Indexed OCR Text
Pages 1-20
للإمام الحافظ: أمير المؤمنينَى الْحَدّث أَبْ تَحْدِاللَّه ◌ُّد بن السَسَاعِيل البنَارِيّ تحقيقه مود ل ◌َّاهِهُ رَاير ◌َسْ أَادِيَّة د. يوسف العشي تَوزيع كتَبة المعارف الرياض ٧ ٧,٥) التَِّ الصَّغْيَرْ لِلاَّمَام الحافِظِ، أَمْر المُؤْمِنْنَ فى الحَدَيْث أَبِ عَبْد الله محمّد بْنِاسْمَائِيلِ البِخَارِيّ تحقيق محمود إبراهيم زاير فَسَ أَجَادِشَةُ د. يوسُف المرعشلى المجَلد الأوّل دار المعرفة بَيروت - لبنان : ٠ ٠ ٠٠ .... . . . . .. ... طبعَة جَدِيّة مُصّصَة جَمِيع الحقوق محفوظَّة لِلنَّاشِرُ الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦م دار المعرفة DAR EL-MAREFAH الطَّبَاعَة وَالنشر والتوزيعِ. Publishing & Distributing مستديرة المطار - شارع البرجاوي ص.ب ٧٨٧٦ تلفون: ٨٣٤٣٣٢٠٨٣٤٣٠١ - برقياً معر فكر بيروت - لبنان .... .... .. ..... .. .. .. ٠٠ : هذا الكتاب - من أهم الكتب التي صنفها الإِمام البخاري، وهو صنو التاريخ الكبير ، وامتاز كل منهما بفائدة . التاريخ الكبير رُتِّبت أسماء الرجال فيه على حروف المعجم . والتاريخ الصغير رُتَّب على حسب تاريخ الوفاة . وقد أشار أبو عبد الله في كل منهما إشارات مختصرة وروايات وأحاديث تتصل بالرجال الذين ترجم لهم . وتم بحمد الله تحقيق التاريخ الصغير بحُلّة جديدة مزوّدة بفهرس للأحاديث. ١ - ضبطت أعلامه ضبطاً دقيقاً . ٢ - أُثبتت الزيادات التي وردت في التاريخ الكبير في التعليقات . ٣ - أُلقي الضوء على كثيرٍ من غوامضه وإشاراته بما يُسِّر على الباحث أن يستفيد منه . ٤ - رُوعي أن ترتيب أسماء الرجال على حروف المعجم ، وهو بذلك قد جمع بين مميزات التاريخ الكبير والتاريخ الصغير. : : ٥ - صُنِّت فهارس الأعلام والتراجم الجامعة لتيسر الاستفادة منه . ٦ - صنِّفت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم على حروف المعجم وقد قام بهذا العمل الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشلي ، ورياض عبد الله . ٧ - اجتُهدَ على تصحيحه من الأخطاء المطبعية التي كان في طبعته الأولى. والكتاب على صغره من أجمع الكتب التي صُنَّفت في تاريخ الرجال ، ولا يستغني عنه مشتغلٌ بعلوم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . دار المعرفة .... بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمْ مقدمة الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير رسل الله وبعد : فإن كتاب (( التاريخ الصغير)) للإِمام البخاري من أجلِّ الآثار التي قدمها لنا الإِمام ، فهو من الدراسات التي لا يستغني عنها مشتغل بعلوم الحديث، فهو يسجل فيه أسماء الأعلام الذين خدموا هذا العلم ، وتواريخ وفياتهم ، ويروي آراء الأئمة فيهم ، وحكمهم على كثير منهم ، وكثيراً ما يشير إلى أحاديث كانوا طرفاً في مسانيدها ، واختلف القول فيها قوة وضعفاً ، فإن كان لأبي عبد الله رأي ذكره في اختصار شديد ، وتوق زائد ، وبعد عن الإِسفاف ، وعذر القول . وآثار البخاري لا تحتاج إلى تقريظ ، ولكن قبل أن أتكلم عن ((التاريخ الصغير)) أوجز الكلام عن صاحبه تبركاً بذكره ، لا تعريفاً به ، فهو الإِمام العلم الذي لا ننكر آثاره في حفظ السنة ، والذود عن حياضها ، جزاه الله عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء . أبو عبد الله البخاري : الإِمام الحافظ أبو عبد الله : محمد بن إسماعيل، بن إبراهيم، بن المغيرة بن بردزبة الجعفي البخاري ، يذكر المؤرخون أن جدّه الثالث .......- smt Prem e (بردزبة)) - ومعناها بالفارسية الزارع - كان فارسياً على دين قومه ، ثم أسلم ابنه المغيرة على يد اليمان الجعفي والي بُخارى، ومن هنا جاءت نسبتهم إلى الجعفيين نسبة ولاء ، عملاً بمذهب من يقول: إن من أسلم على يدي شخص كان ولاؤه له ، ومن ثمَّ كانت هذه النسبة التي لصقت بالأسرة فلم تفارقها بعد ذلك، والتي تشير إلى مدى اعتزازهم بتحولهم إلى دين الإِسلام واعتناقهم له ، وفخرهم بمن هداهم إليه . هذا ما كان من أمر المغيرة ، أما ابنه إبراهيم فلم يقف المؤرخون على شيء من أخباره ، وإنما يذكرون أن إسماعيل - والد الإِمام - كان ذا مالٍ وفير ، وأنه اشتغل بعلم الحديث ، وعني به . ولعل هذا الاتجاه من الأب جاء متأخراً، فلم يحقق له مكاناً مرموقاً بين المحدثين ، وغالب الظن أن اشتغاله بإنماء ثروته كان من الأسباب التي حالت بينه وبين التفرغ للطلب . وإن كان اشتغال الأب بالعلم يسيراً إلا أنه يدل دلالةٌ واضحةٌ على عمق الإِيمان ، وشدة التقوى ، وتوقير العلم والعلماء ، صاحب ذلك أملاً رجا أن يتحقق له ، بأن يدفع بأحد أبنائه إلى هذه الساحة الكريمة ، يؤكد هذا الفهم اشتغال ابنه محمد بحفظ الحديث وهو في العاشرة من عمره ، أو دون ذلك بقليل . وقد ترجم البخاري لأبيه في التاريخ الكبير (١/٣٤٢)، وذكر أنه يلقب بأبي الحسن ، وأنه رأى حماد بن زيد ، وصافح ابن المبارك بكلتا يديه وأنه سمع مالكاً . كما ترجم له ابن حبان في كتاب الثقات بين رجال الطبقة الرابعة ، وذكر أنه روى عن العراقيين . ٦ ومهما يكن من شيء فقد خلف إسماعيل لولديه مالاً جليلاً - كما يقول وراق الإِمام - مالاً تحرى الأب أن يكون حلالاً كله ، لاشبهة فيه . قال أحمد بن حفص : دخلت على إسماعيل والد أبي عبد الله عند موته، فقال : لا أعلم من مالي درهماً من حرام ، ولا درهماً من شبهة . وقد سجل إسماعيل - رحمه الله - مولد ابنه محمد بخط يده : يوم الجمعة عقب الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ببخارى ، وهو يوافق ٢١ يولية من عام ٨١٠ م. 1 ولم يلبث إسماعيل أن مات ، وخلف محمداً صغيراً في حجر أمه ، وأخاً له یکبره اسمه أحمد . والإِمام بهذا ولد في عهد ((الأمين)) بعد عام من وفاة هارون الرشيد ، ولد وقد بدأ الخلاف يدب بين الأمين والمأمون . وهو لم يدرك من أمر هذا الخلاف شيئاً ، ولم تؤثر الفتنة التي اشتعلت نيرانها بين الأخوين عليه في قليل أو كثير . إذ هي مرت به طفلاً صغيراً . وما إن شب عن الطوق ، وبدأ في طلب العلم إلا وقد استقرت الأمور للمأمون ، ودانت له الأطراف ، ثم انتقلت الخلافة من المأمون في سنة ٢١٨ هـ إلى المعتصم الذي حكم حتى عام ٢٢٧ هـ . وإذن فالبخاري قضى عهد الطلب والتحصيل والتفوق في ظل خليفتين قويين : هما المأمون والمعتصم ، على الرغم من أن المأمون قد أنهى حياته بإشعال فتنة خلق القرآن ٢١٨ هـ تلك الفتنة التي واصل إزكاء نارها المعتصم ، والتي لاقى منها علماء المسلمين شراً مستطيراً . ٧ : وفتنة خلق القرآن إن لم تكن قد مست الإِمام البخاري من بدايتها مساً مباشراً، فإنه لاقى منها في ختام حياته ما لاقى ، يوم ثار الخلاف بينه وبين الذهلي ، وخرج - أو أخرج - بسببها من نيسابور خائفاً يرتقب . وقد ألهم الإِمام حفظ الحديث وهو في الكتاب ابن عشر سنين أو أقل ، وفرضت معالم النبوغ نفسها على مجالس شيوخه وهو في باكورة حياته العلمية: حكى وراقة محمد بن أبي حاتم عنه، قال: ((فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره ، فقال يوماً - فيما كان يقرأ للناس - : سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم ، فقلت : إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم ! فانتهرني ، فقلت له : ارجع إلى الأصل إن كان عندك . فدخل فنظر فيه ، ثم رجع، فقال : كيف هو يا غلام ؟ فقلت : هو الزبير ، وهو ابن عدي عن إبراهيم . فأخذ القلم ، وأصلح كتابه ، وقال : صدقت)) . فلما بلغ السادسة عشرة كان قد حفظ كتب ابن المبارك ووكيع ، وعرف كلام أهل الرأي ، وخرج مع أمه وأخيه أحمد إلى الحج سنة ٢١٠ هـ، وأقام بمكة مجاوراً، ورجع أخوه مع أمه إلى بخارى ، فمات بها . يقول الإِمام : ولما طعنت في ثماني عشرة سنة صنفت كتاب (( قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم؛ وصنفت (( التاريخ الكبير)) إذ ذاك عند قبر النبي سير في الليالي المقمرة . وكتاب التاريخ الكبير - على كبره وطوله - قد تحرى الإِمام أن يختصره اختصاراً شديداً، بحيث لا يملك التناول منه إلا الباحث المتخصص ، ومع ذلك فهو يقول عنه: ((قلَّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة ، إلا أني كرهت تطويل الكتاب))، ونضيف فنقول : إن هذا ٨ .. الكتاب وكتاب (( التاريخ الصغير)) قد لازما الإِمام طوال حياته ، يضيف إليهما ما تستجد وفاته ويرى أن يضيفه إليهما من رجال الحديث . بدأ الإِمام السماع سنة ٢٠٥ هـ أو بعدها بقليل، وارتحل في طلب الحديث بعد أن أشبع نهمته مما عند شيوخ بلده سنة ٢١٠ هـ ، وارتحل في طلب الحديث بعد أن أشبع نهمته مما عند شيوخ بلده سنة ٢١٠ هـ ، وتنقل بين بلخ ومرو ونيسابور والري وبغداد والبصرة والكوفة ومكة والمدينة وواسط ومصر ودمشق وفيسارية وعسقلان وحمص . فسمع من شيوخ لا يحصون كثرة ، ومع هذا فهو يقول: (( كتبت عن ألف وثمانين نفساً ليس فيهم إلا صاحب حديث )) . فها نحن نرى أن أبا عبد الله لم يكن يكتب عن شيخ أي شيخ ، بل كان ينتقي شيوخه انتقاء ، ولم يكتف - رحمه الله - في انتقاء الشيخ أن يكون من الحفاظ العدول المتصدرين ، بل كان يتحرى ما هو أكثر من ذلك، يقول الإِمام: ((لم أكتب إلا عمن قال: ((الإِيمان قول وعمل )) . ويرتب الحافظ ابن حجر من روى عنهم الإِمام في خمس طبقات : ١ - من حدثه عن التابعين، مثل محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثه عن حميد الطويل . ٢ - من كان في عصر هؤلاء، لكن لم يسمع من ثقات التابعين ، كأبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر . ٣ - الطبقة الوسطى من مشايخه ، وهم ممن لم يلق التابعين ، بل : ٩ أخذ عن كبار تبع الأتباع . من هؤلاء : سليمان بن حرب ، وقتيبة بن سعيد ، ونعيم بن حماد ، وعلي بن المديني ، ويحيى بن معين ، وأحمد بن حنبل ، وإسحق بن راهويه ، وابنا شيبة أبو بكر وعثمان وغيرهم . ٤ - رفقاؤه في الطلب ، ومن سمع قبله قليلاً ، من أمثال: محمد بن يحيى الذهلي ، وأبي حاتم الرازي ، وكان الإِمام يخرج عن هؤلاء ما فاته من مشايخه ، أو ما لم يجده عند غيرهم . ٥ - قوم في عداد طلبته في السن والإِسناد ، سمع منهم للفائدة مثل عبد الله بن حماد الأملي . وأخبار أبي عبد الله لا تسعها هذه الإِلمامة السريعة ، فقد وهبه الله عقلاً واعياً حاد الذكاء ، صافياً صفاء البلور، يحفظ من مرة محصولاً وفيراً ، بصورة يندر أن يجود الزمن بمثلها . والاشتغال بعلوم الحديث يحتاج إلى الذهن الوقاد ، والذاكرة الواعية لا يند عنها صغير ولا كبير ، وإلى دقة الملاحظة الفائقة التي تعين على لمح الخلل ، وتمييز الزيف . وقد وهب الله - جل شأنه - الإِمام البخاري من ذلك فيضاً من فيوضه ، وكنزاً من هباته : قال محمد بن أبي حاتم وراق البخاري: (( سمعت حامد بن إسماعيل وآخر يقولان : كان البخاري يختلف معنا إلى السماع وهو غلام ، فلا يكتب ، حتى أتى على ذلك أياماً ، قلنا نقول له ، فقال: إنكما أكثرتما عليّ ، فاعرضا عليّ ما كتبتما ، فأخرجنا إليه ما كان عندنا ، فزاد على خمسة عشر ألف حديث ، فقرأها كلها على ظهر ١٠ قلب ، حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه . ثم قال : أترون أني أختلف هدراً ، وأضيع أيامي ؟ فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد . قالا : فكان أهل المعرفة يعدون خلفه في طلب الحديث ، وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه ، ويجلسوه في بعض الطريق ، فيجتمع إليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه ، وكان شاباً لم يخرج وجهه )) . ويحكي الإِمام عن نفسه، فيقول: ((دخلت على الحميدي ، وأنا ابن ثماني عشرة سنة - يعني أول سنة حج - فإذا بينه وبين آخر اختلاف في حديث ، فلما بصر بي قال : جاء من يفصل بيننا ، فعرضا عليّ الخصومة ، فقضيت للحميدي ، وكان الحق معه )) . وهذا إن دل على شيء فإنما يدل أولاً على أن شيوخه قد أدركوا هذه المميزات التي وهبه الله إياها ، ولمسوها منه . وها هو يقول أيضاً: ((قال لي محمد بن سلام البيكندي : انظر في كتبي ، فما وجدت فيها من خطأ ، فاضرب عليه فقال له أصحابه : من هذا الفتى ؟ قال : ((هذا الذي ليس مثله )). ومما ساقه ابن حجر في هذا المجال - منتهياً في سنده في النقل إلى ابن عدي - هذا الخبر الذي يؤكد هذه الموهبة عند أبي عبد الله : (( قال ابن عدي : سمعت عدة من مشايخ بغداد يقولون : إن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد ، فسمع به أصحاب الحديث ، فاجتمعوا ، وأرادوا امتحان حفظه ، فعمدوا إلى مائة حديث ، فقلبوا متونها وأسانيدها ، وجعلوا متن هذا الإِسناد لإِسناد آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس ، لكل رجل عشرة أحاديث ، وأمروهم إذا حضروا المجلس ١١ أن يلقوا ذلك على البخاري ، وأخذوا عليه الموعد للمجلس ، فحضروا وحضر جماعة من الغرباء من أهل خرسان وغيرهم من البغداديين ، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب رجل من العشرة ، فسأله غن حديث من تلك الأحاديث ، فقال البخاري : لا أعرفه . فما زال يلقي عليه واحداً بعد واحد ، حتى فرغ ، والبخاري يقول : لا أعرفه . وكان العلماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ، يقولون : فهم الرجل ، ومن كان لم يدر القصة يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الحفظ . ثم انتدب رجل من العشرة أيضاً، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال : لا أعرفه ، فسأله عن آخر فقال : لا أعرفه ، فلم يزل يلقي عليه واحداً واحداً ، حتى فرغ من عشرته ، والبخاري يقول : لا أعرفه ، ثم انتدب الثالث ، والرابع إلى تمام العشرة ، حتى فرغوا كلهم من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة . والبخاري لا يزيدهم على : لا أعرفه . فلما علم أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول فقال : أما حديثك الأول فقلت كذا ، وصوابه كذا ، وحديثك الثاني كذا ، وصوابه كذا ، والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة ، فرد كل متن إلى إسناده ، وكل إسناد إلى متنه ، وفعل بالآخرين مثل ذلك ، فأقرَّ الناس له بالحفظ ، وأذعنوا له بالفضل)) . يقول الحافظ ابن حجر معلقاً على هذا الخبر : ((قلت : هنا يخضع للبخاري ، فما العجب من رده الخطأ إلى ١٢ الصواب ؟ فإنه كان حافظاً ، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة)). وكان أبو عبد الله ينفق على الحديث ولا يَتَكَسَّب به ، متواضعاً تواضع الأولياء، مترفعاً ترفع الأمراء، حيباً شجاعاً ، بلغ من التقوى والورع ما بلغ ، قليل الأكل جداً، كثير الإِحسان مفرطً في الكرم ، فقيهاً محدثاً . قال قتيبة بن سعيد، أحد شيوخه : ((جالست الفقهاء والزهاد والعباد ، فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل ، وهو في زمانه كعمر في الصحابة)). وقال أيضاً: ((لو كان محمد بن إسماعيل في الصحابة لكان آية)). وكان الإِمام مع تفرغه للاشتغال بالحديث يرابط في الثغور ، ويحرص كل الحرص أن يواصل التدريب على الرماية حتى أجادها وبلغ في ذلك الغاية. قال وراقة: ((وكان يركب إلى الرمي كثيراً، فما أعلم أني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمة الهدف إلا مرتين ، بل كان يصيب في كل ذلك ولا يسبق )) . وقد يظن ظان، أن البخاري وقد توفر له المال ، وصفاءِ الذهن ، وتقدير الشيوخ ، وتبجيل الرفقاء فضلاً عن التلاميذ - قد عاش حياة سهلة ميسرة بعيداً عن النداءات التي واجهت غيره ، بعيداً عن الصراعات التي انغمس فيها من آثروا القربى من السلطة والسلطان . ولكن الشيخ واجه حسد الحاسدين ، وحقد ضعاف النفوس في كل مكان ارتحل إليه ، فضلاً عن تلك الأحقاد التي تولدت في نفوس بعض الشيوخ تجاه كتب الرجال التي ألَّفها البخاري ، ولم يقدر هؤلاء ١٣ الأمانة الدينية والدقة العلمية التي حدت بالإِمام في كل ما نقل من أخبار الرجال أو حكم به عليهم من أحكام . وليس كل الشيوخ كأستاذه علي بن المديني ، عندما سئل عن أبيه في مجلس من مجالسه ، فقال للسائلين : اسألوا غيري ، فلما أبوا عليه إلا أن يسمعوا رأيه، قال في شجاعة أدبية نادرة: ((أبي ضعيف)). ثارت في النفوس من هذه الكتب أحقاد جاهلية ، لقي الإِمام منها ما لاقى في كل بلد رحل إليها ، كما أن مكانته العلمية ، وشدة إقبال الناس على مجالسه قد أججت عليه أحقاداً كثيرة . وفي السنوات العشر الأخيرة من حياة الإمام ، ومنذ مقتل المتوكل سنة ٢٤٧ هـ، أفلت زمام العامة واضطربت الأمور في شتى أنحاء الخلافة ، فكان الناس يستجيبون لكل صيحة ، ويسارعون للمشاركة في كل فتنة ، وكان الشيوخ الذين أصابوا عند الشعب مكانة وكلمة مسموعة يدركون هذا الضعف ويستغلونه في التهديد به ، وتحريك جموع العامة إلى حيث تهوى نفوسهم . ويوسع القارىء أن يعود إلى كتب التاريخ، نخص منها تاريخ الطبري ليتعرف على مدى ما وصلت إليه الأمور وما ثار هنالك من فتن وأحداث . هل كان هذا هو الذي دفع بالإِمام البخاري إلى الاتجاه إلى نيسابور سنة ٢٥٠ هـ مبتعداً عن مراكز الفتن ومواطن الفساد ؟ إن لم يكن هذا هو السبب الأساسي ، ففي غالب الظن أنه من المشجعات التي دعت الإِمام إلى أن يقصد نيسابور ليقيم بها ويواصل ١٤ رسالته التي أفنى حياته في أدائها . وكان الشيخ المتصدر للفتوى والحديث ، صاحب الكلمة المسموعة في نيسابور الحافظ محمد بن يحيى الذهلي . قال الإِمام مسلم بن الحجاج النيسابوري - فيما أورده الحاكم في تاريخه ، ونقله عنه الحافظ ابن حجر -: ((لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور، ما رأيت والياً ولا عالماً فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به ، استقبلوه من مرحلتين من البلد ، أو ثلاث ، وقال محمد بن يحيى الذهلي في مجلسه : من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غداً ، فليستقبله ، فإِني أستقبله ، فاستقبله محمد بن يحيى ، وعامة علماء نيسابور، فدخل البلد ، فنزل دار البخاريين ، فقال لنا محمد بن يحيى : لا تسألوه عن شيء من الكلام ، فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه ، وشمت بنا كل ناصبي ورافضي وجهمي ومُرْجىء بخراسان ، قال : فازدحم الناس على محمد بن إسماعيل حتى امتلأت الدار والسطوح ، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث من يوم قدومه، قام إليه رجل فسأله عن اللفظ بالقرآن، فقال : أفعالنا مخلوقة ، وألفاظنا من أفعالنا، قال: فوقع بين الناس اختلاف، فقال بعضهم: قال: ((لفظي بالقرآن مخلوق)) وقال بعضهم: لم يقل، فوقع بينهم في ذلك اختلاف ، حتى قام بعضهم إلى بعض ، قال : فاجتمع أهل الدار فأخرجوهم » . وبلغ هذا الحوار الذهلي ، وكان على استعداد لسماعه وتصديقه ، يقول الحسن بن محمد بن جابر. (( سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول : اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم ، فاسمعوا منه ، قال : ١٥ فذهب الناس إليه ، فأقبلوا على السماع منه ، حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى ، قال : فتكلم فيه بعد ذلك )) . وأثار عليه العامة ، وحرم على الناس مجالسته والإِقبال عليه والسماع منه ، فكان يقول: (( القرآن كلام الله غير مخلوق ، ومن زعم لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع ، ولا يجالس ، ولا يكلم ، ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل فاتهموه ، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مذهبه)). ويشتد في عدائه فيقول: ((لا يساكنني هذا الرجل في البلد)). وانقطع الناس عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة ، ويذكرون أن مسلم بن الحجاج عندما سمع هذا القول من الذهلي ، أخذ رداءه فوق عمامته ، وقام على رءوس الناس ، فبعث إلى الذهلي جميع ما كان كتبه عنه على ظهر جمال . وبعد هذا خشي البخاري على نفسه من البقاء في نيسابور ، وخشي عليه أخلص الناس إليه من هذا ، ودخل عليه أحمد بن سلمة النيسابوري، فقال: ((يا أبا عبد الله، إن هذا رجل مقبول بخراسان ، خصوصاً في هذه المدينة ، وقد لج في هذا الأمر حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه ، فما ترى ؟ قال : فقبض على لحيته ، ثم قال : وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ، اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشراً ولا بطراً، ولا طلباً للرياسة ، وإنما أبت عليَّ نفسي الرجوع إلى الوطن لغلبة المخالفين ، وقد قصدني هذا الرجل حسداً لما آتاني الله لا غير، ثم قال: ((يا أحمد إني خارج غداً، لتخلصوا من حديثه لأجلي)). ١٦ : فها هو الإِمام الجليل يخرج من نيسابور على هذه الصورة المحزنة ، وبرغم هذا الذي لقيه فهو لا ينسى رسالته ، فيوصي تلاميذه بأن يخلصوا من حديث الشيخ ما قدروا عليه متجاوزين عن هذه العثرة التي كان الأجدر به أن يتجاوزها . ثم عزم الإِمام على العودة إلى بُخارى - مسقط رأسه - وما إن علم أهلها بالخبر حتى سارعوا إلى استقباله بصورة لم يسبق لها مثيل، وباحتفال يتمناه السلاطين والملوك : نصبت له القباب على فرسخ من البلد ، وخرجت المدينة من بكرة أبيها حتى لم يبق مذكور متخلف عن استقباله ونثر عليه الدراهم والدنانير ، وتصدر للتحديث في مسجده وبيته مدة ، وكان من المتوقع أن تصفو الأيام الأخيرة لأبي عبد الله على هذا النحو ، ولكن شهوة التسلط دفعت الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بُخارى إلى أن يبعث إلى الإِمام أن احمل إليَّ كتاب الجامع والتاريخ لأسمع منك . أو هو سأله أن يحملهما إلى منزله فيقرأهما على أولاده . وهنا تشتد غضبة الإِمام وتثور كرامة العالم المعتز بالله ، وبما يحمله من أمانة دينية رفيعة فيقول الرسول الأمير: ((قل له إني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين ، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضر إلى مسجدي أو داري ، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من المجالس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة أني لا أكتم العلم )) . ولم يكن الأمير ليحتمل هذا الرفض ، فدسَّ عليه صغار النفوس ليتكلموا عن مذهبه فيجد الأمير حجة أمام الناس في نفيه ، ونفاه . ولما خرج من بُخارى، كتب إليه أهل سمرقند يخطبونه إلى بلدهم ١٧ فسار إليهم ، فلما كان بخرتنك - على فرسخين من المدينة - سمع أن القوم انقسموا على أنفسهم حول دخوله إياها : هؤلاء يريدون وآخرون يكرهون ، فأقام عند أقرباء له حتى ينجلي الأمر . في هذا الموقف اتجه إلى الله بعد أن فرغ من صلاة الليل فقال : ((اللهم قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك))، وما لبث أياماً حتى قدم رسول أهل سمرقند يلتمسون خروجه إليهم فأجاب وتهيأ للركوب ، ولبس خفيه ، وتعمم ، فلما مشى عشرين خطوة أو نحوها إلى الدابة ليركبها قال : ارسلوني فقد ضعفت ، فأرسلوه ، فدعا بدعوات ثم اضطجع ، فقضي : ليلة السبت، ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين ، عن اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوماً رحمه الله ورضي عنه وأرضاه . تصانيفه : للإِمام تصانيف كثيرة ذكر منها مؤرخوه : ١ - الجامع الصحيح . ١١ - أسامي الصحابة الوحدان . ٢ - الأدب المفرد . ١٢ - المبسوط . ٣ - التاريخ الكبير . ٤ - التاريخ الأوسط . ٥ - التاريخ الصغير . ١٦ - الفرائد . ٦ - خلق أفعال العباد . ٧ - الجامع الكبير . ٨ - المسند الكبير . ١٩ - القراءة خلف الإِمام . ٢٠ - بر الوالدين . ٢١ - الضعفاء . نبذة عن مذهبه في الجرح والتعديل . للإِمام البخاري منهج واضح في كتبه التي ألفَّها عن الرجال ، فهو ١٨ ١٣ - المؤتلف والمختلف . ١٤ - العلل . ١٥ - الكنى . ١٧ - قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم . ١٨ - رفع اليدين في الصلاة . ٩ - الأشربة . ١٠ - الهبة . يبتعد عن الإِطالة وكثرة الأخبار ، وهو لا يترجم إلاّ لهدف محدد هو خدمة الحديث ، ليقوِّي سنداً أو يضعفه ، أو ليدفع المحدث ليتحمل مسؤولية البحث والنظر ، وإذا تيسر أن يسوق إليك الحكم عن الرجل رواية، دفعها إليك في صدق وأمانة. بل إن الراوي قد يكون ضعيفاً عنده ، فيكتفي بقوله : فيه نظر . يقول الحافظ ابن حجر: (( للبخاري في كلامه عن الرجال توق زائد وتحرٍّ بليغ، يظهر من تأمل كلامه في الجرح والتعديل ، فإن أكثر ما يقول: سكتوا عنه ، فيه نظر ، تركوه . ونحو ذلك . وقلَّ أن يقول كذاب أو وضَّاع وإنما يقول: كذبه فلان، ورماه فلان ، يعني بالكذب)). ونقل عن البخاري أنه قال: ((لا يكون لي خصم في الآخرة ، فقال محدثه وراوي الخبر : إن بعض الناس ينقمون عليك التاريخ ، يقولون فيه اغتياب الناس ؟ فقال : إنما روينا ذلك رواية ولم نقله من عند أنفسنا، وقد قال النبي وَله: ((بئس أخو العشيرة)). ونقل عنه أيضاً أنه قال: (( ما اغتبت أحداً قط منذ علمت أن الغيبة حرام )) . ونحن إذا استعرضنا مذاهب الأئمة في الجرح والتعديل، وجدنا البخاري معتدل المذهب دائماً لا يميل إلى المتشددين المتعنتين ولا يجنح ناحية المتساهلين المفرطين . وحسبك ما يؤكده الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح، من أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط : فمن الأولى : شعبة وسفيان الثوري ،وشعبة أشد منه . ١٩ :