Indexed OCR Text
Pages 1-20
أُبيّ الحمدين عبد الباقى بُقَانِعُ
٢٦٥ - ٣٥١ هـ
ضَبَطَ نصّه وَحَلّى عَليْه
أبو عبد الرحمن صَلَج بنهَالم المصراني
المجلّد الأوّل
أُبي ـ شعَيْب
مكتبة العَزَاءِ الأَشِيَّ
تقدمة الشـ
ص: 1 غدا
تقدمة
ربِ یسِّر وأَعن
الحمد لله وكَفَى، وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصْطفى، وصلِ اللَّهمَّ
على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه وكل مَن بآثارِهِ اقتفى ... وبعد:
فقد اصطفى الْمَوْلَى سبحانه وتعالى من عباده نبيِّنا محمد وَّهِ ليكونَ
خَاتَمَ الأنبياء والمرسلين، فما تركَ وَ ل﴿ من خيرٍ يُقَربنا إلى الجَنَّةِ إلاَّ حَثَنَا
عليه، وما تركَ وَّله من شرٍّ يُقَرِّبنا إلى النَّار إلاَّ حذَّرنا منه، ونهانا عنه،
فِكان وَ لِّ ﴿ِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾(١).
فتركنا وَّه على الْبَيْضاء، ليلها كنهارِها، لا يَزِيغُ عنها إلاَّ هالكٌ.
واختار له سبحانه وتعالى من عباده رجالاً يَصْحبونَهُ فى دعوتِهِ وَةِ،
يَقومونَ بما أُمروا بِهِ، ويَنْتهون عمَّا نُهُوا عنه، بُنِيَ الإِسلامُ على أكتافِهم،
فاسْتحقوا بذلك قول الله تعالى ﴿رَّضِيَّ اللّهُ عَنْهُمْ﴾(٢)، وقولَ النبى ◌َّ:
(لا تَسبُّوا أَصحابي، فلو أنَّ أحدكم أنفقَ مثْل أُحُدِ ذهبًا ما بلغَ مُدَّ أحدهم، ولا
نَصيفَه))(٣).
وقد كانوا - رضي الله عنهم - حَلْقَة الْوَصْلِ بين النبيِ وَّ ومن أَتى
بَعْدَهُ، فنقلوا لنا من أخباره وَ لاَ ما نُقَوِّمُ به عباداتنا ومنهجنا.
(١) [التوبة: ١٢٨].
(٣) ((صحيح البخارى)) (١٠/٥).
(٢) [التوبة: ١٠٠].
10 ص: 2
تقدمة
فالوقوف على أسمائهم، وما نقلوه لنا ممّا تعلَّوه من النبيِوَلَهِ شرفٌ
: أَّنا معرفته.
:
ويقول أبو عبد الله الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٢٥): ((ومن
تبحَّر في معرفة الصحابة فهو حافظ كامل الحفظ، فقد رأيت جماعة من
مشايخنا يروون الحديث المرسل عن تابعي عن رسول الله ◌َفي# يتوهمونه
صحابيا، وربما رووا المسند عن صحابي فيتوهمونه تابعيًا))ا. هـ.
وها نحن ذا نُمَهِّدُ لدراسة هذا الباب الذي جَمعتُ فيه بعض ما
وقفتُ عليه من الكُتب التي اعتنت به، ووضعتها في بُنودِ:
الْبَنْدُ الأَوَّلُ: مَنْ هو الصَّحابى؟
يُطلق اسم الصَّحابي في اصطلاحِ أهلِ العلمِ على كل من حازَ شرف
و
العَيْش في زمنٍ وُجَدٍ فيه النبي ◌ُِّهُ بشروط نذكرها مُلخَّصة.
(١) يُطلق اسم الصّحابي على من رَأَّهُ النبيُّ وٍَّ(١)، مؤمنًا به(٢)، ولو
للحظة يَسيرة ومات على الإِسلام - وإن تَخَلَّل ذلك ردَّةً على الرَّاجح (٣) .
وهذا هو رأي جمهور المحدِّثين كالإِمام أحمد - في رواية عَبْدُوس بنُ
مالك - حيث ذكر أصحاب بدر فقال: ((ثم أَفْضل النَّاس بعد هؤلاء
(١) نسبة الرؤية للنبي ◌َ * هي من باب التحرُّر من عدم دخول الأعمى في شرف الصحبة،
وإن كانت هذه الجزئية جدليّة، وإلاَّ فالحكم على الغالب. وكذا من رآه في منامه، إذ أن
مناط التكليف اليقظة .
(٢) قد رأى عبد الله بن صائد النبيَّ وَّ وكلَّمَهُ، ولم يكن قد أسلم آن ذاك، ولكنه أسلم بعد
موت النبي وَ﴾، فلم يعده أحد أنه من الصحابة.
(٣) الأشعثُ بنُ قيسٍٍ - رضي الله عنه - كان ممَّن ارتدَّ مع الْكِنْديين، ثم عاد إلى الإسلام في
خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - ولا خلاف بينهم علمناه في ثبوت صحبته، وقد أخرج
له البخاري في «صحيحه)) في غير ما موضع، وانظر (٨/ ١٧١) في ((الأيمان والنذور))،
وانظر (تحفة الأشراف)): (١ / ٧٦).
تقدمة
ص: 3
أصحاب رسول الله وَ ﴿ه القَرْن الذين بُعثَ فيهم؛ كل من صَحِبَهُ سَنَةً، أو
شهرًا، أو يومًا، أو ساعةً لَّطيفة، أو رآه فهو من أصحابه، له من الصّحبة
على قَدْرِ ما صحبَّهُ وكانت سابقته معه وسَمِعَ منه ونظرَ إليهِ)) ا. هـ (١).
وهذا هو الذي تَبَنَّهُ الإِمام البخاري - رحمه الله - إذ يقولُ في
(صحيحه)) (٢/٥) من ((كتاب الفضائل)): ((ومن صَحِبَ النبيّ ◌َّ أو رآهُ
من المسلمینَ فهو من أصحابه)) ا. هـ.
ولعلَّ هذا - أيضًا - مَّا يُستشفُّ من فعلٍ أبي داود في ((سُنْنه)) بإخراجه
لحديث طارق بن شِهَابٍ، عن النبيِ نَّهِ قال: ((الجُمُعَة واجبٌ على كُلِّ
مسلم ... )) وقال عَقيبة: ((طارقُ بنُ شِهَابٍ قد رأَى النبيِّ وَّ، ولم يَسمع
منه شيئًا)» ا. هـ(٢).
1
فإخراج أبي داود للحديث لمجردِ الرَّؤْية دلَّ على أنه رآه مسنَدًا، وإنَّما
نَّهَ - رحمه الله - على الانقطاع كي لا يُظنُّ اتصاله من حيث السماع،
(٣)
والله أعلم(٣).
وهذا نحو قول عاصم الأحول فى عبد الله بن سرجسن: رأى رسول
الله وَله غير أنه لم يكن له صحبة ا.هـ. من ((الكفاية)) (ص: ٥٠).
(ب) اشترط قومٌ فى إطلاق اسم الصَّحبة على المترجم له: أن يكون
ثَمَّن رآه مؤمنًا به، وجالسه ولو جلسة لطيفة.
حكي هذا القول عن الواقدي بقوله: ((رأيتُ أهل العلم يقولون: كل
مِن رَّأَى النبيِّ ◌َهُ وقد أدركَ الحُلُمَ، فأسلمَ، وعقل أَمر الدين، ورضيَهُ،
فهو عندنا ممّن صحبَ النبيِ وَّله ولو ساعةً مِّن نهار، ولكن أصحابه على
(١) ((الكفاية)) (ص: ٥١).
(٢) ((سنن أبي داود)» (١٠٦٧).
(٣) ويُؤيِّده صنيع أبي حاتم الرازي، ففي (المراسيل)) (ص: ٩٩) قال: ((إنما أدخلته في
الوحدان لما يُحكى من رؤيته النبي ◌ِّإ» ا. هـ.
ويقول العلائي في ((جامع التوصيل) (ص : : ٢٠): ((يلحق حديثه بمراسيل الصحابة)) ا. هـ.
■ ص: 4
تقدمة
طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام)) ا. هـ(١).
وردَّه الحافظُ في ((مقدمة الإِصابة))(٢) بأنه قولٌ شَاءٌ.
ونقل الآمديّ في «الإحكام)) عن أكثر الشَّافعية: ((أنَّ الصحابي: مِن
رَّأَى النبيَّ ◌ِ ﴿ وصحبَهُ ولو ساعة، وإِن لَّم يَخْتص به اختصاص
الْمَصْحَوب، ولا رَوَى عنه، ولا طالت مدة صحبته)) ا. هـ(٣).
وهذا يُخْرِجُ من كانت له وِفَادة ثَمَّنَ عُدُّوا في الصحابة، ويُخْرج من
مُسْحٍ وَلّ عليه، أو دعا له ◌َظله، أو ما شابه ذلك.
(جـ) أنَّ اسمَ الصحابي يُطلق على من رَّأَى النبيِّ وَلَّهِ مؤمنًا به،
وطالت مُدَّةَ الْمُجَالسَةِ، واخْتَصَّ بِهِ، وإِن لَّم يَرْوِ عنه شيئًا.
وهذا القول حكاه ابنُ الصَّلاح(٤) عن أبي المُظَفَّر السَّمْعَانِي وذكر أنها
طريقة أهل الأُصول، وذكر أنَّ اسم ((الصُّحبة)) من حيثُ اللُّغةِ يَقع على
من طالت صحبته للنبي وَّه وكثُرت مُجالسته له على طريق التَّبَعِ لَه
والأخذ عنه.
وفي ((الكفاية))(٥) ما يَرُدُّ هذا القول نقلا عن أبي بكر محمد بن
الطَّيِّب القاضي قوله: ((لا خلاف بين أهل اللّغة في أنَّ القول (صحابي)
مُشتقٌّ مِّن الصَّحبة، وأنه ليس بمشتقٌّ مِّن قدرٍ منها مخصوص، بل هو
جارٍ على كل من صَحِبَ غيرَهُ قليلا كان أو كثيراً، كما أنَّ القول:
(مُكُلَّمٌ) و(مُخَاطَبٌ) وَ(ضَارِبٌ) مشتق من (المُكَالَمَةِ) و(الْمُخَاطَبَةِ)
و(الضَّرْب)، وجارٍ على كل من وقع منه ذلك، قليلا كان أو كثيرًا،
وكذلك جميع الأسماء المشتقة من الأفعال، وكذلك يُقال: صحبتُ فلانًا
(١) «الكفاية)) (ص: ٥١).
(٣) ((تحقيق مُنْيف الرتبة)) (ص: ٣٥) للعلائي.
(٢) (١ / ٥).
(٤) ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص: ٢٨٢)
(٥) (ص: ٥١).
ص: 5
تقدمة !
حَوْلاً، ودهرًا، وسنةً، وشهرًا، ويومًا، وساعةً، فيوقع اسم المصاحبة
بقليلٍ ما يقع منها وكثيرهِ .
وذلك يُوجب في حُكْم اللُّغة إجراء هذا على من صَحب النبيَّ ◌َِّ
ولو ساعة من نهار، هذا هو الأصل في اشتقاقِ الاسم)» ا. هـ. ثم حكى
جواز إطلاقه عُرْفًا.
(د) وهو أضيق من الذي قَبْله بكونه من طالت صحبته له وَلآه،
وَرَوَى عنه شيئًا من العلمِ.
ولا يخفى أنَّ في هذا تَعسف يُخرج الكثير من مُسمى الصحابة ◌َمَّن
اشتهروا فيما بيننا بشرفِ الصَّحبةِ، ولا يُعرف لهم رواية مثل عُكَّاشَة بن
مِحْصَنٍ - رضي الله عنه - أو ممّن سبق ذكرهم في كون أحاديثهم التي
رويت عنهم لا تصح، وأنَّ صحبتهم ثابتة.
وقد ذكر أبو زُرْعَة الرازي - رحمه الله - أنَّ النبي ◌َِّ قُبِضَ عن مائةٍ
ألفْ وأربعة عشر ألفًا من الصحابة، ممّن روى عنه، وسمع منه)) - وفي
روایة - «ممّن رآه وسمع منه).
فقياسًا بمن رُوي عنهم في الجوامع، والمسانيد، والمعاجم، والسنن لا
أظن أنَّ العدد سيتجاوز العُشر، فهل يَسْقُطُ شرفُ الصحبة عن الباقين إذ
لا روایة لهم!
(هـ) ما حكاه الخطيب(١) بسنده إلى ابن سعد، عن الواقدي، عن
طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيِّب، عن أبيه قال: كان سعيد بن
المسيِّب يقول: ((الصحابة لا نعدهم إلاَّ من أقام مع رسول الله وَظله سنة أو
سنتین، وغزا معه غزوة أو غزوتين)) ا. هـ.
(١) في ((الكفاية)) (ص: ٥٠).
■ ص: 6
■ تقدمة
وهذا لا يَثْبُتُ عن سعيدٍ لشدة ضعفِ الْوَاقدِيِّ - محمد بن عُمر -
وقد ردَّه ابنُ الصَّلاحَ(١) - رحمه الله - بأنَّ في عبارته - إن صحت -
ضيق يُوجب أن لأَ يُعد من الصحابة جرير بن عبد الله الْبَجَلي ومن
شاركه ا. هـ.
وزاد الْعَلائي في (تحقيقه)»(٢): ((مثل وائل بنُ حُجْرٍ، ومعاوية بنْ
الْحَكَمِ السُّلَمي، وخلق كثير ممّن أسلمَ سنة تسع وبعدها، وقدم عليه وَله
فأقام عنده أيَّامًا ثُمَّ رجع إلى قومه، وروى عنه أحاديث)) ا. هـ.
(و) ما حكاه القاضي عياض - رحمه الله - قال: ذهب أبو عُمر بن
عبد البر في آخرين إلى أنَّ اسم الصِّحبة وفضيلتها حاصلةٌ لكل من رأه
وأسلم في حياته، أو وُلِدَ وإن لم يره، وإن كان ذلك قبل وفاته بساعة،
ولكن كان معه في زمن واحد، وجمعه وإياه عصر مخصوص أ.هـ(٣).
والذي يَظْهر من نصِّ ابن عبد البر في ((الاستيعاب)»(٤) أنَّ غَرَضَهُ من
ذكرٍ من وُلِدَ في زمِنْهِ - رَّهَـ ــ وإن لَّم يرَه - هو استكمال أو استيعاب
أسماء كل من شمله قول النبي ◌ٍَّ من حديث ابن أبي أوفى: ((خَيْرُ
الناس قَرْني ... )) الحديث.
وليس غَرَضه إثبات الصَّحبة لهم، بدليل أنه حكَمَ بانتفاءِ صحبة عددٍ
ثَمَّن ذكرهم، منهم: الأحنف بن قيسٍ، حيث قال في ترجمته(٥): ((كان
قد أدرك النبي وَّ، ولم يره، ودعا له النبي وَاللّ، فمن هنالك ذكرناه في
ثُمَّ قال: يُعدَّ في
الصحابة، لأنَّه أسلم على عهد رسول الله وَل
.
كبار التابعين بالبصرة) ا. هـ.
(١) ((المقدمة)) (ص: ٢٨٣).
(٣) ((التحقيق)) (ص: ٣٨ - ٣٩).
(٥) ((الاستيعاب)) (١/ ١٤٥).
(٢) (ص: ٣٨، ٤٤).
(٤) (١ / ٢٤) . .
.....
-
KAN تقدمة
ص: 7
وقال - أيضًا: ((ذكرنا الأحنف بن قيس في كتابنا هذا على شرطنا أن
نذكر كل من كان مسلماً على عهد رسول الله وَ لا في حياته)» ا. هـ.
وانظر كذلك ترجمة الصنابحي، وغيره.
فتبيَّن بعد هذا العرض لأرائهم في إثبات اسم الصحبة أنَّ الراجح هو
الذي عليه جمهور أهل الحديث، الذي ذكرناه أوَّلا، وهو الذي انتصر له
الخطيب البغدادي في ((الكفاية))، وابن الصَّلاح فى ((مقدمته))، والحافظ في
((مقدمة الإصابة)) وغيرهم(١).
الْبَنْدُ الثاني: بِمَ تَثبت الصُّحبة؟
دَوَّنَ المتأخرون من أئمتنا في كتبهم ما فهموه من صنيع من تقدمهم -
عدا الذي نصُّوا عليه - الضوابط التي بها تَثبت صحبة المترجمَ له، وقد
جمعتُ ما قُدِّرَ لي الوقوف عليه من كُتبهم - رحمهم الله - ووضعتُهُ في
سبع نقاط أذكرها موجزة:
(١) التَّواتر:
بأن لأَّ يَخفى على أحدٍ صحبة المذكور، مثل أبي بكر، وعُمر،
وعثمان، وعلي، وخديجة، وعائشة - رضي الله عنهم - جميعًا - وكل
من کان من أَضْرابهم.
(ب) الشهرة:
بأن يَشتهِر لدى الكثير من الناس صحبة المذكور، وإن خَفِيَ على
البعض، أمثال: ثابت بن قيسٍ بنِ شَمَّاسٍ، الْخِرْباقُ بنُ عَمروٍ - ذو
(١) قد قسّم أبو عبد الله الحاكم الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى اثني عشرة طبقة حسب
مراتبهم في كتابه ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٢٢ - ٢٤) فانظره.
--
ص ص: 8
تقدمة
الْيَدَّيْنِ، آبي اللَّحم، معاوية بن الحكم السُّلَمي، ضُبَاعَة بنت الزَّبِيرِ،
بَرِيرَة مولاة عائشة - رضي الله عنهم جميعًا، وكل من كان من أَضرابهم.
(جـ) أن يُخْبِرَ بصحبةِ المذكورِ صحابيٌ آخر:
أو أن يأتي ذكره عرضًا ضمن حدیث به تثبت صحبة المذكور، ومثال
ذلك ما روى البخاري في ((صحيحه)) (١) من حديث الْبَرَاءُ بنُ عَازب -
رضي الله عنه - وفيه: أنَّ المشركين لَّا انهزَمُوا ذَهَبَتِ الرَّمَاة ليأخذوا من
الغنيمة، فنهاهم عبد الله بنُ جُبَيْرٍ، فمضوا وتركوه ... الحديث.
وكذلك حديث ابنُ عباسٍ - رضي الله عنهما - فى السَّبعين ألفاً الذين
يَدْخُلُون الجنَّة بغير حساب، حيث قام عُكَّاشة بنُ مِحْصَنٍ فقال: يا رسول
الله؟ ادع الله أن يجعلني منهم. قال: ((أنت منهم .... )) الحديث.
وكذا حديث سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: أنَّ النبي ◌َّ هِ سمع
رجلاً يقول: لبيك عن شُبْرُمَة .. الحديث - إن صحّ الحديث!
وكذا حديث أبي الزبير، عن جابر قال: أُتّي بأبي قُحَافة عام الفتح -
والد أبي بكر الصديق ورأسه ولحيته مثل الثغامة، فقال ◌َله: ((غيروا هذا
بشيءٍ وجِّبوه السَّوادِ)).
وغيرهم كثير - رضي الله عنهم - وإنما ضربتُ بهولاء المثل كي يُقاس
غيرهم عليهم.
(د) أن يَشْهَدَ المذكور لنفسه بالصّحبَة:
وهذه النقطة كانت مَجل جَدَل .
فَنَفَى الصحبة في مثل هذه الحالة: ابنُ الْحَاجِب أبو عَمرو الفقيه
(١) (٥/ ١٢٠) من ((كتاب المغاري))، وانظر (تحفة الأشراف)) (٢/ ٤٠).
تقدمة
ص: 9 م
المالكي فيما نقل عنه ابنُ رُشَيْدِ الْفِهْرِيِّ في كتابه: ((السَّنَنُ الأَبْيَن))(١)
قائلاً: ((وَيَحتمِلُ الخِلافُ للاتهامِ بدعوَى رُتَّةٍ لنفسِهِ)» ا.هـ.
وقال الآمديَّ في (الإحكام))(٢): ((لو قال من عاصرَ النبي ◌َّ: أنا
صحابي، مع إسلامِهِ وعدالتهِ، فالظاهر صِدْقه، ويحتمل أن لاَّ يُصَدَّقَ
في ذلك، لكونهِ مَتْهَمًا بدعوى رُتْبةٍ يُثبتها لنفسه، كما لو قال: أنا عدْلٌ،
أو شهِدَ لنفسه)» ا.هـ.
ويقول أبو الحسن بن القَطَّان(٣): ((ومن يدَّعي صحبة النبي ◌َّ لا
يقبل منه حتى نعلم صحبته، فإذا علمناها فما رواه على السماع حتى
نعلم غیرہ) ا.هـ.
ويقول (السَّخَاوي)) في ((فتح المُغيث)(٣): ((واقتصار ابنُ السَّمعاني حيث
قال: تُعْلم الصَّحبة إما بطريق قطعي - وهو الخبر المتواتر - أو ظنِّي - وهو
خبر الثقة. قد يُشعر به)) ا. هـ.
وقد خالفه في قبول دعواه الصحبة كل من صنَّف في هذا الباب، إلاَّ
أنهم نَبَّهوا على أنَّ صحبته ثبتت بهذا الإِخبار، ولم يُبيِّن ذلك أصحاب
المعاجم والمسانيد ونحوها، وهو الراجح الذي انتصر له الكثير بعد أن
اشترطوا لذلك ثلاثة شروط هي:
١ - عدالته قبل إخباره.
٢ - معاصرته للنبي وَّه، وأنَّ سِنَّهُ تحتملُ ذلك.
٣ - التفرقة بين ادِّعائه طول الصَّحبة وقصَرها، فَقُبلت في الآخير
(١) [ق٣٩/ ب] وقد قمت بتحقيقه، ونشرته مكتبة ((الغرباء الأثرية)) بالمدينة النبوية.
(٢) «تحقيق منيف الرتبة)) (ص: ٥٩).
(٣) ((فتح المغيث)) (٤/ ٩١).
ص: 10
تقدمة
منها، واختلف في طولها، والراجحُ عدم التفرقة، وسيأتي في قول
الخطيب ما يُؤْيِّده.
وفي هذا المعنى يقول ابنُ رُشَيْدِ الْفِهْري - رحمه الله: ((وَلا يَثبتُ قول
قائلٍ لا يُعرف صدقه مُخبراً عن رسول الله وَ لِ: أنَّه سمعه قال كذا، أو
أنه رآه فعل کذا، إلاَّ بعد ثبوت صحبتهِ، أَو تُبوت عدالته قبل أن يُخبر:
أنَّه صاحبٌ، على نَظَرِ في هذا القسم الآخر فإنَّه إذا قال لنا من عاصرَهُ
وَّ مَمَّن ثبتَ إسلامُهُ وعدالتُهُ: أنا صاحبَّ؛ صُدِّقَ وقُبِلَ قولُهُ وسُمعتْ
روایتُهُ» ا.هـ.
ويقول الخطيب في ((کفایته))(١): ((وقد يُحكم بأنه صحابي إذا كان ثقة
أمينا مقبول القول إذا قال صحبتُ النبيِ وَ* وكَثُرَ لقائي له، فَيُحكم بأنّه
صحابي في الظاهر لموضع عدالته، وقبول خبره، وإن لم يُقْطَع بسماعِهِ،
وي
ولو رُدّ قوله: أنه صحابي، لَرُدَّ خبره عن رسول الله وَّ)).
فإن قيل: إخبار الرسول له بالحُكْمِ يَخْفى، وتفرده بالقول له
وبصحبته ومُطَاولته لا تكاد تَخْفى.
قيل: لَعَمْرِي أنها لا تَخفى، وإذا قال: أنا صحابي، ولم يُحْكَ عن
الصحابةِ رَدُّ قوله، ولا ما يُعَارضهُ، جازَ أن يكون ممن طالت صحبته،
وإن ◌َّم يَرْوِ غَيْرُهُ طولَ صحبتِهِ، وإذا كان كذلك وَجبَ إثباته صحابيًّا -
حُكْمًا بقوله لذلك) ا. هـ.
وقد رجَّحه صلاح الدِّين الْعَلائي - أيضا - في ((تحقيقه))(٢)، وأخرج
البخاري في ((صحيحه))(٣) حديث الزهري: أخبرني سنين أبو جميله -
(١) (ص: ٥٢).
(٢) (ض: ٦٨).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٥/ ١٩١)، ((وتحفة الأشراف)) (٤/ ٨٨).
00 تقدمة
ص: 11
وزعم أنه أدركَ النبيّ وَّه وخرج معه عام الفتح.
(هـ) شهادة التّابعي للمَذْكور بالصّحبة:
كقول التابعي: حدثني فُلان من أصحاب النبي ◌َّه .
وقد اعتَبَرَ الحافظ أبو بكر البيهقي ما هذه صورته: مرسلا، كما في
((السنن الكبرى))(١) له، وقد تعقَّبه ابن التَّرْكُمَاني في ذلك، وكذا الزيلعي
في ((نصب الراية)» (١ / ٣٦).
وفي رواية أبي بكرِ الأَثْرَم قال: ((قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد
ابن حنبل: إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجلٌ من أصحاب النبي
◌َلا، فالحديث صحيح؟!
قال: نعم)) ا. هـ (٢).
وهذا ينبغى أن يُقيد بأربعة أمور:
١ - أن يصحَّ السند إلى ذاك التابعي.
٢ - أن يكون التابعي من كبارهم، إذ الغالب روايته عن الصحابة لا
تكاد تخفی.
٣ - أن يكون التابعي ثمّن شُهِدَ له بالعلم والمعرفة التي تُؤهله إلى
التفرقة والتمييز بين الصحابة ومن دونهم.
٤ - أن لاَّ يكون قد جُرِّبَ على هذا التابعي الخطأ في مثل هذا
الباب، بمعنى أن لأ یکون قد حکمَ بصحبه رجلٍ - مثلا - ثم ظهرَ خلاف
ذلك وانظر ((المراسيل)) (ص: ٢٣٥ - ٢٣٦) للرازي (٣).
(١) (١ / ٨٣، ١٩٠).
(٢) ((الكفاية)) (ص: ٤١٥).
(٣) انظر ما سطرته من تعليق على كتاب ((فتح الباري شرح صحيح البخاري) (٥/ ١٩٣)
لابن رجب الحنبلي، تحقيق ((دار الحرمين)) حول هذه النقطة.
ص: 12
تقدمة مـ
ونصُّ الإمام أحمد - رحمه الله سابق الذكر أَرى أنه يُقَّد بأَنَّ الذي
أُهْمِلَ ذكرُهُ صحابيا بالفعلِ، وإنما لم يذكر اسمه ويُعَيَّن، ولذا أَعقبه
الخطيب في ((كفايته)) بنصُّ محمد بن عبد الله بن عَمَّرِ عندما سُئل: إذا
كان الحديث: عن رجلٍ من أصحاب النبي وَّ أيكون حُجَّة؟
قال: ((نعم، وإنْ لَّم يُسَمِّهِ، فإنَّ جميعَ أصحاب النبي ◌َّ كُلهم
حُجَّة)) ا.هـ.
(و) أن يشهد له قومه بالصحبة :
وفي ((المراسيل)) (ص: ٢٨) قال مكحول: سألت الفقهاء: هل كانت
لـ: حبيب بن مسلمة صحبة؟ فلم يُبينوا ذلك .
قال مكحول: وسألت قومه فأخبروني أنه قد كانت له صحبة .
قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: ما تقول أنت؟ قال: قومه أعلم ا. هـ.
وانظر تاريخ ((الدوري)) (٢٣٨٠)، و((سؤالات ابن مجرز)) (١٢٢/١).
(ز) أنَّ ينصَّ على صحبة المذكور إمامٌ في هذا الشَّأْنِ:
قال صلاح الدين العَلائى: ((إذا شَهِدَ له بالصُّحبةِ مثل: البُخاري، أو
مسلم، أو ابنُ أبي حاتمٍ، أو ابن أبي خَيْثَمَةَ، في كُتبهم الْمُصَنَّفَة، فإن
صحبته تَثبُتُ بذلك)» ا.هـ.
وقد رَوَى الْفَسَوى فى ((المعرفة)» (٣/ ٢٠٦) عن الإمام أحمد، عن
حجاج: ثنا شعبة قال: قد كان جُندب بن عبد الله الْعَلَقِي أتى النبي
ـزاله
وإن شئتُ قلتُ: قد صَحِبَهُ .
وسيأتى - إن شاء الله - خلال فقرات التحقيق بعض الضوابط التي
بها تنتفي صحبة بعض من ذُكِرَ ضمن الصّحابة وليس هو بصحابي، وهي
تقدمة
ص: 13
على العكس من الضوابط التي تُثبت صحبة المذكور .
الَبَنْدُ الثالثُ: عَدالة الصَّحابة:
قد كَثُرَ الجدل بين أهل السنة والجماعة، وأهل الأهواء في عدالة من
صحِب النبي و8*، الذين أخذوا يطعنون فيهم، ويَسْلبونهم عدالتهم،
بحجة أنَّ منهم من شرب الخمر، وجُلد الحدَّ، وأنَّ منهم من زَنى،
واستدلوا بقصةِ ماعزٍ، وبقصة المرأة التي رُجمتْ.
واستدلوا أيضاً ببعض الفتن والملابسات التي حَدَثت بين الصحابة -
رضوان الله عليهم - وأنَّ قتالهم لبعض موجبٌ لْفُسقهم - نسألُ اللهَ
السلامة - وويكأنَّه استدل بما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من قوله:
((سباب المسلم فسوق، وقتاله گُفْر)).
واستدل بعضهم بأنَّ منهم من ارتدَّ عن الإِسلام بالْكُلِّية، كابن خَطَل
الذي قتل وهو مُتَعَلِّقٌ بأستار الْكَعْبة، وكعُبيد الله بن جَحْشٍ زوج أم
حَبيبة - رضي الله عنها - الذي تنصَّر بأرض الحبشة، وغيرهم ممن كان
هذا حالهم نسألُ الله السلامة والثبات في الدين.
وفي إسقاط عدالة الصحابة - رضي الله عنهم - بما ذكرنا نَظَرٌ.
فأما استدلالهم بابنٍ خَطَل ومن كان على شاكلته فمردود، لأن اسم
الإسلام قد سُلِبَ منهم؛ فضلا عن أن يكونوا من الصحابة، وقد قررنا
فيما سبق أن اسم الصحابي لا يُطلق إلا على من رآه النبيِّ وَّهِ مؤمنًا به،
ومات على الإسلام، وإن تخلل ذلك ردَّةً .
ومن استدلوا بهم لم يموتوا على الإسلام، فسقط استدلالهم بهذا.
وأمَّا استدلالهم بالفتنِ والملابساتِ التي حدثت بعد موت النبيِّ وَّه
وبوقوع الصحابة في قتالِ بعضهم البعض، الأمر الذي أدَّى إلى أن
ص: 14
مشد تقدمة القطع
أَسْقطوا به عدالة أصحاب خير البريَّةَ وَّلِ فمردودٌ - أيضًا - ولا يُقبل منهم
البَيَّة لأمُور:
منها: أنَّ كُلا مِّنْهم كان مجتهدًا فيما أقدمَ عليه، لظنِّهِ أنه على الحقِّ،
وقد أخبرَ وَّ في حديث عائشة - رضي الله عنها - أنّ من اجتهد
وأصاب كان له أجران، وأن من اجتهد وأخطأ كان له أجرٌ واحدٌ.
وممّا يُؤكد أنَّ الأمر كان بينهم اجتهاديا لا اتِّباعًا للهَوَى؛ هو قُعود
كثير من الصحابة وعدم دخولهم مع أَحَدِ الفريقين.
وقد رُوي أنَّ عليا - رضي الله عنه - طَلَبَ من سعدٍ بن أبي وقّاصٍ أن
يقفَ معه، فقال له سعد: ((أعطني سيفًا يَعْرِفُ الحقَّ من الباطل - أو قال:
يَعْرف الْمُحِقَّ مِن الْمُبْطِلِ».
وقد طَلَبَ عليّ - رضي الله عنه - من أُهبان بن صيفي أن يَخرج
معه، فقال له: إنّ خليلي وابن عمك ◌َل* أمرني إذا كان قتال بين فئتين
من المسلمين أن اتخذ سيفًا من خشب - قال - إن شئتَ خرجتُ معك
بهذا. بعد أن استلّ عصاه.
ومنها - أيضًا - إخبار النبي ◌َّ بوقوع الفتن فيما بعده، ولم يُسقط
عدالة من يقع فيها .
فقد ثبت أنه قال لعمار بن ياسرٍ - رضي الله عنه -: ((ويْحَ ابنِ سَمَيَةٌ،
تقتله الفئة الباغية)) وفي رواية: ((تقتله أَوْلَى الطائفتين بالحقِّ).
وهذا يُؤَكِّدُ أنَّ الطائفة الأخرى على شيءٍ من الحقِّ وإن لِّم يكنِ الحق
كله معها .
وَقُتِلَ عمار - رضي الله عنه - على أَيْدي أفراد معاوية - رضي الله عنه
- ومع ذلك تأوَّل قوله {َّه بأن الذي قَتَلَ عَمَّارًا - رضي الله عنه - هو
■ تقدمة
ص: 15 pm
الذي زَجّ به في هذا القتال، ممّا يُؤَكِّدُ أنَّ الأَمر مّحض اجتهاد منهم -
رضي الله عنهم.
ورضي الله عن عائشة عندما قالت لمعاوية: يا معاوية! أما خشيتَ
الله في قتل حُجْر وأصحابه !؟
فقال: إنما قتلهم مَنْ شَهِدَ عليهم ا. هـ. وقد دعا وَّهِ لمعاوية،
ومدحه ابنُ عباسٍ بقوله: ((إنه فقيه))، وما تأخّر أحدٌ عن قبول روايته.
وقد أخبر ◌َّالل ـ أيضًا - بأن: ((ابني هذا سيِّد، وسيُصْلح الله به بين فئتين
عظيمتين)) ودارت الأيام بعد موت النبي وَّ حتى تنازل الحسين بن علي -
رضي الله عنهما - لمعاوية على الخلافة حَقْنًا لدماء المسلمين.
وما أخبر وَله بأن إحدى الطائفتين عدالتها ساقطة.
وأمَّا استدلالهم بأن بعضهم جُلِدَ الحد و .. و .. ، كل ذلك لإسقاط
وهدم حلقة الوصل التى بيننا وبين النبي وَله.
فنقول: أين هي مروياتهم - هدانا الله وإياكم -!!
ثم إن من الصحابة - رضوان الله عليهم - من كان يرتعد إذا أراد أن
يُحَدِّثَ عن النبيِ وَّ، ومنهم من كان يتصبب منه الْعَرَق؛ كل ذلك
حِرْصًا على تأدية ما تلقوه من مُعَلِّم هذه الأُمة وَلَو، دون زيادة فيه أو
نقصان، فلو سقطت عدالتهم لَمَا بَالَوا بما حدَّثُوا، وَلَدَخَلَ في دينِ اللهِ ما
ليس منه ثمَّا لا يُتَصور بعد وعد الله تعالى وتكفله بحفظ هذا الدِّين إذ
قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكَرَ وإِنَّا لَهُ لحافظونَ﴾(١) ومعلومٌ أنَّ من تمام
حفظ هذا الدين، هو حفظ عدالة من نقلوه لنا ليصل إلينا وإلى من بعدنا
إلى قيام السَّاعة دون غبش أو خدش.
(١) [الْحِجر: ٩].
ص: 16
تقدمة السعـ
فعدالة الصحابة - رضوان الله عليهم جميعًا - ثابتةً بالكتاب،
وبالسُّنة، وبإجماع الأُمة على ذلك.
ففي مُحكم التنزيل يقول الحقَّ سبحانه: ﴿للفقراء المهاجرين الّذين
أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً مِّن الله ورِضْوانا ويَنْصُرُونَ اللهَ ورسولَهُ
أولّكَ هُمُ الصَّادِقون. والَّذِين تَبَوَّءو الدَّار والإيمَانَ مِنْ قَبْلهم يُحُبُّونَ مَن هَاجَرَ
إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً مِّمًّا أُنُوا ويُؤْثرون على أَنفسِھم ولو كان بهم
خَصَاصة ومن يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئك همُ المفلحون. والذين جاءوا من بعدهم
يقولون ربَّنا اغفر لَّنا ولإخواننا الَّذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً
لِلَّذين آمنوا ربنا إنكَ رءوفٌ رَّحِيمٌ﴾(١) ثم استثنى منهم سبحانه وتعالى
المنافقين بقوله في الآية التي تليها ﴿أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِين نَافقوا .... ﴾ والآيات في
هذا المعنى كثيرةٌ لِّمن ﴿رضي اللهُ عنهم﴾(٢) .
ومن السُّنة كثير، وفي حديث عِمْران بن حُصَيْنٍ - رضي الله عنه -
غُنية لمن تأمَّلَ إذ يقول النبي وَ لور: ((خير الناس قَرْني الذين أنا فيهم ... ))
الحديث(٣).
وفي حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - من قول النبي وَّر: ((لا
تَسبُّوا أصحابي، والذي نفسي بيده لو أنفقَ أحدكم مثل أُحُد ذَهَبًا ما أدركَ مُدَّ
أحَدِهم ولا نَصيفه»(٤).
وأمَّا الإجماع؛ فما خالف فيه إلاَّ طوائفهٌ مِّن الْمُبتدعة نسألُ الله
السَّلامةَ في الدِّين، أمثال الخَوَارج والمعتزِلة.
(١) [الْحَشْرِ: ٨، ٩].
(٣) ((صحيح البخاري)) (٣/ ٢٢٤).
(٤) (صحيح البخاري)) (٥/ ١٠).
(٢) [التوبة: ١٠٠].
تقدمة
ص: 17
وفي هذا يقول ابن عبد الْبَرِّ: «الصحابة كلهم عدولٌ، مَرْضيُّونَ،
ثقاتٌ، أثباتٌ، وهذا أمرٌ مجتمعٌ عليه عند أهلِ العلمِ بالحديث)) ا. هـ(١).
ويقول ابنُ حَزْمٍ(٢): ((الصحابة كلهم في الجنَّة، واستدل بقوله تعالى
﴿لا يَسْتوي منكم مّن أُنفقَ قبل الفتح﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وكلاً وَعَدَ الله
الحُسنى﴾.
ويقول ابنُ الصلاح في ((مقدمته)): ((الأُمة مجمعة على تعديل جميع
الصحابة، ومن لابسَ الفتن منهم فكذلك، بإجماع العلماء الَّذين يُعْتَدُّ
بهم في الإِجماع، إحسانًا لٌلظَّنُّ بهم، ونظرًا إلى ما تَمَهَّدَ لهم من المآثر،
وكأنَّ الله سبحانه وتعالى أَتاحَ الإجماع على ذلك لكونهم نَّقَلَة الشريعة،
والله أعلم)) ا. هـ(٣).
ويقول أبو زُرْعة الرَّاري - رحمه الله: ((إذا رأيتَ الرجل يَنْتقصُ أحدًا
من أصحاب رسول الله وَ ﴿ فاعلم أنَّه زنديقٌ، وذلك أنَّ الرَّسُولَ وَّلـ
عندنا حَقٌّ؛ والقرآنَ حَقٌّ، وإنما أَدَّى إِلينا هذا القرآن والسُّنن: أصحاب
رسول الله وَله، وإنما يُريدون أن يُجَرِّحوا شهودنا ليُبْطلوا الكتاب والسُّنة،
والجرح بهم أَوْلى، وهم زنادقة)) ا. هـ(٤).
و کتب أبو عبد الرّحمن
صلاح بن سالم المصراتي
(١) (التمهيد)) (٢٢ / ٤٧).
(٢) ((المحلَّى)) (١ / ٤٤).
(٣) ((المقدمة)) (ص: ٢٨٧)، وانظر كذلك ((مقدمة الاستيعاب)) (ص: ١٩)، ((والسَّنن الأبين))
[ق ١/٣١ - ب).
(٤) ((الكفاية)) (ص: ٤٩).
ص: 18
ابن قانع في سطور
---
(ابنُ قَانِعٍ فِي سُطُورٍ)
هو الحافظُ العالمُ أبو الحُسين عبد الباقي بنُ قَانعِ بنِ مرزوقِ الأُموي
مولاهم الْبَغدادي، وُلِدَ في ذي القعدة لخمسٍ ليالٍ بَقين منه من سنةٍ
خمس وستين ومائتين .
وقد کان - رحمه الله - واسعَ الرِّحلة، كثير الحديث، بصيرًا به، وقد
نَسَبُه ابن أبي الْفَوَارس إلى أصحابِ الرأي - يريد بذلك مدرسة النعمان
ابن ثابت، وهي مدرسة الرأي والقياس.
** شيوخه:
قد سمعَ ابنُ قانعٍ - رحمه الله - من خلقٍ كثيرٍ، منهم:
١ - إبراهيم بن إسحاق الْحَربي.
٢ - إبراهيم بن الهَيْثُم الْبَلّدِي.
٣ - أحمد بن إسحاق الْوَزَّان.
٤ - أحمد بن يحيى الْحُلْواني.
٥ - إسماعيل بن الفضل الْبَلْخي.
٦ - بشر بن موسى.
٧ - عبد الله بن أحمد بن حنبل.
٨ - عبد الله بن سليمان أبو بكر بن أبي داود السجستاني.
٩ - علي بن محمد بن أبي الشوارب.
١٠ - محمد بن عبد الله بن سُليمان - مُطَيِّن.
ابن قانع في سطور
ص: 19
١١ - محمد بن يونس الْكُدّيمي.
١٢ - مُعَاذ بن الْمُثَنَّى.
١٣ - موسى بن هارون الْحَمَّال.
وغيرهم.
* تلاميذه:
١ - أبو بكر الرَّازي، وقد أكثر عنه في كتاب: ((أحكام القرآن)).
٢ - أبو الْحَسن الْحَمَّامي، وهو راوي الكتاب الذي بين أيدينا.
٣ - الْعَبْقَرِيُّ أبو الْحَسن الدَّارَقُطْني الحافظ، وقد أكثر عنه.
٤ - أبو الْحَسن بن رِزْقُوْيَه.
٥ - أبو الْحَسن بن الْقُرَات.
٦ - أبو الْحُسَيْن بن الفضل بن الْقَطَّان.
- ٧ - أبو عبد الله الْحَاكم، صاحب ((الْمُسْتدرك)).
- ٨ - أبو علي بن شاذان.
- ٩ - أبو القاسم بن بشران.
وغيرهم.
مكانته العلمية:
كل من ترجم لابن قانع - رحمه الله - ذكر أنه من أهلِ الدُّرايةِ
والْمَعْرفةِ، وأنَّه واسع الرِّحلة، وقد وُصفَ - رحمه الله - بالحفظ، فيقول
ابنُ الْجَوْزي في «الْمُنْتَظَم))(١): ((كان من أهلِ العلمِ، والفهمِ، والثقةٍ))
ا. هـ.
وذكره ابنُ دَقِيق الْعِيد في ((الإِمام)» فقال: ((ابن قانعٍ من كبار
(١) (الجزء ١١) وفيات سنة (٣٢٩: ٣٨٧هـ).