Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦٠
مقدمة التحقيق
عندهم كانت قليلة، فقد روي أن عمر - رضي الله عنه - حينما يعث رَهْطاً من الأنصار إلى
الكوفة نهاهم عن كثرة التَّحديث وقال لهم: إنكم تأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن، فيأتونكم
فيقولون: قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأقِلُّوا الرّواية عن رسول
ونظراً لشُيُوع الوضع في العراق من جانب الشِّيعة وغيرهم وتهيبهم من رواية الحديث
كان بالتَّالي ذخيرة الأحاديث عندهم قليلة، ونظراً لأن هذه المدرسة كانت تقوم في جوٍّ أوسع
من جوِّ التَّقليد المدني، فالحياة في العراق مزدحمة بالعمران والحضارات متشعِّبة من رومانيّة
وفارسيّة والمسائل متشابكة كان لا بد من استعمال الرّأي كثيراً وكثيراً جدًّا، وكانوا لا
يكرهون المسائل ولا يهابون الفُتْيَا فَخرجوا المسائل على أقوال أصحابهم وأفترضوا وأَجَابوا
وساروا في هذا الاتِّجاه شوطاً طويلاً. (١) ولله الحمد والمنّة.
(١) المفصل للشيخ الخضراوي ص ٣٨ وما بعدها.

٦١
مقدمة التحقيق
جُهُودُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ
فِي نَشْرِ الإِسْلامِ
فَإِنَّ الله حين اختار نبيَّه محمداً وَ﴿ لتبليغ رسالته اختار له أصحاباً على شاكلته، عَزِّرُوهُ
ونصروه وأَتَّبعوا الثُّور الَّذِي أنزل معه، عاشوا تحت راية نبيّهم سعداء، وماتوا صديقين أو
شهداء، كان التَّوحيد مبدأهم، والحب دَيْدَنَهُمْ، والسلام طبيعتهم، والصلاة والصيام
والصدقة وصلة الأرحام منهجهم، ورضا الله غايتهم. ملؤوا الدنيا نوراً، وأشاعوا في الكون
بهجة وسروراً، وقادوا الإنسانية إلى ركب الحضارة المستنيرة، وأرسوا قواعد الدين فلم
يغيروا ولم يبدّلوا، حبب الله إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق
والعصيان أولئك هم الراشدون فضلاً من الله ونعمة.
ولما ختار الله نبيه إلى جواره بعد أن ترك الناس على المحجّة البيضاء تألق في سماء
الإسلام نجم كان الوزير الأول في حياته واليه ثم صار الخليفة بعد مماته، ذلكم هو أبو بكر
الصديق الذي سار على النَّهج المحمدي في غير تحريف ولا تبدیل.
فقضى على أول فتنة ظهرت بعد وفاة النبي ◌َّ في سقيفة بني ساعدة ... تلك التي
أثارها وأشعل نارها سعد بن عبادة الخزرجي؛ بعد أن مَنّ الله على أبي بكر بقوة الحجّة
والبرهان، ومنَّ على سعد بن عبادة ومن اتبعه بالطاعة والإذعان، ثم توجّه إلى مانعي الزّكاة
فأعادهم بقوة بأسه ورباطة جَأَشِهِ إلى ما كانوا عليه في عهد النبي عليه الصلاة والسلام،
وحارب المرتدين فعادوا إلى حظيرة الإسلام صَاغرين، وأنفذ جيش أسامة إلى الرّوم، وكان
قد جهزه رسول الله وَ﴿ للخروج إليهم، ولتأديب الغَساسِنَةِ العرب الذين هجروا الجزيرة
العربية، واستقروا في الشام، وواجه أدعياء النّبوة من أمثال مُسَيْلِمَةَ الكَذَّاب والأسود العَنسيّ
وطلیحة الأسديّ وسجاح التمیمیة وغیرهم فارتدوا خاسرین.
ثم انطلق أبو بكر يرسل كَتَائِبَ الإيمان خارج الجزيرة العربية في العراق والشام،
ليكسر حاجز الخوف الذي استولى على نفوس العرب من بطش هاتين الدولتين العظيمتين
(الفرس والروم).

٦٢
مقدمة التحقيق
وتم ذلك كله في غضون عامين مدّة خلافة الصّديق رضي الله عنه، ثم ودع الحياة
راضياً مرضياً ليحمل الرّاية من بعده الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك الذي وضع
منهجاً للدولة الإسلامية يحوي التنظيمات الإدارية، فدوّن الدواوين كديوان العطاء، وديوان
الجُند، وديوان الاستيفاء، كما أوجد مصادر للدخل بما أفاء الله على جيوشه من ثروات
الدَّولة الفارسية والبيزنطية إلى جانب الزَّكاة والخراج والجزية.
ونظم القضاء بصفة خاصّة، ولم يكن هو وصاحبه في سلوكهما هذا على بدع من القول
أو الفعل، وإنما كان اقتداء بالنبي القدوة، والرّسول الأسوة وله.
وحقق الفاروق قضية الشورى كما أرادها الله ورسوله في محكم التنزيل.
وازدادت السياسة الخارجية في عهده رسوخاً ووضوحاً فتمت الفتوحات التي بدأت في
عهد الصديق على يده بعد أن عدل الخطط الحربية، وغير القيادات، وفتحت دمشق، وتم
الاستيلاء على بيت المقدس، وكانت الخاتمة الحسنى بفتح مصر في العام الثلاثين من
الهجرة، ودخل الأقباط في الإسلام أفواجاً بعد أن خلصهم عمرو بن العاص وجنوده من
اضطهاد الرومان وتعسّفهم.
ثم كان عثمان بن عفان الخليفة الثالث بعد استشهاد الفاروق عمر بن الخطاب،
وانكسر الباب، وخرجت الفتنة تطل برأسها من جُحْرها؛ فظنوا حلم عثمان ضعفاً، وما كان
إلا رجلاً حَيِيّاً سِتِيراً تستحي منه ملائكة الرّحمن.
انظر إليه حين تولّى هذا الأمر، تجده أمام مهام تنوء بعصبة أولي قوة وقد حملها
وحده.
فها هو معاوية يتربَّع على عرش الشام ويدين له أهلها بالطّاعة العمياء فلم يشأ أن
ينقض بناء أرسى قواعده مَنْ سبقه، وهذه أساليب الدّهاء والمكر والخداع تحيط به من كل
مكان حتى اضطر للاستعانة بأهل الثُّقة من أقاربه بعد أن فقدها فیمن حوله.
ومع ذلك فإن الإمبراطورية التي امتدت في عهد أمير المؤمنين عمر من أقصى فارس
شرقاً، إلى حدود برقة وطرابلس غرباً، ومن بحر قزوين شمالاً إلى بلاد النوبة جنوباً، لم
تتوقف في عهد ذي النُّورین عثمان بن عفان حیث اجتازت جیوشه أرض فارس حتى وصلت
إلى طبرستان شرقاً، وإلى بلاد خراسان، كما تكونت أول قوة بحرية لصد عدوان الأساطيل
البِيزَنْطِية على سواحل مصر والشام، فانضم جزء آخر من بلاد النوبة في الجنوب وانضمت
لها بلاد أَرْمِينيّة، ودخلت البحرية الإسلامية جزيرة ((قُبْرص)) وما أمر واقعة ((ذات الصَّوَاري)

٦٣
مقدمة التحقيق
ببعيد حيث كان النصر فيها إيذاناً بتفوّق المسلمين على دول البحر المتوسط.
وانتقل الخليفة عثمان إلى جوار ربه متوّجاً بالشهادة وهو يقرأ القرآن على أثر فتنة
تبنّاها عبد الله بن سبأ اليهودي، وأشعل نارها في سائر الولايات الإسلامية بما تحمل من
شائعات كاذبة وانتقاصات باطلة تقلُّل من شأن الخليفة الراحل، وكانت هذه الفتنة اليهودية
سبباً في الهرج والمرج والقيل والقال مما واجهه الإمام علي بن أبي طالب في بداية خلافته،
وإن شئت قلت: في بداية محنته؛ فقد كان يمسك بزمام الأمور في عهد عثمان الشهید بعض
الولاة غير الأكْفَاء، ومنهم متطلّع إلى الخلافة نفسها، أو مطالب بدم عثمان بدعوى أنه ولي
دمه .
باختصار كان علي بن أبي طالب في موقف لا يُحْسَدُ عليه، فأراد أن يؤمِّن الدولة من
الداخل بعزل بعض الولاة، وتولية آخرين ممن يراهم أهلاً للمهمَّة الخطيرة في المرحلة
القادمة، فلم يلق إلا العصيان والتمرد والخروج عليه مما عطل مسيرة الحكم الراشد الذي
أراده لهذه الأمة.
وبينما عليٍّ يفكر في أمر معاوية إذا بأخبار تصله بخروج طلحة والزبير في صحبة أم
المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، واستمر اليهودي المتآمر عبد الله بْنُ سَبَأٍ ليعلن أن
الثوار قد خرجوا لمهاجمة علي وراع عليّاً ما كان من خروج أم المؤمنين في صحبة هؤلاء،
ولكن سرعان ما هدأ حين علم أنها جاءت للصلح بين أولادها المتنازعين باعتبارها أمّاً
للمؤمنين، وقال علي: لا بأس. إنها أمُّنا وزوجة نبينا، ولكن زعيم الفتنة اليهودي خشي
افتضاح أمره وتسليمه ليد العدالة فاجتمع بأتباعه، وقال لهم: يا قوم إن عزكم من خلطة
الناس فصانعوهم وتملقوهم، وإذا التقى الطرفان المتنازعان غداً فانشبوا القتال ولا تفرغوهم
للنظر والجلوس على مائدة الصلح وبات الجميع على الصلح، وبات ابن سبأ وأنصاره (قتلة
عثمان الحقيقيون) بِشَرِّ ليلة حتى إذا أصبح الصباح نَشَبُوا القتال، وظن أصحاب أم المؤمنين
أن عليًّا قد بدأ القتال بينما تعجب علي مما رأى من تغيير النية فنادى طلحة قائلاً.
- يا طَلْحَةُ جئت بعرس رسول الله تقاتل بها، وقد خبأت عرسك في بيتك؟ ماذا أنْتَ
صانع يوم القيامة حين يقول لك رسول الله وَعليه: لم جئت بزوجتي إلى هذه الأرض؟ فأحس
طلحة بعظم ما ارتكب فأدار وجهه وقفل راجعاً، ولكن لم يفلت من القتل على يد أحد
أرباب الفتنة، وتذكر الزُّبير ما كان من أمره مع علي أمام النَّبِي وَلّ فعاد وهو يقول: العار ولا
النّار، وحرص أبْنُ سبأ على قتل أم المؤمنين، فهاجم هو وجنوده الهودج الذي يحملها على
جملها، ولكن عليًّا عاجل الجمل بضربة عقرته وأوقعت الهودج قبل أن يتمكن منه دعاة

٦٤
مقدمة التحقيق
الفتنة وأعاد أم المؤمنين إلى بيتها في حماية أربعين حارساً أوصلوها سالمة ولم يكن هؤلاء
الجنود إلا نساء من فتيات قريش تزيوا بزيٍّ الرجال مراعاة لحرمة رسول الله و 18 وكان على
رأسهم أخوها محمد بن أبي بكر، فلما اكتشفت أم المؤمنين ذلك أطرقت برأسها قائلة: لقد
أبى أبو الحسن إلا أن يكون عليًّا.
وبعد شهر من هذه الواقعة بدا يوم صفّين مكشراً عن أنيابه، وكانت نهاية هذه الموقعة
أسوأ من بدايتها فقد انتهت بخدعة التحكيم المشهورة، أما الخوارج فقد حكموا على الإمام
علي بالكفر وقتله أحدهم وهو عبد الرحمن بن ملجم الذي ألحقه الله بعاقر ناقة ثمود في النَّار
بجريمته النكراء وفعلته الشَّنعاء.
وتولى الخلافة بعده ابنه الحسن بن علي الذي ما لبث أن ودعها غير آسف عليها تاركاً
أعباءها لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه الذي لم تصح له الخلافة إلا بعد تنازل الحسن
عنها له، وكان قد أخذ البيعة من أهل الحلّ والعقد كما بويع لأبيه الإمام علي من قبل
وصدقت نبوءة النبي وَ ﴿ فيما أخبر به عن الحسن حيث قال: ((إنَّ أَبْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللهُ
بِهِ بَيِّنَ فِئْتَيْنِ عظيمتينٍ مِنَ المُسْلِمِينَ))(١).
وهكذا أصبحت الخلافة مُلْكاً عضوضاً على يد معاوية الذي ورثها لابنه اليزيد، وأجبر
الناس على بيعته في حياته حتى لا ينازعه في ملكه منازع من بعده.
ولسنا نقول بأن الخبر الذي قاله النَّبي ◌َّه عن الملك العضوض حين يفيد انتقاصاً من قدر
الملوك فإنه غالباً ما يكون فيهم الحزم والكياسة إلى جانب الشِّدة والعنف، وها هو داود
وابنه سليمان كانا رسولين ملكين، وكان الملك والجاه والسلطان خير سند لرسالتهما، كما
كانت ملكة سبأ من خير ملكات العالم بما أوتيت من الحكمة والرشاد حيث حكمت اليمن
وقادت الجيوش الجرّارة حتى إذا دعيت للإسلام قادت شعبها وجيشها إلى الدّخول في طاعة
سليمان قائلة: ((وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ العَالَمِين)) وهذه الأرض يعيش عليها الآن ملوك
يقودون شعوبهم مثَّجهين بهم إلى السّير في ركب الحَضَارة الإنسانية بما أوتوا من الحنكة
والتجربة وعراقة الأصل وسلامة الدِّين.
هذا وما زالت آثار الصّحابة والخلفاء قائمة بين دول الإسلام بما خلّفوه من علم وفهْمٍ
لكتاب الله وسنّةً نبيه وَ له، وستظل باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ..
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤٤/٥. وابن عساكر ٢٠٩/٤ - وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ١٦/٨
والقاضي عياض في الشفا ١/ ٦٧١ .

٦٥
بمقدمة التحقيق
(أَبُو هُرَيْرَة)
اَلْمُفْتَرِى عَلَيْهِ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)
طعن أرباب الأهواء قديماً وحديثاً في أبي هريرة - رضي الله عنه ليتخلصوا من أحاديثه
التي تقف دون أهوائهم، وتردّ كيدهم. في نُحُورهم، وسندهم في هذه المطاعن إمَّا روايات
مكذوبة أو ضعيفة، وإما روايات صحيحة لم يفهموها على وجهها، بل تأوَّلوها تأويلاً باطلاً
يتفق وأهواءهم، وإنَّا لذاكرون لك بعضاً من هذه الطُّعون، والجواب عنها بإيجاز ليكون ذلك
نموذجاً يحتذى في الدِّفاع عن هذا الصَّحابي الجليل، فنقول وبالله التوفيق:
(أ) - مما طعن به أهل الأهْوَاء في صدق أَبِي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - ((حَدِيث
الوِعَاءِيْنِ)) وهو ما رواه البُخَارِيُّ من باب ((حِفْظِ العلْمِ)) من كتاب ((العِلْمِ)) عن أبي هريرة قال:
((حفظت من رسول الله ﴿﴿ وِعَاءَيْنٍ، فأمّا أحدهمَا فبثثْتُهُ وأمَّا الآخر فلو بثته قطع هذا
البلعوم))(١).
قالوا: هذا الحديث لوصح لترتَّب عليه أن يكون النَّبِي وَ﴿ قد كتم شيئاً من الوحي عن
جميع الصحابة سوى أبي هريرة، وذلك لا يجوز بإجماع المسلمين.
والجواب: أنه ليس في الحديث ما يفيد أن رسول اللهِ﴿ قد اختصه بهذا الوِعَاءِ دون
غيره من الصحابة، وعلى تقدير أنه اختصه بهذا الوعاء دون غيره من الصّحابة، فليس فيه
شيء من کتمان الوحي الذي أمر الله رسوله أن يبلغه النّاس.
قال ابْنُ كثِيرٍ: «هذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الحروب والفِتَنُ والمَلَاحِمُ، وما
وقع بين الناس من الحروب والقتال وما سيقع)). اهـ.
فالإخبار عن بعض الحروب والمَلَاحِمِ الَّتي ستقع ليس مما يتوقف عليه شيء من
أُصُولِ الدِّين أو فروعه، فيجوز لِلنَِّي ◌َّر أن يخص مِثل هذا النَّع من الوحي شخصاً دون
الآخر، أو فريقاً دون فریق.
(ب)۔ وممَّا أُّخِذَ شُبھَةً على صدق أبي هريرة في الحديث أنه کان یروي عن رسول
الله ﴿ه(مَنْ أَذْرَكَ الصُّبْحَ وَهُوَ جُنُبٌّ فَلاَ يَصُمْ))، ويفتي به النّاس فبلغ ذلك عَائِشَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ -
رضي الله عنهما - فأنكرتا عليه، وذكرتا ((أن رسول الله و # كان يدركه الفجر وهو جنب من
أهله ثم . تسل ويصوم))، فرجع إلى حديثهما وقال: كذلك حدثني الفَضْلُ بْنُ العَبَّاسِ
(١) أخرجه البخاري في الصحيح ٢٥٨/١ كتاب العلم باب حفظ العلم (٤٢) حديث رقم ١١٨.
الإصابة/ج١/م٥

٦٦
مقدمة التحقيق
وأَسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عنه ◌ِوَّهَ، وأمهات المؤمنين أعلم بمثل ذلك من الرجال.
والجواب: أن أبا هريرة لم يسمع الحديث من رسول الله وَ ◌ّ﴿ وإنما سمعه من الفَضْلِ
وأَسَامَةَ عنه وَّر وهما من أهل الصِّدق والأمانة، ولكن لما ترجَّح لديه حديث عائشة وأم
سلمة رجع إليه، وترك فتواه اتّباعاً للحق، وأمَّا حديث الفَضْلِ وأُسَامَةَ، فقد أجاب عنه
العلماء بأجوبة (منها): أنه معارض بما هو أقوى منه، فيترك العمل به إلى الأرجح.
(ومنها): أنه كان في مبدأ فرض الصِّيَامِ حين كان الأكل والشّرب والجماع محرّماً بعد
النوم، ثم أباح الله ذلك كله إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن يستمر إلى طلوعه، فيلزم
أن يقع اغتِسَالُهُ بعد طلوع الفجر، فدل على أن حديث عائشة وأم سلمة ناسخ لحديث الفَضْلِ
وأُسَامَة، ولم يبلغهما ولا أبا هريرة الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفُتْيَا به، ثم رجع عنه
بعد ذلك لما بلغه.
قال الحافظ أَبْنُ جَحَرٍ: ((وفيه فضيلة لأبي هريرة لاعترافه بالحق ورجوعه إليه))(١).
(جـ) - قالوا: روى أبو هريرة حديث: (لاَ عَذْوَى وَلَ صَفَرَ وَلاَ هَامَةَ)، فقال أعرابيّ:
يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرَّمل کأنها الظّبَاء، فيخالطها البعير الأجرب فیجربها،
قال رسول الله وَله: ((فَمَنْ أَعْدَى الأوَّلَ))(٢).
وروى أيضاً حديث: ((لاَ يُورِدَنّ مُمرضٌ عَلَى مُصَحّ))، أي: صاحب إبل مَرِيضَةٍ على
صاحب إبل صحيحة مخافة العَدْوَى.
قالوا: وبين الحديثين تناقض إذ الحديث الأول ينفي العدوى والثاني يثبتها، والنبي ◌َّ
لا يتكلم بمثل هذا فدار الأمر بين كذب أبي هريرة أو نسيانه في الرواية فإن قلنا بكذبه
ارتفعت الثقة بمروياته، وإن قلنا بنسيانه ناقض حديث ضم الرداء وقوله فيه (فوالذي نفسي
بيده ما نسيت منه شيئاً بعد).
(١) فتح الباري ١٢٨/٤ .
(٢) أخرجه البخاري في الصحيح ٧/ ٢٣١ كتاب الطب باب الجذام .. الخ حديث رقم ٥٧٠٧، ٢٥٣/٧
كتاب الطب باب لاهامه حديث رقم ٥٧٧٠، ٥٧٧٢. ومسلم في الصحيح ٤/ ١٧٤٣ - ١٧٤٧ كتاب
السلام (٣٩) باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم (٣٤) حديث رقم (٢٢٢٠/١٠٢،
٢٢٢١/١٠٤، ٢٢٢١/١٠٥، ٢٢٢٢/١٠٧، (٢٢٢٤/١١١)، ٢٢٢٤/١١٢)، (٢٢٢٣/١١٣)،
(٢٢٢٣/١١٤) وابن ماجة في السنن ٣٤/١ المقدمة باب ١٠ حديث رقم ٨٦ وأحمد في المسند
١٧٤/١، ٢٤/٢، ١٥٣، ٢٢٢، ٤٣٤، ١٣٠/٣، ١٧٣، ٢٥١،١٧٨. وابن أبي شيبة ٤٠/٩، ٤١،
٤٥ - والطبراني في الكبير ٥٤/١٧ وذكره الهيثمي في الزوائد ١٠٥/٥ - والهندي في كنز العمال حديث
رقم ٢٨٦، ٢٨٥٢٩٩، ٢٨٦٠٠، ٢٨٦٠٣، ٢٨٦١١.

٦٧
مقدمة التحقيق
وَالجَوَابُ: أنه لا تَنَاقُضَ بين الحديثين، فحديث: ((لاَ عَذْوَى)) معناه نفي أن تكون
العدوی مؤثرة بذاتها دون إرادته تعالی.
وحديث ((لاَ يُورِدنَ مُمرض على مُصحٍ)) المقصود منه ألَّ يورد صاحب الإبل المريضة
إبله على إبلٍ صحيحة، لئلا تمرض فيتوهم النَّاس أن ذلك المرض جاء للإبل الصحيحة من
طريق العَدْوَى بدون إذنه تعالى، ولك أن تقول: إنَّ المقصود من الحديث الثّاني هو إِثْبَاتُ
العدوى من طريق السَّبية العادية التي يجوز فيها تخلّف المُسبّب عن سببه، فنهى النِّيّ ◌َِّ
عن تلك المُخَالطة من باب أتِّقاء أسباب الهلاك العادية امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا
بِأَيْدِيكُمْ إِلَى النَّهلكة﴾(١).
وإذا لم يكن بين الحدیثین تنَاقُضُ فلا كذب ولا نِسْیان.
نعم ثبت أَنَّ أبا هريرة كان يروي الحديثين جميعاً في بعض المجالس، وكان يقتصر
على رواية أحدهما في بعضها، اقتصر مرَّةً على رواية الحديث الثَّاني فقيل له: إنك رويت
الحديث: ((لَ عَدْوَى)) فرطن بالحبشية، وأنكر على من قال ذلك، فظن أبُو سَلَمَةَ («الراوي
للحديثين عنه)) أن إعراضه عن رواية حديث ((لَا عَذوى)) في ذلك المجلس نِسْيان منه روايته.
ويجاب عن ذلك بأن إعراضه عن روايته هذا الحديث ليس من قبيل النِّسْيان كما فهم أَبُو
سلمة، وإنما هو مُرَاعَاةٍ حال من يحدثهم، ولذلك يقول القرطبي في ((المُفْهِم)): (ويحتمل
أن يكون أبو هريرة خاف اعتقاد جاهل يظنهما مُتَنَاقضين فسكت عن أحدهما، وكان إذا أمن
ذلك حدث بهما جميعاً) ا. هـ.
وإن أردت زيادة على ذلك فارجع إلى ((فَتْحِ البَاري)) في باب (لاَ هَامَةَ) من كتاب
((الطِّبَّ)».
(د) - قالوا: كان أبو هريرة يُدِّس في الحديث، فيروي عن النَّبِي ◌َِّ ما لم يسمعه منه
كما في حديث: (مَنْ أَصْبَحَ جُنُباً فَلاَ صَوْمَ لَهُ)، وقد تقدَّم، والتّذْلِيسُ أخو الكذب.
والجواب عن ذلك: أن أبا هريرة بحكم تأخّر إسلامه إلى سنة سبع من الهجرة قد فاته
كثيرٌ من أحاديث رسول الله ◌َ﴿ فكان عليه ليستكمل علمه بالحديث أن يأخذه من الصّحابة
الذين سمعوه من النّبي ◌َله شأنه في ذلك شَأْنَ سائر الصَّحابة الذين لم يحضروا مجالسه وَلّ
إمّا لاشتغالهم ببعض أمور الدُّنيا، وإمَّا لحداثة سِنُّهم وإما لتأُّر إسلامهم، أو لغير ذلك،
يؤيد ذلك ما ثبت عن حُمَيدٍ قال: كنا مع أنس بن مالك، فقال: ((والله ماكُلُّ ما نحدثكم عن
(١) البقرة: ١٩٥.

٦٨
مقدمة التحقيق
رسول الله ﴿ سمعناه منه، ولكن لم يكن يكذب بعضُنا بعضاً)(١). رواه الطََّرانِيُّ في
((الکبیر))، ورجاله رجال الصحيح.
وعن البرَاءِ قال: «ما گُلُّ الحدیث سمعناه من رسول الله ٹے کان یحدّثنا أصحابه عنه،
كانت تشغلنا عنه رعية الإبل))(٢).
رواه أَحْمَدُ ورجاله رجال الصحيح، ورواه الحَاكِمُ أيضاً في ((المُسْتَدرَكِ)) بلفظ: ((ليس
كلُّنا سمع حديث رسول اللهِ وَله كانت لنا ضَيْعَةٌ وأشغال، ولكن الناس كانوا لا يكذبون
يَوْمَئِذٍ، ويحدث الشَّاهد الغائب)»(٣).
قال الحَاكِمُ: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه، وأقرَّه الذَّهَبِيُّ.
ولا ينبغي أن يعدَّ حذف الصَّحابي الذي سمع الحديث، ولقنهم إياه من قبيل التَّدْلِيس،
إِذ الصحابة كلهم عُدُولٌ بإجماع أهل الحق، وخلاف العلماء في الاحْتِجَاج بالمرسل إنما كان
للجهل بِحَال المحذوف، وذلك لا يتأتَّى ها هنا، ولذلك يقول أَبْنُ الصَّلاَحِ في ((مُقَدّمَتِهِ):
((مرسل الصَّحابي مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله وَ ليه ولم
يسمعوه منه في حكم الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصَّحابة، والجهالة بالصحابي غير
قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول)) أ. هـ.
وقال الشُّيُوطيُّ في ((الَّذْرِيبِ)): (أَمَّا مُرْسَلُ الصّحابي وإخباره عن شيء فعله النّبي ◌َّ أو
قاله مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو تأخر إسلامه فمحكوم بصحته على المذهب
الصَّحيح الذي قطع به الجمهور أصحابنا وغيرهم، وأطبق المحدثون المشترطون للصّحيح
القائلون بضعف المرسل، وفي ((الصَّحِيحَيْنِ)) من ذلك ما لا يحصى؛ لأن أكثر روايتهم عن
الصّحابة، وكلهم عدول رواياتهم عن غيرهم نادرة، وإذ رووها بيَّنُوها، بل أكثر ما رواه
الصّحابة عن التَّابعين ليس أحاديث مرفوعة بل إِسْرَائِيلِيَّاتٌ أو حكايات أو موقوفات)).
ومن ذلك كلّه يتبيَّن أنه لاَ كَذِبَ من أبي هريرة؛ إذ إنه لم يقل في هَذَا الضَّرْبِ من
الحديث: ((سمعت رسول الله يقول كذا، أو رأيته يفعل كذا»، بل كان يقول: قال رسول :
الله* كذا، أو فعل كذا، وما شابه ذلك، كما أنه لا تدليس منه أيضاً؛ لأن الرَّاوي
٠
المحذوف من الصّحابة والإجماع قائم على عدالتهم.
(١) ذكره الهيثمي في الزوائد ١٥٦/١ .
(٢) ذكره الهيثمي في الزوائد ١/ ١٥٧ .
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ١٢٧/١ عن البراء بن عازب.

٦٩
مقدمة التحقيق
(هـ) - قالوا: نهاه عمر عن التحديث، وقال له: ((لتتركن الحديث عن رسول الله والقوى
أو لألحقنك بأرض دَوْس»، وهذا من عمر يدل على كذب أبي هريرة.
والجواب: أَنَّ أبا هريرة كان يرى لزاماً عليه أن يحدِّث النَّاس بما سمعه من رسول الله وَيّ
خروجاً من إثم كِثْمان العلم، وقد ألجأه ذلك إلى أن يكثر من رواية الحديث، فكان في
المجلس الواحد يسرد الكثير من أحاديثه و ﴿ ولكن عُمَرَ - رضي الله عنه كان يرى أن يشتغل
النَّاس أولاً بالقرآن، وأن يقلّوا الرُّوَاية عن رسول الله وَ ير في غير أحاديث العمل، وأن لا
يروي للناس أحاديث الرُّخص لئلا يَتَكِّلُوا عليها، ولا الأحاديث المُشْكلة التي تعلو على
أفهامهم، كما أنه كان يخاف على المُكْثِرِين الخطأ في رواية الحديث إلى غير ذلك، ومن
أجل ذلك كُلُّه نهى عمر الصحابة عن الإكثار من الرواية، وأغلظ لأبي هريرة القول وهدده
بالنّفي؛ لأنه كان أكثر الصحابة رواية للأحاديث.
قال الحافظ أَبْنُ كَثِيرٍ: ((وقد جاء أن عمر أَذِنَ له بعد ذلك في التَّحْدِيثِ فقال مُسَدّدٌ
يسئده عن أبي هريرة قال: بلغ عمر حديثي فأرسل إِليّ فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول
الله ◌َّ في بيت فلان؟ قال: قلت: نَعَم، وقد علمت لِمَ تَسْأَلُنِي عن ذلك؟، قال: ولم
سألتك؟ قلت: إن رسول اللهِوَ ﴿ قال يومئذٍ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ
النَّارِ))(١) قال: ((أمَّا إذن فاذهب فَحدِّثْ))(٢)،
(و) - قالوا: ولم يكن عند أبي هريرة رَصِيدٌ من الأحاديث أكثر من غيره، وإنَّما الّذي
جعله يتفوق على غيره من الصَّحابة في كثرة الرِّوَاية أنه استجاز لنفسه أن ينسب إلى رسول
الله ◌َّ كل كلام حسن، قاله أو لم يقله، مما هو خارج عن دائرة الحلال والحرام .. قالوا:
(١) أخرجه البخاري في الصحيح ٦٣/١ كتاب العلم باب إثم من كذب على رسول الله وَ طير حديث رقم ١٠٧،
٦٤/١ كتاب العلم باب إثم من كذب على رسول الله حديث رقم ١١٠، ١٧٤/٢ كتاب الجنائز باب ما
يكره من النياحة حديث رقم ١٢٩١، ٣٢٨/٤ كتاب الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل حديث رقم
٣٤٦١. ومسلم في الصحيح ١/ ١٠ المقدمة باب تغليظ الكذب على رسول الله * حديث رقم (٣/٣)
وأبو داود في السنن ٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤ كتاب العلم باب التشديد في الكذب على رسول الله ﴿ ﴿ حديث رقم
٣٦٥١ والترمذي في السنن ٣٤/٥ كتاب العلم (٤٢) باب ما جاء في تعظيم الكذب على رسول الله وَلفيه
(٨) حديث رقم ٢٦٥٩ - وابن ماجه في السنن ١/ ١٣ المقدمة باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول
الله ◌َ﴾ (٤) حديث رقم ٣٠، ٣١، ٣٢، ٣٣، ٣٦، ٣٧ وأحمد في المسند ٠،٧٨/١ ١٣٠، والدارمي في
السنن ٧٦/١، ٧٧ والبيهقي في السنن ٢٧٦/٣ - والحاكم في المستدرك ٧٧/١، ١٠٢ والطبراني في
الكبير ٧٣/١، ٢٠٣/٥، ٢١٥، ٣٤٠/٦.
(٢) البداية والنهاية ١٠٦/٨، ١٠٧.

٧٠
مقدمة التحقيق
وسند أبي هريرة في ذلك أحاديث رواها عن النّبي ◌َله منها:
١ - (إِذَا لَمْ تُحِلُوا حَرَامًا وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلَلاَ، وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى فَلاَ بَأْسَ))(١).
٢ - (إِذَا حُدِّثْتُمْ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُوَافِقُ الْحَقَّ فَخُذُوا بِهِ حَدَّثْتُ بِهِ أَوَ لَمْ أُحَدَّثْ))(٢).
٣ - ((مَا بَلَغَكُمْ عَنِّي من قَوْلٍ حَسَنٍ لَمْ أَقُلْهُ فَأَنَا قُلْتُهُ».
والجواب عن ذلك: أن كثرة أحاديث أبي هريرة مع تأخّر إسلامه لا ترجع إلى ما
زعموه، وإنَّما تَرجع إلى انقطاعه عن الدُّنيا إلى مجالسهموصلهر وملازمته إياه سفراً وحضراً،
وإلى دعاء النبي وَلجر له أَلَّ ينسى شيئاً من حديثه، وإلى أنه عاش بعد وفاته ل﴿ نَحْواً من
خمسين عاماً يأخذ عن الصحابة ما فاته من الأحاديث ثم يرويها للناس.
وأما زعمهم أنه استجاز لنفسه أن يكذب على رسول الله * في غير الحلال والحرام
فباطل من وجوه:
١ - أن أَبَا هُرَيْرَةَ من رواة حديث: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))،
وثبت عنه أنه كان يذكره بين يدي ما يريد أن يرويه عن رسول الله ويتر في كثير من مجالسه.
٢ - وأن الصَّحَابة قد أَقَرُّوه على رواية الأحاديث، ورووها عنه، ومن هؤلاء: عمر،
وعُثْمان، وعَلِيُّ، وطلحة، والزّبير، وزَيْدُ بْنُ ثابت، وأَبُو أَيُّوبَ الأنصارِي، وابن عباس،
وعائشة، وجابر، وعبد الله بن عمر، وأبي بن كعب وأبو موسى الأشْعَرِيُّ(٢)، وهذا إجماع
منهم على صدقه وأمانته.
٣ - وأَنّ الأحاديث التي رواها أبو هريرة وجد أكثرها عند غيره من الصّحابة.
وأما الأحاديث التي نسبوها إلى أبي هريرة فنجيب عنها بما يلي:
١ - الحديث الأول في الرِّواية بالمعنى لا فيما زعموه من إباحة الكذب عليه وَّهر ولم
يروه أبو هريرة بل رواه غيره.
روى الحافظ الهيْئَمِيُّ عن يعقوب بن عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي عن أبيه عن
جدّه قال: أتينا النَّبِي وَ له فقلنا له: بآبائنا وأمَّهاتنا يا رسول الله إنا نسمع منك الحديث، فلا
(١) أخرجه الطبراني في الكبير ١١٧/٧. وذكره الهيثمي في الزوائد ١٥٧/١. والهندي في كنز العمال حديث
رقم٢٩٢١٥، ٢٩٤٦٩.
(٢) ذكره الهيثمي في الزوائد ١/ ١٥٥ وقال رواه البزار وفيه أشعث بن براز ولم أر من ذكره.
(٣) راجع في ذلك مستدرك الحاكم ٣/ ٥١٣ وتاريخ ابن كثير ١٠٨/٨.

٧١
مقدمة التحقيق
نقدر أن نؤدّيه كما سمعنا قال: (إِذَا لَمْ تُحِلُوا حَرَاماً وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلَلاَ وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى فَلاَ
بَأْسَ))(١).
٢، ٣ - والحديثان الثَّاني والثّالث مكذوبان على أبي هريرة، إذ في سند الأوّل منهما
أَشْعَثُ بْنُ بُرَازٍ كذاب ساقط لا يؤخذ حديثه قال النسائي: متروك الحديث، قال البخاري:
منكر الحديث.
وفي سند الثاني منهما عبد الله بن سعيد كذّاب مشهور، قال ابن معين: ليس بشيء،
وقال الدارقطني: ذاهب، وقال الفلاس: منكر الحديث. قال أَبْنُ حَزْمِ: ((وقد ذكر قوم لا
يتَّقون الله عز وجلّ أحاديث في بعضها إِبْطَالُ شرائع الإسلام، وفي بعضها نسبة الكذب إلى
رسول الله #، وإباحة الكذب عليه ثم سرد تلك الأحاديث، وفيها هذان الحديثان،
وأبطلهما ما ذكرناه، ثم قال ردًّا على من أباح أن ينسب إلى رسول الله والقر ما لم يقله:
((حسينا أنهم مُقِرُّون على أنفسهم بأنَّهم كاذبون، وقد صَحَّ عن رسول الله وَّ﴾ أنه قال: ((مَنْ
حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ وَهُوَ يَرَى أَنْهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ))(٢) (٢)
دَائِرَةُ الْمَعَارِفِ (الإِسْلامِيَّةُ)
وَرَأْيُها في أبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)
كتب أستاذنا العلامة الجليل الشيخ ((محمد عرفة)) مقالاً قيماً في الدّفاع عن راوية
الإسلام (أبي هريرة) رضي الله عنه يفنّد فيه مزاعم أصحاب دائرة المعارف الإسلامية
المترجمة عن الانجليزية، وأنا أنقله حتى يرى القارىء ما عليه أوروبا والغرب من الحقد
على الأمة الإسلامية.
قال: للمستشرق (جُولد سيهر)) رَأي في الصَّحابي الجليل (أبي هريرة) - رضي الله
عنه -. نشره في العدد السابع من المجلّد الأول من دائرة المعارف (الإسلامية)، هذا الرّأي
لا يستند إلى بخث تاريخيّ ولا سند علمي.
طعن ((جولد سيهر)) في أبي هريرة طُعوناً عدة، لكنها تدور حول عدم أمَانَتِه في نقل
الحديث، فقد ذكر أنه مختلق، وَمُسْرِفٌ في الاختلاق، وأنه كان يفعل ذلك بداعي الوَرَعِ،
(١) رواه الطبراني في الكبير ولم أر من ذكر يعقوب ولا أباه تراه السيوطي في تدريب الرّاوي ١٦١ إلى ابن
مندة في معرفة الصحابة والطبراني في الكبير. وانظر مجمع الزوائد ١/ ١٥٤ .
(٢) الأحكام ابن حزم ٧٦/٢، ٧٧.
(٣) الحديث والمحدثون محمد محمد أبو زهو من ص ١٥٣ إلى ١٦٢ .

٧٢
مقدمة التحقيق
وأن الذين أخذوا عنه مُبَاشَرةً قد شكوا فيما ينقل، وعبروا عن هذا الشَّكِّ بأسلوب ساخر،
وأنه كان يضمن أحاديثه أتفه الأشياء بأسلوب مؤثر، وذلك يدلُّ على روح المزاح التي
كانت فيه، والّتي كانت سبباً في ظهور كثير من القصص، وصاحب هذه المطاعن يعزو
مطاعنه إلى كتب إسلامية، ليلقي عليها ثوباً خلَّباً. وليوقع في روع الناس أنَّها صحيحة،
وهذه طريقة فيها كثير من الخداع واللّبس والتزوير، وسنميط اللثَامَ عَمَّا فيها وبالله التوفيق.
إن أبا هريرة الذي يجرحونه هذا التَّجريح، ويسيئون إليه هذه الإساءة هو من جملة
الصَّحابة، ومن أوسعهم رواية، بل هو أوسعهم رواية لا مُسْتَثْنِياً أحداً إلا أَبْنَ عَمْرو وتجريح
هذا البحر الذي مُلِىءَ علماً وأدّاه إلى من حملوه عنه وأدوه إلى من بعدهم حتى وصل إلينا
تجريح لهذا العلم الغزير، ورفع الثُّقة عن كل مروياته، وفيه إفساد كبير، ولو كان لهذا الطّعن
وَجهٌ من الصحة لاحتمل، ولكن طعن باطل لا حق فيه.
هذا الإمام قد روى عنه ثمانمائة من أهل العلم كما قال البُخَارِيُّ، وهذا فيه الدَّلالة
على ثقتهم به؛ لأنهم لو لم يثقوا به لما رووا عنه، وهو ثقة ثبت عند الصحابة وأهل
الحديث.
قال أَبْنُ عُمَرَ: أبو هريرة خير مني وأعلم بما يحدث.
وقال طلحة بن عبيد الله أحد العشرة: ولا شك أن أبا هريرة سمع من رسول الله وَ ل﴿ ما
لم نسمع وروى النَّسَائي أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت فسأله عن شيء، فقال زيد عليك أبا
هريرة .. الحديث)).
وكان كثير الحفظ شديد الضَّبط، شهد له بذلك أهل العلم والثِّقات.
قال الشَّافِعِيُّ: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره.
وحدث الأعْمَشُ عن أبي صالح قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد دَلّه وقال
أَبُو الزُّعِثَرعَةِ كاتب مروانَ: أرسل مروان إلى أبي هريرة فجعل يحدثه، وكان اجلسني خلف
السّرير أكتب ما يحدث به، حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إليه فسأله، وأمرني أن
أنظر، فما غَيَّرَ حرفاً عن حرف.
هذه آراء الثِّقات أصحاب هذا الشأن فيه، فمن عدلوه فهو الثبت الذي لا يجرح، ومن
يَهْرَجوهُ فهو الزَّائف الذي لم يعدّل، ومن حظي بمثل هذا الثَّناء من هؤلاء العلماء الأفاضل،
فلا يضيره ما يقال بعد ذلك فيه.
إذَا رَضِيت عَنِّي كِرَامُ عَشِيرَتِي
فَلَا زَالَ غَضْبَاناً عَليَّ لِئَامُهَا
[الطويل]

٧٣
مقدمة التحقيق
قال الشَّيْخُ: ولا بُدَّلنا أن نعرض لهذه الشُّبهة التي أثاروها ونفندها:
- زعموا أنَّ علمه الواسع بالأحاديث أثار الشَّك في نفوس الذين أخذوا عنه مباشرة فلم
يترددوا في التّعبير عن شكوكهم بأسلوب ساخر، وأحالوا القارىء على البُخَارِيّ في كتاب
((فَضَائِلِ الأصْحَابِ)) رقم ١١ يريدون بذلك حديث أبي هريرة أن الناس كانوا يقولون: أكثر
أبو هريرة، وإني كنت ألزم رسول الله وَه لشبع بَطْني حتى لا آكل الخمير، ولا ألْبَسُ الحبيرَ،
ولا يخدمني فلان ولا فلانة وكنت ألصق بطني بالحَصْبَاءِ من الجوع. الحديث.
والمنصف يرى من هذا الأثر أن بعض النَّاس قال: أكثر أبو هريرة تَعَجُّباً من كثرة
حفظه وروايته، وقد أظهر لهم السّبب في كثرة روايته وحفظه وهو أنه كان ألزم النَّاس لرسول
الله ◌َّ وأنه ما كان يعنيه الغنى، وإنما كان يعنيه الأخْذُ عن رسول الله وَله وكان يلصق بطنه
بالحَصْبَاء من الجوع، وما كان يشغله عن رسول الله تجارة ولا زراعة، فحفظ ما لم يحفظوا
وسمع ما لم يسمعوا، فلما بيّن لهم السبب سكتوا عنه. ولنسلم ما زعموه من أنهم كانوا
شاكِّين لا متعجِّين، أفما كان ينبغي أن يأخذوا من تركهم إياه يُحَدِّث بعد ذلك مدة عمره -
وقد عَمَّرَ - بعد رسول الله وَ له نحواً من خمسين سنة أنهم اقتنعوا بتعليله، وزال هذا الشَّكُّ من
نفوسهم، إذ لو كانوا يرون في حديثه بأساً لكفوه عن التَّحديث، وهم من تعلم في المحافظة
على حديث رسول الله وَ ل﴿ والخوف أن يتسع الناس فيه، ويدخله التَّدْليسُ والكذب.
٢ - وأمَّا زعمهم أن روايته ضمَّنها أتْفَةَ الأشياء بأسلوب مؤثر، وذلك يدل على ما امتاز
به من روح المزاح، الأمر الذي كان سبباً في ظهور كثير من القصص وعزوهم ذلك إلى أَبْنِ
قُتَنِيَةَ، فليس شيء أوغل في التَّضْليل والإيهام من هذا - نحن لا ندري ما هي هذه الأحاديث
التي زعموها، وكان يجب عليهم أن يبيّنوها لنا لنناقشهم فيها، وكان يجب عليهم أيضاً إذ
عزوا لابْن قُتَيِبَةَ أن يذكروا اسم ذلك الكتاب فإن لابن قتيبة مؤلفات كثيرة، طبع منها كثير،
إنهم لو فعلوا ذلك لكُنَّا نبين لهم أن ما في ابن قتيبة ليس كما فهموه ، إذ لا يُعْقل أن يثني
ابن قتيبة الثناء المستطاب على أبي هريرة في كتابه «تأويلِ مُخْتَلَفِ الحَدِيثِ))، ثم هو ينسب
إليه ما ذكره أصحاب الدائرة، عليهم دائرة السَّوْء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذاباً
عظيماً.
٣ - وأما ما نقلوه من وصف (شيرنجر) لأبي هريرة من أنه المتطرّف في الاختلاق
ورعاً، فلسنا ممَّن يؤمن بقول (شيرنجر) وغير (شيرنجر) من المتطرِّفين في الاختلاق على
أصحاب رسول الله صل# تضليلاً للمسلمين وتشويشاً على الدّين، وإيذاء للحقيقة، وستراً
للواقع.

٧٤
مقدمة التحقيق
وبحسبنا أن نقول: هذا طعن لا مبرر له، وتجريح لا يستند على سند: [الخفيف]
والدَّعَاوَى إنْ لَمْ تُقِيمُوا عَلَيْهَا بَيِّنَاتٍ أَبْنَاؤُهَا أَدْعِيَاءُ
وَقَوْلُهُمْ: إنه المتطرِّف في الاختلاق ورعاً، كلام مُتْهَافِتٌ، لأنّا لا نعلم الوَرَعَ إلا مانعاً
من الاختلاق على النَّاس، فضلاً عن رسول الله وصل﴿ وكيف يختلق أبو هريرة على رسول الله؟
وهو راوي حديث: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ متعمداً فليتبوَّأْ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، وکان يبدأ به عندما یری
أن يحدث.
فرجل سمع من رسول الله ﴿ هذا الحديث، ووعاه وأدَّاه، وكان يستذكره ويذكِّر به،
ويقدِّمه أمام تحديثه عن رسول الله، وهو مؤمن ورع تِقِيٌّ، يستحيل في العادة أن يكذب على
رسول الله، فضلاً عن أن يتطرف في الكذب عليه، ويرى أن الاختلاق والكذب عليه دين
وورع.
٤ - وأمَّا قولهم إنَّ كثيراً من الأحاديث التي عزيت إلى أبي هريرة نُحِلَت عليه في عصر
متأخر، فنحن نسلِّم أن أحاديث كثيرة وضعت وعزيت زوراً إلى أعاظم المحدثين مثل أبي
هريرة، ولكن رجال نقدٍ الحديث قد عنوا ببيان الموضوع منها، وبَهْرَجُوا الزائف، ولم يخف
عليهم بطلانه وأفسدوا على الوضَّاعين طريقهم.
وبعد! فإذا كان أصحاب (دائرة المعارف) قد ألَّفوها لغرض أن تكون صورة صحيحة
للمعارف الإسلامية فما أبعدها عن أن تكون كذلك، وما أبعدهم فيها عن نَيْلِ هذا الغرض،
وإذا كانوا قد ألَّفوها لغرض تقبيح حال المسلمين في نظر الغربيين وتشويش عقائد
المسلمين، وفتنة الشباب في دينهم فهي صالحة لهذا الغرض مؤدية له (١).
قال الشَّيْخُ محمد محمد أبو زهو في تعليقه على ما سبق ((وبعد فقد طفحت كتب
المبتدعة والمُسْتَشرقين، وأعداء الدِّين، ومن تتلمَذَ لهم من جهلة المسلمين المأجورين قديماً
وحديثاً بالكيد للإسلام في أشخاص أصحاب رسول الله وجل﴿ ولا سيما أبو هريرة راوية
الإسلام الأوّل.
وفي هذه الأزْمَان المتأخِّرة، ظهرت شرذمة من أدْعِيَاء العلم والخلق التافهين، جمعوا
كناسة العصور كلها من الطُّعون والإزراء على صحابة رسول الله وَ لز عامة وأبي هريرة خاصة،
يريدون ليهدموا ركناً شامخاً من أركان الدين وأصلاً وطيداً من أصوله ألا وهو سُنَّة سيِّد
المرسلين 8* فلم يكتفوا بما أوردناه من مزاعمهم الباطلة، ولكنهم ضموا إليها تافهاً من
(١) مجلة نور الإسلام (الأزهر حالياً) المجلد الخامس ص ٦٣٩.

٧٥
مقدمة التحقيق
القول وزوراً، ولا بأسَ أن نذكر لك شيئاً منها مع الرَّدِّ عليها بإيجاز فنقول:
١ - زعموا أنَّ أبا هريرة إنما أسلم حبًّا في الدُّنيا لا رغبة في الدين، وهذه دعوى
يكذبها ما كان عليه أبو هريرة من التقتُّف والانقِطَاع إلى العلم والعِبَادَةِ والجهاد في سبيل
الله، والتَّفاني في تَبليغ أحاديثه ◌ِصَلـ
٢ - وزعموا أنَّ أبا هريرة كان خفيف الوَزْنِ في العلم والفقه وهذا محض افتراء على
التّاريخ والواقع.
قال أَبْنُ سَعْدٍ: كان أَبْنُ عَبَّاس وأَبْنُ عُمَرَ وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة، وعبد الله بن
عمرو بن العاص، وجابر، ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع وأبُو وَاقِدِ اللَّيْئي، وعبد الله بن
بحينة مع أشباه لهم من أصحاب رسول الله لهم يفتون بالمدينة، ويحدثون عن رسول الله وَليه
من لدن تُوفي عثمان إلى أن تُوقُّوا.
ومعنى هذا أنَّ أبا هريرة مكث يفتي النَّاس على ملأ من الصّحابة والتَّابعين ثلاثة
وعشرين عاماً.
وقد ذكر أَبْنُ القيِّم المفتين من الصحابة، وذكر أنهم كانوا بين مكثر منها ومُقِلِّ
ومتوسط، وذكر أبا هريرة في المتوسطين مع أبي بكر الصِّديق وعثمان بن عفان وأبي سعيد
الخدري وأم سلمة وأبي موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل وسعد بن أبي وقاص، وجابر بن
عبد الله وغيرهم، فَمَنْ زعم أن أبا هريرة غير فقيه فهو العَارِي عن الفقه(١).
٣ - وزعموا أنَّ عُمَرَ استعمل أبا هريرة على ((البحرين))، ثم بلغه عنه ما يخل بأمانة الوالي
العادل، فعزله وأخذ ما بيده من أموال وضربه حتى أدْمَاه، وهذا كلام من لم يُميِّر بين الحق
والباطل من أقوال المؤرّخين، والرّواية التي يعوّل عليها أن عمر لما استحضر أبا هريرة من
((البَحْرين)) قال له: استأثرت بهذه الأموال فمن أين لك؟ قال أبو هريرة: خيل نَتَجت وأعطَيَةٌ
تَابَعَتْ، وخَرَاجُ رَقِيقٍ لي، فنظر عمر فوجدها کما قال، ثم دعاه عمر لیستعمله أيضاً فأبى،
فقال له عمر: لقد طلب العمل من كان خيراً منك، قال أبو هريرة: إنه يوسف نَبِيُّ الله أَبْنُ
نبي الله، وأنا أبو هريرة بن أمَيْمَة، ومن ذلك يتبيّن أن عمر حاسبه على ما بيده من مال كما
حاسب غيره من العمَّالِ - فوجد الأمر كما قال، فعرض عليه أن يوليه ثانية فأبى، وهذا من
عمر يدل على وثوقه بأبي هريرة، وأنه كان لديه أميناً حق أمين.
٤ - وزعموا أنه كان في الفِتْنَة يصلي خلف عليٍّ، ويأكل مع معاوية، فإذا حمي
(١) أعلام الموقعين ٩/١

٧٦
مقدمة التحقيق
الوَطِيسُ لَحِقَ بالجبل، فإذا سُئِل قال: عليّ أعلم ومعاوية أدسَمُ، والجبل أسْلَمُ، وهذا من
إفكهم وأباطليهم، والثابت تاريخياً أنَّ أبا هريرة - رضي الله عنه - اعتزل الفتنة وأقام بالمدينة
ولم يَبْرَحْها.
٥ - وزعموا أنه كان متشيّعاً لبني أمية، ويأخذ من معاوية جُعْلاً على وضع الأحاديث
في ذَمِّ عليّ - رضي الله عنه - والتّاريخ الصّحيح يُسَجِّل أن أبا هريرة روى من الأحاديث ما فيه
الثَّناء المستطاب على عليٍّ رضي الله عنه وآل البيت.
ذكر أحْمَدُ في مسنده طرفاً منها، وقصته مَع مَرْوانَ حين أرادوا دفن الحسن مع رسول
الله ◌َ* شاهد عدل على مبلغ حبه لآل البيت(١).
ثم أيْنَ هي تلك الأحاديث الَّتي وضعها أبو هريرة في ذَمِّ علي - رضي الله عنه - ومن
رواها من الثُّقات إنها لا وجود لها إلاّ في أدمغتهم وخيالاتهم.
إن الذي تقرؤه عن أبي هريرة - رَضِيَ الله عنه - في الصَّحيح عن رسول الله ◌َ ◌ّ﴿ ليس هو
الإزراء على أمير المؤمنين عليٍّ كرم الله وجهه، وإنما هو الإشارة إلى ما سيكون من بعض
حُكّامٍ الأمويين من ظلم.
ومن تلك الأحاديث: ((هَلَك أمَّي عَلَى يَدَيْ غَلَمَةٍ مِنْ قُرَيش))(٢) فقال مروان: غلمةٌ
قال أبو هريرة: إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان)).
(يَهْلِكُ النَّاسَ هَذَا الحُيُّ مِنْ قُرِيْشٍ))، قالوا فما تأمرنا؟ قال: ((لَوْ أنَّ النَّاسَ
اعتَزَلُوهُمْ))(٣).
وفي هذا وذاك تعريض ظاهر ببعض أمراء بني أميّة، وتحريض على اعتزالهم، وممّا
كان يدعو به كما في الصحيح: ((اللهم إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ رَأس السِّينَ وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ)).
وقد استجاب الله دعاء أبي هريرة فمات سنة ثمان وخمسين، ولم يدرك سنة ستين التي
تولی فیھا یَزِیدُ، وکان منه ما كان.
(١) ذكر القصة أبن كثير في تاريخه ١٠٨/٨.
(٢) أخرجه البخاري في الصحيح ٩/ ٨٥ كتاب الفتحن باب قول النبي وير هلاك أمتي .. حديث رقم ٧٠٥٨
وأحمد في المسند ٣٢٤/٢ - والحاكم في المستدرك ٥٢٧/٤ والبيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٤٦٥ وذكره
الهندي في کنز العمال حديث رقم ٣٠٨٩٩.
(٣) أخرجه البخاري في الصحيح ٤٦/٥ كتاب المناقب باب علامات النبوة حديث رقم ٣٦٠٤ ومسلم في
الصحيح ٢٢٣٦/٤ كتاب الفتن وأشراط الساعة (٥٢) باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل
فیتمنی أن یکون مكان الميت من البلاء (١٨) حديث رقم (٢٩١٧/٧٤) - وأحمد في المسند٣٠١/٢
وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٢٥٩/٦ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣٠٨٣٣.

٧٧
مقدمة التحقيق
الْعُلَمَاءُ الّذِينَ أَلَّفُوا في الصَّحَابَةِ
لقد ألَّف كثير من العلماء في الصّحابة منهم :
إمام الجَرْحِ والتَّعَدْيِلِ ((عَلَيُّ بْنُ المَدِينِيِّ) في كتابه: ((مَعْرِفَةُ مَنْ نَزَلَ مِنَ الصَّحَابَةِ سَائِرَ
البُلْدَانِ))، وهو في خمسة أجزاء فيما قاله الخَطِيبُ(١).
ومنهم: البُخَارِيُّ(٢)، قال أَبْنُ حَجَرٍ: ((إنّه أول من صَنّفَ فيه فيما علم)).
ومنهم الترمِذيُّ(٣)، ومُطَيِّنٌ(٤)، وأبو بكر بن أبي داود وعبدان، وأبو عليٍّ بن
(١) أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، أبو بكرة المعروف بالخطيب: أحد الحفاظ المؤرخين المقدمين.
مولده في ((غزية)) بصيغة التصغير منتصف الطريق بين الكوفة ومكة، ومنشؤه ووفاته ببغداد، رحل إلى
مكة وسمع بالبصرة والدينور والكوفة وغيرها.
وكان فصيح اللهجة عارفاً بالأدب، يقول الشعر، ولوعاً بالمطالعة والتأليف، ذكر ياقوت أسماء ٥٦ كتاباً
من مصنفاته، من أفضلها ((تاريخ بغداد) و ((الكفاية في علم الرواية)) و((شرف أصحاب الحديث))
و((تلخيص المتشابه في الرسم)) و((الأسماء المبهمة)) و ((الفقيه والمتفقه))، توفي سنة ٤٦٣ هـ.
وينظر في معجم الأدباء ١/ ٢٤٨، طبقات الشافعية ١٢/٣، النجوم الزاهرة ٨٧/٥، ابن عساكر
٣٩٨/١، ابن الوردي ٣٧٤/١، فهرست ابن خليفة ١٨١، الفهرس التمهيدي ١٦٥، آداب اللغة
٣٢٤/٢، وفيات الأعيان ٢٧/١، اللباب ٣٨٠/١.
(٢) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله: حبر الإسلام، والحافظ لحديث رسول
الله وَل صاحب ((الجامع الصحيح)) و(التاريخ)) و((الضعفاء)) و((خلق أفعال العباد)) و((الأدب المفرد)»،
ولد في بخارى ونشأ يتيماً، وقام برحلة طويلة (سنة ٢١٠) في طلب الحديث، فزار خراسان والعراق
ومصر والشام وسمع من نحو ألف شيخ، وجمع نحو ستمائة ألف حديث اختار منها في صحيحه ما
وثق برواته، توفي سنة ٢٥٩ هـ.
وينظر في تذكرة الحفاظ ١٢٢/٢، تهذيب التهذيب ٢٤٧/٩ الوفيات ٤٥٥/١، تاريخ بغداد ٤/٢ - ٣٦،
السبكي ٢/ ٢، الخميس ٣٤٢/٢، آداب اللغة ٢١٠/٢، دائرة المعارف ٤١٩/٣ -٤٢٩، طبقات الحنابلة
٢٧١/١، معجم المطبوعات ٥٣٤، وهدى الساري مقدمة فتح البخاري ١٩٣/٢.
(٣) محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي البوغي الترمذي، أبو عيسى: من أئمة علماء الحديث
وحفاظه، وكان يضرب به المثل في الحفظ، مات بترمذ، من تصانيفه ((الجامع الكبير)) باسم ((صحيح
الترمذي)) في الحديث. و((التاريخ والعلل))، توفي سنة ٢٧٩ هـ.
وينظر في أنساب السمعاني ٢٩٥ وتهذيب ٣٨٧/٩، تذكرة ١٨٧/٢، نكت الهميان ٢٦٤، وابن النديم
٢٣٣.
(٤) محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الكوفي، أبو جعفر: من حفاظ الحديث، كان محدث الكوفة،
له ((المسند)) و ((تاريخ)) صغير، وغيرهما، لقب بمطين؛ لأنه كان وهو صغير يلعب مع الصبيان في الماء
فيطينون ظهره، توفي سنة ٢٩٧ هـ.
وينظر في تذكرة الحفاظ ٢١٠/٢، المستطرفة ٤٨، ميزان الاعتدال ٣/ ٩٧، الوافي بالوفيات ٣٤٥/٣.

٧٨
مقدمة التحقيق
السَّكن(١) في ((الحُروفِ)) وأبو حَفْص بن شَاهِينَ(٢)، وأبُو منصور الباوردي، وأبو حاتم بن
حبان(٣)، وأبو العبّاس الدّغولِيُّ(٤)، وأبو نُعَيْم(٥) وأبو عبد الله بن مندة (٦) والذيل عليه لأبي
(١) سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن البغدادي، أبو علي: من حفاظ الحديث، نزل بمصر وتوفي بها،
قال ابن ناصر الدين: كان أحد الأئمة الحفاظ، والمصنفين الأيقاظ، رحل وطاف، وجمع وصنَّفَ له
((الصحیح المنتقی) في الحدیث، توفي سنة ٣٥٣ هـ.
وينظر في تهذيب ابن عساكر ٦/ ١٥٤، تذكرة الحفاظ ٣/ ١٤٠، الرسالة المستطرفة ٢٠.
(٢) عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين، أبو حفص: واعظ علامة، من أهل بغداد، كان من حفاظ الحديث،
له نحو ثلاثمائة مصنف، منها كتاب ((السنة)) سماه صاحب التبيان ((المسند)) وقال: ألف خمسمائة جزء،
و ((التفسير)) في نحو ثلاثين مجلد،، و(تاريخ أسماء الثقات)) ممن نقل عنهم العلم وغير ذلك، توفي
سنة ٣٨٧ هـ.
وينظر في تاريخ بغداد ٢٦٥/١١، غاية النهاية ٥٨٨/١، لسان الميزان ٢٨٣/٤، الرسالة المستطرفة
٢٩، دائرة البستاني ٥٣٩/١، البعثة المصرية ١٩، كشف الظنون ١٤٢٥ و ١٧٣٥ .
(٣) محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد التميمي، أبو حاتم البستي، ويقال له ابن حبان،
مؤرخ، علامة، جغرافي، محدث، ولد في بست - من بلاد سجستان - وتنقل في الأقطار فرحل إلى
الشام وخراسان والعراق ومصر والجزيرة.
وتولى قضاء وسمرقند مدة، ثم عاد إلى نيسابور، ومنها إلى بلدة أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه
غيره، وكانت الرحلة في خراسان إلى مصنفاته، ومن كتبه ((روضة العقلاء)) و((المسند الصحيح)) ويقال
إنه أصح من سنن ابن ماجة و ((الأنواع والتقاسيم)) وغير ذلك، وتوفي سنة ٣٥٤ هـ.
ينظر في معجم البلدان ٢/ ١٧١، شذرات الذهب ١٦/٣، اللباب ١٢٢/١، تذكرة الحفاظ ١٢٥/٣،
وميزان الاعتدال ٣٩/٣، وطبقات السبكي ١٤١/٢، لسان الميزان ١١٢/٥، الفهرس التمهيدي ٣٧٧،
مرآة الجنان ٣٥٧/٢.
(٤) محمد بن عبد الرحمن بن محمد أبو العباس الدغولي: من حفاظ الحديث من أهل سرخس، له ((معجم))
في الحديث ورجاله، وكتاب .. ((الآداب)) وكان إمام وقته بخراسان، توفي سنة ٣٢٥ هـ.
وينظر في شذرات الذهب ٢/ ٣٠٧، المستطرفة ١٠٢، الوافي بالوفيات ٢٢٦/٣.
(٥) أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، أبو نعيم حافظ، مؤرخ من الثقات في الحفظ والرواية، ولد
وملت في أصبهان من تصانيفه ((حلية الأولياء وطبقات الأصفياء)). و(معرفة الصحابة))، توفي سنة
٤٣٠ هـ.
وينظر في ابن خلكان ٢٦/١، ميزان الاعتدال ٥٢/١، لسان الميزان ٢٠١/١، طبقات الشافعية ٧/٣،
الأعلام ١/ ١٢٧ .
(٦) محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى، ابن منده، أبو عبد الله العبدي الأصبهاني: من كبار حفاظ
الحديث: الراحلين في طلبه، المكثرين من التصنيف فيه. من كتبه ((فتح الباب في الكنى والألقاب
(والرد على الجهمية)) و ((معرفة الصحابة)) وغير ذلك، توفي سنة ٣٩٥ هـ.
وينظر في الرسالة المستطرفة ٣٠، طبقات الحنابلة ٢/ ١٦٧، ميزان الاعتدال ٢٦/٣، لسان الميزان =

٧٩
مقدمة التحقيق
موسى المديني (١) ومنهم: أبو عمر بن عبد البرّ(٢) في ((الاسْتِيعَابِ)) و ((الذَّيْلِ)) عليه
لجماعة كأبي إسْحَاقَ بن الأمين(٣) وأبي بكر بن فَتْحُون(٤) وثانيهما أحسنهما، واختصر
محمد بن يعقوب بن محمد بن أحمد الخليلي (٥) ((الاستيعاب)) وسماه: ((أعْلامُ الأصابة بِأعْلَام
الصَّحَابَةِ».
ومنهم: أبو الحسن محمد بن صالح الطَّبَرِيُّ.
وأبو القاسم البَغَويُّ(٦) والعثماني وأبو الحسين بن قانع(٧) في معاجيمهم، وكذا أبو
= ٧٠/٥، ومجلة المجمع العلمي العربي ١٢٧/٨، الفهرس التمهيدي ٤٣٣، خزائن الكتب ٤٥، تذكرة
الحفاظ ٣٣٨/٣.
(١) محمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني المديني، أبو موسى: من حفاظ الحديث،
المصنفين فيه، مولده ووفاته بأصبهان، زار بغداد وهمذان، من كتبه ((الأخبار الطوال))، و ((اللطائف))
و((خصائص المسند)) أي مسند أحمد بن حنبل، وتتمة معرفة الصحابة)) و((الوظائف)) و ((عوالي
التابعين)) و((المغيث)) و((الزيادات)) قال السبكي: وفضائله كثيرة، وقد صنف فيها غير واحد، ونسبه
((المديني) إلى مدينة أصبهان، توفي سنة ٥٨١ هـ
وينظر في وفيات الأعيان ٤٨٦/١، ابن الوردي ٩٥/٢ وطبقات الشافعية ٩٠/٤ .
(٢) انظر ترجمته في الاستيعاب بتحقيقنا.
(٣) إبراهيم بن يحيى بن إبراهيم، أبو إسحاق بن الأمين، مؤرخ أندلسي من أهل قرطبة، أصله من
طليطلة، وله ((الإعلام بالخيرة الأعلام من أصحاب النبي ( 9). ولما دخل المصامدة قرطبة أرادوا
قتله، فنجا منهم، وانتقل إلى لبلة في غربي الأندلس فمات فيها سنة ٥٤٤ هـ.
ينظر في ابن الأبار ٦٣ .
(٤) محمد بن خلف بن سليمان بن فتحون الأندلسي، أبو بكر: فاضل، نقاد، عارف بالتاريخ: من أهل
أوريولة، من أعمال مرسية له في الاستدراك على كتاب ((الصحابة)) لابن عبد البر، سماه ((التذييل))،
توفي بمرسية سنة ٥٢٠ هـ
وينظر في الصلة ٥١٩، ابن الأبار ١٠٤، الوافي بالوفيات ٣/ ٤٥، وفي الرسالة المستطرفة: وفاته سنة
٥١٩.
(٥) محمد بن يعقوب، شمس الدين الخليلي المقدسي: فاضل. له ((إعلام الإصابة بأعلام الصحابة))، في
دار الكتب، اختصر به ((الاستيعاب)) لابن عبد البر، توفي سنة ٧٩٧ هـ. وينظر في هدية ١٧٦/٢، دار
الكتب ٦٩/١.
(٦) عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان، أبو القاسم البغوي، حافظ للحديث، من العلماء: أصله
من بغشور - بين هراة ومروالروز، النسبة إليها بغوي - ومولده ووفاته ببغداد، كان محدث العراق في
عصره، له معجم الصحابة، وتوفي سنة ٣١٧ هـ. وينظر في معجم البلدان: بغشور، اللباب ١: ١٣٣،
ميزان الاعتدال ٢: ٧٢، لسان الميزان ٣: ٣٣٨، تاريخ بغداد ١١١/١٠، الرسالة المستطرفة ٥٨،
تذكرة الحفاظ ٢٤٧/٢، الأعلام ١١٩/٤.
(٧) عبد الباقي بن قانع بن مرزوق بن واثق الأموي، بالولاء، البغدادي أبو الحسين: قاض، من حفاظ=
: