Indexed OCR Text

Pages 261-280

- ٢٦١ -
والنظرِ الأوفقِ والرّأْىِ الأسَدُّ
إِنَّ العجوزَ ذاتُ حزمٍ وجلدْ
نصيحةً منها ويِرًّا بالولدْ
قد أمرتْنا بالسَّدادِ والرَّشَدْ
إما لفوزٍ باردٍ على الكبدْ
فباكروا الحربّ ◌ُحماةً فى العددْ
فى جنة الفردوسِ والعيشِ الرّغدْ
أو ميتةٍ تُودِئِكَمْ غُنْمَ الأبَدْ (١)
فقاتل حتى استشهد رحمه الله تعالى ، ثم تقدم الثالث وهو يقول :
واللهِ لا نعصى العجوزَ حرفاً قد أمرتْنَا حَدَباً وعَطْفَ
فبادروا الحربَ الضَّروسَ زحفاً
نُصحاً وبِرًّاً صادقاً ولطفاً
حتى تَلُغُوا آلَ كسرى لَفَّاً
وتكشفوهم عن حماكم كشفاً(٢)
فقاتل حتى استشهد رحمه الله تعالى ، وحمل الرابع وهو يقول :
ولا لعمرو ذِى السّنّاءِ الأقدمِ
لست لخنا ولا للأخْرَمِ
ماضٍ على الهولِ خِضَمٍ خِضْرَمِ
إن لم أُرُدْ فِى الجيشِ جيش العجم
أو لوفاةٍ فى السَّيلِ الأكرمِ
"إمَّا لفوزٍ عاجلٍ ومَغْنَمِ
فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى. فبلغ خبرهم الخنساء أمهم ، فقالت : الحمد للهالذى شرفنى
بقتلهم ، وأرجو من ربى أن يجمعنى بهم فى مستقر رحمته . فكان عمر بن الخطاب رضى
الله عنه يعطى الخنساء بعد ذلك أرزاق أولادها الأربعة، لكل واحد منهم مائتى درم .
وقال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: حدثنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان الزّاعد ،
حدثنا محمد بن مكّى بن أحمد بن ماهَان البلخىّ - قدم نيسابور حاجاً - حدثنا العباس بن
أحمد بن العباس بن عيسى - من ولد عبد الله بن رواحة، صاحب رسول الله صلى الله عليه
وسلم -، حدثنا الحسن بن مالك الخزاعىّ، قال: سمعت أبا حسنان العباسىّ، يقول: وقفت
(١) فى البلوى: عيش الأبد. (٢) فى البلوى: أو يكشفوكم. وفيه بعد هذا:
إنا نرى التقصير عنهم ضعفاً والقتل فيهم نّجدةً وعرفاً

- ٢٦٢ -
علينا جارية ونحن بالرَّبَدة(١) وعلى وجهها برقع، فقالت: يا معشر الحجيج، نفر من عُلْل
ذهب بنعيمهم السيل، وشَرَسَتْ عليهم الأيام جدْباً جدْباً، حتى ما بهم قُعْدة(١) ولا نعجة
فمنَ يراقب فيهم الدار الآخرة ، ويعرف لهم حق الآصرة جُزِی خيرا.
قال. فرضخْنا لها ، وقلنا لها : هل قلتٍ فى سوء حالكم شعرًا .
قالت : نعم ، ثم أنشأت تقول :
كُفُّ الزمانِ عليها الصبرُ والصّابُ شَلَتْ أناملها عَن الأعرابِ
قومٌ إذا لجأَّ الْمُفَاةُ إليهِمُ أعطَوا نوافَلَهم بغير حسابٍ
قلت: فأمتعينا بالنظر إلى وجهك، فكشفت البرقع عن وجه لامهندى القلوب لحسن
وصفها ، ثم أنشأت تقول :
الدّهرُ أَبْدى صفحةً قد صانّها أبواىَ قبلَ تَغِيُّرِ الأيامِ.
وانْهُو! جوار حَكم عنِ الآثامِ
فتمتّعُوا بعيونِكم فى حسنِها.
فكان شعرها مما زادنى فيها رغبة ، فقلت: ويحك ! هل لك فيمن يغنيك، ويمنى حيَّك.
فقالت: والله ما نحن أكثر من خمسة نفر. أنا وأم وأختان وأخ لم ينفع بعدُ، وفى رزق
الله لجميع خلقه غنى عن اتباعه ببيع الأنفس.
قلت: ويحك! هذا الترويج الذى أحله الله، وأنا ابن عم نبى اللهصلى اللهعليه وسلم، ومالى
لا يضبطه الحساب كثرةً .
قالت : إن فى جمالك ◌ِّى عن مالك، وإن فيها بُعدًا لنهاية الأمل، ولكن لستُ
ممن يضمُّن إلى الرجال الجمال وكثرة المال .
قلت : فنصيبك يخلِّصك من الفقر الذى أنتم فيه .
: (١) الربذة: من قرى المدينة على ثلاثة أميال منها. المراصد ٦٠١.
(٢) القعدة ـ كالقعود من الإبل -: ما يقتعده الراعى فى كل حاجة. القاموس (قعد).

- ٢٦٣ -
قالت: والله لأَكل القَديد أهون من الانْخفاض لمن يَمُّ بماله على من ليس له مثل حاله،
وما لى لا أكون كالزَّبَّاء بنت ◌ُمَيَر بن المُوَرِّق! قيل لها: لو تزوجتِ فى عنفوان شبابك،
وصفو جمالك لعلمتِ لذةَ الحياة. قالت: والله لأعيش فى غير بدنى ، لم تملكنى يد ذى مال،
ولا صرعتنى الرغبة فى الرجال ، أحبُّ إلىّ مِن مُلْك الأرض، وخزائن الخلق ، ثم أنشأت
تقول :
وليس علىَّ لِلرِّجَالِ يدانِ
أمِن بعد أن أُمْسى وأُصبحُ حُرَّةً
لَبْسَ إذَا ما يكتُبُ المَلَكانِ .
أَضِيرُ لزوجٍ مثلَ مملوكةٍ لهُ
مع العزِّ خيرٌ مِن صُرُوف لسانِ
◌َعيشٌ بضُرٍ أو بضْنْكٍ وحاجةٍ
فشكلتنى أمى إن لم أكن مثلها فى عزّ النفس، وكرم الخيم(١) .
قال: فقلتُ ما ظننتُ أن امرأة من الأرض ترغب عن الرجال !
قالت : بأبى وأمى ، فاجعل ظنك يقينا ، فوالذى خلقنى لقد خطبنى عشرة نفر ، ما منهم
دونك فى الحسن والجمال وحسن الخلق ، فيما مالت نفسى إلى واحد منهم ، رغبة منى عن ذلك
النِّتاج وتسلط الأزواج، ثم ولَّت كأن لم يكن بينى وبينها كلام .
قال على بن اَلجَهْم: قلت يوما بحضرة الفضْل، جاريةِ أمير المؤمنين المتوكل ،
وهو حاضر (٣):
فلم يجدْ عندها ملاذًا (٣)
لاذَ بها يشْتكى إليها
فقال لها المتوكل : أجيزى . فقالت :
تهِطِلُ أجفانُهُ رذاذَا
ولَمْ يزلْ ضارعًا إليها
فعا تبوهُ فزادَ عشْقًا
فاتَ وجدًا فكان ماذَا
(١) الخيم: الأصل. (٢) خبر على بن الجهم مع فضل فى سمط اللآلى ٦٥٦.
(٣) فى السمط : يشتكى هواها .

- ٢٦٤ -
وعن أبى بَكْرة: وقف أعرابى على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقال:
يا عمرَ الخيرِ جُزِيتَ الجِنّهْ أُكْسُ بُنَّتِى وَأُمَّهُنَّةْ
أقسم باللهِ لتفعلنَهُ
فقال عمر : وإن لم أفعل يكون ماذا ؟ فقال:
* إذًا أبا حفص لأُمْضِينَّهْ *
قال : فإن مضيتَ يكون ماذا ؟ قال :
يوم يَكونُ الأعطيات ثَنّهْ
واللهِ عنْهِنَّ تِتُسْللَّهُ.
أى : ثَمّةَ، أبدل الميم فونا، وهى لغة .
إما إلى نارٍ وَإِمَّا جَنَّهْ
والواقفُ المسئولُ يُنْهَيَنَّةْ
فبكى عمر حتى اخْضلَّت لحيته ، وقال لغلامه: يا غلام ، أعطِ قميصى هذا لذلك اليوم
لا لشعره. ثم قال: والله لا أُملك غيره .
أخبرنا أبو أبو العباس أحمد بن على بن الحسن بن داود الجزرىّ ، قراءة عليه وأنا أسمع
أخبرنا عبد الحميد بن عبد الهادى بن يوسف المقدسى، حضورا فى الثالثة، وإبراهيم بن خليل
: إجازة، قالا: أخبرنا إسماعيل بن على بن إبراهيم الْجَنْزَوىّ، أخبرنا ياقوت بن عبد الله
مولى ابن البخارىّ -، أخبرنا عبد الله بن محمد الصَّرِيفينيّ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن
عبد الرحمن المُخُلِّص ، أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن سليمان الطوسىّ، أخبرنا الزبير بن بكّار،
حدثنى موسى بن جعفر بن أبى كثير ، حدثنى عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة ، عن الثّة
أن عبد الله بن رواحة الأنصارى، كانت له جارية، فانهمته امر أته أن يكون أصابها ، فقالت
إنَّك الآن جُنُب منها . فأنكر ذلك. فقالت: فإن كنت صادقا فاقرأ القرآن ، وقد عهدته
لا يقرأ القرآن وهو جنب ، فقال :
وأن النَّارَ مَغْوَى الكافريناَ.
شهدتُ بأن وعدَ اللهِ حقٌّ
وفوقَ العرشِ ربُّ العالمينَاَ
وأنْ العرشَ فَوقَ الماءِ طافٍ
مَلائِكَةُ الإِلهِ مُوِّميناَ
ويحملُه ثمانيةٌ شِداءٌ

- ٢٦٥ -
ما أحسن قول الإمام الرافعى فى كتاب ((الأمالى)) وقد أورد هذه الأبيات: هذه
الفوقية فوقية العظمة والاستغناء ، فى مقابلة صفة الموسومين بصفة العجز والفناء .
قلتُ: ولم يخرَّج هذا الأثر فى شىء من الكتب الستة .
وقد اتفق نظير هذه الحكاية ، فإن المدائنى ذكر أن طائنا من أهل خراسان
لقى سكران بالتكوفة ، فأخذه وقال: أنت سكران. فأنكر، فقال: اقرأ حتى أسمع ،
فقال :
بعدَ ما شابتْ وشاباً
ذكرَ القلبُ الرَّبابا
لا ترَى فيهِ ارتياباً
إِنَّ دينَ الحبِّ فرضٌ
فيلاه، وقال: قاتلكم الله، ما أقرأ كم للقرآن صحاةً وسكارى.
واعلى أن الأثر عن عبد الله بن رواحة روى على وجه آخر ، وبشعر آخر ، فرواه
الدَّارَ قطنىّ من حديث زَمْعة بن صالح، عن سلمة بن وَهْرام، عن عكرمة، قال : كان
عبد الله بن رواحة مضطجعاً إلى جنب امر أته، فقام إلى جارية له فى ناحية الحُجرة ، فوقع
عليها وفزِعت امرأنه فلم تجده فى مضجَعه، فقامت خرجت فرأته على جاريته، فرجعت إلى
البيت فأخذت الشَّفرة، ثم خرجتْ، وفرغ فقام فلقيها تحمل الشفرة، فقال: مَهْيَم ؟ قالت
لو أدركتُك حيث رأيتك لوَجَأْتُ بين كتفيك بهذه الشَّغرة. قال: وأين رأيتِينى؟ قالت:
رأيتُك على الجارية . قال: ما رأيتينى، وقدنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ أحدنا
القرآن وهو جنب. قالت : فاقرأ . فقال :
كما لاحَ مشهودٌ من الفجرِ ساطِعُ
أتاناَ رسولُ اللهِ يتُلُو كتابَهُ
به مُوقِناتْ أَنَّ ما قال واقعُ
أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا
إذا استئقلتْ بالمشركين المضاجعُ
يبيتُ يُجافى جنبَه عن فراشِهِ.
فقالت : آمنتُ بالله، وكذبت البصر.

- ٢٦٦ -
ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فضحك حتى بدت نواجذه. كذا
رواه الدار قطنىّ مُرسَلا.
ورواه من وجه : عن زَمْعة ، عن عكرمة، عن ابن عباس متصلا. وزَمْعة وشيخه
سلمة بن وَهْرام مُتكلّم فيهما .
وعن الأصمعىّ : حججتُ فبينا أنا أطوف ليلة حول البيت إذ أقبلت جاريتان ، لم أر
أحسن منهما ، فطافتا سبعا ، ثم وقفتا تتحدثان ، فنصتُّ إليهما، وإذا إحداهما تقول:
لا يقبلُ اللهُ مِن معشُوقَةٍ عملاً يوماً وعاشقُها غضبانُ مهجورُ
فأجابتها الأخرى ؛
لكنَّ عاشقَها فى ذاكَ مأجورُ(١)
ولیس یأجُرُها فى قتلِ عاشقِها
فقلت لهما: يا حزبَّ الشيطان ، فى مثل هذا الموضع تقولان هذا القول ! فنظرت إلىّ
إحداهما ، فقالت: لا رَهَّقك الحبُّ، فقلت لها: وما الجبّ؟ فقالت: جلَّ عن أن يخفى؛
وخَفِى عن أن يُرَى ، فهو كامن فى الأحشاء مثل كُمون النار فى الحجر ، إن قدحتَه أُوْرَى،
وإن تركتَه توارَى . فقلت لها : قاتلك الله ما أوصفَك للحب، فقالت: اسمع يا شيخ،
نحن كما قال جرير(٣) :
· كِظِباءِ مَّة صيدُهنّ حرامٌ(٣)
حُورٌ حَرائرُ مَا ◌َمْنَ بِربيةٍ
◌ُحْسَبْنَ مِن لينِ الحديثِ زوانياً ويصدُّهنّ عن اَلَنَا الإسلام(٤)
أخبرنا أحمد بن على الجزرىّ سماءا ، أخبرنا عبد الحميد بن عبد الهادى ، حضورا فى
الثالثة، وإبراهيم بن خليل إجازة ، أخبرنا إسماعيل الجَنْزَوىّ، أخبرنا ياقوت بن عبد الله ،
(٢) ليسا فى ديوانه ،
(١) فى المطبوعة: لاشك مأجور ، والمثبت من: ج، د.
ونسبهما الحصرى فى زهر الآداب ٨٠ إلى عبد الله بن الحسن.
(٣) فى زهر الآداب.
أُنُس حرائر ... (٤) فى زهر الآداب: دوائيا .

- ٢٦٧ -
أخبرنا عبد الله بن محمد الصَّرِيفينيّ، أخبرنا أبو طاهر المخلِّص، أخبرنا أحمد بن سلمان
العُّوسىّ ، أخبرنا الزبير بن بكّار، حدثنى إبراهيم بن المنذر، عن مَعْن بن عيسى، قال:
جاء ابن سرحون السّلمىّ إلى مالك بن أنس وأنا عنده، وقال له: يا أبا عبد الله، إنى قد قلت
أبياتاً من شعرٍ ذكرتك فيها ، فأنا أحب أن تجعلنى فى سَعَة، فقال له مالك: وأنت فى حِلٍّ
مما ذكرتَنى به ، وتغيّر وجهه، فظن أنه هجاه ، فقال له: إنى أحب أن تسمعها ، فقال له
مالك : فأنشدنى ، فقال :
سَلوا مالكَ المفتى عن اللَّهُو والصِّبَا وحبِّ الحِمان المعجبات الفَوارِكِ(١)
أسلِّى هُمومَ النَّفْسِ عنَّى بذلكِ
ينِّئْكِمُ أنى مصيبٌ وإِنما
فهل فى محبٍّ يَكتم الحبَّ والهوى أثامُ وهَلْ فى ضّة المتهالِكِ
قال: قال لى معن: فسُرِّىَ عن مالك ، وضحك .
وروينا أن سعيد بن المسيّب رضى الله عنه مر ببعض أزقة البصرة ، فسمع قائلا
يقول :
به زينبٌ فِى نسوةٍ خَفِراتٍ
تَضْوَّعَ مسكاً بطنُ نَعَمانَ إذ مشتْ
تَطَلَّعُ رَيَّه من الكَفِرَاتِ (٢)
لها أرجٌ مِن مِجْمَرِ الهندِ ساطعٌ
فضرب سعيد برجله الأرض ، وقال : هذا والله يلذ سماعه ، ثم قال :
ويُخَرُجْن جنحَ الليلِ مُعْتجراتٍ
◌ُخَبِّئْنَ(٣) أطرافَ البنانِ مِنْ آتُّغَی
وأبدتْ بَنانَ الكفِّ بِالْجَرَاتِ
وليستْ كَأَخْرَى وسَّعت جَيْبَدَرْعِها
بُرؤيتِها مَن راح مِن عرفاتٍ
وقامتْ تُرَائِى يومَ جُمْعِ فَأفْتَنَتْ
-
(١) فى المطبوعة: والغنا، والمثبت من: ج، د. (٢) الكفرات: جمع كفر،
وهو العظيم من الجبال. (٣) فى ج: يخفين، والمثبت فى المطبوعة، د، والأغانى ١٩٣/٦.

- ٢٦٨ -
والأبيات لمحمد بن عبد الله الثُّمَيْرِىّ الشاعر(١). وزينب هى أخت الحجّاج بن يوسف
وفى الأبيات يقول :
ولما رأتْ ركبَ النَُّيْرِىّ أعرضتْ
وكُنَّ مِنَ أَنْ يَلْقِينَه خذراتِ
وكان النميرىّ يشبِّب بها. وقيل: إنه هرب من الحجّاج فطلبه، فلما أتى به ارْتاع منه
وقال: والله، أيها الأمير إن قلتُ إِلَّا خيرًا، وإنما قلتُ:
يُخَبَّثْنَ أطرافَ البنانِ مِن التَُّى ويخرجْن جنحَ الليلِ مُعْتِجِرَاتِ
فعفى عنه وقال: أخبر نى عن قولك: ((ولما رأت ركب النميرىّ» فى كم كنت؟ قال
والله ما كنت إلا على جمار هزيل، ومعى صاحب لى على أنان مثله.
والكلمة المذكورة نحو عشرين بيتا، وروى فيها أخبار كثيرة فى أمر النميرىّ والحجَّاج
ابن يوسف .
. وقوله: ((يخبين)) بالخاء المعجمة من الخبْء، وفى القرآن: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءٌ﴾(٢)
وفى الحديث: ((خبأتُ لك خّبأ)» ولفظ: ((يخبئن)) مضبوط كذلك فى كامل المبرد(٣)،
وغيره .
وروينا عن الزيادىّ، والهيثم بن عدىّ، قالا: نزل بامرأة رجل من العرب ،
والمرأة من بنى عامر ، فأكرمته وأحسفت قِراه ؛ فلما أراد الرحيل تمثّل ببيت يهجوها فيه:
مِن اللّؤْمِ ما دامتْ عليها جلودُهَا
إعمرُكَ مَا تَبَلَى سرابيلُ عامرٍ
فلما أنشده، قالت لجاريتها : قولى له ألم تحسن إليك، وتفعل، وتفعل ؟ ! هل رأيت
تقصيراً؟ قال : لا . قالت: فما حملك على البيت، قال: جرى على لسانى ، فرجت إليه جارية
من بعض الأخبية ، فحدثته حتى أنس واطمأن.
الأبيات له فى الأغانى ٦ / ١٩٢ - ١٩٥، باختلاف فى بعض ألفاظها.
(٣) الكامل ٤٤٦.
(٢) سورة النمل ٢٥.

- ٢٦٩ -
ثم قالت له : ممَّنَ أنت يا ابن عمّ؟
قال : رجل من بنی تمیم .
قالت : أتعرف الذى يقول :
ولو سلكتْ سُبْلَ المكارمِ ضَّتِ
تميمٌ بِطُمْقِ اللُّؤْمِ أَهْدَى مِنِ القَطَ
أُرَى الليلَ بجلوه النهارُ ولا أُرَى
ولو أنَّ برغوثًا على ظهرٍ قَمْلَةٍ
ولو جمعتْ يوما تميمٌ جموعَها
تميمٌ كبحشِ السُّوءِ يرضعُ أمَّه
ذبحْنا فسمَّينا على ما ذَ بِيحناَ
قال : لا ، والله ما أنا من تمیم .
قالت : ما أقبح الكذب بأهله ، فمَّنَ أنت ؟
قال : رجل من بنى ضَبّة .
خلالَ الخازِى عن ميمٍ تجلَّتِ
يكرُّ على صفَىْ نميمٍ لولَّتِ (١)
على ذَرَّةٍ مربوطةٍ لاستقلَّتِ.
ويتبعها بالرَّغْمِ إن هىَ ولَّتِ
وما ذبحتْ يوماً تميمٌ فمَّتِ
قالت : أفتعرف الذى يقول :
كما كلُّ ضٍّ من اللؤمِ أزرقُ
لقد زرقتْ عيناكَ يا ابن مُعَكْبٍ
قال : لا ، والله ما أنا من بنى ضبّة .
قالت : فمَّن ؟
قال : من بنى عِجْل.
قالت : أفتعرف القائل :
عطاءُ بنى ◌ِجْلٍ ثلاثٌ وأربعُ
أرى الناسَ يُعطون الجزيلَ وإنَّما
يُخَطُّ له فيها ذراعٌ وإصبعُ
إذا مات يِجْلِىٌّ بأرضٍ فإنما
(١) فى د: على ظهر نملة، والمثبت من: ج، د.

- ٢٧٠ -
قال : لا والله ما أنا من بنى مجْل.
قالت : فَمَّنَ ؟
قال : من الأزْد .
قالت : أفتعرف القائل :
فا جزءتْ أزْديةٌ مِن ختارها
ولا جاءها القنّاصُ بالصيدِ فى الحبا
قال : لا، والله ما أنا من الأزد.
قالت : فممَّن ؟
قال : من بنى عَبْس .
قالت : أفتعرف القائل:
فبشِّرْها يُؤمِ مُستفادٍ
إذا عَبْسِيَّةٌ ولدتْ غلاماً
قال : لا ، والله ما أنا من بنى عَبْس.
قالت : فَمَّنَ ؟
قال : من بنى فَزارة .
قالت : أفتعرف القائل
لا تأمنَنَّ فَزاريًّا خلوتَ بِهِ
قال : لا ، والله ما أنا من بنى فزارة.
قالت : فَمَّنَ ؟.
قال : من بَجِيلة .
قالت : أفتعرف القائل
لتُخِير أبن قَرَّ بِها القَرَارُ
سألْنا عن بَجيلةً حين جاءتْ
· أقحطانٌ أبوها أم ◌ِزارُ
فما تدرى بجيلةٌ إذْ سألنا
وقد خُلِعتْ كما خُلِعِ العِذارُ
فقد وقعتْ بجيلة بیْنَ بٍْ
ولا أكلتْ لحمَ القنيِصِ المعقّبِ
ولا شربتْ فى جلدِ حوتٍ مُعَلَّبٍ
على قاُوصِك وا ◌ْتُبْها بأسْیارِ

- ٢٧١ -
قال: لا، والله ما أنا من بجيلة.
قالت : فَمَّن ؟
قال : من بنى نَمَير .
قالت : أفتعرف القائل:
فلا كعباً بلغتَ ولا كلابه
على خَبَثِ الحديد إذاً لَذَا با
فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
ولو وُضِعِبْ فِقَاحُ بِنِى نَمَيْرٍ
قال : لا ، والله ما أنا من بنى نمير.
قالت فمَّنَ ؟
قال : من بنى باهلة .
قالت : أفتعرف القائل:
تنخَّى الباهلىُّ عن الزِّحامِ
غلامًا زِيد فى عددِ اللَّئامِ
لقصَّرَ عن مُساماةِ الكرامِ
عليهِ مثلُ منديلِ الطّعامِ
إذا نَصَّ الكرامُ إلى المعالي
إذا ولدتْ حَليلةُ باهلِىّ
ولو كان الخليفةُ باهليًّا
وعِرْضُ الباهلِىّ وإن تَوََّ
قال: لا، والله ما أنا من باهلة .
قالت ضمَّن ؟
قال : من ثَقَيف .
قالت : أَفتعرف القائل :
فما لهمُ أبٌ إلا الضَّلالُ
أضلُّ الناسبين لنا ثقيفٌ" .
إلى أحدٍ فذاك هو المحالُ
فإن نُسِبتْ أو انتسبتْ ثقيفٌ
فإنَّ دماءَهم لكُمُ حلالُ(١)
خنازيرُ الحُشُوش فقاتلوهُمْ
(١) الحشوش: الكُتُف ومواضع قضاء الحاجة .:
٠

- ٢٧٢ -
قال : لا ، والله ما أنا من ثقيف.
قالت : فَمَّن؟
قال: من سَلِيح.
قالت : أفتعرف القائل:
فإِنْ سَلِيحاً شنَّتَ اللهُ شَعْلَها *
قال: لا ، والله ما أنا من سَاِيح.
قالت : ثممن ؟
قال : من خُزاعة .
قالت : أفتعرف القائل:
إذا فَخَّرَتْ خُزَاعَةٌ فِي نَّدِيّ.
وباعتْ كعبةً الرحمن جَهْلاً
قال : لا، والله ما أنا من خزاعة
قالت : فممَّنَ؟
قال : من بنى يَشْكُرْ!
قالت : أفتعرف القائل:
ولو رامتِ الغدرّ لم تَغْدُرِ
: لئامُ الناخرِ والْمُنْصُرِ
وجدْنا خرَها شُربَ الْخُورِ
بِزْقٍ بِئْسَ مُفَتَخَرُ الفجورِ
ويَشْكُر لا تستطيعُ الوفا
قبيلةُ عيشتُها فى الكَرَى
قال : لا ، والله ما أنا من يَشْكُر.
قالت : فَمَّنَ ؟
قال : من بنى أُميّة .
قالت : أفتعرف القائل
فهان على النَّاسِ فُقْدَانُهَا
وهَى مِن أَمْيَةَ بُنيانها.

- ٢٧٣ -
جَرِيًّا على اللهِ سُلطانُها
وكانت أمیةُ فیا مضى.
ولم يَتَّقِ اللهَ مَرْوانُهاَ
فلا آلُ حربٍ أطاعوا الإلهَ
قال: لا ، والله ما أنا من بنى أميّة .
۔
قالت : فَمَّن ؟
قال : من عَنَّزَة .
قالت : أفتعرف القائل :
ما كنتُ أَخْشَى وإن كان الزمانُ لنا زمانَ سوء بأنْ تَغْتَبَقِى عَزَهْ
مَنْ يَضِلُّ كما قد ضلَّتِ الحرزَهْ(١)
فلستُ مِن وائلٍ إن كنتُ ذا حَذَرٍ
قال: لا ، والله ما أنا من عَنَزَّة.
قالت : فمَّن ؟
قال : من كِنْدَة .
قالت : أفتعرف القائل :
إذا ما افتخرَ الكِنْدِىُّ م ذُو الْبَهْجَةِ بِالطُّرَّةْ
فدَعْ كِنْدَ لِلنَّج فأعْلا فرِما غُرّةْ
قال : لا ، والله ما أنا من كِتْدة.
قالت : فمَّنَ ؟
قال : من بنی أسد .
قالت : أفتعرف القائل :
فزوِّجْها ولا تأمنْ زِناهاَ
إذا أسَدِيَّةٌ بلغتْ ذراعاً
ولمَّا تَزْنِ أَشْرَكَ وَالداهَاَ
وإن أسديَّةٌ خضَبتْ يديْهاَ
(١) الحرزة : خيار المال .
(١٨ - طبقات - ١)

قال : لا، والله ما أنا من بنى أسد.
قالت : فمَّن ؟
قال: من هَمْدان .
قالت : أفتعرف القائل:
إذا هُمْدانُ دارتْ يوم حربٍ
رأيتَهُمُ يحثُّونِ المَطَايَا
قال: لا ، والله ما أنا من حمدان.
قالت: فَمَّن؟
قال : من نَهْد .
قالت : أفتعرف القائل
سَهْدُ لئامُ إذا ما حلَّ ضيفهُمُ
والمستغيثُ بَهْدِ عِنْد كُرِيتِهِ
قال : لا ، والله ما أنا من مَهْد
قالت : فممَّن؟
قال : من قُضَاعة .
قالت : أُفتعرف القائل
لا يفخرنَّ قُضاعىٌّ بِأَسْرتِهِ
مُذْبذبين فلا قحطانُ والدهُمْ ..
قال : لا، والله ما أنا من قُضَاعَةٌ.
قالت : فَمَّنَ ؟
قال : من بنى شيبان .
قالت : أفتعرف القائل :
- ٢٧٤ -
رَجاهاً فوق هاماتِ الرِّجالِ
سراعاً هاربينَ مِن القتالِ
سُودٌ وجوهُهُم كالِّقْتِ والقِاْرِ
كالمستجيرِ من الرَّمضاءِ بِالنَّارِ.
فليس مِن ◌َنٍَ مَحْضًا ولا مُضَرٍ
ولا يزارٌ فيِبْهُمْ إِلَى سَقَرٍ.
شَيْبَانُ رهطٌ لهم عديدٌ
وكلهم
لٹیم
: مُعْرِفٌ:

- ٢٧٥ -
شربهمُ من فُضولِ ماءٍ يفضُلُ عن أسوةِ العميمِ
قال : لا والله ما أنا من شَيبان .
قالت : فممَّنَ ؟
قال : من تنوخ.
قالت : أفتعرف القائل :
إذا بنوعُ قطعتْ مَنْهَلًا فى طلبِ الغاراتِ وَالثَّارِ
وشهرة فى الأهْلِ والجارِ
أتتْ من بحرى مرار العلى
قال : لا ، والله ما أنا من تَنَوخ.
قالت : فمَّن ؟
قال : من ذُهْل .
قالت : أفتعرف القائل :
إِنَّ ذُهْلَوْ لا ◌ُسِدُ اللهُ ذُهْلًا
قال : لا ، والله ما أنا من ذُهْل.
قالت : فَمَّنَ؟ .
. قال : من مُزَيْنَة .
شَرُّ جِيلِ يُظَلّ تحتَ السَّمَاءِ،
قالت : أفتعرف القائل :
وهَلْ مُزَيْنَة إلا من قبيلةٍ
قال : لا، والله ما أنا من مُزَيْنَة.
قالت : فمَنْ؟
قال : من النّخَع .
لا يُرْتَجَى كرمٌ فيها ولا دينُ
قالت : أفتعرف القائل :
تدكْدكتِ الجبالُ من الزِّحامِ
إذا النَّخَعُ اللِّئْامُ عَدَوا جميعاً
ولا هىَ فى الصَّميمِ من الكرامِ:
وما ◌ُغِنِ إذا صدقتْ فتيلًا

- ٢٧٦ -
قال : لا ، والله ما أنا من النَّخّع .
قالت : فَمَّنَ ؟
قال : من طَيّ .
قالت : أفتعرف القائل :
وما طيءٍ إلا نَبِيطٌ تَجْمَعَتْ(١)
ولوْ أن عصفورًا يعدُّ جناحَه
قال : لا ، والله ما أنا مَنْ طَىّ
قالت : فَمَّن ؟
قال : من مَكّ .
قالت : أفتعرف القائل :
مَكٌّ. لِئامٌ كلهم أبَتُّ.
قال: لا ، والله ما أنا من تمك.
قالت : فمَّن ؟
قال : من لَخْم .
قالت : أفتعرف القائل :
إذَا ما احتى قومٌ لفضلٍ قديمَهُم
قال : لا ، والله ما أنا من لخْم
قالت : فمَّن ؟
قال : من جُذَام .
قالت : أفتعرف القائل :
فقالُوا طَيَايَا كِلْمةً فاستمرَّتِ
على دُورٍ لطىٍ كُلَّا لاستظلَّتِ
ليس لهمْ من المَلَام فَكُ (٢)
تباعَد نخرُ الجُودِ عَن لَخْرِ أَجَعَاً
(٢) أبِك الرجل : کثر لحمه ،
(١) فى ج: تحمقت، والمثبت من المطبوعة ، د ..
وبکه بها : رد نخوته ووضعه ، أو دق عنقه .

- ٢٧٧ -
إذا كَأْسُ الُعامِ أُديرَ يوماً لَمَكْرُمَةٍ تنخَّى عن جُذَامٍ
قال : لا ، والله ما أنا من جُذام .
قالت : فمَن ؟
قال : من كلب .
قالت : أفتعرف القائل :
فلا تقريبَنْ كلباً ولا بابَ دارِها ولا يطمعنْ ساٍ يَرَى ضَوْءَ نارِهَاَ
قال : لا ، والله ما أنا من كلب.
قالت : فمَن ؟
قال : من بَلِقِين .
قالت : أفتعرف القائل :
تُصِبْ عند بَلْقِينٍ له طَرفانٍ
إِذَا ما سألتَ اللُّؤْمَ أن محلُّهُ
قال : لا ، والله ما أنا من بَلِقِين.
قالت : فمَّن ؟
قال : من بنى الحارث بن كعب .
قالت : أنتعرف القائل :
عنَّا وأنتُم من الجوفِ الجَاخِرِ (١)
حَارٍ بن كعبٍ ألا أحلامَ تَحِجِزُكم
لا عَيْبَ فى القومِ مِن طولٍ ومن عِظَمِ جِسمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِ
قال : لا ، والله ما أنا من بنى الحارث بن كعب.
قالت : فَمَّن ؟
قال : من بنی سُليم .
(١) أُتَجْمخور: الأجوف الواسع الجوف. وفى هامش ج: جوف: جمع أجواف ،
والجماخير - بالجيم ثم الخاء المعجمة: الغلاظ.

- ٢٧٨ -
قالت : أفتعرف القائل.
إذَا ما سُلِيمٌ جئتَهَا فى مُلِّمَّةٍ
قال : لا ، والله ما أنا من سُليم.
قالت : فَمَّن ؟
قال : من فارس .
قالت : أفتعرف القائل:
أَلَّ قُلْ لِمُعْتَرّ وطَاِبِ حَاجِةٍ
فلا تقربِ الفُرْسَ اللئامَ فَإِنْهِمْ.
قال : لا ، والله ما أنا من فارس .
قالت : فَمَّن ؟
قال: من الموالى .
قالت : أفتعرف القائل :
ألا مَن أراد اللُّؤْمَ والفُحض والخنا
قال : لا، والله ما أنا من الموالى:
قالت : فَمَّنَ ؟
قال : رجل من ولد حام.
قالت : أفتعرف القائل :
ولا تُنكِحُوا أولادَ حامٍ فإنَّهِمْ
قال : لا ، والله ما أنا من خام .
قالت : فمن؟.
رجعتَ كما قد جئتَ خَزِينَ نادِماً
يُرِيدُ بنُجْحِ نفعَها وقضاها
يردُّون مولاهم بخُبْثٍ دَراهاَ
فعند الموالى الجيدُ والكتفانِ
مُشاوِيهُ خَلقِ اللهِ حاشاً ابنَ أكْوَعُ
قال : رجل من الشيطان الرجيم .
قالت : فعليك لعنة الله ، وعلى الشيطان الرجيم ، أفتعرف الذى يقول :
وذَا ابْنُ عدوٌّ اللهِ إبليس خاسئاً
ألَا يا عبادَ اللهِ هذَا عدوُكم.

- ٢٧٩ -
قال: الله! الله ! أقيلينى العثرة، فو الله ما ابْتَلِيتُ بمثلك قط .
فانظر نساء الأعراب وأدبهن ، ولو أكثرنا فى هذا لطال الخطاب ، وفى شعر الخنساء
وأنظارها ما يشهد لهن . وبالله التوفيق .
قال المبارك بن محمد (١) بن الأخوة: خرج رجل على سبيل الفرجة - يعنى من بغداد - فقعد
على الجسر ، فأقبلت امرأة من جهة الرُّصافة ، موجهة إلى الجانب الغربى ، فاستقبلها شاب ،
فقال لها: رحم الله على بن الجهم. فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعرىّ. وما وقفا ومرًّا
مشرقة ومغرِّباً، فتبعت المرأة ، وقلت : إن لم تقولى ما قال لك فضحتُك ؛ وتعلقت بها
فقالت : أراد الشاب قول على بن الجهم:
جلبْن الهوى من حيثُ أدرى ولا أَدْرِى
عيونُ المها بين الرُّصافةِ والجسِرِ
وأردتُ أنا قول المعرىّ:
فيا دارهاً بالحزْنِ إن مزارَها قريبٌ ولكنْ دونَ ذلك أهوالُ
ذكرها ابن الجوزىّ فى الأذكياء(٢) .
وذكر أن أبا بكر بن العربيّ رحمه الله قال: سمعتُ فتاة من بغداد تقول لجارتها:
لو كان مذهب ابن عباس فى الاستثناء صحيحا ، لما قال الله تعالى لأيوب عليه السلام :
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْتاً فَضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْتَثْ)(٣) بل كان يقول: ((استْن)) حكام
أبو العباس القَرافىّ .
وحكى أن تاجرا سافر من مصر بعبدين ، فأرادا قتله فى الطريق ، فقال لها: قولا لبنتىَّ
إذا دخلتها مصر : قال لكم أبوكما :
للهِ دَرُّكَا وَدَرُّ أبِيكُمَاَ
مَن مبلغٌ بنتىَّ عِنِّىَ أَنَّنَى
(١) فى الأذكياء ١٩٤: المبارك بن أحمد. (٢) الأذكياء ١٩٤، وفيه: فيادارها بالحزم.
(٣) سورة ص ٤٤

- ٢٨٠ -
فحفظاه، ثم قتلاه ورجعا إلى مصر! فلما كان بعد مدة تذكّرا وصيته، فجاءا إلى بيت
بنْنيه ، فقالا لإحداهما البيت ، فطلعت من باب الغرفة إلى عند أختها، فمكت لها الحكاية،
فقالت : أواه ، إن أبانا لمقتول . قالت: ومِن أين لَكِ ؟ قالت: إنه يشير إلى قول الشاعر:
أصبحتُ مقتولَ الفلاةِ مُجَنْدَلاً
مَن مبلغٌ بنتىَّ عَنِّىَ أَنَّنَّى
لِلهِ درُّ كَا وَدَرُّ أَبِيكُمَا: لا يُفْلِتُ العبدانِ حَتَّى يُقْتَلَا
فأخذ العبدان، واستقرّا فأقرَّا بقتله. حكاه صاحب (بدائع البداية)).
أخبرنا أبو العباس أحمد بن يوسف بن أحمد الخلاطىّ ، قراءة عليه وأنا أسمع بالقاهرة،
أخبرنا نَفِيس الدين عبد الرحمن بن عبد الكريم بن أبى القاسم سماعا، أخبرنا والدى سماعا،
حدثنا أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطُّوسىّ، أخبرنا أحمد - يعنى أبا الحسين(١)
ابن عبد القادر البغدادىّ -، حدثنا حامد بن سهل(٢) البَغَوىّ أبو جعفر، حدثنا محمد بن
كثير الصِّصىّ ، عن مَخْلَدِ بن حسين، عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين، قال: كان
عمر بن الخطاب رضى الله عنه ... فذكر حكاية نصر بن حجاج.
وقد ساقها الخرائطىّ(٣) على وجه أبسط منه، وهو: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه،
بَيْنا هو يطوف في سكة من سكك المدينة؛ إذ سمع امرأة تهتف فى خدرها ، وهى تقول : .
هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشرَبها أم من سبيلٍ إلى نصر بن حجّاجِ(٤)
سهلِ المحُيَّا كريم غيرِ مِنجَاجِ
إلى فَّى ماجدِ الأعراقِ مُقْتِلٍ
(١) فى المطبوعة: أبا الحسن، والمثبت من: ج، د، والعبر ٠٣٣٣/٣
(٣) بفتح الحاء المعجمة
(٢) فى المطبوعة ، د: حامد بن زيد. والمثبت من : ج.
والراء وبالياء آخر الحروف، وهو أبو بكر محمد بن جعفر. اللباب ١/ ٣٥٢. والقصة فى
عيون الأخبار ٤ /٢٣، تزيين الأسواق ١٨٠. (٤) فى عيون الأخبار : ألا سبيل.
أم هل سبيل ، وفى تزبين الأسواق: أو من سبيل إلى نصر بن حجاج.