب ! ثم قال: نرى داود هذا لو اقتصر على ما يقتصر عليه أهل العلم، لظنفتُ أنه يكمِد أهل البدع بما عنده من البيان والأدلة، ولكنه تعدّى. لقد قدم علينا من نيسابور فكتب إلىّ محمد بن رافع ، (١) فى طبقات الشيرازي: ((وقبره فى الشونيزية)). (٢) بضم الميم وسكون السين وفتح التاء ثالث الحروف وسكون اليم ، وفى آخرها لام .. ويقال هذا لمن يستصلى على العلماء. الباب ١٣٦/٢. (٢) فى د: (بحر»، وفى الطبقات الوسطى: ((بجير)) بالجيم. والمثبت فى المطبوعة. (٤) فى المطبوعة والطبقات الوسطى ((كتب)) وأثبتنا ما فى: د والنسخة رقم ١٦٣ تاريخ، بدار (٥) سورة يوسف ٧٥ . الكتب المصرية من الطبقات الكبرى . - ٢٨٦ - ومحمد بن يحيى ، وعمرو بن زرارة، وحسين بن منصور، ومَشْيخة نيسابور بما أحدث هناك ، فكتمت ذلك لما خِفت من عواقبه ، ولم أبد له شيئاً، فقدم بغداد، وكان بينه وبين صالح بن أحمد حسنٌ(١)، فكلّم صالحا أن يتلطف له فى الاستئذان على أبيه ، فأبى وقال: سألنى رجل أن يأتيَك ، قال: ما اسمه؟ قال : داود ، قال ابن مَن ؟ قال : هو من أهل أصبهان، وكان صالح يروغ عن تعريفه، فما زال أبوه يفحَص حتى فطِن به ، فقال : هذا قد كتب إلىّ محمد بن يحيى فى أمره أنه زعم أن القرآن محدث فلا يقرَ بّى، قال: إنه يُنْتفى من هذا ويُنكره ، قال : محمد بن يحيى أصدق منه ، لا تأذن له . قال الخلال: أخبرنا الحسين بن عبد الله قال: سألت الَرُوَزِىّ عن قصة داود الأصبهانيّ، وما أنكر عليه أبو عبد الله، فقال: كان داود خرج إلى خُراسان إلى ابن راهُويه ، فتكلم بكلام شهد عليه أبو نصر بن عبد المجيد وآخر؛ شهدا عليه أنه قال: إن القرآن محدَث ، فقال لى أبو عبد الله بن داود بن على: لا فرّج الله عنه . قلت : هذا من غلمان أبى ثور، قال: جاءنى كتاب محمد بن يحنى النيسابورىّ أن داود الأصبهانيّ قال ببلدنا : إن القرآن محدّث . قال المروزِىّ: حدثنى محمد بن إبراهيم النَّسابورىّ أنَ إسحاق بن راهويه لما سمع كلام داود فى بيته، وتب عليه إسحاق فضربه، وأنكر عليه . قال الخلال: سمعت أحمد بن محمد بن صَدَقة، سمعت محمد بن الحسين بن صَلِيحٌ سمعت داود الأصبهانيّ يقول: القرآن محدّث، ولفظى بالقرآن مخلوق. أخبرنا سعيد بن أبى مُسلم، سمعت محمد بن عَبْدة يقول: دخلت إلى داود ، فغضب علىَّ أحمد بن حنبل، فدخلت عليه فلم يكلمنى ، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، إنه ردّ عليه مسألة! قال : وما هى ؟ ● قال قال: اختفى إذامات مَن يغسّله؟ فقال داود: يغسّله الخدم، فقال محمد بن عبدة: (٢) أنظر المشتبه ... (١) فى المطبوعة ((وحشة)) وأنبتنا ما هى: د، والنسخة ١٦٣. - ٢٨٧ - الجدم رجال! ولكن يُيَمَّم ، فتبسم أحمد وقال: أصاب [ أصاب](١) ما أجود ما أجابه! قلت : ليس فى جواب داود فى مسألة الخنثى ما هو بالغ فى النُّكرة! وفى مذهبنا وجه أنه بُيَّم ، وآخر أنه يُشترى من تر كته جارية لتغسّلَه، والصحيح أنه يُفسّله الرجال والنساء جميعا؛ للضرورة واستصحابا لحكم الصِّغَر. فقول داود: ((يغسّله الخدم)) ليس ببعيد فى القياس أن يذهب إليه ذاهب، ولا واصل إلى أن يجعل مما يُضحك منه ! وقد كان داود موصوفا بالدين المتين. قال القاضى المحامِلِىّ: رأيت داود بن على يصلى، فما رأيت مسلما يشبهه فى حسن تواضعه . قال ابن كامل : توفى داود فى رمضان سنة سبعين ومائتين . ﴿ ذكر شىء من الرواية عنه) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إذنا خاصا، أنبأنا ابن سلامة، عن اللَّبَّان، عن الشِّرُوبِىّ(٢)، أخبرنا عبد الكريم بن محمد أبو نصر الشِّيرازِىّ، قراءةً عليه، أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد ابن ◌َمْكُويه المفسّر الرُّويانِيّ بَآَمُل ، أخبرنا والدى، أخبرنا أبو تُراب على بن عبد الله بن القاسم البصرىّ بالدِّينَوَر، حدثنا داود بن على بن خلف البغدادىّ المعروف بالأصبهانيّ، حدثنا أبو خَيْثَمة، حدثنا بِشر بن السَِّرِىّ، حدثنا حمَّد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن ابن أبى ليلى ، عن صُبَيَب، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَ كُمُوهُ. فَيَقُولُونَ : أَمْ تَثْقُلْ مَوَازِينُنَ؟ ... )) الحديث. • قلت: كذا أورد شيخنا الذهبىّ بعض الحديث على عادته فى كثير من الأوقات. وأنا لا أحب ذلك . (١) من: د، والنسخة ١٦٣. (٢) فى المطبوعة ((السروى) وفى د: ((الشروى))، وفى النسخة ١٦٣: ((الشيروى)) ولعل ما أثبتناه أقرب لما فى اللباب ٤١/٢، وهو بكسر الشين وسكون الياء آخر الحروف وضم الراء وسكون الواو ، وفى آخرها ياء أخرى، نسبة إلى شيروبه. - ٢٨٨ - وعندى أنه لا يجوز روايته بكاله، وإنما يُروى منه ما صرّح به ، فلهذا اتبعته، واقتصرت على القَدْر الذى ذكره منه . ولو قال لى علقمة: حدثنى عمر بن الخطاب بحديث (( إِنََّ الْأَعْمَالُ بِالنَّاتِ)) لما قلت إلا: قال لى عَلقمة حدثنى عمر بحديث «إِنََّ الْأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ» ولم أَقل: قال لى عَلْمة: حدثنى عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( إِنََّاَ الْأَعْمَالُ بِالنَّيَّاتِ وَ إِنَّمَ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِبِبُهَا أَوِ امْرَ أَةٍ أَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَا جَزَ إِلَيْهِ)) ولو قلت ذلك لكنت كاذبا على عَلْقمة؛ فإنه لم يقل لى ذلك، بل لو قلت: إن علقمة حدثنى بحديث ((إِنَّا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) والحالة هذه الكذِبت عليه، فإنه لم يحدثنى به. فأفهم واحترز وراقب قوله صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَمَّدًا فَلْيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). فإن قلتَ: قد نقل الخطيب أن أبا بكر الإسماعيلىّ سئل عمّن قرأ إسناد الحديث على الشيخ ثم قال: وذكر الحديث، هل يجوز أن يحدِّث بجميعه؟ فقال: أرجو أن يجوز. وذكر قريبا منه عن أبى على الرَّجَّاجِىّ الطَّبِرىّ. قلت: أفتى الأستاذ أبو إسحاق فى ((المسائل الحديثية)) التى سأله عنها الحافظ أبو سعدابن(١) عَلِيَّك بأن هذا لا يجوز. وهذا هو الأرجح عندى ﴿ومن حديث داود) ما رواه أبوبكر محمد ابنه عنه قال: حدثنى سُوَيد بن سعيد، قال: حدثنى على بن مُسْهِر عن أبى يحبى القَتّات(٢) عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ عَشِقَ فَتَّ فَكَتَمَ فَمَتَ فَهُوَ شَهِيدٌ)). قال الحاكم أبو عبد الله: أنا أتعجّب من هذا الحديث! فإنه لم يحدِّث به عن سُوَيد ابن سعيد ثقةٌ! وداود وابنه ثقتان. (١) فى المطبوعة: ((أبو سعدان عليك)) وأنبتا ما فى: د، والنسخة ١٦٣. وانظر المشتبه ٤٦٩ (٢) انظر المشتبه ٠١٩ . - ٢٨٩ - ومن حديث داود أيضاً ((مَنْ آذَى ذِمِّياً فَأَنَا خَصْمُهُ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رواه الخطيب فى ترجمة داود ، والحمل فيه على الراوى عنه العباس بن أحمد بن المُذُكِّ(١). ﴿ذكر اختلاف العلماء فى أن داود وأصحابه هل يُعْتَدُّ بخلافهم فى الفروع) الذى تحصّل لى فيه من كلام العلماء ثلاثة أقوال : أحدها : اعتباره مطلقا ، وهو ما ذكر الأستاذ أبو منصور البغدادىّ أنه الفحيح من مذهبنا . وقال ابن الصلاح: إنه الذى استقر عليه الأمر آخِرا . والثانى: عدم اعتباره مطلقا، وهو رأى الأستاذ أبى إسحاق الإسفراينيّ، ونقله عن الجمهور ، حيث قال: قال الجمهور: إنهم - يعنى نُفَاة القياس - لا يبلغون رتبة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء، وإن ابن أبى هريرة وغيره من الشافعيّين لا يعتدُّون بخلافهم فى الفروع. وهذا هو اختيار إمام الحرمين ، وعَزاه إلى أهل التحقيق ، فقال : والمحققون من علماء الشريعة(٣) لا يقيمون لأهل الظاهر وزنا. وقال فى كتاب ((أدب القضاء)) من ((النهاية)»: كل مَسلك يختصّ به أصحاب الظاهر عن القياسيّن فالحكم بحُسنه مُنصوص(٣). قال: وبحقّ قال حَبر الأصول القاضى أبو بكر: إنى لا أعدّهم من علماء الأمة، ولا أیالی بخلافهم ولا وفاقهم . وقال فى باب ((قطع اليد والرجل)) فى ((السرقة)): كرّرنا فى مواضع فى الأصول والفروع أن أصحاب الظاهر ليسوامن علماء الشريعة، وإنما هم نقلة إن ظهرت الثقة. انتهى. (١) بعد هذا فى تاريخ بغداد ٣٧٠/٨ زيادة: ((فإنه غير ثقة)). (٢) فى المطبوعة ((الشافعية)) والمثبت من: د، والنسخة ١٦٣. (٣) فى المطبوعة ((فالحكم تحبه منقوض)) والمثبت من: د، والنسخة ١٦٣. (٢/١٩ - طبقات) ٢ - ٢٩٠ - والثالث: أن قولهم معتّبَر إلا فيما خالف القياسَ الجلىّ. قلت : وهو رأى الشيخ أبى عمرو بن الصلاح. وسماعى من الشيخ الإمام الوالد رحمه الله، أن الذى صحّ عنده عن داود أنه لا يفكر القياس الجلىّ، وإن نَقَل إنكاره عنه ناقلون، قال: وإنما يُنكِرِ الخفيَّ فقط. قال: ومفكر القياس مطلقا؛ جلّه وخفيّه، طائفة من أصحابه؛ زعيمهم ابن حزم قلت: ووقفت لداود رحمه الله على رسالة، أرسلها إلى أبى الوليد موسى بن أبى الجارود ، طويلةٍ ، دلّت على عظيم معرفته بالجدّل ، وكثرة صناعته فى المناظرة ، وقصدى من ذكرها الآن، أن مضمونها الرد على أبى إسماعيل الزّنى رحمه الله، فى ردّه على داود إنكار القياس، وشنّع فيه على الزنىّ كثيراً ، ولم أجد فى هذا الكتاب فظة تدل على أنه يقول بشىءمن القياس، بل ظاهر كلامه إنكاره جملة ، وإن لم يصرّح بذلك؛ وهذه الرسالة التى عندى أصل صحيح قديم ، أعتقده كتب فى حدود سنة ثلاثمائة أو قبلها بكثير، ثم وقفت لداود رحمه الله على أوراق يسيرة، سماها ( الأصول)) نقلت منها ما نصه: والحكم بالقياس لا يجب، والقول بالاستحسان لا يجوز ، انتهى .. ثم قال: ولا يجوز أن يحرِّم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيحرِّم محرِّمْ غيرَ ماحرّم؛ لأنه يشبهه، إلا أن يوقفنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم على علّة من أجلها وقع التحريم ، مثل أن يقول: حرِّمت الحنطة بالخبطة؛ لأنها مَكِيلة، واغسِلْ هذا الثوب؛ لأن فيه دماً، أو اقتل هذا؛ إنه أسود، يُعلم بهذا أن الذى أوجب الحكم من أجله هو ما وقف عليه، وما لم يكن ذلك فالبعيد واقع بظاهر(١) التوقيف، وما جاوز ذلك فسكوت عنه داخلٌ في باب ما عُفى عنه . انتهى . فكأنه لا يسمّى منصوص العلّة قياساً، وهذا يؤيد منقول الشيخ الإمام ، وهو قريب من نقل الآمِدىّ . فالذى أراء الاعتبار بخلاف داود ووٍفاقه. نعم للظاهرية مسائلُ لا يُعتدّ بخلافه فيها ؛ لا من حيث إن داود غيرُ أهل للنظر، بل خرِقهِ فيها إجماعا تقدَّمه، وعذره أنه لم يبلغه ؛ (١) فى المطبوعة: «ظاهر» والمثبت من: د، والنسخة ١٦٣ - ٢٩١ - [أو](١) دليلا واضحا جدا، وذلك كقوله فى التفوّط فى الماء الراكد، وقوله: لا ربا إلا فى الستة المنصوص عليها. وغير ذلك من مسائل وجَّهت سِهامَ الملام إليهم ، وأفاضت سبيل الإزراء عليهم . ووقع فى كلام القاضى الحسين شىء موهم، نقله عنه ابن الرّفعة فى ((الكفاية)) بعبارة تزيد إيباما، ففهمه الطّلَبة عن ابن الرِّفعة فهما يزيد على مدلوله، فصار غلطا على غلط؛ وذلك أن ابن الرِّفعة ذكر فى (( الكفاية)) فى باب ((صلاة المسافر)» بعد ما حكمى أن إمام الحرمين ذكر أن المحقّقين لا تقيم لمذهب أهل الظاهر وزنا، ما نصه: وفيه نظر ؛ فإن التامى الحدين نقل عن الشافعىّ أنه قال فى الكتابة: ((وإنى لا أمتنع عن كتابة عبدٍ جمع القوّة والأمانة)) وإنما استحبّه للخروج من الخلاف، فإن داود أوجب كتابة من جمع القوّة على الكسب والأمانة من العبيد، وداود من أهل الظاهر، وقد أقام الشافعيّ لخلافه وزنا ، واستحب كتابة مَن ذكره لأجل خلافه ، انتهى . ففهم الطلبة منه أن هذه الجملة كلها من نص الشافعى ، من قوله: ((قال فى الكتابة)) إلى قوله: ((من العبيد)) وقرءوا ((إنما أستحِب للخروج)) بفتح الهمزة وكسر الحاء ، فعل مضارع للمخاطب ، وليست هذه العبارة فى النص ، ولا يمكن ذلك ؛ فإن داود بعد الشافعی ! ورأيت بخط الشيخ الوالد رحمه الله على حاشية (( الكفاية)) عند قوله ((والأمانة)) قبيل قوله (( وإنما استحب)) ما نصه: هنا انتهى كلام الشافعى، وإنما استحبّه القاضى الحسين، وهو بفتح الحاء فى ((استحب))، ولا يحسُّن أن يراد بالخلاف خلافُ داود ؟ فإن داود بعد الشافعىّ، ولعل مُراد القاضى الخلافُ الذى داود موافق له، فلا يلزم أن يكون الشافعىّ أقام خلاف داود وحده وزنا. انتهى كلام الوالد. وأقول: من قوله ((قال فى الكتابة)) [إلى](٣) ((والأمانة)) هو النعى كما نبّه عليه (١) من: د، والنسخة ١٦٣. ولعل المعنى: أو لم يبلغه، حال كونه دليلا واضحا جداً .. (٢) ساقط من: د، والنسخة ٠ ١٦٣،، - ٢٩٢ - الشيخ الإمام؛ ومن قوله (( وإنما استحب)) إلى قوله ((من العبيد)) هو كلام القاضى حسين، وهو بفتح حاء استحب، كما نبّه عليه الوالد . ولا شك أنه توهّم أن الشافعىّ راعى خلاف داود ، فأجاب الشيخ الإمام عنه بأنه راعى الخلافَ الذى داود موافق له ، لا أنه نظر فی خصوص ذلك ؛ لعدم إمکان ذلك ، فإن داود متأخّر عنه ، ومن قوله (( وداود » إلى قوله ((لأجل خلافه)) هو كلام ابن الرِّفعة، ذكره كما نرى ردًّا على الإمام فى نقله أن المحقّقِّين لا يقيمون له(١) وزنا، فنُقُض عليه بأن إمام المحقّقّين، وهو الشافعىّ أقام تداود وزنا ، حيث اعتبر خلافه، وأثبت لأجله حكما شرعيا، وهو استحباب الكتابة ؛ وهو أشد إيهاما، إذ يكاد يصرّح بأن الشافعىّ نظر خلاف داود بخصوصه! ولابن الرِّفعة عذر، وعن كلامه جواب، كلاهما نبه عليه الشيخ الإمام فى هذه الحاشية . أمّا عذره فإن مراده الخلاف الذى داود موافِقٍ له، فصحّت نسبته لداود بهذا الاعتبار . وأما جوابه فإنه لا يكون قد اعتبر مذهب داود الخصوصه، بل إنما اعتبر مذهباً داودُ موافق له ، والله أعلم . • وعلى هذا الحمل(٢) قول ابن الرِّفعة فى ((المطلب)) فى ((الْمُصَرّاة)»: قال داود بإثبات الخيار فى الإبل والغنم ؛ لأجل الخبر ، ولم يثبته فى البقر، لعدم ورود النص فيها . ومخالفته هى التى أحوجت الشافعى ... إلى آخر ما ذكره، فالمراد به مخالفة المذهب الذى ذهب إليه داود . ونظيره قول الإمام فى ((النهاية)) فى كتاب ((اختلاف الحكام والشهادات)): لا يجب الإشهاد إلا على عقد النكاح ، وفى الرّجعة قولان، وأوجب داود الإشهاد، واستدل عليه الشافعىّ بأن قال: الله تعالى أثبت الإشهاد، إلى آخر ما ذكره. وقد يوم أن الشافعى (١) فى: د، والنخة ١٦٣: ((لهم)) وأنبتنا ما فى المطبوعة. (٢) فى المطبوعة: «يحمل)) والمثبت من: د، والنسخة: ١٦٢ - ٢٩٣ - احتج على داود نفسه ، وليس كذلك ، بل معناه أنه احتج على المذهب الذى ذهب إليه داود، وإلا فإمام الحرمين لا يخفى عليه تأخّرُ داود عن عصر الشافعى"، وقد قال فى ((النهاية)) فى ((الظِّار)) فى باب (( ما يُجزىء من العيون فى الرِّقاب)) بعد ما حكى أن داود قال: ◌ُجزىء كلّ رقبة: وقد قال الشافعىّ: لم أعلم أن أحدا ممن مضى من أهل العلم ، ولا ذُكرلى، ولا بقى أحد إلا يقسِّم العيوب؛ يعنى إلى مجزىء وغير مجزىء . قال إمام الحرمين: وهذا داود نشأ بعده، وعندى أنه لو عاصره لما عدَّه من العلماء. انتهى. ﴿ومن مسائل داود التى خرّجها على أصولنا) قال أبو عاصم العبّادىّ: مِن اختيار أبى سليمان أنه إذا قال رجل لامر أتين : إذا ولدتما ولدا فعبدى حر ، يجب أن تلد كل واحدة منهما ولدا ، وهو اختيار بعض أصحابنا . واختيار المزنىّ: أيّهما وَلْدت ◌َتْقَ . واختيار غيره أنه محال . قلت : قول المزنىّ غريب. · قال أبو عاصم: ومِن اختياره أن الجمعة تصلَّى فى مساجد العشائر، كقول أبى نَور. ٦٧ سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدّاد بن عمرو بن عمران الإمام الجليل أبو داود السُّجستانىّ الأزدىّ صاحب السُّن* من سِجِسْتان ، الإقليم المعروف المتاخم لبلاد الهند ، ووَهَم ابن خَلِّكان فقال: سِجِسْتان قرية من قرى البصرة(١). * له ترجمة فى: البداية والنهاية ٥٤/١١، تاريخ بغداد ٥٥/٩، تذكرة الحفاظ ١٥٢/٢، تهذيب التهذيب ١٦٩/٤، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ٣١٦/١، شذرات الذهب ١٦٧/٢، طبقات الحنابلة ١٥٩/١، العبر ٥٤/٢، وفيات الأعيان ١٣٨/٢. (١) إنما قال ابن خلكان: ((والجتانى - بكر الب المهملة والجيم وسكون الين الثانية وفتح التاء المثناة من فوقها، وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى سجستان، الإقليم المشهور . وقيل : بل نسبته إلى سجتان أو جانة قرية من قرى البصرة، والله أعلم)). انظر وفيات الأعيان ١٤٠/١ - ٢٩٤ - ولد سنة ثنتين ومائتين . سمع من سَعْدُويه؛ وعاصم بن على، والقَّعْنَبِىّ، وسليمان بن حَرِب، ومسلم بن إبراهيم وعبد الله بن رجاء، وأبى الوليد، وأبى سَلَمة التَّبُوذَ كِىّ، والحسن بن الرَّبيع البُورانِيّ(١)، وأحمد بن يونسُ اليَرْبُوعِىّ(٢)، وصفوان بن صالح، وهشام بن محَمّر، وقتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، وأبى جعفر النَّفَيْلِىّ، وأحمد بن أبى شعيب،! ويزيد بن عبد ربِّه، وخلْقٍ بالحجاز والعراق وخُراسان والشام ومصر والثغور . روى عنه الثَّرْمِذِىّ، والنَّسائي، وابنه أبو بكر بن أبى داود ، وأبو على اللَّوَّلُوْىّ، وأبو بكر بن داسة، وأبو سعيد بن الأعرابيّ، وعلىّ بن الحسن بن العبد، وأبو أسامة محمد بن عبد الملك الرَّوّاس(٣)، وأبو سالم محمد بن سعيد اُلْجُلُودِىّ، وأبو عمرو أحمد بن على، وهؤلاء السبعة روّوا عنه سننه، ولا بن الأعرابى فيه فَوت. وأبو عوانة الإِسفراينىّ الحافظ، وأبو بكر الخلال، وأبو بشر الثّلابىّ، ومحمد بن ◌َخْلد، وعبدان الأُهْوازى، وزكريا الساخى، وإسماعيل الصَّفَّار، ومحمد بن يحيى الصُّولىّ، وأبو بكر النَّجّاد ، وخلق . وكتب عنه الإمام أحمد حديث ((العَتِيرة)) (٤)، وأحمد شيخه، ويقال إنه عرض عليه كتاب (( السُّن)) فاستحسنه. (١) بالباء الموحدة والراء المهملة والنون بعد الألف، هذه النسبة إلى عمل البوارى التى تبسط ويجلس عليها. ويقال بالعراق: البورأبى أيضا. اللباب ١٥٠/١. ويقال فيه أيضا: البوارى. النظر المشتبه ٩٩ ، القاموس ( ب ورو ) . (٢) بفتح الياء وسكون الراء وضم الباء الموحدة وسكون الواو، وفى آخرها عين مؤملة ، نسبة إلى يربوع بن مالك، بطن كبير من ميم اللباب ٣٠٦/٣. (٣) بفتح الراء وتشديد الواو وفى آخرها سين مهملة. هذه النسبة إلى بيع الرءوس المطبوخة. اللباب ٤٥١/١، ٠٤٧٨ (٤) فى المطبوعة: ((العشيرة)) وهو خطأ، صوابه من: د.، والنسخة ١٦٣، تاريخ بغداد والبداية والنهاية . والعتيرة: شأة كانوا يذبحونها فى رجب لآلهتهم، وهى أول ما ينتج. النان (عند). - ٢٩٥ - قال أبو بكر الصَّغانىّ : ألين لأبى داود الحديثُ كما أُلين لداود عليه السلام الحديد ، كذلك قال إبراهيم الحربيّ. وقال موسى بن هارون الحافظ : خُلق أبو داود فى الدنيا للحديث ، وفى الآخرة للجنة ، ما رأيت أفضل منه . وقال أبو بكر بن داسَة : سمعت أبا داود يقول : كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمَمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته كتاب ((السنن))، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة [ألف](١) حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهمن شديد بيّنته . قال شيخنا الذهبىّ رحمه الله تعالى: وقد وفّى بذلك؛ فإنه بيّن الضعف الظاهر، وسكت عن الضعف المحتمل، فما سكت [ عنه](١) لا يكون حسنا عنده ولا بُدّ، بل قد يكون ممّا فيه ضعف . انتهى . وقال زكريا الساحىّ: كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب أبى داود عهد الإسلام. وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروىّ فى ((تاريخ هَراة)): أبو داود السُّجِسْتانى(٢). كان أحد حُفّاظ الإسلام لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعِلله وسنده ، فى أعلا درجة النُّمُك والعفاف والصلاح والورع ، من فرسان الحديث . وقال الحاكم أبو يعبد الله : أبو داود إمام أهل الحديث فى عصره بلا مُدافعة. وقال أبو بكر الخلال: أبو داود الإمام المقدَّم فى زمانه، لم يُسبق إلى معرفته بتخريج العلوم، وَبَصَرِهِ بمواضعه ، رجلٌ ورِعٌ مقدّم . وقال الخطَّابىّ: حدّثنى عبد الله بن محمد المِسْكِىّ(٣)، حدثنى أبو بكر بن جابر، خادم أبى (١) من : د، والنسخة ١٦٣ (٢) كذا فى المطبوعة ، وفى : د ، والنسخة ١٦٣ : ((السجزى)) وهو نسبة إلى سجستان على غير قياس. الباب ٠٥٣٣/١ (٣) بكسر الميم وسكون السين وفى آخرها كاف، نسبة إلى الممك وبيعه والتجارة فيه. الباب ١٣٨/٣. وهوفى: د، والنسخة ١٦٣: ((المنسكى)» وأنبتناه من المطبوعة. - ٢٩٦ - داود قال: كنت مع أبى داود ببغداد فصلّيت الغرب، فجاء الأمير أبو أحمد الموقّق فدخل». فأقبل عليه أبو داود وقال : ما جاء بالأمير فى مثل هذا الوقت ؟ فقال: خِلالٌ ثلاث. قال: وما هى ؟ قال: تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطنا؛ لترحل إليك طلبة العلم فتعمر بك، فإنها قد خَرِبت وانقطع عنها الناس، لما جرى عليها من محنة الزَّنِج، قال: هذه واحدة. قال: وتروى لأولادى ((السَُّنَ)) فقال: نعم، هات الثالثة. قال: وتفرد لهم مجلسا ؛ فإن أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامّة. قال: أما هذه فلا سبيل إليها؛ لأن الناس فى العلم سواء . قال ابن جابر: فكانوا يحضرون ويقعدون، وبينهم وبين العامة ستر. قال شيخنا الذهىّ رحمه الله: تفقّه أبو داود بأحمد بن حنبل ولازمه مدة؛ قال: وكان يُشَبَّه به، كما كان أحمد يشبّه بشيخه وكيع، وكان وكيع ◌ُشبَّه بشيخه سفيان ، وكان سفيان يشبّه بشيخه منصور، وكان منصور يشبّه بشيخه إبراهيم ، وكان إبراهيم يشبّه بشيخُه عَلْمة، وكان عَلْمة يشبه بشيخه عبد الله بن مسعود رضى الله عنه. قال شيخنا الذهبىّ: وروى أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عَلْقمة، أنه كان يشبّه عبد الله بن مسعود بالنبى صلى الله عليه وسلم فى هَدْيه ورَلَّه (١) . قلت : أما أنا فَمِن ابن مسعود أسكت، ولا أستطيع أن أشبّه أحدا برسول الله صلى الله عليه وسلم فى شىء من الأشياء، ولا أستحسنه، ولا أجوِّزه، وغاية ما تسمح به نفسى أن. أقول: وكان عبد الله يقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما تنتهى إليه قدرته، وموهبته من الله عزّ وجل ، لا فى كلَّ ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن ذلك ليس. لابن مسعودٍ ولا الصِّدِّيق، ولا لمن اتخذه الله خليلا، حشرنا الله فى زمرتهم. توفى أبو داود فى سادس عشر شوال، سنة خمس وسبعين ومائتين(٢). (١) الدل: كالهدى، وهما من البنكينة والوقار، وحسن النظر. القاموس (د ل ل ) (٢) بعد هذا فى الطبقات الوسطى زيادة: ((بالبصرة)». - ٢٩٧ - ٦٨ عبدان بن محمد بن عيسى الإمام الحافظ أبو محمد المَرْوزِىّ الزاهد الجُنُوِجِرْدِىّ* وجُنُوجِرْد ، بضم الجيم والنون ثم واو ساكنة ثم جيم مكسورة ثم راء ساكنة ثم دال مهملة : قرية من قرى مَرْو . كان إمام أصحاب الحديث فى عصره بمَرْو، وهو الذى أظهر بها مذهب الشافعى، وعليه تفقّه أبو إسحاق المَرْوَزِىّ . سمع قُتَكَبة بن سعيد، وعلى بن حُجْر، وأبا كُرِيب، وبُنْدَار، وجُوَيْرِية، والرَّبيعِ المُرادِىّ، وإسماعيل بن مسعود اَلجَحْدَرِىّ، وعبد الجبار بن العلاء، وعبد الله بن مُنير، . وطائفةً بخراسان والعراق والحجاز . روى عنه عمر بن عَلَّكَ(١)، وأبو العباس الدَّغَوْلِىّ، وأبو حامد بن الشَّرْقِيّ، وأبو القاسم الطَّبَرَانِّ ، وآخرون. رحل إلى مصر، وتفقّه على أصحاب الشافعىّ، وبرع فى المذهب ، وكان يُضرب المثل باسمه فى الحفظ والزهد، وكان مقيما بمَّرْو، وإليه مرجع الفتوى بها بعد أحمد بن سَيّار. صنَفَّ (( الموظّأ » وغير ذلك. قال فيه أبو بكر بن السَّمعانىّ والد الحافظ أبى سعد: إنه الإمام الزاهد الحافظ، إمام أصحاب الحديث فى عصره بمَرْو، وهو أول من حمل ((مختصر المُزَّنِيِّ)) إلى مَرْو، وقرأ علم الشافعىّ على المزنىّ والربيع، وكان فقيهاً حافظاً للحديث. وبسند أبى بكر بن المعانى: أنه ماخرج إلى الحج وبلغ نيسابور، أخذ محمدُ بن إسحاق ابن خُزيمة يُنفذ إليه برِقاع الفتاوى ويقول: أنا لا أفتى ببلدةٍ أستاذى فيها . * له ترجمة فى : أناب المعانى ١٣٨ ب، تاريخ بغداد ١٣٥/١١، تذكرة الحفاظ ٢٣١/٢، شذرات الذهب ٢١٥/٢، العبر ٩٥/٢، المنتظم ٥٨/٦. (١) بفتح العين واللام المشددة، وقد يخففونها، وفى آخرها كاف. الباب ١٤٨/٢. - ٢٩٨ - ب-قال أبو بكر بن السَّمعانىّ: وثمَّنْ تُخرَّج على عَبْدان فى الفقه من المَرَاوِزَة، أبو بكر ابن محمد بن محمود المحمودىّ، وأبو العباس السَّيَّارِىّ، وأبو إسحاق الحالِد اباذئُّ(١) المعروف بالَرْوَزِىّ صاحب (الشرح))(٢). وبإسناده عن بعض المشايخ: اجتمع فى عَبْدَان أربعة أنواع من المناقب : الفقه، والإسناد، والورع، والاجتهاد. انتهى. قال الحاكم: سمعت أبا نُعَيم عبد الرحمن بن محمد الغِفَارِىّ(٣) بِمَرْ و يقول: سمعت ◌َعَبْدَان ابن محمد الحافظ يقول: ولدت سنة عشرين ومائتين، ليلة عرفة فى ذى الحجَّة. قال أبو سعد بن السمعانيّ: اسم عَبْدان عُبيد الله(٤)، وإن عَبْدان لَقّب. قال: وعَبْدان هو الذى أظهر مذهب الشافعىّ بمَرْ و بعد أحمد بن سَيّار؛ فإن أحمد بن سَيّار حمل كتب الشافعىّ إلى مرو، وأعجب بها الناس، فنظر فى بعضها عَبْدان وأراد أن ينسخها، فمنعها أحمد بن سيّار عنه، فباع ضَيعةً له يُجُنُو جِرْد، وخرج إلى مصر، وأدرك الربيع وغيره من أصحاب الشافعىّ، ونسخ كتبه، وأدرك من المشايخ والفقهاء ما لم يدرك غيرُه، وحمل عنهم، ورحل إلى الشام والعراق، وكتب عن أهل مصر ورجع إلى مرو، وكان أحمد بن سَيّار فى الأحياء، فدخل عليه مسلّما ومهنئا بالقدوم ، فاعتذر أحمد بن سَيّر مِن منع الكتب عنه، فقال عَبْدان: لا تعتذر فَإن لك مِنَّةً علىّ فى ذلك؛ وذلك أنك لو دفعت إلىّ. الكتبَ كنتُ اقتصرتُ على ذلك، وما كنت أخرج إلى مصر ، ولا كنت أُدرك أصحاب الشافعىّ. ففرح بذلك أحمد بن سَيّار . قال أبو نعيم: توفى عَبْدان ليلة عرفة، فى ذى الحجة، سنة ثلاث وتسعين ومائتين. قلت: صح ، كذا مولده ليلة عرفة ووفاته ليلة عرفة . (١) بفتح الخاء وبعدها ألف ولام ودال مهملة مفتوحة وباء موحدة بين ألفين وفى آخرها ذال معجمة، هذه النسبة إلى خالدابات، وهى قرية بمرو، وقد خربت. اللباب ٣٣٨/١. وانظر المراصد٤٤٩. (٢) فى المطبوعة: ((السرح)). والمثبت من الطبقات الوسطى، وهو شرح على مختصر المزانى، (٣) بكسر الفين وفتح الفاء وبعد الألف راء نسبة إلى غفار بن مليل، (٤) فى الأنساب «عبد الله»: من كنانة. الباب ١٧٦/٢ كما فى اللباب ٠٠٣٣٨/١ : - ٢٩٩ - -- ٦٩ (عبد الله بن سعيد، ويقال عبد الله بن محمد) أبو محمد بن كُلّاب القَطّان* أحدائمة المتكلّمين، وكُلّاب مثل خُطَّاف لفظا ومعنى، بضم الكاف وتشديد اللام، القَّب به، لأنه كان لقوته فى المناظرة يجتذب من يناظره، كما يجتذب الكلاب الشىء. فإن قلت: كيف قيل ابن كُلّاب ، وهو على هذا كُلّاب لا بن كُلّاب؟ قات: كما يقال ابن بَجْدة الشىء وأبو عُذْرَته، وأنحاء ذلك. • ذكره أبو عاصم العَبّادىّ فى طبقة أبى بكر الصَّيْرفىّ، ولم يزد على أنه من المتكلمين. وذكره ابن النَّجّار فى ((تاريخ بغداد )) ذِكْرَ من لا يعرف حاله فقال: ذكره محمد بن إسحاق النَّديم فى كتاب ((الفهرست)) وقال: ((إنه من أئمة(١) الخضْوِيّة)). وله مع عَبّاد بن سليمان مناظرات ، وكان يقول : إن كلامَ الله هو الله، وكان عَبّاد يقول : إنه نَصرانىّ بهذا القول. ثم ذكر كلاما قبيحا . ثم ذكر ابن النجّار بإسناده حكاية طويلة بين ابن كُلّاب والشيخ الجنيد رحمه الله، زعم أنها اتفقت بينهما شبه المناظرة ، ورأيت بخط شيخنا الذهبىّ على حاشية كتاب ابن النجار یإزاء هذه الحكاية ما نصه ؛ لا يصح ، فإن ابن كُلّاب له ذِ کر فی زمان أحمد بن حنبل، فكيف يتم له هذا مع اُلْجِنَيد! انتهى، والأمر كما قال. أووفاة ابن كُلّاب فيما يظهر بعد الأربعين ومائتين بقليل . وليس ما ذكره ابن النجار من شأنه ، ولا هو من أهل هذه الصناعة فماله ولها ! وأما محمد بن إسحاق النَّديم فقد كان فيما أحسب معتزليا، وله بعض الَسيس بصناعة الكلام، وعَبّاد بن سليمان من رءوس الاعتزال، فإنما يذكر ما يذكره تشفيا على ابن * له ترجمة فى: الفهرست لابن النديم ٢٥٥، لان الميزان ٢٩٠/٣. (١) فى الفهرست ((بابية)). ونظن أن ما عندنا فى الطبقات، وما فى الفبرست خطأ، وأن صوابه ((نابتة)» وهو اصطلاح معروف فى كتب الفرق .. - ٣٠٠ - كُلّاب، وابن كُلّاب على كل حال من أهل السُّنة، ولا يقول هو ولا غيره ممن له أدنى تمييز إن كلام الله هو الله. إنما ابن كُلّاب مع أهل السنّة في أَنَّ صفات الذات ليست هى الذات ولا غيرها، ثم زاد هو وأبو العباس الفلانيى على سائر أهل السنة، فذهبا إلى أن كلامه تعالى لا يَتَّصف بالأمر والنهى والخبر فى الأزل؛ لحدوث هذه الأمور وقِدَم الكلام النّفْسِى، وإنما يتصف بذلك فيما لا يزال، فألزمهما أمتنا أن يكون القَدْر المشترك موجودا بغير واحد من خصوصياته . فهذه هى مقالة ابن كُلّاب التى ألزمه فيها أصحابُنا وجودَ الجنس دون النوع، وهو غير معقول ، وهى التى لعل عَّادا قال له فيها ما قال، مع أن ما قاله عَّاد لا يَلزمه، وإنما عَبّاد يقول ذلك كما يقول سائر المعتزلة للصِّفاتِيَّة، أعنى مُثبتى الصفات: لقد كفرتِ النّصارى بثلاث، وكفرتم بسبع. وهو تشنيع من سفهاء المعتزلة على الصِّفَانيَّة، ما كفرت الصِّفَاتَيَّة، ولا أشركت، وإنما وحَّدت وأثبتت صفات قديم واحد ، بخلاف النصارى ؛ فإنهم أثبتوا قِدَمَا ، فأنَّى يستويان أو يتقاربان؟ ورأيت الإمام ضياء الدين الخطيب والد الإمام فخر الدين الرازىّ قد ذكر عبدالله بن سعيد فى آخر كتابه ((غاية المرام فى علم الكلام)) فقال: ومن متكلَّمى أهل السنة فى أيام المأمون عبدُ الله بن سعيد التَّميمىّ ، الذى دمّر المعتزلة فى مجلس المأمون، وفضحهم ببيانه، وهو أخو يحيى بن سعيد القَطّان، وارثٍ علم الحديث وصاحبِ (الجرح والتعديل)). انتهى. وكشفت عن يحيى بن سعيد القَطّن هل له أخ اسمه عبد الله ؟ فيٍ أتحقق إلى الآن شيئا، وإن تحققت شيئا ألحقته إن شاء الله .