Indexed OCR Text

Pages 201-220

٦٨٩
الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة
الفصل التاسع: بعض ما أخبر به النبي ◌ُّ من الفتن:
١٤٢ - عن جندب بن عبد الله البجلي ۵﴾ قال : جئت يوم الجرعة، فإذا رجل
جالس، فقلت : ليهراقن اليوم ههنا دماء، فقال ذلك الرجل: كلا والله.
قلت : بلى والله. قال : كلا والله، قلت : بلى والله، قال: كلا والله ؛ إنه
حدیث رسول اللهڅټ حدثنیه.
قلت : بئس الجليس لي أنت منذ اليوم، تسمعني أخالفك وقد سمعته من
رسول الله وَ ي فلا تنهاني ، ثم قلت : ما هذا الغضب ؟ فأقبلت عليه وأسأله،
فإذا الرجل حذيفة﴾.
رواه مسلم(١) - واللفظ له -، وأحمد(٢)، والحاكم(٣)، كلهم من طرق عن
عبد الله بن عون، عن محمد بن سیرین، عنه به.
قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وقد سبق أن مسلمًا أخرجه.
والجرعة : بفتح الجيم وبفتح الراء وإسكانها ، والفتح أشهر وأجود، هي
موضع بقرب الكوفة على طريق الحيرة.
ويوم الجرعة: يوم خرج فيه أهل الكوفة يتلقون واليًا ولاه عليهم عثمان ذه
فردوه، وسألوا عثمان ﴾ أن يولي عليهم أبا موسى الأشعري ، فولاه(٤).
(١) صحيح مسلم [ كتاب الفتن (٢٢١٩/٤)].
(٢) المسند (٣٩٩/٥).
(٣) المستدرك (٤٧٢/٤).
(٤) شرح صحيح مسلم، للنووي (١٨/١٤).

٦٩٠
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
وروى هذا الحديث أحمد(١)، والطيالسي(٢) بإسنادهما عن أبي البختري
الطائي ، عن أبي ثور، قال: بعث عثمان يوم الجرعة بسعيد بن العاص، قال:
فخرجوا إليه فردوه، قال: فكنت قاعدًا مع أبي مسعود وحذيفة رضي الله عنهما
... فذكر نحو قصة جندب ﴾ السابقة.
وأبو ثور هو الأزدي الحدَّاني الكوفي.
قال فيه أبو داود: كوفي جليل، أدرك أصحاب رسول الله وَل﴾(٣)، ولم يوثقه
غير ابن حبان(٤).
ولذا جعله الحافظ ابن حجر في مرتبة مقبول(٥).
فعلى هذا ، فهذا الإسناد ضعيف ، لا يقوى على إثبات أن هذه القصة
حصلت أيضًا لحذيفة مع أبي مسعود﴾. والله أعلم.
وفي الحديث دليل على معرفة حذيفة ۵۵ بأحاديث الفتن ، وقد سمع من
النبي ێ فيها ما لم يسمعهغيره. وقد كانيقول: «کان الناس يسألون رسول الله
وَال ﴿ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن يدركني))(٦).
(١) المسند (٣٩٤/٥-٣٩٥).
(٢) مسند الطيالسي (ص ٥٨).
(٣) تهذيب الكمال (١٧٧/٣٣).
(٤) الثقات (٥/ ٥٧٢).
(٥) تقريب التهذيب، رقم الترجمة (٨٠٠٨).
(٦) صحيح البخاري، مع الفتح [ كتاب الفتن (١٣ / رقم ٧٠٨٤)].

٦٩١
الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة
وقال : ((والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين
الساعة))(١).
وقال أيضًا: أخبرني رسول الله وَليه بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه
شيء إلا قد سألته، إلا أني لم أسأله: ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟))(٢).
(١) صحيح مسلم [ كتاب الفتن (٤/ ٢٢١٦)].
(٢) المرجع السابق (٤/ ٢٢١٧).

٦٩٢
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
الفصل العاشر : من سبه النبي يتي أو لعنه في غضبه فالله يجعلها عليه صلاة يوم
القيامة :
١٤٣ - عن عمرو بن أبي قُرّة قال: كان حذيفة ﴾بالمدائن ، فکان یذکر أشیاء
قالها رسول الله آل﴿ لأناس من أصحابه في الغضب ، فينطلق ناس ممن
سمع ذلك من حذيفة ﴾، فیأتون سلمان ۵﴾ فیذکرون له قول حذيفة
ـه، فيقول سلمان : حذيفة أعلم بما يقول، فيرجعون إلى حذيفة ﴾
فیقولونله: قد ذكرنا قولك لسلمان، فما صدقك ولا كذبك.
فأتی حذيفة سلمان رضي الله عنهما ، وهو في مبقلة ، فقال : يا سلمان ؛ ما
يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله ملټ؟
فقال سلمان ه : إن رسول اللهێے کان یغضب، فيقول في الغضب لأناس
من أصحابه ، ويرضى فيقول في الرضا لأناس من أصحابه ، أما تنتهي حتى
تورثرجالاً حبرجال، ورجالاً بغض رجال، وحتی توقع اختلافًا وفرقة.
ولقد علمت أن رسول الله و ﴿ خطب فقال: (( أيما رجل سببته سبة ، أو
لعنته لعنة في غضبي ، فإنما أنا من ولد آدم ؛ أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني
رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة».
والله لتنتهین، أو لأکتبن إلى عمر ۵﴾.
رواه أبو داود(١) - واللفظ له - ، وأحمد(٢)، والبخاري في التاريخ
(١) سنن أبي داود [ كتاب السنة (٤٥/٥-٤٦)].
(٢) المسند (٤٣٧/٥).

٦٩٣
الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة
الأوسط(١)، والبزار(٢)، والطبراني في الكبير(٣)، كلهم من طرق عن عمر بن
قیس الماصر عنه به، وهذا الإسناد منقطع.
فقد رواه أحمد(٤) أيضًا ، والبخاري في الأدب المفرد(٥) ، والتاريخ
الأوسط(٦)، من هذا الطريق، إلا أن الحديث عندهما عن عمرو بن أبي قرَّة : أن
أباه أتى سلمان ﴾ ... فذكر الحديث(٧).
وقد قال ابن المديني : عمرو بن أبي قُرَّة لم يلق سلمان ت﴾، وإنما أبوه لقي
سلمان(٨).
وأبو قرة: هو الكندي، ذكره ابن سعد(٩)، ومسلم(١٠) في التابعين.
وقال ابن سعد: كان معروفًا قليل الحديث، ولم أجد فيه توثيقًا معتبرًا.
وقال ابن المديني : رواه زائدة عن عمر بن قيس الماصر ، عن عمرو بن أبي
قرة، عنرجل ، عن سلمان، فأفسده.
(١) التاريخ الأوسط، المطبوع باسم (التاريخ الصغير) (١ / ٩٧).
(٢) مسند البزار، البحر الزخار (٦ / ٤٩٦).
(٣) المعجم الكبير (٢٥٩/٦ - ٢٦٠).
(٤) المسند (٤٣٩/٥).
(٥) الأدب المفرد، المطبوع مع شرحه فضل الله الصمد (٣٢٨/١-٣٢٩):
(٦) التاريخ الأوسط (١ / ٩٧).
(٧) انظر: أطراف الغرائب والأفراد للدار قطني، لمحمد بن طاهر المقدسي (١٢٠/٣).
(٨) المراسيل، لابن أبي حاتم (ص ١٢٣).
(٩) الطبقات الكبرى (١٤٨/٦).
(١٠) الطبقات، لمسلم بن الحجاج (١/ ٢٩٢).

٦٩٤
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
وكان عمرو بن أبي قرة عن سلمان أجود(١).
وأما عمر بن قيس الماصر ، فهو ثقة كما قال الذهبي(٢).
والذي يترجح لي مما تقدم: أن هذا الإسناد ضعيف. والله أعلم.
إلا أن متن الحديث له شواهد عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة(٣)،
وعائشة(٤)، وجابر(٥)، وأنس(٦) ﴾، فيكون بها حسنًا. والله أعلم.
و قوله: وهو في مبقلة : أي أرض ذات بقل(٧).
(١) العلل، لابن المديني (ص ٢١٩ -٢٢٠).
(٢) الكاشف (٢/ ٢٧٦).
(٣) صحيح البخاري، مع الفتح [ كتاب الدعوات (١١ / رقم ٦٣٦١)]، صحيح مسلم [ كتاب البر
والصلة (٤ / ٢٠٠٧ - ٢٠٠٩)].
(٤) صحيح مسلم [ كتاب البر والصلة (٤/ ٢٠٠٧)].
(٥) المرجع السابق (٤ / ٢٠٠٧، ٢٠٠٩).
(٦) المرجع السابق (٢٠٠٩/٤ -٢٠١٠).
(٧) عون المعبود (١٢/ ٢٧٠).

٦٩٥
الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة
الفصل الحادي عشر: حكم العلم من الحرير في الثوب:
١٤٤ - عن عبد الله بن كيسان، مولى أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قال :
أرسلتني أسماء رضي الله عنها إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقالت:
بلغني أنك تحرم أشياء ثلاثة : العلم في الثوب ، وميثرة الأرجوان ،
وصوم رجب کله.
فقال لي عبد الله ﴾﴾ه : أما ما ذكرت من رجب ؛ فكيف بمن يصوم الأبد ،
وأما من ذكرت من العلم في الثوب ؛ فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول :
سمعت رسول الله و لا يقول: ((إنما يلبس الحرير من لا خلاق له))، فخفت أن
یکون العلم منه .
وأما ميثرة الأرجوان، فهذه ميثرة عبد الله . فإذا هي أرجوان.
فرجعت إلى أسماء رضي الله عنها فخبرتها ، فقالت : هذه جبة رسول الله
وَل﴿، فأخرجت إليَّ جُبَّة طيالسة كسروانية، لها لبنة ديباج، وفرجيها مكفوفين
بالدیباج ، فقالت : هذه كانت عند عائشة رضي الله عنها حتی قبضت ، فلما
قبضت قبضتها،وكانالنبيگلۉيلبسها،فنحننغسلها للمرضى؛یستشفى بها.
رواه مسلم(١) - واللفظ له -، وأبو داود(٢)، والنسائي في الكبرى (٣)
-مختصرًا-، وابن ماجه(٤)، کلهم من طرق عنه به .
(١) صحيح مسلم [ كتاب اللباس (٣/ ١٦٤١)].
(٢) سنن أبي داود [ كتاب اللباس (٣٢٨/٤)].
(٣) السنن الكبرى (٤١٠/٨-٤١١).
(٤) سنن ابن ماجه [ كتاب اللباس (١١٨٨/٢)].

٦٩٦
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
ولفظ أبي داود وابن ماجه : أن عبد الله مولى أسماء رضي الله عنها قال :
رأيت ابن عمر رضي الله عنهما في السوق اشترى ثوبًا شاميًا ، فرأى فيه خيطًا
أحمر فرده، فأتيت أسماء ، فذكرت ذلك لها ، فقالت : يا جارية ؛ ناوليني جبة
رسول الله ێے، فأخرجت جبة طيالسة مکفوفة الجیب والکمین بالديباج.
وقوله: خيطًا أحمر، يحمل على أنه من حرير ؛ ليتفق مع بقية الحديث.
ويشهد لذلك لفظ مسلم(١).
والعلم: رسم الثوب، وعلمه رقمه في أطرافه(٢)، وهو مايكون في الثياب
من تطريف وتطريز ونحوهما(٣).
وقولها: ميثرة الأرجوان: المثيرة: هي وطاء محشو، يترك على رحل البعير
تحت الراكب(٤).
والأرجوان : بضم الهمزة والجيم على الصحيح ، وهو صبغ أحمر شديد
الحمرة(٥).
و قوله : طیالسة : جمع طیلس وطیلسان ، مثلث اللام، وهو ضرب من
الأكسية، أسود(٦).
(١) انظر: عون المعبود (٦٩/١١).
(٢) لسان العرب (١٢ /٤٢٠)، مادة (علم).
(٣) فتح الباري (٢٩٨/١٠).
(٤) النهاية في غريب الحديث (٣٧٨/٤)، وانظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (١٤/ ٣٣).
(٥) شرح صحيح مسلم (١٤/ ٤٢).
(٦) لسان العرب (١٢٥/٦)، مادة (طلس). تاج العروس (٣٤٢/٨).

٦٩٧
الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة
وقوله كسروانية : نسبة إلى كسرى، لقب ملوك الفرس(١).
وقوله : لبنة ديباج : اللبنة ، هي رقعة تعمل موضع جيب القميص
والجبة(٢).
وقوله : فرجيها : الفرج في الثوب : الشق الذي يكون أمام الثوب وخلفه
من أسفله(٣).
وقوله : مكفوفين : أي جعل لها كفة ، بضم الكاف ، وهو ما يكف به
جوانب الجبة ونحوها ويعطف عليها ، ويكون ذلك في الذيل ، وفي الفرجین،
وفي الكُمَّين(٤).
والشاهد من الحدیث أن أسماء رضي الله عنها استدرکت على ابن عمر
رضي الله عنهما نهيه عن الحرير مطلقًا ، وبينت أن السنة جاءت بإباحة العلم
والشيء اليسير منه.
وأما صوم رجب، ومیثرةالأرجوان، فقد بين أنه لا يقول بتحريمها .
وقد ذكر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه تمسك بعموم حدیث أبيه عن
النبي قال: ((إنما يلبس الحرير من لا خلاق له))، ولكنه لم يُقرَّ أنه كان يحرم العلم
من الحرير ، بل أخبر أنه تورع عنه؛ خوفًا من دخوله في العموم(٥).
(١) النهاية في غريب الحديث (٤/ ١٧٣).
(٢) المرجع السابق (٢٣٠/٤).
(٣) بذل المجهود في حل أبي داود (١٦/ ٣٨٠).
(٤) شرح صحيح مسلم (١٤ / ٤٤).
(٥) المرجع السابق (١٤/ ٤٣).

٦٩٨
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
ولعل ابن عمر رضي الله عنهما لم يبلغه حديث أبيه به، أن رسول الله وَ له
نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بأصبعيه اللتين تليان الإبهام.
قال أبو عثمان النهدي : فيما علمنا (١) أنه يعني الأعلام . أخرجه
البخاري(٢) ومسلم(٣).
وروى أبو داود(٤) بإسناده ، عن خصیف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس
رضي الله عنهما قال: إنما نهى رسول الله وَالل عن الثوب المصمت من الحرير،
فأما العلم من الحریر وسدی الثوب فلا بأس به.
وفي إسناده خصيف ، وهو ابن عبد الرحمن الجزري ، وقد تقدم أنه
ضعيف(٥).
وهو مع ضعفه يصلح شاهدًا - كما تقدم -. والله أعلم.
(١) في لفظ مسلم: (( فما عتَّمنا)) أي ما أبطأنا في معرفة أنه أراد الإعلام . شرح صحيح مسلم
(١٤ / ٤٧) .
(٢) صحيح البخاري، مع الفتح [ كتاب اللباس (١٠ / رقم ٥٨٢٨)].
(٣) صحيح مسلم [ كتاب اللباس (١٦٤٢/٣ - ١٦٤٤)].
(٤) سنن أبي داود [ كتاب اللباس (٣٢٩/٣)].
(٥) تقدم (ص ٤١٦).

٦٩٩
الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة
الفصل الثاني عشر: جواز لبس حلل الحبرة:
١٤٥ - عن الحسن البصري، أن عمر﴾ أراد أن ينهى عن متعة الحج، فقال له
أمي﴾ : ليس ذلك لك؛ قد تمتعنا مع رسول الله ێے ولم ینهنا عن ذلك،
فأضرب عن ذلك عمر ﴾.
وأراد أن ینھی عن حلل الحِبرة؛ لأنها تصبغ بالبول، فقال له أبي عھ لیس
ذلكلك؛ قد لبسهن النبي ێے، ولبسناهن في عهده.
رواه أحمد(١) ، بإسنادهعن يونس بن عبيد، عنه به .
وهذا الإسناد رجاله ثقات ، إلا أنه منقطع؛ فإن الحسن لم يسمع من عمر
۵۵- كما تقدم -.
وبهذه العلة أعل الحافظ ابن حجر هذا الحديث(٢).
وقوله: ((حلل حبرة)»: الحلل: جمع حلة، وقد تقدم تعريفها(٣).
والحبرة: بوزن (عنبة)، هي من برود اليمن، والحبير من البرود: ما كان
موشيًا مخططًا(٤).
وقد تقدم ذكر الشطر الأول من الحديث في فصل : حكم المتعة في الحج.
(١) المسند (١٤٣/٥).
(٢) فتح الباري (٢٨٨/١٠).
(٣) تقدم (ص ٣٢٦).
(٤) النهاية في غريب الحديث (٣٢٨/١).

٧٠٠
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
وقدجاءمن طريق أخرى؛ فقدأخرجعبدالرزاق(١)، بإسناده عن عمرو بن
عبيد، عن الحسن قال: قال عمر : لو نهينا عن هذا العَصْب ؛ فإنه يصبغ
بالبول ؛ فقال أبي بن كعب : والله ما ذلك لك؟ قال: (ما؟)(٢)، قال: إنا
لبسناها على عهد رسول الله څ﴾ والقرآن ینزل، و گُفِّن فیه رسول الله ێ، فقال
عمر : صدقت.
وقوله: «العَصْب»: هي برودیمنیة، یعصب غزلها، أي يجمع ویشد، ثم
يصبغ وينسج، فيأتي موشيًا؛ لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ (٣).
وقد خالف عمروبن عبيد؛ يونس بن عبيد في بعض الألفاظ .
وعمرو بن عبيد متهم بالكذب على الحسن (٤).
وقدروى عبد الرزاق(٥)، بإسناده عن قتادة قال: هَمَّ عمر بن الخطاب ﴾
أن ینھی عن الحبّرة من صباغ البول، فقال له رجل : أليس قد رأيت رسول الله
ځقد لبسها؟ قال عمر څ بلى.
قال الرجل: ألم يقل الله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةٍ﴾(٦)، فتركها
عمر ﴾.
(١) المصنف (١/ ٣٨٣).
(٢) هكذا في مصنف عبد الرزاق المطبوع.
(٣) النهاية في غريب الحديث (٢٤٥/٣).
(٤) انظر : تهذيب الكمال (١٢٦/٢٢).
(٥) المصنف (١/ ٣٨٢).
(٦) سورة الأحزاب، آية (٢١).

٧٠١
الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة
وهذا الإسناد منقطع أيضًا؛ فإن قتادة لم يسمع من عمر ټ﴾(١).
ويحتمل أن يكون قتادة أخذه عن الحسن؛ فإنه معروف بالرواية عنه.
فيعود هذا الإسناد إلى الإسناد الأول. والله أعلم.
وروى عبد الرزاق(٢) أيضًا، بإسناده عن ابن سيرين، قال: هَمَّ عمر ﴾﴾آن
ينهى عن ثياب حبرة؛ لصبغ البول، ثم قال: كان نهينا عن التعمق.
وهذا الإسناد منقطع أيضًا؛ فإن ابن سيرين ولد لسنتين بقيتا من خلافة
عثمان ﴾(٣).
و قوله څخه : نهینا عن التعمق. ثابت عنه.
فقد أخرج البخاري(٤) في صحيحه، عن أنس به قال: كنا عند عمر لله
فقال : نهينا عن التكلف.
وذكر الحافظ ابن حجر أن الإسماعيلي رواه أيضًا بلفظ : نهينا عن التعمق
والتكلف(٥).
فمما تقدم؛ یتبین أن کون عمر #ه كان يريد أن ينهى عن حلل الحبرة التي
تصبغ بالبول، ورد عنه بإسنادین منقطعین يصلحان للاعتبار.
(١) انظر: جامع التحصيل (ص ٣١٢).
(٢) المصنف (١/ ٣٨٣).
(٣) التاريخ الصغير للبخاري (٢٩٦/١).
(٤) صحيح البخاري ، مع الفتح [ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (١٣/ ٧٢٩٣)].
(٥) فتح الباري (٢٨٥/١٣).

٧٠٢
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
وقد رجع عمر #عما هم به، ولم يثبت أن أُبيًّا ﴾ استدرك عليه في هذا .
والله أعلم.
وما تقدم من لبس النبي ێ لثوب الحبرة ثابت عنه من حديث أنس بن
مالك ﴾(١) وغيره.
(١) صحيح البخاري [ کتاب اللباس (١٠/ رقم ٥٨١٢-٥٨١٣) ]، وصحيح مسلم [ كتاب اللباس
(١٦٤٨/٣)].

٧٠٣
الباب الرابع عشر : في أبواب متفرقة
الفصل الثالث عشر : النهي عن قتل الحيات في البيوت:
١٤٦ - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع النبي وَ لا يخطب على المنبر
يقول: ((اقتلوا الحيات ، واقتلوا ذا الطَّفيتين والأبتر ؛ فإنهما يطمسان
البصر، ويستسقطان الحبل)».
قال عبد الله به: فبينا أنا أطارد حية لأقتلها، فناداني أبو لبابة : لا تقتلها.
فقلت : إن رسول الله آلټ قد أمر بقتل الحیات . فقال : إنه نهی بعد ذلك عن
ذوات البيوت، وهي العوامر.
رواه البخاري(١) - واللفظ له-، ومسلم(٢)، وأبو داود(٣)، والترمذي(٤)،
وابن ماجه(٥)، وأحمد(٦)، کلهم من طرق عنه به .
وأبو لبابة : هو ابن عبد المنذر الأنصاري ، مختلف في اسمه ، قيل : بشير ،
وقيل رفاعة(٧).
(١) صحيح البخاري، مع الفتح [ كتاب بدء الخلق (٦ / رقم ٣٢٩٧، ٣٣٠٨)، كتاب المغازي (٧)
رقم ٤٠١٦)].
(٢) صحيح مسلم [ كتاب السلام (٤/ ١٧٥٢ - ١٧٥٥)].
(٣) سنن أبي داود [ كتاب الأدب (٤١١/٥-٤١٢)].
(٤) جامع الترمذي [كتاب الأحكام (٤/ ٦٤ - ٦٥)].
(٥) سنن ابن ماجه [كتاب الطب (١١٦٩/٢)].
(٦) المسند (٩/٢).
(٧) الإصابة في تمييز الصحابة (١٦٨/٤).

٧٠٤
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
وقد جاء في بعض الروايات : أبو لبابة أو زيد بن الخطاب بالشك ، وفي
بعضها بالعطف : أبو لبابة وزيد بن الخطاب.
وصنيع البخاري يدل على ترجيحه لرواية من اقتصر على أبي لبابة ؛ لأنها
هي التي ساقها مسندة، وأما الروايات الأخرى فذكرها معلقة(١).
وقوله : ذا الطفيتين : الطَّفية : خوصة الُقل، شبه به الخط الذي على ظهر
الحية.
وقال ابن عبد البر: جنس من الحيات يكون على ظهره خطان أبيضان.
الأبتر: هو مقطوع الذنب، وقيل: القصيرة الذنب.
وقوله: يطمسان البصر : أي يمحوان نوره.
وقوله: يستسقطان الحَبّل: أي يسقط الجنين(٢).
وقد وقع عند البخاري ومسلم أن ابن عمر رضي الله عنهما أمسك عن
قتلها بعد أن حدثه أبو لبابة۵﴾.
وقد جاء بيان العلة التي لأجلها استثنيت حيات البيوت.
فقد أخرج مسلم (٣) - واللفظ له - ، وأبو داود(٤) ، والترمذي(٥)
- مختصرًا -، كلهم من طرق عن أبي السائب ، مولى هشام بن زهرة، أنه دخل
(١) انظر: فتح الباري (٤٠٢/٦).
(٢) انظر في تعريف ما سبق: فتح الباري (٤٠١/٦).
(٣) صحيح مسلم [ كتاب السلام (٤ / ١٧٥٦)].
(٤) سنن أبي داود [ كتاب الأدب (٤١٣/٥)].
(٥) جامع الترمذي [ كتاب الأحكام (٤/ ٦٥)].

٧٠٥
الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة
على أبي سعيد الخدري ﴾ في بيته، قال : فو جدته يصلي ، فجلست أنتظره حتى
يقضي صلاته، فسمعت تحريكًا في عراجين في ناحية البيت ، فالتفت ؛ فإذا حية،
فو ثبت لأقتلها ، فأشار إلي أن أجلس ،فجلست، فلما انصرف، أشار إلى بيت في
الدار ، فقال : أتری هذا البيت ؟ فقلت : نعم، قال : کان فیه فتی منا حدیث
عهد بعرس ، قال : فخرجنا مع رسول الله ێ إلى الخندق ، فكان ذلك الفتى
يستأذن رسول الله وَ القول بأنصاف النهار، فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يومًا ، فقال
له رسول الله ويليهو: «خذ عليك سلاحك؛ فإني أخشى عليك قريظة»، فأخذ
الرجل سلاحه ، ثم رجع ، فإذا امرأته بین البابین قائمة ، فأهوى إليها بالرمح
ليطعنها به، وأصابته غیرة، فقالت له : اکفف علیك رمحك وادخل البيت حتى
تنظر ما الذي أخرجني ، فدخل ؛ فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش ،
فأهوى إليها الرمحَ فانتظمها به، ثم خرج، فركزه في الدار، فاضطربت عليه،
فما يدرى أيهما كان أسرع موتًا؛ الحية أم الفتى؟
قال : فجئنا إلى رسول الله ټټ فذكرنا ذلك له، وقلنا : ادع الله يحييه لنا .
فقال: ((استغفروا لصاحبكم))، ثم قال: ((إن بالمدينة جنا قد أسلموا ، فإذا
رأیتم منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام ، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه ؛ فإنما هو
شيطان)».

٧٠٦
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
الفصل الرابع عشر : دخلت النار امرأة في هرة حبستها :
١٤٧ - عن علقمة قال: كنا عند عائشة رضي الله عنها، فدخل عليها أبو هريرة
﴾، فقالت: يا أبا هريرة؛ أنت الذي تحدث أن امرأة عذبت في هرة لها،
ربطتها؛ لم تطعمها، ولم تسقها، فقال أبو هريرة #: سمعته منه - يعني
النبي ◌َل -.
فقالت عائشة رضي الله عنها : أتدري ما كانت المرأة؟ قال: لا . قالت : إن
المرأة مع ما فعلت كانت كافرة ؛ إن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة،
فإذا حدثت عن رسول الله ملټفانظر كيف تحدث.
رواه الطيالسي(١) - واللفظ له -، وعنه أحمد(٢)، والبزار(٣) بإسنادهما عن
صالح بن رستم أبي عامر اخزاز، عن سيار أبي الحكم، عن الشعبي، عنه به.
وأبو عامر اخزاز، قال فيه ابن معين : لا شيء(٤).
وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به، هو صالح(٥).
وقال أبو داود الطيالسي(٦) والسجستاني(٧): ثقة، حدث عنه يحيى القطان.
وقال الدار قطني : ليس بالقوي(٨).
(١) مسند الطيالسي (ص ١٩٩).
(٢) المسند (٥١٩/٢).
(٣) كشف الأستار (١٨٨/٤).
(٤) الجرح والتعديل (٤/ ٤٠٣).
(٥) السابق نفسه .
(٦) السابق نفسه .
(٧) سؤالات الأجري، تحقيق : عبد العليم البستوي (٢/ ٥٣).
(٨) تهذيب الكمال (٥٠/١٣).

٧٠٧
الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة
وقال ابن عدي: ولم أرله حديثًا منكرًا جدًا (١).
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه صدوق كثير الخطأ(٢).
فعلى هذا، فهذا الإسناد ضعيف. والله أعلم.
والحديث المرفوع عن أبي هريرة ﴾ رواه البخاري(٣)، ومسلم(٤)،
وأحمد(٥)، ولفظه: قال رسول الله وَليه: ((دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم
تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض)».
وقوله: ((في هرة): أي بسبب هرة(٦).
و«خشاش الأرض)»: هوامها وحشراتها، الواحدة: خشاشة(٧).
وقد وافق أبا هريرة ﴾ في رواية هذا الحديث جماعة من الصحابة ، منهم
ابن عمر(٨)، وأسماء(٩)، وجابر(١٠)، وعبد الله بن عمرو (١١)، وغيرهم # بنحو
حديث أبي هريرة ﴾.
(١) الكامل في ضعفاء الرجال (٤/ ٧٢).
(٢) تقريب التهذيب، رقم الترجمة (٢٨٦١).
(٣) صحيح البخاري، مع الفتح [ كتاب بدء الخلق (٦ / رقم ٣٣١٨)].
(٤) صحيح مسلم [ كتاب البر والصلة (٢٠٢٣/٤)، كتاب التوبة (٢١١٠/٤)].
(٥) المسند (٣١٧/٢، ٤٥٧).
(٦) فتح الباري (٦/ ٤١١).
(٧) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٣٣).
(٨) صحيح البخاري ، مع الفتح [ كتاب الأنبياء (٦/ رقم ٣٤٨٢) ]، صحيح مسلم [ كتاب البر
والصلة (٤/ ٢٠٢٢)].
(٩) صحيح البخاري، مع الفتح [ كتاب المساقاة (٥/ رقم ٢٣٦٤)].
(١٠) صحيح مسلم [ كتاب الكسوف (٦٢٢/٢)]، مسند أحمد (٣١٨/٣).
(١١) مسند أحمد (١٨٨،١٥٩/٢).

٧٠٨
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
ولفظ حديث أسماء رضي الله عنها: أن النبي ◌َّ صلى صلاة الكسوف
فقال : دنت مني النار ، حتى قلت : أي رب ؛ وأنا معهم ؟ فإذا امرأة - قال
الراوي - حسبت أنه قال : تخدشها هرة. قال : ما شأن هذه ؟ قالوا : حبستها
حتى ماتت جوعًا .
وفي لفظ حديث جابر : «رأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في
هرة لها ... )) الحديث.
وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : امرأة من حمير .
وقد جمع الحافظ ابن حجر بین الروايتين الأخيرتين، فقال: لا تضادبينهما؛
لأن طائفة من حمير كانوا قد دخلوا في اليهودية ، فنسبت إلى دينها تارة ، وإلى
قبيلتها أخرى(١).
قال القاضي عياض : يحتمل أن هذه المرأة كانت كافرة ، فزيدت بذلك
عذابًا(٢).
وقد رد النووي هذا ، وقال : ليس بصواب ، بل الصواب المصرح به في
الحديث ؛ أنها عذبت بسبب الهرة ، وهو كبيرة ؛ لأنه إصرار على صغيرة ،
والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة ، وليس في هذا الحديث ما يقتضي كفر
هذه المرأة.
وقال: والذي يظهر أنها كانت مسلمة، وإنما دخلت النار بهذه المعصية(٣).
(١) فتح الباري (٦/ ٤١١).
(٢) إكمال المعلم (٣/ ٣٤٤).
(٣) شرح صحيح مسلم (٦/ ٢٠٧ -٢٠٨).