Indexed OCR Text
Pages 21-40
١٥ ثم الأبناء فقال: ((باب من نُسِبَ إلى أبيه أو جده أو أمه أو عمه ونحو ذلك)) وألحق به فصلين قصيرين: (( من قيل فيه: ابن أخي فلان. ومن قيل فيه: ابن أم فلان)). ثم ((باب الأنساب إلى القبائل والبلاد والصنائع وغير ذلك)) و((باب الألقاب وما أشبهها)) وألحق به فصلين: (الكنى من الألقاب)) و((الأنساب من الألقاب)). ويقع في الأسانيد ذكر رجالٍ غير مُسَمَّيْن، فأَفرد لمعرفتهم باباً سماه ((باب المبهمات بترتيب من روى عنهم)) فذكر الرجال أولاً بأسمائهم، ثم كناهم، ثم ذكر ترجمتين فقط من رواية النساء عن رجال مبهمين. ثم جاء بالقسم الثاني من الكتاب، وهو تراجم النساء، فترجم لهن على ترتيب الحروف أيضاً ثم ((الكنى) ثم ((ابنة فلان)) ثم ((الألقاب)) ثم ((المبهمات من النسوة على ترتيب من روى عنهن رجالاً ثم نساء)). وقد ذكر المزي - والمصنف في ((التهذيب)) - من هذا الفصل قسم رواية النساء عن نساءٍ مبهمات لم يسمَّيْن، فزاد عليه المصنف هنا قسم رواية الرجال عن نساءٍ مبهمات لم يسمين. وجملة ذلك: أن الكتاب مؤلف من مقدمة وقسمين، قسم للرجال: الأسماء، والكنى، والأبناء، والأنساب، والألقاب، والمبهمات. وقسم للنساء: الأسماء، والكنى، والبنات، والألقاب، والمبهمات. ٣ - وهذه التراجم مسرودة فيه على وَفْق ترتيب هجائي دقيق، إلا أنه ينبغي أن يلاحظ فيه أمور: ( أ) - إنه ذكر حرف الهاء عقب حرف النون، وقدمه على الواو، كما أشرت إليه قبل سطور. وهذا يوجد في كثير من الكتب المصنفة تصنيفاً معجمياً، ويوجد في كثير سواها تقديم الواو على الهاء. (ب) - إنه اعتبر (اللام ألف) حرفاً، وهذا يوجد في كثير من الكتب، ولا يوجد في كثير غيرها. والظاهر أن المصنف تابع في هذه الجزئية الحافظَ المزيَّ صاحبَ الأصل، في حين أنه لما استقل بتأليف كتاب ((معجمي) لم يعتبر (اللام ألف) حرفاً مستقلاً، بل اعتبره لاماً، وهذا ما نراه في كتابه ((الإِصابة)). واعتبار (اللام ألف) حرفاً واحداً أمرٌ سهل لمّا يكون الاسم مبدوءاً به، مثل: لاحق بن حُمَيد، لكنه يشكل أمره إذا جاء وسط الاسم، فيحتاج المراجع إلى انتباه. فإن المألوف أن يكشف المراجع عن (سليمان) - مثلاً - آخر حرف السين مع اللام، باعتبار ورود الياء بعد اللام، بعد أن يتخطَّ بنظره: سَلَام وسلَّام وسَلَامة، مع أنه قدم (سليمان) هنا، وأخر (سَلَام) وأشباهه. وهكذا من اسمه (هلال)، تنظر ترجمته بعد (همام وهناد وهود). و(علاء) بعد (علي وعمر وعمرو وعمران وعنبسة وعون). (ج) - ومن مظاهر عدوله عن الترتيب الدقيق: أنه قدم في حرف الألف تراجم الأحمدين على من اسمه: آبي وآدم وأُبيّ .. ، نظراً لشرف اسم أحمد. وقدم في حرف الميم من اسمه محمد على من اسمه: ماضي ومالك ومثنى .. ، نظراً لشرف اسم محمد. وأول من فعل ذلك الإِمام البخاري في ((تاريخه الكبير)). والله أعلم. وهذان واضحان لا يَربِكان الباحث، ولا يفوِّتان عليه الفائدة. ١٦ (د) - لكنه قد يقدم ويؤخر، فيفوَّت على الباحث بغيته في مواضع أخرى، فمثلًا: ترجم لأحمد بن محمد بن عون القواس برقم ١٠٥، وحقه أن يترجم له بعد أحمد بن محمد بن عبيدالله الثَّغْري، أي: أن يكون برقم ٩٨. وأصل هذا التأخير للمزي، وقد اعتذر بقوله: ((خلط بعضهم إحدى هاتين الترجمتين - ابن عون والغساني الذي قبله - بالأخرى، والصواب التفريق كما ذكرنا)). وترجم لإسماعيل بن إبراهيم بن عبدالله بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري برقم ٤١٨، وحقه أن يكون برقم ٤١٣. وسبب ذلك: أن المزي ترجمه باسم إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري فقط، دون ذكر باقي نسبه، وجاء ذكره عنده في موضعه الطبيعي له، من حيث الترتيبُ الذي سأشرحه في الفقرة الآتية برقم ٤، فتابعه المصنف وترك ترجمته في مكانها، وسرد باقي نسبه ليتميز ويتضح . فمن أراد الكشف عن ابن عون السابق وابن عبدالله هذا - وهو مستحضر دقة المصنف في الترتيب - سينقطع في بحثه ومراجعته بمجرد وصوله إلى رقم ٩٨ بالنسبة لابن عون، ورقم ٤١٣ بالنسبة للأنصاري ولا يتابع البحث والنظر. وترجم لمحمد بن الحسن بن تسنيم الأزدي، ورمز له ((د))، ثم ترجم لمحمد بن تسنيم الحضرمي تمييزاً، برقم ٥٨١٣. فمن أراد الرجوع إلى ترجمة محمد بن تسنيم نظر عند رقم ٥٧٦٦، فلا يجده، بل سيزداد تأكداً من أنه غير مترجم في الكتاب، لقول المصنف ((فصل ت خالٍ)) أي: لا يوجد في الكتاب ترجمة لمن اسمه محمد واسم أبيه مبدوء بحرف تاء. وعذر المصنف أنه ذكره تمييزاً، وحقُّ المميَّز أنه يذكر مع المميَّز عنه؛ لكن كان يمكن للمصنف أن يشير إليه ويحيل على موضع ترجمته ! . ٤ - ومن شأنه في الترتيب: أن يذكر الراوي باسمه واسم أبيه وجده ومن فوقه - إن كان - على الترتيب الدقيق، فإذا فرغ من ذلك نزل طبقة، فذكر من عرف اسمه واسم أبيه، فإذا فرغ منهم نزل طبقة، فذكر من عرف اسمه مع نسبته، فإذا فرغ ذكر من ذُكر باسمه فقط، وعمن يروي، ثم يعرف بحاله . وأمثلة ذلك أذكرها مِن آخرِ مَن اسمه إبراهيم، دون تعليق ولا شرح، ويكفي القارىءَ نظره في ترتيبها: إبراهيم بن يزيد بن شريك النخعي، إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، إبراهيم بن يزيد بن مردانْبَه المخزومي، إبراهيم بن يزيد الخُوْزي، إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجُوْزَجاني، إبراهيم بن يوسف بن إسحاق، إبراهيم بن يوسف بن ميمون، إبراهيم بن يوسف الحضرمي، إبراهيم بن يونس بن محمد البغدادي، إبراهيم، عن كعب بن عُجْرة، مجهول ... إبراهيم، عن ابن الهاد، يحتمل أن يكون [إبراهيم] بن سعد، إبراهيم، عن يحيى، مجهول. وهذا الترتيب ميسِّر ومفيد. أما تيسيره: فواضح. وأما إفادته: فإنه يصحح أخطاء ويكشف أوهاماً. ١٧ مثال ذلك: إبراهيم بن يزيد بن شريك النخعي، الذي ذكرته أول هذه الأمثلة، جاء في الطبعة السابقة . إبراهيم بن زيد، وهو خطأ مطبعي، فإذا لاحظ الباحث الترتيب الهجائي بان له صوابه بسهولة، وأنه: ابن يزيد، لا ابن زيد، بدليل الترتيب الدقيق فإنه كالنص القاطع. ومثال آخر: ترجم المصنف للمسمَّيْن نافعاً، فترجم أولاً نافع بن جبير، واستمر إلى أن قال: نافع بن يزيد الكَلَاعي ... نافع مولى أم سلمة، نافع بن عبدالله مولى ابن عمر. هكذا كتب المصنف بقلمه في الأصل: نافع بن عبدالله، وهو سبق قلم منه ولا ريب، يأباه الترتيب، ولو كان اسم أبيه معروفاً وأنه عبدالله، لكان ينبغي له ذكره قبل عشر تراجم. وصوابه - كما أثبتُّه هناك -: نافع أبو عبدالله، مولى ابن عمر، كما جاء في ((التهذيببين)) والمصادر الأخرى. ومثال ثالث - مثل هذا تماما -: قال المصنف: عكرمة بن عبدالله مولى ابن عباس، هكذا سبق قلم المصنف فكتب: ابن عبدالله، وصوابه: عكرمة أبو عبدالله، مولى ابن عباس. كما يقتضيه الترتيب الذي شرحته، وكما جاء في ((التهذیبین)» ومصادر ترجمته. ٥ - ومن طريقته في الكتاب: أنه كثير الإِحالات، ليقرِّبَ الفائدة ويُيَسِّرَها، وقد تكون الإِحالة ضمن الحرف، أو آخره. فالإِمام أحمد رحمه الله، اشتهر أنه: أحمد بن حنبل، فلما انتهى المصنف في الأحمدين إلى مَن اسم أبيه مبدوء بحرف الحاء قال: ((أحمد بن حنبل، هو: أحمد بن محمد بن حنبل)) ثم ترجمه في مكانه المحال عليه. وقد يغلط الراوي في اسم الشيخ أو اسم أبيه، فيذكره المصنف في ترتيبه المناسب، وينبّه إلى صوابه ويحيل عليه . فمثلاً، قال: ((أيوب بن حصين، يأتي في: محمد بن حصين)). وترجمه هناك. وقال: ((إبراهيم بن إسماعيل بن رَزين. يأتي في: ابن سليمان)) فترجمه في: إبراهيم بن سليمان بن رزين. أما الإِحالات التي في آخر الحرف: فما تكاد تجد اسماً من الأسماء التي يكثر استعمالها إلا في آخره جملة من الإِحالات، فأحمد وإبراهيم وداود و ... كثير غيرهم ذكر في آخر تراجمهم إحالات عديدة تيسر لمن لا يحفظ اسم الرجل أن يرجع إليه في مكانه. فالإِمام النخعي الفقيه اشتهر باسمه ونسبته: إبراهيم النخعي، لكن لم يشتهر باسم أبيه، فذكره في آخر المسمين بإبراهيم وقال: إبراهيم النخعي، هو: ابن يزيد، فإذا رجع القارىء إلى: إبراهيم بن يزيد رأى رجلين، فهان عليه الأمر وقرُب من وصوله إلى بغيته، بدلاً من أن ينظر كلَّ من اسمه إبراهيم، نظر في ترجمتين فقط، فإذا رأى في الثانية وصفه بالفقيه تأكد لديه أنه هو. .ولا ريب أن عدداً كبيراً جداً من هذه الإِحالات كتبه الإمام المزي رحمه الله، لكن المصنف زاد عليه في ((التهذيب)) وزاد على نفسه في ((التقريب)) أيضاً. فمثلاً: إحالة: ((محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئب، اسم جده المغيرة، يأتي)) غير موجودة في ((التهذيب)). وقال بعد ترجمتين: ((محمد بن عبدالرحمن بن أبي رافع، في: ابن عبدالله)) وليست في ((التهذيب)) أيضاً. ١٨ وقال: ((محمد بن عبدالرحمن، عن علي بن بحر، صوابه: ابن عبدالرحيم. ت)). وليست في ((التهذيب)) كذلك. وهذه الإِحالات والتنبيهات هي من الأهمية بمكان، لا يدركها إلا من عاناها. ٦ - ومن أهم ما في الكتاب: إكثاره من الضبط، حتى صار مصدراً أساسياً له، وقد قال المصنف في المقدمة وهو يذكر أسس الترجمة عنده: ((مع ضبط ما يشكل من ذلك بالحروف)). وأغرب ما رأيته من اهتمامه بالضبط: أنه ترجم لعَرْعَرة بن البِرِنْد السامي الناجي الملقب بـ ((كُزْمان))، فضبط كل كلمة من هذه الكلمات، فجاء عدد كلمات الضبط قدر عدد كلمات الترجمة ! . ٠ أما الملاحظات على استيفاء المصنف لمتطلبات هذا الجانب: فأُجملها فيما يلي: الأولى: أن ((التقريب)) مختصر وملخّص من ((التهذيب))، وينبغي أن يكون جميع ما في ((التهذيب)) موجوداً في فرعه، سوى ما يخلّ بمقتضى الاختصار، وإذا وجد في الفرع زيادة على الأصل فشيء مستحسن. وقد لفت نظري عدم وجود تراجم في ((التقريب)) وهي موجودة في أصله! مثل: إبراهيم بن حرب العسقلاني، وبكر بن بكار القيسي، وخالد بن أسلم القرشي، والثلاثة من رجال بعض الكتب الستة الأصول. وتقدم ص ١٤ أنه لم يترجم لمحمد بن أبي عمرو الأزدي في ((التقريب)) وهو في ((التهذيب)) أضافه بناء على ما التزمه بعد أربعين سنة من فراغ تأليف ((التهذيب)). وفي ((التهذيب)) أيضاً تراجم لإبراهيم بن مهاجر الأزدي، وإسماعيل بن يعقوب بن إسماعيل بن زيد بن ثابت، ومحمد بن أسامة بن محمد بن أسامة بن زيد، ومحمد بن أسامة النخعي، كل هؤلاء ذكرهم تمييزاً. ولم أقصد استيعاب هؤلاء ولا هؤلاء عن طريق المقارنة بين الكتابين، لكني أجزم أن عددهم نادر. الثانية: ذكرت أن المصنف أكثر من الضبط، وأنه عنصر أساسي عنده في كتابه هذا، لكن بدا لي أمران حول الضبط : أولهما: إهماله _ نادراً - لضبط أسماءٍ ضبطُها ضروريٍّ. مثال ذلك: قوله في ترجمة محمد بن حاتم بن يونس الجَرْجَرائي: ((لقبه حُبِّي)) فإنه لم يضبطه بالكلمات ولا بالقلم ولم ينقطه في الأصل، فجاء مشتبهاً، وكذلك فعل في فصل الألقاب، ولما كتب اسم جده ((يونس)) وضع على السين علامة الإِهمال وهي - كما يقولون -: قلامة ظُفُّر مُضْجَعة، هكذا: ب فضبط الواضح وترك المشتبه ! . ومثل قوله في الكنى: ((أبو مريم الحنفي القاضي، اسمه: إياس بن ضُبَيح)). رسمه هكذا: صح، مهملاً من النقط والضبط بالقلم أو الكلمات، والمشهور في هذا الرسم: صبيح، مصغراً ومكبراً مع إهمال الصاد، أما بالضاد المعجمة فيحتاج إلى نص وضبط وتنبيه. إلى أمثلة أخرى يجد القارىء التنبيه إليها في التعليق، مثل: ترجمة عبدالحميد بن كُرْدِید. ثانيهما: اختلاف المصنف رحمه الله في الضبط مع نفسه. وهذا في الحقيقة ليس نادراً. ١٩ واختلافه مع نفسه يكون تارة مع ما سجَّله في الكتاب، وتارة مع ما سجله في كتاب آخر له، مثل ((تبصير المنتبه». مثال الحال الأولى: قوله: ((ثعلبة بن مالك الطُّهَوي، بضم المهملة وفتح الهاء .. )) وهكذا ضبط هذه النسبة في ترجمة ذُهيل بن عوف الطهوي، وعبد الله بن ميمون الطهوي. أما في ترجمة سَليط بن عبداللّه الطَّهوي فقال: (بفتحتين)) أي: الطَّهَوي. ومثال آخر: قوله: ((الربيع بن عُمَيلة، مصغر .. )). ولما ترجم لابنه الرُّكَين بن الربيع بن عميلة، ولأخيه يُسَير بن عميلة جعله مكبراً فضبطه بفتح العين وكسر الميم . ومثال الحال الثانية: ((عبيد بن نَضْلة، بفتح النون وسكون المعجمة، الخزاعي)) مع أنه قال في كتابه الآخر (تبصير المنتبه)) ٤: ١٤٢٢: ((نُضَيلة: تصغير الذي قبله - أي تصغير نضلة -: عبيد بن نضيلة الخزاعي)). ومثال آخر: ((خالد بن يزيد بن صالح بن صَبِيح المري)) ضبطه بقلمه في الأصل بفتحة على الصاد وكسرة تحت الباء، في حين أنه جعله في ((تبصير المنتبه)) ٨٣٢:٣ مصغراً: مضموم الصاد مفتوح الباء. الملاحظة الثالثة: ذكرت أن المصنف قد اهتم بالإِحالات واعتنى بها، وزاد فيها على ما سبق منه في ((التهذيب)). وهذا صحيح. غير أنه يلاحظ عليه : - إهماله لها أحياناً. - وقصور عبارته أحياناً أخرى. - وعدم صحة الإِحالة أحياناً ثالثة . - فمثال إهماله للإِحالة أحياناً: ما تقدم في الحديث عن ترتيبه للتراجم: قال عند رقم ٥٧٦٦: ((فصل ت خالٍ) أي: لا يوجد ترجمة لمن اسمه محمد واسم أبيه مبدوء بحرف التاء، مع أنه ترجم تمييزاً لمحمد بن تسنيم الحضرمي برقم ٥٨١٣، عند ترجمة: محمد بن الحسن بن تسنيم الأزدي، أي: بعد سبع وأربعين ترجمة! فكان يحسن أن يذكره هنا ويحيل على موضع ترجمته، فإن هذا مما يفوّت على الباحث الوقوف على الترجمة مطلقاً . - ومثال قصور عبارته: قوله عند رقم ٤١: ((أحمد بن سعيد الحراني، صوابه: ابن أبي شعيب)) أي: هو: أحمد بن أبي شعيب الحراني، وبالرجوع إلى هذا الاسم، أي عند رقم ٤٧، لا يجد الباحث شيئاً، لأنه: أحمد بن عبدالله بن أبي شعيب الحراني، وترجمته جاءت برقم ٥٧ . وهذا مما يُفوّت الفائدة، أو يُتعب في العثور عليها، لأن نظر القارىء سينحسر عند رقم ٤٧، ٤٨، والأصل أن الإِحالات لتحصيل الفائدة وتيسيرها. وقد يكون سبب قصور الإحالة: كثرة المسمّيْن بالاسم المحال عليه. كقوله عند رقم ٤٣٣٨: ((عبيدالله بن محمد، في ترجمة: محمد بن عبيدالله)). فإن المسمَّيْن بمحمد بن عبيدالله كثيرون، وقد رجعت إلى المزي فوجدته يسميه: ((محمد بن عبيدالله بن محمد)). ومع ذلك فالمسمَّوْن كذلك اثنان، فأيهما المراد؟. ٢٠ - ومثال عدم صحة الإِحالة: قوله عند رقم ٥٧٦٠: ((محمد بن أبي بكر بن أبي شيبة، هو: ابن عبدالله، يأتي)). أي: ستأتي ترجمته في: محمد بن عبدالله بن أبي شيبة، أو في: محمد بن عبدالله بن محمد بن إبراهيم، لأن أبا شيبة هو محمد بن إبراهيم. وقال عند رقم ٦٠٤٨: ((محمد بن عبدالله بن محمد، هو الرَّقَاشي الذي قبله، أو ابن أبي شيبة، وقد تقدم)). أي: تقدم في: محمد بن عبدالله بن محمد بن إبراهيم. ولا شيء من هذا أبداً، كما يرى القارىء، وهو مترجم في ((التهذيب)) ٧٨:٩. ومثال آخر: قال عند رقم ٢١٢٠: ((زيد بن جارية، آخر، يأتي في المبهمات)). ولم أر شيئاً. بقي التنبيه إلى شيء يتعلق بالإِحالات في الألقاب والأنساب، وهو: أن الرجل يكون له أحياناً نادرة أكثر من لقب، وكثيراً ما يكون له أكثر من نسبة، فحينما ترجم له المصنف ذكر له نسبة، وفي فصل الأنساب ذكر له نسبة أخرى، وأحال على ترجمته، فإذا رجع القارىء إلى ترجمته لا يجد فيها هذه النسبة. وكذلك يقال في الألقاب، يترجم المصنف للراوي، ولا يذكر له لقباً، فإذا جاء إلى فصل الألقاب، ذكر لقبه وأحال على ترجمته، وعند النظر في الترجمة لا نجد اللقب. وهذا كثير، وهو في الألقاب أكثر منه في الأنساب، والله أعلم. ومثال ذلك: قوله في فصل الأنساب: ((المعبِّر، محمد بن فضاء)) ولم يذكر هذه النسبة له في ترجمته. وقال في فصل الألقاب: ((ياقوتة العلماء، هو المعافى بن عمران)) ولما ترجمه لم يذكر له هذا اللقب. وعلى خلاف هذا، فإنه ترجم لمحمد بن عبدالله بن حسن بن حسن برقم ٦٠١٠ وقال: ((يلقب النفس الزكية)) ولم يذكر هذا اللقب في فصل الألقاب. ثانياً: وأما الحديث عن منهجه في الترجمة خاصة: فقد أجمله المصنف بقوله في المقدمة: ((لا تزيد كل ترجمة على سطر واحد غالباً، يجمع اسمَ الرجل واسمَ أبيه وجده، ومنتهى أشهر نسبته ونَسبه وكنيته ولقبه، مع ضَبطٍ ما يشكل من ذلك بالحروف، ثم صفته التي يختص بها من جرح أو تعديل، ثم التعريفَ بعصر كل راو منهم، بحيث يكون قائماً مقام ما حذفتُه من ذكر شيوخه والرواة عنه، إلا من لا يؤمن لّبْسه)). وهذا بيانه وتفصيله: ١ - يذكر اسم الرجل ونسبه وكنيته ونسبته، وهل هو صَلِيبة: من أصل القبيلة، أو من مُحَالفيها، ويشير إلى تنقله في البلدان، وتولّيه بعض الأعمال، كالقضاء، وأنه من العبّاد والزهاد ... وهذا لا يحتاج إلى مثال، إذ هو الكتاب كله، إنما ينبغي التنبيه إلى أن المصنف في ((التهذيب)) كثيراً ما يسوق في نسب المترجم زيادة على ما في ((التقريب)) ويذكر فيه من نِسَبه ما لا يذكره في ((التقريب)) أيضاً، فيحتاج الباحث أحياناً إلى الرجوع إلى (التهذيب)). وقد يذكر في ((التقريب)) من نسب المترجمَ ما لا يذكره في ((التهذيب)). ٢١ فإنه ترجم هنا لإسماعيل بن إبراهيم بن عبدالله بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، واكتفى في ((التهذيب)) بقوله: إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري. ٢ - وإذا كان في اسمه أو اسم أبيه خلاف: ذكره، وقد يترجمه، وقد يحيل الترجمة على الموضع الثاني، إنما يترجمه في الموضع الذي يترجح عنده، لكن يلاحظ أنه قال عند رقم ٣٦٦٧: ((عبدالله بن نِمْران، بكسر النون، في: عبدالرحمن، يأتي)). وقال في: ((عبدالرحمن بن نِمْران ... صوابه: عبدالله)). وإذا كان كذلك فحقُّ الترجمة أن تكون في الموضع الأول، لكن هكذا فعل المزي، فتابعه المصنف(١). ٣ - ثم يضبط اسمَ المترجم إن كان بحاجة إلى ضبط، واسم أبيه وجده ونسبه ونسبته، وهكذا، إن دعت حاجة إليه. ٤ - ثم يذكر مرتبته من حيثُ الجرحُ والتعديلُ بعبارة وجيزة وصفها المصنف في المقدمة بقوله: ((أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وصف به، بألخص عبارة وأخلص إشارة)). ٥ - ثم يحدد طبقته وزمنه، وتاريخ وفاته إن عرف ذلك، وقد يذكر سنوات عمره، فيعرف منه تاريخ ولادته، وقد يحذف المائة والمائتين، فيُعرفان ويقدَّران من الطبقة، كل ذلك بالكلمات والحروف، لا بالرقم الحسابي إلا نادراً. وهذا واضح لا يحتاج إلى مثال، إلا ما حصل فيه وَهَم للمصنف رحمه الله، فيعرف من التعليق على بعضه مما انتبهت إليه، مثل رقم ١٩٣، ٤٠١٨. أما الملاحظات على هذا العنصر فكما يلي : الأولى: لم يلتزم المصنف سياقة كل ترجمة بهذا الترتيب، فقد يُدخل بين ألفاظ الجرح والتعديل ذكر الطبقة - مثلاً -. كقوله في ترجمة حماد بن أبي سليمان: ((فقيه صدوق له أوهام، من الخامسة، ورمي بالإِرجاء)). وقوله في ترجمة خلف بن سالم المخرِّمي: ((ثقة حافظ، من العاشرة، صنف المسند، عابوا عليه التشيّع ودخولَه في شيء من أمر القاضي)). وكنت أحرص أثناء خدمتي للكتاب أن لا أضع فاصلة بين ألفاظ الجرح والتعديل مهما طالت الجملة، لئلا ينقطع نظر القارىء عن متابعة الحكم على الراوي، لكنني كنت أجد نفسي مضطراً إلى ذلك في مثل هذه الحال. الثانية: وقد يقدم ذكر سنة الوفاة على الطبقة، مع أن غالب أحواله تقديم الطبقة، وهذا ليس ذا أهمية. لكن لفت انتباهي صنيع المصنف في ترجمة حبيب بن أبي حبيب المصري كاتب الليث رقم ١٠٨٧، فإنه كتب: ((كذبه أبو داود وجماعة، من اليا)) هكذا وأراد أن يكتب: من التاسعة، وهو الترتيب المألوف للمصنف، ثم ضرب على ((من البا)) وكتب: «مات سنة ثماني عشرة ومائتين، من التاسعة)). فلَمَ عَدَلَ عن ذكر الطبقة أولاً ثم تاريخِ الوفاة - كما هي عادته - إلى خلافها؟؟. (١) وانظر مثالاً آخر عند رقم ٢٦٦٩ مع رقم ٤٨١٨، و٣٩٠٩ مع ٤٣٠٢. ٢٢ الثالثة: والمألوف من استعمال العلماء للأنساب أنهم ينسبون الرجل إلى قبيلته، وإذا أرادوا نسبته إلى بطن منها، قدَّموا النسبة إلى القبيلة أولاً، ثم إلى البطن، وإذا نسبوه إلى بلدة وأرادوا نسبته إلى مكان تابع لها - كقرية مثلاً - قدَّموا النسبة إلى البلدة ثم إلى القرية. أي: ينسبون إلى الأعم فالأخص. وهذا ما سلكه المصنف في كتابه(١) إلا مواضع قليلة أخلَّ فيها، فقدَّم الخاص على العام. مثال ذلك: قوله في ترجمة أبيّ بن العباس بن سهل بن سعد: ((الأنصاري الساعدي)). وهذا صحيح، فإنه نسبه أولاً النسبة العامة: الأنصاري، ثم نسبه النسبة الخاصة: الساعدي، فإن بني ساعدة من الأنصار. في حين أنه قال في ترجمة أخيه عبدالمهيمن بن العباس: ((الساعدي الأنصاري)) !. وقال في ترجمة الصحابي الجليل عبدالله بن رواحة: ((الخزرجي الأنصاري)) والخزرج من الأنصار !. ومن غرائب المصنف في ترتيب النِّسَب قوله عن حِجْر بن قيس: ((الهَمْداني المَدَرِي الحَجُوري)). فالهمداني: نسبة إلى هَمْدان قبيلة معروفة، والمَدَري: نسبة إلى بلد في اليمن، والحَجُوري: نسبة إلى حُجُور من ولد همدان، فيكون قد أدخل النسبة إلى البلد بين النسبة إلى القبيلة وبطنها !! . ومثله قوله: إسحاق بن يحيى بن علقمة الكلبي الحمصي العَوْصي، وعَوْص: بطن من كلب، فأدخل النسبة إلى البلد بين النسبة إلى القبيلة وبطنها أيضاً !. (١) وحرص عليه، كما فعل في ترجمة سلمة بن صخر، رقم ٢٤٩٦، فانظرها مع التعليق. ٢٣ الجانب الثالث: الحديث عن مراتب الجرح والتعديل فيه قال المصنف رحمه الله في مقدمة الكتاب: ((إنني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصحِّ ما قيل فيه، وأعدلَ ما وصف به، بألخص عبارة، وأخلص إشارة ... وباعتبار ما ذكرتُ انحصر لي الكلام على أحوالهم في اثنتي عشرة مرتبة : أولها: الصحابة، فأصرح بذلك لشرفهم. الثانية: من أُكدِّ مدحه بـ ((أفعل)) كـ ((أوثق الناس))، أو بتكرير الصفة لفظاً، كـ ((ثقة ثقة))، أو معنى كـ ((ثقة حافظ)». الثالثة: من ◌ُفْرد بصفة، كـ ((ثقة)) أو ((متقن)) أو ((ثّبْت)) أو ((عدل)). الرابعة: من قَصُر عن درجة الثالثة قليلاً، وإليه الإشارة بـ ((صدوق)) أو ((لا بأس به)) أو ((ليس به بأس)). الخامسة: من قصر عن الرابعة قليلاً، وإليه الإِشارة بـ ((صدوق سيء الحفظ)) أو (صدوق يَهم)) أو ((له أوهام)) أو: يخطىء، أو: تغيَّر بأَخَرَة، ويلتحق بذلك: من رمي بنوع من البدعة، كالتشيّع، والقَدَر، والنَّصْب، والإِرجاء، والنَّجهُّم، مع بيان الداعية من غيره. السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يُترك حديثه من أجله، وإليه الإِشارة بلفظ (مقبول)) حيث يتابع، وإلا: فـ ((لَيِّن الحديث)). السابعة: من رَوَى عنه أكثر من واحد ولم يوثَّق، وإليه الإِشارة بلفظ ((مستور)) أو ((مجهول الحال)). الثامنة: من لم يوجد فيه توثيق لمعتبر، ووجد فيه الضعف ولو لم يفسر، وإليه الإِشارة بلفظ ((ضعيف)). التاسعة: من لم يرو عنه غير واحد، ولم يوثَّق، وإليه الإِشارة بلفظ ((مجهول)). العاشرة: من لم يوثق البتة، وضُعِّف مع ذلك بقادح، وإليه الإشارة بـ ((متروك)) أو ((متروك الحديث)). الحادية عشرة: مَن اتهم بالكذب. الثانية عشرة: من أُطلق عليه اسم الكذب والوضع)). ويُستخلص من كلامه هذا: أن منهجه في الحكم على الرجل استخلاص مرتبته من بين الأقوال التي ذكرت فيه، والتي جمَّعها في ((التهذيب)). ورائده في هذا الاستخلاص: العدل والنَّصَفة، ليصل إلى أصح الأقوال وأرجحها عنده. ولكن: هل خِطته أن يتخيَّر قولاً من الأقوال التي أمامه ويعتمدَه في ((التقريب))؟ أو أنه يستخلص قولاً من مجموعها ويسبكه بعبارة من عنده؟. ٢٤ الذي رأيته وتدل عليه الأمثلة الكثيرة: هو الأمران معاً، فقد يختار كلمة من الكلمات التي قيلت في الراوي، وقد يصوغ من عنده كلمة هي خلاصة (ومزيج) من جملة الأقوال. مثال الحال الأولى: ترجم لمحمد بن حاتم بن سليمان الزُّمِّي وقال عنه: ((ثقة)). وذكر في ((التهذيب)) أن صالح بن محمد الأسدي والنسائي والدارقطني قالوا عنه ((ثقة)) وأن ابن حبان ذكره في ((الثقات)). ونقل عن أبي حاتم وحده أنه قال فيه ((صدوق)). فيكون المصنف قد اختار قول الجماعة وتوثيقهم على قول أبي حاتم. ومثال الحال الثانية: قال عن توبة أبي صدقة الأنصاري: ((مقبول)). ونصُّ ما في ((التهذيب)): ((قال أبو الفتح الأزدي: لا يحتج به. وقرأت بخط الذهبي: بل هو ثقة، روى عنه شعبة. يعني: وروايته عنه توثيق له)). فكلمة الأزدي - على ما فيه - ((لا يحتج به)) فيها غمز للرجل غيرُ شديد، لأن عدم الاحتجاج لا يلزم منه الضعف دائماً، وتوثيقه برواية شعبة عنه: توثيق غير وثيق، فشعبة ممن قيل فيه: لا يروي إلا عن ثقة، لكنه حكم إجمالي لا قاعدة مطردة. فلما تعارض هذا الغمز مع هذا التوثيق، ولَّد المصنف منهما حكماً من عند نفسه فقال: مقبول. والأمثلة على هذا وذاك كثيرة في الكتاب، بل تكاد أحكامه كلها لا تخرج عن هاتين الحالين. وأقول: تكاد لا تخرج عنهما، تحفظاً من الأحكام التي حصل فيها للحافظ رحمه الله ذهول واضطراب في خطته، كما سيأتي إن شاء الله تعالى . ولا بد من الحديث هنا عن ثلاث نقاط وتجليتها: النقطة الأولى: شرح بعض مراتبه، وبيان أنها مراتب خاصة بكتابه هذا، أو هي مراتب عامة في علم الجرح والتعديل؟ . النقطة الثانية: بيان دقة المصنف، وتطابق أحكامه مع ما رسمه في المقدمة. النقطة الثالثة: مدى التزامه بهذه الألفاظ أو زيادته عليها. أما عن النقطة الأولى: فإنه عدَّ المرتبة الأولى في التعديل: الصحابة، وقال ((أصرح بذلك لشرفهم)). وكلام المصنف واضح لا يحتاج إلى تعليق، إنما يحتاج إلى تنبيه. إن الصحبة: ليست مرتبة ولا لفظة من مراتب التعديل وألفاظه التي تستفاد من كلام الأئمة في الرواة، فكلمة ((ثقة)) - مثلاً - كلمة تستفاد من يحيى بن معين في فلان من الرواة، وكلمة ((صدوق)) أيضاً، كلمة تستفاد من علي بن المديني في راو آخر، وهكذا. أما الصحبة: فموهِبَة إلهية لمن اختارهم الله تعالى لصحبة نبيِّه عليه أفضل الصلاة والسلام، وجَعَل الله تعالى من لوازم هذه الموهبة: العدالة. روى الإمام أحمد رحمه الله في ((مسنده)) ١: ٣٧٩ عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ((إن الله نظر ٢٥ في قلوب العباد فوجد قلبَ محمد صلى الله عليه وسلم خيرَ قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوبَ أصحابه خيرَ قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه. فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأَوْا سيئاً فهو عند الله سيءٌ))(١). وقال الإِمام الخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه ((الكفاية)) ص ٤٦: ((عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن)) ثم ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة، ثم قال ص ٤٨: ((وجميع ذلك يقتضي طهارةَ الصحابة والقطعَ على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله لهم إلى تعديل أحد من الخلق له)). وبيَّن ابن الأنباري المراد بعدالتهم، فقال - كما في ((فتح المغيث)) ١٠٦:٣ -: ((وليس المراد بعدالتهم ثبوتَ العصمة لهم واستحالةَ المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلفِ البحثِ عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا إن ثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك ولله الحمد، فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السِّير، فإنه لا يصح، وما صحَّ فله تأويل صحیح)). فانظر إلى قول ابن مسعود رضي الله عنه: قلوب أصحابه خير قلوب العباد. وإلى قول الخطيب البغدادي : ... بتعديل الله لهم. وإلى قول ابن الأنباري : ... من غير تكلفِ البحثِ عن أسباب العدالة. وقد صرح المصنف بالسبب الداعي له على تقديم الصحابة في المرتبة على من بعدهم فقال ((لشرفهم))، وهو غير غافل عن أنه: لا ارتباط ولا تلازم بين الصحبة وكمال الضبط والحفظ، وغير غافل عن عنصر البشرية في الصحابة، فلا داعي لاستغراب الصنعاني في ((توضيح الأفكار)) وقوله ٢٦٣:٢ ((كيف يُجعل كون الراوي صحابياً أبلغَ من الموصوف بـ ((أوثق الناس)) ونحوه، والصحبة لا تنافي النسيان وعدم الحفظ؟!)). وإنما أُتيَ الصنعاني من قِبلَ شيء آخر، هو فهمه خطأً لكلام المصنف، إذ قال مفرِّعاً عليه ٢: ٢٦٣: ((فأول المراتب توثيقاً: كون الراوي صحابياً) وهذا غير صحيح، وكلامه هناك يحتاج إلى تفنيد. هذا شيء ينبغي التنبيه إليه - والتنُّه له - بسبب جعل المصنفِ الصحابةَ في المرتبة الأولى. وشيء آخر يتعلق به أيضاً: إن الأستاذ الشيخ أحمد شاكر رحمه الله أخذ كلامَ الحافظ هذا كلَّه وذكره في ((الباعث الحثيث)» ص ١٠٥ على أن مراتبه مراتبُ عامةً للجرح والتعديل. وهذه غفلة منه - تشبهها غفلة الصنعاني - يخالفه فيها أول مرتبةٍ أمامه، هي مرتبة الصحبة، وقد تقدم أن الصحبة تعديل إلهي، وأما المراتب التي رتّبوها فهي مستَمَدَّة من التعديل البشري. وترتيب المصنف هذا خاصّ بكتابه ((التقريب)) لا ترتيب عام. وانظر الأسطر الآتية. (١) وهذا من الموقوف الذي له حكم الرفع، وسنده حسن، كما في ((المقاصد الحسنة)) ص ٣٦٧. ٢٦ ٢ - ثم قال رحمه الله: ((الثانية: من أُكِّد مدحه، إما بأفعل، كأوثق الناس، أو بتكرير الصفة ... )). وهذا كلام واضح لا يحتاج إلى تعليق أيضاً. إنما ذكرته لأتمم التنبيه والاستدلال به على أن هذه المراتب خاصة بالتقريب، لا عامة. وبيان ذلك: أن المصنف قال في ((شرح النخبة)) ص ١٥٤ - بحاشية ((لَقْط الدرر)) -: ((ومن المهم أيضاً معرفة مراتب التعديل، وأرفعُها: الوصفُ أيضاً بما دلَّ على المبالغة فيه، وأصرحُ ذلك: التعبيرُ بأفعل، كأوثق الناس .. )). فأنت تراه هنا جعل أرفع المراتب وأولها: الوصف بأفعل، كأوثق الناس، في حين أنه جعل هذا الوصف في مقدمة كتابنا هذا: المرتبةَ الثانيةَ. ولا تعارض في كلام المصنف، إذ أنه لما تحدث في مجالٍ عام وتقريرِ مسائلِ هذا العلم تقريراً عاماً - وذلك في ((شرح النخبة)) -: جعل هذا الوصف مرتبة أولى، ولا دَخْل للصحبة في هذا المجال، لأنها تعديل إلهيّ قطعيّ، وحديثنا عن ألفاظ التعديل البشري الاجتهادي الظني. ولما كان يتحدث في مجال خاص وبيان مصطلحاته فيه - وهو مقدمة ((التقريب)) - جعل هذا الوصف مرتبة ثانية . وفي ((التقريب)) ذكر لكثير من الصحابة، ففيه من يشملهم التعديل الإلهي، ومن يشملهم تعديل المعدِّلين من البشر، فقدَّم الصنف الأول ((لشرفهم)). مع ملاحظة أنه لا مانع يمنع من اتفاق بعض المراتب الخاصة مع نظائرها في مجالاتها العامة. ٣ - ثم قال: ((الخامسة: من قصر عن الرابعة قليلاً، وإليه الإشارة بصدوق سيء الحفظ ... ويلتحق بذلك من رمي بنوع من البدعة كالتشيّع والقَدَر والنَّصْب والإِرجاء والتَّجَهم». وخلاصة قوله هذا مع ما ذكره في المرتبة الرابعة: أن الرابعة: صدوق، فإنْ وقعت له أوهام في حديثه، نزل إلى المرتبة الخامسة بسبب (أوهامه). ومما يُنزله إلى المرتبة الخامسة أيضاً: وَصْفه بنوع من أنواع البدع. هذا هو مفاد اسم الإِشارة في قوله ((ويلتحق بذلك)). أي: ويلتحق بالسبب الذي أنزله عن الرابعة إلى الخامسة - وهو الأوهام - سبب آخر هو البدعة. فكما أن ((صدوق له أوهام)) من ألفاظ الخامسة عنده، كذلك ((صدوق رمي بالقدر) - مثلاً - من ألفاظ الخامسة أيضاً. والله أعلم. وهذا عجيب لا يتفق وما قرره هو - وغيره من العلماء - أن البدعة لا تقدح في عدالة الراوي قدحاً مطلقاً، إنما لها تفصيل معلوم مشهور. وقد قال المصنف في ((الفتح)) ١٨٢:١٠ كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، عن أبي بَلْج الكوفي: ((اسمه يحيى، وثَّقه ابن معين والنسائي وجماعة، وضعَّفه جماعة بسبب التشيع، وذلك لا يقدح في قبول روايته عند الجمهور)). وهذا يؤكد أن هذه المراتب خاصة بالتقريب لا عامة. ٢٧ وإذا صح ما قلته، فهل ينسحب - عند المصنف - على الثقة إذا رمي بنوع من البدعة؟ كقوله في هشام بن أبي عبد الله الدَّسْتَوائي: ((ثقة ثبت، وقد رُمي بالقدر)) وقوله في حَرِيز بن عثمان: ((ثقة ثبت رُمي بالنَّصْب)»؟. ٤ - ثم قال رحمه الله: ((السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإِشارة بلفظ مقبول حيث يتابع، وإلا فليّن الحديث)). فهذه المرتبة تشتمل على ((ليّن الحديث)) وعلى ((المقبول)). ولكل منهما ثلاثة شروط: أما لين الحديث فشروطه: ١ - أن يكون قليل الحديث. ٢ - أن لا يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله. ٣ - أن ينفرد بالحديث فلا يتابع. وأما المقبول فشروطه: ١ - أن يكون قليل الحديث. ٢ - أن لا يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله. ٣ - أن لا ینفرد بالحدیث بل يتابع عليه. هذا تبسيط كلام المصنف لهذه المرتبة السادسة، وفيه ما يؤيد قولي السابق: إن هذه المراتب خاصة بالتقريب ومصطلحات له فيه. وبيان ذلك: أن الشرطَ الأول: قلةُ حديث مَن يوصف باللين أو القبول. وهذا أمر لا علاقة له بمن يقال فيه (لين) أو (مقبول) كما هو واضح لمن تصفح شيئاً من كتب الرجال. وثانيها: أن لا يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله. وهذا أيضاً لا علاقة له بمن يوصف بلين أو قبول. وذلك أن الراوي إذا كان صدوقاً وبدرت منه أوهام نادرة يقولون فيه: صدوق ربما أخطأ، أو يخطىء، أو يهم، فإن زادت قليلاً جداً قالوا فيه: صدوق له أوهام، فإن زادت قالوا: صدوق سيء الحفظ، فإن زادت قالوا: فيه لين، وتركوا كلمة: صدوق. فإن زادت قليلاً قليلاً قالوا: ليِّن الحدیث. فحينما يقول الإِمام أحمد - مثلاً -: فلان لين الحديث، لم يقلها وهو ينظر إلى قول غيره فيه: ضعيف، لكن لم يثبت لأحمد ضَعْفه، ولم يتبين له سببه، لذلك قال فيه: لين الحديث. لا ، إنما قالها وقد سَبَر الرجلَ وأحاديثَه، فوجده من حيث الديانةُ والعدالةُ سليماً، إلا أن في أحاديثه ما يؤخذ عليه، ووصلت هذه المآخذ إلى نسبةٍ تقتضي تليينه، مع ملاحظة النسبة بينها وبين ما رَوَى: كمّاً وكيفاً. وثالثها: تفردُ الراوي بالحديث ليقال فيه ((لين الحديث)) وعدمُ تفرده به ليقال فيه ((مقبول)). وهذا لا يعرف في المصطلحات العامة لعلماء الجرح والتعديل، إنما يلاحظون التفرد وعدمه حين التطبيق العملي وحكمِهم على حديثٍ ما بالصحة أو الضعف، لا في حال الجرح والتعديل. ٢٨ وثمة ملاحظتان : الملاحظة الأولى: في قوله ((لم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله))، فإن لي وقفةً في فهم مراد الحافظ منه. إذ ظاهر قوله ((لم يثبت فيه)): أنه قُدح فيه وتُكُلم، ولكنه جرح غير مؤثر، والسؤال هو: ما هو مستوى هذا الجرح؟ هل هو جرح خفيف يسير، أو متوسط، أو شديد؟. والذي حملني على هذا السؤال وجعله يتبادر إلى ذهني: هو قوله ((يترك حديثه))، فهل أراد الترَكَ الاصطلاحيَّ الخاصَّ بالضعف الشديد؟ أو أراد مطلق الترك؟. ومما يستفسر عنه في قوله ((لم يثبت فيه)): هل مراده بالثبوت المعنى الاصطلاحي؟ أي: لم ينقل الجرح بسند صحيح أو حسن؟ أو مراده بالثبوت لازمُه، وهو القبول، إذ يلزم من ثبوت القول قبوله، ومن عدم ثبوته ردِّه، فالمعنى: لم يقبل فيه هذا الجرح ليترك حديثه من أجله، وعدم القبول قد يكون لعدم الثبوت، وقد يكون لغير ذلك، كما إذا كان الجارح متكلَّماً فيه، كما قالوا في أبي الفتح الأزدي، أو كان الجرح مبهماً، فلا يقبل عند جمهرة من العلماء، ويقبل عند جمهرة أخرى، وخصَّه المصنف فيمن خلا عن تعديل، كما هو مشهور. وهنا تتجاذب الأنظار وتختلف، فمن قَبِل الجرحَ المبهم: يقول: قد ثبت الجرح في هذا الراوي، ولا يُدخله في المرتبة السادسة حينئذ، بل يجعله في مرتبة أدنى، ومن لا يقبل الجرح المبهم: يقول: لم يثبت فيه الجرح، ويجعله من المرتبة السادسة . واستفسار ثالث: متى نقول عن هذا ((مقبول)) وعن ذاك ((لين الحديث))؟ إن كان قولنا بناءً على اطلاعنا، فما كل من نظر في ((التقريب)) عنده أهلية الاطلاع على الطرق وتتبعها، وإن قال قائل: إن المصنف قد كفانا مئونة ذلك فحكم على مَن له متابع بالقبول، وعلى من لا متابع له باللين، قلنا: إن هذا حكم فَرْضي متعذِّر، ولا سيما إذا لاحظنا أن للراوي أكثر من حديث، واستقراء أحاديث كل راو وتُّعها كلِّها، ثم الفحصُ التام عن متابعٍ لكل حديث منها، فإنه أمر متعذر جداً. ويزداد الأمر تعذراً وإشكالا حين ملاحظة وجودٍ متابع على بعض الأحاديث، وعدم وجود متابع على بعضها الآخر، فكيف تكون عبارة المصنف حينئذ في حق هذا الراوي؟ !. وما قول القارىء الكريم وما موقفه من قول المصنف في ((التقريب)) عن الوليد بن زَوْران: ((لين الحديث)) والوليد هذا راوي حديث أنس في تخليل اللحية في الوضوء، وقد تابعه عليه ثابت البناني، كما قاله المصنف نفسه في ((النكت على ابن الصلاح)) ٤٢٢:١ ونقل كلامه تلميذُه السخاوي في ((فتح المغيث)) ٧٢:١. ويزيدك الأمر غرابة أن المصنف قال عن الوليد: ((وثقه ابن حبان ولم يضعفه أحد))(١) وقد توبع، ومع ذلك قال عنه ((لَيِّن الحديث)) وشرطه هنا في ((التقريب)) عدم المتابع، وأن يكون فيه كلام لكنه لم يثبت فيه !! فلم لم يقل عنه ((مقبول)»؟ !. الملاحظة الثانية: أن كلمة ((مقبول)) تستعمل عند أهل الفن في الحديث المقبول قبولاً عاماً، وهو الشامل الصحيح والحسن وما بينهما وما يقرب من الحسن. قال السيوطي رحمه الله تعالى في ((التدريب)) ١٧٧:١ آخر كلامه عن الحديث الحسن: ((خاتمة: من الألفاظ المستعملة عند أهل الحديث في المقبول: الجيد والقوي والصالح والمعروف والمحفوظ والمجوّد والثابت)) ثم ذكر أيضاً: المشبّه. فقوله ((في المقبول)) أي: في الحديث المقبول. (١) وقال عنه في ((النكت)): إسناده حسن، أما في ((التلخيص الحبير)) ٨٦:١ فضعَّفه إذ قال عنه: ((مجهول الحال)). ٢٩ وقال في ألفيته : والصالح الثابت والمجوَّدا يطلقون جيدا وللقبول وهذه بين الصحيح والحَسَنْ وقرَّبوا مشَبَّهات من حَسَن كما يستعملونها أحياناً في الراوي استعمالاً شاملاً للثقة ومن دونه، ما دام في حيِّز القبول ، ولم ينزل إلى درجة الضعف. قال المصنف رحمه الله في ((التهذيب)) ٩: ١١٤: ((أحمد وعلي بن المديني لا يرويان إلا عن مقبول)). ومعلوم أنهم يستعملون في هذه المناسبة كلمة ((ثقة)) أكثر من استعمالهم كلمة ((مقبول)). أما استعمالهم كلمة ((مقبول)) في مثل المناسبة التي استعملها المصنف هنا وجعل لها هذه الشروط: فلم أر شيئاً من ذلك - فيما أذكر الآن - وإن وجد فنادر، والله أعلم. ٥ - ثم قال: ((السابعة: من رَوَى عنه أكثر من واحد ولم يوثَّق، وإليه الإِشارة بلفظ مستور، أو مجهول الحال)». وهذا رأيُ الحافظِ المصنف رحمه الله هنا وفي ((شرح النخبة)) ص ١٠١، فالمجاهيل عنده قسمان، مجهول العين - وهو: من لم يرو عنه إلا واحد ولم يوثق -. ومجهول الحال - أو المستور - وهو: من روى عنه اثنان فصاعداً ولم يوثق. والذي قرَّره ابنُ الصلاح - في ((مقدمته)) ص ١٠٠ - ١٠١ في المسألة الثامنة من مسائل النوع الثالث والعشرين - وغيرُه، أن المجاهيل ثلاثة: ١ - مجهول العين، وهو من انفرد بالرواية عنه واحد، ولم يوثق. ٢ - مجهول الحال، وهو من عرفت عينه، بأن روى عنه عدلان وعيَّناه، ولم يوثق. ٣ - مجهول العدالة الباطنة، بأن عرفت عدالته الظاهرة فعدِّل بها، وهو المستور، وهو: عدلُ الظاهر خفيُّ الباطن. فالمستور أحسنُ حالاً من مجهول الحال، مع أن المصنف يسوِّي بينهما. والظاهر أن قوله ((لا يعرف حاله)) بمنزلة ((مجهول الحال)) عنده، فإنه استعملها في - عبيدالله بن أبي الوزير أحدٍ شيوخ أبي داود، مع أن مقتضى كلامه في ((التهذيب)) أنه مجهول العين، ينزل إلى المرتبة التاسعة. أما قوله عن محمد بن عمر بن أبي عمر المقرىء: ((لا يعرف)» أي: لا تعرف عينه، فهو مجهول العين، وهو مقتضى ما في ((التهذيب)) كذلك. ٦ - ثم قال: ((الثامنة: من لم يوجد فيه توثيق لمعتبر، ووجد فيه الضعف ولولم يفسر، وإليه الإِشارة بلفظ: ضعيف)). فالشرط الأول: أنه وجد فيه توثيق، لكنه توثيقُ عالمٍ من علماء الجرح والتعديل لا يعتدُّ بتوثيقه إذا انفرد، وكأنه يلمِّح بابن حبان وابن شاهين في ثقاتهما، أو بابن حبان والحاكم إذا أخرجا لرجل في صحيحهما. ٣٠ والشرط الثاني: وجود جرح في الرجل، ولو كان هذا الجرح مبهماً غير مفسَّر، وقد قرر المصنف في ((شرح النخبة)» ص ١٥٨ أن الجرح المبهم مقبول في حق من خلا عن التعديل، وتراه هنا ينزِّل التوثيقَ غيرَ المعتبر بمنزلة عدمه، فيُعمل هذا الجرح المبهم فيه . لكن يلاحظ غموضٌ وتعميم في قوله ((ووجد فيه الضعف)» فما هو مستواه ومداه؟ إذ قد تكون عبارة هذا الضعفِ غيرِ المفسَّر تستحق تنزيل الراوي إلى مرتبة أشدَّ ضعفاً ونزولاً من المرتبة الثامنة !. وهذا مما يستأنس به للقول بأنها اصطلاحات خاصة لا أحكام عامة . ثم، ماذا نقول فيمن وثَّق توثيقاً غير معتبر، وجاء الكلام فيه بالجهالة، والجهالة ليست تضعيفاً محدداً معيناً، إنما هي عبارة عن عدم العلم بحال الرجل، هل هو ثقة أو ضعيف، وبما أن المحدثين يميلون إلى جانب الاحتياط للسنة النبوية فقد صنفوا المجاهيل مع الضعفاء، لاحتمال أن يكونوا في واقع الأمر ضعفاءَ، وإلا فقد یکونون ثقاتٍ . وفي ((التهذيب)) ترجم لأيوب بن سليمان الشامي، وذكر أن أبا حاتم قال فيه: مجهول، وأن ابن حبان ذكره في ((الثقات)). ومع ذلك قال عنه في ((التقريب)): ضعيف !. ولو قال عنه ((مجهول الحال)) لقلنا: أعرض عن توثيق ابن حبان مطلقاً، واعتمد قول أبي حاتم فيه، لكن أين الجرح المفسَّر أو غير المفسَّر ليقول فيه: ضعيف؟. ٧ - وقال: ((التاسعة: من لم يرو عنه غير واحد، ولم يوثَّق، وإليه الإِشارة بلفظ: مجهول)) يريد: جهالة عينه . وهذا ما تقدم عنه نقله، وهو مذهب عامة العلماء. لكن ينبغي التنبيه إلى أن المحققين ذهبوا إلى أن شهرة الراوي بالطلب مع رواية واحد عنه ترفع عنه جهالة عينه . وقد اضطر المصنف - أحياناً - للخروج عن ألفاظه التي رسمها في هذه المقدمة وضيَّق على نفسه بها، فقال عن إبراهيم بن طَرِيف الشامي: ((مجهول تفرد عنه الأوزاعي وقد وثَّقَ)). وقال عنه في (التهذيب)): ((ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: شيخ، ونقل ابن شاهين في ((الثقات)) عن أحمد بن صالح قال: كان ثقة)). فرجلٌ يوثّقه أحمد بن صالح المصري الإِمام - الذي ماثله يعقوب بن سفيان بالإِمام أحمد بن حنبل في قوله: ((كتبت عن ألف شيخ وكسر، كلهم ثقات، ما أحدٌ منهم أتخذه عند الله حجة إلا أحمد بن صالح بمصر وأحمد بن حنبل بالعراق)) - ويوافقه ابن حبان وابن شاهين، ومع ذلك يقول عنه المصنف ما تراه. وانظر ص ٣٣ الكلام على هشام بن عمرو الفَزَاري، وعمر بن محمد بن جبير بن مطعم وغيرهما. ٨ - ثم قال: ((العاشرة: من لم يوثَّق البتة، وضُعف مع ذلك بقادح، وإليه الإِشارة بمتروك، أو متروك الحديث، أو واهي الحديث، أو ساقط)). ويوجّه إلى هذه المرتبة من الاستفسار ما وجه إلى المرتبة الثامنة: ما هو مقدار الضعف القادح؟ وما لفظه؟ . ٣١ ومما يؤكد ما قلته سابقاً - إنها مراتب خاصة لا أحكام عامة -: أنه جعل المتروك: مَن جُرح بقادح ولم يوثق، في حين أنه عرَّف المتروك في ((شرح النخبة)) ص ٨٦ بقوله: ((هو ما يكون بسبب تهمة الراوي بالكذب)). وهذه هي المرتبة الحادية عشرة الآتية، لا العاشرة. ولو أن رجلاً لم يُنقل فيه إلا قول إمام: ليس بالقوي - أي: ليس بالحافظ _ وأتى الإِمامُ ببيِّنَةِ حكمِه، وسَرَد ما أخطأ فيه هذا الراوي، فماذا نقول فيه؟ اللهم إلا إذا كان مراد المصنف: وضعف بقادح، أي: ضعف في عدالته، فحينئذ يكون من درجات الضعف الشديد، فيطلق عليه: واهٍ، ضعيف جداً، ونحوها، ومع ذلك فلا يقال عنه ((متروك)) إلا إذا كان متهماً بالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم. ٩ - ثم قال أخيراً: ((الثانية عشرة: من أُطلق عليه اسم الكذب والوضع)). قلت: وها هنا ألفاظ متفاوتةُ الحكم متباعدةُ الرتبة، فإنهم يقولون: وَضَع حديثاً، يَضَع، يكذب، وضّاعِ، كذاب، دجال، ما أكذبَه، ركنٌ من أركان الكذب. فكم بين قولهم: وضع حديثاً ويضع ويكذب، وبين قولهم: ركن من أركان الكذب؟! ولا تصح التسوية بينهما إلا في مجال اصطلاحي، لا في حال تقرير أحكام عامة، ومعاذ الله أن يَغفُل المصنف عن ذلك، وهو القائل في ((شرح النخبة)) ص ١٥٤: ((وللجرح مراتب، وأسوأها: الوصف بما دلَّ على المبالغة فيه، وأصرح ذلك: التعبير بأفعل، كأكذب الناس ... ، ثم: دجال، أو وضاع، أو كذاب)). فهاتان مرتبتان، أدرجهما في مقدمة ((التقريب)) وجعلهما مرتبة واحدة. والله أعلم. هذا ما بدا لي من ملاحظات حول هذه المراتب، وخاصة حول اعتبارها أحكاماً عامة كما هو شائع ذائع لدى كثيرين وكثيرين من أهل زماننا، فلم يعودوا يلتفتون إلى سواه. وخلاصتها : - اعتبر الصحابةَ أصحابَ المرتبة الأولى، في حين أن الصحبة تعديل إلهيّ لا تدخل تحت تعديل المعدِّلين من الناس. - عدَّ ((أوثق الناس)) المرتبة الثانية، وهي المرتبة الأولى عنده وعند غيره. - اعتبر البدعة نوعاً من أنواع الجرح، بمثابة سوء الحفظ، وليس كذلك عنده ولا عند غيره. - جعل لـ ((لين الحديث)) و((مقبول)) ثلاثة شروط، ولا شيء من ذلك في كلام أهل العلم في المجالات العامة، ولم يستعملوا - فيما أعلم - كلمة ((مقبول)) فيما استعملها المصنف فيه. - اصطلاحه فيمن يُطلَق عليه كلمة ((ضعيف)) غيرُ محدَّد فيه مستوى التضعيف، ولا يتلاءم مع ما يمشي عليه أهل هذا الفن. - ((المتروك)) عنده هنا: مَن ضُعِّف بقادح ولم يوثق، مع أنه عرَّفه - كما عرفوه -: مَن اتُّهم بالكذب. - المرتبة الأخيرة عنده تشمل مرتبتين من مراتب الجرح، كما صرح به في ((شرح النخبة)) وكما صرح به العلماء الآخرون. فهذه سبع ملاحظات. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٢ النقطة الثانية: بيان دقة المصنف وتطابق أحكامه مع ما رسمه في المقدمة. أما عن هذه النقطة: فأقول: إن إمامة المصنف الحافظ ودقته وإنصافه أمر مسلَّم له، وهو المستثنى من كل غاية في هذا الفن، إلا أن الطابعَ البشريَّ لا يخلو منه إنسان - إلا من عصمه الله تعالى - ولا يَسلم من زلاته أحد، والسعيد من عُدَّت زلاته، والعالم من أُحصيت غَفَواته، ونسأل الله السداد والإِخلاص. وإن كتاباً ضخماً ((كتهذيب التهذيب)) يبلغ عدد تراجمه قُرابة تسعة آلاف ترجمة، حاول المصنف إيجازها وتكثيفها في هذا الحجم الصغير الذي يعدل مجدداً واحداً من مجلدات ((التهذيب)) - إن كتاباً ومحاولة كهذه لا بدَّ للقائم بها من ملاحظات على عمله. وإني في تناولي هذا الجانب من الدراسة والبحث والإحصاء أقصد تقديم نماذج مما في أحكام الكتاب ومراتب رجاله، ليكون القارىء المستفيدُ منه على بصيرة من أمره، فلا يمشي وراء مَن اصطنع مفهوماً للناس زعم لهم فيه! أن كتاب ((التقريب)) لا عديل له ولا بديل عنه ! . وإن من أخطر العلوم الشرعية على المشتغل بها: علمَ الجرح والتعديل الذي يتطلَّب من صاحبه إخلاصاً وإنصافاً، ودقة وأناة، واستقراء وبحثاً، لأنه إذا رفع إنساناً عن مستواه اللائق به: فقد خان السنة النبوية، وإنْ حطّ بالرجل عن درجته التي يستحقها: فقد بَخَسه حقّه، وكان خصمَه يوم القيامة، وخان السنة المطهرة، حيث ضعَّف منها ما هو قوي، أو أخرج منها ما هو أصيل فيها. فمن واجب الباحث أن يُفرغ جهده في البحث عن الراوي، ولا يكفيه أن ينظر في كتاب واحد وهو يعلم أن فيه بعض الملاحظات أو أن غيره قد يخالفه. وهذه النماذج من الأحكام والمراتب مختلفةٌ مع ما التزمه المصنف ورسمه في هذه المقدمة، ومع ما سطّره وفصَّله في ((التهذيب)) أو في كتبه الأخرى، أو مع أحكام غيره من العلماء. ١ - فمنها: ما هو مختلف مع قوله في الكتاب نفسه. مثال ذلك: قوله عن بشربن قُرة لما ترجمه في حرف الباء: ((صدوق، من السادسة))، وذكر أنه يقال فيه: قرة بن بشر، فلما ترجمه في حرف القاف قال: ((مجهول، من الخامسة)). وقال أيضاً: ((حيٍّ، أبو حَيَّة الكوفي، مقبول)) ويؤيده ما نقله عن أبي زرعة فيه: محلُّه الصدق. ولما ترجمه في الكنى قال: ((أبو حية الكلبي، مجهول)»، وهو هو. وقال أيضاً: ((حرملة بن إياس، مقبول، من الرابعة)). وترجم له ثانياً في الكنى فقال: أبو حرملة ((مجهول، من الثالثة)). وهذا نادر في كتابه، ولعله لا يوجد مثال آخر. ٢ - ومنها: تراجم كثيرة يختلف حكمه فيها عما هو مقتضى كلامه في ((التهذيب)). مثال ذلك: قوله في ((التقريب)): ((ثابت بن سعيد بن أبيض بن حَمَّال، مقبول)). والذي في ((التهذيب)): ((ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقرأت بخط الذهبي في ((الميزان)): لا يُعرف)). ٣٣ وقارنه بقوله في ((ثابت أبو سعيد، مجهول)). وفي ((التهذيب)): ((ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقرأت بخط الذهبي: لا يعرف)). فما الفرق بينهما ليفرق بينهما في المرتبة؟ وقد رَوَى عن كل منهما واحد فقط. ومثال آخر: ((إسماعيل بن مَسْعَدة التَّنُوخِي .. صدوق)). وإذا رجعتَ إلى ((التهذيب)) فلن تجد فيه سوى قوله: ((قرأت بخط الذهبي، لا يدرى من هو)). مع أن المصنف ضنَّ بكلمة ((صدوق)) على كثيرين هم أحسنُ حالاً وترجمةً من إسماعيل هذا. فقد قال: ((إسماعيل بن عبيدالله بن رفاعة بن رافع العَجْلاني .. مقبول)). وذكر في ((التهذيب)) أن الترمذي روى له حديثاً وصححه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وأخرج حديثه هو والحاكم في صحيحهما. فإن قيل: لعل ذلك لأن العجلاني روى عنه واحد فقط فقال عنه ((مقبول)»؟. قلت: أولاً: لم يذكر في شروط المقبول روايةً واحدٍ عنه. وثانياً: إن إسماعيل السَّهمي مولى عبدالله بن عمرو، روى عنه واحد فقط وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال عنه في ((التقريب)): صدوق. ومثال آخر: ترجم في ((التهذيب)» للأسود بن سعيد الهمداني، وذكر أن له حديثاً في سنن أبي داود، ثم قال: ((خرجه ابن حبان في صحيحه من طريقه، وذكره في ((الثقات)) وقال ابن القطان: مجهول الحال)). وقال عنه في ((التقريب)): ((صدوق)). كما ترجم في ((التهذيب)) لوهب بن مانوس، وقال: ((ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال ابن القطان: «مجهول الحال)). وقال عنه في ((التقريب)): ((مستور)). فما الفرق بينهما؟ . وما الفرق بينهما وبين عبدالله بن يونس الحجازي الذي ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال عنه عبدالحق: لا يعرف إلا بهذا الحديث، وقال عنه ابن القطان: مجهول الحال. فقال عنه المصنف في ((التقريب)): ((مجهول الحال مقبول». وترجم لعبدالله بن سعد بن فَرْوة البَجَلي وكتب أولاً: مجهول، ثم ضرب عليه وكتب ((مقبول)). وفي ((التهذيب)): ((روى عنه الأوزاعي. قال دُحَيم: لا أعرفه، وقال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: يخطىء، وقال الساجي: ضعفه أهل الشام)). فمن أين جاءه القبول؟ !. ومثال ثالث: قال في ((التقريب)): ((هشام بن عمرو الفزاري، مقبول)). وفي ((التهذيب)) روى: ((عنه حماد بن سلمة، قال ابن معين: لم يرو عنه غيره، وهو ثقة، وقال أبو حاتم: ثقةٌ شيخٌ قديم. وقال أبو داود: هو أقدم شيخ لحماد، وقال أبو طالب عن أحمد: من الثقات، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).)). فكيف يَسوغ القولُ عن مثل هذا: مقبول، والشرط الأولُ عند المصنف في المقبول: أن لا يثبت فيه ما يترك ٣٤ حديثه من أجله، وهذا ليس فيه شيء أبداً، لا ثابت ولا غير ثابت، لم يثبت فيه إلا توثيق أربعةٍ من الأئمة: ابن معين وأبي حاتم وأحمد وابن حبان !!. ثم قارن بين حكمه هذا على هشام الفَزاري (مقبول) وحكمه الآخر على عمر بن محمد بن جبير بن مطعم. ففي ((التقريب)) قال عنه: ((ثقة ما روى عنه غير الزهري)). وفي ((التهذيب)): روى ((عنه الزهري، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).)). ما الفرق بينهما؟. وما الفرق بينهما وبين حُصين بن محمد السالمي الذي قال عنه في ((التقريب)): ((صدوق الحديث لم يرو عنه غير الزهري)). وفي ((التهذيب)): روى ((عنه الزهري. مرسل. ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الحاكم: قلت للدارقطني: حصين بن محمد السالمي الذي يروي عنه الزهري؟ قال: ثقة)). فلمّ قال عمن وثّقه أربعة ((مقبول))، وعمن وثَّقه اثنان: مرة ((ثقة)) ومرة ((صدوق))؟. ومثال رابع: قال في ((التقريب)) - في الكنى -: ((أبو العباس القِلَّوْري .. ثقة)). وليس في ترجمته في ((التهذيبَيْن)) شيء من جرح أو تعديل، فمن أين جاءه التوثيق؟؟. إلى أمثلة أخرى لا أُطيل بها، إنما هي نماذج ولَفَتات. ٣ - ومنها: ما هو مختلف مع أحكامه في كتبه الأخرى(١). مثال ذلك: قال في ((التقريب)): ((عبدالله بن المثنى بن عبدالله بن أنس بن مالك .. صدوق كثير الغلط)). مع أنه قال في ((الفتح)) ١: ١٨٩ كتاب العلم، باب من أعاد الحديث ثلاثاً: ((عبد الله بن المثنى ممن تفرد البخاريُّ بإخراج حديثه دون مسلم، وقد وثقه العجلي والترمذي، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: صالح، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي. قلت: لعله أراد في بعض حديثه، وقد تقرر أن البخاري حيث يُخرج لبعض من فيه مقالٌ لا يُخرج شيئاً مما أُنكِر عليه، وقولُ ابن معين: ليس بشيء، أراد به في حديث بعينه سُئل عنه، وقد قَوَّه في رواية إسحاق بن منصور عنه؛ وفي الجملة: فالرجل إذا ثبتتْ عدالته لم يُقبل فيه الجرح إلا إذا كان مفسراً بأمر قادح، وذلك غير موجود في عبدالله بن المثنى هذا ... ))(٢). فقوله في ((التقريب)) ((صدوق)): توسطٌ منه بين توثيق العجلي والترمذي، وبين قول أبي زرعة وأبي حاتم: صالح، لكنه ما ارتضى من النسائي قوله ((ليس بالقوي)) وحَمَله على أنه أخطأ في بعض حديثه، فكيف ساغ له أن يقول هنا: كثير الغلط؟. ومثال آخر: ((عمر بن حمزة بن عبدالله بن عمر بن الخطاب العُمري، المدني، ضعيف)). وحكى في ((الفتح)) ٨٣:١٠ كتاب الأشربة، باب الشرب قائماً، عن القاضي عياض رحمه الله أنه قال: ((وأما حديث أبي هريرة: ففي سنده عمر بن حمزة، ولا يُحْتَمَل منه مثلُ هذا، لمخالفة غيره له)). (١) مع العلم أن كلامي لا يقتضي تقديم كلام المصنف - دائماً - في غير ((التقريب)) على ما في ((التقريب)). (٢) انظر كلامه هذا وتمحيصه لهذه الطعون وقارنه بكلامه الآخر ٩: ٥٩٥ كتاب العقيقة، باب إماطة الأذى عن الصبي، وتأمل ! .