Indexed OCR Text

Pages 1-20

للإمام الحافظ: أمير المؤمنينَى الْحَدّث
أَبْ تَحْدِاللَّه ◌ُّد بن السَسَاعِيل البنَارِيّ
تحقيقه
مود ل ◌َّاهِهُ رَاير
◌َسْ أَادِيَّة
د. يوسف العشي
تَوزيع
كتَبة المعارف
الرياض

٧ ٧,٥)
التَِّ الصَّغْيَرْ
لِلاَّمَام الحافِظِ، أَمْر المُؤْمِنْنَ فى الحَدَيْث
أَبِ عَبْد الله محمّد بْنِاسْمَائِيلِ البِخَارِيّ
تحقيق
محمود إبراهيم زاير
فَسَ أَجَادِشَةُ
د. يوسُف المرعشلى
المجَلد الأوّل
دار المعرفة
بَيروت - لبنان
:
٠ ٠
٠٠

....
. . . . .. ...
طبعَة جَدِيّة مُصّصَة
جَمِيع الحقوق محفوظَّة لِلنَّاشِرُ
الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦م
دار المعرفة
DAR EL-MAREFAH
الطَّبَاعَة وَالنشر والتوزيعِ.
Publishing & Distributing
مستديرة المطار - شارع البرجاوي ص.ب ٧٨٧٦ تلفون: ٨٣٤٣٣٢٠٨٣٤٣٠١ - برقياً معر فكر بيروت - لبنان
.... .... ..
.....
.. .. ..
٠٠
:

هذا الكتاب
- من أهم الكتب التي صنفها الإِمام البخاري، وهو صنو التاريخ
الكبير ، وامتاز كل منهما بفائدة .
التاريخ الكبير رُتِّبت أسماء الرجال فيه على حروف المعجم .
والتاريخ الصغير رُتَّب على حسب تاريخ الوفاة . وقد أشار أبو عبد الله في
كل منهما إشارات مختصرة وروايات وأحاديث تتصل بالرجال الذين ترجم
لهم .
وتم بحمد الله تحقيق التاريخ الصغير بحُلّة جديدة مزوّدة بفهرس
للأحاديث.
١ - ضبطت أعلامه ضبطاً دقيقاً .
٢ - أُثبتت الزيادات التي وردت في التاريخ الكبير في التعليقات .
٣ - أُلقي الضوء على كثيرٍ من غوامضه وإشاراته بما يُسِّر على
الباحث أن يستفيد منه .
٤ - رُوعي أن ترتيب أسماء الرجال على حروف المعجم ، وهو بذلك
قد جمع بين مميزات التاريخ الكبير والتاريخ الصغير.
:
:

٥ - صُنِّت فهارس الأعلام والتراجم الجامعة لتيسر الاستفادة منه .
٦ - صنِّفت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم على حروف المعجم
وقد قام بهذا العمل الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشلي ، ورياض
عبد الله .
٧ - اجتُهدَ على تصحيحه من الأخطاء المطبعية التي كان في طبعته
الأولى.
والكتاب على صغره من أجمع الكتب التي صُنَّفت في تاريخ
الرجال ، ولا يستغني عنه مشتغلٌ بعلوم حديث رسول الله صلى الله عليه
وسلم .
دار المعرفة
....

بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمْ
مقدمة
الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير رسل الله وبعد :
فإن كتاب (( التاريخ الصغير)) للإِمام البخاري من أجلِّ الآثار التي
قدمها لنا الإِمام ، فهو من الدراسات التي لا يستغني عنها مشتغل بعلوم
الحديث، فهو يسجل فيه أسماء الأعلام الذين خدموا هذا العلم ، وتواريخ
وفياتهم ، ويروي آراء الأئمة فيهم ، وحكمهم على كثير منهم ، وكثيراً ما
يشير إلى أحاديث كانوا طرفاً في مسانيدها ، واختلف القول فيها قوة
وضعفاً ، فإن كان لأبي عبد الله رأي ذكره في اختصار شديد ، وتوق
زائد ، وبعد عن الإِسفاف ، وعذر القول .
وآثار البخاري لا تحتاج إلى تقريظ ، ولكن قبل أن أتكلم عن
((التاريخ الصغير)) أوجز الكلام عن صاحبه تبركاً بذكره ، لا تعريفاً به ،
فهو الإِمام العلم الذي لا ننكر آثاره في حفظ السنة ، والذود عن
حياضها ، جزاه الله عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء .
أبو عبد الله البخاري :
الإِمام الحافظ أبو عبد الله : محمد بن إسماعيل، بن إبراهيم، بن
المغيرة بن بردزبة الجعفي البخاري ، يذكر المؤرخون أن جدّه الثالث

.......-
smt Prem e
(بردزبة)) - ومعناها بالفارسية الزارع - كان فارسياً على دين قومه ، ثم
أسلم ابنه المغيرة على يد اليمان الجعفي والي بُخارى، ومن هنا جاءت
نسبتهم إلى الجعفيين نسبة ولاء ، عملاً بمذهب من يقول: إن من أسلم
على يدي شخص كان ولاؤه له ، ومن ثمَّ كانت هذه النسبة التي لصقت
بالأسرة فلم تفارقها بعد ذلك، والتي تشير إلى مدى اعتزازهم بتحولهم إلى
دين الإِسلام واعتناقهم له ، وفخرهم بمن هداهم إليه .
هذا ما كان من أمر المغيرة ، أما ابنه إبراهيم فلم يقف المؤرخون
على شيء من أخباره ، وإنما يذكرون أن إسماعيل - والد الإِمام - كان ذا
مالٍ وفير ، وأنه اشتغل بعلم الحديث ، وعني به .
ولعل هذا الاتجاه من الأب جاء متأخراً، فلم يحقق له مكاناً
مرموقاً بين المحدثين ، وغالب الظن أن اشتغاله بإنماء ثروته كان من
الأسباب التي حالت بينه وبين التفرغ للطلب .
وإن كان اشتغال الأب بالعلم يسيراً إلا أنه يدل دلالةٌ واضحةٌ على
عمق الإِيمان ، وشدة التقوى ، وتوقير العلم والعلماء ، صاحب ذلك
أملاً رجا أن يتحقق له ، بأن يدفع بأحد أبنائه إلى هذه الساحة الكريمة ،
يؤكد هذا الفهم اشتغال ابنه محمد بحفظ الحديث وهو في العاشرة من
عمره ، أو دون ذلك بقليل .
وقد ترجم البخاري لأبيه في التاريخ الكبير (١/٣٤٢)، وذكر أنه
يلقب بأبي الحسن ، وأنه رأى حماد بن زيد ، وصافح ابن المبارك بكلتا
يديه وأنه سمع مالكاً .
كما ترجم له ابن حبان في كتاب الثقات بين رجال الطبقة الرابعة ،
وذكر أنه روى عن العراقيين .
٦

ومهما يكن من شيء فقد خلف إسماعيل لولديه مالاً جليلاً - كما
يقول وراق الإِمام - مالاً تحرى الأب أن يكون حلالاً كله ، لاشبهة فيه .
قال أحمد بن حفص : دخلت على إسماعيل والد أبي عبد الله
عند موته، فقال : لا أعلم من مالي درهماً من حرام ، ولا درهماً من
شبهة .
وقد سجل إسماعيل - رحمه الله - مولد ابنه محمد بخط يده : يوم
الجمعة عقب الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين
ومائة ببخارى ، وهو يوافق ٢١ يولية من عام ٨١٠ م.
1
ولم يلبث إسماعيل أن مات ، وخلف محمداً صغيراً في حجر
أمه ، وأخاً له یکبره اسمه أحمد .
والإِمام بهذا ولد في عهد ((الأمين)) بعد عام من وفاة هارون
الرشيد ، ولد وقد بدأ الخلاف يدب بين الأمين والمأمون . وهو لم يدرك
من أمر هذا الخلاف شيئاً ، ولم تؤثر الفتنة التي اشتعلت نيرانها بين
الأخوين عليه في قليل أو كثير . إذ هي مرت به طفلاً صغيراً .
وما إن شب عن الطوق ، وبدأ في طلب العلم إلا وقد استقرت
الأمور للمأمون ، ودانت له الأطراف ، ثم انتقلت الخلافة من المأمون
في سنة ٢١٨ هـ إلى المعتصم الذي حكم حتى عام ٢٢٧ هـ .
وإذن فالبخاري قضى عهد الطلب والتحصيل والتفوق في ظل
خليفتين قويين : هما المأمون والمعتصم ، على الرغم من أن المأمون
قد أنهى حياته بإشعال فتنة خلق القرآن ٢١٨ هـ تلك الفتنة التي واصل
إزكاء نارها المعتصم ، والتي لاقى منها علماء المسلمين شراً مستطيراً .
٧

:
وفتنة خلق القرآن إن لم تكن قد مست الإِمام البخاري من بدايتها
مساً مباشراً، فإنه لاقى منها في ختام حياته ما لاقى ، يوم ثار الخلاف
بينه وبين الذهلي ، وخرج - أو أخرج - بسببها من نيسابور خائفاً يرتقب .
وقد ألهم الإِمام حفظ الحديث وهو في الكتاب ابن عشر سنين أو
أقل ، وفرضت معالم النبوغ نفسها على مجالس شيوخه وهو في باكورة
حياته العلمية: حكى وراقة محمد بن أبي حاتم عنه، قال: ((فجعلت
أختلف إلى الداخلي وغيره ، فقال يوماً - فيما كان يقرأ للناس - : سفيان
عن أبي الزبير عن إبراهيم ، فقلت : إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم !
فانتهرني ، فقلت له : ارجع إلى الأصل إن كان عندك . فدخل فنظر
فيه ، ثم رجع، فقال : كيف هو يا غلام ؟ فقلت : هو الزبير ، وهو ابن
عدي عن إبراهيم . فأخذ القلم ، وأصلح كتابه ، وقال : صدقت)) .
فلما بلغ السادسة عشرة كان قد حفظ كتب ابن المبارك ووكيع ،
وعرف كلام أهل الرأي ، وخرج مع أمه وأخيه أحمد إلى الحج سنة
٢١٠ هـ، وأقام بمكة مجاوراً، ورجع أخوه مع أمه إلى بخارى ، فمات
بها .
يقول الإِمام : ولما طعنت في ثماني عشرة سنة صنفت كتاب
(( قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم؛ وصنفت (( التاريخ الكبير)) إذ ذاك
عند قبر النبي سير في الليالي المقمرة .
وكتاب التاريخ الكبير - على كبره وطوله - قد تحرى الإِمام أن
يختصره اختصاراً شديداً، بحيث لا يملك التناول منه إلا الباحث
المتخصص ، ومع ذلك فهو يقول عنه: ((قلَّ اسم في التاريخ إلا وله
عندي قصة ، إلا أني كرهت تطويل الكتاب))، ونضيف فنقول : إن هذا
٨
..

الكتاب وكتاب (( التاريخ الصغير)) قد لازما الإِمام طوال حياته ، يضيف
إليهما ما تستجد وفاته ويرى أن يضيفه إليهما من رجال الحديث .
بدأ الإِمام السماع سنة ٢٠٥ هـ أو بعدها بقليل، وارتحل في
طلب الحديث بعد أن أشبع نهمته مما عند شيوخ بلده سنة ٢١٠ هـ ،
وارتحل في طلب الحديث بعد أن أشبع نهمته مما عند شيوخ بلده سنة
٢١٠ هـ ، وتنقل بين بلخ ومرو ونيسابور والري وبغداد والبصرة والكوفة
ومكة والمدينة وواسط ومصر ودمشق وفيسارية وعسقلان وحمص . فسمع
من شيوخ لا يحصون كثرة ، ومع هذا فهو يقول: (( كتبت عن ألف
وثمانين نفساً ليس فيهم إلا صاحب حديث )) .
فها نحن نرى أن أبا عبد الله لم يكن يكتب عن شيخ أي شيخ ،
بل كان ينتقي شيوخه انتقاء ، ولم يكتف - رحمه الله - في انتقاء الشيخ
أن يكون من الحفاظ العدول المتصدرين ، بل كان يتحرى ما هو أكثر
من ذلك، يقول الإِمام: ((لم أكتب إلا عمن قال: ((الإِيمان قول
وعمل )) .
ويرتب الحافظ ابن حجر من روى عنهم الإِمام في خمس
طبقات :
١ - من حدثه عن التابعين، مثل محمد بن عبد الله الأنصاري ،
حدثه عن حميد الطويل .
٢ - من كان في عصر هؤلاء، لكن لم يسمع من ثقات التابعين ،
كأبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر .
٣ - الطبقة الوسطى من مشايخه ، وهم ممن لم يلق التابعين ، بل
:
٩

أخذ عن كبار تبع الأتباع . من هؤلاء : سليمان بن حرب ، وقتيبة بن
سعيد ، ونعيم بن حماد ، وعلي بن المديني ، ويحيى بن معين ،
وأحمد بن حنبل ، وإسحق بن راهويه ، وابنا شيبة أبو بكر وعثمان
وغيرهم .
٤ - رفقاؤه في الطلب ، ومن سمع قبله قليلاً ، من أمثال: محمد بن
يحيى الذهلي ، وأبي حاتم الرازي ، وكان الإِمام يخرج عن هؤلاء ما
فاته من مشايخه ، أو ما لم يجده عند غيرهم .
٥ - قوم في عداد طلبته في السن والإِسناد ، سمع منهم للفائدة
مثل عبد الله بن حماد الأملي .
وأخبار أبي عبد الله لا تسعها هذه الإِلمامة السريعة ، فقد وهبه الله
عقلاً واعياً حاد الذكاء ، صافياً صفاء البلور، يحفظ من مرة محصولاً
وفيراً ، بصورة يندر أن يجود الزمن بمثلها .
والاشتغال بعلوم الحديث يحتاج إلى الذهن الوقاد ، والذاكرة
الواعية لا يند عنها صغير ولا كبير ، وإلى دقة الملاحظة الفائقة التي تعين
على لمح الخلل ، وتمييز الزيف . وقد وهب الله - جل شأنه - الإِمام
البخاري من ذلك فيضاً من فيوضه ، وكنزاً من هباته :
قال محمد بن أبي حاتم وراق البخاري: (( سمعت حامد بن
إسماعيل وآخر يقولان : كان البخاري يختلف معنا إلى السماع وهو
غلام ، فلا يكتب ، حتى أتى على ذلك أياماً ، قلنا نقول له ، فقال:
إنكما أكثرتما عليّ ، فاعرضا عليّ ما كتبتما ، فأخرجنا إليه ما كان
عندنا ، فزاد على خمسة عشر ألف حديث ، فقرأها كلها على ظهر
١٠

قلب ، حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه . ثم قال : أترون أني أختلف
هدراً ، وأضيع أيامي ؟ فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد .
قالا : فكان أهل المعرفة يعدون خلفه في طلب الحديث ، وهو
شاب حتى يغلبوه على نفسه ، ويجلسوه في بعض الطريق ، فيجتمع إليه
ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه ، وكان شاباً لم يخرج وجهه )) .
ويحكي الإِمام عن نفسه، فيقول: ((دخلت على الحميدي ، وأنا
ابن ثماني عشرة سنة - يعني أول سنة حج - فإذا بينه وبين آخر اختلاف
في حديث ، فلما بصر بي قال : جاء من يفصل بيننا ، فعرضا عليّ
الخصومة ، فقضيت للحميدي ، وكان الحق معه )) .
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل أولاً على أن شيوخه قد أدركوا
هذه المميزات التي وهبه الله إياها ، ولمسوها منه .
وها هو يقول أيضاً: ((قال لي محمد بن سلام البيكندي : انظر
في كتبي ، فما وجدت فيها من خطأ ، فاضرب عليه فقال له أصحابه :
من هذا الفتى ؟ قال : ((هذا الذي ليس مثله )).
ومما ساقه ابن حجر في هذا المجال - منتهياً في سنده في النقل
إلى ابن عدي - هذا الخبر الذي يؤكد هذه الموهبة عند أبي عبد الله :
(( قال ابن عدي : سمعت عدة من مشايخ بغداد يقولون : إن
محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد ، فسمع به أصحاب الحديث ،
فاجتمعوا ، وأرادوا امتحان حفظه ، فعمدوا إلى مائة حديث ، فقلبوا
متونها وأسانيدها ، وجعلوا متن هذا الإِسناد لإِسناد آخر، ودفعوها إلى
عشرة أنفس ، لكل رجل عشرة أحاديث ، وأمروهم إذا حضروا المجلس
١١

أن يلقوا ذلك على البخاري ، وأخذوا عليه الموعد للمجلس ، فحضروا
وحضر جماعة من الغرباء من أهل خرسان وغيرهم من البغداديين ، فلما
اطمأن المجلس بأهله انتدب رجل من العشرة ، فسأله غن حديث من
تلك الأحاديث ، فقال البخاري : لا أعرفه . فما زال يلقي عليه واحداً
بعد واحد ، حتى فرغ ، والبخاري يقول : لا أعرفه .
وكان العلماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ،
يقولون : فهم الرجل ، ومن كان لم يدر القصة يقضي على البخاري
بالعجز والتقصير وقلة الحفظ .
ثم انتدب رجل من العشرة أيضاً، فسأله عن حديث من تلك
الأحاديث المقلوبة، فقال : لا أعرفه ، فسأله عن آخر فقال : لا أعرفه ،
فلم يزل يلقي عليه واحداً واحداً ، حتى فرغ من عشرته ، والبخاري
يقول : لا أعرفه ، ثم انتدب الثالث ، والرابع إلى تمام العشرة ، حتى
فرغوا كلهم من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة . والبخاري لا يزيدهم
على : لا أعرفه .
فلما علم أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول فقال : أما حديثك الأول
فقلت كذا ، وصوابه كذا ، وحديثك الثاني كذا ، وصوابه كذا ، والثالث
والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة ، فرد كل متن إلى
إسناده ، وكل إسناد إلى متنه ، وفعل بالآخرين مثل ذلك ، فأقرَّ الناس له
بالحفظ ، وأذعنوا له بالفضل)) .
يقول الحافظ ابن حجر معلقاً على هذا الخبر :
((قلت : هنا يخضع للبخاري ، فما العجب من رده الخطأ إلى
١٢

الصواب ؟ فإنه كان حافظاً ، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما
ألقوه عليه من مرة واحدة)).
وكان أبو عبد الله ينفق على الحديث ولا يَتَكَسَّب به ، متواضعاً
تواضع الأولياء، مترفعاً ترفع الأمراء، حيباً شجاعاً ، بلغ من التقوى والورع
ما بلغ ، قليل الأكل جداً، كثير الإِحسان مفرطً في الكرم ، فقيهاً
محدثاً .
قال قتيبة بن سعيد، أحد شيوخه : ((جالست الفقهاء والزهاد والعباد ،
فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل ، وهو في زمانه كعمر في
الصحابة)). وقال أيضاً: ((لو كان محمد بن إسماعيل في الصحابة لكان
آية)).
وكان الإِمام مع تفرغه للاشتغال بالحديث يرابط في الثغور ،
ويحرص كل الحرص أن يواصل التدريب على الرماية حتى أجادها وبلغ
في ذلك الغاية. قال وراقة: ((وكان يركب إلى الرمي كثيراً، فما أعلم
أني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمة الهدف إلا مرتين ، بل كان
يصيب في كل ذلك ولا يسبق )) .
وقد يظن ظان، أن البخاري وقد توفر له المال ، وصفاءِ الذهن ،
وتقدير الشيوخ ، وتبجيل الرفقاء فضلاً عن التلاميذ - قد عاش حياة سهلة
ميسرة بعيداً عن النداءات التي واجهت غيره ، بعيداً عن الصراعات التي
انغمس فيها من آثروا القربى من السلطة والسلطان .
ولكن الشيخ واجه حسد الحاسدين ، وحقد ضعاف النفوس في
كل مكان ارتحل إليه ، فضلاً عن تلك الأحقاد التي تولدت في نفوس
بعض الشيوخ تجاه كتب الرجال التي ألَّفها البخاري ، ولم يقدر هؤلاء
١٣

الأمانة الدينية والدقة العلمية التي حدت بالإِمام في كل ما نقل من أخبار
الرجال أو حكم به عليهم من أحكام .
وليس كل الشيوخ كأستاذه علي بن المديني ، عندما سئل عن أبيه في
مجلس من مجالسه ، فقال للسائلين : اسألوا غيري ، فلما أبوا عليه إلا
أن يسمعوا رأيه، قال في شجاعة أدبية نادرة: ((أبي ضعيف)).
ثارت في النفوس من هذه الكتب أحقاد جاهلية ، لقي الإِمام منها
ما لاقى في كل بلد رحل إليها ، كما أن مكانته العلمية ، وشدة إقبال
الناس على مجالسه قد أججت عليه أحقاداً كثيرة .
وفي السنوات العشر الأخيرة من حياة الإمام ، ومنذ مقتل المتوكل
سنة ٢٤٧ هـ، أفلت زمام العامة واضطربت الأمور في شتى أنحاء
الخلافة ، فكان الناس يستجيبون لكل صيحة ، ويسارعون للمشاركة في
كل فتنة ، وكان الشيوخ الذين أصابوا عند الشعب مكانة وكلمة مسموعة
يدركون هذا الضعف ويستغلونه في التهديد به ، وتحريك جموع العامة
إلى حيث تهوى نفوسهم .
ويوسع القارىء أن يعود إلى كتب التاريخ، نخص منها تاريخ
الطبري ليتعرف على مدى ما وصلت إليه الأمور وما ثار هنالك من فتن
وأحداث .
هل كان هذا هو الذي دفع بالإِمام البخاري إلى الاتجاه إلى
نيسابور سنة ٢٥٠ هـ مبتعداً عن مراكز الفتن ومواطن الفساد ؟
إن لم يكن هذا هو السبب الأساسي ، ففي غالب الظن أنه من
المشجعات التي دعت الإِمام إلى أن يقصد نيسابور ليقيم بها ويواصل
١٤

رسالته التي أفنى حياته في أدائها .
وكان الشيخ المتصدر للفتوى والحديث ، صاحب الكلمة المسموعة
في نيسابور الحافظ محمد بن يحيى الذهلي .
قال الإِمام مسلم بن الحجاج النيسابوري - فيما أورده الحاكم في
تاريخه ، ونقله عنه الحافظ ابن حجر -: ((لما قدم محمد بن إسماعيل
نيسابور، ما رأيت والياً ولا عالماً فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به ،
استقبلوه من مرحلتين من البلد ، أو ثلاث ، وقال محمد بن يحيى
الذهلي في مجلسه : من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غداً ،
فليستقبله ، فإِني أستقبله ، فاستقبله محمد بن يحيى ، وعامة علماء
نيسابور، فدخل البلد ، فنزل دار البخاريين ، فقال لنا محمد بن
يحيى : لا تسألوه عن شيء من الكلام ، فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن
عليه وقع بيننا وبينه ، وشمت بنا كل ناصبي ورافضي وجهمي ومُرْجىء
بخراسان ، قال : فازدحم الناس على محمد بن إسماعيل حتى امتلأت
الدار والسطوح ، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث من يوم قدومه، قام إليه
رجل فسأله عن اللفظ بالقرآن، فقال : أفعالنا مخلوقة ، وألفاظنا من
أفعالنا، قال: فوقع بين الناس اختلاف، فقال بعضهم: قال: ((لفظي
بالقرآن مخلوق)) وقال بعضهم: لم يقل، فوقع بينهم في ذلك
اختلاف ، حتى قام بعضهم إلى بعض ، قال : فاجتمع أهل الدار
فأخرجوهم » .
وبلغ هذا الحوار الذهلي ، وكان على استعداد لسماعه وتصديقه ،
يقول الحسن بن محمد بن جابر. (( سمعت محمد بن يحيى الذهلي
يقول : اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم ، فاسمعوا منه ، قال :
١٥

فذهب الناس إليه ، فأقبلوا على السماع منه ، حتى ظهر الخلل في
مجلس محمد بن يحيى ، قال : فتكلم فيه بعد ذلك )) .
وأثار عليه العامة ، وحرم على الناس مجالسته والإِقبال عليه
والسماع منه ، فكان يقول: (( القرآن كلام الله غير مخلوق ، ومن زعم
لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع ، ولا يجالس ، ولا يكلم ، ومن ذهب
بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل فاتهموه ، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من
كان على مذهبه)).
ويشتد في عدائه فيقول: ((لا يساكنني هذا الرجل في البلد)).
وانقطع الناس عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن
سلمة ، ويذكرون أن مسلم بن الحجاج عندما سمع هذا القول من
الذهلي ، أخذ رداءه فوق عمامته ، وقام على رءوس الناس ، فبعث إلى
الذهلي جميع ما كان كتبه عنه على ظهر جمال .
وبعد هذا خشي البخاري على نفسه من البقاء في نيسابور ،
وخشي عليه أخلص الناس إليه من هذا ، ودخل عليه أحمد بن سلمة
النيسابوري، فقال: ((يا أبا عبد الله، إن هذا رجل مقبول بخراسان ،
خصوصاً في هذه المدينة ، وقد لج في هذا الأمر حتى لا يقدر أحد منا
أن يكلمه فيه ، فما ترى ؟ قال : فقبض على لحيته ، ثم قال : وأفوض
أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ، اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام
بنيسابور أشراً ولا بطراً، ولا طلباً للرياسة ، وإنما أبت عليَّ نفسي
الرجوع إلى الوطن لغلبة المخالفين ، وقد قصدني هذا الرجل حسداً لما
آتاني الله لا غير، ثم قال: ((يا أحمد إني خارج غداً، لتخلصوا من
حديثه لأجلي)).
١٦
:

فها هو الإِمام الجليل يخرج من نيسابور على هذه الصورة
المحزنة ، وبرغم هذا الذي لقيه فهو لا ينسى رسالته ، فيوصي تلاميذه
بأن يخلصوا من حديث الشيخ ما قدروا عليه متجاوزين عن هذه العثرة
التي كان الأجدر به أن يتجاوزها .
ثم عزم الإِمام على العودة إلى بُخارى - مسقط رأسه - وما إن علم
أهلها بالخبر حتى سارعوا إلى استقباله بصورة لم يسبق لها مثيل، وباحتفال
يتمناه السلاطين والملوك : نصبت له القباب على فرسخ من البلد ،
وخرجت المدينة من بكرة أبيها حتى لم يبق مذكور متخلف عن استقباله
ونثر عليه الدراهم والدنانير ، وتصدر للتحديث في مسجده وبيته مدة ،
وكان من المتوقع أن تصفو الأيام الأخيرة لأبي عبد الله على هذا النحو ،
ولكن شهوة التسلط دفعت الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بُخارى إلى
أن يبعث إلى الإِمام أن احمل إليَّ كتاب الجامع والتاريخ لأسمع منك .
أو هو سأله أن يحملهما إلى منزله فيقرأهما على أولاده .
وهنا تشتد غضبة الإِمام وتثور كرامة العالم المعتز بالله ، وبما
يحمله من أمانة دينية رفيعة فيقول الرسول الأمير: ((قل له إني لا أذل
العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين ، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه
فليحضر إلى مسجدي أو داري ، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان
فامنعني من المجالس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة أني لا أكتم
العلم )) .
ولم يكن الأمير ليحتمل هذا الرفض ، فدسَّ عليه صغار النفوس
ليتكلموا عن مذهبه فيجد الأمير حجة أمام الناس في نفيه ، ونفاه .
ولما خرج من بُخارى، كتب إليه أهل سمرقند يخطبونه إلى بلدهم
١٧

فسار إليهم ، فلما كان بخرتنك - على فرسخين من المدينة - سمع أن
القوم انقسموا على أنفسهم حول دخوله إياها : هؤلاء يريدون وآخرون
يكرهون ، فأقام عند أقرباء له حتى ينجلي الأمر .
في هذا الموقف اتجه إلى الله بعد أن فرغ من صلاة الليل فقال :
((اللهم قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك))، وما لبث
أياماً حتى قدم رسول أهل سمرقند يلتمسون خروجه إليهم فأجاب وتهيأ
للركوب ، ولبس خفيه ، وتعمم ، فلما مشى عشرين خطوة أو نحوها إلى
الدابة ليركبها قال : ارسلوني فقد ضعفت ، فأرسلوه ، فدعا بدعوات ثم
اضطجع ، فقضي : ليلة السبت، ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين
ومائتين ، عن اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوماً رحمه الله ورضي عنه
وأرضاه .
تصانيفه :
للإِمام تصانيف كثيرة ذكر منها مؤرخوه :
١ - الجامع الصحيح .
١١ - أسامي الصحابة الوحدان .
٢ - الأدب المفرد .
١٢ - المبسوط .
٣ - التاريخ الكبير .
٤ - التاريخ الأوسط .
٥ - التاريخ الصغير .
١٦ - الفرائد .
٦ - خلق أفعال العباد .
٧ - الجامع الكبير .
٨ - المسند الكبير .
١٩ - القراءة خلف الإِمام .
٢٠ - بر الوالدين .
٢١ - الضعفاء .
نبذة عن مذهبه في الجرح والتعديل .
للإِمام البخاري منهج واضح في كتبه التي ألفَّها عن الرجال ، فهو
١٨
١٣ - المؤتلف والمختلف .
١٤ - العلل .
١٥ - الكنى .
١٧ - قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم .
١٨ - رفع اليدين في الصلاة .
٩ - الأشربة .
١٠ - الهبة .

يبتعد عن الإِطالة وكثرة الأخبار ، وهو لا يترجم إلاّ لهدف محدد هو
خدمة الحديث ، ليقوِّي سنداً أو يضعفه ، أو ليدفع المحدث ليتحمل
مسؤولية البحث والنظر ، وإذا تيسر أن يسوق إليك الحكم عن الرجل
رواية، دفعها إليك في صدق وأمانة. بل إن الراوي قد يكون ضعيفاً
عنده ، فيكتفي بقوله : فيه نظر .
يقول الحافظ ابن حجر: (( للبخاري في كلامه عن الرجال توق
زائد وتحرٍّ بليغ، يظهر من تأمل كلامه في الجرح والتعديل ، فإن أكثر ما
يقول: سكتوا عنه ، فيه نظر ، تركوه . ونحو ذلك . وقلَّ أن يقول كذاب
أو وضَّاع وإنما يقول: كذبه فلان، ورماه فلان ، يعني بالكذب)).
ونقل عن البخاري أنه قال: ((لا يكون لي خصم في الآخرة ،
فقال محدثه وراوي الخبر : إن بعض الناس ينقمون عليك التاريخ ،
يقولون فيه اغتياب الناس ؟ فقال : إنما روينا ذلك رواية ولم نقله من عند
أنفسنا، وقد قال النبي وَله: ((بئس أخو العشيرة)).
ونقل عنه أيضاً أنه قال: (( ما اغتبت أحداً قط منذ علمت أن الغيبة
حرام )) .
ونحن إذا استعرضنا مذاهب الأئمة في الجرح والتعديل، وجدنا
البخاري معتدل المذهب دائماً لا يميل إلى المتشددين المتعنتين ولا
يجنح ناحية المتساهلين المفرطين .
وحسبك ما يؤكده الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح، من
أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط :
فمن الأولى : شعبة وسفيان الثوري ،وشعبة أشد منه .
١٩
: