Indexed OCR Text
Pages 61-80
- ٦١ - قلت : وكيف لا يشدّد المكين فيها؟ وقد أقروا فى ذهنه أنها حق، يقرّ به إلى الله، حتى إنهلما كان الغداء فى سنة إحدى وثلاثين ومائتين، واستفكّ الواثق مِن طاغية الروم أربعة آلاف وستمائة نفس، قال ابن أبى دُؤاد، على ما حُكم عنه ، ولكن لم يثبت عندنا : من قال من الأسارى القرآن مخلوق؛ خلِّصوه وأعطوه دينارين، ومن امتنع دعوه فى الأسر . وهذه الحكاية إن صحّت عنه، دلّت على جهل عظيم، وإفراط فى الكُفر. وهذا من الطِّراز الأول، فإذا رأى الخليفة قاضيا يقول هذا الكلام، أليس يوقعه ذلك فى أشد مما وقع منه؟ فنعوذ بالله من علماء السوء، ونسأله التوفيق والإعالية، ونعود إلى الكلام فى ترجمة الإمام أحمد. ﴿مناظرة بين الشافعى وأحمد بن حنبل رضى الله عنهما) • حُكى أن أحمد ناظر الشافعىّ فى تارك الصلاة، فقال له الشافعى": يا أحمد أنقول إنه يكفُرِ ؟ قال : نعم . قال: إذا كان كافرا فيم يُسلم ؛ قال: يقول لا إله إلا الله ، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الشافعىّ : فالرجل مستديم لهذا القول، لم يتركه . قال : يُسلم بأن يصلَِّ . قال : صلاة الكافر لا تصح، ولا يحكم بالإسلام بها . فانقطع أحمد وسكت . حكى هذه المناظرة أبو علىّ الحسن بن عَمّار من أصحابنا، وهو رجل مَوصِلىّ، من تلامذة فخر الإسلام الشَّاشِّ. ● رأيت فى تاريخ نيسابور للحاكم فى ترجمة الحافظ محمد بن رافع: أخبرنا أبو الفضل ، حدثنا أحمد بن سَلَمة ، قال: سمعت محمد بن رافع يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا قال المؤذّن فى أذانه: صلّوا فى الرِّحال، فلك أن تتخلف ، وإن لم يقل فقد وجب عليك إذا قال: حَىَّ على الصلاة، حَىَّ على الفلاح. - ٦٢ . - وأسند الرفاعىّ فى ((أماليه)) أن أباالوليد الجرّار (١) قال: أنشدت بين يدى الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله ورضى عنه . يزيد كملاً حين يبدو على البدر وأحْوَرَ محسودٍ على حسن وجههِ دعائى بعينيهِ فلما أجببته وكلّفنى صبرا عليه فلم أُطِقْ شكوتُ الهوى يوماً إليه فقال لى أطعتُ الهوى لا بارك الله فى الهوى فقال أحمد بن حنبل: صدق الشاعر، لابارك الله فى الهوى . زمانى بنُتّاب المنيّة والهجر كالم يطق موسى اصطباراً على الخضر مُسَيْلِمَةُ الكذّابُ جاه من القبرِ فَأْزَلنى دار الَذلّةَ وَالصُّغْرِ وروى الحاكم أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور، فى ترجمة محمد بن نصر الفَرّاء - وهو فى الطبقة الخامسة - أنه سمع أحمد بن حنبل يقول: حدثنا الشافعى، عن مالك بن أنس، عن ابن عَجْلان، قال: إذا أغفل العالم «لا أدرى)» أصيبت مَقاتله، وإن أحمد بن حنبل قال: لم يسمع مالك من ابن عَجْلان إلا هذا . قلت : هذه فائدة . أخبرنا الحافظ أبو الحجّاج يوسف بن الزّكِىّ عبد الرحمن المِزِّىّ، وعبد الرحيم بن إبراهيم بن إسماعيل بن أبى انيَسَر، قراءة عليهما وأنا أسمع ، قال الأول: أخبرنا على بن أحمد بن البخارىّ ، وأحمد بن شيبان بن ثعلب ، والمسلم بن عَلّان، وزینب ینت مكّىّ بن كامل الحرّانىّ، وقال الثانى: أخبرنى جَدِّى أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبى الْيَسَر سماعا، قالوا : أخبرنا حنبل بن عبد الله، أخبرنا هبة الله بن محمد، أخبرنا أبو على بن المُذْهِب: أخبرنا أبو بكر بن حمدان، أخبرنا عبد الله بن أحمد ، حدثنا أبى رضى الله عنه ، حدثنا محمد بن إدريس الشافعى رضى الله عنه، أخبرنا مالك رضى الله عنه ، عن نافع رضى الله عنه، عن ابن عمر رضى الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لَا يَبِعْ .(١) فى المطبوعة: الجزار. وفي د: الخراز. واختربا ما فى ج . ۔۔ - ٦٣ - بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضْىٍ)) ونهى عن النَّجْضى(١)، ونهى عن بيع حَبَلِ الحَبَلَةُ(٢)، ونهى عن المزابنة. والمزابنة: بيع التَمْر بالتمر كَيلًا ، وبيع الكرْم بالزبيب كيلا . هذا الحديث مستحسن الإسناد ؛ لرواية الأكابر فيه بعضهم عن بعض . وسيأتى إن شاء الله تعالى مثله فى ترجمة المُزّلىّ؛ وأنا أسمى هذا الإسناد عقد الجوهر، وإذا سمّى مالك عن نافع عن ابن عمر ، سلسلة الذهب ، فقل إذا شئت فى أحمد عن الشافعىّ عن مالك عن نافع عن ابن ر، والمزَنِىّ عن الشافعىّ هكذا؛ والبُوَيْطِىّ عن الشافعىّ هكذا، هذا عقد الجوهرى ، ولا حرج عليك . وليس فى مسند أحمد رواية أحمد عن الشافعىّ، عن مالك، عن نافع ، عن ابن عمر ، غير هذا الحديث . ٨ أحمد بن محمد بن سعيد بن جبلة أبو عبد الله الصَّيْرفيّ البغدادى* سمع الشافعىّ ، وغيره . (١) فى المطبوعة: الفحش. وهو خطأ، صوابه من: ج، د.قال صاحب القاموس: النجش أن تواطئ رجلا إذا أرادربيعا أن تمدحه، أو أن يريد الإنان أن يبيع بياعة فقاومه فيها بثمن كثير لينظر إليك ناظر فيقع فيها ، أو أن ينفر الناس عن الشىء إلى غيره . القاموس (ن ج ش ) . (٢) قال ابن الأثير: الحبل - بالتحريك -: مصدر سمى به المحمول، كما سمى بالحمل، وإنما دخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه . فالحبل الأول يراد به ما فى بطون النوق من الحمل ، والثانى حبل الذى فى بطون التوق، وإنما نهى عنه لمعنيين: أحدهما أنه غرر وبيع شىء لم يخلق بعد، وهو أن يبيع ماسوف يحمله الجنين الذى فى بطن الناقة، على تقدير أن تكون أنتى، فهو بيع نتاج النتاج. وقيل: أراد بحبل الحبلة أن يبيعه إلى أجل يفتح فيه الحمل الذى فى بطن الناقة، فهو أجل مجهول ولا يصح. النهاية ٣٣٤/١ * له ترجمة فى تاريخ بغداد ١١/٥. ٦٤٠٠ب ٩ أحمد بن محمد بن الوليد ويقال عَون بن عُقبة بن الأزرق بن عمرو بن الحارث بن أبى شَمِر الأزرقىّ القوّاس المكىّ؛ أبو الوليد. وقيل أبو محمد. وقيل: أبو الحسن* وهو جد صاحب ((تاريخ مكة)). روى عن عمرو بن يحيى بن سعيد الأموىّ، ومالك، وعبد الجبار بن الوَرْد، وإراهيم ابن سعد، وفَضَيل بن عياض، ومسلم بن خالد الزَّتِجِىّ، وجماعة. روى عنه البخارىّ، ومحمد بن سعد كاتب الواقديّ، وأبو حاتم ، وجنبل بن إسحاق ، وأبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذىّ شيخ الشافعية، ولعله آخر من روى عنه. توفى سنة اثنتين وعشرين ومائتين، على ما حرره شيخنا الذهبىّ، ووهِم بعضهم فقال: سنة ثنتى عشرة، وأظن الوهم سرى إلى هذا القائل من قول البخارىّ: فارقته حيا سنة ثنتى عشرة، وقد صح أنه كان حيا سنة سبع عشرة ، ومن ثم قال ابن عساكر: مات سنة سبع عشرة أو بعدها . قلت : الصحيح سنة اثنتين وعشرين . ١٠ أحمد بن يحيى بن عبد العزيز البغدادى". أبو عبد الرحمن الشافعىّ المتكلم حدّث عن الشافعىّ، والوليد بن مسلم التََّفىّ. روى عنه أبو جعفر الحضر مي مُطٍ * له ترجة فى: تهذيب التهذيب ٧٩/١، الجمع بين رجال الصحيحين ١١، النجوم الزاهرة٢٣٧/٢ * : له ترجمة فى: تاريخ بغداد ٢٠٠/٥، طبقات الشيرازى ٨٤ .. - ٩٥ - قال الدار قطنىّ: كان من كبار أصحاب الشافعىّ الملازمين له ببغداد، ثم صار من أصحاب ابن أبى دُؤاد، واتبعه على رأيه، وكذلك قال الشيخ أبو إسحاق(١). وقال أبو عاصم: هو أحد الحفّاظ النسّاك المفتين . قال: والشافعىّ منعه من قراءة كتبه؛ لأنه كان فى بصره سوء . وقال زكريا الساجى: قلت لأبي داود السِّجِسْتَانِيّ: مَن أصحاب الشافعىّ؟ فقال: اُلْحَمَيْدِىّ، وأحمد، والبُوَيْطِىّ، والربيع، وأبو ثور، وابن الجارُود، والزَّعفرانىّ، والكرابيىّ، والمُزَّنىَ، وحَرْمَلة، ورجل ليس بالمحمود: أبو عبد الرحمن أحمد بن يحي الذى يقال له الشافعى"؛ وذلك أنه بدَّل وقال بالاعتزال. قلت : وقال أيضاً بمنكرات من المسائل: • فذهب فيما نقله أبو الحسن الجوزىّ(٢) فى [كتابه المرشد](٣) شرح مختصر المُزَّنِىّ إلى أن الطلاق لا يقع بالصفات ، محتجًا بأنه لمّا لم يجز نكاح المتعة؛ لأنه عقد معلّق بصفة فكذلك الطلاق بصفة عقدٌ معلَّق. وهذا قولٌ باطل، هاجم على خَرْق الإجماع ، وهو مثل قول الظاهرية، كما صرّح به ابن حَزْم فى ((الحَلَى)) وغيره: • أن مَن قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، أو ذكر وقتاً مّا، فلا تكون طالقاً بذلك؛ لا الآن ولا إذا جاء رأس الشهر . ولعل هذا من مفردات الظاهرية . وقد أطال الشيخ الإمام الوالد الكلام على هذا ، وحرر مخالفته للإجماع فى كتابه ((الردّ على ابن تيمية فى مسألة الطلاق)) كتاب ((التحقيق))، الذى هو من أجلّ تصانيف الشيخ الإمام . (١) فى الطبقات الوسطى: واعلم أن أبا عبد الرحمن هذا إنما ذكرناه تبعا الشيخ، وإلا فهو حقيق بألا يذكر مع أصحابنا، كيف وقد صرح الشيخ برجوعه عن رأى الشافعى ، وهو غير مرض! (٢) فى الطبقات الوسطى بضم الجيم، ضبط قلم، وانظر اللباب ٠٢٥٢/١ (٣) من الطبقات الوسطى. (٢/٠ - طبقات) - ٦٦ - قرأت على المسند أبى عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخباز، أخبرك المسلم ابن عَلّان كتابة، أخبرنا أبو اليُمْن الكندىّ، أخبرنا أبو منصور القَزّاز، أخبرنا الخطيب أبو بكر الحافظ ، كتب إلىّ محمد بن أحمد بن عبد الله الجواليقي من الكوفة، فذكر أن إبراهيم بن أحمد بن أبى حَصين(١) الهمدانىّ أخبرهم، ثم أخبرنى القاضى أبو عبد الله الصَّيْرِىّ ، قراءةً، حدثنا أحمد بن محمد بن على الصَّيْرَفىّ ، حدثنا إبراهيم بن أحمد بن أبى حَصين، حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الخضْرَمِّ، حدثنا أحمد بن يحيى أبو عبد الرحمن الشافعى، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعىّ، حدثنا أبو النَّجاشِىّ، مولى رافع، عن رافع قال: كنا نصلى مع النبى صلى الله عليه وسلم [العصر](٢) ثم ننجر الجزور فتُجزّأ عشرة أجزاء، ثم تُطِيخ، فأكل لحما نَضيجا، قبل أن نصلىَ المغرب. رواه البخارىّ ومسلم(٣) ١١ أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان بن المهاجر التّحِيِّ أبو عبد الله المصرىّ الحافظ النحوى " مولاهم أحد الأئمة . روى عن عبد الله بن وهب، وشُعيب بن الليث، وأَصْبَغ بن الفرج، وجماعة . روى عنه النَّسائى وقال: ثقة، والحسين بن يعقوب المصرىّ، وأبو بكر بن أبى داود، وآخرون . (١) فى ج: حصي. والمثبت فى المطبوعة، د، تاريخ بغداد، وانظر المشتبه ٢٤٠ (٢) ريادة من الصحيحين . (٣) البخارى فى (باب الشركة فى الطعام من كتاب الشركة) ٣ / ١٨٠. ولفظه: كنا نصلى مع التبى صلى الله عليه وسلم العصر فتخر جزوراً، فتقسم عشر قسم، فأ كل لما نضيجا قبل أن تغرب الشمس. ورواه مسلم فى (باب استحباب التبكير بالعصر، من كتاب المساجد ومواضع الصلاة) ١ /٠٤٣٥ ولفظه: كنا نعلى العصر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تتحر الجزور، فتقسم عشرقم، ثم تطبخ، فأ كل لحما نضيجاً قبل مغيب الشمس . * له ترجمة فى: إنباه الرواة، ١٥٢/١، بغية الوعاء ١٧٤، تهذيب التهذيب ٨٩/١. إراهم بن احمد بن الى حصين الهمدانى اخبرم ، ثم احبرى السسى إبوجه : - ٦٧ - وُلد سنة إحدى وسبعين ومائة، وكان من أعلم أهل زمانه بالشعر والأدب والغريب وأيام الناس، وصحب الشافعىّ وتفقّه له، وكان يتقبّل فيما ذكر بعضهم، أى يستأجر الأراضى للزرع، ويعمل الفلاحة، فانكسر عليه بعض الخراج، خميسه أحمد بن محمد بن المدبِّر على ما انكسر عليه ، فمات فى السجن لستٍ خلون من شوال سنة إحدى وخمسين ومائتين، فيما ذكر بعضهم ، وذكر آخرون أنه إنما مات سنة خمسين ومائتين فى الشهر المذكور ، فى السجن بمصر. قال زكريا الساجى: بلغنى عن محمد بن الوزير أنه قال: ما شرب الشافعىّ من كوز مرتين، ولا عماد فى جماع جارية مرتين. ذكر ذلك الحاكم فى مناقب الشافعى"، ورأيته كذا بخط بعض المحدثين: محمد بن الوزير، وإنما هو أحمد بن يحيى بن الوزير . ١٢ أحمد بن أبى شُرَيح الرازىّ • ذكر العبّادىّ أنه قال: سمعت الشافعي يقول: ما تخلل الإنسانُ(١) بخلال من بين أسنانه فليقذفه، وما أخرجه بأصبعه فليا كله. قال أبو عاصم: وفيه أثر: ((كُلُوا الوَغْمَ وَاْرَحُوا الْفَغْمَ )). والوَغْم: ما تساقط من الطعام. والقَغْم: ما تعلّق بين الأسنان منه ، أى كاوا فُتات الطعام ، وارموا ما يُخرجه الخلال. ١٣ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أَعْيَن بن ليث الإمام أبو عبد الله المصرى* أخو عبد الرحمن وسعد . وُلد سنة اثنتين وثمانين ومائة . (١) فى ج: الأسنان. والمثبت فى المطبوعة، د، آداب الشافعى ٢٧٢. * له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١١٥/٢، تهذيب التهذيب ٩ / ٢٦٠، الديباج المذهب ٢٣١، شذرات الذهب ١٥٤/٢، طبقات الشيرازى ٨١، طبقات القراء ١٧٩/٢، وفيات الأعيان ٣٣٣/٣ - ٦٨ - وروى عن عبد الله بن وهب ، وابن أبى فُدَيك، وأبى صمرة أنس بن عياض، وأشهب بن عبد العزيز، والشافعىّ وبه تنته، وطائفة. روى عنه الَّسائىّ، وأبو حاتم الرازى، وعبد الرحمن بن أبى حاتم، وابن خُزّيمة وأبو العياس الأصمّ، وابن صاعد، وأبو بكر بن زياد النَّيسابورىّ، وجماعة. ولازّم الشافعى رضى الله عنه مدة. وقيل: إن الشافعى" كان معجبًا به لفرط ذكائه ، وحرصه على الفقه . قال أبو عمر(١) الصَّدَفِىّ: رأيت أهل مصر لا يعدلون به أحدا، ويصفونه بالعلم والفضل والتواضع . وقال النَّسائىّ: ثِقَةَ. وقال فى موضع آخر: صَدُوق لا بأس به . وقال فى موضع ثالث: هو أُظْرِفِ (٢) من أن يكذب . وقال أبو بكر بن خُزيمة: مارأيت فى فقهاء الإسلام أعرف بأقاويل الصحابة والتابعين من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. وقال مرّة: كان محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أعلم من رأيت على أديم الأرض بمذهب مالك وأحفظهم له، سمعته يقول: كنت أتعجّب. ممن يقول فى المسائل: لا أدرى! قال: وأما الإسناد فلم يكن يحفظه . قلت: إنما ذكرنا ابن عبد الحكم فى الشافعيين تبعاً للشيخ أبي عاصم العبَّادى، والشيخ أبى عمرو بن الصَّلاح ، وكان الحامل لهما على ذكره حكاية الأصحاب عنه مسائل رواها عن الشافعى، وإلا فالرجل مالكىّ، رجع عن مذهب الشافعى". قال ابن خُزيمة فيا رواه الحاكم عن الحافظ حُسَيْنك التَّميمى، منه: كان ابن عبد الحكم من أصحاب الشافعىّ. فوقعت بينه وبين البُوَيْطِىّ وحشة فى مرض الشافعى. تحدثنى أبو جعفر السّكَّرى، صديق الربيع قال: لما مرض الشافعى" جاء ابن عبد الحنكم ◌ُنازعِ الْيُوَيْطِىّ فى مجلس الشافعىّ، فقال البُوَيْطِىّ: أنا أحقّ به منك، فجاء ... (٢) فى المطبوعة: أصدق. والمثبت (١) فى المطبوعة: أبو عمرو. وأتبتناما فى: ج، د من : ج ، د، الطبقات الوسطى . ١٠٠٠ - ٦٩ - اُلْحَمَيْدِىّ وكان بمصر، فقال: قال الشافعى": ليس أحد أحقّ بمجلسى من البُوَيْطِيّ، وليس أحد من أصحابى أعلم منه. فقال له ابن عبد الحكم: كذبت، فقال له الحميدىّ: كذبت أنت وأبوك وأمك. وغضب ابن عبد الحكم ، فترك مذهب الشافعى. حدثنى ابن عبد الحكم قال : كان الميدىّ معى فى الدار نحوا من سنة، وأعطانى كتاب ابن مُيَيْنة ، ثم أبوا إلا أن يوقعوا بيننا ماوقع . قلت: ثم انتبهت حال ابن عبد الحكم إلى أن صنف كتابا سماه ((الرد على الشافعى" فيما خالف فيه الكتاب والسنة)) وهو اسم قبيح ، ولقد نالته بعد هذا التصنيف محنة صعبة يطول شرحها . توفى ابن عبد الحكم فى النصف من ذى القعدة، سنة ثمان وستين ومائتين(١). وفى المحدِّتين(٢): محمد بن عبد الله بن عبد الحكم غير.(٣). رجل روى عن أحمد بن مسعود المَقْدِسِى". روى الحافظ أبو نُعَيْم الأصبهافى حديثه فى ((الحلية)) فقال: حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسين ، قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. • أخبرنا أبو زكريا يحيى بن يوسف بن أبي محمد الصَّيْرِفىّ، قراءةً عليه، وأنا أسمع فى ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وسبعمائة بمصر ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن ظافر بن رَواج إجازة . ح : وحدثنا الشيخ الإمام الوالد رحمه الله من لفظه، فى يوم الجمعة ثانى عشر (١) فى الطبقات الوسطى : قال ابن الصلاح: حكى عن ابن عبد الحكم صاحبه محمد بن رمضان بن شاكر الزيات المالكى أنه سئل عن الجن : هل لهم فى الآخرة جزاء على أعمالهم؟ فقال: نعم .. والقرآن يدل على ذلك . قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ وأنه قال فى الحديث الذى روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((صومكم يوم نحركم)). هذا من حديث الكذابين. وأنه قال: ليس يصح الحديث الذى جاء فيه: ((( من وسم على أهله يوم عاشوراء ... )). (٢) فى المطبوعة: المحمدين. والمثبت من: ج، د. (٣) له ترجمة فى تهذيب التهذيب٢٦٢/٩ - ٧٠ - ذى الحجة، سنة ثمان وأربعين وسبعمائة بالمدرسة العادلية الكبرى بدمشق ، أخبرنا عبد الرحمن بن مخلوف بن جماعة ، سماعا عليه، أخبرنا بن رَواج ، سماعا ، قال : أخبرنا. الحافظ أبو طاهر السِّلَفىّ، أخبرنا على بن محمد بن على [بن محمد](١) الغلاف، أخبرنا على ابن أحمد بن عمر الحمّامِىّ، حدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن مسلم الخُتْلِىّ، حدثنا. أبو سليمان محمد بن على الجرّانى، حدثنا الحسين بن محمد، يعنى ابن الصَّخَّاك بن يحيى ، بمصر، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعى يحكى عن إنسان سماء أنه سئل عن العدل ، فقال: ليس أحد يطيع الله عز وجل حتى لا يعصيه ، ولا أحد يعصى الله عز وجل حتى لا يطيعه، ولكن إذا كان أكثر أمر (٢) الرجل الطاعة لله عز وجل،. ولم يُقدم على كبيرة فهو عَدْل . قات: كذا جاء فى هذه الرواية مقيدا بقوله ((ولم يُقدم على كبيرة)) وجاء فى روايات أخَر مطلقا ، والمطلق محمول على المقيّد . ● قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: حدثنا الشافعى" قال: ذكرت لمحمد بن الحسن الدعاء فى الصلاة، فقال لى : لا يجوز أن يُدْعى فى الصلاة إلا بما فى القرآن، وما أشبهه. قلت له : فإن قال رجل: اللهم أطعمنى قِثَّاء(٣) وبصلا وعدسا؛ أو ارزقنى ذلك أو أخرجه لى من أرض ، أيجوز ذلك ؟ قال : لا . قلت : فهذا فى القرآن ، فإن كنت إنما تجيز ما فى القرآن خاصة فهذا فيه، وإن كنت يجيز غير ذلك ، فلم حظرتَ شيئاً وأبحت شيئاً ؟ قال : فما تقول أنت ؟ قلت: كل ما جاز للمرء أن يدعوَ الله به فى غير صلاة نجاز أن يدعوَ به فى الصلاة، بل أستحبّ ذلك؛ لأنه موضع يُرجى سرعة الإجابة فيه ، والصلاة: القراءة والدعاء والنهى عن الكلام فى الصلاة هو كلام الآدميين بعضهم لبعض فى غير أمر بصلاة . (١) زيادة فى المطبوعة. (٢) فى المطبوعة: أمور. وأثبتنا ما فى: ج، د. (٣) فی د : توما - ٧١ - قلت : فى المناظرة رد على دعوى الشيخ أبى محمد فى منع الدعاء بجارية حسناء. قال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعى يقول: لم يثبت عن ابن عباس فى التفسير إلا شبيه بمائة(١) ، وقال: سمعت الشافعىّ يقول: ثلاثة أشياء ليس لطبيب فيها حيلة: الحماقة والطاعون والهرَم . قلت: وفى آخر كتاب (( آداب الشافعى"))(٣) لعبد الرحمن بن أبى حاتم: سمعت ابن عبد الأعلى يقول: قال لى الشافعى": لم أرشيئاً أنتفع للوباء من البَنَفْسَجُ يدهَن به ويُشرب . قلت : والوباء غير الطاعون ، فلا منافاة بين الأمرين . ١٤ محمد بن الشافعيّ إمامنا الإمام الأعظم المطَّلِىّ أبى عبد الله محمد بن إدريس ابن العباس بن عثمان بن شافع ابن السائب بن معُبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصى الشيخ أبو عثمان القاضى وهو أكبر أولاد الشافعىّ، ولما توفى والده كان بالغا مقيا بمكة، وهو الذى قال له الإمام أحمد بن حنبل: إنى لأُحبك لثلاث خلال؛ أنك ابن أبى عبد الله ، وأنك رجل صفات من قريش ، وأنك من أهل السنة . سمع أباه، وسفيان بن ◌ُيَيْنة ، وعبد الرزّاق ، وأحمد بن حنبل. قال الخطيب : وذكر لى الحسن بن أبى طالب أنه ولى القضاء ببغداد ، وحدث عن عبد الرزاق، وهذا القول عندى غير صحيح ، إنما ولى القضاء بالجزيرة وأعمالها ، وهناك أيضا حدَّث، والجزربين عنه رواية . (١) فى المطبوعة: إلا ستمائة حديث. والمثبت من: ج، د. (٢) أداب الشافعى : ٣٢٤ - ٧٢ - وولى أيضاً القضاء بمدينة حلب ؛ وبقى بها سنين كثيرة ، وأعقب ثلاث بنين ، منهم العباس بن محمد بن محمد بن إدريس ، وأبو الحسن، مات رضيعا، وفاطمة لم تُعقِب وقيل للشافعى رضى الله عنه، ما اسم أبى عثمان؟ فقال: سميته أحب الأسماء: إلى". محمداً. ولأبى عثمان مناظرة مع الإمام أحمد بن حنبل فى جلود الميتة إذا دُبفت. وقد ذكر شيئاً من حديثه الحافظ أبو عبيد الله ابن أبى زيد المعروف بابن المقرى فى كتابه فى («مناقب الشافعى))، وأسند حديثه عن عبد الرزّاق وسفيان بن مُيَيْنة وغيرها. انتهى . وروى الحاكم فى ترجمة أبى بكر محمد بن عبد الله الصِّبْغِىّ، أحد أئمة أصحابنا، عن عبد الرحمن بن أبى حاتم قال: أخبر نى أبو محمد ابن بنت الشافعىّ، قال: حدثنا أبي قال : عاتب محمد بن إدريس ابنه أبا عثمان، فكان فيما قال له فى وعظه: يأُبنى، والله لو علمتُ أن الماء البارد يَثْلِم من مروءتى ما شربتُ إلا حارًا . أخبرنا عمر بن حسن بن مَزيد بن أمِيلة، بقراءتى عليه ، أخبرنا أبو العز يوسف بن يعقوب بن المجاور إجازة ، أخبرنا أبو اليْن الكِنْدِىّ، أخبرنا أبو منصور القزاز، أخبرنا الخطيب أبو بكر الحافظ، قال: حدثنى الحسن بن محمد الخلال، حدثنا على بن الحسن الجرّاحىّ، حدثنا عبد الله بن محمد بن زياد، قال: حدثنا المَيْمونىّ، قال: قال لى محمد بن محمد ابن إدريس الشافعىّ القاضى، قال قال لى أحمد بن حنبل: أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم فى السَّحَرَ(١). وبه إلى الخطيب قال : وأخبرنا على بن طلحة المُقْرِى، حدثنا محمد بن العباس، حدثنى جعفر بن محمد الصَّنْدَلىَ، حدثنا خَطّاب بن بشر ، قال: جعلت أسأل أبا عبد الله أحمد ابن حنبل، فيجيبنى ويلتفت إلى ابن الشافعى"، ويقول: هذا مما علّمنا أبو عبد الله . يعنى الشافعى" . (١) فى المطبوعة: المجود. وأثبتنا ما فى : ج ، د. - ٧٣ - قال خطّاب: وسمعت أحمد بن حنبل يذاكر أبا عثمان أمر أبيه، فقال أحمد: يرحم الله أبا عبد الله ، ما أصلّى صلاة إلا دعوت فيها الخمسة، هو أحدهم ، وما يتقدمه منهم أحد. قال الخطيب : توفى بالجزيرة بعد(١) سنة أربعين ومائتين. والشافعى ولد آخر يُسمى محمدا أيضا، وكنيته أبو الحسن، وهو من جارية اسمها دنانير. ذكر أبو سعيد بن يونس أنه قدم مصر مع أبيه وهو صغير فتوفى بها فى شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين . ومن روايات أبى عثمان عن أبيه رضى الله عنه : روى البيهقىّ فى ((أحكام القرآن)) عن الحاكم أن أبا أحمد بن أبى الحسن أخبره ، قال: حدثنا عبدالرحمن بن محمد الحَنْظَلِىّ، حدثنا أبى، حدثنا عبد الملك بن عبد الحميد الميمونىّ قال: حدثنى أبو عثمان محمد بن محمد بن إدريس الشافعىّ، قال: سمعت أبى يقول ليلةً للحُمَيْدىّ: ما تحتج عليهم - يعنى على أهل الإرجاء- بآية أحجَّ من قوله عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيَِّةِ﴾(٢) . ومن الرواية عن أبى عثمان رحمه الله : أخبرنا شيخ الشافعية أبو إسحاق إبراهيم بن شيخ الشافعية أبى محمد عبد الرحمن بن إبراهيم الفزارىّ فى كتابه إلىّ، والمسند أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخباز سماعاً عليه، قالا: أَخبرنا المسلم بن محمد بن عَلّان القَّيْسِىّ، قال أبو إسحاق: سماعا، وقال ابن الخباز: إجازة . ح: وأخبرنا أبو حفص عمر بن الحسن المراغِىّ، بقراءتى عليه، قال، : أخبرنا يوسف ابن يعقوب ابن المجاور ، إجازة، قالا: أخبرنا أبو المُنْ زيد بن الحسن الكِنْدى، أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القَزّاز ، أخبرنا الحافظ أبو بكر الخطيب ، حدثنى محمد بن يوسف النَّيْابُورىّ، قال: حدثنا يحيى بن على الصوّاف بمصر ، من لفظه، حدثنا أبو بكر (١) فى الطبقات الوسطى: توفى بالجزيرة سنة أربعين ومائتين. (٢) سورة البينة ٥ . - ٧٤ - محمد بن على النّقّاش، حدثنا بعمان بن مدرك الرَّسْعَنِى: حدثنا أبو عثمان محمد بن محمد بن إدريس الشافعى، إملاء، برأس العين(١)، أخبرنا أبى محمد بن إدريس الشافعى رضى الله عنه، قال: سمعت محمد بن على بن شافع عمى يحدث، عن عبد الله بن على بن السائب، عن عمرو بن أُحَيْحَةً ابن الجلاح، عن خُزيمة بن ثابت قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء فى أدبارهن، فلما ولّى دعاه أو أمر فدعى، فقال: ((كَيْفَ قُلْتَ فِى أَىِّ الْخززَ تَيْنِ، أَوِ الْخِزَبَتَيْنِ، أَوْ مِنْ دُيُرِهَا فِ قُبُلِهَا، أَمْ مِنْ دُبُرِهَا فِىِ دُبُرِهَا؟)) قال: ((إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَخِىِ مِنَ الْحَقِّ ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِى أَدْبَارِ مِنَّ)» . ١٥ إبراهيم بن خالد بن أبى اليمان أبوِ أور الكلبىّ البغدادىّ* الإمام الجليل ، أحد أصحابنا البغداديين . قيل كنيته أبو عبدالله، ولقبه أبو بور روى عن سفيان بن ◌ُيَيْنة، وابن عُلَيّة، وعُبيدة بن ◌ُحميد، وأبى معاوية، ووَ كيع ومُعاذ بن مُعاذ، وعبد الرحمن بن مَهدِىّ، والشافعى"، ويزيد بن هارون ، وجماعة. روى عنه مسلم خارج الصحيح ، وأبو داود ، وابن ماجة ، وأبو القاسم البغوىّ، والقاسم ابن زكريا المطرِّز، ومحمد بن إسحاق السَّرّاج، وجماعة. قال أبو بكر الأَمْيَنَ: سألت أحمد بن حنبل: ما تقول فى أبى ثور؟ قال : أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة، وهو عندى فى مِسْلاخ(٢) سفيان الثَّوْرىّ. وقال ابن حِّان: كان أحد أئمة الدنيا؛ فقها وعلما وورعا وفضلا و خيرا، ممّن صنف الكتب وفرَّع على السنن ، وذبّ عنها ، وقمع مخالفيها . (١) مدينة كبيرة من مدن الجزيرة. المراصد ٥٩٤. * له ترجمة: تاريخ بغداد ٦ / ٦٥، تذكرة الحفاظ ٢ / ٨٧، تهذيب التهذيب ١ / ١١٨، شذرات الذهب ٢/ ٩٢، طبقات الشيرازى ٧٥، العبر ١ / ٤٣١، النجوم الزاهرة ٢/ ٢ (٢) المسلاخ: الإهاب أى الجلد . وفيات الأعيان ١ / ٠٧ ٠٠ ٠ - ٧٥ - "قلت: قوله: (( وخيرا)) به تمام الكلام. وفوله (( ممن صنف الكتب)) ابتداء كلام آخر، الجار والمجرور منه فى موضع الخبر، والمبتدأ محذوف تقديره: وهو ممن صنف ، إلى آخره . وليس الجاروالمجرور متعلقا بقوله («وخيرا» فيما يظهر، فليس أبو ثورخيرا ممن صنف الكتب على الإطلاق . وقال الخطيب: كان أبو ثور أولا يتفقه بالرأى ، ويذهب إلى قول أهل العراق، حتى قدم الشافعىّ بغداد فاختلف إليه، ورجع عن الرأى إلى الحديث. وقال أبو حاتم: هو رجل يتكلم بالرأى فيخطىء ويصيب ، وليس محله محل السمعين فى الحديث. قلت : هذا غلوّ من أبى حاتم ؟ وليس الكلام فى الرأى موجبا للقَدح ، فلا التفات إلى قول أبى حاتم هذا. وهو من الطراز الأول الذى قدّمناه فى ترجمة أحمد بن صالح المصرىّ. وأبو ثور أظهر أمرا من أن يحتاج إلى توثيق ، وقد قدمنا كلام أحمد بن حنبل فيه ، و کثی به شرفا . وعن أحمد أيضاً أنه سئل عن مسألة فقال السائل : سل غيرنا ، سل الفقهاء ، سل أبا ثور . وقال النَّائىّ: هو أحد الفقهاء، ثقة مأمون . وقال أبو عبد الله الحاكم: كان فقيه أهل بغداد ومفتيهم فى عصره ، وأحد أعيان المحدِّثين المتقنين . وعن أحمد بن حنبل ، وسُئل عن أبى ثور، أنه قال : لم يبلغنى إلا خيرًا ، إلا أنه لا يعجبنى الكلام الذی یصیرونه فی کتبهم . قلت : وليس فى هذا إن ثبت عن أحمد حط من قدرأبى ثور ، لاسيما وقد تقدّم من كلام أحمد فى تعظيمه ما تقدم . وقال أبو عمر بن عبد البَرّ: كان حسن النظر ثقة فيما يروى من الأثر، إلا أن له شذوذا فارق فيه الجمهور ، وقد عدوه أحد أئمة الفقهاء. - ٧٦ - قلت : لا يعنى شذوذا فى الحديث، بل فى مسائل الفقه التى أغرب بها، وستحكى منها طائفة. وقوله: ((وقد عدُّوه أحدأئمة الفقهاء)» جارٍ تجرى الاعتذار عنه فيما يشد به ، وأنه بحيث لا يُعاب على مثله الاجتهاد وإن أغرب، فإنه أحد أئمة الفقهاء ، وإذا عرفت ما قيل فيه علمت. أنه لم يُصَب بجرح، ولله الحمد. وأنا أجوّز أن يكون قول أبى حاتم: ((ليس محله محل المسمعين فى الحديث)) مع كون غير قدح مصحَّفاً فى الكتب، وأنه إنما قال: ((محل النَّعين)) (١) أى المكثرين؛ فإن أبا ثور لم يكن من المكثرين فى الحديث! كثار غيره من الحفّاظ، وقد رأيت اللفظة هكذا بخط بعض محدِّأى زماننا فى الحكاية عن أبى حاتم ، ولا شك أن الفقه كان أغلب عليه من الحديث ، وكان المحدِّتُون إذا سُئلوا عن مسائل الفقه أحالوا عليه ، وقد قدمنا ما يدل على ذلك . وأخبرنا المسند أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخباز، بقراءتى عليه ، أخبرنا المسلم بن محمد بن عَلّان، إجازة، أخبرنا زيد بن الحسن الكِنْدِىّ، أخبرنا أبو منصور القَزّاز ، أخبرنا الحافظ أبو بكر الخطيب . ح : وأخبرنا الحافظ أبو العباس ابن المظفَّر بقراءتى عليه، أخبرنا أبو حفص عمر بن عبد المنعم بن القَوّاس، أخبرنا القاضى عبد الصمد الحَرَسْتانىّ، أخبرنا نصر الله المِصِّيصِىّ أخبر نا نصر المقدسىّ ، أخبرنا الخطيب، أخبرنا محمد بن أحمد بن على الدَّقّاق، حدثنا أحمد ابن إسحاق النّهاوَنْدِىّ، بالبصرة، حدثنا الحسن بن عبد الرحمن بن خلّاد ، بالبصرة، حدثنا. أبو عمر أحمد بن محمدبن سُهيل، حدثنى رجل ذكره من أهل العلم ، قال ابن خَلَاد: وأُنسِتْ أنا اسمه، قال: وقفتْ امرأة على مجلس فيه يحيى بن معين وأبو خيثمة وخَلْفٍ بن سالم، فى جماعة يتذاكرون الحديث ، فسمعتهم يقولون : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورواه فلان وما حدّث به غير فلان ، فسألتهم عن الحائض هل تغسل الموتى؟ وكانت غاسلة (١) وهى هكذا فى تهذيب التهذيب. - ٧٧ - فلم يجيها أحد منهم ، وكانوا جماعة ، وجعل بعضهم ينظر إلى بعض ، فأقبل أبو ثور ، فقالوا لها عليك بالمقبل ، فالتفتت إليه ، وقد دنا منها فسألته فقال : نعم تغسل ؛ لحديث القاسم عن عائشة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لها: ((إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِى يَدِكِ)) ولقولها: كنت أفرِق رأس النبى صلى الله عليه وسلم بالماء وأنا حائض. قال أبو تَور . فإذا فرق رأس الحمى فالميت أولى به ! فقالوا : نعم، رواه فلان، وأخبرَ ناه فلان ، ونعرفه من طريق كذا ، وخاضوا فى الروايات والطرق، فقالت المرأة : فأين أنتم إلى الآن ؟ قال عبيد بن محمد البَرَّار صاحب أبى ثور: توفى أبو ثور فى صفر سنة أربعين ومائتين. ﴿ومن المسائل عن أبى ثور والفوائد) نقل المَبْدَرِىّ أن الدَّين مقدَّم على الوصية عند الفقهاء كلهم إلا أبا ثور ، فإنه قدّم الوصيّة . وهذا غريب ، مصرَّح بحكاية الإجماع على خلافه ، فاعل إجماعهم لم يبلغ أبا ثور ، ولعله ينازع فى وقوع الإجماع على ذلك ، أو لعل ما نقله العَبْدَرِىّ غير ثابت ، فقد نقل ابن المنذر عن أبى ثور فيمن أوصى بعتِق عبده على أن لا يفارق ولده ، وعليه دين محيط بماله ، أنه أبطل الوصية، وقال: يباع فى الدَّين، فإن أعتقه الورثة لم يجز عتقهم. وهذا يخالف ما نقله العَبْدَرِيّ. • نقل القُورانِيّ فى العمد أن أباثور قال: لا تُقطع اليد إلا فى خمسة دراهم. قلت : وهو يشابه قوله(١): أقل الصداق خمسة دراهم . • نقل ابن المنذر أن أبا ثور قال: إن خيار الردّ بالعيب لا يكون بالرضا إلا بالكلام، أو يأتى من الفعل ما يكون فى المعقول من اللغة أنه رضا . والمجزوم به عند الأصحاب أن خيار الردّ بالعيب على الفور، ويلزم من يعد مقالات أبى ثور وجوها فى المذهب أن يعد ذلك [وجها](٢) وهو غريب. (١) مكان هذا فى الطبقات الوسطى: واشتهر قوله. (٢) من الطبقات الوسطى. ١٠ - ٧٨ - ● قال أبو ثور فى رجلين اجتهدا فى القِبلة وأدّى أحدهما اجتهادُه إلى خلاف ما أداه الآخر يجوز أن يأتمّ كل منهما بصاحبه، ويصلّى كل [واحد](١) منهما إلى جهة، كمنّ صلّى حول الكعبة، فإنه يجوز لمن يصلى إلى جهةٍ الائتمامُ بمن يصلى إلى جهة أُخرى . نقله صاحب « البیان )». ● قال أبو عاصم : سأل أبوقرر الشافعى عن رجل اشترى بيضة من رجل، وبيضة من آخر، ووضعهما فى كمه فانكسرت إحداهما، خرجت مَذِرةً(٣) فعلى من يَرد البيضة ، وقد أنكر (٣) ذلك. قال : آمره حتى بدَّعی. قال : يقول لا أدرى قال: أقول له انصرف، فإنا مُقتون لا معلِّمون . • نقل أبو على الطبرىّ فيما علّه عن أبى على بن أبى هريرة فى شرح (مختصر المزنى)) أن أبا ثور كان يُلحق الزيت بالماء فيعتبره بالُلَّتين إذا وقعت فيه نجاسة غير مغيِّة، ورأيت فى ((جامع الخلال)) من كتب الحنابلة أن المَرُّوذِى(٤) ذكر لأحمد أن أبا ثور كان يُلحق السمن والزيت بالماء . قلت : فابن أبى هريرة اقتصر على نقله عن أبى ثور فى الزيت ، والمَرُّوذِىّ ذكره فى السمن أيضاً . والظاهر أن جميع المائعات سواء ، والمعروف فى المذاهب أن غير الماء من المائعات ينجُس بملاقاة يسير النجاسة ، وإن بلغ قِلالا. قال النَّوَوِىّ فى ((شرح المهذَّب)): وهذا لا خلاف فيه بين أصحابنا، ولا أعلم فيه (١) ساقط من : ج ، د. (٢) أى فاسدة . (٣) فى المطبوعة: انكسر. والمثبت من: ج، د، الطبقات الوسطى. (٤) فى المطبوعة: المروزى، والمثبت من: ج، د. وانظر الجزء الأول ٦٦. -٧٩ ~ خلافا لأحد من العلماء . وسبق الفَرْق بينه وبين الماء فى الاستدلال على أبى حنيفة . وحاصله أنه لا يشقُّ حفظ المائع من النجاسة وإن كثر، بخلاف الماء . انتهى . ونقلته من خطّه . وقد نقل بعد ذلك بنحو عشرة أوراق أن صاحب ((العدة))(١) حكى عن أبى حنيفة أن المائع كالماء إذا بلغ الحدّ الذى يعتبرونه. وأما الفرق الذى ذكره فقد رأيت القَفّال الكبير فى أوائل كتاب ((محاسن الشريعة)) فى باب ((ذكر النجاسات)» أشار إليه فقال ما حاصله: إن صون المائعات بالتغطية ممكن ومعتاد ، قال: والماء خلقه الله تعالى: يحتاج إليه جميع الحيوان ، ويكثر ما لا يكثر غيره من المائعات . وفى هذا الفرق إشارة إلى اعتبار الغَذَبَة ، فلا ينبغى أن ينجُس بيسير النجاسة من المائع الكثيرِ الزائد على قدر قُلَّتين، إلا ما جرت عادة الناس بحَرْزه فى الإناء. أمّا لو فرض أن يخلق الله بحرا من زيت ، فلا ينبغى أن يحكم بنجاسته بوقوع ما لا يغيره من النجاسات، فإن المحكوم بنجاسته إنما هى ما يعتاد من المائعات . وإنما ذكرت هذه الصورة لوقوع البحث فيها ، وظن بعض الناس أن كل مائع ينجُس بيسير النجاسة ، فقلت له : ذلك فى المائعات المعتادة ، أما هذه الصورة فلا وجود لها ، ولم يتكلم السابقون فيها ، ولا تجد مصرِّحا من الأصحاب بها، بل هذا الفرق يرشد إلى أن الحكم فيها بخلاف ما توم . • قال أبو ثور: سمعت الشافعىّ يقول: حضرت مجلسا، وفيه محمد بن الحسن بالرَّقَّة، وجماعة من بنى هاشم وقريش وغيرهم ممن ينظر فى العلم، فقال محمد بن الحسن : قد وضعت كتابا لو علمت أن أحدا يرد علىّ منه شيئاً تبلِّغْنيه الإبلُ لأتيته، قال فقلت له : قد نظرت فى كتابك هذا فإذا ما بعد البسملة خطأ كلّه! قال : وما ذاك؟ قلت له : قال أهل المدينة : كذا : فإن أردت كلّهم خطأ؛ لأنهم لم يتفقوا على ما قلت ، وإن أردت مالكا وحده فأظهرُ فى الخطأ؛ إذ ليس هو كل أهل المدينة ، وقد كان من علماء المدينة فى زمنه من يشتد نكيره عليه ، فأى الأمرين قصدت فقد أخطأت . (١) فى المطبوعة: العمدة. وأثبتنا ما فى : ج ، د. - ٨٠ = قال أبو ثور: قال لى الشافعى قال لى الفضل بن الربيع: أحب إن أن مناظرتك للحسن بن زياد اللؤلؤى، قال الشافعى فقلت له: ليس اللؤلؤى فى هذه الجهد(١)! ولكن أُحضر بعض أصحابى يكلّمه بحضرتك ، فقال: أو ذاك ، فقال أبو ثور: فحضر الشافعى وأحضر من أصحابنا كوفيا، كان ينتحل قول أبى حنيفة ، فصار من أصحابنا . قال: فلما دخل المؤلؤى أقبل الكوفى عليه، والشافعى والفضل بن الربيع حاضران، فقال له: إن أهل المدينة ينكرون على أصحابنا بعض قولهم، وأريد أن أسأل عن مسألة من ذلك .. فقال له اللؤلؤى : سل. قال : ما تقول فى رجل قذف ◌ُحصَة وهو فى الصلاة؟ قال : فسدت صلاته قال : فما حال طهارته .. قال: هى بحالها . قال : فما تقول إن ضحك فى صلاته : قال : يفيد الطهارة والصلاة . قال، فقال له: قَذْف المحصنات فى الصلاة أينبر من الضحك فيها؟ قال، فقال له : وقعنا فى هذا. ثم وثب همضى. ١٦ إبراهيم بن محمد بن العباس بن عثمان الشافعىّ * ابن عم الإمام الشافعىّ روى عن الشافعى، والفَضَيل بن عياض، وجَدِّ لأمه محمد بن على بن شافع، والمنكَدِر ابن محمد بن المنكدر، وحماد بن زيد ، وابن ◌ُيَيْنَة ، وطائفة. (١) فى المطبوعة: الحد، وفى د: الجهة واعتمدنا ما فى: ج. * له ترجة فى : تهذيب التهذيب ١/ ١٥٤