Indexed OCR Text

Pages 21-40

الباب الأول
الإِمام العجلى : حياته ومكانته العلمية
عصر العجلى :
ولد الإِمام العجلى بالكوفة عام ١٨٢ هـ ونشأ ببغداد وسمع بالكوفة والبصرة
وغيرهما ومات فى طرابلس الغرب عام ٢٦١ هـ بعد عمر بلغ ثمانين سنة . ولاشك
أنه عاصر فى هذه الحقبة من الزمن حوادث سياسية وفكرية هامة يكون لها التأثير
العظيم فى حياة الأشخاص والجماعات .
فقد ولد العجلى فى عهد الخليفة العباسى هارون الرشيد
(١٧٠ - ١٩٣هـ ) وتلاه كل من الخلفاء :
١٩٣ - ١٩٨ هـ
الأمين
١٩٨ - ٢١٨ هـ
المأمون
٢١٨ - ٢٢٧ هـ
المعتصم
٢٢٧ - ٢٣٢ هـ
الواثق
٢٣٢ - ٢٤٧ هـ
المتوكل
٢٤٧ - ٢٤٨ هـ
المنتصر
٢٤٨ - ٢٥٢ هـ
المستعين
٢٥٢ - ٢٥٥ هـ
المعتز
المهتدى
٢٥٥ - ٢٥٦ هـ
المعتمد
٢٥٦ - ٢٧٩ هـ
ففى الفترة الأولى من حياة العجلى ، نرى أن الخلافة العباسية كانت قوية
ظاهرة على الأعداء ، فقد كان الرشيد يقضى حياته غازيا مجاهداً وحاجاً فى سبيل
الله تعالى ، ولعل من أوضح الأدلة على قوة الخلافة ماجرى بين الخليفة ونقفور
٢١

ملك الروم الذى كتب إلى الخليفة بنقض العهد وهدده بالحرب ، فلم يكن من
الخليفة سوى أن كتب على ظهر خطابه ( بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير
المؤمنين إلى نقفور كلب الروم ، قد قرأت كتابك ياابن الكافرة والجواب ماتراه
لا ما تسمعه ) (١) .
ثم خرج بجيش عظيم وفتح مدناً عديدة من أرض الروم وواصل المعتصم
غزوهم وعلى الرغم من الاضطرابات العظيمة التى حدثت بين الأمين وأخيه
المأمون ، ومع أن الخلفاء من المأمون إلى الواثق أضاعوا كثيراً من الجهود والطاقات
فى مسألة خلق القرآن ، كانت هيبة الخلافة قائمة داخليا وخارجيا . ولكن الأتراك
الذين جلبهم المعتصم قوى نفوذهم فيما بعد حتى أصبحوا يتحكمون فى مصير
الخلفاء أنفسهم يخلعون هذا ويقتلون ذلك ، والمتوكل نفسه أصبح ضحية لهذه
الفتنة ، أما الذين أتوا من بعده فإنهم لم تكن لهم قيمة سوى ما كان ينادى بأسمائهم
على المنابر فى الخطب ، ومصائرهم كانت مرهونة بيد الأتراك الذين لم يكونوا
ينفكون من مؤامرة إثر مؤامرة .
وإذا نظرنا إلى الحالة الفكرية فى ذلك العصر ، نرى أن السنة كانت ظاهرة
منذ عصر الصحابة رضى الله عنهم ، وعلى الرغم من أن بعض الاتجاهات الفكرية
المنحرفة قد ظهرت قبل عصر العجلى كالخوارج والشيعة والقدرية ، وعلى الرغم
من أن الجهمية والمعتزلة كانوا قد رفعوا عقیرتهم ، إلا أن تأثيرهم کان محدودا
جدا ، وكانت السنة هى السائدة الغالبة على مستوى الأمة ، وحتى على مستوى
الدولة . إلى أن أظهر المأمون ميله إلى الاعتزال ودعا الناس إلى القول بخلق
القرآن .
وكان الخلفاء قبل المأمون ينكرون هذه المقالة فقد ذكر المؤرخون أن
هارون الرشيد بلغه عن بشر المريسى القول بخلق القرآن فقال: ((لئن ظفرت به
لأضربن عنقه )) (٢) .
(١) تاريخ الخلفاء ض : ٢٦٨.
(٢) سير أعلام النبلاء ١١ / ٢٣٦، تاريخ الخلفاء ص : ٢٦٤.
٢٢

وحتى فى عصر الأمين كان الأمر على ذلك فقد قال الإِمام أحمد بن حنبل :
((إنى لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره على إسماعيل بن علية ، فإنه أدخل عليه
فقال له : ياابن الفاعلة أنت الذى تقول: كلام الله مخلوق)) (١).
إلا أن المأمون استجلب كتب الأوائل وعرب حكمة اليونان ، وأثر عليه
القاضى أحمد بن أبى دواد - أحد كبار زعماء المعتزلة - فقبل أفكار المعتزلة
واعتقد القول بخلق القرآن وظن أنه هو التوحيد وما سوى ذلك شرك وكفر .
وأراد إجبار الناس على هذا القول فى سنة ٢١٢ هـ . ولكنه خاف الفتنة فسكت
مدة (٢) ثم عاد فى سنة ٢١٨ هـ فامتحن الناس بالقول بخلق القرآن فكتب إلى نائبه
على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعى وأمره بامتحان العلماء وإجبارهم على
الإِقرار بهذا القول ، وأحضر العلماء والمحدثون فمنهم من أقر القول به ظاهرا خوفا
من الفتنة وعملا بقوله تعالى ( إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (٣) ومنهم من
ثبت فعذب وحبس وقتل أو مات مكبلا بالحديد فى سجنه ، واستمرت هذه الفتنة
العمياء والداهية الدهياء ، ما يقارب ستة عشر عاماً ، شملت خلافة المأمون
والمعتصم والواثق، ولم يرفعها إلا المتوكل سنة ٢٣٤ هـ.
وكان الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - من أشد من أُوذى فى هذه الفتنة ،
فعاش محبوسا فى السجن ما يقارب ثمانية وعشرين شهراً بدءاً من آخر خلافة
المأمون ، ثم اشتد عليه العذاب فى أوائل خلافة المعتصم ولكنه صبر وثبت على
الحق حتى نصره الله وخضعت له رؤوس الجبابرة فأطلق سراحه ، ولكنه لم يزل
يواجه أنواعا من المضايقات والدسائس بين حين وآخر ، حتى فى خلافة المتوكل
الذى رفع هذه المحنة .
ومن الذين استشهدوا فى هذه الفتنة عبد الأعلى بن مسهر الدمشقى
وأحمد بن نصر الخزاعى ونعيم بن حماد الخزاعى ويوسف بن يحيى البويطى
ومحمد بن نوح العجلى (٤).
(١) تاريخ الخلفاء ص : ٢٨١ .
(٢) تاريخ الخلفاء ص : ٢٨٦.
(٣) النحل : ١٠٦ .
(٤) للتفصيل راجع: سير أعلام النبلاء ١١ / ٢٢٦ - ٣٥٨، طبقات الشافعية
الكبرى ٢ / ٣٧ - ٦٣، مناقب الإمام أحمد لابن الجوزى ٣٨٥ - ٣٨٧.
٢٣
!

وعلى الرغم من أن كل الظروف السياسية والفكرية كانت تعكر صفو حياة
العلماء ، وتشغلهم من الانكباب على ما نذروا أنفسهم من أجله ، كان عصر
العجلى عصراً ذهبياً من حيث العلم ، ولا سيما علم الحديث وتحقيقه وتدوينه .
ففى هذا العصر دوّنت أهم الكتب المؤلفة فى الحديث كمسند الإمام أحمد
وصحيحى البخارى ومسلم وغيرها .
وفى مجال النقد والتحقيق كان الأئمة يحيى بن معين وأبو حاتم وأبو زرعة
ويعقوب بن سفيان الفسوى وأمثالهم يقطعون الأرض بحثاً وتحقيقاً عن الرجال
والرواة ثقاتهم وضعفائهم ، عدولهم ومجروحيهم . ولعل نظرة واحدة على شيوخ
الإِمام العجلى تبين ماهذا العصر من الأهمية فى مجال العلم والثقافة .
المغرب العربى ووضعه العلمى والفكرى فى عصر العجلى :
أجمع المترجمون للإِمام العجلى بأنه هاجر من بغداد وسكن طرابلس الغرب ،
وعاش هناك إلى أن توفاه الله تعالى .
وقالوا أيضا : بأنه غادر بغداد فى ظروف المحنة وطلباً للتفرد والتفرغ
للعبادة . ولا ندرى متى كانت هذه الهجرة بالتحديد ، إلا أن العجلى كان
موجوداً فى الشرق بعد إعتقال الإِمام أحمد ، وقد زاره فى صور وكان ذاك فى عام
٢١٨ هـ وهى آخر سنة من خلافة المأمون . فيمكن أن الإِمام العجلى سافر فى
السنة نفسها أو بعدها ؛ وكانت طرابلس آنذاك تحت إمارة الأغالبة الذين ورثوا
الإمارة من جدهم الأعلى إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال التميمى ، حيث
وافق المأمون على توليه إمارة شمال أفريقية . والغالب أن الإِمام العجلى عاصر منهم
الأمراء التاليين :
- زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب ٢٠١ - ٢٢٣ هـ
وهو زيادة الله الأول وهو الذى بعث القاضى أسد بن الفرات لغزو
صقلية .
- الأغلب بن إبراهيم بن محمد بن الأغلب ٢٢٣ - ٢٢٦ هـ
- محمد بن إبراهيم بن محمد بن الأغلب ٢٢٦ - ٢٤٢ هـ
وهو الذى أسند قضاء أفريقية إلى الإِمام سحنون بن سعيد .
- أحمد بن محمد بن الأغلب ٢٤٩ هـ
٢٤

.-
- زيادة الله بن الأغلب الثانى وقد توفى ٢٥٠ هـ
- محمد بن أحمد بن الأغلب وقد توفى ٢٦١ هـ .
وهذه هى السنة التى توفى فيها الإِمام العجلى أيضاً ، واستمرت إمارة .
الأغالبة فى تونس وشمال أفريقية بعده إلى زيادة الله بن الأغلب ، وهو زيادة الله
الأصغر الذى هُزم جيشه بيد أبى عبد الله الشيعى ، الذى مهد الحكم للعبيديين
الباطنيين ، وحينذاك هرب زيادة الله حتى وصل دمشق عام ٣٠٢ هـ . ومات
بالرملة عام ٣٠٤ هـ . بذلك انتهى عهد الأغالبة وقامت دولة الفاطميين فى تونس ثم
انتقلت إلى مصر فيما بعد (١) .
ومع أن الخلافة العباسية كانت لها السلطة الرسمية على المنطقة ، إلا أنها
بسبب بعدها عن مراكز العالم الإسلامى العلمية ، وانتشار الجهل فى قبائل البربر ،
كانت مسرحا لكثير من الدعوات السياسية المناوئة والقلاقل والفتن التى كانت
تحدث بين حين وآخر ، فقد قامت دعوات الخوارج الأباضية والصفرية ، كما
انتشرت دعوة الفاطميين الشيعية وأصحاب ابن تومرت الذى ادعى المهدية .
ومن جهة أخرى فلم تكن المنطقة بمأمن من المحنة فى خلق القرآن وإكراه
الناس عليها ، وقد كانت أفكار المعتزلة قد سبقت العجلى إلى هذه الناحية ، فهذا
فقيه القيروان أبو محمد عبد الله بن فروخ الفارسى (٢) يُسأل عن المعتزلة فقال
للسائل : وما سؤالك عن المعتزلة ؟ فعلى المعتزلة لعنة الله قبل يوم الدين وفى يوم
الدين وبعد يوم الدين وفى طول دهر الداهرين . فقال له : وفيهم قوم صالحون !
فقال: ويحك وهل فيهم رجل صالح ؟ (٣) .
(١) للتفصيل راجع: المؤنس فى أخبار تونس ( ٤٦ - ٥٥)، إتحاف أهل الزمان
بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان ( ١٣٢ - ١٤٠)، تاريخ الفتح العربى فى ليبيا
( ١٤٦ - ١٥٠) وترجمة زيادة الله الأصغر أيضاً فى: وفيات الأعيان ٢ / ١٩٣، فوات
الوفيات ٢ / ٣٣ تهذيب تاريخ دمشق ٥ / ٣٩٨ .
(٢) ولد ابن فروخ بالأندلس ١١٥ هـ سكن القيروان وتوفى بمصر ١٧٥ هـ أو بعده
ترجمته فى ترتيب المدارك ٣ / ١٠٢ - ١١٢ طبعة الرباط، والتهذيب ٥ / ٣٥٦.
(٣) ترتيب المدارك ٣ / ١١٨، طبعة الرباط .
٢٥

وكان العلماء والمحدثون من أصحاب مالك وغيرهم من أشد الناس عداء
لأقوال المعتزلة وأفكارهم ، ومع ذلك فقد اتخذ أحد الأمراء الأغالبة القول بخلق
القرآن دينا رسميا وخطب به بالقيروان ، وأخذ الناس بالمحنة بالقرآن . وإذا كان
القاضى ابن أبى دُؤاد ينكل بالمحدثين وأئمة الدين أشد التنكيل ، ويكرههم على
الاعتراف بخلق القرآن فى بغداد ، فقد كان القاضى ابن أبى الجواد يلعب بالدور
نفسه فی قیروان وغيرها .
قال القاضي عياض :
(( ولما ولى أحمد بن الأغلب (١) الإمارة وأخذ الناس بالمحنة بالقرآن توجه
سحنون إلى عبد الرحيم الزاهد ... )) .
ثم ذكر قصة اختفاء سحنون (٢) وإحضاره عند الأمیر ویحکی ما جرى
عند الأمير بقوله :
((فلما وصل إلى الأمير جمع له قواده وقاضيه ابن أبى الجواد وغيره وسأله
عن القرآن فقال سحنون : أما شىء أبتديه من نفسى فلا . ولكنى سمعت من
تعلمت منه وأخذت عنه كلهم يقولون : القرآن كلام الله غير مخلوق )) .
فقال ابن أبى الجواد : كفر ، فاقتله ودمه فى عنقى .
وقال مثله غيره ممن يرى رأيه .
وقال بعضهم : يقطع أربعاً ويجعل كل ربع بموضع بالمدينة ويقال هذا جزاء
-
من لم يقل بكذا . انتهى .
(١) كذا فى ترتيب المدارك، ولكنه عند ذكر وفاة سحنون ذكره بأسم
((محمد بن الأغلب)) ولعله هو الصواب . والله أعلم .
(٢) هو أبو سعيد عبد السلام بن سعيد التنوخى وسحنون لقبه . توفى فى رجب
٢٤٠ هـ وترجمته فى: ترتيب المدارك ٣ / ٤٥ - ٨٨، الديباج المذهب ٢ / ٣٠، مرآة
الجنان ٢ / ١٣١ وغيرها.
٢٦
.--

ولم ينج سحنون من هذه العقوبة إلا برأى من بعض من كان يتعاطف معه
من رجال الأمير فأخذ عليه الضمان ونودى بالقيروان أن لايُفتِى ولا يُسمِع أحداً
ويلزم داره (١) .
إلا أن الأيام سرعان ما انقلبت فعزل القاضى ابن أبى الجواد وتولى القضاء
سحنون . وكان ذلك فى سنة ٢٣٤ هـ . وحدث أن أخذ القاضى ابن أبى الجواد
فى قضية وسجن وضرب ومات وهو مسجون (٢).
ولما توفى سحنون صلى عليه الأمير محمد بن الأغلب ووجه إليه بكفن
وحنوط ، فاحتال ابنه محمد حتى كفن فى غيره وتصدق بذلك . ومع ذلك :
(( استعفى رجال ابن الأغلب من الصلاة عليه وقالوا: قد علمت ما بيننا وبينه وأنه
يكفرنا ونكفره - لأن أكثرهم كانوا معتزلة - وإنما خرجنا طاعة لك ، فإن صلينا
عليه رأى الناس أنا رضينا حاله . فأعفاهم فتقدم وصلى فى عبيده وعامة أهل السنة
وجماعة المسلمين)) (٣).
والغالب أن هذه الفتن وقعت والإِمام العجلى فى طرابلس ، ولابد أنه ظل
يراقب ويتأثر بهذه الحوادث ، إلا أن الفتنة قد رُفِعَت أيام المتوكل فى سنة
٢٣٤ هـ . وهى السنة التى أسند القضاء فيها إلى سحنون . فلعل ذلك التغير
حدث فى الأغالبة بعد تغير اتجاه الدولة العباسية والخليفة فى بغداد . ويضاف إلى
ذلك ما كان يتمتع به سحنون وأصحابه من نفوذ شعبى قوى فى بلاد أفريقية .
وبالإضافة إلى المناقشات الفكرية التى كانت تتم بين المعتزلة وأهل السنة ، كانت
هناك مدرستان فكريتان بين أهل السنة أنفسهم فى بلاد المغرب العربى وأفريقية .
كما وصفهما فضيلة الشيخ محمد الشاذلى النيفر :
(١) وقد حدث أيضاً أن سحنون حضر جنازة فتقدم القاضى ابن أبى الجواد ليصلى
عليها فرجعٍ سحنون ولم يصل خلفه ، فبلغ ذلك الأمير زيادة الله فأمر أن يوجه إلى عامل
القيروان بأن يضرب سحنون خمسمائة سوط ويحلق رأسه ولحيته .
إلا أن هذا الحكم لم ينفذ خوفا مما كان يتمتع به أصحاب مالك من نفوذ شعبى .
ترتيب المدارك ٣ / ٧٠ .
(٢) ترتيب المدارك ٤ / ٦٥.
(٣) المصدر السابق ٤ / ٨٥ .
٢٧

(( وأراد بعض علماء قفصة أن يزاحم هذه المدرسة السحنولية المالكية
بمدرسة أخرى . وهى المدرسة الحديثية وهى مدرسة مالك بن عيسى القفصى فإنه
وصل إلى المشرق طلباً للحديث .
ويقول ابن حارث فيه: وسمعت من يقول: ((لو عاش مالك القفصى.
قليلا ، وامتد به العمر لغلب على أهل القيروان علم الحديث)) (١) .
ومن حرصه على نشر الحديث ، ما ذكره ابن حارث أن أبا العباس البيانى .
أتى مالك بن عيسى القفصى ، وقال : حدثنى ولا تحدثنى إلا بما يوافق مذهبى .
فعطف مالك بن عيسى على الناس وقال لهم : هذا رجل لا يحب أن يكون
عالماً)) (٢).
ومالك بن عيسى القفصى هذا يبدو أنه أخذ الحديث من الإِمام العجلى
مباشرة ، فقد ذكر الوليد بن بكر الأندلسى عن الحافظ أبى العرب التميمى أنه سأل :
مالكا هذا : من أعلم من رأيت بالحديث ؟ فقال : أما من الشيوخ ، فأبو الحسن
أحمد بن عبد الله بن صالح الساكن بطرابلس الغرب (٣) ..
وهذا يدل دلالة واضحة على أن العجلى له تأثير كبير فى نشأة وتطور
المدرسة الحديثية فى المغرب. وقد ذكر ابن الفرضى فى ((تاريخ علماء الأندلس )
كثيرا من الذين ارتحلوا إلى طرابلس الغرب للأخذ من الإِمام العجلى ، كما سيأتى
ذكرهم فى تلاميذه . والله أعلم .
(١) ذكره نقلا عن ((طبقات علماء إفريقية)) للخشنى.
(٢) ((علماء قفصة بين مدرستين)) ضمن كتاب ، تاريخ قفصة وعلمائها ض:
١٠٧ ومالك بن عيسى القفصى توفى سنة ٣٠٥ هـ ومن مؤلفاته: كتاب الأشربة ، كما ذكره
عمر رضا كحاله فى معجم المؤلفين ٨ / ١٦٩ . المشتبه ٥٣٣ .
. (٣) انظر مقدمة الوليد بن بكر فى هذا الكتاب. وتاريخ بغداد ٤ / ٢١٤
٢٨

بيت العجلی
إن بيت العجلى بيتٌ معروف عريق فى الإِسلام والعلم ، فهو وأبوه وجده
وأبناؤه كلهم من أهل العلم والفضل .
أبوه
وهو أبو صالح عبد الله بن صالح بن مسلم بن صالح العجلى الكوفى
المقرىء . له باع طويل فى التحديث وقراءة القرآن . وقد وصفه الذهبى بالإِمام
الثقة المقرىء .
روى عن : الحسن بن صالح ، وحماد بن سلمة وإسرائيل بن يونس ،
وابن أبى الزناد ، وحمزة الزيات ، وأبى خيثمة . وأبى الأحوص . وعلى بن حمزة
الكسائى ، وعبد الله بن إدريس . وعبد الله بن المبارك ، وغيرهم .
وروى عنه ابنه أحمد بن عبد الله العجلى صاحب هذا الكتاب : وأبو زرعة ،
وأبو حاتم، وإبراهيم بن إسحاق الحربى ، وغيرهم من كبار الأئمة . قال
الذهبى : حدث عنه خلق كثير . كانت له حلقة .
قال الأثرم عن أحمد : كان يحدث ببغداد ويقرأ، ما كتبت عنه وكأنه فيما
ظننت لم يعجبه .
وقال عبد الله بن أحمد : سألت أبى عنه فقال: ما أدرى ، ما كتبت عنه .
وكأنه لم يعجبه .
وروى ابن الجنيد عن ابن معين : ما أرى كان به بأس .
وروى ابن منصور عن ابن معين : ثقة .
ووثقه ابن خراش أيضا .
وقال أبو حاتم : صدوق كتبنا عنه .
وسئل أبو داود عن صالح بن مسلم فقال : هذا أبو عبد الله بن صالح الذى
كان فى مدينة أبى جعفر .
٢٩

وقال الوليد بن بكر الأندلسى: ((وأما عبد الله بن صالح فمن ثقات أئمة
أهل الكوفة ، صاحب قرآن وسنة . وقد أخرجه محمد بن إسماعيل البخارى فى
الصحيح فقال : ثنا عبد الله بن صالح المقرىء .
وقال الكتانى فى باب القضاة من تاريخه : سألت أبا حاتم عنه ، فقال : كان .
قاضياً . وسمعت أحمد بن عبدان الشيرازى الحافظ بالأهواز يقول فى المذاكرة :
كان عبد الله بن صالح قاضياً بشيراز .
وذكره ابن حبان فى الثقات وقال : مستقيم الحديث .
وسئل ابن معين عن ابنه أحمد فقال : ثقة ابن ثقة ابن ثقة .
وقال الدانى : أخذ عن العجلى القراءة ، عبدُ الله بن يزيد الحلوانى .
أما رواية البخارى عنه فقال فى تفسير سورة الفتح من صحيحه : عن :
عبد الله . ولم ينسبه فقال بعضهم : إنه هو عبد الله بن صالح العجلى ، ولكن رجع
ابن حجر أنه هو كاتب الليث .
وقال الذهبى : لم يقع لهذا الشيخ رواية فى الدواوين الستة .
قال ابن حجر فى التقريب : ثقة ، من التاسعة .
ولد سنة ١٤١ هـ . ومات سنة ٢١١ هـ حسب ما ذكر ابنه .
ولكن الذهبى قال : هكذا ضبط وفاة أبيه . فالله أعلم . فإن فى الرواة
المذكورين عن عبد الله من لم يسمع الحديث إلا بعد ذلك ، فلعله قال : مات سنة
إحدى وعشرين . ثم إنه قد ذكره ابن أبى حاتم فى كتابه ، وأن أبا زرعة وأبا حاتم
حدثا عنه . فأول رحلة أبى حاتم كانت فى سنة ثلاث عشرة وإنما ارتحل أبو زرعة
بعد ذلك . فليتأمل (١) .
(١) ترجمته فى : الجرح والتعديل ٥ / ٨٥، تاريخ بغداد ٩ / ٤٧٧ ، ثقات ابن
حبان ٨ / ٣٥٢، سير أعلام النبلاء ١٠ / ٤٠٣، ميزان الاعتدال ٢ / ٤٤٥، تذكرة
الحفاظ ١ / ٣٩٠، معرفة القراء الكبار ١ / ١٣٧، الكاشف ٢ / ٨٦، التهذيب
٥ / ٢٦١، التقريب ١/ ٤٢٣، غاية النهاية ١ / ٤٢٣، المعجم المشتمل ١٥٥، طبقات
الحفاظ ١٦٩، شذرات الذهب ٢ / ٢٧، سؤالات الآجرى أبا داود السجستانى فى ص:
١٧٤ .
٣٠

وقد جزم الذهبى فى الميزان بأن التاريخ المذكور خطأ .
وقال فى معرفة القراء الكبار : توفى قبل العشرين ومائتين (١).
جده :
وهو صالح بن مسلم العجلى . وكان ممن له دراية ومعرفة . فقد ذكر عنه
حفيده صاحب هذا الكتاب أنه كان يقال : لم يكن بالكوفة أحسب من سعيد بن
مسروق وصالح بن مسلم العجلى (٢) .
وروى المؤلف عن أبيه أنه قال: ((استخفى صالح بن مسلم فى منزل
سعيد بن مسروق أبى سفيان ، عند سفيان سنة)) . وكان مبارك بن سعيد يقول
لأبى عبد الله بن صالح : هذه غرفة أبيك .
وروى صالح عن الشعبى وروى عنه سفيان الثورى وشعبة وشريك ويحيى
ابن سعيد القطان وأبو عاصم النبيل وأبو عوانة وغيرهم .
وقال الوليد بن بكر الأندلسى : إنه فى عداد شيوخ الكوفة الثقات ، ويقال
إنه كان أعلم الناس بالحساب ، وهو من أقران سعيد بن مسروق الثورى
والد سفيان الثورى فى السن والفضل .
وقد سبق عن ابن معين أنه سئل عن حفيده فقال : هو ثقة ابن ثقة ابن ثقة .
وقد وثقه أيضاً الإِمام أحمد ويحيى بن سعيد القطان وابن نمير وغيرهم .
قال الإِمام العجلى: مات جدى صالح بن مسلم سنة أربع أو خمس وأربعين
ومائة وله ست وسبعون سنة وكان له أبوان فى الإِسلام (٣).
هذا وقد ذكر الإِمام العجلى استخفاء جده فى بيت سعيد بن مسروق
الثورى ولا أدرى ما هو سبب هذا الاستخفاء ، ولم أر من ذكره . وقد يكون له
علاقة بخروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن فى البصرة على الخليفة منصور
(١) ويؤيده ما ذكر ابنه أن سنه عند وفاته ستا وسبعين سنة ( ص ١٨٩ ) . فإذا
كانت ولادته فى ١٤١ هـ فإنه لا يكمل ستاً وسبعين سنة إلا فى ٢١٧ هـ . والله أعلم.
(٢) انظر الترجمة : ٧٥٤ .
(٣) انظر مقدمة الإِمام السبكى .
٣١
---
:
L

العباسى ، وقد وقعت معركة شديدة على مقربة من الكوفة فى عام ١٤٤ هـ و کان
خرج معه كثير من القراء والعلماء كما فى الشذرات (١). والله أعلم . فإن صح هذا
فيكون وفاته فى ١٤٥ هـ أقرب إلى الصحة (٢).
وإذا كانت وفاة جد العجلى فى سنة ١٤٥ هـ أو ١٤٤ عن ستة وسبعين
سنة . فهذا يعنى أنه ولد فى ٦٨ أو ٦٩ هـ فلابد أنه عاصر بعض الصحابة حيث
أن آخر من مات من الصحابة بالكوفة هو عبد الله بن أبى أوفى رضى الله عنه .
وقد مات فى ٨٦ هـ وقيل ٨٧ هـ وقيل ٨٨ هـ وقيل ٨٣ هـ (٣).
وإذا كان له أبوان فى الإِسلام وهما مسلم وصالح فقد يكون بعضهما
عاصر النبى معٍَّ، ولكن لم أجد أحدا من المترجمين للعجلى أشار إلى هذا. والله
أعلم .
أبناؤه :
١ - صالح بن أحمد، أبو مسلم .
وهو الذى روى هذا الكتاب عن أبيه ، فهو حامل علم أبيه ، كما
روى ابن أبى حاتم علم أبيه لا سيما كتابه العظيم الجرح والتعديل .
وصالح هذا كان معروفا بالعلم والتحديث فى أفريقية والأندلس . حيث
ذكر ابن الفرضى (٤) فى تراجم عديد من علماء الأندلس أنهم رحلوا إلى
المشرق وسمعوا منه . ومنهم :
(١) ص : ١ / ٢١٤.
(٢) ترجمته فى: تاريخ ابن معين ٢ / ٢٦٦، علل أحمد ١ / ١٠٠، ١:٦٣،
٢١٠، التاريخ الكبير ٤ / ٢٩٠، الجرح والتعديل ٤ / ٤١٣. سؤالات الآجرى أبا داود
السجستانى : ١٧٤ ثقات ابن حبان ٦ / ٤٦٤.
(٣) مقدمة ابن الصلاح ٢٧٠، التقييد والإيضاح ٣٠٥، تدريب الراوى
٢ /٠٢٣٠
(٤) هو أبو الوليد: عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدى القرطبى الحافظ الإمام الحجة =
٣٢

(١) أسد بن حيون بن منصور الجذامى ، من أهل استجة .
قال ابن الفرضى : رحل إلى المشرق فسمع من الشعرانى ....
ومن أبى مسلم بن أحمد بن صالح الكوفى وغيرهم .. وكان بصيرا
بالطب حدث عنه إسماعيل بن إسحاق وتوفى سنة ٣٦٠ هـ (١) .
(٢) مسلمة بن القاسم بن إبراهيم. من أهل قرطبة (( رحل إلى المشرق
فسمع بالقيروان من أحمد بن موسى .. وسمع بطرابلس من صالح بن
أحمد بن صالح الكوفى)) توفى سنة ٣٥٣ هـ (٢) .
(٣) أبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم بن يونس الصدفى الأندلسى توفى
٣٥٠ هـ من كبار المحدثين الأندلسيين وله كتاب كبير فى تاريخ
المحدثين .
قال الحافظ ابن حجر فى التهذيب : قال أبو عمر الصدفى فى تاريخه :
حدثنى أبو مسلم قال : أملى علىّ أبى قال : وأبو المثنى الوصانى شامى
تابعى ثقة (٣) .
= ٣٥١ - ٤٠٣ هـ قال ابن عبد البر: ((كان فقيها عالما فى جميع فنون العلم وفى الحديث وفى
الرجال ... )) .
تذكرة الحفاظ ٣ / ١٠٧٧، طبقات الحفاظ ٤١٨، البداية والنهاية ١١ / ٣٥١
شذرات الذهب ٣ / ١٦٨، وفيات الأعيان ٣ / ١٠٥، نفخ الطيب ٢ / ١٢٩.
(١) تاريخ علماء الأندلس ١ / ٧٤ .
(٢) تاريخ علماء الأندلس ٢ / ١٢٨.
وقد ذكر ابن الفرضى فى ترجمة محمد بن عبد الله بن عبد البر التجيبى المعروف
بالكشكيتانى (( أنه رحل إلى المشرق فسمع جماعة من المحدثين منهم محمد بن زبان وأبو مسلم
أحمد بن صالح))، هكذا وقع فى الكتاب المطبوع ولعل الصواب ((أبو مسلم بن أحمد بن
صالح)) فإن صح هذا فهو أيضاً من تلاميذ أبى مسلم. والله أعلم. ( ٢ / ٦١ ).
(٣) التهذيب ٤ / ٤٦٣، تاريخ علماء الأندلس ١ / ٤٣، جذوة المقتبس ص ١٢٥،
بغية الملتمس ١٨١، معجم الأدباء ٣ / ٥٠. الوافي بالوفيات ٦ / ٣٨٩.
٣٣
٢)

(٤) ومن تلاميذ صالح بن أحمد ، على بن أحمد بن زكريا بن الخصيب.
راوى هذا الكتاب عنه وستأتى ترجمته (١).
توفى أبو مسلم صالح بن أحمد فى جمادى الأولى سنة ٣٢٢ هـ . وصلى
عليه محمد بن سفيان السنى إمام الجامع بأطرابلس (٢) .
٢ - عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلى الكوفى الأطرابلسى .
٣ - يوسف بن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلى الأطرابلسى .
وقد ذكرهما الحموى (٣) وذكر أنهما ولدا فى أطرابلس بعد ما هاجر أبوهما
إليها ، وبها أولادهم وحديثهم كثير مشهور وبيتهم بيت المعرفة والدراية
والإكثار من الحديث (٤).
وقد اشتهرت كنية الإمام العجلى (بأبى الحسن ) ولا أدرى هل ( الحسن )
أحد أولاده أم أنه تكنى بهذه الكنية بسبب آخر ؟ .
(١) انظر ص : ٧٨ .
(٢) انظر ص : ١٨٩ .
(٣) شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد آلله الرومى الحموى البغدادى . ولد
٥٧٤ هـ ومات ٦٢٦ هـ من مؤلفاته معجم البلدان ومعجم الأدباء. ( شذرات الذهب
٥ / ١٢١، معجم المؤلفين ١٣ / ١٧٩ التكملة لوفيات النقلة ٣ / ٢٤٩ تاريخ إربل
١ / ٣١٩ ) .
(٤) معجم البلدان ١ / ٢١٧ .
٣٤

حياة العجلى (١)
ولادته :
ولد الإمام العجلى بالكوفة سنة ١٨٢ هـ وقد ذكره بنفسه إذ قال :
((طلبت الحديث سنة سبع وتسعين ومائة ، وكان مولدى بالكوفة سنة اثنتين
وثمانين ومائة)) (٢).
(١) ترجمة العجلى فى :
تاريخ بغداد
٤ / ٢١٤
تذكرة الحفاظ
٢ /٥٦٠
سيرة أعلام النبلاء
١٢ / ٥٠٥
العبر
٢ / ٢١
طبقات الحفاظ
٧ / ٧٩
الوافي بالوفيات
١ / ٧٣
غاية النهاية
٢ / ١٤١
مرآة الجنان
٢ / ١٧٣
كشف الظنون
٥٨٢
تاريخ التراث العربى
١ / ٢٢٢
معجم المؤلفين
١ / ٢٩٤
بحوث فى تاريخ السنة
٩٨٫٩٧
موارد الخطيب البغدادى
٣١١
هدية العارفين
١ / ١٤٩
(٢) انظر مقدمة السبكى (ص ١٨٨) وقد ذكره الخطيب البغدادى فى تاريخ
بغداد ( ٤ / ٢١٥ ) وهكذا ورد تاريخ ميلاده فى تذكرة الحفاظ وسير أعلام النبلاء ،
وطبقات الحفاظ . وقد وقع فى تاريخ التراث العربى لفؤاد سزكين ومعجم المؤلفين أنه ولد فى
١٨١ هـ. ولا أدرى ما مصدرهما ؟.
٣٥
٠
٢٤٢
شذرات الذهب

نشأته :
نشأ الإِمام العجلى فى بغداد . (١) حیث کان والده قد سکنها فى آخر
أيامه (٢).
ولاندرى متى انتقل والده إلى بغداد بالتحديد ، وما السبب الذى دعاه إلى
ذلك ؟ ولكن العجلى نص على أنه حضر جنازة حماد بن أسامة بالكوفة فى شوال
٢٠١ هـ كما نص على أنه لقى شبابة بن سوار الفزارى فى بغداد . وشبابة هذا توفى
فى مكة سنة ٢٠٦ هـ على أرجح الأقوال، وقيل فى ٢٠٤ هـ وقيل ٢٠٥ هـ فلغل
انتقال العجلى إلى بغداد كان بين سنتى ٢٠١ و ٢٠٦ هـ .
طلبه العلم :
لقد سبق عن العجلى أنه قال : طلبت الحديث سنة ١٩٧ هـ أى حينما كان
عمره خمس عشرة سنة .
وهذا يعنى أنه أكمل حفظ القرآن وتجويده قبل هذا السن لأن والده كان
من أئمة القراءة من أصحاب حمزة الزيات ، فلابد أنه ربى ولده على منهجه .
وطلب العجلى الحديث فى سن الخامسة عشرة على خلاف ماجرت عليه
عادة أهل الكوفة فإنهم كانوا لا يخرجون أولادهم لطلب الحديث صغاراً إلا عند
استكمال عشرين سنة: (٣) .
وقد سئل موسى بن إسحاق : كيف لم تكتب عن أبى نعيم ؟ .
فقال : كان أهل الكوفة لا يخرجون أولادهم فى طلب العلم صغارا حتى
يستكملوا عشرين سنة (٤) .
(١) نص عليه الخطيب فى تاريخ بغداد ٤ / ٢١٤ .
(٢) نص عليه الذهبى فى معرفة القراء الكبار ١ / ١٣٧.
(٣) المحدث الفاصل ١٨٦ - ١٨٧، فتح المغيث ٢ / ٨.
(٤) المحدث الفاصل ١٨٦ . الكفاية ١٠٤ .
٣٦

بينما كان أهل البصرة يبدؤون التحمل فى سن العاشرة فقط. وهذا كله
راجع إلى العادة فقط ، أما صحة السماع فلا يشترط فيه سن معين . كما قال
الرامهرمزى : فليس المعتبر فى كتب الحديث البلوغ ولاغيره . بل تعتبر فيه الحركة
والنضاجة والتيقظ والضبط (١) .
رحلاته وشيوخه ومن أدركهم ولم يكتب عنهم :
للإِمام العجلى رحلات كثيرة إلى مراكز العلم فى العالم الإِسلامى شرقاً
وغرباً وقد التقى بشيوخ كثيرين وفيما يلى أذكر من وقفت عليهم من خلال كتابه
وقد رتبتهم على البلدان ثم على التقدم فى الوفيات ، وذلك لكى نأخذ فكرة عن
مواعيد هذه الرحلات . كما أشير إلى رأى الإِمام العجلى فى شيوخه وعلاقته بهم ،
لما له من أهمية فى معرفة ملامح شخصيته وأفكاره . ولم أذكر فيهم إلا من روى
عنهم أو صرح بإدراكهم .
الكوفة :
وهى موطنه الأصلى وولد فيها ، ولابد أنه بدأ طلب الحديث بشيوخها
ومنهم :
١ - عبد الله بن صالح العجلى :
وهو والده ومن كبار أئمة القراءة والحديث ولاشك أن العجلى قد استفاد
منه كثيرا . ويظهر ذلك جليا من خلال كتابه . والعجلى يكثر الرواية عن
والده . وقد تقدمت ترجمته .
٢ - أبو أسامة حماد بن أسامة الكوفى :
قال العجلى : مات أبو أسامة فى شوال سنة ٢٠١ هـ ، وحضرت جنازته
وصلى عليه محمد بن إسماعيل بن على بن عبد الله بن عباس الهاشمى ، وكبر
عليه أربعاً .
(١) المحدث الفاصل ١٨٦، الكفاية ١١٣، شرح نخبة الفكر ١٦٥.
٣٧

٣ - يحيى بن آدم بن سليمان الأموى ت ٢٠٣ هـ :
قال العجلى : کان جامعا للعلم عاقلا ثبتا فى الحديث . وروى عنه فى ترجمة
سعید بن جبير .
٤ - عمر بن سعد بن عبيد أبو داود الحفرى ت ٢٠٣ هـ :
قال الذهبى فى سير أعلام النبلاء : لم يرحل .
قال العجلى : كوفى ، ثقة ، ثبت فى الحديث ، عابد صالح . روى عنه فى
مواضع عدة .
٥ - أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدى الزبيرى الكوفى . مات
بالأهواز سنة ٢٠٣ هـ .
روى عنه العجلى فى موضعين وقال : كوفى ثقة وكان يتشيع .
٦ - حسين بن على الجعفى الكوفى المقرى ١١٩ - ٢٠٣ هـ وقيل ٢٠٤ هـ .
روى عنه فى الثقات فى أكثر من موضع وترجم له ترجمة مفصلة وقال :
كان رجلا صالحا لم أر رجلا قط كان أفضل منه . وقال : لم نره
إلا مقعداً ، و کان يحمل فى محفة حتى يقعد فى مسجد على باب داره وربما
دعا بالطست فيال فى مكانه .
٧ - إسحاق بن منصور بن حيان الأسدى . ت ٢٠٤ أو ٢٠٥ هـ .
قال العجلى : كوفى ثقة متعبد رجل صالح وقد رأيته ولم أكتب عنه .
٨ - إسحاق بن منصور السلولى . ت ٢٠٤ أو ٢٠٥ هـ .
ذكره فى كتابه وقال : کوفی ثقة ، كان فيه تشيع وقد كتبت عنه .
٩ - محمد بن عبيد الطنافسى ولد فى ١٢٤ ومات ٢٠٤ هـ أو ٢٠٥ هـ وقيل
٢٠٣ هـ .
روى عنه فى الثقات فى أكثر من موضع دون أن يصرح بالطنافسى (١)
وقال : كوفى ثقة وكان عثمانيا وكان حديثه أربعة آلاف يحفظها .
(١) وقد روى العجلى فى ترجمة أبى هريرة خبرا فقال : حدثنا محمد بن عبيد ثنا
سفيان عن منصور الخ. فقال الهيثمى: (( إنه محمد بن عبيد القرشى الراوى عن مالك بخير
كذب )) والله أعلم .
٣٨

١٠ - محمد بن يعلى السلمى . أبو على الكوفى ولقبه زنبور . - ٢٠٥ هـ .
قال العجلى : كتبت عنه ، ترك الناس حديثه ويقال إنه جهمى .
١١ - جعفر بن عون العمرى المخزومى أبو عون الكوفى مات
٢٠٦ هـ أو ٢٠٧ هـ ، وهو ابن ٨٧ أو ٩٧ سنة . روى عنه العجلى فى
کتابه .
١٢ - يعلى بن عبيد بن أبى أمية الطنافسى . أبو يوسف الكوفى . ولد سنة
١١٧ هـ ومات ٢٠٩ هـ وقيل ٢٠٧ هـ وهو أخو محمد بن عبيد المذكور
آنفا .
روى عنه العجلى فى كتابه وقال : كوفى ثقة وكان حديثه أربعة آلاف
يحفظها .
١٣ - إسماعيل بن أبان الغنوى الخياط. ت ٢١٠ هـ . قال العجلى: أدر كناه ولم
نكتب عنه شيئا .
١٤ - محمد بن يوسف الفريابى ولد ١٢٠ هـ ومات ٢١٢ هـ .
وكان الفريابى نزل قيسارية الشام ، إلا أنه رحل إلى الكوفة وعاش هناك
فترة فقد قال أحمد : الفريانى سمع من سفيان بالكوفة وصحبه . وقال
العجلى : سنته كوفية . وقد روى عنه العجلى فى عدة مواضع فى كتابه .
وقال فى ترجمة أبى بكر الصديق رضى الله عنه : سألت الفريابي :
ما تقول : أبو بكر أفضل أم لقمان ؟ فقال : ما سمعت هذا إلا منك .
أبو بكر أفضل من لقمان رضى الله عنهما الخ .
١٥ - قبيصة بن عقبة السوائى، أبو عامر الكوفى مات ٢١٣ أو ٢١٥ هـ .
وقد روى عنه فی کتابه فى أكثر من موضع .
١٦ - عبيد الله بن موسى بن أبى المختار، باذام العبسى ، الكوفى ٢١٨ - ٢١٣
وقيل ٢١٤ هـ .
وقد روى عنه فى الثقات وذكر عنه أنه كان صاحب قرآن شجى
القراءة . وقال : مارأيت عبيد الله بن موسى رافعاً بصره إلى السماء ومارئى
ضاحكا قط .
٣٩

١٧ - أبو نعيم الفضل بن دكين الملائى الكوفى. ١٣٠ - ٢١٨.
وقيل ٢١٩ هـ .
روى عنه فی عدة مواضع. و کان أبو نعيم يسأله عن اسم شیخه مسدد بن
مسرهد فيخبر به فيقول : ياأحمد هذه رقية العقرب .
١٨ - عمر بن حفص بن غياث، أبو حفص الكوفى النخعى ت ٢٢٢ هـ .
روى عنه فى ترجمة معضد العجلى .
١٩ - جندل بن والق بن هجرس التغلبی ت ٢٢٦ هـ .
قال : أدركته ولم أكتب عنه .
٢٠ - أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعى الكوفى ١٣٤ أو ١٣٣ - ٢٢٧ هـ .
ذكر فى ترجمة العلاء بن منهال أن أحمد حدثه عنه .
٢١ - قاسم بن عبد الكريم العرفطى.
روى عنه فى موضعين ، ولاأدرى هل هو كوفى أم لا ؟ .
٢٢ - خالد بن عمرو أبو سعيد القرشى الكوفى. من التاسعة .
قال : ضعيف كتبنا عنه .
٢٣ - قطبة بن العلاء بن المنهال الكوفى .
قال : لم تطب نفسى أن أكتب عنه لأنه كان على شرط الكوفة .
وقد ضعفه البخارى وغيره .
٢٤ - إبراهيم السعدى .
قال: ((من ولد عمر بن سعد وقد رأيته)). ويمكن أن يكون إبراهيم بن
يعقوب السعدى الجوزجاني فإنه من معاصرى العجلى وتوفى قبله فى سنة
٢٥٦ هـ . وقيل ٢٥٩ هـ .
بغداد :
وهى المقر الثانى للعجلى حيث نشأ بها وقضى فيها أيام شبابه . وكانت:
بغداد من أهم المراكز العلمية فى عصر العجلى وكانت محط رحلات العلماء فى كل
٤٠