Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
الباب الرابع : باب الجنائز
٤ - ومن الأجوبة أيضًا أن ما ذكرته عائشة رضي الله عنها من معارضة ما
حدث به ابن عمر رضي الله عنهما وغيره من سماع موتى الكفار لخطاب
النبيِ وٌَّ لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَى﴾، وقوله: ﴿ وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعِ
مَن فیالقُبُورِ﴾ فلیس کذلك، وبيانذلك من أوجه:
أ - قال قتادة عقب روايته حديث أبي طلحة ﴾ السابق : أحیاهم الله حتى
أسمعهم قوله؛ توبيخًا، وتصغيرًا، ونقيمة، وحسرة، وندمًا(١).
وكلام قتادة اجتهاد منه فيما يظهر(٢).
قال الحافظ ابن حجر : أراد قتادة بهذا التأويل الرد على من أنكر أنهم
يسمعون، كما جاء عن عائشة رضي الله عنها(٣).
ب - أن قول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ اُلْمَوْقَى﴾، وقوله: ﴿وَمَآ أَنْتَ
پِمُسْمع مَن فی القُبُورِ ﴾ ليس معناهما نفي سماع الموتی بإطلاق ، كما قرر ذلك
المحققون من المفسرين، ومن هؤلاء الشيخ الشنقيطي ، حيث قال : اعلم أن
التحقيق الذي دلت عليه القرائن القرآنية ، واستقراء القرآن أن معنى قوله :
﴿ إِنَّكَ لَا ◌ُنْمِعُ المَوْقَ ﴾ لا يصح فیه من أقوال العلماء إلا تفسیران،وذكر هذين
التفسيرين، وهما: لا
الأول : أن المعنى: إنك لا تسمع المرئى : أي لا تسمع الكفار الذين أمات
الله قلوبهم.
(١) انظر المصادر السابقة لتخريج حديث أبي طلحة ﴾.
(٢) أضواء البيان (٦/ ٤٢٢).
(٣) فتح الباري (٧/ ٣٥٣).

٣٢٢
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
ومن القرائن الدالة على ذلك قوله جل وعلا بعده : ﴿ إِن
تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِشَايَئِنَا فَهُم ◌ُسْلِمُونَ ﴾، ولو كان المراد في
قوله: ﴿ إِنَّكَ لَا ◌ُتْمِعُ الْمَوْقَ ﴾ مفارقةالروحللبدن،لما قابله بقوله:
﴿إِنتُشْمِعُ إِلَّامَن يُؤْمِنُ پِثَايَتِنَا ﴾،بل قابله بما يناسبه، كأن يقال:
إن تسمعإلا من لمیمت،أي لم يفارقروحهبدنه.
وقدسمى الله الكفار أمواتًا في مواضع من كتابه، كقوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْنَى يَبْعَتُهُمُ اللهُ ثُمَّإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾(١)،
وقد أجمع العلماء على أن الموتى هنا هم الكفار.
وكقوله: ﴿أَوَّمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْبَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُنُورًا یَمْشِیپِهِ،
فِ اَلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِ الظُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾(٢).
وقوله: ﴿لِيُنذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾(٢).
وقوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِىالأَخْآء ولا آلاموتُ ﴾(٤) ، أي : لا يستوي
المؤمنون والكافرون.
الثاني : أن المراد بالموتى الذين ماتوا بالفعل، ولكن المراد بالسماع المنفي في
قوله: ﴿ إِنَّكَ لَا تُتمِعُ الْمَوْنَ ﴾ خصوص سماع قبول بفقه واتباع،
(١) سورة الأنعام، آية (٣٦).
(٢) سورة الأنعام، آية (١٢٢).
(٣) سورةیس، آية (٧٠).
(٤) سورة فاطر، آية (٢٢).

٣٢٣
الباب الرابع : باب الجنائز
كما قال تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ أَلَّذِى يَنْعِقُّ بِمَا لَا يَسْمَعُ
إِلََّّدُعَاءُ وَنِدَاءُ﴾(١) .
فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل ، لا يجب أن ینفی عنهم
جميع أنواع السماع، كما لم ينف ذلك عن الكفار ، بل قد انتفى عنهم
السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلا ينفى عنهم.
ومثل هذا قول الله تعالى في المنافقين: ﴿صُُّبُكْمُ عُمْىٌ فَهُمْ
لَا يَرْجِعُونَ ﴾(٢)، فقد وصفهم بالصمم مع شدة فصاحتهم.،
وحلاوة ألسنتهم، كما قال: ﴿ وَ إِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِمْ﴾(٣)،
وما ذلك إلا أن صممهم وبكمهم وعماهم بالنسبة إلى شيء
خاص ، وهو ما ينتفع به من الحق ، مع أنهم يسمعون غيره
ويبصرونه وينطقون به ، كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا
وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةٌ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَّا أَبَصَرُهُمْ وَلَآَ
أَفْئِدَتُهُم مِّنْ شَىٍّ﴾(٤)(٥).
(١) سورة البقرة، آية (١٧١).
(٢) سورة البقرة، آية (١٨).
(٣) سورة المنافقون، آية (٤).
(٤) سورة الأحقاف، آية (٢٦).
(٥) انظر: أضواء البيان (٤١٦/٦-٤٢٠)، وقد أطال الشيخ الشنقيطي بذكر الأدلة من الكتاب
والسنة والآثار عن السلف بما يشهد لسماع الموتى في قبورهم. (أضواء البيان ٦/ ٤٢٢-٤٣٩)،
وانظر : تفسير ابن كثير (٤٤٧/٣-٤٤٨)، تهذيب الآثار للطبري - مسند عمر ﴾ (٣٣٩/١-
٢٦٢)، وانظر مقدمة تحقيق كتاب الروح لابن القيم، تحقيق د.بسام العموش (١٣٠/١ -١٤٤).

٣٢٤
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
وهذا التفسير الثاني جزم به واقتصر عليه شيخ الإسلام ابن تيمية(١).
ویضاف إلى التفسیر السابق ما ذكرهالحافظ ابن كثير في تفسیرہ، حیث قال:
يقول تعالى : کما أنك ليس في قدرتك أن تسمع الأموات في أحداثها، ولا تبلغ
کلامك الصم الذین لا یسمعون، وهم مع ذلك مدبرونعنك، كذلك لا تقدر
على هداية العميان عن الحق، وردهم عن ضلالتهم ، بل ذلك إلى الله ، فإنه
تعالى بقدرته يسمع الأموات أصوات الأحياء إذا شاء ، ويهدي من يشاء ،
ويضل منيشاء، وليس ذلك لأحد سواه(٢).
وقد سبق إلى هذا المعنى ابن جرير الطبري (٣).
فخلاصة ما سبق أن خبر سماع الموتى في قبورهم لكلام الحي ثابت بیقین،
للأدلة الكثيرة الدالة على ذلك.
وأما تأويل عائشة رضي الله عنها فإنها تأولت كما تأولت أمثال ذلك ،
والنص الصحيح عن النبي نَّهُ مقدم على تأويل من تأول من أصحابه
وغيره(٤) . والله أعلم.
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٤٢٠/٤).
(٢) تفسير ابن كثير (٤٤٧/٣).
(٣) تهذيب الآثار للطبري - مسند عمر ﴾(٢٦٠/١).
(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٩٨/٤)، (٣٦٢/٢٤ -٣٦٥).

٣٢٥
الباب الرابع : باب الجنائز
الفصل الثامن : کفن رسول الله ێ :
٥٢ - عن عائشة رضي الله عنها قالت: كفن رسول الله وَّلفيه في ثلاثة أثواب
بيض سحولية ، من كرسف ، ليس فيها قميص ولا عمامة ، أما الحلة ؛
فإنما شبه على الناس فيها أنها اشتريت له ليكفن فيها ، فتركت الحلة ،
وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبي بكر ، فقال:
لأحبسنها حتی أکفن فيها نفسي ، ثم قال : لو رضیها الله څ لنبیه لکفنه
فيها، فباعها وتصدق بثمنها .
أخرجه البخاري(١) - مختصرًا - ومسلم(٢) - واللفظ له -، وأبو داود(٣)،
والترمذي(٤)، والنسائي(٥)، وابن ماجه(٦)، وأحمد(٧)، كلهم من طرق عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عنها به .
قولها : سحولية : يروى بفتح السين وضمها ، قيل بالفتح ؛ نسبة إلى
سحول ؛ قرية باليمن ، وبالضم ؛ جمع سحل ، وهو الثوب الأبيض النقي ،
وقيل غير ذلك(٨).
(١) صحيح البخاري، مع الفتح [ كتاب الجنائز (٣/ رقم ١٢٦٤)].
(٢) صحیم مسلم [ كتاب الجنائز (٦٤٩/٢ - ٦٥٠)].
(٣) سنن أبي داود [ كتاب الجنائز (٣/ ٥٠٦ -٥٠٧)].
(٤) جامع الترمذي [ كتاب الجنائز (٣/ ٣٢١)].
(٥) سنن النسائي [ كتاب الجنائز (٣٦/٤)].
(٦) سنن ابن ماجه [ كتاب الجنائز (٢/ ٤٧٢)].
(٧) المسند (٦/ ١٣٢).
(٨) انظر: النهاية في غريب الحديث (٢/ ٣٤٧).

٣٢٦
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
وقولها: كرسف؛ الكرسف هو القطن(١).
وقولها: حلة: واحدة الحلل، وهي برود اليمن، ولا تسمى حلة إلا أن تكون
ثوبین من جنس واحد(٢).
وفي لفظ لمسلم: قالت رضي الله عنها: ((أدرج رسول الله وَ ل ه في حلة يمنية
كانت لعبد الله بن أبي بكر،ثم نزعت عنه ... ))الحديث.
ولفظ أبي داود ومن بعده: فذکر لعائشة رضي الله عنها قولهم في ثوبین وبرد
حبرة،فقالت: قدأتي بالبرد،ولکنهمردوهولم یکفنوهفیه.
وأخرجه أبو داود(٣)، والنسائي في الكبرى(٤)، وأحمد(٥)، وابن حبان(٦)،
والبيهقي(٧)، كلهم من طرق عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها
قال:«أدرجالنبي څفي ثوب حبرةثم أُخّر عنه»،وإسنادهصحيح. زادأحمدوابن
حبان والبيهقي: قال القاسم: إن بقايا ذلك الثوبلعندنا بعد.
وقد أخرج البخاري(٨) ومسلم(٩) - واللفظ له - ، كلاهما من طريق أبي
سلمة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «سجي رسول الله قالټ حین مات بثوب
حبرة)».
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث (٤/ ٦٣).
(٢) المرجع السابق (١/ ٤٣٢).
(٣) سنن أبي داود [ كتاب الجنائز (٥٠٦/٣)].
(٤) السنن الكبرى للنسائي (٣٩٥/٦).
(٥) المسند (١٦١/٦).
(٦) الإحسان في ترتیب صحيح ابن حبان (١٤ / ٥٩٤-٥٩٥).
(٧) السنن الكبرى للبيهقي (٤٠١/٣).
(٨) صحيح البخاري، مع الفتح [كتاب اللباس (١٠ / رقم ٥٨١٤)].
(٩) صحيح مسلم [ كتاب الجنائز (٢/ ٦٥١)].

٣٢٧
الباب الرابع : باب الجنائز
وهذا يبين أن المراد بالإدراج المذكور قبل في طريق القاسم هو التسجية،
وهي التغطية(١).
قال البيهقي : الذي باع عبد الله بن أبي بكر ﴾ وتصدق بثمنه هو الحلة،
والحلة عندهم ثوبان، والذي قال القاسم : إن بقاياه عندنا هو الثوب الثالث
الذي زعموا أنه كفن فيهما وفيه، فبينت عائشة رضي الله عنها بيانًا شافيًا أنه أتي
بالثوبین الذین کانوا یسمونهما حلة وببرد حبرة ، فلم یکفن فيها ، وکفن في
ثلاثة أثواب بيض كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة. والله أعلم(٢).
ولم أقف على من عنته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها باستدراكها هنا ، إلا
أنه ممن روي عنه من الصحابة ﴾أن النبي ◌ُّے کفن في قمیص و حلة ابن عباس
رضي الله عنهما.
فقدروى أبو داود(٣)، وابن ماجه(٤)، وأحمد(٥) - واللفظ له -، كلهم من
طرق عن یزید بن أبي زیاد عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال : کفن
رسول الله ◌َ له في ثلاثة أثواب؛ في قميصه الذي مات فيه، وحلة نجرانية. الحلة
ثوبان.
وعند ابن ماجه أن یزید بن أبي زياد يروي هذا الحديث عن الحكم ، عن
مقسم به .
(١) فتح الباري (٢٨٨/١٠).
(٢) السنن الكبرى (٤٠١/٣).
(٣) سنن أبي داود[ كتاب الجنائز (٣/ ٥٠٧-٥٠٨)].
(٤) سنن ابن ماجه [ كتاب الجنائز (١/ ٤٧٢)].
(٥) المسند (٢٢٢/١) ..

٣٢٨
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
قال النووي : هذا الحديث ضعيف، لا یصح الاحتجاج به؛ لأن یزید بن
أبی زیاد أحدرواته مجمع على ضعفه، لا سيما وقد خالف بروايته الثقات(١).
وقد تقدم الكلام في يزيد بن أبي زياد الهاشمي، وأنه ضعيف (٢). والله أعلم.
وأخرج ابن سعد (٣)، وأحمد (٤)، والبيهقي(٥)، كلهم من طرق عن الحكم
عن مقسم، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله وَّلفي كفن في ثوبين
أبیضین، وفي بردأحمر.
والحكم لم يسمع من مقسم إلا أربعة أحاديث أو خمسة ، ليس منها هذا
الحدیث(٦).
فعلى هذا فهذا الإسناد ضعيف أيضًا. والله أعلم.
وقدروى ابن سعد(٧) أحاديث أكثرها مراسيل تخالف ما تقدم عن عائشة
رضي الله عنها، وقد ساق ابن كثير بعضها(٨).
(١) انظر: شرح صحيح مسلم (٨/٧).
(٢) تقدم (ص ١٤٨).
(٣) الطبقات الكبرى (٢٨٥/٢).
(٤) المسند (٣١٣،٢٥٣/١).
(٥) السنن الكبرى (٤٠٠/٣).
(٦) انظر: العلل ومعرفة الرجال لعبد الله بن أحمد (٢١٦/١-٢١٧)، شرح علل الترمذي لابن رجب
(٨٤٩/٢ -٨٥٠).
(٧) الطبقات الكبرى (٢٨٤/٢-٢٨٧).
(٨) البداية والنهاية (٢٥٠/٥).

٣٢٩
الباب الرابع : باب الجنائز
قال الترمذي : قد روي في کفن رسول الله ێټ روايات مختلفة ، وحدیث
عائشة رضي الله عنها أصح الأحاديث التي رويت في كفن رسول الله وَلي﴾(١).
ومما يؤيد ما قاله الترمذي أن عائشة رضي الله عنها كان لها علم بكفن
النبي گێ ، وقد تقدم ما يدل على ذلك ؛ من كونها علمت سبب خطأ من قال
بخلاف قولها .
وأيضًا مما يدل على كون عائشة رضي الله عنها علمت من كفن النبي وَير
ما لا يعلمه كثير من الصحابة ، ما أخرجه البخاري (٢) عن عائشة رضي الله
عنها قالت: دخلت على أبي بكر فقال: في كم كفنتم النبي وَلقر؟ قالت:
في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة ... الحديث.
وفي سؤال أبي بكر ﴾ لها رضي الله عنها ما يبين ما ذكرناه قبل من أنها
علمت من ذلك ما خفي على كثير من الصحابة﴾، ولو كان أبو بكر ۶﴾ يعلم
خلاف ما قالت ابنته عائشة رضي الله عنها لذكر ذلك. والله أعلم.
(١) جامع الترمذي (٣٢٢/٣).
(٢) صحيح البخاري، مع الفتح [ كتاب الجنائز (٣/ رقم ١٣٨٧)].

٣٣٠
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
...
الفصل التاسع : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه:
٥٣- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: «إذا أحب العبد لقاء الله ،
أحب الله لقاءه ، وإذا كره العبد لقاء الله ، كره الله لقاءه»، فذكر ذلك
لعائشة رضي الله عنها فقالت : يرحمه الله ؛ حدثكم بآخر الحديث، ولم
يحدثكم بأوله، قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله وَله: ((إذا
أراد الله بعبد خیرًا بعث إليه ملگًا في عامه الذي يموت فيه ، فيسدده
ویبشره، فإذا كان عند موته ، أتی ملك الموت فقعد عند رأسه ، فقال :
أيتها النفس المطمئنة؛ اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، وتتهوع(١)
نفسه رجاء أن تخرج، فذلك حين يحب لقاء الله ويحب الله لقاءه ، وإذا
أراد بعبد شرًا ، بعث إليه شيطانًا في عامه الذي يموت فيه فأغواه ، فإذا
کان عند موته، أتاه ملك الموت فقعد عند رأسه ، فقال : أيتها النفس ؛
اخرجي إلى سخط من الله وغضب ، فتفرق في جسده، فيسترطه ، فذاك
حين يبغض لقاء الله ويبغض الله لقاءه)».
رواه أحمد(٢) مختصرًا، والدار قطني في الأفراد (٣) - واللفظ له - ، كلاهما
من طريق محمد بن فضيل بن غزوان الضبي مولاهم، عن عطاء بن السائب،
عن مجاهد، عنه به .
(١) تتهوع : أي تتقيأ . والمٌوَاع: القيء . النهاية في غريب الحديث (٢٨٢/٥).
(٢) المسند (٢/ ٤٢٠).
(٣) ساق إسناده مختصرًا ومتنه الزركشي في الإجابة (ص ١١٣)، وعزاه أيضًا الحافظ ابن حجر إلىعبدبن
حميد. فتح الباري (١١ / ٣٦٧)، والمتقي الهندي عزاه أيضًا إلى كتاب ذكر الموت لابن أبي الدنيا .
کنز العمال (٦٩٥/١٥-٦٩٦).

٣٣١
الباب الرابع : باب الجنائز
وقوله : «يَسْتَرِطْه)»: أي يبتلعه. ومنه المثل: (( لا تكن حلوًا فتسرط ،
ولا مرًا فتعقی)»(١).
قال الدارقطني : غريب من حديث مجاهد ، عن أبي هريرة وعائشة
رضي الله عنهما ، تفرد به عطاء بن السائب عنه ، ولا أعلم حدث به عنه غير
محمدبن فضیل .
وعطاء السائب قد اختلط(٢)، ولم یذکر محمد بن فضيل فیمن سمع منه قبل
الاختلاط. والظاهر من كلام الأئمة أنه ممن سمع منه بعد الاختلاط .
وقد قال أبو حاتم : ما روى ابن فضيل عن عطاء بن السائب ففيه غلط
واضطراب؛ رفع أشياء كان يرويها عن التابعين، فرفعها إلى الصحابة(٣).
فمما تقدم یتبین أن إسنادهذاالحديث ضعيف.
وقد جاء نحو هذا الحديث من وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها، إلا أنه
ذكر ابن مسعود﴾بدلاً من أبي هريرة﴾.
فقد أخرج عبد الرزاق(٤)، عن الثوري ، عن الأعمش ، عن أبي عطية
الوادعي، قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة رضي الله عنها فقلنا : إن ابن
مسعود قال : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، فقالت : يرحم الله أبا
عبد الرحمن؛ حدثكم بحديث لم تسألوه عن آخره، وسأحدثكم عن ذلك: ((إن
الله إذا أراد بعبد خيرًا ... )) الحديث بنحو اللفظ السابق.
(١) لسان العرب، مادة (سرط)(٧/ ٣٠٣). وانظر في شرح هذا المثل رسالة للسخاوي، سماها: ((الجواب
الذي انضبط عن لا تکن حلوًا فتسترط».
(٢) انظر : الكواكب النيرات (ص ٣١٩).
(٣) انظر: الجرح والتعديل (٣٣٤/٦).
(٤) المصنف (٣/ ٥٨٧).

٣٣٢
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
وهذا الإسناد منقطع بين الأعمش وأبي عطية ، كما هو ظاهر من تاريخ
وفاة أبي عطية وولادة الأعمش ، وسوف يأتي(١) أن الأعمش يروي عن
أبي عطية بواسطة ، ويأتي هناك أن أبا عطية لما دخل على عائشة رضي الله عنها
ومسروقإنما ذكراها تعجيل ابن مسعود﴾ للفطر.
فالذي يظهر لي أن الحديث بهذا الإسناد ضعيف منكر . والله أعلم.
وقد عارض ما تقدم عن عائشة رضي الله عنها ما رواه مسلم(٢) وغيره عن
شريح بن هاني، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: ((من أحب لقاء الله
أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»، قال : فأتيت عائشة رضي الله
عنها فقلت : يا أم المؤمنين؛ سمعت أبا هريرةیذکر عنرسول الله(ێ﴾ حديثاً،
إن كان كذلك فقد هلكنا، فقالت: إن الهالك من هلك بقول رسول الله القادر،
وليس بالذي تذهب إليه ، ولكن إذا شخص البصر ، وحشرج الصدر ،
واقشعر الجلد، وتشنجت الأصابع، فعند ذلك : من أحب لقاء الله أحب الله
لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه.
ولذا كانت عائشة رضي الله عنها تقول : الموت قبل لقاء الله(٣)، و کذا قال
ابن مسعودټ﴾(٤).
(١) الفصل الثالث من الباب السادس (ص ٣٨٠).
(٢) صحيح مسلم [ كتاب الذكر والدعاء والتوبة (٢٠٦٦/٤)].
(٣) السابق نفسه، وانظر: فتح الباري (١١/ ٣٦٧).
(٤) معجم الطبراني الكبير (٩/ ١٧٨).

٣٣٣
الباب الرابع : باب الجنائز
وما ذكرته عائشة رضي الله عنها لشريح بن هاني في هذا الحدیث قدتلقتهمن
النبي ◌َّ؛ فقد روى مسلم (١) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله
وَاله: ((من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه»،
فقلت : يا نبي الله ؛ أكراهية الموت، فكلنا نكره الموت، فقال: «ليس كذلك،
ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته ، أحب لقاء الله ، فأحب الله
لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله، وكره الله لقاءه».
وقدروى حديث: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ... )) الحديث، أيضًا
عبادة بن الصامت(٢)، وأبو موسى الأشعري(٣)، ورجل من الصحابة لم يسم
﴾(٤) . والله أعلم.
(١) صحيح مسلم [ كتاب الذكر والدعاء (٤ / ٢٠٦٥)]، وانظر: صحيح البخاري، مع الفتح [ !
کتاب الرقاق (١١ / رقم ٦٥٠٧)].
(٢) انظر: صحيح البخاري [ كتاب الرقاق (١١ / رقم ٦٥٠٧)]، وصحيح مسلم [ كتاب الذكر
والدعاء (٢٠٦٥/٤)].
(٣) انظر: صحيح البخاري [ كتاب الرقاق (١١ / رقم ٦٥٠٨)]، وصحيح مسلم [ كتاب الذكر
والدعاء (٤/ ٢٠٦٧)].
(٤) مسند أحمد (٢٥٩/٤-٢٦٠)، وسنده قوي كما قال الحافظ. فتح الباري (١١/ ٣٦٥).

الباب الخامس
السنن التي استدركها بعض الصحابة على بعض في باب الزكاة والصدقة
الفصل الأول: زكاة الفطر
الفصل الثاني : ما أعطى الرجل امرأته فهو صدقة

٣٣٧
الباب الخامس : باب الزكاة والصدقة
الباب الخامس
السنن التي استدركها بعض الصحابة على بعض في باب الزكاة والصدقة
الفصل الأول: زكاة الفطر:
٥٤ - عن عياض بن عبد الله بن أبي السرح ؛ أن معاوية ﴾ لما جعل نصف
الصاع من الحنطة عدل صاع من تمر ، أنكر ذلك أبو سعيد الخدري «،
وقال: لا أخرج فيها إلا الذي كنت أخرج في عهدرسول الله ێ؛ صاعًا
من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط .
رواه البخاري(١)، ومسلم(٢) - واللفظ له -، وأبو داود(٣)، والترمذي(٤)،
والنسائي(٥)، وابن ماجه(٦)، وأحمد(٧)، كلهم من طرق به.
وفي لفظ لمسلم وأبي داود وابن ماجه، قال أبو سعيد : فأما أنا فلا أزال
آخر جہ کما کنت أخرجه أبدًا ماعشت.
ولفظ البخاري وغيره: كنا نعطيها في زمان النبي ◌َِّ صاعًا من طعام،
أو صاعًا من تمر ، أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب ، فلما جاء معاوية
وجاءت السمراء قال: أری مدًا من هذا يعدلمدین.
(١) صحيح البخاري، مع الفتح [ كتاب الزكاة (٣/ رقم ١٥٠٨)].
(٢) صحيح مسلم [ كتاب الزكاة (٦٧٩/٢)].
(٣) سنن أبي داود [ كتاب الزكاة (٢/ ٢٦٧-٢٦٨)].
(٤) جامع الترمذي [ كتاب الزكاة (٥٩/٣)].
(٥) سنن النسائي [ كتاب الزكاة (٥١/٥-٥٢)].
(٦) سنن ابن ماجه [ كتاب الزكاة (١/ ٥٨٥)].
(٧) المسند (٣/ ٩٨،٧٣).

٣٣٨
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
والسمراء هي القمح الشامي(١).
وأما الطعام المذكور في هذه الرواية، فقد قيل: هو الحنطة.
وقد حكم ابن المنذر وغيره بالغلط على هذا التفسير (٢)، ويؤيد ذلك أن أبا
سعيد ه قد فسر الطعام فقال: كان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر.
فيكون عطف الطعام على غيره من باب عطف الخاص على العام.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر احتمالاً آخر ، وهو أن يكون المراد بالطعام
الذرة(٣).
وفي هذا الحديث استدراك أبي سعيد الخدري ﴾ على معاوية ﴾ في مقدار
زكاة الفطر في الحنطة، وهي البر ، فكان أبو سعيدهیری أنها صاع كامل ، بينما
جعل معاوية # مقدار زكاة الفطر في البر نصف صاع ؛ لأنه عنده یعدل صاعًا
من غيره.
وذلك أن الحنطة لم تکن قوتًا للناس في عهد النبي ێ لقلتها ، فلما كان زمن
الصحابة كثرت وصارت للناس قوتًا، فاختلف نظر الصحابة ﴿ فيها(٤)،
ومن هؤلاء الصحابة أبو سعيد ومعاوية رضي الله عنهما كما سبق.
وبهذا يعلم أن ما جاء في بعض روايات حديث أبي سعيد ﴾ أنهم كانوا
يخرجون في زمن النبي ٹے صاعًا من حنطة، أنها رواية غير محفوظة كما قال أبو
داود(٥) وابن خزيمة(٦) لسببين، هما :
(١) فتح الباري (٤٣٨/٣)، وانظر: النهاية في غريب الحديث (٣٩٩/٢).
(٢) فتح الباري (٤٣٦/٣).
(٣) المرجع السابق (٤٣٧/٣).
(٤) السابق نفسه .
(٥) سنن أبي داود (٢٦٩/٢).
(٦) صحيح ابن خزيمة (٤ /٩٠).

٣٣٩
الباب الخامس : باب الزكاة والصدقة
الأول: ما سبق من أن الحنطة لم تكن مما يخرج في زكاة الفطر في عهد رسول الله
وَّله ، وقد قال ابن عمر رضي الله عنهما: لم تكن الصدقة على عهد
رسول الله ◌َ له إلا التمر والزبيب والشعير، ولم تكن الحنطة . رواه ابن
خزيمة(١) بإسناد حسن.
الثاني: لو كان عند أبي سعيد # إخراج صاع من حنطة في زمن النبي وَلقر
لاستدل به على معاوية ، ولم يحتج إلى القياس على التمر والشعير
٨ وغيرهما(٢).
ويقال مثل ذلك في رواية سفيان بن عيينة ، عن ابن عجلان، عن عیاض،
به، وزاد: «أو صاعاً من دقيق». رواه النسائي(٣).
ثم شك سفيان فقال : دقیق أو سلت.
والسلت: نوع من الشعير على الصحيح (٤).
قال أبو داود : هذه الزيادة وهم من ابن عیینة ، لما سبق(*)، وقد ذکر أبو
داود أن ابن عيينة ترك هذه الرواية.
وکذلك يعلم أن ما جاء في بعض روايات حديث أبي سعيد﴾أنهم كانوا
يخرجون في عهد رسول الله وَ لا نصف صاع من بر، أنها وهم كما قال أبو داود(٦)،
وذلك لسببين أيضًا:
(١) صحيح ابن خزيمة (٤/ ٨٥).
(٢) انظر: حاشية السندي على سنن النسائي (٤٧/٥).
(٣) سنن النسائي [ كتاب الزكاة (٥/ ٥٢)].
(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث (٣٨٨/٢).
(٥) سنن أبي داود (٢٦٩/٢).
(٦) السابق نفسه .

٣٤٠
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
الأول: كالسبب الأول السابق ذكره.
الثاني: أنه لو كان عند أبي سعيد ﴾ إخراج نصف صاع من بر في زمن النبي وَّل
.
لما استدرك ذلك على معاوية هـ
فإذا تبين ذلك؛ فقدوردت أحاديث وآثار في ظاهرها أن الذي عدل نصف
صاع من حنطة هو النبي قطار والخلفاء الراشدون﴾.
أما الأحاديث، فهي كالتالي:
١ - حديث ثعلبة بن أبي صُعَير(١)، وقيل : عبد الله بن ثعلبة : ومدار هذا
الحدیث على الزهري، وقد جاء عنهمسندًا ومرسلاً .
أما المسند فقد اختلف علیه کما یآتي :
أ - النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ثعلبة بن أبي صعیر ، عن أبيه، عن
النبي ◌َ له.
رواه أبو داود(٢)، وأحمد(٣)، وابن أبي عاصم(٤)، والطحاوي(٥)،
والدار قطني(٦)، والبيهقي(٧)، كلهم من طرق به .
ولفظ أبيداود:«صاع من بر أو قمح عن كل اثنین؛ صغير أو كبير،
حر أو عبد، ذكر أو أنثى، أما غنیکم فیزکیه الله، وأما فقیر کم فيرد الله
تعالى عليه أكثر مما أعطى)».
(١) بضم الصاد وفتح العين المهملة. الإكمال (١٨٢/٥).
(٢) سنن أبي داود [كتاب الزكاة (٢٧٠/٢)].
(٣) المسند (٤٣٢/٥).
(٤) الآحاد والمثاني (١/ ٤٥١)، (٦٦/٥).
(٥) شرح معاني الآثار (٤٥/٢).
(٦) سنن الدراقطني (٢/ ١٤٧-١٤٨).
(٧) السنن الكبرى (١٦٧/٤).