Indexed OCR Text

Pages 1-20

الأصابة
و
تمييز الصحابة
للإمَام الحافظ أحمد بن على بن حجر العسقلاني
المترفى سنة ٨٥٢ هـ
دراسة وتحقيق وتعليق
الشيخ علي محمد موض
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
قَدّم له وقرّظه
الدكتور
عبد الفتاح أبوسِت
جامعة الأزهر
الأستاذ الدكتور
محمد عبد المنعم البري
جامعة الأزهر
الدكتور جمعه طاهر التجار
جامعة الأزهر
S
تتَوزيْع
مكتبة دارْ البَاز
عَبَّاسْ أحْمَد البَاز
مَكَّة المكرّهَة

الأَصَابَةَ
4
فے
تمييز الصحابة
للإمَام الحافظ أحمد بن عَلى بن حجر العسقلاني
المتوفى سنة ٨٥٢ هـ
دراسة وتحقيق وتعليق
الشيخ علي محمّد موض
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
قدّم له وقرظه
الدكتور
الأستاذ الدكتور
عبد الفتاح أبوسِدٍ
محمد عبد المنعم البرّي
جامعة الأزهر
جامعة الأزهر
الدكتور جمعه طاهر التجار
جامعة الأزهر
الجُزء الأوّل
المحتوى
من حرف الألف - إلى حرف الحاء
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

جميع الحقوق محفوظة
لدار الكتب العلميَّة
بَيروت - لبنان
الطبعة الأولى
١٤١۵ هـ- ١٩٩٥م
دار الكتب العلمية بيروت- لبنان
ص.ب: ١١/٩٤٢٤ __ تلكس :_ Nasher 41245Le
هاتف : ٣٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ - ٨١٥٥٧٣٠٨٦٨٠٥١
فاكس: ٠٠/٩٦١١/٦٠٢١٣٣٠٠٠/١٢١٢/٤٧٨١٣٧٣

٣
تمهید
بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول أهل الأدب: أعْذب الشعر أكْذَبُه، كقول المتنبي في مدح سيف الدولة (الوافر):
فإن تَفُقِ الأَنَامَ وَأَنْتَ منهُمْ فَإِنَّ الِمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزَالِ
فقد رفع سيف الدولة إلى درجة الأنبياء والمرسلين دون سواهم، وهو كذب طريف مأجور
في الدنيا وكقول الآخر (البسيط):
لَيْتَ الكَوَاكِبَ تَدْنُولِي فأنْظِمَهَا عُقُودَ مَذْحِ فَمَا أرضى لَكُمْ كَلِمِي
فقد خرج به شيطان الشعر كما يقولون عن حدود العلم والعقل معاً ولا حَجْر عليه ما
دام لشيطان الشعر عنده ميدانه الذي لا يتعداه إلى المساس بأعراض الناس وشرفهم أو
الكذب على الله ورسوله أو الفجر في الخصومة بالتفحش والهجاء المسيء. كالمنافقين
والزنادقة وأهل السوء.
وإن من أفحش الذنوب في الإسلام أن تحدث إنساناً بحديث هو لك مصدق وأنت
عليه كاذب ولا يعرف الكذب سبيله إلى المؤمنين يقول سبحانه ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله
وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وقد تغلبت أبرز صفات المصطفى وَّل على اسمه فعُرف في قومه قبل
الإسلام بالصادق الأمين.
ولورَثَةِ الْهَدْي النبوي الشريف من حملة السنة المطهرة وَقِمَم أهل الفضل والأمانة
والدين من أئمة الجرح والتعديل ولا نزكي على الله أحداً لهم في هذا المقام مقاييس غاية في
الدقة والحساسية يرفضون الكذب ولو على الدابة ولو مزاحاً، تهتز الثقة في صاحبه ويعد
ساقط المروءة ولا يقبل عن مثله حديث رسول الله وَله. ومن سخرية القدر بأعداء النور أن
يعمي الله أبصارهم عن شعاعه، لهم عيون لا يبصرون بها فلا يدرون عن قيم الإسلام
الشامخات شيئاً بَلْ واجترؤوا عليه بكل نقيصة تنضح بها أوعيتهم وأحقادهم القديمة ﴿بَل
الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ وَالهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾.

٤
تمهید
وشاءت حكمة الحكيم الأعلى سبحانه أن يقيض لهذا العلم الشريف من كل خلف
عدوله ينفون عنه زيف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الغالين سخرهم الله عز وجل لحفظ
السنة الشريفة فبحفظها يُحفظ القرآن وبضياعها يضيع، لأنها مفتاح كلوزه واستجلاء أنواره.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
وها نحن الآن بين يدي سَفْر نفيس ونتاج جهاد خالد لخدمة السنة الشريفة ورجالها
الأبرار ألا وهو ((الإصابة في تمييز الصحابة)) لشيخ الإسلام الإمام الحافظ ابن حجر
العسقلاني المولود في عسقلان قرية بالأرض المقدسة (على مقربة من غزة مسقط رأس
إمامه الشافعي رضي الله عنه) احتلها اليهود عام ١٩٤٨ وسموها أشكلون نسأل الله أن
يرد الأمة لدينها رداً جميلاً ويجعلهم أهلاً لنصره وتأييده لتطهير ديار الإسلام الطاهرة
المقدسة من كل مغتصب فاجر أثيم.
وقد سخر الله سبحانه وتعالى لخدمة هذا السفر الخالد النفيس وتحقيقه العالِمَيْن
الفاضلين الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، اللذين حباهما الله
سبحانه بهمة الشباب وحكمة الشيوخ يستعذبان رشفة الجهاد لخدمة العلم الشريف من
مختلف منافذه وساحاته، ومن خلال متابعتي لهذه الجهود المشكورة لاحظت من طرائف
ذلك ضبط أبيات الشعر على تفعيلاتها ونسبتها إلى بحرها تيسيراً على ذوي التخصص
والتذوق الشعري.
أسأل الله سبحانه أن يتقبله بقبول حسن ويجعله خالصاً لوجهه الكريم.
وأن يجزيهم والقائمين على النشر والجنود المجهولين والقارئين وإيانا ووالدينا
ومشايخنا وأحبابنا في الله تعالى خير ما يجزي به عباده الصالحين. وآخر دعوانا أن الحمد لله
رب العالمين
کتبه
دكتور / محمد عبد المنعم البري
الأستاذ في كلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة
جامعة الأزهر الشريف
:

تقدیم
تقدیم
الإصابة في تمييز الصحابة
لابن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ)
كتاب الإصابة من خير الكتب التي ألفت في تاريخ الصحابة رضوان الله عليهم؟ فهم
أفهم الناس لكتاب الله وسنة رسوله بَّل#، حيث شاهدوا التنزيل، وجلسوا بين يدي نبيهم
واللغة لغتهم، واللسان لسانهم، فلا عجب أن ترى الأقلام تتسابق في تقريظهم، والألسنة
تلهج بذكرهم، فقد كانوا لبنات المجتمع الإسلامي الأولى، وارتفع هذا الصرح الشامخ على
أكتافهم، وتدعمت أركانه عليهم وبهم، وعلى ظهورهم قام، وانتشر بين الأنام، فجزاهم الله
خيراً عن المسلمين والإسلام.
والكتاب الذي بين يديك ألفه ابن حجر العسقلاني وهو مؤرخ ثقة، ودائرة معارف
إسلامية، ونابغة في علوم الحديث ورجاله، لا تعجزه حجة، ولا يقصر باعه عن إقامة الدليل
والبرهان وقد اطلعت على كثير من النسخ المحققة لكتاب الإصابة، ولكني - والحق يقال -
لم أستمتع بتحقيقات نادرة، وتعليقات زاخرة كما استمتعت بما أضافت إليه يد الشيخين:
علي معوض وعادل عبد الموجود من لمحات ذكية، وعبارات سنية، وروافد تاريخية،
وألوان شتى من البلاغة العربية، فأيقنت بأن على الساحة الإسلامية فتية آمنوا بربهم في سن
الشباب وحكمة الشيوخ، فدعوت الله أن تظل أيدي أمثالهم عالية على تحقيق التراث
ورجاله، وأن يسدد خطاهم، ويكلل بالنجاح مسعاهم إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة
جدير.
د / عبد الفتاح أبو سنّة

تقدیم
تقدیم
: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه
وأحبابه وبعد:
فقد اطلعت على كتاب الإصابة في تمييز الصحابة من مصنفات الحافظ ابن حجر
العسقلاني من أعلام القرنين الثامن والتاسع الهجريين بتحقيق الشيخين عادل أحمد عبد
الموجود وعلي محمد معوض فوجدته من أجلّ الكتب المصنفة في فنه وهدفه ومنهجه
وتحقيقه :
- إن معرفة الصحابة أصل لا يستغنى عنه في دراسة الحديث النبوي.
- وإن كتاب الإصابة بما يحتوي عليه من تمييز الصحابة يعد أجمع الكتب المصنفة في
هذا المجال فقد احتوى أكثر من عشرة آلاف ترجمة مع تنسيق جيد يسهل معه حصول
الطالب على مبتغاه دون معاناة.
- وقد بذل المحققان جهداً عظيماً في توثيق التراجم وتخريج الأحاديث والأشعار
ونسبتها مع كتابة مقدمة ضافية، تشهد بطول باعهما في هذا الميدان ونصحهما في هذا
المجال وإخلاصهما للعمل وابتغائهما صحيح العلم. فجزاهما الله خير الجزاء ووفقهما
لصالح الأعمال
د/ جمعة طاهر النجار

٧
مقدمة التحقيق
مَنْ هُوَ الصَّحَابِيُّ؟
الصَّحَابِيُّ لُغَةًّ: مشتقٌّ من الصُّحبة، وليس مشتقًّا من قدر خاصٍّ منها، بل هو جَارٍ على
كل من صحب غيره قليلاً أو كثيراً.
كَمَا أنَّ قَوْلَكَ: مُكلّم، ومخاطب، وضارب، مشتق من المُكَالَمَة، والمخاطبة،
والضَّربِ.
وَجَارٍ على كلّ من وقع منه ذلك، قليلاً أو كثيراً. يقال: صحبت فلاناً حَوْلاً وشَهْراً
ويوماً وساعة وهذا يوجب في حكم اللُّغة اجراءها على من صحب النبي ◌َّهُ سَاعَةٌ من نهار.
قَالَ السَّخَاوِيُّ: ((الصَّحَابِيُّ لُغَةً: يقع على من صحب أقلّ ما يطلق عليه اسم صحبة،
فضلاً عمّن طالت صحبته و کثرت مجالسته))(١).
الصَّحَابِيُّ عِنْدَ عُلَمَاءِ الأصُولِ
قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ في ((المُعْتمدِ)): هو من طالت مُجَالسته له على طريق التَّبع له والأخذ
عنه، أما من طالت بدون قصد الاتباع أو لم تطل کالوافدين فلا.
وقال الكَيا الطََّرِيُّ: هو من ظهرت صحبته لرسول الله وَّ صحبة القرين قرينه حتى
یعد من أحزابه وخدمه المتصلین به.
قال صَاحِبُ ((الوَاضِح)): وهذا قول شيوخ المعتزلة. وقال أَبْنُ فُورَك: هو من أكثر
مجالسته واختص به.
الصَّحَابِيُّ عِنْدَ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ
قال أبْنُ الصَّلاَحِ حِكَايةٌ عن أبي المظُفَّرِ السَّمْعَانِيِّ أنه قال: أصحاب الحديث يطلقون
اسم الصّحابة علی کل من روى عنه حديثاً أو كلمة، ویتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من
(١) فتح المغيث لِلسَّخَاوي ٨٦/٣.

مقدمة التحقيق
الصَّحابة، وهذا لشرف منزلة النبي ◌ّ﴾ أعطوا كل من رآه حكم الصَّحابة(١).
وقال سيِّدُ التَّابعين سَعِيدُ بْنُ المُسَيّبِ: الصَّحابي من أقام مع رسول الله وَّهُ سنة أو
سنتين، وغزا معه غَزْوَة أو غزوتين(٢) .
ووجهه أن لصحبته و ﴿ شرفاً عظيماً فلا تنال إلا باجتماع طويل يظهر فيه الخلق
المطبوع عليه الشخص كالغزو المُشْتمل على السَّفر الذي هو قطعة من العذاب، والسَّنَة
المشتملة على الفصول الأربعة التي يختلف فيها المزاج.
وقال بَدْرُ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ(٣): وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أنه لا يعد جرير بن عبد الله
البجليّ، ووائل بن حُجْر وأضرابهما من الصحابة، ولا خلاف أنهم صحابة.
وقال العِرَاقِيُّ: ولا يصح هذا عن أَبْنِ المُسَيّبِ، ففي الإسناد إليه مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ
الوَاقِدِيُّ شيخٍ أَبْنِ سَعْدٍ ضعيف في الحديث (٤).
وقال الوَاقِدِيُّ: ورأيت أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول الله وص له وقد أدرك
الحلم فأسلم وعقل أمر الدّين ورضيه فهو عندنا ممَّن صحب النبيّ { * ولو ساعةً من
(٥)
نهارٍ (٥) .
وهذا التعريف غير جامع؛ لأنه يخرج بعض الصحابة ممَّن هم دون الحلم ورووا عنه
كعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وسيّدي شباب أهل الجنَّة الحسن والحسين، وابن الزبير.
قال العِراقِيُّ: والتَّقييد بالبلوغ شاءٌ(٦).
وقال الشُّيُوطيُّ في ((تَذْرِيبِ الرَّاوي)): ولا يشترط البلوغ على الصَّحيح، وإلا لخرج من
أجمع على عدّه في الصَّحابة.
والأصح ما قيل في تعريف الصّحابيّ أنه ((مَنْ لقي النبيّ ◌َّ في حياته مسلماً ومات
على إسلامه.
(١) المقدمة ص ١١٨، وفتح المغيث للعراقي ٣/٤، ٣١.
(٢) الكفاية ٦٩، وعلوم الحديث ٢٩٣، المنهل الرّويّ ١١٧، تدريب الرّاوي ٢/ ٢١١.
(٣) المنهل ١١٧ بتصرف، وتدريب الرّاوي ٢/ ٢١١.
(٤) تدريب الراوي ٢/ ٢١٢ .
(٥) فتح المغيث ٣٢/٤ والكفاية ٥.
(٦) فتح المغيث ٤/ ٣٢.

٩
مقدمة التحقيق
شَرْحُ التَّعْرِيفِ:
(مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ وََّ): جنس في التَّعريف يشمل كل من لقيه في حياته، وأمَّا من رآه
بعد موته قبل دفنه و ﴿ فلا يكون صَحَابِيًّا كأبِي ذُؤيبِ الهُذَلِيِّ الشَّاعِرِ فإنه رآه قبل دفنه.
(مُسْلِماً): خرج به من لقيه كافراً وأسلم بعد وفاته كرسول قيصر فلا صحبة له.
(وَمَاتَ عَلَى إِسْلاَمَهِ): خرج به من كفر بعد إسلامه ومات كافراً.
أما من ارتَدَّ بعده ثم أسلم ومات مسلماً فقال العِرَاقِيُّ: فيهم نظر؛ لأن الشَّافِعِيَّ وأبَا
حَنِيفَةَ نصًا على أن الردّة مُخبطة للصُّحبة السابقة كقرِاَ بْنِ مَيْسَرَةَ والأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ.
وجزم الحافظ ابْنُ حَجَرٍ شيخ الإسلام ببقاء اسم الصُّحبة له كمن رجع إلى الإسلام في
حياته كعَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ .
وهل يشترط لقيه في حال النُّبوة أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبلها ومات على
الحنيفية كزَيْد بْنِ عَمْرو بْنِ نُفَيلٍ، وكذا من رآه قبلها وأسلم بعد البعثة ولم يره؟.
قال العِرَاقيُّ: ولم أر مَنْ تَعرَّض لذلك، وقد عد أَبْنُ مَنْدَه زَيْدَ بْنَ عَمْرو في الصّحابة.
هَلْ مِنِ الْمَلائِكَةِ صَحَابَةٌ؟
الملائكة أجسام نورانية قادرة على التّشكيل والظهور بأشكال مختلفة، وهي تتشكل
بأشكال حسنة، شأنها الطاعة وأحوال جبريل مع النبي ◌َّ حين تبليغه الوحي وظهوره في
صورة دحية الكلبي تؤيد رجحان هذا التعريف للملائكة على غيره.
والملائكة لا يوصفون بذكُوُرة ولا أنوثة ولا يتوالدون، فمن وصفهم بذكورة فسق ومن
وصفهم بأنوثة أو خنوثة كفر، لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إناثاً
أَشَهِدُوا خَلْقِهُمْ (١)) الآية، ومسكنهم السموات ومنهم من يسكن الأرض.
وقد دل على وُجُودهم الكتابُ والسُّنة والإجماع فالمنكر كافر، وإذاً فيجب الإيمان
إجمالاً فيمن علم منهم إجمالاً، وتفصيلاً فيمن علم بالشخص كجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أو بالنوع
كحملة العَرْشِ والحَافين من حوله والكَتَبَة والحَفَظَة وقد خلق الله الملائكة جنداً له منفذين
لأوامره في خلقه فمنهم ساكن السَّماوات وأفضلهم حملة العرش والحافِين من حوله وهم
الكروبيون، ومنهم الموكلون بالنار وهم الزبانية مع مالك ومنهم الموكلون بالجنة لإعداد
النعيم مع رضوان، ومنهم سفير الله إلى أنبيائه وهو جبريل، والموكل بالمطر والسحاب
(١) الزخرف: ١٩.

١٠
مقدمة التحقيق
والرزق وهو ميكائيل، وصاحب النفخ وهو إسْرَافِيلُ، والموكلون بحفظ بني آدم والكاتبون
لأعمالهم، ومنهم منكر ونكير فتانا القبر، ومنهم ملك الموت وأعوانه وهو عَزْرَائِيلُ ﴿وَمَا
يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلَّ هُوَ﴾.
عِصْمَةُ المَلَائِكَةِ
والقول الحق أنهم معصومون يستحيل صدور الذنوب منهم كبيرة كانت أو صغيرة
بدليل قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ الله مَا أمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾(١).
وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ الليْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾(٢). وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾(٣). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَ وَلَهُ
يَسْجُدُونَ﴾(٤). أي أن شأنهم وحياتهم التي فطروا عليهما هي الخضوع والعبادة والله أعلم
وهل هم صحابة أم لا؟. أجاب الحافظ ابن حجر رحمه الله فقال: وهل تدخل الملائكة
محل نظر؟، وقد قال بعضهم إن ذلك ينبىء على أنه هل كان مبعوثاً إليهم أو لا. وقد نقل
الإمام فَخْرُ الدِّين في ((أسْرَارِ التَّنْزِيلِ)) الإجماع على أنه وَّ لم يكن مرسلاً إلى الملائكة
ونوزع في هذا النقل بل رجح الشيخ تِقَيُّ الدِّيْنِ السُّبْكيُّ أنه كان مرسلاً إليهم.
هلِ من الچِن صَحَابة؟!
اختلف علماء التَّوحيد في بيان حقيقة الجن، فقال بعضهم بتغاير حقيقته، فعرَّفوا الجن
بأنها أجسام هوائية لطيفة تتشكل بأشكال مختلفة وتظهر منها أفعال عجيبة، منهم المؤمن
ومنهم الكافر.
أما الشَّيَاطِينُ: فهي أجسام نارية شأنها إقامة النفس في الغواية والفساد.
وقال آخرون إن حقيقتها واحدة وهي أجسام نارية عاقلة قابلة للتشكل بأشكال حسنة
أو قبيحة، وهم كبني آدم يأكلون ويشربون ويتناسلون ويكلفون، منهم المؤمن ومنهم
العاصي، أما الشَّيطان فاسم للعاصي، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالجَّانِ خَلْقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ
مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾(٥). كما يدل على تكليفهم ووجودهم قوله تعالى: ﴿وَإِذْصَرَفَنَا إِلَيْكَ نَفَراً
مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِي وَلَّوْا إِلَى قومِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾.
الآيات، وقوله: ﴿قُلْ أوحِيَ إِلَيَّ أنَّه استمْتَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنَاً عَجَباً يَهْدِي
إلى الرُّشْهِ وَلّمَنَّا بِهِ وَلَن نُشْرِكَ بِربِّنَا أحداً﴾(٦). وحيث ثبت وجودهم بكلام الله وكلام أنبيائه
(١) التحريم: ٦.
(٢) الأنبياء: ٢٠.
(٣) النحل: ٥٠.
(٤) الأعراف: ٢٠٦.
(٥) الحجر: ٢٧ .
(٦) الأحقاف: ٢٩.

١١
مقدمة التحقيق
وانعقد عليه الإجماع كان الإيمان بما ثبت واجباً ومنكره كافر .. والسؤال بعد ذلك هل هم
داخلون في الصحابة الحق؟ .
نعم. يدخل في الصَّحَابَة رضوان الله تعالى عليهم من رآه ◌َّه أو لقيه مؤمناً به من
الجنِّ، لأنه وَ ◌ّر بعث إليهم قطعاً وهم مكلّفون، وفيهم العصاة والطَّائعون.
قال الحَافِظُ أَبْنُ حَجَرٍ، الرَّاجح دخولهم؛ لأن النبيِنَّه بعث إليهم قطعاً.
قال السُّبْكيُّ في فتاويه: كونه وَّرَ مبعوثاً إلى الإنس والجن كافَّة وأن رسالته شاملة
للثقلَيْن فلا أعلم فيه خلافاً، ونقل جماعة الإجماع عليه.
قال السُّبْكِيُّ: والدَّليل عليه قبل الإجماع الكتاب والسُّنة، أما الكتاب فآيات منها قوله
(١)
تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾.
وقد أجمع المُفَسِّرُون على دخول الجِنِّ في ذلك في هذه الآية. ومع ذلك هو مدلول
لفظها، فلا يخرج عنه إلاّ بدلیل.
ومنها قوله تعالى في سورة الأحْقَافِ: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾(٢).
والمنذرون هم المخوفون مما يلحق بمخالفته لَوْمٌ، فلو لم يكن مَبْعُوثاً إليهم لما كان
القرآن الذي أتى به لازماً لهم ولا خوفوا به.
ومنها قولهم فيها ، ﴿ أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ﴾ فأمْرُ بعضهم بعضاً بإجابته دليل على أنه داع
لهم، وهو معنى بعثه إليهم.
ومنها قولهم: ﴿وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ ... ) الآية، وذلك يقتضي ترتيب المغفرة على
الإيمان به، وأن الإيمان به شرط فيها، وإنَّما يكون كذلك إذا تعلَّق حكم رسالته بهم، وهو
معنی کونه مبعوثاً إليهم.
ومنها قولهم: ﴿وَمَنْ لَا يُحِبْ دَاعِيَ اللهِ﴾ الآية، فعدم إعجازهم وأوليائهم، وكونهم
في ضلال مُرتّب على عدم إجابته، وذلك أدلُّ دليل على بعثته إليهم.
ومنها قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّقَلانِ﴾(٣). فهذا تهديد ووعید شامل لهم وارد
على لسان رسوله ول﴿ عن الله، وهو يقتضي كونه مرسلاً إليهم، وأيُّ معنى للرسالة غير ذلك
وكذلك مخاطبتهم في بقيّة السورة بقوله: ﴿وَلَمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانٍ﴾،(٤) وغير ذلك من
الآيات التي تضمَّنتها هذه السورة.
(١) الفرقان: ١.
(٢) الأحقاف: ٢٩.
(٣) الرحمن: ٣١.
(٤) الرحمن: ٤٦.

١٢
مقدمة التحقيق
ومنها قوله تعالى في سورة الجنّ: ﴿فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشِرْكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾(١)، فإن قوة هذا
الكلام تقتضي أنهم أنقادوا له وآمنوا بعد شركهم، وذلك يقتضي أنَّهُمْ فَهِمُوا أنَّهم مكلَّفون
به، وكذلك كثير من الآيات التي في هذه السُّورة التي خاطبوا بها قومهم.
ومنها قولهم فيها: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا به﴾(٢)، وكذا قولهم: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ
فَأُولَئِكَ تَحرَّوا رشداً﴾(٣) الآيات.
ومنها قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأَوْحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأَنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ
بَلَغَ﴾(٤).
فهذه الآية تقتضي أن النبي وَله منذر بالقرآن كله من بلغه القرآن جنيّاً كان أوْ إنسيًّا،
وهي في الدّلالة كآية الْفُرْقَانِ أو أصرح، فإن احتمال عَوْدِ الضَّمير على الفرقان غير وارد هنا،
فهذه مواضع في الفرقان تدل على ذلك دلالة قوية، أقواها آية الأنعام هذه، وتليها آية
الفرقان، وتليها آيات الأحْقَافِ، وتليها آيات الرحمن، وخطابها في عدَّة آيات: ﴿فَبِأَيَّ آلاَءِ
رَبِّكُمَا تُكَذِّبانٍ﴾، وتليها سورة الجِنِّ، فقد جاء ترتيبها في الدلالة والقوة كترتيبها في
المصحف، وفي القرآن أيْضاً ما يدلُّ لذلك، ولكن دلالة الإطلاق اعتمدها كثيرٌ من العلماء
في مباحث، وهو اعتماد جيد وهو هنا أجود؛ لأن الأمر بالإنذار، والمطلق إذا لم يتقيَّد بقيد ..
يدل على تمكن المأمور في الإتيان به في أي فرد شاء من أفراده وفي كلها، وهو بَّ كامل
الشفقة على خلق الله، والنصيحة لهم والدعاء إلى الله تعالى، فمع تمكنه من ذلك لا يتركه
في شخص من الأشخاص، ولا في زمن من الأزمان، ولا في مكان من الأمكنة، وهكذا
كانت حالته - وَ ﴾، ويعلم أيضاً من الشريعة أن الله تعالى لم يرده قوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾(٥)
مطلق الإنذار حتى يكتفي بإنذار واحد لشخص واحد، بل أراد التَّشمير والاجتهاد في ذلك،
فهذه القرائن تفيد الأمر بالإنذار لكل من يفيد فيه الإنذار، والجن بهذه الصِّفة، لأنه كان فيهم
سُفَهَاء وقَاسِطُونَ وهم مكلفون فإذا أنذروا رجعوا عن ضلالهم فلا يترك النبي ◌َّر دعاءهم،
والآية بالقرائن المذكورة مفيدة للأمر بذلك فثبتت البعثة إليهم بذلك، ومنها كل آية فيها لفظ
المؤمنين ولفظ الكافرين مما فيه أمر أو نهي ونحو ذلك فإنّ المؤمنين والكافرين صفتان
المحذوف، والموصوف المحذوف يتعيَّن أن يكون النَّاس بل المكلَّفون أعَمُّ من أن يكونوا
إنساً أو جثًّا، وإذا ثبَتَ ذلك أمكن الاستدلال بما لا يُعَدُّ ولا يحصى من الآيات كقوله تعالى:
(١) الجن: ٢.
(٢) الجن: ١٣.
(٣) الجن: ١٤.
(٤) الأنعام: ١٩ .
(٥) المدثر: ٢.

١٣
مقدمة التحقيق
﴿فَالّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَبَعُوا النُّورَ الّذِي أَنْزِل مَعَهُ، أَوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾(١)
فالجن الذين لم يتبعوه ليسوا مفلحين، وإنما يكون كذلك، وإذاً ثبتت رسالته في حقهم.
وكقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ الّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمِحْسِنِينَ﴾(٢)، وكقوله: ﴿هُدِّى
لِلْمُثَّقِينَ﴾(٣)، ونحو ذلك من الآيات أيضاً قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتََّعَ الذِّكْرَ﴾(٤)، ومن
الجن كذلك، ولو تتبّعنا الآيات التي من هذا الجنس لوجدناها جاءت كثيرة.
واعلم أن المقصود بتكثير الأدلة أن الآية الواحدة والآيتين قد يمكن تأويلها، ويتطرَّق
إليها الاحتمال فإذا كثرت قد تترقى إلى حدٍّ يقطع بإرادة ظاهرها، وبقي الاحتمال والتأويل
عنها .
وأمَّا السُّنَّةُ ففي صحيح مسلم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله
وَلِ﴿ قال: ﴿فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتُّ: أعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأحلَّتْ ليَ
الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ طَهُوراً وَمَسْجِداً، وَأَرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كَافَّةً { وَخُيمَ بي
الَّيسِيُّونَ﴾(٥)] خثم بي النبيون
ومحل الاستدلال قوله: ﴿وَأَرْسِلْتُ إلَى الْخَلْقِ كافَّةٌ﴾، فإنه يشمل الجن والإنس،
وحمله على الإنس خاصّة تخصيص بغير دليل فلا يجوز، والكلام فيه كالكلام في قوله
تعالى: ﴿للعالمین﴾.
فإن قال قائل: على أن المراد بالخَلْقِ الناس رواية البخاري من حديث جابر عن النبي
﴿﴿ قال: ﴿أَعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِن الأنْبِيَاءِ قَبْلي﴾(٦)، فذكر من جملتها:
(١) الأعراف: ١٥٧ .
(٢) الأحقاف: ١٢ .
(٣) البقرة: ٢.
(٤) يس: ١١.
(٥) أخرجه مسلم في الصحيح ٣٧١/١ - ٣٧٢ كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥) حديث رقم (٥٢٣/٥)
والترمذي في السنن ١٠٤/٤ - ١٠٥ كتاب السير (٢٢) باب ما جاء في الغنيمة (٥) حديث رقم ١٥٥٣
وقال حسن صحيح وأحمد في المسند ٤١٢/٢ - والبيهقي في السنن ٤٣٢/٢، ٩/ ٥ والبيهقي في دلائل
النبوة ٤٧٢/٥ - وذكره الهيثمي في الزوائد ٢٦٩/٨ - والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣١٩٣٢.
(٦) متقف عليه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أخرجه البخاري في الصحيح ٤٣٥/١ - ٤٣٦ كتاب
القيم (٧) باب (١) حديث رقم (٣٣٥) - واللفظ له - ومسلم في الصحيح ١/ ٣٧٠ كتاب المساجد (٥)
حديث رقم (٥٢١/٣) وأحمد في المسند ٣٠٤/٣، ١٤٨/٥ - والدارمي في السنن ٢٢٤/٢ والبيهقي في
السنن ٢١٢/١، ٣٢٩/٢، ٤٣٣، ٢٩١/٦، ٤٠/٩ وأبو نعيم في الحلية ٣١٦/٨ - وابن أبي شيبة=

١٤
مقدمة التحقيق
((وَأَرْسِلْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً))، قلنا: لو كان هذا حديثاً واحداً كنا نقول: لعلّ هذا اختلاف من
الرّواة، ولكن الّذي ينبغي أن يقال: إنهما حديثان؛ لأن حديث مسلم من رواية أبي هريرة،
وفيه ست خصال، وحديث البُخَارِيُّ من رواية جابر وفيه خمس خصال.
والظَّاهِرُ أنَّ النَّبيِوََّ قالهما في وَقْتَين، وفي حديث مسلم زيادة في عدة الخِصَال،
وفي سنن المرسل إليهم فيجب إثباتها زيادة على حديث جابر، وليس بنا ضرورة إلى حمل
أحد الحديثين على الآخر إذ لا مُنَافَاة بينهما، بل هما حديثان مختلفا المخرج والمعنى، وإن
كان بينهما اشتراك في أكثر الأشياء، وخرج كل من صاحبي الصَّحيحَيْنِ واحداً منها ولم يذكر
الآخر.
فهذا الحديث الَّذي ذكرناه عن مسلم واستدللنا به أصرح الأحاديث الصحيحة الدالة
على شمول الرِّسَالة للجِنِّ والإنس.
ومن الأدلَّةِ أيضاً أن الشَّبِي وَلَّ خاتم النبيين وشريعته آخر الشرائع وناسخة لكل شريعة
قبلها، ولا شريعة باقية الآن غير شريعته، ولذلك إذا نزل عيسى ابن مريم ◌َ ﴿ إنّما يحكم
بشريعة محمّد ◌َ﴿ فلو لو يكن الجن مكلفين بها لكانوا إمّا مكلفين بشريعة غيرها، وهو
خلاف ما تقرَّر، وإمَّا ألَّ يكونوا مكلّفين أصْلاً، ولم يقل أحدٌ بذلك، ولا يمكن القول به؛
لأن القُرآن كله مليء بتكليفهم، قال تعالى: ﴿لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَِّ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾
وقال ﴿ قَالَ ادْخُلُوا في أمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ فِي النَّارِ ﴾ إلى غير ذلك
من الآيات، ودخولهم النّار دليل على تكليفهم، وهذا أوضح من أن يقام عليه دليل، فإن
تكليفهم معلوم من الشرع بالضرورة، وتكليفهم بغير هذه الشّريعة يستلزم بقاء شريعة معها،
فثبت أنّهم مكلّفون بهذه الشريعة كالإنس(١).
وقال أبْنُ خَزْمِ الظَّاهِرِيُّ:
قد أعلمنا الله أن نفراً من الجن آمنوا وسمعوا القرآن من النبي ونَ﴿ ففيهم صحابة
فضلاء. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.
= ٤٣٢/١١ والبخاري في التاريخ الكبير ١١٤/٤، ٤٥٥/٥ وذكره المنذري في الترغيب ٤٣٣/٤ -
والهيثمي في الزوائد ٦١/٨، ٦٢ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣١٩٣٠، ٣٢٠٥٩، ٣٢٠٦٠،
٣٢٠٦١، ٣٢٠٦٢.
(١) انظر فتاوى السبكي ٢/ ٥٩٤ وما بعدها بتصرف.

١٥
مقدمة التحقيق
بِمَ يُعْرَفُ الصَّحَابِيُّ؟
يعرف الصَّحِابيُّ بأحد الأدِلَّةِ التَّالية:
أولاً: التَّوَاتُّرُ، وهو رواية جَمْعِ عَنْ جَمْعِ يستحيل عادة تواطؤهُمْ على الكذب، وذلك
كأبِي بَكْرٍ وَعُمَر وَعُثْمَانَ وَعِلِيٍّ وبقيّة العشرة المُبشَّرين بالجنّة - رضي الله عنهم.
ثانِياً: الشُّهْرَةُ أو الاسْتِفَاضَةُ القاصرة عن حد التواتر كما في أمر ضمَامِ بْنِ ثَعْلَبَة،
وعُكَاشَةِ بْنِ محْصَنٍ.
ثَالِثاً: أن يروى عن آحَادِ الصَّحابة أنه صحابي كما في حَمَمَة بْنِ أَبِي أحْمَمَةَ الدَّوْسِيِّ
الذي مات بـ ((أصْبَهَان)) مبطوناً فشهد له أبُو مُوَسى الأشْعَرِيُّ أنه سمع النَّبِيِ نَّ حكم له
بالشهادة، هكذا ذكره أبُو نُعيمٍ في ((تَاریخِ أَصْبَهَانَ».
رَابِعاً: أن يخبر أحد التّابعين بأنه صحابي بناءً على قبول التّزكية من واحد عدل وهو
الرّاجح.
خَامِساً: أن يخبر هو عن نفسه بأنه صحابيّ بعد ثبوت عدالته ومعاصرته، فإنه بعد ذلك
لا يقبل ادِّعاؤه بأنه رأى النبي و / أو سمعه؛ لقوله ◌َّر في الحديث الصحيح:
(أَرَأيْتَكُمْ لَيْلَنْكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِائَةٍ سَنَةٍ مِنْهُ لاَ يَبْقَى أحَدٌ مِمَّنْ عَلَى ظَهْرٍ
الأرْضِ ... ))(١).
يريد بهذا انخرام ذلك القرن، وقد قال النبي و ﴿ ذلك في سنة وفاته، ومن هذا المأخذ
لم يقبل الأثمَّة قول مَنِ أُذَّعى الصُّحبة بعد الغاية المذكورة.
وقد ذكر الحافظ أَبْنُ حَجَرٍ في ((الإصابةِ)) - هنا - ضابطاً يستفاد منه معرفة جمع كثير
من الصَّحابة يكتفى فيهم بوصفٍ يتضمَّنُ أنهم صحابة، وهو مأخوذ من ثلاثة آثار:
أحَدُهَا: أنهم كانوا لا يُؤمِّرون في المَغَازِي إلا الصَّحابة، فمن تتبّع الأخبار الواردة من
الرِّدة والفتوح وجد من ذلك الكثير.
(١) أخرجه البخاري في الصحيح ٢٣٥/١ كتاب مواقيت الصلاة باب ذكر العشاء والعتمة حديث رقم ٥٦٤
ومسلم في الصحيح ١٩٦٥/٤ كتاب فضائل الصحابة (٤٤) باب قوله ومي لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض
نفس منفوسة اليوم (٥٣) حديث رقم (٢٥٣٧/٢١٧) والترمذي في السنن ٤٥١/٤ كتاب الفتن (٣٤)
باب (٦٤) حديث رقم ٢٢٥١ - وأحمد في المسند ٢٢١/٢ والبيهقي في السنن ٤٥٣/١، ٧/٩ والبيهقي
في دلائل النبوة ٦/ ٥٠٠ والحاكم في المستدرك ٣٧/٢ وذكره الهندي في كنز العمال حديث رقم
٣٨٣٤٤.

١٦
مقدمة التحقيق
ثانيها: أن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به النبي ◌َّ
فدعا له، وهذا أيضاً يوجد منه الكثير.
ثالثها: أنه لم يَبْقَ بالمدينة ولا بمكّةَ ولا الطَّائِفِ ولا من بينها من الأعْرَافِ إلا مَنْ
أسلم وشهد حجّة الوداع، فمن كان في ذلك الوقت موجوداً اندرج فيهم؛ لحصول رؤيتهم
للنبيّ ◌َ﴾﴿ وإن لم يرهم هو.
قال الذَّهَبِيُّ في ((الِمِيزَانِ)) في ترجمة (رَتَن)) ٤٥/٢ ((وما أدراك مارتن؟! شيخ دَجَالٌ
بلا ريب، ظهر بعد السِّتمائة فادَّعى الصّحبة، والصّحابة لا يكذبون وهذا جريء على الله
ورسوله، وقد ألَّفتُ في أمره جزءاً».
حِكْمَةُ اللهِ فِي اختَيَارِ الصَّحَابَةِ
الواقع أنَّ العقل المجرَّد من الهوى والتعصُّب، یحیل على الله في حكمته ورحمته، أن
يختار لحمل شريعته الختاميّة أمةً مغموزة أو طائفة ملموزة تعالى اللهُ عَنْ ذلك عُلوًّا كبيراً،
ومن هنا كان توثيق هذه الطَّبقة الكريمة طبقة الصَّحابة، يعتبر دفاعاً عن الكتاب والسُّنَّة
وأصول الإسلام من ناحية، ويعتبر إنصافاً أدبيًّا لمن يستحقونه من ناحية ثانية، ويعتبر تَقْديراً
لِحِكْمة اللهِ البالغة في اختيارهم لهذه المُهمّة العُظْمى من ناحية ثالثة، كما أن توهينهم والنيل
منهم يُعَدُّ غَمْزاً في هذا الاختيار الحكيم، ولَمْزاً في ذلك الاصْطِفَاءِ والتَّكْريم فوق ما فيه من
هدم الكتاب والسنّة والدّين.
على أن المُتَصَفُّحَ لتاريخ الأمَّةِ العربية وطبائعها ومميزاتها يرى من سلامة عنصرها
وصفاء جوهرها، وسمو مميزاتها، ما يجعله يحكم مطمئنًا بأنَّها صارت خَيْرَ أمَّةٍ أخرجت
للنَّاس بعد أن طهرها الإسلام، وطهرها القرآن ونفى خبثها سيِّد الأنام، عليه الصَّلاة
والسَّلام.
ولكن الإسلام قد ابْتُلِيَ حديثاً بمثل أو بأشدّ مِمَّا ابتلي به قديماً، فانطلقت ألْسِنَةٌ في هذا
العصر تُرجف في كتاب الله بغير علم، وتخوض في السُّنة بغير دليل، وتطعن في الصَّحابة
دون استحياء، وتنال من حفظة الشريعة بلا حجّة، وتتهمهم تارةً بسوء الحفظ، وأخرى
بالتزيد وعدم التثبت، وقد زوّدناك، وسلّحناك، فانزل في الميدان ولا تخش عداك.
﴿يا أيها الّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبَّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ .
نصرنا الله بنصرة الإسلام، وثبت منا الأقدام والحمد لله في البدء والختام.

١٧
مقدمة التحقيق
مَرْتَبَةُ الصَّحَابَةِ
للصَّحَابة - رضي الله عنهم أجمعين - خصيصة، وهي أنه لا يُسْألُ عن عدالة أحد
منهم، وذلك أمر مُسلّم به عند كافَّة العلماء؛ لكونهم على الإطلاق مُعَدلين بنصوص الشرع
من الكتاب والسّنة، وإجماع من يعتدُّ به في الإجماع من الأمَّة.
فَأْمَّا الكِتَابُ:
قال تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، تَرَاهُمْ
رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أثرِ السُّجُودِ، ذَلِكَ
مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْع أخْرَجَ شَطْهُ، فَازَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ
يُعْجِبُ الزُّرَّعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وَعَّدَ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأجْراً
عَظِيماً﴾(١).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الّذِينَ أخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ
اللهِ وَرِضْوَاناً، وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ
قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِما أوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(٢).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالَّذِهينَ آوَوْا وَنَصَرُوا
أو لَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾(٣).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِنَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي
قُلُوبِهِمْ، فأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وأثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾(٤).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾(٥).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ، وَالَّذِينَ اتَِّعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ،
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُم جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً، ذَلِكَ
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٦).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أَمَّةً وَسَطاً﴾(٧).
(١) الفتح: ٢٩.
(٢) الحشر: ٨ - ٩.
(٣) الأنفال: ٧٤.
(٤) الفتح: ١٨.
(٥) التوبة: ١١٨.
(٦) التوبة: ١٠٠ .
(٧) البقرة: ١٤٣ .
الإصابة/ج١/م ٢

١٨
مقدمة التحقيق
والوَسَطُ: الخيار والعدول، فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم
ونيّاتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرّسل على أممهم يوم القيامة، والله تَعَالَى يقبل
شهادتهم عليهم فهم شهداؤه، ولهذا نَوَّه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم؛ لأنه تعالى لما
اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء، وأمر ملائكته أن
تصلّي عليهم وتدعو لهم وتستغفر لهم، والشَّاهِدُ المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم
وصِدْقٍ فيخبر بالحق مُسْتنداً إلى علمه به، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ
يَعْلَمُون﴾(١) (٢).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أُخْرِ جَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنكَرِ،
وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾(٣).
?
ويدخل في الخطاب الصَّحابيّ من باب أولى، فلقد شهد بأنهم يأمرون بكل معروف
وینهون عن کل مُنکر.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ
مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أبيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسلمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً
عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾(٤).
فأخبر تعالى أنه اجتباهم، والاجتباء كالاصْطِفَاءِ، وهو افتعَالٌ من ((اجْتَبَى الشَّيْءَ
يَجْتَبِيه))، إذا ضَمَّه إليه وحازه إلى نفسه، فهم المُجْتَبُون الّذين أجتباهم الله إليه وجعلهم أهله
وخاصّته وصفوته من خلقه بعد النَّبيين والمرسلين، ولهذا أمرهم تعالى أن يُجَاهدوا فيه حَقَّ
جهاده ويبذلوا له أنفسهم ويفردوه بالمحَبَّةِ والعبودية، ويختاروه وحده إلهاً معبوداً محبوباً
على كل ما سواه، كما اختارهم على من سواهم، فيتخذونه وحده إلَهَهُمْ ومعبودهم الّذي
يتقربون إليه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم ومحبتهم وإرادتهم، فيؤثرونه في كل حال على
مَنْ سواه كما اتخذهم عبيده وأولياءَهُ وأحبَّاءَهُ، وآثرهم بذلك على مَنْ سواهم، ثم أخبرهم
تعالى أنَّهُ يَشَّرَ عليهم دينه غَايَة التَّيسير، ولم يجعل عليهم فيه من حَرَجِ الْبَّةَ لكمال محبَّته لهم
ورأفته ورحمته وحنانه بهم، ثم أمرهم بلزوم ملَّة إمَام الحنفاء أبيهم إبراهيم، وهي إفراده
تعالى وَحْدَه بالعبودية والتعظيم والحبّ والخوف والرّجاع والتوكّل والإنابة والتفويض
والاسْتِسْلاَمِ؛ فيكون تعلّق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره، ثم أخبر تعالى أنه فعل ذلك
(١) الزخرف: ٨٦.
(٢) أعلام الموقعين ٤/ ١٠٢ .
(٣) آل عمران: ١١٠.
(٤) الحج: ٧٨.

١٩
مقدمة التحقيق
ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على النَّاس، فيكون مشهوداً لهم بشهادة الرَّسول، شاهدین
على الأمم بقيام حُجَّةِ الله عليهم(١).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الّذِينَ اصْطَفَى﴾(٢).
قال أَبْنُ عَبَّاسٍ: أصحاب محمد بَّر اصطفاهم الله لنبيه عليه السَّلام(٣).
تلك آيات عظيمة نزلت من عند المولى عزَّ وجلَّ تشهد بفضل وعدالة جميع أصحاب
النَّبِي ◌َّهِ الّذين كانوا معه في المَوَاقِفِ الحاسمة في تاريخ الدّعوة الإسلامية ابتداءً من دار
الأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الأَرْقَمِ، وانتهاءً بفتح المَدَائِنِ.
فمن الأمور القَطْعِيَّةِ الثبوت والدلالة أن عدالة أصحاب سيدنا رسول الله بَّر جاءت من
فوق سبعة أرقعة، فلا يتصور لإنسان مهما أوتي من علم ومعرفة أن يطعن في صحابة رسول
الله ◌َله بعد شهادة الله عز وجل لهم !!
وهذا سنفرد له كلمة عن الحديث عن سيدنا ((أَبِي هُرَيْرَة)) رضي الله تعالى عنه.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، وَيَأْبَى اللهُ إِلَّ أَنْ يُهِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ
الْكَافِرُونَ﴾(٤).
وأَمَّا الشُّنَّةُ:
وفي نصوص السُّنَّةِ النبوية المشرّفة الشّاهدة بذلك كَثرةٌ منها:
عن أَبِي سَعِيدٍ عنِ النّبي - عليه السَّلامُ - قال: ((لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَه))(٥).
(١) أعلام الموقعين ١٠٢/٤ .
(٢) النحل: ٥٩.
(٣) شرح السنن بتحقيقنا ٧/ ٧١ والدَّلِيلُ عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أورثنا الكتاب الَّذين اصطفينا من عبادنا﴾
فاطر: ٣٢ وحقيقة الاصْطِفَاء: افتعال من التَّصفية فيكون قد صفَّاهم من الأكْدار والخطأ من الأكدار
فيكونون مصفَّيْنَ منه، ولا ينتقض هذا بما إذا اختلفوا؛ لأن الحق لم يَعْدُهُمْ، فلا يكون قول بعضهم
كَدَراً؛ لأن مخالفته أكَدَرُ، وبيانه يزيل كونه كدراً بخلاف ما إذا قال بعضهم قولاً ولا يخالف فيه فلو
كان قولاً باطلاً ولم يرده راد لكان حقيقة الكدر، وهذا لأن خلاف بعضهم لبعض بمنزلة متابعة النبي ونَ﴾
في بعض أموره، فإنها لا تخرجه عن حقيقة الاصطفاء: أعلام الموقعين ٤/ ١٠٠.
(٤) التوبة: ٣٢.
(٥) أخرجه البُخَارِيُّ ١٢/٧ كتاب ((فَضَائِلُ الصَّحَابةِ)) باب قول النبيِ ◌ّز ((لو كنت مُتَّخِذَا خَلِيلاً)) (٣٦٧٣)
ومسلم ١٩٦٧/٤ - ١٩٦٨ كتاب ((فَضَائِلِ الصّحَابَةِ)): باب تحريم سَبِّ الصحابة (٢٢٢ - ٢٥٤١) وأبو =