Indexed OCR Text

Pages 1-20

la
e
a
emo
om
as
10
DA
جمهورية السودان
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
جامعة أم درمان الإسلامية
كلية الدراسات العليا
كلية أصول الدين
قسم السنة وعلوم الحديث
امنيا منكم والذين
تحقيق مخطوط بعنوان
الأوَّى الَّالِ الصَّوَى
2
الكنى والأنساب والألقاب والمبهمات
للإمام المحقق المدقق المتفنن محدث الديار الهندية
الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي الحنفي
رحمه الله تعالى ، المتوفى (١٤١٢ هـ)
رسالة أعدت لنيل درجة الماجستير في السنة وعلوم الحديث
إعداد الطالب
إشراف الدكتور
عبد الكريم محمد جواد
علي نايف بقاعي
٢٠٠٨/٢٠٠٧م
١٤٢٩/١٤٢٨ هـ

تمت مناقشة رسالة ماجستير
تحقيق مخطوط بعنوان
اِوَّيُ الرَّاِ الطَّوى
الكنى والأنساب والألقاب والمبهمات
للإمام المحقق المدقق المتفنن محدث الديار الهندية
الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي الحنفي
رحمه الله تعالى، المتوفى (١٤١٢هـ)
الطالب : عبد الكريم محمد جراد.
المشرف : د.علي نايف البقاعي.
المناقش الداخلي : د.أحمد عمر الموسى.
المناقش الخارجي : د.عماد الدين رشيد.
التقدير : ممتاز.

جمهورية السودان
جامعة أم درمان الإسلامية
كلية الدراسات العليا
كلية أصول الدين
قسم السنة وعلوم الحديث
تحقيق مخطوط بعنوان
أأوَيُّ الِحَالِ الطَّوي
2
الكنى والأنساب والألقاب والمبهمات
للإمام المحقق المدقق المتفنن محدث الديار الهندية
الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي الحنفي
رحمه الله تعالى ، المتوفى (١٤١٢هـ)
رسالة أعدت لنيل درجة الماجستير في السنة وعلوم الحديث
إعداد الطالب
إشراف الدكتور
علي نايف بقاعي
عبد الکریم محمد جراد
٢٠٠٨/٢٠٠٧م
١٤٢٩/١٤٢٨هـ

کے
اهداء
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا
تَرْضَنْهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحُمَتِكَ فِىِ عِبَادِكَ الصَّلِينَ﴾ [النمل/١٩]
إلى سيد الخلق ، وحبيب الحق ، صاحب الوجه البهي الزاكي.
إلى حملة السنة المطهرة ، حملة النور والضياء الهادي.
إلى سرج الدنيا ومصابيح الآخرة ، أساتذتي ومشايخي.
إلى والدي رحمه الله تعالى، وجعل حوض النبي ◌ُّ له المورد الصافي.
إلى والدتي ، من برضاها اهتدي وبدعاها أنتشي.
إلى جميع إخوتي وأقاربي ، وفي روض المصطفى ﴿﴿ نلتقي.
إلى زوجتي وابنتي ، وعلى نهج السنة نرتقي.
إلى إخوتي وأصحابي في الله، من بفيض كتاب الله ، وسنة نبيه {/ژ نهتدي.
إلى كل عَطِشٍ ، وإلى هدي الشفيع ظَمِي.
أقدم هذه الرسالة لبنة في صرح الهدي النبوي ، عسى أن تكون خطوة
في سلوك دربه ، وحظوة يوم القيامة في حصول قربه.
ـى
١

شكر وعرفان
أتقدم بالشكر والامتنان إلی فضيلة الدكتور نور الدین عتر
الذي كان لعلمه وعمله الأثر البالغ في نهضة علم الحديث الشريف
في زمن قلَّ فيه العاملون ، واضمحلّ العالمون ، فأنشأ جيلاً من طلبة العلم
والعلماء ، نهلوا من معينه ، وذادوا عن حوضه ، فجزاه الله عني وعنهم خير الجزاء
سائلاً المولى أن ينسأ له في أجله ، وينفع في علمه وعمله
كما أتقدم بالشكر والامتنان إلى فضيلة الدكتور علي نايف البقاعي
فقد تكرم علي بقبول الإشراف على هذه الرسالة ، وجهد في قراءتها ومراجعتها
سائلاً المولى عز وجل أن يجعل ذلك في موازين حسناته ، ويمد في عمره وعلمه
ويجمعنا تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله
٢

مُقَدِّمَة
الحمد لله الذي أرسل نبيه المصطفى 8 بكتاب كالشمس وضحاها ، وبسنة كالقمر إذا
تلاها ، فمن سار على نهجهما سار في ضوء النهار إذا جلاها ، ومن أعرض عنهما سار في ظلمة
الليل إذا يغشاها ، وبعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﴿ر، وشر الأمور
محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار.
لقد حفظ الله القرآن الكريم ، فقيض له حملة أفنَوا لأجله أعمارهم ، فنالوا شرف المنزلة
ورفعتها بأن صاروا من أهل الله وخاصته ، وحفظ السنة المطهرة ، فهيأ لها وعاةً أفعموا منها الصدور ،
ودونوها في السطور ، وقطعوا في سبيلها الفيافي والقفار ، وواصلوا لأجلها الليل بالنهار فحازوا شرف
الرتبة وعلوها ، بأن صاروا من آل النبي وصحابته ، بصحبتهم لأنفاسه ، ولحظهم لآثاره ، وتلقفهم
هدیە چل﴾.
والسنة المطهرة هي البيان لما في القرآن ، ولذا وجب تمييز صحيحها من سقيمها ، ومنقولها
من مُتَقَّوَّلِهَا، فحرص ﴿ على تحفيظها وتبليغها ، ونهى وتوعد من الكذب أو الافتراء فيها ، فقال
﴿: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدَاً، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارْ»(١).
وقد انبرى علماء أجلاء لذلك ، فحرروا وحققوا ، واجتهدوا في نخل المنقول ، ونقل المنخول ،
ووضعوا القواعد التي تحكم رواية الحديث ، وتحاكم رواته ، فنشأ علم مصطلح الحديث وعلم الجرح
والتعديل ، فكان كل علم من هذه العلوم أساً تنبني عليه معرفة الحديث الشريف لا بد منه ، ولا
يستقيم علم العالم إلا بفهمه ، قال ابن المديني : «التفقه في معاني الحديث نصف العلم ومعرفة
الحديث نصف العلم)(٢).
وعلم الجرح والتعديل هو المرتكز ونقطة الوسط الذي يقوم عليه المنهج العلمي في دراسة
الحديث من حيث السند ، حيث إنه يقوم بنقد رواة الحديث ، وبيان صوابهم من خطئهم ، وما
صدر عنهم من تخليط أو اضطراب ، أو تزيد أو سهو أو نسيان ، ضمن قواعد دقيقة ، تناولت
الراوي في نفسه ومروياته وشيوخه ، من خلال ضبطه وعدالته ، وحين تحمله وأدائه ، وفي حضره
(١) انظر البخاري - كتاب العلم - باب من كذب على النبي ◌َّ - ر١٠٦، ومسلم - ر٣٠٠٤.
(٢) المحدث الفاصل ٣٢٠/١.
٣

وسفره ، وسائر شؤونه التي يتصل بها أمر الرواية ، كلُّ ذلك من أجل أن تظهر السنة المطهرة في ثوبها
القشيب، غضة طرية كما تمخض عنها ثغر الحبيب ◌ِ﴿ ..
وهو من أجلِّ العلوم التي نشأت بنشأة السنة النبوية المطهرة ، فليس له نظير في علوم الأمم
السابقة ، تفرد به أهل خير القرون ، وتميزوا بتأسيسه وتقعيده ، بدافع الحفاظ على سنة النبي الكريم
﴿، فحُفِظت من كذب الدجالين ، ودجل الوضَّاعين، وصِيْنَت من تحريف الغالين ، وانتحال
المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، قال الإمام ابن مهدي : (لا يجوز أن يكون الرجل إماماً ، حتى يعلم ما
يصح مما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم مخارج العلم)(١). وقد أشار لذلك الحافظ
أبو حاتم ابن حبان بقوله: (من لم يحفظ سنن النبي :﴿، ولم يحسن تمييز صحيحها من سقيمها ، ولا
عرف الثقات من المحدثين ، ولا الضعفاء والمتروكين ، ومن يجب قبول أفراد خبره ممن لا يجب قبول
زيادة الألفاظ في روايته ... : كيف يستحل أن يفتي؟! أو كيف يُسوُِّ لنفسه تحريم الحلال ، أو تحليل
الحرام؟! تقليداً لمن يخطئ ويصيب)(٢).
وقد قام العلماء فجمعوا الرواة من الرجال ، وأقوال العلماء فيهم ، توثيقاً وتضعيفاً ، مدحاً
وقدحاً ، في مؤلفات ومصنفات ، حتى كثر في ذلك التأليف ، فَكُتُبٌ جمعت الرجال وأوردت أقوال
العلماء فيهم ، كما فعل الحافظ المزي في تهذيب الكمال ، والحافظ ابن حجر في التهذيب والتقريب.
ومن هذه الكتب مما يتصل بموضوعنا ، كتاب مغاني الأخيار ، الذي جمع فيه الإمام العيني
رجال شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي رحمه الله تعالى ، ثم قام أبو التراب السِّندي باختصار هذا
الكتاب في مؤلف أسماه كشف الأستار عن رجال معاني الآثار ، ثم قام الإمام العلامة حبيب الرحمن
الأعظمي بجمع رجال معاني الآثار ، فاستدرك على من قبله ، وزاد عليهم رجال مشكل الآثار ،
فكان له السبق والتفرد في هذا التأليف الذي أسماه "الحاوي لرجال الطحاوي" وهو المخطوط الذي
نحن بصدد تحقيقه.
(١) انظر الحلية لأبي نعيم ر ١٢٨٣٩.
(٢) انظر المجروحين ١٣/١.
٤

وتكمن أهمية هذا الكتاب ، أن الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى متأخر الوفاة عن أصحاب
الكتب الستة ، ومن رجاله وشيوخه من رواة الحديث من لم يكن من رجال الكتب الستة ، بالإضافة
إلى رجالٍ أخرج لهم لم يُتَرجَم لهم في كتب الرجال ، ولما كان من العسير تعيين هؤلاء الرواة والعثور
عليهم في كتب الرجال ، ومن ثُمَّ الحكم عليهم ، كان لا بد من خوض غمار هذا الكتاب ، ونشر
فوائده وفرائده ، في الحكم على رجاله المشهورين منهم والمغمورين ، لبيان ضبطهم ، وجلاء صدقهم ،
علماً أنَّ معظم رجال الطحاوي من الثقات الأثبات ، كما ظهر جلياً في هذا التحقيق.
وحيث إن المقصود من البحث عن الرواة التوصل إلى معرفة حالهم من جهة الأهلية للرواية أو
عدمها ، فلا بد من الوقوف على اسم الراوي الصحيح الصريح ، وهذا يتعذر إذا ذكر بغير اسمه من
كنية أو نسب أو لقب ، فضلاً عن المبهم ، ولمعرفة ذلك لا بد من سلوك طرق العلماء ، من سيرٍ
للأسانيد ، ووقوفٍ على الروايات المختلفة ، ومعرفةٍ لطبقة الراوي ، من خلال شيوخه وتلامذته ،
وزمن ولادته ووفاته ، وكذلك بلده وأماكن ارتحاله ، وبالرجوع إلى الجوامع من كتب الرجال ، والفرائد
مما ألف خصيصاً في باب من هذه الأبواب، حتى يَبِيْنَ المختلطُ ، ويُزَالَ اللَّبْسُ، ويُعَيَّنَ المبهمُ ،
ويُعْرَفَ كلُّ راوٍ باسمه ونسبه ولقبه.
وقد كان لي شرف تحقيق الجزء الأخير من هذا المخطوط ، المشتمل على الكُنى والأنساب
والألقاب والمبهمات ، وللأعظمي توسع فريد في هذا الباب ، حيث أدرج كل من ذكر بكنيته أو لقبه
أو نسبه من الرواة في المعاني والمشكل. وإذا كان الراوي مذكوراً باسمه وغير مشهورٍ بكنيته أو لقبه أو
نسبه ، فيذكر الكنية أو اللقب أو النسب ثم يعزوه إلى مكانه من الأسماء ، فحوى ما يقاربُ الألف
ترجمة ، فزاد البحثَ أهمية ووعورة ، لدقته وغموضه ، مما يُحوج الباحث للغوص في بطون الكتب بحثاً
عن مقال يجلي به حقيقة راوٍ ، ويُظهر فيه آخر مبهم ، ويبين ما اختلط وما أشكل ، وما صُحِّف
وما حُرِّفَ من أسماء الرواة ، وما يتصل بذلك.
ورغبتي في تحقيق هذا المخطوط هو سلوك درب الأئمة الأعلام في هذا الفن ، والوقوف على
أسس هذا العلم ، وصعود مدارجه خطوةً خطوة ، حتى يكون لي نصيب في الذب عن حياض
السنة النبوية المطهرة.

واخترت التحقيق على التأليف ، لأنه مرنة للمبتدئ ، ودرية للناشئ ، في التعمق في سبر أغوار
هذا العلم ، والتوسع في ميادينه الرّحبة ، قبل التصدر للتأليف الذي هو دأب المتمكنين والمتمرسين ،
ومزلقة السطحيِّين ، لا سيما ما يحققه تحقيق المخطوطات من نفع ، للباحث والمبحوث في آن واحد.
ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر الجزيل والدعاء الخالص لفضيلة الدكتور "علي بقاعي" لقبوله
وتفضله بالإشراف على هذه الرسالة ، كما أشكر مجمع الشيخ أحمد كفتارو ، إدارة ومدرسين ،
وإدارة الدراسات العليا في كلية الحديث وعلومه في جامعة أم درمان الإسلامية في جمهورية السودان
الشقيقة.
وأسأل الله عز وجل أن أكون وفقت في عملي هذا ، وأن أرزق الإخلاص فيه والنفع في
الدارین.
٦

الباب الأول
الجرح والتعديل وما يتعلق بهما
المبحث الأول : تعريف الجرح والتعديل :
أولاً : تعريف الجرح :
لغةً: جَرحه : كمنعه ، يَجْرَحُه جَرحاً: أثَّ فيه بالسِّلاح.
و"الجُرح" بالضم : يكون في الأبدان بالحديد ونحوه.
و"الجَرح" بالفتح : يكون باللسان في المعاني والأعراض ونحوها.
وعلم "الجَرْحِ" بالفتح : أي : القائم باللسان في معاني وصفات بعض الرُّواة.
ويأتي (جَرَعَ) مجازاً بمعنى: "اكتسب"، قال ◌َالَ: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام/. ٦] (١).
اصطلاحاً : وصفٌ متى التحق بالرَّاوي سقط الاعتبار بقوله ، وبطل العمل به(٢).
وعُرِّف أيضاً بأنَّه : الطعن في الراوي أو الشاهد بما يسلب عدالته، أو يُخِلُّ بضبطه(٣).
ثانياً : تعريف التعديل :
لغة : التعديل : من عدَّل بالتشديد، تقول: عدَّلته تعديلاً فاعتدل: إذا قوَّمته فاستقام. وعدَّل
الحكم تعديلاً : أقامه ، وعدَّل البائع الميزان: إذا سواه ، وعدَّل الرجل فلاناً : إذا زَكَّاه(٤).
اصطلاحاً : وصفٌ متى التحق بالرواي اعتبر قوله وأخذ به(٥).
وعُرِّف أيضاً بأنه : تزكية الراوي بأنه عدل أو ضابط(٦).
(١) انظر لسان العرب ، وتاج العروس ، ومختار الصحاح - مادة (جرح).
(٢) جامع الأصول لابن الأثير ١٢٦/١.
(٣) نقله فضيلة شيخنا "نور الدين عتر" في كتابه أصول الجرح والتعديل ص٧ ، عن المنهج الحديث لمحمد السماحي ص٥٥.
(٤) انظر لسان العرب، وتاج العروس - مادة (عدل).
(٥) انظر جامع الأصول لابن الأثير - ١٢٦/١.
(٦) نقله فضيلة شيخنا "نور الدين عتر" في كتابه أصول الجرح والتعديل ص٧ ، عن المنهج الحديث لمحمد السماحي ص٥٥.
٧

المبحث الثاني : مشروعية الجرح والتعديل :
لما كثر الاشتغال بجرح الرواة وتعديلهم ، وصار أساساً ومنهجاً يبين صحة الحديث من ضعفه ، ظهر
بعض المعترضين والمنتقدين على عمل أئمة الجرح والتعديل ، حتى قال الإمام الترمذي في كتاب العلل: (وقد
عاب بعض من لا يفهم على أصحاب الحديث الكلام في الرجال)(١). وداخلت هذه الشبهة بعض من
ينتسب للعلم ، فضلاً عن بعض الزهاد والورعين ، فاعتبروه من الغيبة المحرمة في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب
بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات/١٢]، وإشاعة الفاحشة التي حرمها الله وَّلَ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ
تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِّ وَاللَّهُيَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور/١٩].
وقد انبرى أئمة الجرح والتعديل لتفنيد هذه الشبهة وضحدها ، وأظهروا أدلتهم الدَّامغة على وجوب
الكلام في الرُّواة مستدلين على ذلك بالكتاب والسنة والإجماع ، وأقوال أهل العلم الذين يعتمد عليهم في
هذا الموضوع :
أولاً : الأدلة من القرآن الكريم : استدلوا بالآيات التي تأمر بقبول خبر العدل وشهادته ، وتحذر من
خبر الفاسق ، قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ ﴾ [الطلاق/٢]، وقوله تعالى :
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبَاٍ فَتَبَيَنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾
[الحجرات/٦]، ولا يمكن تمييز العدل من غيره إلا بالبحث في أحوال الرواة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو
واجب(٢).
ثانياً: الأدلة من السنة المطهرة: استدلوا بتعديل النبي ﴿ لبعض الصحابة، فقد قال ◌ُ له: «إن
عبد الله رجل صالح»(٣). وكذلك فقد جرح النبي ◌ّ بعض المنافقين، فعن عائشة ظها: أن رجلاً
(١) انظر شرح علل الترمذي ٤٣/١.
(٢) انظر الجرح والتعديل - د. نور الدين عتر - ص٩.
(٣) انظر البخاري - كتاب المناقب - باب في مناقب عبد الله بن عمر ظه - ر٣٥٣١، ومسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب من
فضائل عبد الله بن عمر ته - ر٢٤٧٨.
٨

استأذن على النبي ◌ّ®، فلما رآه قال : «بئس أخو العشيرة ، وبئس ابن العشيرة». فلما جلس تطلّق
النبي ◌ُ ﴿ في وجهه، وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل، قالت له عائشة ظه: يا رسول الله حين رأيت
الرجل قلت له كذا وكذا ، ثم تطلقتَ في وجهه وانبسطت إليه، فقال﴿ *: «يا عائشة متى عهدتني
فحّاشاً ، إن شرَّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة من تركه الناسُ اتقاء شره»(١). وكذلك ما ورد في
حديث فاطمة بنت قيس ، حينما قالت لرسول﴿5: إنَّ معاوية بن أبي سفيان ، وأبا جهم خطباني.
فقال رسول الله /5: «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، وأما معاوية فصعلوك لا مال له ،
انكحي أسامة بن زيد»(٢). ففي هذا الحديث جواز جرح الضعفاء لأجل النصيحة.
ومن ذلك حديث ابن عباس ظ «أنَّ ماعز بن مالك أتى النبي ﴿ ، فقال : إنه زنى! فأعرض
عنه ، فأعاد عليه مراراً ، فأعرض عنه ، فسأل قومه : أمجنون هو ، فقالوا: ليس به بأس. قال:
أفعلت بها؟ قال : نعم. فأمر به أن يرجم»(٣). فقد سأل قومه عن حاله ، وقبل قولهم فيه : «ليس به
بأس). وقد أخبر بأنه يجيء في أمته من بعده كذابين ، فحذر منهم ، ونهى عن قبول رواياتهم ، فعن
عمر ظه، قال: قال ﴿: «أكرموا أصحابي ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يفشو
الكذب ، حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ، ويشهد ولا يستشهد»(٤). وعن سعيد بن زيد ، قال:
سمعت رسول الله﴿ يقول: «إنَّ كذباً علي ليس ككذب على أحد ، من كذب علي متعمداً فليتبوأ
مقعده من النار»(٥).
ثالثاً : الإجماع : فقد نقله الخطيب البغدادي في "الكفاية" فقال: «أجمع أهل العلم على أنه لا يقبل
إلا خبر العدل ، كما أنه لا تقبل إلا شهادة العدل ، ولما ثبت ذلك وجب متى لم تعرف عدالة المخبر
(١) البخاري - كتاب البر والصلة - باب لم يكن النبي ﴿ فحاشاً - ر٥٦٥٨، ومسلم - كتاب البر والصلة - باب مداراة من يتقى
فحشه - ر ٦٥٣٩.
(٢) مسلم - كتاب الطلاق - باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها - ر١٤٨٠.
(٣) البخاري - كتاب المحاربين - باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست - ر٦٤٣٨، ومسلم - كتاب الحدود - باب من اعترف
على نفسه بالزنى - ر١٦٩٢، وسنن أبي داود - كتاب الحدود - باب رجم ماعز بن مالك - ر٤٤٢١ ، واللفظ له.
(٤) المستدرك للحاكم - كتاب العلم - ر٣٨٧.
(٥) البخاري - كتاب العلم - باب إثم من كذب على النبي ◌َ ◌ّ - ر١٠٨، ومسلم - كتاب التوحيد - باب النهي عن الحديث بكل ما
سمع - ر ٢.
٩

والشاهد أن يَسأل عنهما ، أو يستخبر عن أحوالهما أهلُ المعرفة بهما ، إذ لا سبيل إلى العلم بما هما عليه إلا
بالرجوع إلى قول من كان بهما عارفا في تزكيتهما ، فدلّ على أنه لا بد منه».
وأما أقوال أهل العلم فكثيرةٌ ، منها :
قول الثِّمِذي رحمه الله : (وقد عاب بعض من لا يفهم على أصحاب الحديث الكلامَ في الرجال ،
وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين ، قد تكلموا في الرجال : منهم الحسن البصري ، وطاووس
تكلما في مَعبد الجُهَني ، وتكلّم سعيد بن جبير في طلق بن حبيب ، وهكذا رُوِيَ عن أيوب السَّخْتياني ،
ومالك ، وابن المبارك ، والقطَّان ، وابن مهدي ، وغيرهم من أهل العلم : أنهم تكلموا في الرجال ، وضعفوا
فما حملهم على ذلك عندنا - والله أعلم - إلا النصيحة للمسلمين ، لا نظنّ أنهم أرادوا الطعن على الناس
أو الغيبة، إنما أرادوا عندنا أن يبينوا ضعفَ هؤلاء لكي يُعرفوا)(١).
وروي عن ابن عُلَيَّه ، أنه قال في الجرح : (إن هذا أمانة ليس بغيبة»(٢).
وقال أبو زرعة الدمشقي: «سمعت أبا مُسْهِر يُسأل عن الرجل يغلط ويهم ويصحّف ؟ فقال : بيّ أمره ،
فقلت لأبي مُسْهِر : أترى ذلك غيبة ؟ قال: لا)(٣).
ونقل السيوطي في التدريب ، قال : (وقال أبو بكر بن خلاد ليحيى بن سعيد : أما تخشى أن يكون
هؤلاء الذين تركتَ حديثهم خصماءك عند الله ؟؟! فقال: لئِنْ يكون هؤلاء خصمائي أحبُّ إليَّ من أن
يكون خصمي رسول الله ﴿، يقول: لمَ لمْ تذبَّ الكذب عن حديثي»(٤).
فكان جرح العلماء وتعديلهم ، لمصحلة الدين والحديث ، ولم تكن جرحاً لذوات الناس والأشخاص ،
فقد قال ابن معين : (إنا لنطعن في أقوام لعلهم قد حصلُّوا رحالهم في الجنة من مائتي سنة». قال محمَّد بن
مَهْرُويه : فدخلت على ابن أبي حاتم ، وهو يحدِّث بكتاب أبيه في الجرح والتعديل ، فحدَّثته بهذا فبكى
وارتعدت يداه وسقط الكتاب ، وجعل يبكى ويستعيدني الحكاية»(٥).
(١) شرح علل الترمذي ٤٣/١.
(٢) المصدر السابق ص٤٦.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) تدريب الراوي للسيوطي ص ٥٢٠.
(٥) تذكرة الحفاظ ٣٨١/٣.
١٠

المبحث الثالث : شروط الراوي المقبول :
لقد اختص الله وَالَ الصحابة ﴿ه بأنهم عدول، لا يسأل عن عدالة أحد منهم ، بشهادة القرآن ،
قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران/١١٠]، والسنة المطهرة، فقد قال ◌َله: «لا
تَسُبُّوْا أَصْحَابِيْ ، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبَاً مَأْ بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيْفَهُ))(١).
فهذا حال الصحابة رضوان الله عليهم ، وهو قبول روايتهم جميعاً لأنهم عدول ، وبحثنا في شروط
الراوي المقبول ، فيمن بعد الصحابة ، وقد حصر العلماء مجموع صفات من تقبل روايته في شرطين أساسين
، هما : العدالة والضبط.
فالعدالة : هي ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة. وقد ذكر ابن الصلاح خمس شروط للعدالة
: وهي : الإسلام ، والعقل ، والبلوغ ، والسلامة من أسباب الفسق ، ومن خوارم المروءة. فالعدالة ليست
بمعنى العصمة ، ولكنها كما قال أبو بكر الباقلاني : «إن العدل هو من عُرِفَ بأداءِ فرائضه ولزوم ما أُمِرَ به ،
وتَوَقِّي ما تُيَ عنه ، وتَنُّبِ الفواحش المسقِطَةِ ، وتَخَرِّي الحق والواجب في أفعاله ومعاملته ، والتَّوَقِّي في لفظه
مما يُثْلِمُ الدين والمروءة ، فمن كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ، وموصوف بالصدق في
حديثه»(٢).
وأما أدلة اشتراط العدالة ، فقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍَ فَتَبَيَنُواْ أَن تُصِيبُواْ
قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ [الحجرات/٦]. وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾،
[الطلاق/٢].
والضبط : لغة : من ضبط يضبط ، إذا حفظ بحزم ، وهو لزوم الشيء وحبسه. وفي اصطلاح
المحدثين : الحفظ بالحزم للأخبار منذ تلقيها إلى أدائها(٣). وهو ملكة تؤهل الراوي لأن يروي الحديث كما
سمعه ، وهو قسمان :
(١) البخاري - كتاب فضائل الصحابة - باب قول النبي و لد: لو كنت متخذاً خليلاً - ر٣٤٧٠، ومسلم - كتاب المناقب - باب
تحريم سب الصحابة - ر٣٤٧٠.
(٢) الكفاية للخطيب البغدادي ص ٨٠.
(٣) لسان العرب - مادة (ضبط).
١

ضبط الصدر : وهو الحفظ غيباً عن ظهر قلب.
ضبط الكتاب : وهو أن يعتمد في رواية الحديث على صحيفة أو كتاب يروي منه.
ومن أدلة اشتراط الضبط ، قوله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْهُ﴾ [الإسراء/٣٦]. أي : لا
تتبع أمراً لم تعلم صحته ، أو تتحقق من سلامته. وقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ
مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة/٢٨٢]. فدلت على
اشتراط الضبط في موضعين : قوله : ﴿من ترضون من الشهداء﴾ ، وغير الضابط غير مرضي ، وقوله :
﴿أن تضل إحداهما﴾. أمر بالتثبت والتقوية بامرأة أخرى خوف الخطأ. وأما السنة فقوله: ﴿ه: «نَضَّرَ اللهُ
امْرَءَاً سَمِعَ مِنَّا شَيْئَاً فَبَلَّغَةُ كَمَا سَمِعَهُ»(١).
ويشترط في الراوي الضابط ، كما قال ابن الصلاح أن يكون : «متيقِّظاً غير مغفَّل ، حافظاً إن
حدث من حفظه ، ضابطاً لكتابه إن حدَّث من كتابه ، وإن كان يحدِّث بالمعنى اشترط أن يكون عالماً بما
يُحيل المعاني)(٢).
ويُعرف ضبط الرواي بالمقارنة والموازنة بين رواياته وروايات الثقاة المعروفين بالضبط والإتقان ، فإن
كانت موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم ، أو موافقة لها في الأغلب ، والمخالفة نادرة عرفنا كونه ضابطاً
ثبتاً ، وأما إذا كان كثير المخالفة عرفنا اختلال ضبطه ، ولم نحتجَّ بحديثه.
المبحث الرابع : مراتب الجرح والتعديل :
تكلّم علماء الجرح والتعديل في الرُّواة جرحاً وتعديلاً لبيان حال الرّاوي عند المحدِّثين ، واعتماد حديثه
إن كان ممن يوثق به ، أو ليُنظر فيه أو يُردَّ تبعاً لهذا الحكم ، ولم يكن هؤلاء الأئمة معصومين ، ولكن كان
يغلب عليهم الورعُ والدّقةُ والأمانةُ ، وقد صدرت منهم ألفاظ الجرح والتعديل من غير أن يكون لها ما يجمعها
أو يضبطها ، حتى جاء الإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفى سنة (٣٢٧هـ) في كتابه
"الجرح والتعديل" ، فرتبها ونسَّقها ، ثم نسَّق علماء الجرح والتعديل على خَطْوِ الإمام الرازي في تقسيمه
(١) انظر سنن أبي داود - كتاب العلم - باب فضل نشر العلم - ٣٦٦٠.
(٢) انظر مقدمة ابن الصلاح ص ١٠٥.
١٢

للرواة ، فأوردوها في كتبهم على سبيل الإقرار ، مع زيادات في الألفاظ والإيضاحات كالخطيب البغدادي في
الكفاية ، وابن الصلاح في مقدمته ، والمنذري في أجوبته عن أسئلة في الجرح والتعديل ، والنووي في
تقريبه(١) ، ثم جاء الحفاظ الذَّهبِيُّ والعراقيُّ وابنُ حجر والسَّخاويُّ ، فأقرُّوا هذا التقسيم وزادوا عليه مراتب
أخرى.
أولاً : مراتب التعديل :
قال ابن حجر رحمه الله تعالى(٢):
المرتبة الأولى: وهي أعلاها شرفاً ، مرتبة الصحابة الكرام ﴿ه.
المرتبة الثانية : أرفع المراتب الدالة على التزكية عند المحدِّثين ، وهي ما عُبِّر عنها بـ"أفعل" التفضيل، مثل :
(أوثق الخلق - أثبت الناس - إليه المنتهى في التثبت - لا يسأل عنه).
المرتبة الثالثة : ما تأكَّد بصفة من الصفات الدالة على التوثيق ، إما مع تباين في اللفظ كقولهم : (ثقةٌ
ثبت - ثبتٌ حجة - حافظٌ متقن - ثقةٌ ثقة - ثبتٌ ثبت).
المرتبة الرابعة : ما انفرد به بصيغةٍ دالةٍ على التوثيق مثل : (ثقة - ثبت - متقن - كأنه مُصْحَف -
حجة - عدل ضابط). وهي أولى المراتب عند ابن أبي حَاتِم والخطيب وابن الصلاح.
المرتبة الخامسة : الوصف بإحدى هذه الألفاظ : (ليس به بأس - لا بأس به - صدوق - مأمون
خيار الخلق - ما أعلم به بأساً) ونحوها.
وقد يُستثنى منها (لا بأس به)، فتلحق بالمرتبة الرابعة ، بسبب اعتمادها من قِبَل عدد من أكابر الأئمة
للتوثيق كابن معين ، وابن المديني ، ودُحَيم ، والرازيَّان ، والنَّسائي ، والفَسَوي ، كما أشار لذلك العلامة أبو غدة
في تعليقه على الرفع والتكميل(٣).
المرتبة السادسة : ما أشعر بقرب من التجريح ، وهي أدنى مراتب التعديل كقولهم : (محله الصدق
شيخ - شيخ وسط - إلى الصدق ما هو - مُقارَوب - صالح الحديث - صويلح - صدوق إن شاء الله -
(١) انظر الكفاية ص٢٣، ومقدمة ابن الصلاح ص ١٢٣، والتقريب للنووي ٢٢٩/١.
(٢) انظر التقريب ص٧٤، وشرح النخبة ص١٣٦.
(٣) انظر الرفع والتكميل ص ٢٢٢.
١٣

جيد الحديث - حسن الحديث - أرجو أنه لا بأس به - صدوق سيء الحفظ - صدوق له أوهام -
صدوق تغیر بآخرة).
ثانياً : مراتب الجرح :
المرتبة الأولى : أسوأ مراتب الجرح : وهي الوصف بما دلَّ على المبالغة فيه ، مثل : (أكذب الناس
إليه المنتهى في الوضع - ركن الكذب - منبع الكذب - معدن الكذب) ، ونحو ذلك.
المرتبة الثانية : ما هو دون ذلك من الوصف دون المبالغة كقولهم : (كذاب - وضاع - دخَّال -
کان يضع ويكذب).
المرتبة الثالثة : وهي أقل سوءاً من سابقتها ومن ألفاظها : (فلان يسرق الحديث - متهم بالكذب
متهم بالوضع - ساقط - سكتوا عنه - هالك - ذاهب الحديث).
المرتبة الرابعة : وهي الوصف بقولهم : (فلان رُدَّ حديثه - مردود الحديث - ضعيف جداً - واٍ بمرة
- طرحوه - مطروح الحديث - ارم به - لا يكتب حديثه - ليس بشيء - لا يساوي شيئاً - لا يساوي
فلساً). أو نحو ذلك.
المرتبة الخامسة : وهي الوصف بقولهم : (لا يحتج به - ضعيف - ضعّفوه - مضطرب الحديث -
له مناكير - له ما يُنْكَر عليه - منكر الحديث عند غير البخاري ، أما عند البخاري فقد قال : «كل من
قلت فيه منكر الحديث ، فلا تحل الرواية عنه»(١).
المرتبة السادسة : وهي أسهلها ، مثل قولهم : (فيه مقال - أدنى مقال - ضُعّف - يُنْكر مرة
ويعرف أخرى - ليس بذاك - ليس بالقوي - ليس بالمتين - ليس بحجة - ليس بعمدة - ليس بمأمون -
ليس بثقة - ليس بالمرضي - ليس يحمدونه - ليس بالحافظ - غيره أوثق منه - فيه شيء - فيه جهالة - لا
أدري ما هو - فيه ضعف - ضعفوه - سيء الحفظ). ونحو ذلك.
(١) انظر الميزان للذهبي ١١٩/١.
١٤

الحكم على مراتب الجرح والتعديل :
أولاً : الحكم على مراتب التعديل:
قال السَّخاوي رحمه الله في مراتب التعديل : «إن الحكم في أهل هذه المراتب : الاحتجاج بالمراتب
الأربعة الأولى منها ، وأما التي بعدها : فإنه لا يحتج بأحدٍ من أهلها ، لكون ألفاظها لا تُشعر بشريطة
الضبط ، بل يُكتب حديثه ويُختبر)). وهو موافق لقول ابن أبي حَاتِمٍ وابن الصلاح ، فقد قال ابن الصلاح : (قال
ابن أبي حَاتِمٍ : إذا قيل إنَّه صدوق ، أو لا بأس به ، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه. قلت : هذا كما قال ، لأن
العبارات لا تُشعِر بشريطة الضبط ، فيُنظر في حديثه ويُختبر حتى يُعرف ضبطه ، وإن لم نستوف النظر المعرّف لكون
ذلك المحدِّث في نفسه ضابطاً مطلقاً ، واحتجنا إلى حديث من حديثه ، اعتبرنا ذلك الحديث ، ونظرنا هل له أصلٌ من
رواية غيره ، كما تقدم في بيان طريق الاعتبار))(١).
وأما المرتبة السادسة من مراتب التعديل : فلا يحتج بحديث أهلها ، وإنما يُكتب ويُنظر فيه كالمرتبة
السابقة ، إلا أنهم دون أصحاب تلك المرتبة ، كما دلّ عليه كلام ابن أبي حَاتِمٍ ، الذي وافقه عليه ابن
الصلاحِ والنوويُّ والسَّخاويُّ والسيوطيُّ ، وغيرهم(٢).
ثانياً : الحكم على مراتب الجرح :
قال السَّخاويُّ رحمه الله: (والحكم في المراتب الأربع الأُول: أنه لا يحتج بواحد من أهلها ، ولا
يُستشهد به ولا يعتبر به ، وأما الرتبتان الأخيرتان فحديثه للاعتبار ، أي ينظر فيه في موافقة رواية الرجل لغيره
من الرُّواة ، سواء كانت الموافقة في الرواية عن الصحابي الواحد ، أو عن صحابي آخر))(٣).
وأما حكم رتبة مجهول الحال أو المستور عند الحافظ في التقريب ، فيحتاج لشيء من التفصيل :
قال الحافظ ابن حجر : «إن روى عنه اثنان فصاعداً ولم يوثق ، فهو مجهول الحال ، وهو المستور ،
وقد قَبِل روايته جماعة بغير قيد ، وردّها الجمهور. والتحقيق أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال ، لا
(١) انظر مقدمة ابن الصلاح ص١٢٢.
(٢) انظر مقدمة ابن الصلاح ص١٢٤، وإرشاد طلاب الحقائق للنووي ص١١٨، وفتح المغيث للسخاوي ٣٩٥/١، وتدريب الراوي
للسيوطي ٢٣٢/١.
(٣) انظر فتح المغيث ٤٠٠/١.
١٥

يطلق القول بردها ولا بقبولها ، بل يقال : هي موقوفة إلى استبانة حاله ، كما جزم به إمام الحرمين ، ونحوه
قول ابن الصلاح فیمن حُرِح بجرح غیر مفسر»(١).
إذاً! فحكم رواية المستور هو : التوقف إلى أن يستبين حال الرواية بورود المتابعة والشاهد ، وعند
ذلك يُقبل ويدخل تحت قسم الحسن لغيره ، وأصبح يُحتَُّ به إذا كثرت طُقِه، أو عَضَدَه اتصالُ عملٍ ، أو
موافقةُ شاهدٍ صحيح ، أو ظاهر القرآن ، قاله ابن القطان. قال الحافظ : (وهذا حسن رايق لا أظن منصفاً
یأباه»(٢).
المبحث الخامس : تعارض الجرح والتعديل :
إن كلام العلماء والنقاد في الرجال ، وحكمَهم عليهم جرحاً وتعديلاً هو اجتهادٌ منهم في الرَّوي ،
يخضع لاختلاف وجهات نظرهم في الرَّاوي ومدى تأثير الجرح في رواياته، وهذا الاجتهاد في الحكم على
الرُّواة أوجد لدينا تعارضاً في الحكم على الرّاوي إما من عالم واحد ، وإما تعارض بين أقوالٍ عدة من العلماء
:
الأول : صدور الجرح والتعديل المتعارضَين من رجل واحد ، فيكون هو الجارح ، وهو المعدل ، فيزكيه
مثلاً ، ثم يظهر له من حاله ما يجعله يقلب الحكم عليه رأساً على عقب فيجرحه ، أو العكس ، وللعلماء في
هذه الصورة أقوال :
فمنهم من قال : يعمل بالمتأخر منهما فيكون بهذا ناسخاً للأول ، فإن لم يُعْلم المتأخر منهما يُتوقف
في حال الرَّاوي إن لم يكن فيه كلامٌ من غير هذا العالم ، وبه قال الزركشي والصنعاني(٣).
ومنهم من قال : يقدَّمُ التعديل مطلقاً ، وهو قول العلامة التهانوي رحمه الله ، واستدل على
ذلك بقول الحافظ ابن حجر رحمه الله في ترجمة "هُدْبَة بن خالد القيسي" قال: «قرأت بخط الذَّهبِيِّ:
قوَّاه النَّسائي مرة ، وضعفه أخرى ، قلت : لعله ضعفه في شيءٍ خاص(٤). ثم علّق الشيخ التهانوي ،
(١) انظر نزهة النظر ص ١٠٢.
(٢) انظر النكت على ابن الصلاح ص ١٢٦.
(٣) انظر الرفع والتكميل ص٥٤، وتوضيح الأفكار ١٥٨/٢.
(٤) انظر تهذيب التهذيب ٢٦٣/٤.
١٦

وجعلها قاعدة مطردة بقوله : (وإذا اختلف قول الناقد في رجل فضعفه مرة ، وقوَّاه أخرى ، فالذي يدلَّ عليه
صنيع الحافظ ، أن الترجيح للتعديل ويحمل الجرح على شيء بعينه».
ولا بد من النظر ، فإن علمنا الناسخ من المنسوخ أخذنا بالناسخ وتركنا المنسوخ ، وإن لم نعلم يجب
النظر في السند فقد تكون إحدى الروايتين عن الإمام غير صحيحة فلا يعوّل عليها ، وقد يكون الجرح
مفسَّراً بسبب معينٍ ، كأن جرحه في زمان معين ، أو في راو معين ، أو في حالة معينة ، أو بالمقارنة مع غيره
ممن هو أوثق منه ، فلا بد من اعتبار كل ذلك ولا يمكن أخذ هذا الحكم بتفاصيله إلا من كتب الإمام أو
ممن روى عنه مع المقارنة بغيره من أقرانه من جهابذة هذا الفن.
مثال ذلك : إسحاق بن محمَّد الفروي : اختلف فيه قول أبي حَاتِمٍ فقال فيه : «صدوق ، ولكن ذهب
بصره فربما لُقِّن ، وكُتبه صحيحة». وقال مرةً: «مضطرب». فقوله: مضطرب يُحمل على إذا ما حدَّث من
حفظه. وقوله: (صدوق)). يحمل على إذا ما حدَّث من كتبه.
الثانى : أن يصدر الجرح والتعديل المتعارضان من اثنين من النقاد فأكثر :
فالجمهور على أن الجرح مقدّمٌ على التعديل بشروطٍ ، منها :
١- كون الجرح مفسراً ومستوفياً لشروط الجرح المقبولة.
٢- كون المعدّل لم يبين زوال السبب الذي به جرح الرَّوي.
٣- عدم نفي المعدِّل لوجود سبب الجرح بطريق معتبر ، والجارحون يصدقون المعدلين ولكن عندهم
زيادة علم بوجود جرح فيه لم يطلع عليه المعدلون.
٤ - أن لا يكون المجروح ممن اشتهرت عدالته وتواترت بين الناس.
كما أن التعارض قد يكون - إن لم نستطع التوفيق - بين أقوال من جرحه ومن عدله ، كأن يكون
كل منهما واقع على موضوع غير موضوع الآخر ، ومنها أن يكون حكم عبارة الجارح والمعدل واحدةً ولكن
اختلف لفظهما(١). مثل قول ابن معين : «لا بأس به» ، لا يُعارض بقول الأئمة فيه : ثقة ، فكلاهما في نفس
المرتبة ، لأنه اصطلاح لابن معين.
(١) انظر أصول الجرح والتعديل - د.نور الدين ص ١٦٠ و١٧٣.
١٧