Indexed OCR Text

Pages 81-100

- ٨١ -٠
روى عنه ابن ماجة فى سننه، وأحمد بن سَيّار المروزىّ، وأبو بكر بن أبى عاضم،
وَبَقِّ بِن ◌َخْذَد، ومََُّ ، وغيرمٍ.
قال أبو حاتم : صَدُوق.
وقال النَّانِىّ والدارقطنىّ: ثِقّة.
مات سنة سبع ، ويقال ثمان وثلاثين ومائتين .
١٧
إبراهيم بن محمد بن هَرِم
• روى عن الشافعىّ أنه قال فى قوله تعالى ﴿كَلَّ إِنَّهْمْ عَنْ رَبَِّنْ بَوْمَئِذٍ
لَمَحْجُوبُونَ﴾(١) : لما حجيهم فى السخط كان دليلا على أنهم يرونه فى الرضا.
وقد رواه غيره أيضا. قال الربيع: كنت ذات يوم عند الشافعىّ، وجاءه كتاب
من الصعيد يسألونه (٢) عن قوله عز وجل ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
فكتب : لما حجب قوما بالسخط دلّ على أن فوما يرونه بالرضا . قلت له : أوتدين بهذا
يا سيدى؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربّه فى المعاد لما عبده فى الدنيا.
قال البَيْهَقِىّ: أنبأتى أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسّر، إجازة، قال: سمعت
أبا علىّ الحسين بن أحمد الفَسَوِىّ(٣) بها، سمعت أبا نُعيم عبد الملك بن محمد بن عَدِىّ
الجرجانى، معت الرَّبيع، فذكر الحكاية.
قال الربيع: كان ابن هَرِم يلزم الشافعىّ، فقال له: يا أبا عبد الله ، على علينا السنن
التى صحَّت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الشافعى": السنن التى تصح قليلة ، هذا
أبو بكر لا يصير له تسعة أحاديث، وتمر لا يصح له خمسون حديثا، وعثمان فأقلّ ، وعلىٌّ مع
ما كان يحض الناس على الأخذ عنه لا يصح له حديث كثير ، والصحيح عند أهل المعرفة
قليل .
(١) سورة المطففين ١٥ .
(٢) فى ج، د: فألوه. والمثبت من المطبوعة .
(٣) فى المطبوعة: النوى. وأنبتنا ما فى: ج، د.
(٦ /٢ - طبقات)

- ٨٢ -
١٨
إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة
ابن عبد الله بن خالد بن حزام بن خُويلد بن أسد بن عبد العُزَّى
الحزاميّ المدنى*
إمام ثِقَة جليل، حدّث عن سفيان بن عُيَيْنَة، وابن وهب ، ومَعْن بن عيسى، وإبن
أبِى فُدَيْك، وأبى قَبْرة، والوليد بن مسلم، وخَلْق كثير .
روى عنه البخارىّ فى صحيحه، وابن ماجة، وَبَقِىّ بن مَخْلَم ، وابن أبى الدنيا، ومحمد
ابن إبراهيم البُوسَنْجِىّ، ومُطَيِّن، وِخَلْق.
قال صالح جَزَرَة : صَدُوقٍ . وكذا قال أبو حاتم .
وقال الخطيب : كان ثِقَةٍ .
وقال أبو الفتح الأزدِىّ: إبراهيم هذا فى عِداد أهل الصدق، وإنما حدّث بالمناكير
الشيوخ الذين روى عنهم ، فأما هو فهو صَدُوق .
وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمِىّ: وسألته، يعنى الدارقطنىّ، عن إبراهيم الجزامِّ،
فقال: ثِقَة .
قات: كان حصل عند الإمام أحمد رضى الله عنه منه شىء؛ لأنه قيل خلط فى مسئلة.
القرآن ، كأنه مجمع فى الجواب .
قلت : وأرى ذلك منه تَقِيَّة وخوفا ، ولكن الإمام أحمد شديد فى صلابته، جزاه الله
عن الإسلام خيرا ، ولو كُلِّف الناس ما كان عليه أحمد لم يسلم إلا القليل.
مات إبراهيم فى المجرم سنة ست وثلاثين ومائتين، وقيل سنة خمس وثلاثين، وكان.
ينشد لعُبَيْد الله بن عبد الله بن مُثْبَة:
* له ترجمة فى : تذكرة الحفاظ ٢ / ٥١، تهذيب التهذيب ١ / ١٦٦، الجمع بين رجال
الصحيحين ٢٠، شذرات الذهب ٧٦/٢، العبر ٤٢٢/١. والحزامى، بكسر الحاء المهملة، وبالزاى،:
وبالميم بعد الألف، نسبة إلى الحد الأعلى . الباب ١ / ٢٩٦.

- ٨٣ -
ولامك أقوامٌ ولَوْمُهُمُ ثُِلْمُ
كَتَمْتَ الهَوَى حتى أُضَرَّ بِكَ الكَنْمُ
عليك الهوى قد نَمّ لو منفع النّمُّ
وَمّ عليكِ الكاشحونَ وقبلَهُ
عليك وأبلى لحمَ أعظُمِكِ الهَمُّ
وزادك إغراء بها طولُ هَجرها
ألا ما لِنفسٍ لا تموت فينقضى
مَناها ولا تحبى حياةً لها طَعْمُ
تجنّبَّتُ إتيانَ الحبيبِ تَأْثُمَاً
ألا إن هجران الحبيب هو الإثم
رشادٌ ألا يا ربِمَا(١) كذَب الزَّعْمُ
فَذْقْ هِرَها قد كنتَ تزعم أنه
قال إبراهيم بن المنذر: سمعت الشافعى" يقول: رأيت سفيان بن عُيَيْنَة قائماً على باب
كُتّاب ، فقلت: ما تعمل؟ قال : أحب أن أسمع كلام ربى من فى هذا الغلام.
١٩
إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطر الختظلىّ
أبو يعقوب المَرْوَزِىّ، ابن راهُويَة*
أحد أئمة الدين ، وأعلام المسلمين ، وهداة المؤمنين ، الجامع بين الفقه والحديث ،
والورع والتقوى ، نزيل نيسابور وعالمها .
وُلد سنة إحدى ، وقيل سنة ست وستين ومائة .
وسمع من عبد الله بن المبارك سنة بضع وسبعين، فترك الرواية عنه؛ لكونه لم يتيقَّن(٢)
الأخذ عنه .
وار تحل فى طلب العلم سنة أربع وثمانين .
(١) فى المطبوعة: رشاد ولربما. وفى ج، د: ألا لا ربما، والمثبت بها مش ج.
# له ترجمة فى: تارخ بغداد ٦ / ٣٤٥، تذكرة الحفاظ ٢ / ١٩، تهذيب التهذيب ١ / ٢١٦،
الجمع بين رجال الصحيحين ٢٨، حلية الأولياء ٩ / ٢٣٤، شذرات الذهب ٢ / ٨٩، طبقات الحنابلة
١/ ١٠٩، طبقات الشيرازى ٧٨، العبر ١ / ٤٢٦، اللباب ٣٢٥/١، النجوم الزاهرة ٢٩٣/٢،
وفيات الأعيان ١ / ١٧٩.
(٢) فى د: يتقن ، والمثبت من : ج، والمطبوعة.

- ٨٤ -
وسمع قبل الرحلة من ابن المبارك ، كما عرفت. ومن الفضل الشيبانى والنقر ين
شُمَيل، وأبى نُمَّيلة يحيى بن واضح ، وعمر بن هارون .
وسمع فى الرحلة من جرير بن عبد الحميد، وسفيان بن عُيَيْنة، وعبد العزيز الدَّرَّاوَرْدِىّ(١)،
وفُضَيل بن عِياض، ومُعتهِرٍ بن سليمان، وابن ◌ُآَيَّة، وَقِيّة (٢) بن الوليد، وحفص
ابن غياث، وعبد الرحمن بن فهدىّ، وعبد الوهاب الثّقَفىّ، والوليد بن مسلم، وعبد العزيز
ابن عبد الصمد العَمِّى، وأَسْبِاط بن محمد، وحاتم بن إسماعيل، وعتَّاب بن بَشِيرِ الْجَزَرِىّ،
وغُنْدَر، وعبد الرزّاق، وأبى بكر بن عيَّاش، وخلق سواهم.
روى عنه البخارىّ، ومسلم، وأبو داود، والُّمِذِىّ(٣)، والنَّانِىّ، وأحمد بن
حقبل، ويحيى بن مَعِين، ومحمد بن يحيى الدُّهْلىّ، وإسحاق الكَوْسَج، والحسن إن
سفيان، ومحمد بن نصر المَرْوَزِىّ، ويحيى بن آدم، وهو من شيوخه، وأحمد بن سلمة،
وإبراهيم بن أبى طالب، وموسى بن هارون، وجعفر الفِرْيابىّ، وإسحاق بن إبراهيم
النَّيابُورىّ الْشِئْ(٤)، وعبد الله بن محمد بن شِيرَوَيْهِ، وابنه محمد بن إسحاق بن راهُوبِهِ،
وخلق؛ آخرهم أبو العباس السَّرَّاج.
قال على بن إسحاق بن رَاهُويه: ولد أبى من بطن أمه مثقوب الأذنين ، فمضى جدى:
رَاهُويه إلى الفضل بن موسى، فسأله عن ذلك، فقال: يكون إبنك رأسا، إما فى الخير
وإما فى الشر .
وقال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: قال لى عبد الله بن طاهر
(١) بفتح الدال والراء وسكون الألف وفتح الواو وسكون الراء الثانية وفى آخرها دال مهملة.
كان أبوه من دارا بجرد، وكان مولى لجهينة، فاستثقلوا أن يقولوا: دارا بجردى. فقالوا: دراوردى .!
(٢) فى المطبوعة: تقبة، والمثبت من: ج، د، والمشتبه ١١٦
الباب ٠٤١٤/١
(٣) فى هامش ج: إنما روى الترمذى عن رجل ، عنه.
(٤) هذه النسبة إلى بشت: بضم
الباء الموحدة وسكون الشين المجمة، والتاء المنقوطة باثنتين من فوقها، وهى ناحية من نيابور كثيرة
الخير . اللباب ٠١٢٦/١

- ٨٥ -
لِمَ قيل لك ابن رَاهُويه، وما معنى هذا، وهل تكره أن يقال لك هذا؟ فقلت: إن أبى
ولد بطريق مكة ، وقالت المراوزة راهويه ، بأنه ولد فى الطريق ، وكان أبى بكره هذا ،
وأما أنا فلست أكرهه .
قالُ نُعَيم بن حَمَّاد: إذا رأيتَ الخراسانى يتكلم فى إسحاق بن رَاهُويه فاتَّهِمْه فى دينه.
قلتُ: إنما فيَّد الكلام بالخراسانىّ؛ لأن أهل إقليم المرء مهم الذين بحيث لو كان فيه
كلام لتكلموا فيه، فكأنه يقول: مَن تكلم فيه من أهل إقليمه فهو مُتَّهَمَ بالكذب؛
لأنه لا يتكلم بحق ، لبراءته مما يَشِينه فى دينه.
وقال أحمد بن حنبل : لم يعبر الجسر إلى خراسان مثلُ إسحاق.
وقال ابن عَدِىّ: ركب إسحاق بن رَاهُويه دَيْن ، خرج من مَرْو ، وجاء نيسابور ،
فكلّم أصحاب الحديث يحيى بن يحيى فى أمر إسحاق. فقال : ما تريدون؟ قالوا: تكتب
إلى عبد الله بن طاهر رقعة، وكان عبد الله أمير خراسان وكان نيسابور، فقال يحيى:
ما كتبتُ إليه قطُّ، فألحُّوا عليه، فكتب فى رقعة، إلى عبد الله بن طاهر: أبو يعقوب إسحاق
ابن إبراهيم رجل من أهل العلم والصلاح. فحمل إسحاق الرقعة إلى عبد الله بن طاهر ، فلما
جاء إلى الباب ، قال الحاجب : معى رقعة يحيى بن يحيى إلى الأمير فدخل الحاجب ، فقال له :
رجل بالباب زعم أن معه رقعةً يحيى بن يحيى إلى الأمير. فقال: يحيى بن يحيى؟ قال: نعم.
قال: أدخله. فدخل إسحاق ، وناوله الرقعة، فأخذها عبد الله ، وقبّلها ، وأقعد إسحاق
يجنبه ، وقضى دينه ثلاثين ألف درهم ، وصيَّه من ندمائه .
قلتُ : انظر ما كان أعظم أهل العلم عند الأمراء ، وانظر ما أدفى هذه الكلمة،
وأقصر هذه الرقعة، وما ترتب عليها من الخير، وما ذلك إلا لحمن اعتقاد ذلك الأمير،
وصيانة أهل العلم أيضا، والناس زمانهم أشبه منهم بآبائهم.
وقال محمد بن أسْلم الطَّوسِىّ حين مات إسحاق: ما أعلم أحدا كان أخشى الله من
إسحاق، يقول الله: ﴿ إِنََّ يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَدِهِ أْمُلَمَاءِ﴾(١) وكان أعلم الناس.
(١) سورة فاطر ٢٨.

- ٨٦ -
· قلتُ : كأنّ محمد بن أسلم يُركّب هذا من الضرب الأول من الشكل الأول فى
:
المنطق ؛ فإنه ينْحلُّ إلى قولك : كان ابن راهُويه أعلم الناس ، وكل من كان أعلم الناس
كان أخشى الناس، ينتج: كان إسحاق أخشى الناس ، والمقدمة الصغرى ينبغى أن تكون
محققة باتفاق أو غيره ، فكان كونه كان أعلم الناس أمر مفروغ منه، حتى استنتج منه:
أخشى الناس .
قال محمد بن أسلم : ولو كان الثورى فى الحياة لاحتاج إلى إسحاق.
وقال الدَّارِىّ: ساد إسحاق أهل المشرق والمغرب بصِدْقه.
وقال أحمد بن حنبل ، وذكر إسحاق : لا أعرف له بالعراق نظيرا .
وقال مرة ، وقد سئل عنه: مِثْلُ إسحاق يُسأل عنه! إسحاق عندنا : مام.
وقال النَّسائيّ: إسحاق بن رَاهُوِيه أحد الأئمة، ثقة ، مأمون، سمعت سعيد ابن
ذُؤيب يقول : ما أعلم على وجه الأرض مثل إسحاق .
ر وقال ابن خزيمة: والله لو كان إسحاق فى التابعين لأقرُّوا له بحفظه، وعلمه، وفقه}.
وقال على بن خَشْرم: حدثنا ابن قُضَيل، عن ابن شُبْرُمَةً، عن الشَّعى، قال: ما كتبت
سوداء فى بيضاء إلى يومى هذا ، ولا حدثنى رجل بحديث قطُّ إلا حفظته . حدثت بهذا
إسحاق بن رَاهُويه، فقال: تَعْجِبُ من هذا؟ قلت: نعم. قال: ما كنت أسمع شيئاً
إلا حفظته ، وكأنى أنظر إلى سبعين ألف حديث ، أو قال : أكثر من سبعين ألف حديث
فی کتبی ..
وقال أبو داود الخفَّاف: سمعت إسحاق بن رَاهْويه، يقول: لكأنّى أنظر إلى مائة
ألف حديث فى كتبى، وثلاثين ألفا أسردها.
قال: وأملى علينا إسحاق أحد عشر ألف حديث من حفظه ، ثم قرأها علينا ما زاد
حرفا ولا نقص حرفا .
وعن إسحاق: ما سمعت شيئاً إلا وحفظته، ولا حفظت شيئاً قطَّ فنسيته

- ٨٧ ٠
وقال أبو يزيد محمد بن يحيى : سمعت إسحاق يقول: أحفظ سبعين ألف حديث عن
ظهر قلبى .
وقال أحمد بن سلمة: سمعتُ أبا حاتم الرّازىّ، يقول: ذكرتُ لأبى ذُرْعة إسحاقَ
ابن راهُويه وحفظَه ؛ فقال أبو زُرْعة: مارُوى أحفظ من إسحاق .
قال أبو حاتم: والعجب من إتقانه وسلامته من الغلط ، مع ما رُزِقٍ من الحفظ .
قال: فقاتُ لأبى حاتم: إنه أملى التفسير عن ظهر قلبه . فقال أبو حاتم : وهذا أعجب،
فإن ضبط الأحاديث المسندة أسهل وأهون من ضبط أسانيد التفسير وألفاظها.
وقال محمد بن عبد الوهاب: كنت مع يحيى بن يحيى وإسحاق، فود مريضاً، فلما.
حاذَيْنا الباب تأخر إسحاق ، وقال ليحيى: تقدم . فقال يحيى لإسحاق : بل أنت تقدم
فقال: يا أبازكريا أنت أكبر منِّى. قال: نعم، أنا أكبر منك، ولكنك أعلم منّى،
قال : فتقدم إسحاق .
وقال أبو بكر محمد بن النَّضْر الْجَارُودِيُ(١): حدثنا شيخنا، وكبيرنا، ومَن تَعَلَّمْنا منه
وتجمّلنا به أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم رضى الله عنه .
وقال الحاكم: هو إمام عصره فى الحفظ والفتوى .
وقال أبو إسحاق الشَّيرازىّ : جمع بين الحديث ، والفقه ، والورع .
وقال الخليلىّ فى ((الإرشاد)»: كان يُسمَّى شهنشاه الحديث.
وقال أحمد بن سعيد الرَّبَاطِئْ(٢) فى إسحاق:
حبِّ أبى يعقوبَ إسحاقٍ(٣)
قُرْبِ إلى اللهِ دعانى إلى
لم يجعلِ القرآنَ خَلْقاً كما قد قالَه زِنْدِيقُ فُسّاقٍ
١
(١) بفتح الجيم وضم الراء وفى آخرها الدال المهملة ، هذه النسبة إلى الجارود ، وهو اسم لبعض أجداد
(٢) بكسر الراء وفتح الباء الموحدة وبعد الألف طاء مهملة.
المنقب إليه . اللباب ٢٠٣/١.
هذه النسبة إلى الرباط ، وهو اسم لموضع راط الخيل وملازمة أصحابها الثغر لحفظه. اللباب ١ /٤٥٧.
(٣) فى المطبوعة: داعينى، والمثبت من: ج، د، وحلية الأولياء ٢٣٤/٩.

- ٨٨=
ياحُجَّةَ اللهِ على خلقِهِ فِى سِنَّةَ المَاضِينِ الْباقى
سِبَاقِ
أبوكَ إبراهيمُ محضُ التَّقَى سَبَّقُ: مجدٍ وَابنُ
قال أبو يحيى الشَّعْرانيّ (١): إن إسحاق كان يخضِبُ بالحنًّا.
قال : وما رأيتُ بيده كتابا قطُّ ، إنما كان يُحدِّث من حفظه .
وقال: وكنتُ إذا ذا كرتُ إسحاق فى العلم وجدتّة فردا؛ فإذا جئت إلى أمر الدنيا
وجدتُهُ لا رأْىَ له.
توفى إسحاق ليلة نصف شعبان ، سنة ثمان وثلاثين وما ئتين ..
قال: البخارى: وله سبع وسبعون سنة ..
قال الخطيب ؛ فهذا يدل أن مولده سنة إحدى وستين.
وفى ليلة موته يقول الشاعر(٢):
يَاهَدَّةً مّا هُدِدْنَا لَيلةً الأجدِ.
فى نصفٍ شعبانَ لَا تُنْسَى مدى الأبدِ :
قال أبو عمرو المُسْتَعْلِى النَّسابورىّ: أخبرنى على بن سلمة الكرابيسىّ، وهو من
الصالحين ، قال: رأيت ليلة مات إسحاق الحتطلىّ كأنَّ قمرا ارتفع من الأرض إلى السماء؛
من سِكَّةً إسحاق، ثم نزل فسقط فى الموضع الذى دفن فيه إسحاق . قال: ولم أشعر موته
فلما غدوتُ إذا بحفَّار يحفر قبر إسحاق ، فى الموضع الذى رأيت القمروقع فيه.
قال الحاكم أبو عبد الله: إسحاق بن راهويه، وابن المبارك، ومحمد بن يحيى، هؤلاء
دفنوا كتيهم ..
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إراهيم المسند إذنا خاصاً، أخبرنا المسلم بن محمد بن عَلّان،
أخبرنا زيد بن الحسن الكندى، أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، أخبرنا الحسن بن الحسن
ابن رامِين(٣) الإسْتِرَا باذِىّ القاضى، أخبرنا أحمد بن محمد بن بَنْدار الإسْتِرَاباذِىّ، حدثنا
(١) يفتح الثين وسكون العين المهملة بعدها الراء المفتوحة وفى آخرها النون، هذه النسبة إلى الشعر
(٢) البيت فى تهذيب التهذيب ١ /٢١٨، بغير نسبة أيضا.
على الرأس وإرساله. اللباب ٠٢١/٢
(٣) فى ج: راسير، وفى د: راسين، والمثبت فى المطبوعة، وتاج العروس ٢٢٠/٩، وقد ترجمه
الزيدى .

- ٨٩ -
عبد الله بن إسحاق المدائنيّ، قال: حدثنا الوليد بن شجاع، حدثى بَقيّة، عن إسحاق
ابن راهُويه، حدثنا المغتِر بن سلمان، عن ابن فَضَاء، عن أبيه، عن علقمة بن عبد الله،
عن أبيه ، قال : نهى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَن كْرٍ سِكَّةٍ المسلمين(١)
الجائزةِ إلّ مِن بَأْسٍ.
(مناظرة بين الشافعى وإسحاق رضى الله عنهما)
• روى عن إسحاق بن رَاهُويه، قال: كنا بمكة، والشافعيّ بها، وأحمد بن حنبل
أيضاً بها، وكان أحمد يجالس الشافعىّ، وكنت لا أجالسه، فقال لى أحمد: يا أبا يعقوب
لمَ لا تجالس هذا الرجل؟ فقلت: ما أصنع به ، وسنه قريب من سنُّنا؟ كيف أثرك
ابن غيّنة وسائر المشايخ لأجله؟! قال: ويُحك، إن هذا يفُوت، وذلك لا يفُوت. قال
إسحاق: فذهبت إليه، وتناظرنا فى كراء بيوت أهل مكة؛ وكان الشافعىّ تساهل فى المناظرة
وأنا بالغتُ فى التقرير؛ ولما فرغتُ من كلامى، وكان معى رجل من أهل مَرْو، فالتفتُّ إليه
وقلت: مَرْدَك هكذا مَرْدَك وا كالى نِيسْت(٢) - يقول بالفارسية: هذا الرجل ليس له
كمال - فعلم الشافعىّ أنى قلتُ فيه سوءا فقال لى: أتناظرُ؟
قلتُ : المناظرة جئتُ .
قال الشافعىّ: قال اله تعالى: ﴿لِلْقُرَاءِ الُْهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾(٣)
فنسب الديار إلى مالكها أو إلى غير مالكها؟ وقال النبى صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة:
(( مَنْ أَغْلَقَ بَبَهُ فَهُوَ آمِنْ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أبى سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنْ)) فنسب الديار إلى
أربابها، أم إلى غير أربابها؟ واشترى عمر بن الخطاب دارا للسجن من مالِكٍ أو من غير
مالك؟ وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلْ مِنْ دَارٍ!».
(١) فسر ابن منظور السكة فى الحديث بقوله: أراد بالسكة الدينار والدرهم المضروبين، سعى كل
واحد منهما سكة؛ لأنه طيع بالحديدة العامة له . المان ٤٤٠/١٠.
(٢) فى المطبوعة: قبل واكمالى ينسب. والمثبت من: ج. ومردك: رجل صغير ، ويت: لا
(٢) سورة الحشر ٨.
يكون . المعجم فى اللغة الفارسية ٣٣٨٠٢٩٧

- ٩٠ -
قال إسحاق ، فقلت: الدليل على صحة قولى أن بعض التابعين قال به.
فقال الشافعىّ لبعض الحاضرين: من هذا.
فقيل: إسحاق بن إبراهيم الختظلىّ .
فقال الشافعىّ : أنتِ الذى يزعُم أهل خُراسان أنَّك فقيهُهُم؟
قال إسحاق : هكذا يزعمون .
فقال الشافعىّ: ما أحوجنى أن يكون غيرُك فى موضعك، فكنتُ آمر إمَرْك أذنيه
أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تقول: قال عطاء وطاوُس، والحسن،
وإبراهيم، وهل لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة ؟
فقال إسحاق: اقرأ: ﴿ سَوَاء الْمَاكِفْ فِيهِ وَالْبَادٍ﴾(١)
فقال الشافعى: هذا فى المسجد خاصة ..
وعن داود بن على الأصفهانى، أنه كان يقول: إن إسحاق لم يفهم احتجاج الشافى
فإن غرض الشافعىّ أن يقول: لو كانت أرض مكة مباحة للناس لكان النبى صلى الله عليه
وسلم يقول: أىّ موضع أدْرَ كُنا فى دار أىِّ شخص نزَلْنا؛ فإن ذلك مباح انا، فلمالم يقل
ذلك، بل قال: ((لَمْ يَتْرُكْ لَنَا فَقِيلٌ سَكَنًا)) دل ذلك على أن كل مَن ملك منها شيئًا
فهو مالك له ؛ منعه غيره أو لم يمنعه .
ثم يحكى عن إسحاق أنه [ كان](٢) إذا ذكر الشافعىّ كان بأخذ لحيته بيده ويقول:
واحَيَاىَ من محمد بن إدريس - يعنى فى هذه المسألة - ولاسيما فى قوله: مردك لا كما.
رئيسْت(٣).
وفى رواية قال إسحاقٍ: لما عرفتُ أنَّى أَفْحِمِتُ قْتُ.
(١) سورة الحج ٢٥. (٢) ساقط من: ج، د .. وهو من المطبوعة.
(٢) كذا فى الأصول، وقد تقدم في الصفحة السابقة .

- ٩١ -
﴿مناظرة أخرى بينهما)
أخبرنا المحدِّث أبوزكريا يحيى بن يوسف بن أبى محمد المَقْدسيِّ المعروف بابن الصَّيْرَفىّ
قراءة عليه وأنا أسمع ، فى سادس رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمائة بمصر ، قال : أخبرنا
عبد الوهاب بن رَوَاج إجازة، قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر السَّلَفىّ سماعاً عليه ، أخبرنا
المبارك بن عبد الجبَّر بن أحمد الصيرفىّ ببغدادقراءة، أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن على
الْفَلِيّ(١)، أخبرنا القاضى أبو عبد الله أحمد بن إسحاق بن خَرْ بَن(٢) النَّهَا وَنْدىّ، أخبرنا
القاضى أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خَلَّاد الرَّامَهرُ مُزِىّ، حدثنا زكريا السََّجِىّ،
حدثنى جماعة من أصحابنا: أن إسحاق بن راهُويه ناظر الشّافعيّ، وأحمد بن حنبل حاضر
فى جلود الميتة إذا دبغت .
فقال الشافعىّ: دِباغها طَهورها .
فقال إسحاق: ما الدليل ؟
فقال الشافعىّ: حديث الزُّهرىّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن
مَيْمونة: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّبشاةٍ مِيِّتة، فقال: ((هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجْدِهَا)).
فقال إسحاق: حديث ابن عُكيم (٣) كتب إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل
موته بشهر: ((لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ)) أشبهُ أن يكون ناسخا
لحديث ميمونة ؛ لأنه قبل موته بشهر .
فقال الشافعىّ : هذا كتاب، وذاك سماع.
فقال إسحاق: إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر ، وكان حجة
عليهم عند الله.
(١) فى المطبوعة: القالى، والتصويب من: ج، واعبر ٢١٦/٣. والفالى بفتح الماء وسكوت
الألف وفى آخرها لام نسبة إلى بلد يسمى فله ، قال الخطيب أبو بكر : أظنها من فارس، قريبة من إبذج.
(٢) فى المطبوعة: خرثان، والتصويب من: ج، والمشتبه ٢٢٩.
الباب ٠١٩٤/٢
(٣) فى القاموس (ع كـ م): عكم كريرام.

-٩٢ -
فسكت الشافعى، فلما سمع ذلك أحمد بن حنبل ذهب إلى حديث ابن مُكيم، وأفتى به
ورجع إسحاق إلى حديث الشافى ، فأفتى بحديث ميمونة .
قلتُ : وهذه المناظرة حكاها البَيْهَقىّ وغيره. وقد يظن قاضرُ الفهم أن الشافعىّ
انقطع فيها مع إسحاق، وليس الأمر كذلك ، ويكفيه مع قصور فهمه أن يتأمَّل رجوعَ
إسحاق إلى [ قول](١) الشافعى"؛ فلو كانت حجته قد نهضت على الشافعى" لما رجع إليه ..
ثم تحقيق هذا أن اعتراض إسحاق فاسد الوضع، لا يقابل بغير السكوت، بيانه
أن كتاب عبد الله بن عُكَيم كِتاب عارضه سماع، ولم يتمقن أنه مسبوق بالسماع، وإنما
لن ذلك ظنًا لقرب التاريخ، ومجرد هذا لا يتمهض بالفسخ. أما كَتْب رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى كسرى وقيصر فلم يعارضها شىء، بل عضدتها القرآن، وساعدها التوائية
الدَّالّ على أن هذا النبيّ صلى الله عليه وسلم جاء بالدعوة إلى ما فى هذا الكتاب، فلاحهذا
أن السكوت من الشافعى تسجيل على إسحاق بأن اعتراضه فاسد الوضع، فلم يستحق عنده
جوابا. وهذا شأن الخارج عن البحث عند الجدلين؛ فإنه لا يُقابل بغير السكوت،
ورب سكوتٍ أبلغ من نطقٍ ، ومِن ثَمَّ رجع إليه إسحاق، ولو كان السكوت لقيام الحجة
لأكَّد ذلك ما عند إسحاق . فافهم ما يُلقَى إليك.
(مسائل غريبة عن إسحاق رحمه الله تعالى)
· الصحيح عند أصحابنا أن صلاة الكافر لا تُصَيِّه مسلما، سواء كان فى دار الحرب،
أم فى دار الإسلام.
وحُكِى قولٌ فى الحربىّ يعبّى فى دار الحرب، والمسألة مبسوطة فى المذهب، مُطلقة
غير مقيَّدة بصلاة واحدة ، أو بصلوات كثيرة .
ونقل ابن عبد البرّ أن إسحاق بن رَاهُويه، قال: إن العلماء أجمعوا فى الصلاة على ما لم:
يجمعوا عليه فى سائر الشرائع، فقالوا: مَن عُرِف بالكفر وكان لا يعلّى، ثم رأوه يصلى
(١) زيادة من المطبوعة على ما فى: ج ، د ..

- ٩٣ -
حتى صلى صلوات كثيرة فى وقتها، ولم يعرفوا منه إقرارا باللسان، أنه يحكمته بالإيمان،
وليس كذلك فى الصوم والزكاة والحج . انتهى.
وأقرّه ابن عبد البرّ عليه، وهو فرع غريب ، ظاهر كلام الَّذْهَبَيْن أنه لا فرق بين
أن تُكرَّر منه الصلاة، أو لا تكرَّ(١).
٢٠
إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق
الإمام الجليل ، أو إبراهيم الزنى*
ناصر الذهب ، وبدر سمائه .
وُلد سنة خمس وسبعين ومائة .
وحدَّث عن الشافى ، ونُعَيم بن حمَّد ، وغيرهما .
روى عنه ابن خُزيمة، والطَّحاوِىّ، وزكريا السَّاجِىّ، وابن جَوْصَا (٢)، وابن
أبى حاتم ، وغيرم .
وكان جبل علم ، مناظرا ، مِحْجاجا .
قال الشافعى رضى الله عنه فى وصفه: لو ناظره الشيطان لغلبه.
(١) بعد هذا فى الطبقات الوسطى :
إسحاق بن بهلول بن حسان
أبو يعقوب، التنوخى ، الأنبارى الحافظ.
روى عن الشافعى ، وسفيان بن عيينة ووكيع ، ويحي القطان ، وخلق .
وعنه إبراهيم الحربى ، وابن أبى الدنيا ، وطائفة .
مات بالأخبار ، سنة أنتين وخمسين ومائتين.
# له ترجمة فى: شذرات الذهب ١٤٨/٢، طبقات الشيرازى ٧٩، طبقات ابن هداية الله ٥، العبر
٢٨/٢، الباب ١٣٣/٣، الجوم الزاهرة ٣٩/٣، وفيات الأعيان ١٩٦/١. والمزنى: بضم الميم وفتح
الزاى وفى آخرماً نون، هذه النسبة إلى مزينة بنت كلب، أم عثمان وأوس ابنى عمرو بن أد من مضر.
(٢) فى المتنوعة: حوما، والمثبت من: ج، والمشتبه ٢٧٤.

- ٩٤ . -
وكان زاهدا ، ورعا، متقللا من الدنيا، بجاب الدعوة. وكان إذا فاتته صلاة فى جماعة
صلاها خمسا وعشرين مرة، ويغسل الموتى تعبُّدا واحتسابا، ويقول: أفعلُهُ ليرِقَ قلى
قال أبو الفوارس السَّنْدِىّ: كان المُزّبىّ والربيع رضيعين.
وقال أبو إسحاق الشِّيرازىّ: كان زاهدا، عالما، مجتهدا، مناظرا، يحْجاجا، غَوَّاصا
على المعانى الدقيقة. صنّف كتباً كثيرة: (الجامع الكبير))، و((الجامع الصغير))،
و((المختصر))، و((المنثور))، و((المسائل المعتبرة))، و((الترغيب فى العلم))،
و (( كتاب الوثائق))، و(كتاب العقارب))، و((كتاب نهاية الاختصار)).
قال الشافعىّ: المزنىّ ناصر مذهبى.
وقال الربيع بن سليمان: دخلنا على الشافعى رضى الله عنه عند وفاته؛ أنا ، والْبُوَّيْطِىّ،
والمزَنِىّ، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: فنظر إلينا الشافعىّ ساعة، فأطال ،
ثم التفت إلينا، فقال: أمَّا أنت يا أبا يعقوب فستموت فى حديد لك(١)، وأما أنت يا مُزَّنِّ
فسيكون لك بمصر عَنات وهَنات(٢)، ولتدركنّ زمانا تكون أنْس أهل ذلك الزمان ،
وأما أنت يا محمد فسترجع إلى مذهب أبيك ، وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعُهم لى فى نشر
الكتب. قم يا أبا يعقوب فَسَلَّ الخَلْقَة. قال الربيع: فكان كما قال .
قلتُ: وذكروا أن المُزَنىّ كان إذا فرغ من مسألة فى المختصر صلى ركعتين.
وقال عمرو بن عثمان المكِّىّ: ما رأيت أحدا من المتعبدين فى كثرة من لقيتُ منهم
أشدَّ اجتهادا من المُزَنى، ولا أدْؤُم على العبادة منه، وما رأيت أحدا أشدَّ تَعظيما للعلم
وأهلِه منه، وكان من أشد الناس تضييقا على نفسه فى الورع، وأوسعه فى ذلك على الناس،
وكان يقول: أنا خُلُق من أخلاق الشافعى .
وقال أبو عاصم: لم يتوضأ المزكىّ مِنْ حَباب(٣) ابن طولون، ولم يشْربِ مِن كيزانه.
قال: لأنه جُعل فيه سِرْ جِين(٤)، والنار لا تُطَهِر.
(١) فى المطبوعة: جديدك، والمثبت من: ج ، د.
(٢) فى المطبوعة: هيئات وهنات.
(٣) حباب الماء (بالفتح): معظمه أو طرائقه.
وفى د : هبات وحنات. والمثبت من: ج .
القاموس ( ح ب ب ) .
(٤) السرجين ( بالكسر ) : الزبل.

- ٩٥ -
وقيل: إن بكَّار بن قتيبة لمَّا قدم مصر على فضائها وهو حنفىّ، فاجتمع بالمُزَنىّ مرة، فسأله
رجل من أصحاب بكّار ، فقال: قد جاء فى الأحاديث تحريم النبيذ وتحليله؛ فلم قدمتم التحريم
على التحليل ؟ فقال المُزىّ: لم يذهب أحد إلى تحريم النبيذ فى الجاهلية ، ثم تحليله لنا ،
ووقع الاتفاق على أنه كان حلالا فحُرِّم، فهذا يعضد أحاديث التحريم، فاستحسن بكَّار
ذلك منه .
أخذ عن المُزَنىّ خلائقُ من علماء خُراسان، والعراق ، والشام .
وتوفى لست بقين من شهر رمضان ، سنة أربع وستين ومائتين .
﴿ومن الرواية عن أبى إبراهيم، رحمه الله تعالى)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ بقراءتى عليه، أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن الحتبلىّ غير
مرة، أخبرنا أبو محمد الحسن بن على بن الحسن بن الحسين بن البُزّ(١) الأسدىّ، سنة
ثلاث وعشرين، أخبرنا جدى الحسين ، أخبرنا على بن محمد بن على الشافعى، سنة أربع
وثمانين وأربعمائة، أخبرنا محمد بن الفضل الفَرّاء بمصر، أخبرنا أبو الفوارس أحمد بن محمدٍ
الصَّابونىّ، سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، أخبرنا المُزَنىّ، أخبرنا الشافعىّ، عن مالك،
عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال، فقيل :
إِنَّك تُواصل. فقال (( لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إنّى أُطْعَمُ وَأُسْقَى)) ..
وبهذا الإسناد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكَر رمضان، فقال: لَا تَصُومُوا
حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُغْطِرُ وا حَتَى نَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَقْدُرُوا لَهُ)) ..
وبه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاةَ الفطر مِن رمضان، على السنة،
على الناس صاغ من تمر ، وصاع من شعير، على كل حر وعبد، وذكر وأنثى ، من
المسلمين . متفق عليها .
وهى من الأسانيد التى ينبغى أن تسمى عقد الجوهر، ولا حرج (٣).
(١) هكذا ورد ضيفله فى: ج. وانظر المشتبه ٥٥, (٢) فى ج: ولا جرح، والمثبت فى المطبوعة، د .

- ٩٦ -
وقد وقع لنا جزء(١) أُخْرَجه الإمام الجليل أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسْفراينى،
فيه مافى مختصر أبى إبراهيم الزنى من الأحاديث بالأسانيد، أخبرنا به شيخنا الحافظ
أبو الحجّاج العِزَّىّ، قراءة عليه وأنا أسمع، يوم الجمعة رابع عشر شهر ربيع الأول، سنة
إحدى وأربعين وسبعمائة ، بدار الحديث الأشرفية بدمشق، قال : أخبرنا أبو حفص عمر
ابن يحيى الكَرْخِىّ، بقراءتى عليه، أخبرنا الحافظ أبو عمرو بن الصَّلاح
خ : قل شيخنا: وأخبرنا أيضاً أبو عبدالله محمد بن عبد السلام بن أبى عَصُرُون
الْتَّمِيعِىّ، وسِتَّ الأمناء أمينة بنت أبى أصبر عبد الرحيم بن محمد بن الحسين بن عساكمٍ،
وأبو الفضل أحمد بن هبة الله بن عساكر، وأبو محمد عبد الواسع بن عبد النكافى الأبْرِىّ،
بقراءتى عليهم، قالوا: أخبرنا أبو بكر القاسم بن أبى سعد عبد الله بن عمر بن أحمد
الصَّفَّار، قال ابن الصَّلاح: سماءا عليه، وقال الباقون: كتابة، أخبرنا الإمام أبو منصور
عبد الخالق بن زَاهِرِ الشَّحَّامِىّ، أخبرنا الرئيس أبو عمرو عثمان بن محمد الْمَخْمِى(٣)،
أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق الأزهرِىّ الإسْغرابنىّ، قراءة
عليه ، فى رجب سنة تسع وتسعين (٣) وتلثمائة، أخبرنا خال أمى أبو عوانة يعقوب بن
إسحاق الحافظ ، سنة ست عشرة وثلاثمائة، حدثنا أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزّتِىّ،
قال: قال الشافعيّ: أخبرنا سفيان، عن الزُّهرِىّ، عن أبى سلمة ، عن أبى هريرة: أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ بَّدَهُ
فِ اْإِنَّاءِ حَتَى يَغْسِلَهَاَ ثَلَاثً؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِى أَيْنَ بَتَتْ يَدُهُ)) .
هذا أول أحاديث الجزء، وكله سماعا بهذا السند، وأكثره بمثل هذا الإسناد العظيم،
فمن أبى نعيم إلى أبى هريرة كلهم أئمة، أجلاء، ثمانية من السادات؛ علما، ودينا،
وإتقانا .
(٢) يفتح الميم وسكون الحاء وفى آخرها
(١) فى المطبوعة: خبر، والمثبت من: ج ، د.
ميم ثانية، هذه النسبة إلى محم، وهو بيت كبير بنيابور، يقال لهم: المحمية، اللباب ٠٨/٣
(٣) فى ج: وسبعين، والمثبت فى المطبوعة، فـ .

- ٩٧ -
﴿ومن مستغرب روايات أبى إبراهيم عن الشافعىّ ومستظرفها)
قال البيهقيّ فى كتاب ((أحكام القرآن)» الذى جمعه من كلام(١) الشافعىّ،
وهو كتاب نفيس ، من ظريف مصنّفات البيهقىّ: سمعت أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن عَبْدان
الكِرْمانِىّ، يقول: سمعت أبا الحسن محمد بن أبى إسماعيل العَلَوىّ بُخارَى، يقول: سمعت
أحمد بن محمد بن حسَّان المصرىّ بمكة، يقول: سمعت المُزَّفِىّ، يقول: سُئل الشافعىّ عن قول
اللهعزوجل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاهُبِينَ. فِيَغْفِرَ لَّكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنِبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾(٢)
قال : معناه ما تقدم من ذنب أبيك آدم عليه السلام وهبتُهُ لك، وما تأخر من ذنوب أُمَّتَك
أُدخلهم الجنة بشفاعتك. قال البيهقىّ: وهذا قولْ مُستَظْرِف.
قال : والذى وضعه الشافعى - يعنى فى تفسير هذه الآية - فى تصنيفه، وصح فى الرواية
وأشبه بظاهرالآ ية - يعنى ما تقدم قبل الوحى، وما تأخر - أن يعصمه فلا يذنب ، فعليم ما يفعل
به مِن رضاه عنه، وأنه أول شافع، وأول مُشفّع يوم القيامة، وسيد الخلائق . كذا روا،
الربيع ، عن الشافعىّ.
قلتُ: وقد نُقِل عن عطاء الْخُراسانىّ مثل التفسير الذى رواه المُزّىّ، عن الشافعىّ
وهو أنه قال : ما تقدم من ذنب أبويك: آدم وحواء ، ببركتك ، وما تأخر من ذنب
أُمتك بدعوتك .
قال الطَّحاوِىّ: حدثنا المُزَّنِىّ، قال: سمعتُ الشافعىّ، يقول: دخل ابن عباس على
عمرو بن العاص، وهو مريض ، فقال: كيف أصبحتَ ؟ فقال: أصبحت ، وقد أفسدت
مِن دنياى كثيرا، وأصلحت من دينى قليلا؛ فلو كان ما أصلحت هو ما أفسدت لفُرْتُ،
ولو كان ينفعنى أن أطلبَ طلبتُ ، ولو كان ينجينى أن أهرب هربتُ، فعظنى بموعظة أنتفع
بها يا ابن أخى. فقال: هيهات يا أباعبد الله. فقال: اللهم إن ابن عباس يقنِّطُنى من رحمتك
نفذ منِّی حتی ترضى .
(١) فى المطبوعة، د: كتاب، والمثبت من: ج .
(٢) سورة الفتح ٢٠١.
(٢/ ٢ - طبقات)
٦

- ٩٨ -
قال أبو إبراهيم المُزَنِّ رحمه الله: كنت يوما عند الشافعىّ، أسائله عن مسائل بلسان
أهل الكلام ، قال : فجعل يسمع منى، وينظر إلىّ ، ثم يجينى عنها بأحضر جواب ؛ فلما
اكتفيت قال لى: يا بنى، أدَلك على ما هو خير لك من هذا؟ قلت: نعم. فقال: يا بنى
هذا علم إن أنت أصبتَ فيه لم تُؤْجَر ، وإن أخطات فيه كفرت ، فهل لك فى علم إن أصبت
فيه أُجرت ، وإن أخطأت لم تأثم؟ قلت: وما هو؟ قال: الفقه . فلزمته ، فتعلمت منه الفقه،
ودرست عليه .
قال: وكنت يوما عنده إذا دخل عليه حفص القرد، فسأله عن سؤالات كثيرة ، فبينما
الكلام يجرى بيتهما، وقد دَقَّ حتى لا أفهمه، إذ التفت إلىَّ الشافعى مسرعاً، فقال:
يا مُزَنِىّ ، قلت : لبّيك. قال: تدری ما قال حفص؟ قلت : لا، قال: خير لك أن لاندری.
قلت: قوله ((بأحضر جواب)) هو بالحاء المهملة بعدها ضاد منقوطة: أفعل تفضيل
من حضر يحضر ، كذا سمعت والدى رحمه الله يلفظ به . وقد حدثنا هذه الحكاية
من لفظه :
أخبرنا عبد الرحمن بن مخلوف بن جماعة، أخبرنا ابن رَوَاح ، أخبرنا السِّلَفىّ ، أخبرنا
العَلَّاف، أخبرنا الحَمَّامِىّ، أخبرنا الْخُلِىّ، حدثنى أبو اليَسَار الأحْوَل: سمعت أبا إبراهيم.
بقول ، فذ کره .
قال أبو إبراهيم: سمعت الشافعىّ، يقول: ما رفعتُ أحدا فوق منزلته، إِلا حَطَّ منى
بمقدار ما رفعتُ منه .
قال الرافعى فى ((باب المسابقة)): عن المُزَنِيّ أنه قال: سألْنا الشافعى أن يصنف لنا
((كتاب الرَّمْى والسَّبْق)) فذكر لنا أن فيه مسائل صِعابا، ثم أملاه علينا، ولم يُسْبَقَ
إلى تصنيف هذا الكتاب . انتهى .
١)
قلتُ: قوله: (( ولم يُسبق إلى تصنيف هذا الكتاب )) هو من كلام
(١) بياض فى كل الأصول ..

- ٩٩ -
قال المُزَفِىّ: سمعتُ الشافعىّ يقول: مَن تعلَّ القرآن عظُمت قيمته ، ومَن نظر فى الفقه
نَبْل قدره ، ومَن كتب الحديث قِوِيَت حُجَّته، ومَن نظر فى اللغة رَقَّ طبعه ، ومَن نظر
فى الحساب جَزُل رأيه، ومَن لم يَصُنْ نفسه لم ينفعْه علمه .
• قال ابن خُزَيمة: عن المُزَنِىّ، سئل الشافعىّ عن نعامة ابتلعت جوهرة لرجل،
فقال: لست آمرُه بشىء، ولكن إن كان صاحب الجوهرة كَيُّا عَدًا على النَعامة فذبحها،
واستخرج جوهرته، ثم ضَمِن لصاحب العامة ما بين قيمتها حيَّة ومذبوحة .
قال المزَنِيْ: سمعت الشافعىّ، يقول: رأيت بالمدينة أربع عجائب: رأيت جَدَّةً بنت
واحدة وعشرين سنة، ورأيت رجلا فلَّه القاضى فى مُدَّيْن نَوَّى، ورأيت شيخا قد أنى
عليه تسعون سنة، يدور نهاره أجمعَ حافيا راجلا (١) على القَينات يعلمهن الغِناء، فإذا أتى
الصلاة صلّى قاعدًا ، ونسيتُ الرابعة .
قال الُزَنِىّ: مررنا مع الشافعىّ وإبراهيم بن إسماعيل بن مُلَيَّة على دار قوم، وجارية
تغنيهم(٣) :
خليليَّ ما بالُ المَطايا كأنَّا نراها على الأعْقابِ بِالقَوْمِ تَنْكُصُ
فقال الشافعىّ: مِيلوا بنا نسمع. فلما فرغتْ، قال الشافعىّ لإبراهيم: أيُطْرِبُك هذا؟
قال : لا ، قال : فما بالك(٣)!
قال الأنماطِىّ: قال المزَفِىّ: أنا أنظر فى كتاب (الرسالة)) منذ خمسين سنة، ما أعلم
أنى نظرت فيه مرة إلا وأنا أستفيد شيئاً لم أكن عرفته.
• قال المُزَفِىّ: سمعت الشافعىّ يقول: القَدَرية الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((هُمْ يَجُسُ هُذِهِ الْأُمَّةِ)) الذين يقولون: إن الله لا يعلم بالمعاصى حتى تكون.
(٢) البيت لعمر بن أبى ربيعة ، وهو فى
(١) فى المطبوعة: داخلا، والمثبت من: ج، د.
(٣) فى المطبوعة : فمالك، والمثبت من :
ديوانه ٣١٣، وفيه : * خليل ما بال المطايا كآما *
ج،د.

- ١٠٠ -
وقال : سمعت الشافعىّ يقول: أقّتُ أربعين سنة أسأل الذين تزوجوا، فما منهم أحد
قال إنه رأی خیرا .
قال : وسمعته يقول: أظلم الظالمين لنفسه من تواضع لمن لا يكرمه، ورغب فى مودّة
من لا ينفعه .
• وعن المُزَنِّ: سمعت الشافعيّ يقول: لا يَحِلُّ لأحد سمع حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فى رفع اليدين ، فى افتاح الصلاة ، وعند الركوع، والرفع من الركوع
أن يترك الاقتداء بفعله صلى الله عليه وسلم.
قلتُ : هذا صريح فى أنه يوجب ذلك .
وروى الحافظ أبو الحسن على بن الحسن بن حَمَكان(١) فى ((كتابه فى مناقب الشافعى)»
أن المُزَنِىّ قال: سمعت الشافعىّ يقول: بعث إلىَّ هارون الرشيد فيلا الربيعَ، فهجم علىَّ
من غير إذن، فقال لى : أَجِبْ.
فقلت له : فى مثل هذا الوقت ، وبغير إذن !
قال : بذلك أُمِرْت.
خرجت معه، فلما صرت باب الدار، قال لى: اجْلِس، فلعلَّه قد نام، أو قد سكنتْ
سَوْرة غضبه ، فدخل فوجد الرشيد منتصباً، فقال: ما فعل محمد بن إدريس؟ قلتُ:
قد أحضرته . خرجت فأشخصتُهُ .
قال الشافعىّ: فتأمَّنى. ثم قال لى: يا محمد أرْ عَبْناك فانصِرِف راشدًا، ياربيع احمل معه
بَدْرة ودراهم. قال، فقلتُ: لا حاجة لى فيها. قال: أقسمت عليك إلَّا أخذتها. فحُمِلتْ
بین یدیَّ .
فلما خرجتُ قال لى الربيع : بالذى سخّر لك هذا الرجل ، ما الذى قلتَ ؟ فإنى
أحضرتُك ، وأنا أرى موضع السيف مِن تَفَاك. فقلتُ: سمعت مالك بن أنس يقول:
(١) بجاء مهملة بعدما ليم مفتوحتان وكاف. شذرات الذهب ١٧٤/٣.